قد يدرك المتأنّي بعض حاجته … وقد يكون مع المستعجل الزّلل (١)
وقال له أبو أيوب كاتبه: أخّر الأمر حتى تقدم إلى شيعتك وأهل بيتك. فأنفذ المنصور كتابه مع غير عطية.
وحدثني عبد الله بن خلف الوراق عن عدة من آل حميد بن قحطبة قالوا: لما بلغ أبا مسلم موت أبي العباس كتب به إلى أبي جعفر وهو لا يعلم باستخلافه إياه، فلما أتاه أنه قد استخلفه كتب إليه: «أصلحك الله يا أمير المؤمنين صلاحا ناميا باقيا، بلغني هذا الأمر الذي أفظعني وأتاني به كتاب عيسى بن موسى مع محمد بن الحصين، إلا أنه سرّى عني الغمّ ولوعة المصيبة ما صار إليك من الأمر، فنسأل الله أن يعظّم أجرك ويحسن الخلافة عليك فيما ولاّك، وأن يبارك لك فيما قلدته، إعلم أنه ليس أحد يا أمير المؤمنين أشد تعظيما لحقك وحرصا على مسرّتك مني، والله اسأل لك السّلامة في الدين والدنيا». وكان ورود الكتاب بصفينة (٢)، ثم بعث ابو مسلم بالبيعة بعد يومين، وإنما أراد أن يرهبه.
حدثني أبو مسعود الكوفي عن اسحاق بن عيسى بن عليّ، أن أبا العباس توفي والمنصور بمكة، وأبو مسلم حاج أيضا، فقام أبي - عيسى بن علي - فخطب الناس بالأنبار فقال: «الحمد لله أهل الحمد وولّيه، ذي المجد والعظمة الكبرياء والقدرة الذي كتب الموت على خلقه وسوّى فيه بين عباده
стр. 1577
فلم يعزّ منه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا خليفة هاديا، جعلهم فيه شرعا، وجعله عليهم حتما، فقال لنبيه ﷺ : ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ﴿فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢). ثم ان خليفتكم عبد الله أبا العباس أمير المؤمنين رحمة الله عليه كان عبدا من عباد الله الذين كتب عليهم الموت ونقلهم إلى دار الثواب، أكرمه بخلافته وأحيا به سنّة نبيه وردّ به حقّ أهل هذا البيت إليهم حتى استقر في مقرّه، وحلّ محله وخرج من أيدي الفجرة الظلمة أهل بيت اللّعنة الذين أخذوه اغتصابا وظلما وابتزازا بالتمويه والشّبه وادّعاء الأباطيل، ثم استعمله الله بطاعته الى انقضاء مدته وأثره ونفاد أجله وأكله، وقبضه إليه حميدا رشيدا، قد رضي سعيه وأقام به حقّه، فرحمة الله عليه وبركاته وصلواته، وقد استخلف أخاه أبا جعفر أصلحه الله وأمتع الخاصّة والعامّة به لكمال سنّه، وفضل رأيه، وصحة عزمه، ونفاذ بصيرته، وجعل وليّ العهد بعده عيسى بن موسى بن علي، وهو من قد عرفتم جزالته وبراعته وفضله، فعند الله نحتسب أبا العباس أمير المؤمنين، وإياه نسأل أن يعظّم أجورنا وأجوركم فيه، وأن يبارك لأمير المؤمنين فيما ولاّه واسترعاه، ويحضره الرشد والسداد في أموره. فبايعوا رحمكم الله لأمير المؤمنين عبد الله أمتع الله به، ولعيسى بن موسى بن محمد بن علي إن كان من بعده، بيعة صادقة عن طوع واعتقاد ونيّة حسنة بيعة تنشرح بها صدوركم، وتخلص فيها نياتكم، لتنالوا بها عاجل المكافأة وآجل الثواب إن شاء الله، أحسن الله عليكم
стр. 1578
الخلافة وتولاكم بالكفاية». ثم بكى وبكى الناس، فلما نزل كتب إلى عيسى بن موسى بالقدوم وكان بالكوفة فقدم الأنبار وأعطى الناس أرزاقهم، وكتب عيسى بن علي إلى أبي جعفر: «أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين، وأصلح به وعلى يديه، فإن أقل المصائب يا أمير المؤمنين نكاية وإن عظمت بها الرزّية وجلّ الخطب وأفظع الأمر مصيبة جبرت بحسن العوض في الدنيا وجزيل الثواب في الآخرة، وإن أمير المؤمنين أبا العباس رحمة الله وصلاته عليه كان من عباد الله الذين حتم عليهم الموت وخلقهم للفناء، فقبضه الله حميدا سعيدا قائما بالحق جميل النظر للخاصة والعامة، مشفقا عليهم، معفّيا بعدله على جور الظلمة من أهل بيت اللعنة، وبإحسانه على إساءتهم وشرارتهم، وقد استخلفك يا أمير المؤمنين بعده وجعل وليّ عهدك عيسى بن موسى بن محمد، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين على الرزيّة الفاجعة، وبارك له في العطية الفاضلة، فلا مصيبة أجلّ من مصيبته ولا عقبى أحسن من عقباه، ورحم الله أبا العباس وغفر له وضاعف له حسناته، وجعل الله أمير المؤمنين خير خليفة وإمام، أعمله بعدل، وأقومه بحق، وأنظره لعامّة، وأحناه على خاصة بمنّه وقدرته، وقد دعوت الناس إلى بيعتك يا أمير المؤمنين، فسارعوا إليها واحتسبوا الخير فيها، حقّق الله آمالهم وبلّغهم لك وفيك أمانيهم يا أمير المؤمنين، فاشكر الله يزدك، واستعنه يعنك، واستكفه يكفك، أسأل الله لأمير المؤمنين أحسن الحفظ وأدوم العافية والسلامة في الدنيا والآخرة».
قال: وكتب رقعة أدرجها في الكتاب لم يدر ما فيها، وبعث بالكتاب مع محمد بن الحصين العبدي، فلما قرأه أبو جعفر بكى. وحمّل عيسى بن
стр. 1579
علي وعيسى بن موسى محمّد بن الحصين كتابين إلى أبي مسلم بالتعزية والتهنئة بولاية أمير المؤمنين أبي جعفر. وقال محمد بن الحصين لأبي جعفر حين قرأ كتاب عيسى بن علي إليه: قد أعقب الله المصيبة الجليلة بالنعمة العظيمة، فأحسن الله يا أمير المؤمنين من المصيبة عقباك وبارك لك فيما ولاك وأعطاك، فأمر له بخمسائة دينار، ويقال بألف دينار، وكتب إلى عيسى بن علي بأبرّ كتاب وألطفه وجزاه الخير على ما كان منه، وكتب إلى عيسى بن علي وعيسى بن موسى في القيام بأمر الناس وضبط ما قبلهما إلى قدومه.
قال: وكتب عيسى بن علي إلى عبد الله بن علي بالخبر وعزاه عن أبي العباس وهنأه بولاية أمير المؤمنين أبي جعفر، وأنفذ الكتاب مع أبي غسّان حاجب أبي العباس والهيثم بن زياد الخزاعي، فلما دخلا عليه سلم الهيثم بالإمرة وسلم أبو غسان بالخلافة، فقال الهيثم: مه فإن أبا العباس قد استخلف أبا جعفر أخاه، فقال عبد الله: أنا أحق بالأمر منه، إن أمير المؤمنين ﵀ ندب الناس إلى الجعدي فتثاقلوا عنه فقال: من انتدب إليه فهو الخليفة بعدي، فانتدبت، فقال الهيثم: نشدتك الله أن تهيج الفتنة وتعرض أهل بيتك لزوال النعمة، فقال: اسكت لا أمّ لك، وقام فخطب ونعى أبا العباس وادّعى أنه ولاّه الخلافة بعده، فصدّقه أبو غسّان وكذّبه الهيثم ورجل آخر معه، فأمر بالهيثم والرجل فضربت أعناقهما. وخرج ابن علي من دابق، وكان متوجها إلى بلاد الروم للغزو في مائة ألف، فقال له ابن حنظلة البهراني: يا أمير المؤمنين، الرأي أن توجه ألف رجل وتبعث عليهم رجلا تثق بصرامته وبأسه ونصيحته، وتأمره أن يأخذ طريق السماوة فلا يشعر أبو جعفر وأبو مسلم إلا بموافاته إياهما، وتغذّ أنت السير حتى تنزل
стр. 1580
الأنبار، فلم يقبل مشورته لأنه من أهل الشام، وقد كان أبو جعفر خاف هذا الفعل من عبد الله فأسرع السير وأغذّه حتى نزل الأنبار فسأل عن ابن علي فأخبر أنه بحران قد صمد صمد مقاتل بن حكيم العكي لإبائه بيعته حتى يجتمع الناس، فحمد الله على ذلك، ثم بلغه أنه قد أخذه وبعث به إلى عثمان بن سراقة فحبسه بدمشق فقال: لله العكي ماذا يذهب منه.
حدثني أبو مسعود قال: لما أتى أبا جعفر خبر وفاة أبي العباس دعا إسحاق بن مسلم العقيلي، وكان قد حجّ معه، فقال له: ماذا ترى أن نصنع؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان ابن علي حازما فسيوجه خيلا تلقانا في هذه البراري فتحول بيننا وبين دار الخلافة، ويأخذنا أسراء فاقعد على دوابك فإنما هي ليال حتى نقدم الأنبار، قال: فإن هو لم يخالف؟ قال: فلا حياة به، والرأي اغذاذ السّير على حال. قال: فارتحل أبو جعفر وقدّم أبا مسلم أمامه يطوي المراحل إلى الأنبار، وندب أبا مسلم لعبد الله بن علي فسارع إلى محاربته.
حدثني محمد بن الأعرابي قال: لقيت المنصور أعرابيّة في طريقه، وقد توفي أبو العباس والمنصور مقبل إلى الأنبار، فقالت له: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في أخيك، فإنه لا مصيبة أعظم من مصيبتك، ولا عوض أفضل من خلافتك، فقال: بلى، الأجر؛ فقالت: هو لك مذخور إن شاء الله، فوهب لها ألف درهم.
وحدثني أبو مسعود قال: حجّ المنصور أمير المؤمنين في السنة التي استخلف فيها، وفي سنة سبع وأربعين ومائة أو ثمان وأربعين ومائة، وفي السّنة التي توفي فيها، وكانت وفاته بمكة.
стр. 1581
وحدثني المدائني قال: حجّ مع المنصور اسحاق بن مسلم العقيلي، فكان عديله، فقال المنصور ذات يوم: لقد أبطأنا عن الحج وإني لأخاف فوته، فقال اسحاق، وكان فيه جفاء: اكتب في تأخير الحج إلى قدومك، فقال: ويحك أو يكون أن يؤخر الحج عن وقته؟ فقال: أو تريدون شيئا فلا يكون؟
وحدثني المدائني قال: كان أمير المؤمنين المنصور يقول: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاث خلال: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك.
وحدثني المدائني قال: قال اسحاق بن مسلم العقيلي: حججت مع أبي جعفر فقال: قل للحادي احد، فقلت: يا عاصم احد، فحدا فأجاد، فقال: قل له: قد أمر لك أمير المؤمنين بألف درهم فدعا له، ثم قال: قل له احد أيضا، فأعاد فأجاد، فقال: قل له: قد أمر لك أمير المؤمنين بكسوة، فدعا له، ثم قال: قل له احد ايضا فحدا فأجاد، فقال: قل له: أمر لك أمير المؤمنين بخادم، فقلت: يا عاصم قد أمر لك أمير المؤمنين بخادم، فقال لي مسرا لقوله: بأبي أنت مسّه فلعله موعوك؟ فأعطى ذلك الذي أمر له به.
حدثني محمد بن عباد البجلي، حدثني زهير بن المسيب عن أبيه قال:
جرى عند المنصور ما كان من مداراته إياه، فقال المنصور: إذا مدّ عدوك إليك يده فإن أمكنك أن تقطعها وإلاّ فقبّلها.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ قال: حدثني من أثق به قال:
كان أبو الجهم بن عطية مولى باهلة من أعظم الدعاة قدرا وغناء، وهو الذي
стр. 1582
أخرج أبا العباس من موضعه الذي أخفاه فيه أبو سلمة وخزيمة، وقام بأمره حتى بويع، وكان أبو العباس يعرف له ذلك، وكان أبو مسلم يثق به ويكاتبه من خراسان ويأمره أن يكاتبه بالأخبار، فلما استخلف المنصور بلغه أنه يكتب إلى أبي مسلم بخبره، وأنه قال: ما على هذا بايعناهم وإنما بايعناهم على العدل، فدعاه ذات يوم فتغدّى عنده ثم سقي شربة عسل فلما وقعت في جوفه هاج به وجع فتوهم أنه قد سمّ فوثب، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا الجهم؟ قال: إلى حيث أرسلتني، ومات بعد يوم أو يومين.
وحدثني بعض ولد أبي الجهم أنه سقي شربة من سويق لوز، فقال الشاعر:
احذر سويق اللوز لا تشربنّه … فشرب سويق اللوز أردى أبا الجهم
قالوا: وسار أبو جعفر في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ومائة إلى أرمينية فدوّخها، واستخلف الحسن بن قحطبة عليها، ثم قفل منها إلى الجزيرة في سنة ست وثلاثين ومائة، وأذن له أبو العباس في القدوم عليه، وولاه الموسم، فحج بالناس ومعه اسحاق بن مسلم فكان عديله.
حدثني المدائني قال: أهديت إلى ولد المنصور حملان من هذه البربرية فقال لقهرمانه: خذها إليك فاذبح لنا كل يوم منها حملا فإن الصبيان يكتفون بالصّعو (١).
стр. 1583
قال: وقال المنصور لعيسى بن عبد الله النوفلي لما مات أبو العباس:
قد عرفتني في السلطان وقبله، فهل رأيت لي لذة في مطعم أو مركب أو ملبس؟ ولقد أئتني الخلافة وما طلبتها، فقال: مازلت والله أعرفك بالزهد والفضل وطلب العلم.
وحدثني علي بن المأمون عن أبيه عن الرشيد قال: أدخلت على المنصور وأنا صبيّ فرأيته جالسا على حصير متكئا على مسورة جلود فدعا بعشرة دنانير جدد فوهبها لي، وأخذني فقبّلني وصرفني.
وحدثني المدائني قال: كان المنصور يخرج من مقصورة النساء ليلا يريد المسجد ومعه جارية حبشية، أو قال صفراء، تحمل له سراجا.
وحدثني قال: كان المنصور يقول: الملوك ثلاثة: معاوية وكفاه زياد، وعبد الملك وكفاه الحجاج، وأنا ولا كافي لي.
وكان يذكر بني أميّة فيقول: رجلهم هشام. وكان يقول: الخلفاء أربعة والملوك أربعة، فالخلفاء: أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان على ما نال وقد نيل منه أعظم، والملوك: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا، ولنعم الرجل كان عمر بن عبد العزيز، كان أعور بين عميان. وكان يقول: نعم صاحب الحرب حمار الجزيرة من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة، يعني مروان.
المدائني، قال: أتى ابن ليوسف بن عمر المنصور فوصله بثلاثة آلاف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين أمّلت منك أكثر من هذا، فقال: هذه كانت صلة أبيك لنا، قال: يا أمير المؤمنين فأين فضل قريش على ثقيف، وفضل الخلافة على الإمارة؟ فضحك وأمر له بعشرة آلاف درهم.
стр. 1584
وحدثني ابن الأعرابي قال: قال المنصور: معاوية للحلم والأناة، وعبد الملك للإقدام والإحجام، وهشام لتقسيط الأمور ووضعها مواضعها، قال: وشاركت عبد الملك في قول كثّير:
يصدّ ويرضى وهو ليث عرينه … وإن أمكنته فرصة لا يقيلها (١)
حدثني المدائني قال: بلغني أن المنصور قال ذات يوم في كلامه: إن الحلم يزيد العزيز عزا، والذليل ذلا.
المدائني، قال: قال أبو جعفر لسفيان بن معاوية: ما أسرع الناس إلى قومك، فقال:
إنّ العرانين تلقاها محّسدة … ولن ترى للئام الناس حسّادا
قال: صدقت. قال: وبينا المنصور يخطب اذ قام رجل فقال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)، فأخذ، لما قضى المنصور صلاته ودخل القصر ودعا به فقال: طالت صلاتك وكثر صومك، فضجرت من الحياة وقلت: أعترض هذا الرجل فأعظه فإن قتلني دخلت الجنة، وهيهات أن تدخلها بي، خلّوا سبيله.
وحدثني أبو فراس الشامي عن أبيه، قال: خطب المنصور في بعض الجمع، فقام رجل من الصّوفيين فقال: ﴿أَ تَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣)؟ فأخذ، فلما فرغ المنصور من خطبته وقضى كلامه أمر أن
стр. 1585
يضرب أربعين درة فضرب، ثم دعا به فقال: إنّا لم نضربك لقولك، إنما ضربناك لكلامك في الخطبة فلا تعد، وأمر بتخلية سبيله.
وحدثني أبو مسعود وغيره قال: خطب المنصور فلما قال: «وأشهد أن لا اله إلا الله»، قام إليه رجل كان في أخريات الناس فقال: يا أمير المؤمنين إني أذكّرك من ذكرت، فقال: «سمعا سمعا لمن ذكّر بالله وأيامه وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا، وأن تأخذني العزّة بالاثم لقد ﴿ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (١)، وأنت فما أردت الله بها إنما أردت أن يقال قام فقال فعوقب فصبر، وأهون عليّ بقائلها لو هممت، فاهتبلها ويلك إذ عفوت وإياك وإياكم أيها الناس وما أشبهها، فإن الموعظة علينا نزلت ومن عندنا انتشرت وعنّا أخذت وحملت»، ثم عاد في خطبته.
حدثني أبو مسعود، قال: قدم على المنصور قوم من أهل الشام بعد هزيمة عبد الله بن علي، وفيهم الحارث بن عبد الرحمن الحرشي، فقام عدة منهم فتكلموا، ثم قام الحارث فقال: يا أمير المؤمنين لسنا وفد مباهاة ولكن وفد توبة، ابتلينا بفتنة استفزّت شريفنا، واستخفّت حليمنا، فكنا بما قدّمنا معترفين، ومما فرط منّا معذورين، فإن تعاقبنا فبجرمنا، وإن تعف عنّا فبفضلك علينا، فاصفح يا أمير المؤمنين إذا ملكت وأمنن إذ قدرت، وأحسن فطال ما أحسنت، فقال المنصور: أنت خطيبهم، وأمر بردّ قطائعه بالغوطة عليه.
قال: ووجّه المنصور إسحاق الأزرق مولاه فأتاه بامرأتين وصفتا له، احداهما من ولد خالد بن أسيد، والأخرى فاطمة بنت محمد بن محمد بن
стр. 1586
عيسى بن طلحة بن عبيد الله، فجيء بهما وقد خرج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة، فقيل له إن هاتين الجاريتين قد استوحشتا إذ لم ترهما، فقال: والله لا كشفت ثوب امرأة عني حتى أدري أرأسي لإبراهيم أو رأس إبراهيم لي. ومحمد بن عيسى بن طلحة الذي يقول:
فلا تعجل على أحد بظلم … فان الظلم مرتعه وخيم
ولا تفحش وان ملّئت غيظا … على أحد فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخا لك عند ذنب … فإن الذنب يغفره الكريم
وما جزع بمغن عنك شيئا … ولا ما فات ترجعه الهموم
وقال:
اجعل قرينك من رضيت فعاله … واحذر مقارنة القرين الشائن
وقال:
لا تلم المرء على فعله … وأنت منسوب إلى مثله
من ذمّ شيئا وأتى مثله … فإنما يزري على عقله (١)
فزعموا أن أبا جعفر كان يقول: كان محمد بن عيسى عاقلا، وينشد شعره ويقول: كان محمد بن محمد عاقلا أيضا، وإن صاحبتنا لعاقلة.
وحدثني محمد بن عباد، حدثني أزهر بن زهير عن أبيه زهير بن المسيب قال: بعث أمير المؤمنين المنصور إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فقال: إني أريد مشاورتك في أمر، فلما دخل عليه قال: إني قد تأنّيت أهل المدينة مرة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، فلا أراهم ينتهون
стр. 1587
ولا يرجعون، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يعقر نخلهم ويغور عيونهم، قال: فسكت جعفر، فقال له: ما لك لا تتكلم؟ قال: إن أذن لي أمير المؤمنين تكلمت، فقال: قل، قال: إنّ سليمان ﵇ أعطي فشكر، وإنّ أيّوب ابتلي فصبر، وإنّ يوسف قدر فغفر، وقد وضعك الله في السطة من بيت النبوّة وفضّلك بالخلافة وآتاك علما كاملا فأنت حقيق بالعفو عن المسيء والصفح عن المجرم، قال: ففثأ غضبه وسكّنه.
حدثنا محمد بن الأعرابي عن علي مولى قريش قال: دخل رجل من قيس أحسبه أبا الهيذام، وقال غير علي: دخل ابن شبرمة على المنصور فقال له المنصور: ألك حاجة؟ قال: نعم بقاؤك يا أمير المؤمنين، فقال: ويحك سلني قبل أن لا يمكنك مسألتي، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم ما لك، وإن سؤالك لشرف وعطاك لفخر؛ وما بامرئ بذل وجهه إليك شين ولا نقص، وعندي من فضل الله خير كثير.
وحدثني أحمد بن الحارث عن المدائني قال: مات إسحاق بن مسلم من بثرة خرجت به في ظهره، فحضر المنصور جنازته، وحمل سريره حتى وضعه وصلى عليه، وجلس عند قبره، فقال له موسى بن كعب أو غيره:
يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا به، وكان والله مبغضا لك كارها لخلافتك؟ قال: ما فعلت هذا إلاّ شكرا لله إذ قدمه أمامي، قال: أفلا أخبر أهل خراسان بهذا من رأيك، فقد دخلتهم وحشة لما فعلت؟ قال: بلى، فأخبرهم فكبّروا.
стр. 1588
وكان مروان بن محمد أودع يزيد بن أسيد جاريتين يقال لهما سبيكة وزنبرة، فلما صار يزيد إلى المنصور استوهبهما منه فوهبهما له، وفيهما يقول إسحاق بن سماعة المعيطي في شعر له:
لعن الله أحمد بن يزي … د بن زافر حيث كانا
فضح الله أحمد بن يزي … د وكساه مذلة وهوانا
شان قيسا بخونه وأبوه … لم يزل شانيا لها خوانا
خان مروان في سبيكة لّما … زال ظلّ السلطان عن مروانا
فأتتني بأحمد من حلال … أو حرام من التّقى عريانا
يشتهي ما اشتهت سبيك … ة بالأمس وان كان في الحروب جبانا
هو دان الزبير دين غويّ … راح من سورة الهوى سكرانا
وابنه في الفعال ليس بمحم … ود اذا الفعل زيّن الفتيانا
وحدثني أبو مسعود قال: حدثني من سمع المنصور يوم مات إسحاق بن مسلم وكان موته بالهاشمية يتمثل:
كفاك عديّا موته ولربما … تغيظك أيام له وليال
وحدّثني أبو مسعود، حدثني إسحاق بن عيسى قال: ولّى المنصور عبدا له يقال له طارق ضيعة من ضياعه بالشام فاستقصى على أهلها، فقدم منهم قوم على المنصور فشكوه فقال: إنما نقمتم عليه لما اخترته له وأحمدته عليه، قالوا: انه عبد وربّما صلى بنا، قال: هو حرّ فصلوا خلفه، فقام متكلمهم فقال: بتّ بخير يا أمير المؤمنين، فضحك وكتب إلى صاحبهم بالرفق بهم.
стр. 1589
وحدثني جماعة من بني العباس وغيرهم أن المنصور كان ربما علّق البواري على أبوابه في الشتاء، وقال هي أوقى. حدثني بعض ولد إسحاق بن عيسى، عن أبيه عن جده، قال: قدّمت إلى المنصور عصيدة فقال: ليس هذه بالعصيدة التي نعرف، ليعمل لنا تمرها بنواه. فلما كان الغد من ذلك اليوم حضرت غداه فأتينا بقصعة فيها ثردة صفراء وعليها عراق وأكلنا منها ثم رفعت، وأتينا بلونين فلما رفعا أتي بالعصيدة فأكل منها أكلا صالحا، وقال:
هذه هي فلما رفعت المائدة غسل يده ودعا ببخور فبخرها ثم قال: إنما فعلت هذا لأني أريد الجلوس للناس ومنهم من يقبّل يدي.
وحدثني أبو مسعود قال: قال المنصور لعبد الله بن الربيع: قد عرفتني سوقة وخليفة، فهل رأيتني كلفا بأمر مطعم أو مشرب أو ملبس؟ فقال: لا ولكني رأيتك تلذ حسن الذكر، وتنفي الضيم، وتضع الأمور مواضعها.
وحدثني الربيع بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان وأخوه زياد، وحدثني بعض ولد المنصور، أنه كان إذا ولد لرجل من أهل بيته مولود ذكر أمر له من دار الرقيق بظئر وجارية تخدمه ووصيف، وأمر لأمه بجاريتين ومائتي دينار وطيب، وإذا كان المولود انثى بعث نصف ذلك.
وحدثني أبو مسعود وغيره قالوا: قدم إسحاق الأزرق، صاحب الدار ببغداد عند القنطرة العتيقة، وهو مولى المنصور، عليه بامرأتين كان أشخصه لحملهما، إحداهما فاطمة بنت محمد الطلحية، والأخرى أمة الكريم بنت عبد الرحمن بن عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العاص، ويقال العالية بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقالت له ريسانة قيّمة
стр. 1590
نسائه: يا أمير المؤمنين ان الطلحية قد استحقبتك واستبطأت برّك وأنكرت وصاحبتها تركك الدعاء لهما، فقال: أما ترين ما نحن فيه، وكان إبراهيم بن عبد الله قد خرج بالبصرة، ثم أنشد:
قوم اذا حاربوا شدّوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت باطهار
وقال: ما أنا بناظر إلى امرأة حتى أدري أرأسي لإبراهيم أو رأس إبراهيم لي، وكانت عليه جبة قد اتّسخ جيبها، فقيل له: لو نزعتها وغيّرتها، فقال: لا والله أو أدري أهي لي أم لإبراهيم.
المدائني قال: قال عبد الله بن الربيع الحارثي: قال لي أبو العباس ذات يوم: إني أريد أن أبايع لأبي جعفر أخي، فأخبرت أبا جعفر بذلك فأمر لي بكسوة ومال، فقلت: أصلح الله الأمير، إن لك مؤونة ولعله ان يأتيك من أنا أعذر لك منه، فأمر بردّ ذلك، وقمت فانصرفت وراح ورحت إلى أبي العباس، فدخل عليه وجلست غير بعيد، فطال تناجيهما، ثم ارتفعت أصواتهما بقول أبو العباس: بلى والله، وبقول المنصور: لا والله، ثم خرج أبو جعفر فأخذ بيدي فسألته عن تحالفهما، فقال: ليس هذا وقت اخبارك وغمز بيدي، فلما أفضى الأمر إليه وقتل أبا مسلم دخلت عليه وهو طيب النفس فقال: ألقوا لأبي الربيع وسادة، فثنيت لي وسادة وجلست، فقال: ألا أخبرك بالأمر الذي سألتني عنه يوم دخلت على أبي العباس فتحالفنا؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، قال: تذاكرنا الدعوة، فقلت:
أتذكر إذ كنا نرمي وأبو مسلم يردّ علينا النبل، فقال إبراهيم: ما أكيسه ويقتله عبد الله! فقلت: بلى، قال: فأنت عبد الله وأنت تقتله، فقلت:
стр. 1591
لا والله، قال: بلى والله، فلما خالف عبد الله بن علي وجهته إليه فقلت هو يقتله، فلما سلم منه وصنع ما صنع قلت أنا عبد الله، أقتله، فقتلته.
حدثني أبو مسعود الكوفي، حدثني إسحاق بن عيسى وجماعة من العباسيين، أن المنصور قال: رأيت فيما يرى النائم، وأنا بالشراة، كأنّا حول الكعبة فنادى مناد من جوف الكعبة: أبو العباس، فنهض فدخل الكعبة ثم خرج وبيده لواء قصير على قناة قصيرة فمضى، ثم نودي:
عبد الله، فنهضت أنا وعبد الله بن علي نبتدر، فلما صرنا على درجة الكعبة دفعته عن الدرجة فهوى ودخلت الكعبة، وإذا رسول الله ﷺ جالس فعقد لي لواء طويلا على قناة طويلة، وقال خذه بيدك حتى تقاتل به الدجال.
وحدثني عبد الله بن أبي هارون الكاتب قال: وردت على المنصور خريطة من صاحب أرمينية ليلا فلم يوصلها الربيع الحاجب إلا مصبحا، فقال له: يا بن اللخناء، والله لهممت أن أضرب عنقك، أتحبس عني خريطة صاحب الثغر الأعظم ساعة واحدة فضلا عن ليلة! وسخط عليه يوما، ثم رضي عنه وقال: لا تعد.
وحدثني المدائني قال: قال المنصور: من أحب أن يحمد بغير مرزئة فليحسّن خلقه ولينبسط بشره.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي، قال: قدم وفد من أهل المدينة على أبي جعفر، وفيهم عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فدخلوا عليه فساءل عبد الرحمن عن حالهم فأخبره بما كان من الوليد من أخذ أموالهم، فأمر بردّها عليهم.
стр. 1592
حدّثني الحرمازي، حدثني عبد الله بن صالح، عن شيخ له، قال:
كان زياد بن عبيد الله الحارثي، خال أبي العباس، مع خالد بن عبد الله القسري بالعراق وولي شرطنه، ثم كان مع يوسف بن عمر بعده، ومع يزيد بن عمر بن هبيرة، فلما ولي أبو العباس قال له يزيد بن عمر: والله لأضربن عنقك فقد سررت بأمر بني العباس ودولة ابن اختك، وكان معه بواسط، فلما وقع الصلح خرج حتى قدم على أبي العباس فقال له: أبطأت عني يا خال، فأخبره بقصته، ثم ولاه مكة والمدينة بعد داود بن علي، وابنه موسى بن داود، فلما توفي أبو العباس بعث إليه المنصور بعهده فغدّر (١) فيما كان يأمره به في عبد الله بن حسن وفي طلب ابنه، فعزله وأغرمه ثم ضمّه إلى المهدي حين وجهه إلى الري، فلما سار ثلاث مراحل تغدى المهدي ثم صار إلى فسطاطه فأتي بقدح فيه عسل قد خيض له فشربه ونام، فطلبه المهدي فوجد ميتا فبكى عليه وأمر فحفر له وصلى عليه ودفنه، فكان يقال انه سمّ ووجد منتفخا، وذلك باطل والثبت أنه مات فجأة.
حدثنا المدائني قال: حدّث المنصور بأن عجلان بن سهيل الباهلي سمع رجلا قال، وقد مرّ هشام بن عبد الملك: قد مرّ الأحول، فقال له:
يا بن اللخناء أتسمّي أمير المؤمنين بالنّبز، وعلاه بسوطه، ثم قال: لولا رحمتي لك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع معه المحيا والممات.
وحدثني سليمان بن أبي شيخ قال: قدم ابن أنعم المحدّث على المنصور فقال له المنصور: لقد استرحت من وقوفك بباب هشام وذوي هشام،
стр. 1593
فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت في تلك المواضع شيئا يكره إلاّ وقد رأيت في طريقي إليك ما هو أعظم منه، فقال المنصور: ويحك إنا لا نجد من نوليه أعمالنا ممّن نرتضيه، فقال: بلى والله يا أمير المؤمنين لو طلبتهم لوجدتهم، إنما الملك بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها.
قال: وأقبل المنصور يوما راجعا من ركوبه يريد قصره، فلما صار على بابه رأى فرج بن فضالة المحدّث جالسا فلم يقم له، فلما دخل القصر دعا به فقال: ما منعك من القيام حين رأيتني؟ قال: منعني من ذلك أني خفت أن يسألني الله لم فعلت، ويسألك لم رضيت، وقد كره رسول الله ﷺ ذلك، فسكت المنصور، وخرج فرج.
وحدثني محمد بن حبيب عن أبي فراس قال: قال المنصور لهشام بن عروة: أتذكر يا أبا المنذر حين دخلت إليك أنا وإخوتي مع أبي الخلائف وأنت تشرب سويقا، فإنّا لما خرجنا قال لنا أبونا: يا بنيّ استوصوا بهذا الشيخ فإنه لا يزال في قومكم عمارة ما بقي مثله، فقال: ما أذكر ذلك. فلما خرج هشام قيل له: ذكرّك أمير المؤمنين شيئا يتوسل بدونه، فقال: لم أذكر ما ذكرني، ولم يعودني الله في الصدق إلاّ خيرا.
قالوا: ودخل عليه سوّار بن عبد الله العنبري فقال: السّلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السّلام ورحمة الله وبركاته، ادن أبا عبد الله، فقال: أدنو على ما مضى عليه الناس أم على ما أحدثوا؟ قال: على ما مضى، فدنا ومدّ يده، فصافحه ثم جلس.
قال: وكتب المنصور إلى سوّار في بعض الأمور، فكان في ذلك إضرار بقوم، فلم ينفّذ سوّار الكتاب، فاشتدّ ذلك على المنصور، فكتب إليه
стр. 1594
سوار: إنّ عدل سوّار مضاف إليك، وزين لخلافتك، فسكن غضبه وأمسك عن ذلك الأمر.
وحدّثني الحسن بن علي الحرمازي قال: نظر المنصور إلى بعض القضاة، وبين عينيه سجّادة فقال له: لئن كنت أردت الله بالسجود فما ينبغي لنا أن نشغلك عنه، وان كنت إنما أردتنا بهذه السجادة فينبغي لنا أن نحترس منك.
وحدّثنا أبو مسعود الكوفي قال: كان يحيى بن عروة رضيع المنصور، وهو مولى لهم، فصيره أبو جعفر على ثقله عام حجّ، فلما دعا عبد الله بن علي إلى نفسه حمل ثقل أبي جعفر وجواريه وصار إلى عبد الله بن علي، فلما هرب استخفى يحيى، ثم ظفر به المنصور، فقطع بالسيوف.
حدّثني أبو مسعود الكوفي قال: كانت عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية عند هشام، وكانت أجمل الناس، وكانت إذا رأت أم حكيم بنت يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص امرأة هشام أيضا عنده قالت لها:
كيف أنت يا أمه؟ فيضحك هشام من قولها ويعجبه ظرفها، وأم حكيم هذه التي يقول فيها الوليد بن يزيد:
علّلاني بعاتقات الكروم … واسقياني بكأس أمّ حكيم (١)
فلما صار عبد الله بن علي إلى الشام خطب عبدة، فأبت عليه التزويج فأمر بها فبقر بطنها، فكان المنصور إذا ذكر فعله بها لعنه. قال: وجعلت عبدة حين أتي بها ليبقر بطنها وتقتل تنشد:
فقل للشامتين بنا أفيقوا … سيلقى الشامتون كما لقينا
стр. 1595
أمر أبي مسلم في خلافة المنصور
حدّثني محمد بن عباد الكاتب، عن أزهر بن زهير، عن أبيه، قال:
كان أبو مسلم مستخفّا بمواليه، فإذا أتاه كتاب المنصور فقرأه لو شدقه ثم ألقاه إلى أبي نصر مالك بن الهيثم فيتضاحكان، ويبلغ أبا جعفر ذلك فيقول: إنا لنخاف من أبي مسلم أكثر مما كنا نخاف من حفص بن سليمان.
قال: ولما فرغ أبو مسلم من محاربة عبد الله بن علي، وحوى عسكره وما فيه، بعث المنصور مرزوقا أبا الخصيب لإحصاء ذلك، فغضب أبو مسلم وقال: ما لأبي جعفر ولهذا، إنما له الخمس، فقال مرزوق: هذا مال أمير المؤمنين دون الناس، وليس سبيل هذا سبيل ما له منه الخمس، فشتمه وهمّ بقتله ثم أمسك.
وحدّثنا عبد الله بن صالح - وذكره المدائني - قال: بعث المنصور يقطين بن موسى إلى أبي مسلم بعد هزيمة عبد الله بن علي ليحصي ما كان في عسكره، فقال أبو مسلم: أفعلها ابن سلامة الفاعلة، لا يكنّي، فقال يقطين: عجلت أيّها الأمير، إنما أمرني أن أحصي ما وجد في عسكر الناكث
стр. 1596
ثم أسلمه إليك لتعمل فيه برأيك وتصنع به ما أردت، ويكون قد عرف مبلغه.
فلما ورد يقطين على المنصور أعلمه ما قال وما قال هو له، فخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه: «إني قد وليتك الشام ومصر، فهما أفضل من خراسان، ومنزلك بالشام أقرب إلى أمير المؤمنين فمتى أحببت لقاءه لقيته»، وأنفذ الكتاب إليه مع يقطين أيضا، فلما قرأه قال: أهو يوليني الشام ومصر مكان خراسان وخراسان لي؟ وعزم على إتيان خراسان، فنزل المنصور المدائن، وأخذ أبو مسلم، طريق حلوان، فقال المنصور: ربّ أمر لله دون حلوان، وأمر عمومته ومن حضر من بني هاشم أن يكتبوا إليه فيعظّموا عليه حق الطاعة ويحذروه سوء عواقب الغدر والتبديل والنكث ويسألوه الرجوع ويشيروا عليه به. وكتب إليه المنصور: «إني أردت مذاكرتك أشياء لم يحتملها الكتاب فأقبل فإن مقامك قبلي يسير»، فلم يلتفت إلى الكتاب، فبعث إليه جرير بن يزيد البجلي، وكان صديقا لأبي مسلم راجحا عنده، فلم يزل يمسح جوانبه، ويرفق به، ويعرّفه قبح ما ركب، وأن النعمة إنما دامت عليه بالطاعة، وقال له: إن أمر القوم لم يبلغ بك ما تكره، وإنما لك إن عصيتهم خراسان ولا تدري ما ينباق (١) عليك من شيعتهم من أهل خراسان ممّن ترى أنه معك، وإن أطعتهم فخراسان وغيرها من البلاد لك، فانصرف راجعا.
وحدثني محمد بن عباد عن أزهر بن زهير، وحدثني شيخ لنا أيضا، أن المنصور كتب إلى أبي مسلم كتابا لطيفا مع أبي حميد المروروذي وقال: إن
стр. 1597
أجاب إلى الانصراف وإلاّ فقل له، يقول لك أمير المؤمنين: نفيت من العباس لئن مضيت ولم تلقني لا وكلت أمرك إلى أحد سواي، ولو خضت إليك البحر الأخضر حتى أموت أو أقتلك. فلما قرأ الكتاب عزم على المضيّ لوجهه، فأدّى إليه أبو حميد الرسالة فكسرته وعزم على الانصراف إلى المنصور، وخلّف ثقله بحلوان وعليه مالك بن الهيثم وقال: لئن أمكنني قتله لأقتلنّه ثم لأبايعن من أحببت، وتمثل بعض من معه:
ما للرجال مع القضاء محالة … ذهب القضاء بحيلة الأقوام
وحدثني بعض ولد يقطين بن موسى قال: كان أبو مسلم آنس الناس بيقطين، فلما قدم الكوفة وهو يريد الحج قال له: يا يقطين بلغني أنه نشأ بالكوفة رجل يقال له جحا ظريف مليح، وأن أهلها عملوا بعدنا جوذابة (١) تنسب إلى رجل يكنى أبا جرير، فأطعمني من الجوذابة وأرني جحاكم، فاتّخذت جوذابات وأتي بها مع طعام كثير، فلما تغدى أبو مسلم قال: أرني الآن جحا هذا، فطلب حتى وجد وأتي به يقطين وأبو مسلم وهما في غرفة ليس فيها غيرهما، فأخذ بعضادة الباب ثم قال: يا يقطين، أيكم أبو مسلم؟ فضحك أبو مسلم وكلمه فاستملحه فوهب له خمسة آلاف درهم.
قال: ثم شخص أبو مسلم إلى مكة، وقدم فمضى لمحاربة عبد الله بن علي، فلما هزمه بعث المنصور إليه يقطينا فكلمه بكلام شتم المنصور فيه لأنسه كان بيقطين، فأدّاه يقطين إلى المنصور، فكان أبو مسلم يقول والله لأقتلنّ يقطينا.
стр. 1598
قال: ولما قدم أبو مسلم على المنصور وهو بالروميّة التي عند المدائن أمر الناس بتلقيّه، وقام إليه فعانقه وأكرمه، وقال: كدت تمضي قبل أن نلتقي فألقي إليك ما أريد، وأمره أن ينصرف إلى منزله فيستريح ويدخل الحمام ليذهب عنه كلال السفر ثم يعود، وجعل يزيده برّا وإعظاما وهو ينتظر الفرصة فيه حتى قتله.
وحدثني أبو مسعود الكوفي قال: لما أراد أبو مسلم الشخوص إلى خراسان عاصيا كتب إلى المنصور: «من عبد الرحمن بن مسلم إلى عبد الله بن محمد، أما بعد فاني اتخذت أخاك إماما، وكان في قرابته برسول الله ﷺ ومحله من العلم على ما كان، ثم استخفّ بالقرآن وخرقه طمعا في قليل من الدنيا قد نعاه الله لأهله، ومثلت له ضلالته على صورة العدل، فأمرني أن أجرّد السيف، وآخذ بالظنّة، ولا أقبل معذرة وأن اسقّم البريء، وأبرّئ السقيم وآثر أهل الدين في دينهم، وأوطأني في غيركم من أهل بيتكم العشوة بالأفك والعدوان؛ ثم إن الله بحمده ونعمته استنقذني بالتوبة وكرّه إليّ الحوبة، فإن يعف فقديما عرف ذلك منه، وإن يعاقب فبذنوني وما الله بظلام للعبيد».
فكتب إليه المنصور: «قد فهمت كتابك وللمدل على أهله بطاعته ونصيحته ونصرته ومحاماته وجميل بلائه مقال، ولم يرك الله في طاعتنا إلاّ ما تحب، فراجع أحسن نيّتك وعملك ولا يدعونّك ما أنكرته إلى التجنّي، فإن المغيظ ربما تعدّى في القول فأخبر بما لا يعلم، والله وليّ توفيقك وتسديدك، فأقبل رحمك الله مبسوط اليد في أمرنا، محكّما فيما هويت الحكم فيه، ولا تشمت الأعداء بك وبنا إن شاء الله».
стр. 1599
قال: فلما قدم برّه وأكرمه وهو يريد أن تمكنه الفرصة. ثم صرفه إلى منزله ليستريح.
حدثني محمد بن عباد عن أزهر بن زهير بن المسيب الضبي قال: ندم المنصور على انصراف أبي مسلم حين دخل عليه، وكان أبو أيوب المورياني أشار عليه بالاذن له، فلما أصبح غدا إلى المنصور فتلقاه أبو الخصيب فقال له: إن أمير المؤمنين مشغول فانصرف ساعة حتى يفرغ، فأتى منزل عيسى بن موسى وكان يحبه، وكان عيسى شديد التعظيم له، فدعا له عيسى بالغداء، فبينا هو على ذلك إذ أتاه الربيع، وهو يومئذ مع مرزوق أبي الخصيب، فقال له: يدعوك أمير المؤمنين، فركب وشغل عيسى بن موسى بالوضوء، وقد كان أبو مسلم قال له: اركب معي فقد أحسست بالشر، فقال له: أنت في ذمتي فتقدم فإني لا حقك. فلما صار أبو مسلم إلى الرواق قيل له إن أمير المؤمنين: يتوضأ فلو جلست، فجلس، وأبطأ عليه عيسى فجعل يسأل عنه، وأعدّ له المنصور عثمان بن نهيك، وهو يومئذ على حرسه، وعدّة منهم: شبيب بن واج، صاحب المربّعة ببغداد، وأبو حنيفة صاحب الدرب في المدينة ببغداد، ورجلين من الحرس، وقال لعثمان، إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا، وكان وأصحابه وراء ستر خلف أبي مسلم، فإذا أنا صفّقت فدونكم العلج. ثم قيل لأبي مسلم: قد جلس أمير المؤمنين فقم، فلما قام ليدخل نزع سيفه فقال: ما كان يصنع بي مثل هذا، فقيل:
ليس ذاك إلا لخير. وكان عليه قباء خزّ أسود وتحته جبّة خز بنفسجي فدخل فسلّم وجلس على وسادة ليس في البيت غيرها والقوم خلف ظهره، فقال:
يا أمير المؤمنين استخف بي وأخذ سيفى، قال: ومن فعل ذلك قبحه الله؟
стр. 1600
ثم قال: هيه، قتلت أهل خراسان وفعلت وفعلت، ثم جعلت تقول بمكة أيصلّي هذا الغلام بالناس، وألقيت نعلي من رجلي فرفعت نفسك عن مناولتي إياها حتى ناولنيها معاذ بن مسلم، وأعجب من هذا إقعادك إياي في دهليزك بخراسان مستخفا بحقي، حتى أشير عليك بخلاف ذلك، فتكارهت على تسهيل إذني وفتح الأبواب لي، ثم كتابك إليّ تبدأ بنفسك، وخطبتك إليّ أمينة بنت علي، وقولك أنك ابن سليط بن عبد الله، لقد ارتقيت يا بن اللخناء مرتقى صعبا، ثم ذمّك أخي وسيرته وقولك: إنه أوطأك العشوة، وحملك على الاثم، ثم أنت صاحبي بمكة تنادي: من أكل طعام الأمير فله درهم، ثم كسوتك الأعراب وقولك: لأتخذنكم دون أهل خراسان، وأعجب من هذا أني دفعت في صدر حاجبك، بخراسان فقلت لي أيضرب حاجبي، ردّوه عنا إلى العراق. فقال أبو مسلم: إنه لا يقال لي هذا القول بعد بلائي وعنائي. فقال: يا بن الخبيثة إنما عملت ما عملت بدولتنا ولو كان الأمر إليك ما قطعت فتيلا، ثم فتل شاربه وفرك يده. فلما رأى أبو مسلم فعله قال: يا أمير المؤمنين لا تدخلنّ على نفسك ما أرى فإن قدري أصغر من أن يبلغ شيء من أمري منك هذا المبلغ. وصفق المنصور بإحدى يديه على الأخرى، فضرب عثمان بن نهيك أبا مسلم ضربة خفيفة، فأخذ برجل المنصور فدفعه برجله، وضربه شبيب بن واج على حبل عاتقه ضربة أسرعت فيه فقال: وانفساه، ألا قوة، ألا مغيث؟ فقال المنصور:
اضربوا ابن اللخناء، فاعتوره القوم بأسيافهم، وأمر به فلفّ في مسح ويقال في عباءة وصيّر ناحية، وكان الطعام قد وضع للحرس في وقت دخول أبي مسلم فكانوا قد شغلوا به فلم يعلم أحد بمقتله. ووافى عيسى الباب
стр. 1601
فاستؤذن له فقال المنصور: أدخلوه، فلما وقف بين يديه قال: يا أمير المؤمنين أين أبو مسلم؟ قال: كان هنا آنفا، فقال: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته ورأي الإمام كان فيه؟ فقال: اسكت يا بن الشاة - وكانت أم عيسى توفيت وهو صغير أو مرضت فأرضع لبن شاة - فو الله ما كان في الأرض عدوّ أعدى لك منه، ها هو ذا في البساط، والله ما تمّ سلطانك إلاّ اليوم. ودخل إسماعيل بن علي وهو لا يعلم الخبر فقال: إني رأيت يا أمير المؤمنين في ليلتي هذه كأنّك قتلت أبا مسلم، وكأني وطئته برجلي، فقال:
قم فصدّق رؤياك فها هو ذا في البساط. فوطئه ثم رجع فرمى بخفه وقال:
لا ألبس خفا وطئت به مشركا، فأتي بخف فلبسه، وأنشد المنصور:
وما العجز إلاّ تؤامر عاجرا … وما الفتك إلا أن تهم فتفعلا
وقال أبو مسعود: بلغني أن المنصور سأل أبا مسلم عن نصلين أصابهما في متاع عبد الله بن علي، فقال: أحدهما سيفي الذي كان عليّ. قال أبو دلامة مولى بني أسد (١):
أبا مسلم (٢) … ما غيّر الله نعمة
على عبده حتى يغيّرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدرة … ألا إن أهل الغدر أباؤك الكرد
فلا يقطع الله اليمين التي بها … علاك صقيل الشفرتين له حدّ
فما كان الا الموت في غمد سيفه … وما خلت أن الموت يضبطه غمد
стр. 1602
أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى … عليك بما خوفتني الأسد الورد
فأصبحت في أهلي وأصبحت ثاويا … بحيث تلاقي في ذرى دجلة المد (١)
وحدثني محمد بن موسى الخوارزمي الحاسب، عن بعض آل الحسن بن قحطبة وغيرهم، قال: قتل أبا مسلم: عثمان بن نهيك، وشبيب بن واج، وأبو حنيفة ورجلان من الحرس ضربوه بأسيافهم فلم يمت، وجر برجله فألقي في دجلة، وكان يومئذ ابن ثمان وثلاثين سنة.
قال: وحدّثني أبي قال: لما قتل أبو مسلم حمل أبو حنيفة جيفته في صندوق حتى توسط بدجلة ثم ألقاه. وسار أبو جعفر بعد ذلك بثلاث إلى الحيرة.
وحدثني أبو مسعود قال: تمثّل المنصور بعد قتل أبي مسلم ببيت الشمّاخ:
وما ان شفى نفسا كأمر صريمة … اذا حاجة في النفس طال اعتراضها (٢)
وقال بشار الأعمى:
أبا مسلم ما طيب عيش بدائم … وما سالم عمّا قليل بسالم
كأنّك لم تسمع بقتل متوّج … عزيز ولم تعلم بقتل الأعاجم
لحى الله قوما شرفوك عليهم … وقد كنت مشروفا خبيث المطاعم (٣)
قالوا: وكان المنصور يقول: اخطأت مرّات وقاني الله شرّها، قتلت أبا مسلم وحولي من يقدّم طاعته على طاعتي فلو وثبوا بي وأنا في خرق (٤)
стр. 1603
لذهبت ضياعا، وخرجت يوم الراوندية ولو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا، وخرجت إلى الشام ولو اختلف بالعراق سيفان لذهبت الخلافة ضياعا.
قالوا: وأمر المنصور حين قتل أبا مسلم بوضع الاعطاء في الناس، فجعلوا يأخذون ويبايعون ويلعنون أبا مسلم. وقال أبو دلامة أيضا:
أبو مسلم عبد لعيسى بن معقل … أخي دلف لا قول من يتكذب
حمدت إلهي حين قيل عدوكم … أبو مجرم أمسى على الوجه يسحب
فإن يك عبدا ذاق حتفا بجرمه … فقد صادف المقدار والحين يجلب
بكت عين من تبكيه ميتا ولا أرى … من الله روحا من له يتغضّب
وقال أبو عطاء السّندي:
زعمت أنّ الدّين لا يقتضى … كذبت والله أبا مجرم
سقيت كأسا كنت تسقي بها … أمرّ في الحلق من العلقم
المدائني قال: كان أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري بخراسان وكان صديقا لأبي مسلم يلاعبه بالشطرنج ويؤانسه، وكان ذا قدر بخراسان، فلما ظهرت الدعوة قدم على أبي مسلم وقال:
قل للأمير أمين الامام … وصيّ وصيّ وصيّ الوصيّ
أتيتك لا طالبا حاجة … ومالي في أرضكم من كفيّ
وكان أبو مسلم يبره ويكرمه، ثم أمر بقتله، فقيل له: صديقك وأنيسك، فقال: رأيته ذا همّة وأبهة فقتلته مخافة أن يحدث حدثا، وكان لا يقعد على الأرض إذا قعدت على السرير، ولقد كان عليّ كريما وكنت له محبا. قال: فعيّر المنصور أبا مسلم بقتله فيما عيّره به.
стр. 1604
حدّثني الأثرم عن أبي عمرو الشيباني الراوية قال: لما قتل المنصور أبا مسلم دعا بجعفر بن حنظلة البهراني فأراه إياه مقتولا، فقال: وفّقك الله يا أمير المؤمنين وسدّدك عدّ خلافتك مذ اليوم.
وحدثني الأثرم عن الأصمعي قال: قال رؤبة بن العجاج: كان أبو مسلم فصيحا على غلظ وفصح كان في لسانه، دخلت عليه فأنشدته:
لبيك اذ دعوتني لبيكا … أحمد ربّا ساقني إليكا
أصبح سيف الله في يديكا (١) …
فأمر لي بكسوة ومال وقال لي: يا رؤبة، إن لك إلينا عودة وعلينا معوّلا، والدهر اطرق مستتبّ، فاذا أتيت خراسان فصر إليّ أغنك، فقلت له: إني أريد أن اسألك وأنا أفرق منك، فقال: سل آمنا، قلت: أرى لسانا عضبا وكلاما فصيحا، فأين نشأت أيها الأمير؟ قال: بالكوفة والشام، قلت: بلغني أنك لا ترحم، قال: كذبوا إني لأرحم؛ قلت: فما هذا القتل؟ قال: إنما أقتل من يريد قتلي.
قالوا: ولمّا قتل أبو مسلم كتب المنصور إلى أبي نصر مالك بن الهيثم، وكان أبو مسلم خلّفه في ثقله بحلوان، وهو يرى أنه يرجع إلى خراسان، كتابا عن لسان أبي مسلم في القدوم بثقله وما خلّف معه، وختم الكتاب بالخاتم الذي أخذه من إصبع أبي مسلم، وكانت بينهما علامة فلم يعرفها فيكتب بها، فامتنع أبو نصر من القدوم، فكتب المنصور إلى عامله بهمذان يأمره بمنعه من النفوذ، فأخذه وحبسه في القصر وقال لمن معه: والله
стр. 1605
لا يتحرك متحرك إلاّ رميت إليكم برأسه، ثم حمله إلى المنصور فعفا عنه، فلما كان يوم الروانديّة قام على الباب فذبّ وأبلى، فرضي عنه وصارت له مكانة عنده وولاّه الموصل.
حدّثني المدائني قال: قال ابن شبرمة: دخلت على أبي مسلم وفي حجره مصحف وإلى جانبه سيف، فسلمت عليه، فقال: يا أبا شبرمة إنما هما أمران: زهد في الدنيا أو سيف يضرب به أهل العناد.
وحدثني عباس بن القاسم أبو الفضل قال: سمعت مشايخنا يذكرون أن أبا مسلم كان رجلا ربعة، وكانت له شعرة وكان أسمر اللون حسن الوجه جيّد الألواح، قليل اللحم تعلوه صفرة.
وحدثني الحرمازي قال: استشار المنصور إسحاق بن مسلم العقيلي، أو سلم بن قتيبة، في أمر أبي مسلم فقال: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ (١).
حدثني ابراهيم بن عتاب، حدثني سلام الأبرش قال: أرق المنصور ذات ليلة فقال للربيع: انظر من في الدار من الصحابة فأدخله إلاّ أن يكون عبد الله بن عياش فإنه سائل ملحف، فنظر فلم يجد في الدار غيره، فقال:
أدخله وتقدم إليه في ترك مسألتي شيئا، فضمن له أن لا يسأل ليلته شيئا، فلما دخل أقبل يحدّث بأمر السواد وفتوحه وما كان يرتفع من جباياته، ثم قال: فطول السواد يا أمير المؤمنين كذا وعرضه كذا ولا والله ما لعبدك منه شبر في شبر، فضحك المنصور وقال: قد أقطعتك غلة ثلاثين ألف درهم من حيث تختار من السواد.
стр. 1606
وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب، عن الربيع قال: جلس المنصور يوما بالنجف بالكوفة يشرف على الخورنق وظهر الكوفة، فقال: يا ربيع ابغني رجلا يحدثني، فقال: يا أمير المؤمنين بالباب عبد الله بن الربيع الحارثي وأنت تحب حديثه، فقال: نعم لولا كثرة سؤاله الحوائج، فقال:
أنا أقطع عنك حوائجه في هذا اليوم، فخرج إليه فاشترى منه مسألته الحوائج بمائتي دينار، فلما دخل ورأى طيب نفس المنصور جعل يعرّض بالسخاء وينشد شعر حاتم الطائي، فقال: يا ربيع لا تف له فإنه لم يف لك، كفى بالتعريض مسألة. وقال: أنشدني قول كثّير: إذا المال لم يوجب عليك، فأنشده:
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه … صنيعة تقوى او صديق تخالقه
منعت وبعض المنع حزم وقوة … فلم يفتلذك المال إلاّ حقائقه (١)
فكان عبد الله بن الربيع يقول: خرجت من عند المنصور وأنا أحب الناس إليه.
المدائني، قال: دخل المنصور المدينة فقال للربيع: ائتني برجل يسامرني ويحدثني، فأتاه برجل ظريف كان منقطعا إليه، فقال له المنصور:
من أنت وأين منزلك؟ قال: ما لي منزل وإني لمغمور النسب لا تبلغني معرفتك. وحدثه فاستظرفه وأمر له بخمسة آلاف درهم، فلما انصرف قال للربيع: تنجّز لي صلتي بأبي أنت وأمي، فقال الربيع: هيهات احتل لنفسك، فلما ركب المنصور من الغد دعا به فحدثه ثم أنشده قصيدة الأحوص:
стр. 1607
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
حتى انته إلى قوله:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق الحديث يقول ما لا يفعل (١)
فقال المنصور: وأبيك لقد اقتضيت فأحسنت ولطفت، يا ربيع يعطى جائزته.
стр. 1608
باب في أخبار الربيع
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي وهشام بن محمد وغيرهما، قالوا:
كان عيسى بن روضة - وهي أمة وأبوه نجيح - عبد لآل طلحة، فرآه المنصور بالكوفة في حلقة المسجد وذلك قبل خلافة أبي العباس، فقال: لئن ملكنا لنشتريّنه فإني لم أر ألسن ولا أظرف منه مع عقل كامل، فلما ولي أبو العباس سأله أن يشتريه فاشتراه بمائة ألف درهم، فكان حاجب المنصور حتى ظهر منه على تشيّع فعزله عن حجابته.
حدثني أبو فراس الشامي قال: كان حاجب المنصور عيسى بن روضة مولاه، ومعه مرزوق أبو الخصيب مولاه، فلما نحّي ابن روضة أو مات صيّر أبا الخصيب مكانه، وكان الربيع مع أبي الخصيب يكون فلما مات أبو الخصيب صار الربيع مكانه.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، قال: كان أبو فروة من أراشة من بليّ سبيّا أخذ من جبل الخليل بالشام فيما يقال، قال: والثبت أنه كان من سبي عين التمر فأعتقه رجل من بني ضبّة.
стр. 1609
وقال الهيثم والمدائني: كان أبو فروة من سبي عين التمر فابتاعه ناعم الأسدي، ثم ابتاعه منه عثمان بن عفان فأعتقه وجعله يحفر القبور، فلما وثب الناس بعثمان قال له: يا أثمان ردّ المذالم (١)، فقال له عثمان: أنت أوّلها، ابتعتك من مال الصدقة لتحفر القبور فتركت ذلك. وكنّى أبا فروة لانه أدخل المدينة وعليه فروة.
فحدثت عن أحمد بن ابراهيم بن اسماعيل، عن محمد بن صبيح الأبيضي، قال: كان يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة يتيما في حجر جدته، وكانت لجدته جارية نفيسة، فغشيها يونس يوما بغير علم جدته فأحبلها فولدت الربيع، أبا الفضل بن الربيع، وربيع هو صاحب المنصور، فجحدته جدته وجحده يونس، فلما شبّ باعته جدته فاشتراه زياد بن عبيد الله الحارثي عامل أبي العباس على المدينة وأهداه إلى أبي العباس، ثم صار إلى المنصور، فلما استحجبه استمال بني أبي فروة وبرّهم وأرغبهم فشهدوا أنه ابن يونس وأنه كان قد أقرّ به.
حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي، قال: كان لهشام بن عمرو مولى قبيصة بن ذؤيب قدر في نفسه وفعال جميل، وكانت بنو أميّة تجيزه وكان سخيّا مطعاما للطعام، فطلب عينة في بعض أيامه وبلغ ذلك عبد الله بن أبي فروة مولى عثمان فقال لقهرمان هشام هذا: بلغني أن أبا عمرو يطلب عينة وعندنا مال فخذ حاجتك منه قرضا إلى متى شئت واكتمه اسمي، فأخبر القهرمان هشاما بذلك ولم يزل يقسم عليه فأخبره بأن ابا فروة صاحبه،
стр. 1610
فقال: إنا نحضر أبواب السلطان وغيره فنتساوى وإن كان له عليّ دين ذللت له وعلاني فخذ لي من غيره مالا.
وكان عبد الله كاتب مصعب بن الزبير وأنيسه، وكان عبد الله بن أبي فروة سريا يفعل افعالا شريفة ويعمّ بمعروفه من انقطع إليه وغيرهم فشهد بعض دور السّلطان ومطرت السّماء فنظر إلى جلسائه فقال: يا غلام هات لنا مماطر، فأتى بمماطر خزّ بعدتهم وكانوا نحوا من عشرين.
قال: وامسك رجل بركابه يوما، فقال: ألك حاجة؟ قال: لك على أبي ألف دينار وقد ترك مالا ولي إخوة، فقال: صدقت قد عرفتك، أعطوه الصك، والمال لك دون إخوتك.
وحدثني الحسن بن علي الحرمازي عن القاسم بن سهل النوشجاني، ان زياد بن عبيد الله الحارثي، خال أبي العباس، ابتاع الربيع في خمسين غلاما بالمدينة وهو عامل المنصور عليها وأهداهم إليه فصيّره مع أبي الخصيب ثمّ ضمه إلى ياسر صاحب وضوئه، وهو يومئذ ابن ثمان عشرة سنة. وحج المنصور في تلك السنة فكان ياسر إذا وضع للمنصور الماء عند نزوله لحاجته لم يرم حتى يفرغ المنصور من الاستنجاء، واعتلّ ياسر فصيّر الربيع يقوم مقامه في الخدمة، فكان إذا وضع الماء للمنصور تنحى عنه فإذا تحرك صار إلى الابريق فأخذه، فقال له: ويحك يا غلام ما أكيسك وأخفك على قلبي، وسأله عن سنيه فزاد فيها ليتكبر بذلك، فأعجبه ما رأى منه، ورأى المنصور في طريقه كتابا على حائط فقرأه فإذا هو:
وما لي لا أبكي وأنشد فاقتي … إذا صدر الرعيان عن كل منهل
стр. 1611
وفي أسفله: آه، آه، آه، فجعل المنصور يردد نظره في ذلك وينكره، فقال الربيع: ان أذن لي أمير المؤمنين تكلمت، فقال: تكلم، فقال: اتبع البيت تأوها وحكاية للبكاء، فأعجبه ما رأى من فطنته فقال:
قاتلك الله، وأعتقه وصيره مكان ياسر، ثم رأى تقليده أمر حجابته فكان مع أبي الخصيب فلما مات صيّره مكانه. قال: فدخل بعض الهاشميين على المنصور يوما فذكر أباه فترحم عليه، فقال له الربيع: مه، اتترحمّ على أبيك وأنت تخاطب أمير المؤمنين؟ فقال: انك لو عرفت حلاوة الآباء ومواقعهم من القلوب لم تنكر عليّ ما قلت. وكان الفضل بن الربيع حاجب الرشيد، وكان يدعوه العباسي.
وحدثني الحرمازي أو غيره أن المنصور أمر رجلا ولاه عملا بالقصد، فقال: عليك بالقصد والسداد فإنه كان يقال الظمأ الفاضح خير من الري الفاضح.
حدثني العمري قال: مرّ المنصور في بعض السكك وكانت مضيقة بالبناء فأمر بهدم ما ضيقت به من ذلك البناء وبلغ الهدم دار أبي دلامة فدخل على المنصور فقال:
يا بن عم النبي زارك زور … قد دنا هدم داره وبواره
فهو كالماخض التي اعتا … دها الطّلق فقرّت وما يقرّ قراره
كيف يخشى البوار شاعر قوم … هرمت في مديحهم أشعاره
لكم الأرض كلها فأعيروا … عبدكم ما احتوى عليه جداره
وحدثني أبو مسعود قال: أمر المنصور الربيع أن يحضر أبا دلامة القصر ويأخذه بصلاة الظهر والعصر والمغرب فأنشأ يقول:
стр. 1612
ألم تريا ان الامام ألزّني … بمسجده والقصر مالي وللقصر
يكلفني الأولى جميعا وعصرنا … فويلي من الأولى وويلي من العصر
لقد كان في أهلي مساجد جمّة … ولكنّ هذا الأمر قدر من القدر
ويحبسني عن مجلس استلذّه … وأكرم فيه بالسماع وبالخمر
وماذا عليه أرشد الله أمره … لو ان خطايا العالمين على ظهري
فقال: صدق لعنه الله، دعوه.
قال المدائني: وماتت ابنة للمنصور، فرأى المنصور ابا دلامة عند قبرها فقال: ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: التي حفر لها يا أمير المؤمنين، فقال: ويلك الا قلت كما قال الفرزدق حين سأله البصري ورآه عند قبر النوار امرأته عن مثل ما سألتك فقال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة! فقال أبو دلامة: إنّا لا نحب المعاد من الكلام.
وحدثني الحرمازي، قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشد:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم … قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم … إلى السماء فأنتم أكرم الناس
فقال المنصور: لقد غدا بك أمر، قال: نعم، ولدت لي البارحة ابنة فقلت فيها:
فما ولدتك مريم أمّ عيسى … ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمّك أمّ سوء … إلى لبّاتها وأب لئيم
فتبسم المنصور وأمر له بأربعة آلاف درهم.
وحدثني أبو العالية البصري قال: أنشد المنصور أبو دلامة قوله:
стр. 1613
قالت تبغ لنا نخلا ومزرعة … كما لجيراننا نخل ومزدرع
خادع خليفتنا عن ذاك في لطف … إن الخليفة للسّؤال ينخدع
فقال لعبد الملك بن حميد: أقطعه ألف جريب نصفها عامر ونصفها غامر.
فقال: بأبي أنت وما الغامر؟ قال: الذي لا يناله الماء إلاّ بالكلفة والنفقة، قال: أبو دلامة: فإني قد أقطعت عبد الملك بن حميد بادية بني أسد وصحراء بزيقيا وصحراء أنقف (١)، فضحك المنصور وأمر ان تجعل الألف جريب عامرة كلها، فقال له: جعلني الله يا أمير المؤمنين فداك ايذن لي في تقبيل رجلك، فقال: لست أفعل، فقال: والله أصلحك الله ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم من هذا.
وحدثني أبو أحمد سلموية بن عمرو النحوي قال: أشار أبو عبد الله الكاتب على المهدي بنزول الرافقة وأراد أن يبعده من المنصور فكتب أبو دلامة:
إن الخليفة والمهدي إذ نأيا … فنحن في حيث لا ماء ولا شجر
ولا نهار ولا ليل يطيب لنا … ولا تضيء لنا شمس ولا قمر
الله يعلم أني ناصح لكم … فيما أقول وأني حية ذكر
أرى وأسمع ما لا تسمعان به … من الحسود وفي في الحاسد الحجر
فرد المنصور المهدي إليه ولم يأذن له في نزول الرافقة.
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب، قال: كان المنصور يقول:
ما شيء أجلب لقلب من كلام يصاب به موضعه، ويروى ذلك أيضا عن ابن المقفع.
стр. 1614
حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي قال: قال المنصور لابن عياش المنتوف: لو تركت لحيتك لطالت، أما ترى عبد الله بن الربيع ما أحسنه، فقال: يا أمير المؤمنين أنا أحسن منه، فقال ابن الربيع: اما ترى هذا الشيخ يا أمير المؤمنين ما أكذبه! فقال ابن عياش: يا أمير المؤمنين مر بجزّ لحيته ويقام إلى جانبي حتى ينظر أيّنا أحسن.
وحدثني عمر بن بكير، عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، قال: قال المنصور للأعلم الهمداني: ما مالك؟ قال: ما أكف به وجهي ولا أعود بفضله على صديق، فقال: لقد ألطفت المسألة، وأمر له بخمسة آلاف درهم.
وحدثني عمر عن الهيثم، قال: قال المنصور لسفيان: ما أسرع الناس إلى قومك، فقال:
إن العرانين تلقاها محسّدة … ولن ترى للئام الناس حسّادا
стр. 1615
أمر ابن المقفع
كان عبد الله بن داذبة، وهو المقفّع، من أشراف أهل فارس وكان أبوه دخل في عمل للحجاج فخرج عليه مال فضرب به حتى تقفّعت يده، فغلب على اسمه المقفّع، واحتال حتى اقترض من صاحب العذاب مالا، فكان يبقي عليه من القتل، وكان منزله البصرة وكان حريصا على تأديب عبد الله ابنه يجمع إليه الأدباء ويأخذه بمشاهدة مجالسهم، وألزمه أبا الغول الأعرابي وأبا الخاموش، وكانا فصيحين، فلما مات المقفّع كتب لعامر بن ضبارة، ثم لما جاءت الدولة صحب بني علي بن عبد الله فكان يكتب لهم كتبهم، وكان أكثر ميله إلى عيسى بن علي وعلى يده أسلم.
فحدّثني محمد بن قادم النحوي، عن بعض الهاشميين، أن عبد الله بن المقفّع دخل على عيسى ليلا فقال له: إني أريد الاسلام فقد خامر قلبي حبّه وكرهت المجوسية، فقال له: إذا أصبحنا جمعت أخوتي ووجوها من وجوه الناس فشهدوا إسلامك. وحضر عشاء عيسى فدعاه ليأكل فامتنع فعزم عليه، وكان نظيفا حسن المؤاكلة، فلم يدن من الطعام إلاّ على زمزمة