وفي أسفله: آه، آه، آه، فجعل المنصور يردد نظره في ذلك وينكره، فقال الربيع: ان أذن لي أمير المؤمنين تكلمت، فقال: تكلم، فقال: اتبع البيت تأوها وحكاية للبكاء، فأعجبه ما رأى من فطنته فقال:
قاتلك الله، وأعتقه وصيره مكان ياسر، ثم رأى تقليده أمر حجابته فكان مع أبي الخصيب فلما مات صيّره مكانه. قال: فدخل بعض الهاشميين على المنصور يوما فذكر أباه فترحم عليه، فقال له الربيع: مه، اتترحمّ على أبيك وأنت تخاطب أمير المؤمنين؟ فقال: انك لو عرفت حلاوة الآباء ومواقعهم من القلوب لم تنكر عليّ ما قلت. وكان الفضل بن الربيع حاجب الرشيد، وكان يدعوه العباسي.
وحدثني الحرمازي أو غيره أن المنصور أمر رجلا ولاه عملا بالقصد، فقال: عليك بالقصد والسداد فإنه كان يقال الظمأ الفاضح خير من الري الفاضح.
حدثني العمري قال: مرّ المنصور في بعض السكك وكانت مضيقة بالبناء فأمر بهدم ما ضيقت به من ذلك البناء وبلغ الهدم دار أبي دلامة فدخل على المنصور فقال:
يا بن عم النبي زارك زور … قد دنا هدم داره وبواره
فهو كالماخض التي اعتا … دها الطّلق فقرّت وما يقرّ قراره
كيف يخشى البوار شاعر قوم … هرمت في مديحهم أشعاره
لكم الأرض كلها فأعيروا … عبدكم ما احتوى عليه جداره
وحدثني أبو مسعود قال: أمر المنصور الربيع أن يحضر أبا دلامة القصر ويأخذه بصلاة الظهر والعصر والمغرب فأنشأ يقول:
стр. 1612
ألم تريا ان الامام ألزّني … بمسجده والقصر مالي وللقصر
يكلفني الأولى جميعا وعصرنا … فويلي من الأولى وويلي من العصر
لقد كان في أهلي مساجد جمّة … ولكنّ هذا الأمر قدر من القدر
ويحبسني عن مجلس استلذّه … وأكرم فيه بالسماع وبالخمر
وماذا عليه أرشد الله أمره … لو ان خطايا العالمين على ظهري
فقال: صدق لعنه الله، دعوه.
قال المدائني: وماتت ابنة للمنصور، فرأى المنصور ابا دلامة عند قبرها فقال: ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: التي حفر لها يا أمير المؤمنين، فقال: ويلك الا قلت كما قال الفرزدق حين سأله البصري ورآه عند قبر النوار امرأته عن مثل ما سألتك فقال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة! فقال أبو دلامة: إنّا لا نحب المعاد من الكلام.
وحدثني الحرمازي، قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشد:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم … قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم … إلى السماء فأنتم أكرم الناس
فقال المنصور: لقد غدا بك أمر، قال: نعم، ولدت لي البارحة ابنة فقلت فيها:
فما ولدتك مريم أمّ عيسى … ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمّك أمّ سوء … إلى لبّاتها وأب لئيم
فتبسم المنصور وأمر له بأربعة آلاف درهم.
وحدثني أبو العالية البصري قال: أنشد المنصور أبو دلامة قوله:
стр. 1613
قالت تبغ لنا نخلا ومزرعة … كما لجيراننا نخل ومزدرع
خادع خليفتنا عن ذاك في لطف … إن الخليفة للسّؤال ينخدع
فقال لعبد الملك بن حميد: أقطعه ألف جريب نصفها عامر ونصفها غامر.
فقال: بأبي أنت وما الغامر؟ قال: الذي لا يناله الماء إلاّ بالكلفة والنفقة، قال: أبو دلامة: فإني قد أقطعت عبد الملك بن حميد بادية بني أسد وصحراء بزيقيا وصحراء أنقف (١)، فضحك المنصور وأمر ان تجعل الألف جريب عامرة كلها، فقال له: جعلني الله يا أمير المؤمنين فداك ايذن لي في تقبيل رجلك، فقال: لست أفعل، فقال: والله أصلحك الله ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم من هذا.
وحدثني أبو أحمد سلموية بن عمرو النحوي قال: أشار أبو عبد الله الكاتب على المهدي بنزول الرافقة وأراد أن يبعده من المنصور فكتب أبو دلامة:
إن الخليفة والمهدي إذ نأيا … فنحن في حيث لا ماء ولا شجر
ولا نهار ولا ليل يطيب لنا … ولا تضيء لنا شمس ولا قمر
الله يعلم أني ناصح لكم … فيما أقول وأني حية ذكر
أرى وأسمع ما لا تسمعان به … من الحسود وفي في الحاسد الحجر
فرد المنصور المهدي إليه ولم يأذن له في نزول الرافقة.
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب، قال: كان المنصور يقول:
ما شيء أجلب لقلب من كلام يصاب به موضعه، ويروى ذلك أيضا عن ابن المقفع.
стр. 1614
حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي قال: قال المنصور لابن عياش المنتوف: لو تركت لحيتك لطالت، أما ترى عبد الله بن الربيع ما أحسنه، فقال: يا أمير المؤمنين أنا أحسن منه، فقال ابن الربيع: اما ترى هذا الشيخ يا أمير المؤمنين ما أكذبه! فقال ابن عياش: يا أمير المؤمنين مر بجزّ لحيته ويقام إلى جانبي حتى ينظر أيّنا أحسن.
وحدثني عمر بن بكير، عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، قال: قال المنصور للأعلم الهمداني: ما مالك؟ قال: ما أكف به وجهي ولا أعود بفضله على صديق، فقال: لقد ألطفت المسألة، وأمر له بخمسة آلاف درهم.
وحدثني عمر عن الهيثم، قال: قال المنصور لسفيان: ما أسرع الناس إلى قومك، فقال:
إن العرانين تلقاها محسّدة … ولن ترى للئام الناس حسّادا
стр. 1615
أمر ابن المقفع
كان عبد الله بن داذبة، وهو المقفّع، من أشراف أهل فارس وكان أبوه دخل في عمل للحجاج فخرج عليه مال فضرب به حتى تقفّعت يده، فغلب على اسمه المقفّع، واحتال حتى اقترض من صاحب العذاب مالا، فكان يبقي عليه من القتل، وكان منزله البصرة وكان حريصا على تأديب عبد الله ابنه يجمع إليه الأدباء ويأخذه بمشاهدة مجالسهم، وألزمه أبا الغول الأعرابي وأبا الخاموش، وكانا فصيحين، فلما مات المقفّع كتب لعامر بن ضبارة، ثم لما جاءت الدولة صحب بني علي بن عبد الله فكان يكتب لهم كتبهم، وكان أكثر ميله إلى عيسى بن علي وعلى يده أسلم.
فحدّثني محمد بن قادم النحوي، عن بعض الهاشميين، أن عبد الله بن المقفّع دخل على عيسى ليلا فقال له: إني أريد الاسلام فقد خامر قلبي حبّه وكرهت المجوسية، فقال له: إذا أصبحنا جمعت أخوتي ووجوها من وجوه الناس فشهدوا إسلامك. وحضر عشاء عيسى فدعاه ليأكل فامتنع فعزم عليه، وكان نظيفا حسن المؤاكلة، فلم يدن من الطعام إلاّ على زمزمة
стр. 1616
فقيل: اتزمزم وأنت على الاسلام غدا؟ فقال: إني أكره أن أبيت غدا على غير دين، فلما أصبح أسلم. وكان يكنى أبا عمرو فتكنى أبا محمد.
وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: كانت لعبد الله بن المقفّع حال جميلة وغلّة تأتيه من فارس كافية، وكانت له مروج تقاد إليه منها البراذين والبغال فيهديها ويحمل عليها.
حدثني المدائني، قال: حضر سلم بن قتيبة ومعن بن زائدة وعبد الله بن المقفّع منزل ابن رامين، وكان له قيان وهو الذي يقول فيه الشاعر:
إن ابن رامين قد أضحى له بقر … عين وليس لنا غير البراذين
لو شئت أعطيته مالا على قدر … يرضى به منك دون الربرب العين
قال: فتغنت الزرقاء أم سعدة جارية ابن رامين صوتا أعجب سلما فبعث إلى خازنه فحمل إليه عشرة آلاف درهم فدفعها إليها، ثم غنت إحداهما صوتا اقترحه معن، فبعث إلى وكيله فحمل إليه إلف دينار، وغنت صوتا لعبد الله بن المقفّع، وكان قد ابتاع ضيعة بمائة ألف درهم فأمر غلمانه فأتوه بصك الضيعة فدفعه إليها، فقال معن: لله الفارسي لقد برز علينا. وكان ما بين ابن شبرمة وابن أبي ليلى متباعدا فحاول ابن المقفّع أن يصلح بينهما فأبى ذلك ابن أبي ليلى. وكان ابن شبرمة صديقا لابن المقفع، فقال ابن المقفّع:
تنوّقت في الاحسان لم آل جاهدا … إلى ابن أبي ليلى فصيّره ذمّا
ووالله ما آسي على فوت شكره … ولكن سوء الرأي يحدث لي غمّا
وماذا يضرّ المرء من قول قائل … إذا هو لم يغش الدناءة والإثما
وحدثني عبد الله بن مالك، قال: أخبرت أن عبد الله بن المقفّع كان إذا أقبل يريد منزله يقدم غلام له مجيئه، فمن كان من غلمانه على غير هيئة
стр. 1617
تهيّأ، ويفتح له أبوابه فيدخل منزله ومعه عدة من إخوانه، فإذا حضر طعامه وقف قهرمانه فقال: قد هيّئ في المطبخ كذا وكذا وكذا، ليعلموا ما يؤتون به من الطعام فيبقي الرجل نفسه لما يشتهيه، وكانت أيديهم تغسل بالاشنان قبل الأكل ويقول: ان الأيدي تقع في الحار والبارد ولا يؤمن ان يتحلل في ذلك شيء من وسخها مما لا ينقيه الغسل بالماء وحده.
وحدثني المدائني عن ابن جابان، قال: كان ابن المقفّع ظريفا مزّاحا ذا دعابة، فكان بعض من يحسده يقول: إن أدبه أكثر من عقله. وقال ابن المقفّع يوما لغلامه، وسمعه يقول: ما أكثر الدخّان، فقال: ويلك لا تقل الدخّان. إنما هو الدخان (١). ثم سمع يوما كلاما فقال: ما هذا الذي اسمع؟ فقال الغلام: هذا كلام قوم جلوس على الدكان (٢)، فضحك وقال: أنا كنت أعجب منك يا بني. وسمع يوما بعض ولد اسماعيل بن علي يقول: أعطوني برذوني الأسود، فقال له: لا تقل هذا وقل برذوني الأدهم، فلما أتي ببرذونه قال: هاتوا طيلساني الأدهم، فقال له: إنّ عناء تقويم ما لا يستقيم.
وحدثني المدائني، قال: كان ابن شبرمة يقول: في الناس رائدان كاذب وصادق، فأمّا الكاذب منهما فسلم بن قتيبة، رآني ملزوما بدين عليّ فسألني عن خبري فأعلمته إياه فمضى ولم يكن عنده ما يرجوه الصديق من صديقه، وأما الصادق فابن المقفع مرّبي وأنا على حالي تلك فصفحني وأسرع السير، فلم ألبث أن جاءني رسوله بحقّ فيه حليّ وجوهر فقال لي: يقريك
стр. 1618
أبو محمد السّلام ويقول: إني مررت بك ولم أكن على ثقة من أن يتهيأ لي ما بعثت به إليك فيسّره الله وهيأه فاقض من ثمنه دينك واستعن بباقيه على دهرك.
ومرّ ابن المقفع برجل يقاد فقال لخصمائه: إن عزمكم أن تقتلوا هذا الرجل متعمدين لقتله، ولعله ألا يكون أراد قتل صاحبكم فخذوا مني ديته وهبوه لله، فلم يزل يطلب إليهم ويزيدهم حتى أخذوا منه ثلاث ديات وأطلقوه.
وحدثت عن عثمان البتي انه ذكر ابن المقفع فقال: اخاؤه عقده.
المدائني قال: عاد ابن المقفع شبيب بن شيبة فصادفه في دهليز فنزل إليه فإنه ليحدثه اذ جاءت جارية لبعضهم وقد ودى (١) بعضهم بغل ابن المقفع فقالت: يا أبا معمر مولاي يقريك السّلام ويقول كيف أصبح اير بغلكم؟
فقال ابن المقفع: كما ترين عافاك الله، فتسوّرت الجارية، وكانت فيه دعابة.
وكان ابن المقفع يقول: اللسان ترجمان عن القلب فذلله بأسهل اللفظ.
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب وغيره، ان المنصور ولى سفيان بن معاوية البصرة، وكان بنو علي أمروا ابن المقفع أن يكتب لعبد الله بن علي أمانا حين أجابهم المنصور إلى أيمانه، فكان فيه: «إن عبد الله عبد الله أمير المؤمنين لم يف بما جعل لعبد الله بن علي فقد خلع نفسه والناس في حل وسعة
стр. 1619
من نقض بيعته»، فأنكر المنصور ذلك وأكبره واستبدّ به غيظه على ابن المقفع، وكتب إلى سفيان أن اكفني ابن المقفع، ويقال إنه شافهه بذلك عند توديعه إياه. وكان ابن المقفع يهزأ بسفيان ويستجهله ويقول له: ما تقول في زوج وامرأة، كم لكل واحد منهما من الميراث؟ وأنشد يوما:
له إطلا (١) … ظبي وساقا نعامة
فقال ابن المقفع: ما هذا الطائر الذي تصفه؟ وسمع سفيان يقول يوما:
ما ندمت على سكوت قط، فقال له: والله ما تؤجر على الخرس لأنه زين لك، فكيف تندم على سكوتك، وكان يلقي عليه مسائل من النحو ثم يقول له: أخطأت ويتضاحك به، وكان أنف سفيان عظيما فكان يقول له:
السلام عليكما، كيف أنتما، يعنيه وانفه. وجرى بينهما كلام فقال له ابن المقفع: يا بن المغتلمة، والله ما رضيت أمّك برجال العراق ولا اكتفت بهم حتى نكحها رجال الشام، وكانت أم سفيان، ميسون بنت المغيرة بن المهلب، تزوجها القاسم بن عبد الرحمن بن عضاه الأشعري، وعيره بهربه من سلم بن قتيبة بالبصرة، فكان سفيان أشد الناس بغضا لابن المقفع، فلما أمره المنصور بما أمره رأى أن الفرصة قد امكنته، فجاءه ذات يوم في حاجة لعيسى بن علي، وعيسى بالبصرة وكان قدمها مع سليمان في أمر عبد الله بن علي، فقتله أشرّ قتلة.
عبد الله بن مالك الكاتب، والمدائني، قالا: وجه عيسى بن علي ابن المقفع إلى سفيان في حاجة، فقال له: أرسل في حاجتك غيري، فأبى
стр. 1620
وقال: لن يقدم عليك بمكروه وأنا حاضر، فلما دخل على سفيان ثم أراد الخروج قال له حاجب سفيان: اصبر، قال: ويلك ان الصبّر لا يكون الا على بلاء ولكن قل انتظر، فقال: اجلس في هذه الحجرة فإن للأمير إليك حاجة، وأومأ إلى حجرة معتزلة، ثم سجرّ له تنّور وأتاه الحاجب فدقّ عنقه، فكأنما قصف قثاءة، ثم ألقاه في التنور وابن المقفع يقول: يا أعوان الظلمة، وهذا الثبت. ويقال إنه ألقي في بئر وأطبق عليه حجر، ويقال بل أدخل حماما فلم يزل فيه حتى مات.
وقال عباس بن الوليد النرسي: بلغني أن عنقه دقّت بعد أن قطّع عضوا عضوا وألقيت أعضاؤه في النار وهو يراها ويصيح صياحا شديدا.
وقال بعضهم: ألقي في بئر النورة في الحمام وأطبق عليه الحاجب صخرة فمات.
وكان الهيثم بن درهم مولى بني قيس صديقا لابن المقفع، فقال:
إعمد الى بظر ميسون فعضّ به … لعل ذلك منه سوف يشفيكا
أردت ذمّة عيسى أن تدنّسها … فقد فعلت فرب الناس يجزيكا
قالوا: وشكا بنو علي بن عبد الله ما صنع سفيان بابن المقفع إلى المنصور، فأمر بحمل سفيان إليه فحمل وشخص معه أهل بيته، وجاء عيسى بن علي بقوم يشهدون أن ابن المقفع دخل داره فلم يخرج وصرفت دوابه وغلمانه يصرخون وينعونه، وبآخرين يبثّون الشهادة أنه قتله، فقال المنصور: أرأيتكم إن أخرجت ابن المقفع اليكم ماذا تقولون؟ فانكسروا عن
стр. 1621
الشهادة وكفّ عيسى عن الطلب بدمه. وقال أبو الغول الأعرابي يرثي عبد الله بن المقفع:
وجمت وراعك الخطب الجليل … وأجرى دمعك الحزن الدخيل
كأنّ دموع عينك إذ تداعت … جمان خانه سلك سحيل
عشيّة قلت للداعي ينادي … بعبد الله ويحك ما يقول
فقال ابن المقفع فاحتسبه … فليس إلى لقائكه سبيل
قتيل مغالة في السّر غدرا … وقد يغتال ذا العزّ الذليل
لقد أودى به كرم وبرّ … وعلم زانه رأي أصيل
وجود يد بمنفسها إذا ما … نفيس المال ضنّ به البخيل
أبو الأضياف يغمرهم قراه … رحيب بالعظيم له حمول
وقال أيضا، ويقال غيره:
لعمري لمن أوفى لجار إجارة … لقد غرّ عيسى جاره ابن المقفع
فلو بابن موسى كان شدّ حباله … لعاذ بمشبوح الذراع سميدع
دعا دعوة عيسى وهم يسحبونه … برمّته سحب الفصيل المقرّع
فلو كابن حرب كان أو كابن ظالم … لما اغتيل عبد الله في شرّ مصرع
ولو كابن موسى كان أوفى لجاره … فآب سليما لحمه لم يقطع
فإذ لم تكن مثل السموأل وافيا … فعش غادرا ما عشت في الناس أودع
أهابوا به حتى إذا قيل قد علا … مع النجم خلّوه وقالوا له قع
وكان إذا ما راح راحت بغاله … بذي كرم جم الفضائل أروع
فعينيّ إن أنزفتما الدمع منكما … فسحّا دما يا مقلتي بأربع
стр. 1622
حدثني عبد الله بن صالح عن أبي بكر بن عياش، قال: كان مما يعد من دهاء المنصور أنه لما وجه جيشه إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بلغه أنه يريد اليمن فأمر كبار قوادره الذين في الجيش أن يكتبوا إلى محمد فيعلموه أنهم إذا صاروا إلى المدينة فواقفوه انقلبوا إليه، فأقام طمعا في ذلك، فلما لقوه كانت إياها.
стр. 1623
أمر سديف
حدّثني أحمد بن الحارث عن علي بن صالح قال: كان سديف مولى لآل أبي لهب، وكان مائلا إلى المنصور، فلما استخلف وصله بألف دينار فدفعها إلى محمد بن عبد الله بن الحسن تقوية له، فلما قتل محمد صار مع أخيه ابراهيم بالبصرة حتى إذا قتل إبراهيم أتى المدينة فاستخفى بها، فيقال إنه طلب له الأمان من عبد الصمد بن علي وكان واليها فأمنه وأحلفه أن لا يبرح المدينة، وقدم المنصور المدينة فقيل له: قد رأينا سديف بن ميمون ذاهبا وجائيا، فبعث في طلبه وأخذ عبد الصمد به أشدّ أخذ ووجد عليه في أمره، فلما أتي بسديف أمر فجعل في جوالق ثم خيط عليه وضرب بالخشب حتى كسر، ورمي به في بئر وبه رمق حتى مات.
وقال غير علي بن صالح، كتب المنصور إلى عبد الصمد في طلب سديف، فظفر به وحبسه حتى قدم المنصور، فقال لعبد الصمد: ما فعل سديف؟ قال: محبوس، فقال إنه لطويل الحياة، فقال عبد الصمد لصاحب شرطته: اكفناه، فقتله.
стр. 1624
حدثّني عبد الله بن مالك الكاتب، قال: كان أحب الطيب إلى المنصور المسك، فكان يبتاع له منه في كل سنة اثنا عشر ألف مثقال من غلة ضياعه فيستعمل منه في كل يوم عشرين مثقالا ينفح منها في ثيابه ويغير شيبه ويمسح جسده، ويصرف باقي المسك فيما يهبه.
стр. 1625
أمر ابن هرمة
وحدّثني الحسن بن علي الحرمازي، عن أبي مسعود الكوفي، قال: قال المنصور: ما رأيت ابن هرمة قط فذكرت أبياته في عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلا هممت بأن أسوءه، والأبيات:
إذا قيل من خير من يرتجى … لمعترّ فهر ومحتاجها
ومن يعجل الخيل عند اللقاء … بإلجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالك … إليك به قبل أزواجها (١)
فقال عيسى بن علي: يا أمير المؤمنين، فهو الذي يقول فيك:
كريم له وجهان وجه لدى الرضا … أسيل ووجه في الكريهة باسل
له لحظات عن حفافي سريره … إذا كرّها فيها عقاب ونائل
يقاتل عنه الناس مجلود رأيه … على الحق والرأي الجليد مقاتل (٢)
стр. 1626
المدائني قال: مدح إبراهيم بن علي بن هرمة المنصور فأعطاه عشرة آلاف درهم فاستقلّها وقال: لي حاجة يا أمير المؤمنين فان قضيتها كنت قد كافأتني، قال: وما هي؟ قال: تأذن لي في شرب النبيذ بالمدينة فإن لي هذه الأرواح والماء يضرني، فقال: وكيف أفعل وأنت تعرف كراهة أهل الحجاز للشرب؟ قال: احتل لي يا أمير المؤمنين، فأمر الوالي هناك أن ينظر فمن أتاه بابن هرمة وهو سكران ضربه مائة وضرب ابن هرمة ثمانين، فكان الشرطي يراه سكران بالمدينة فيقول: من يشتري الثمانين بالمائة ويدعه.
وحدثني أبو يحيى المديني مولى الانصار قال: لم يجبه المنصور إلى الاذن في شرب النبيذ ولكن بعض عمال المدينة كان أمر فيه بهذا، وكان ابن هرمة مستهترا بالنبيذ لا يصبر عنه، وهو الذي يقول:
أسأل الله سكرة قبل موتي … وصياح الصبيان يا سكران
المدائني قال: وعظ سوّار المنصور فوصله فأبى قبول صلته، فقيل له في ذلك فقال: كرهت أن أكون مثل سعيد بن الفضل وعظ هشاما ثم سأله فأعطاه، فقال هشام: إلى هذا أجري الحديث!.
стр. 1627
أمر أبي داود خالد بن إبراهيم
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، وأخبرنا المدائني، قالا:
استخلف أبو مسلم خالد بن ابراهيم أبا داود الذّهلي حين سار للحج على خراسان، فلما توفي أبو العباس بايع أبو داود للمنصور فكان متخوفا من أبي مسلم إذ فعل ذلك بغير أمره فلم يكتب بالبيعة إلى أبي مسلم إلا بعد حين، فلما قتل أبو مسلم أتاه البريد بخبر مقتله فأنكر قتله وذكر المنصور ذكرا قبيحا ونسبه إلى الغدر، فكتب المنصور إليه يأمره بغزو ما وراء النهر، ثم كتب إليه في القدوم عليه ووجّه بكتابه إليه رسولا مفردا، فقال: ما يقدمني عليه إلا لمسألتي عن أمور أبي مسلم وأمواله ثم قتلي بعد ذلك، ثم قام يفرقع أصابعه ويرقص ويقول: يا أبا جعفر غرّ غيري، والرسول يراه. فرجع إلى المنصور فأخبره بما عاين، ولم يجب المنصور على كتابه. فكتب المنصور إلى أبي عصام عبد الرحمن بن سليم مولى عبد الله بن عامر بن كريز: «إن قتلت أبا داود فأنت أمير خراسان»، فخرج أبو عصام إلى كشماهن (١) وقد دسّ إلى أهلها من
стр. 1628
هيّجهم ليخرج أبو داود فيفتك به، وسمع أبو داود الضجة فصعد لينظر فمشى على جناح في داره وكان ضعيف البصر فسقط على وتد، فقالت له امرأته: من ذا؟ قال: أنا أبو داود قد نزل بي ما يريد أبو جعفر، واحتمل فمات ودفن وذلك في سنة تسع وثلاثين ومائة.
وكتب أبو عصام بموته إلى المنصور واجتمع الناس إلى أبي عصام فبايعوه للمنصور، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى قدم عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي خراسان واليا عليها على أربع من دواب البريد (١).
стр. 1629
أمر عبد الجبّار بن عبد الرحمن الأزدي
حدثني أبو مسعود الكوفي، وغيره، قالوا: دعا المنصور عبد الجبار فقال له: قد وليتك خراسان فأطع الله في معصيتي، ولا تطعني في معصية الله، ولن للمحسن، وكن خشنا على المسيء. وكان عبد الجبار على شرط أبي العباس، ثم على شرط المنصور إلى أن ولاه خراسان، ثم ولى الشرطة بعده عمر بن عبد الرحمن أخاه، ثم عزله وولى موسى بن كعب التميمي حتى مات، ثم ولى بعده المسيب بن زهير الضبي. فكان المسيب يسعى في فساد حال عبد الجبار عند المنصور ويوحشه منه ويغريه به، وكتب إلى عبد الجبار إن المنصور قال ذات يوم: «من ولّي خراسان، فأصلح ثغورها، وأحسن السيرة في أهلها ورزق جنودها، وكان في بيت ماله بعد ذلك عشرة آلاف ألف فهو الكامل»، فكتب إلى المنصور يعلمه أن عنده بعد سدّ الثغور واعطاء المقاتلة عشرة آلاف ألف، فكتب إليه المنصور في حملها، ولم تكن عنده وإنما كذبه، وألح المنصور فيها، فكتب يسأل الإذن له في إشخاص عياله إليه فلم يأذن له في ذلك، وكان يبلغه فساد قلبه عليه بما يكيده به المسيب عنده ويقول له فيه، فخلع
стр. 1630
وقال: إن أبا جعفر دعاني إلى عبادته وأسرف في القول، فأشخص المنصور إليه المهدي ومعه خازم بن خزيمة فقاتله خازم فظفر به.
المدائني قال: لما مات أبو داود خالد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن قعبل بن ثابت بن سالم بن حذلم بن الحارث بن عمرو بن سالم بن الحارث بن عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة، كتب المنصور إلى أبي عصام عبد الرحمن بن سليم بولاية خراسان، ثم عزله بعد أربعين يوما، واستعمل عبد الجبار بن عبد الرحمن بن زيد بن فيل بن قيس بن زيد بن جابر بن رافد بن سبالة بن عامر بن عمرو بن كعب بن الحارث - وهو الغطريف الأصغر - بن عبد الله بن الغطريف الأكبر - واسمه عامر - بن بكر بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد - واسمه ذر - بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان عبد الجبار يتشيّع فسار سيرة حسنة ونظر في أمر الخراج وقوّى الدعوة، ثم كتب إلى المنصور يسأله الإذن في حمل عياله فلم يأذن له في ذلك فدسّ إلى قوم من عمال أبي داود وغيرهم ممن كان مخالصا للعباسيين فقتلهم.
وصار إليه علج ينظر في النجوم، فقال له: إنك ستغلب على خراسان وغيرها وتنال ملكا عظيما، فكتب رجل من عيون المنصور ونصحائه إلى المنصور إنه قد نغل الأديم، فقال لأبي أيوب المورياني، كاتبه ووزيره: ما تراه يقول؟ قال:
يخبرك أن عبد الجبار على الخلع، فقال: ما ترى؟ قال: تكتب إليه أنك تريد الغزو برجال خراسان ووجوه أهلها وتأمره بتوجيههم إليك، ففعل. فكتب إليه عبد الجبار: إن الترك قد جاشت وخراسان محتاجة إلى رجالها. فكتب المنصور
стр. 1631
إليه: إني بخراسان أعنى منيّ بغيرها فإن أحببت أن يوجه إليك أمير المؤمنين رجالا ممّن قبله فعل، وإنما أراد أن يوجه إليه من الجند من يلطف لأخذه.
فكتب: إن خراسان مجدبة فليتها تقوم بمن فيها من الرجال وتحملهم، وأظهر الخلع وقال: ان أبا جعفر دعاني إلى عبادته، وشتمه، وحضّ على طاعة آل أبي طالب ووجه إلى ابراهيم بن عبد الله بن حسن، وهو مستخف يسأله أن يشخص إليه فلم يفعل، فنصب رجلا قال إنه إبراهيم بن عبد الله، وكان اسم الرجل يزيد. فولى المنصور المهدي خراسان ووجه معه خازم بن خزيمة، فأقام المهدي بالري ووجه خازما إلى خراسان.
وخرج على عبد الجبار، الحسن بن حمران مولى مطر بن وساج أخي بكير بن وساج، ودعا إلى المنصور وحضّ على التمسك بطاعته والوفاء ببيعته، ثم إنه غيّر وبدّل فبعث إليه خازم بن خزيمة من حاربه فقتله وأتى خازما برأسه.
وخرج على عبد الجبار، الأشعث أبو جابر بن الأشعث الطائي باشتيخن (١) ثم أتى بخارى فقتل عامل عبد الجبار عليها واصطفى أموال من قتل.
وكان عبد الجبار حبس حرب بن زياد الطالقاني من عجمها، ثم خلاه، ووجه إلى بلخ وكتب إلى عاملها في حبسه فحبسه فهرب، ودعا إلى خلاف عبد الجبار وأتى بداعية الطالبيين فقتله بالطالقان.
ولبس عبد الجبار البياض ومعه يزيد المدّعي أنه إبراهيم بن عبد الله، وكان مولى لبجيلة وعمّمه بعمامة سوداء، فخطب المدّعي في يوم جمعة، ودعا
стр. 1632
على المنصور، وخطب أيضا يوم السبت، وذكر قتل المنصور من قتل من آل أبي طالب، وبكى فأبكى الناس ممن كان معه.
وناهض عبد الجبار حرب بن زياد، فقتل المدعي، وهزم عبد الجبار في عصيبة بقيت معه، وكان له دليل فغدر وفرّ عنه، ثم تفرق من معه إلا خمسة نفر ووقع في مقطنة ومعه كاتبه، فطلب وأتاه عبد الغفار بن صالح الطالقاني فقال: ألق سيفك، فألقاه، ثم أتاه الجنيد بن خالد بن هريم فحمله على برذون تركي وقد شدّت يده إلى عنقه وهو عريان قد مزق الناس ثيابه وأرادوا قتله وتسرّعوا إليه، فمنعهم حرب من ذلك وأنفذه إلى خازم وهو بسرخس، فحمله خازم إلى المهدي مع نضلة بن نعيم بن حازم، والمهدي بنيسابور، وكان المنجم معه وعدّة غيره، فأمر المهدي بقطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم، وحمل عبد الجبار إلى المنصور، ورجع إلى الري. فلما صار عبد الجبار إلى المنصور قال له: استبقني يا أمير المؤمنين ولا تذهبن زلتي بحسن بلائي وحرمتي، وما كان مني في هذه الدولة والدعوة، فقال: يابن اللخناء قتلت نظراء قحطبة وطبخت أولياءنا طبخا، وكانت له قدر عظيمة كان أبو مسلم أصابها فكان يغلي فيها الدهن ثم يقيم الرجل من العباسية فيه حتى يتفسّخ، ثم أمر به أن تقطع يده ورجله، فقال: يا أمير المؤمنين قتلة كريمة، فقال: يابن اللخناء تركتها بخراسان، فقتل وصلب بالكوفة عند باع المختار.
وكان خلع عبد الجبار في سنة إحدى وأربعين ومائة.
وقد قال قوم ان حرب بن زياد بعث بعبد الجبار إلى المهدي، والأول أثبت.
стр. 1633
وحدثني المدائني قال: لما خلع عبد الجبّار كتب إلى محمد بن عبد الله بن حسن يسأله أن يتوجه إليه، أو يوجه بعض ولده، وذلك قبل خروجه وظهوره، فأراد الشخوص إليه بنفسه في أربعين من أهل بيته، فلما بلغته هزيمته رجع إلى المدينة فخرج في سنة خمس وأربعين.
قالوا: ولما قتل عبد الجبار أمر المنصور بتسيير عياله إلى دهلك (١) فسبتهم الحبشة فاشتراهم قوم من التجّار وأرادوا ادخالهم المدينة، فمنعهم عبد الصمد بن علي من ذلك، وكان عاملا للمنصور عليها، وكتب إلى المنصور يعلمه خبرهم، فكتب إليه أن اشترهم منهم، فاشتراهم وبعث بهم إلى العراق. وكان عبد العزيز أخو عبد الجبار واليا على البصرة، فلما خلع أخوه وجه المنصور أبا الخصيب مولاه فقدم به، وولى المنصور سوّار بن عبد الله بن قدامة العنبري البصرة مكانه، ثم ولاها هزارمرد، وهو عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة، وجعل سوّارا على الصلاة والقضاء.
قال المدائني: وكانت بنت عبد الجبار عند روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب.
وقال أبو الحسن المدائني: كان يطعن في نسب عبد الجبار وكان شيعيا، وكان أخوه عبد العزيز قاصّا يرى الاعتزال، وكان له أخ يرى رأي الجماعة، فقتلوا جميعا.
стр. 1634
قالوا: قدم حرب بن زياد على المنصور في وجوه أهل خراسان فردّه المنصور إلى خراسان واليا، فهمّ بالخلع وأطلق لسانه بقول سيء، فبلغ ذلك المنصور، فكتب إلى وجوه أهل خراسان في أمره، فقتل ببلخ.
стр. 1635
أمر عمرو بن عبيد في خلافة المنصور
حدثني عبد الله بن صالح ومسلم بن عبد الله بن مالك الكاتب وغيرهما فسقت حديثهم، قالوا: أحرم المنصور في سنة أربعين ومائة من الحيرة، وحج بالناس، ثم أتى المدينة ومضى إلى بيت المقدس زائرا له، ثم انصرف منه في سنة إحدى وأربعين ومائة إلى الرقة، فأتي بمنصور بن جعونة العامري فقتله، ثم قدم إلى المدينة الهاشمية بالكوفة. وتوجه في سنة اثنتين وأربعين ومائة إلى البصرة فولى عمر بن حفص السند، ودعا بعمرو بن عبيد مولى بني تميم فوصله فلم يقبل صلته، فقال له: بلغني أن محمد بن عبد الله بن حسن كتب إليك يدعوك إلى طاعته فأجبته، وكان محمد مستخفيا يبثّ دعاته، فقال: يا أمير المؤمنين والله لو قلدتني الأمة اختيار إمام لها ما وجدته، فكيف أجيب محمدا وأبايعه، لقد كتب إلي فما أجبته، فقال: صدقت يا أبا عثمان وبررت، فلما ولّى قال: من مثلك يا عمرو.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه قال: قدم المهدي من خراسان فبنى بامرأته ريطة بنت أبي العباس بالحيرة في شهر رمضان سنة أربع وأربعين
стр. 1636
ومائة، وحج مع المنصور في هذه السنة، فأخبر المنصور أن عمرو بن عبيد حاج فدعاه واستدناه وأكرمه وسأله أن يعظه فوعظه، وقضى عمرو بن عبيد حجته وانصرف فمات في طريقه في آخر السّنة، فبلغ المنصور موته فقال:
يرحم الله عمرا هيهات أن يرى مثل عمرو.
وحدثني محمد بن سعد، عن الهيثم بن عدي، قال: لما بايع المنصور للمهدي كتب إلى عمرو بن عبيد كتابا لطيفا يستزيره فيه، وكتب إلى عامله على البصرة في إشخاصه مكرّما، فلما صار إليه بالكوفة ودخل عليه استدناه وقال: كيف كنت بعدي أبا عثمان؟ فقال: أحمد الله وأذمّ عملي، فتغرغرت عينا المنصور ثم قال له: عظني يا أبا عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها، وأعلم أن الأمر الذي صار إليك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، واعلم أنك لست أول خليفة تموت، فاحذر يا أمير المؤمنين ليلة صبيحتها القيامة، ليلة تتمخض بيوم الفزع الاكبر، إن الله يقول: ﴿أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ،﴾ إلى قوله:
﴿لَبِالْمِرْصادِ﴾ (١)، ثم قال: هذا تخويف لمن سلك جادتهم واتبع آثارهم، فبكى المنصور ونزل عن فرشه، ثم سكن، فقال: يا أبا عثمان ناولني هذه الدواة، فأبى أن يناوله، فقال: أقسمت لتفعلنّ، فقال: والله لا ناولتك إياها، فقال له المهدي، وكان حاضرا: يحلف عليك أمير المؤمنين فترادّه باليمين؟ فقال: إن أمير المؤمنين أقدر على الكفارة مني، ثم قال: من هذا الفتى يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا ابن أخيك، هذا محمّد المهدي ولي عهد
стр. 1637
المسلمين، فقال: أرى شبابا وجمالا ونشاطا، وقد رشحته لأمر يصير إليه إن صار، وأنت عنه في شغل، وقد وطأت له الدنيا، وأنت منتقل عنها إلى الآخرة فهناك الحساب، إن الله قد جعلك فوق كلّ أحد فلا ترضى أن يكون فوقك في طاعته أحد. ثم سكت عمرو، فقال له المنصور: سلني حوائجك، فقال: حاجتي ان لا تبعث إليّ حتى أجيئك ولا تعطني شيئا حتى أسألك، ثم نفض ثوبه وقام، فابتعه المنصور بصره وقال: شغل والله الرجل بما هو فيه عما نحن فيه، وقال:
كلكم طالب صيد … وهو ذو مشي رويد
غير عمرو بن عبيد
وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب، عن الفضل بن الربيع عن أبيه، قال: دخل عمرو بن عبيد على المنصور، وعليه طيلسان مخرق، فأخذ المنصور طيلسانا كان عليه طبريّا فألقاه فوق ظهره، وقال له: عظني، فوعظه حتى بكى، ثم قال له: سلني حوائجك، قال: أولها أن تأمر برفع الطيلسان عني، وأن لا تعطني شيئا حتى أسألك، ولا تبعث إليّ حتى أجيئك، فإنه إن جمعني وإياك بلد صرت إليك فيه، ثم مضى.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثني عبد السّلام بن حرب، قال: قدم أبو جعفر البصرة فنزل عند الجسر الأكبر، وبعث إلى عمرو بن عبيد فجاءه فأمر له بمال فقال: والله لا أقبله، فقال المنصور: لتقبلنه، فقال له المهدي يوهمه، إن أمير المؤمنين قد حلف لتقبلنه، فقال عمرو: أمير المؤمنين أقوى على الكفارة عن يمينه من عمك، قال له المنصور: يا أبا عثمان، أعلمت أني قد جعلت محمّدا وليّ
стр. 1638
عهد المسلمين؟ فقال: يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول عنه، قال: يا أبا عثمان ذكّرنا، قال: أذكرك ليلة تمخّض عن صبيحة يوم القيامة.
حدثني علي بن المأمون قال: حدّث المأمون أمير المؤمنين بأن المنصور كان يكني عمرو بن عبيد، فقيل له: ان أمير المؤمنين يكنّيك، فقال:
ما ذكرت ذلك إلا دخلتني له غضاضة، فقال المأمون: هذا باطل كان عمرو أعقل وأحلم من أن يقول هذا القول.
حدثني أبو محمد التوزي النحوي عن أبي زيد الأنصاري، قال: مشى شبيب بن شيبة ونفر معه إلى عمرو بن عبيد فقالوا له: يا أبا عثمان إن أمير المؤمنين المنصور قد قدم ولا نراه قدم إلاّ لمكانك لينظر فيما بلغه من كتاب محمد إليك فتنحّ عنه، فأطرق ثم قال: لا يكون والله ذاك حتى أقوم بما يجب لله عليّ استحياني أو قتلني. قال أبو زيد: فقال المنصور لعمرو: أبا يعت محمد بن عبد الله؟ فقال: لو قلدتني الأمّة أن اختار لها رجلا ما وجدته، فكيف أبايع محمدا؟!.
قال: وكتب أبو جعفر إلى عمرو كتابا عن لسان محمد، فلما قرأه خرقه، فطلب الرسول جواب الكتاب فلم يجبه، فألح الرسول عليه فقال:
دعونا نشرب من الماء البارد وننتقل في هذا الظل الى أن يأتي الموت، فقال أبو جعفر: هذا ثغر قد أمنّاه.
وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب، عن الفضل بن الربيع، عن أبيه، قال: دخل عمرو بن عبيد على المنصور، ودخل رجل حسن الأدب، كأنما لم يزل مع الملوك، فأجلسه المنصور إلى جانبه فأبى إلاّ أن يجلس بين يديه، ثم قال له: إن الله واقفك وسائلك عن مثاقيل الذر من
стр. 1639
الخير والشر، وأن أمّة محمّد خصماؤك يوم القيامة وإنك لا ترضى لنفسك إلا بان يعدل عليك فإن الله لا يرضى منك إلاّ بالعدل على رعيتك يا أمير المؤمنين، إنّ على بابك نيرانا تأجّج من الجور، فبكى المنصور ونشج، فقال سليمان بن مجالد: يا عمرو قد شققت على أمير المؤمنين، فقال: ويحك إنّ أمير المؤمنين ميّت ومخلّ ما في يديه من هذه الدنيا ومرتهن بعمله، وأنت غدا جيفة بالعراء لا تغني عنه شيئا، ولقرب هذا الجدار منه خير له من قربك؛ يا أمير المؤمنين، إن هؤلاء اتخذوك سلما إلى درك ارادتهم وصفاء دنياهم لهم فكلهم يوقد عليك؛ قال: فكيف أصنع يا أبا عثمان، ادع لي أصحابك استعملهم، قال: ادعهم أنت واطرد هؤلاء الشياطين عن بابك، فإن أهل الدين لا يأتون بابك وهؤلاء محيطون بك لأنهم إن باينوهم ولم يعملوا باهوائهم أرشوك بهم وحملوك عليهم، والله لئن رأوك عمّالك لا تقبل منهم إلا العدل ليتقربنّ إليك به من لا نيّة له فيه.
حدثني التوزي عن أبي زيد قال: قدم المنصور البصرة قبل الخلافة فقال عمرو بن عبيد لبحر بن كثير السقاء: قد قدم هذا الرجل وكان زوّارا إذا قدم بلدنا فامض بنا إليه، فأتياه فلما وقفا ببابه نادى عمرو: يا جارية، فأجابته جارية، فقال: قولي لأبي جعفر: أبو الفضل وأبو عثمان، فأذن لهما فدخلا عليه فإذا هو على مصلّى مخلق دارس، وإذا بين يديه طبق عليه قصعة فيها مرق لا لحم فيه، فقال: يا جارية أعندك شيء تزيديناه؟ قالت: لا، قال: أفعندك درهم نشتري به فاكهة لأبي عثمان؟ قالت: لا، قال:
стр. 1640
ارفعي، ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١).
وحدثني أبو محمد التوزي عن أبي عبيدة، قال: قال المنصور لعمرو بن عبيد: أكاتبت عبد الله بن حسن بن حسن؟ فقال: جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه، فأجبته بخلاف ما أحبّ، وأنت تعرف رأيي في الخروج، قال: أفتبرئ صدري بيمين؟ قال: وما تصنع باليمين، لئن كذبت تقيّة لا ستجيزنّ أن أحلف لك تقية.
وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب، عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: دعا أمير المؤمنين المنصور بعمرو بن عبيد، فلما استأذنت له وكانت عليه جبّة وشي، دعا بمبطنة مروية فلبسها، ثم نزل عن فرشه، فقلت:
يا نفس ما كنت أظن أبا جعفر يداري أحدا.
حدثني المدائني قال: كان أمير المؤمنين المنصور يقول: الندم على السكوت خير من الندم على الكلام.
стр. 1641
أمر الراوندية ومعن بن زائدة
حدثني أبو مسعود والعمري عن الهيثم وغيره، أن قوما من أصحاب أبي مسلم من أهل خراسان كانوا يقولون بتناسخ الأرواح، فيزعمون أن روح آدم ﵇ في عثمان بن نهيك، ويقولون إن أمير المؤمنين يرزقنا ويطعمنا ويسقينا فهو ربنا، وأنه لو شاء أن يسيّر الجبال لسارت، ولو أمرنا أن نستدبر القبلة لا ستدبرناها، وكانوا يطوفون حول قصر المنصور فيقولون قولا عظيما، فحبس المنصور منهم نحوا من مائتين من رؤسائهم، فغضب أصحابهم، وكان المنصور أمر أن لا يجتمعوا، فاتخذوا نعشا وأظهروا أن فيه امرأة ميتة، وملأوه سلاحا، ثم حملوه ومروا إلى باب السجن فأخرجوا أصحابهم وهم مائتان، وكانوا أربعمائة فتتاموا ستمائة، وقصدوا القصر فتنادى الناس وأغلقت أبواب المدينة.
وخرج المنصور يمشي من القصر ولم يكن عنده دابّة، فمن ذلك اليوم ارتبط فرسا في القصر يكون معه، فلما برز أمير المؤمنين أتي بدابة فركبها وقصد قصدهم، فجاء معن بن زائدة الشيباني حتى دنا منه ثم ترجّل وأخذ
стр. 1642
أسافل ثيابه فجعلها في منطقته، وأخذ بلجام دابة أمير المؤمنين، وقال:
أنشدك الله إلاّ رجعت فإنّك تكفى إن شاء الله، ونودي في أهل السوق والعامة فرموهم بالحجارة وقاتلوهم وفتح باب المدينة فدخل الناس، وجاء خازم على فرس محذوف فحمل عليهم فكشفهم، وقاتل معن يومئذ قتالا لم ير مثله، فكان المنصور يقول: كنت اسمع انّ رجلا يقاتل ألفا فلم أصدق حتى رأيت معنا، فقتلوا عن آخرهم وهم ستمائة. ورمي عثمان بن نهيك بنشابة مرض منها فمات، فصار أبو العباس الطوسي على الحرس مكانه.
وكان أمر الراوندية بالمدينة الهاشمية بالكوفة في سنة تسع وثلاثين ومائة أو في أول سنة أربعين، وجاء الربيع فأخذ بلجام دابة المنصور فقال له معن: تنحّ يا بني فليس هذا من أيامك، ولما صار المنصور إلى القصر دعا بالعشاء وأمسك يده حتى أتي بمعن، وأمر بعض أهل بيته فتزحزح له حتى جلس مكانه، فلما فرغوا من العشاء قال المنصور لعيسى بن علي: يا أبا العباس أسمعت بأسد الرجال، هو والله معن بن زائدة، فقال معن: والله ما قوّي منّتي إلاّ ما رأيت من شجاعتك ولقد وردت وجل القلب حتى أبصرتك، فقال: أخبرهم عني بما رأيت.
وحدثني أبو الحسن المدائني قال: قال أبو جعفر المنصور لمعن بن زائدة: يا أبا الوليد لقد كبرت سنّك، قال: في طاعتك، قال: وإنّ فيك لبقية، قال: هي لك، قال: وإنك لتتجلّد، قال: على أعدائك. قال:
وقال له: أني لأعدّك لأمر جسيم، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الله قد أعدّ لك مني قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفا مشحوذا على أعدائك، قال: ويقال إن هذا قول جرير بن يزيد بن خالد.
стр. 1643
وحدثني العمري، حدثني الهيثم، قال: كان معن مع ابن هبيرة فاستأمن هو وطارق بن قدامة، فلما قتل ابن هبيرة كان معن بالكوفة قد وجّه ببشارة فتح واسط وصلح ابن هبيرة، فأقام في أهله فنجا وقتل طارق، ثم ظهر من مناصحة معن ما قدّم به على جميع القواد، فولاه المنصور مصر، وكان كاتبه محمد بن عبد الله بن المقفع، وكان جوادا حلوا ظريفا أتاه رجل بكتاب مزور لم يجفّ طينه، فقرأه ثم كلم فيه معنا فولاه ولاية سنيّة أفاد سنيّة أفاد فيها مالا، فلما انصرف أتى محمدا فقال له: أني أريد العراق، فأمر له بألف دينار، وقال له: إن كان من رأيك العودة إلينا فافعل، وإن كتب لك صديقنا إلينا كتابا فانتظر أن يجف طينه، ثم قال له: إن حسن ظنك والله بنا أعظم الوسائل لك عندنا، ومات محمد بمصر. وولي معن اليمن فاعطى عطايا لم يعط مثلها أحد، وقدم عليه أعرابي من بكر بن وائل فأنشده:
أصلحك الله قلّ ما بيدي … فما أطيق العيال إذ كثروا
ألجّ دهر انحى بكلكله … فأرسلوني اليك وانتظروا
فقال: لا جرم، لأعجّلنّ أوبتك إليهم، يا غلام أعطه ألف دينار وناقتي الفلانية، ومدحه رجل فقال:
أنت امرؤ همّك المعالي … وفيض معروفك الربيع
وأنت من وائل صميم … كالقلب تحنو له الضلوع
في كل يوم تزيد خيرا … يشيعه عنك ما يشيع
فقال: لأصلنّك صلة شائعة الذكر، وأمر له بمائة ألف درهم.
وحدثني العمري عن غير الهيثم، قال: كان معن يقول: لم أر كالشعر، لا يواتيني جيّده ولا يدعني رديّه.
стр. 1644
قال: ونظر معن الى الخطاب بن يزيد يخطر في دار المنصور، وكان قد وجّه إلى بعض الشّراة فهرب منهزما، فقال:
هلاّ مشيت كذا غداة لقيتهم … وصبرت عند الموت يا خطاب
نجّاك خوّار العنان كأنه … فوت الرماح إذا استحث عقاب
وحدثني الحرمازي عن أبي اليقظان، قال: ولد لمعن: زرارة - وكان خليفته على اليمن - والوليد وشراحيل وجسّاس ويزيد - ويكنى أبا داود - ومزيد، وغيرهم فقال معن:
لا تسألنّ أبا داود شبعته … عوّل على مزيد في الخبز واللبن
وفي النبيذ اذا ما جزرة نحرت … فإنه بقرى الأضياف مرتهن
وحدثني محمد بن حفص الكاتب عن خالد بن يزيد، أن معن بن زائدة قال: يحتاج الخطيب إلى تخليص المعاني وتلخيصها مع قلة حصر وجرأة على البشر، وقال: الصمت عن الكلام في موضعه عيّ يضع الشريف ويهجنّه.
قال: وكان معن في دار المنصور فسقط حائط أو حدث أمر تقوّض الناس له، وكان يحدّث ورجل يستمع حديثه لم يقم عنه مع من قام، فلما انصرف إلى منزله وكّل بالرجل من أتاه به فأمر له بكسوة وألف دينار، وقال له: هذا لحسن استماعك حديثي وإيناسك إياي.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، قال: بعث معن إلى ابن عباس: بعني دينك بألف دينار، فبعث إليه: قد بعتك إياه إلا شهادة أن لا إله إلا الله، ولو كانت من شأنك لسامحتك فيها. وولي معن سجستان للمنصور، فاندسّ له قوم من الخوارج مع قوم من الصنّاع كانوا يعملون في
стр. 1645
داره ففتكوا به وهو يحتجم، فقتلهم يزيد بن مزيد فلم يفلت منهم أحد، فرثاه الشعراء، وفيه يقول حسين بن مطير الأسدي في قصيدة له:
ألا بكّ معنا ثم قل لدياره … سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا
فيا قبر معن كنت أول بقعة … من الأرض حطّت للمكارم مضجعا
ويا قبر معن حلّك الجود كله … وما ضمّ قبر قبلك الجود اجمعا
ولما مضى معن مضى الجود كله … وأصبح عرنين المكارم اجدعا
فتى عيش في معروفه بعد موته … كما عاد بعد السيل مجراه مرتعا
وقد كان معن في المواقف غرّة … لآل نزار سامي الطرف أروعا
ومدح شاعر الوليد بن معن، فقال:
تعزّ أبا العباس بالصبر لا يكن … نصيبك من معن الندى ان تصعضعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي … له مثل ما أسدى أبوك وما سعى
وما كان مسبوقا بوتر ولم يدع … إلى الغرض الأقصى من المجد منزعا
وحدّثني العمري قال: كان بعض الأعراب يأتي معنا فيعطيه، ويغيب عنه فيبعث إليه بصلته، فأبطأت عليه صلته مرة فقدم من البادية فألفاه قد جاء نعيه، وأتى ولده فلم يجد عندهم ما أحب فوقف على مجلس هم فيه مجتمعون فقال: لله درك يا معن، رحمك الله أبا الوليد، إن كنت لمنته فخر عشيرتك وبدع الكرام في أهل دهرك، فلو كنت إذ متّ أبقيت لنا خلفا منك سليّتنا عنك ببعضك فكيف العزاء وقد ذهب كلّك، إنّا لله وإنا إليه راجعون، وانشأ يقول:
يا معن كنت بداءة الكرم … وغنى المقلّ وطارد العدم
فسطا عليك الدهر مقتدرا … بصوائب من صرفه غشم
стр. 1646
وأراك لم تترك لنا خلفا … يأوي إلى فضل ولا كرم
فعليك يا معن السّلام فما … أبقيت معتصما لمعتصم
وأنشدني الفضل بن زياد من ولده لبعضهم:
كانت سحائب معن الخير تمطرنا … فقد تولى فلا معن ولا مطر
من للجفان إذا عزّ القرى رذما … وللطعان إذا ما استشعر الحصر
وبلغني أن رجلا مدح معنا فقال:
أتيتك اذ لم يبق غيرك جابر … ولا واهب يعطي اللهى والرغائبا
فقال معن: يا أخا بني أسد ليس هذا بمديح انما المديح قول أخي بني تميم لمسمع بن مالك حين قال:
قلّدته عرى الأمور نزار … قبل ان يهلك السّراة البحور
стр. 1647
باب في تلطيف الحرارة
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: أصاب عيسى بن علي في بعض الليالي حر شديد فبلّ له إزار فنام فيه، فلما أصبح قال له المنصور:
يا عم كيف كنت في ليلتك من هذا الحر؟ فقال: بللت إزارا ونمت فيه فكنت بخير ونمت أطيب نوم، فقال: وأنا والله أمرت فبلّ لي ثوب فنمت فيه ثم لم أزل أروّح. ثم ان المنصور فكّر فأمر فأتي بكرابيس غلاظ ثخان فبلّت وجعلت على ثلاثة أعواد مثل السبائك ونام تحتها، ثم أخبر عيسى بن علي بما صنع واتخذ عيسى مثل ذلك، ثم قال عيسى: يا أمير المؤمنين لو اتخذت قبة ثم غشيت بمثل هذه الكرابيس المبلولة وجعلت طاقات كان ذلك أنفى للحر وأوسع في المبيت والمقيل، فقال المنصور: أو غير ذلك يا عم؟ يعمد إلى هذا الخيش الذي يأتي فيه القند والأمتعة من مصر فيغسل وينظّف ثم يبلّ وتغشى به القبة مخيطا عليها فإنه أحبس لرطوبة الماء وأبطأ جفوفا، فأمر المنصور بذلك وتتبع الخيش فاشتري من التجار، وأمر فكتب إلى مصر في اتخاذ شقاق الخيش، ووجّه في ذلك رسولا حمله فاستعمله ثم استعمله
стр. 1648
الناس. وكانت للمهدي في أيام أبيه قبة تنقل من مقيله إلى مبيته ومن مبيته إلى مقيله، وكان أول من اتخذ له الخيش الأبيض المهدي في خلافته. قال:
وكانت الخيرزان أول من اتخذ السرايح (١).
وحدثني عبد الله بن مالك قال: كان أول من اتخذ الشمع الغلاظ التي فيها الأمناء الوليد بن يزيد، ثم صالح بن علي بمصر، وإنما كانت لبني أميّة ومن قبلهم من الملوك بالشام سوى الوليد شمع في الشمعة منها الرطلان والثلاثة الأرطال وكانت لها أتوار صغار في التور منها شوكة ترزّ (٢) الشمعة فيها، أو مسرجة عليها شوكة.
وحدثني المدائني عن أبي اليقظان عن جويرية، قال: كتب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى عمر بن عبد العزيز، وهو عامله على المدينة:
إن من قبلي من الأمراء كان يجري عليهم رزق للشمع، فكتب إليه: إنك طال ما مشيت في طرق المدينة بلا شمع يمشى به بين يديك، فأعرض عن هذا ولا تعاودني فيه.
وحدثني أبو اليسع الأنطاكي عن أبيه قال: كانت ملوك بني أمية تستصبح بالزيت في القناديل، ويمشى بين أيديها بالشمع الطوال التي طول الواحدة منها ثلاثة أشبار، وكان من دونهم يستعملون من الشمع الفتايل المثنيّ بعضها على بعض، فلما كان يزيد بن عبد الملك اتخذ له من الشمع
стр. 1649
الطوال ما فيه ستة أرطال أو أكثر من ذلك، ثم أسرف الوليد في استعمال الشمع في مجالسه.
وحدثني عبد الله بن مالك قال: ما كان المنصور يستصبح إلا بالزيت في القناديل، وربما خرج إلى المسجد ومعه من يحمل سراجا بين يديه، ثم إنه حمل بين يديه من الشمع ما فيه الرطل والمنا وكان اذا اراد قراءة الكتب أو كتابها أحضر شمعة في تور ثم يرفع اذا فرغ.
حدثني أبو هشام الرفاعي، عن عمه، عن عبد الله بن عياش، قال: قال المنصور لابي أيوب كاتبه في أمر قطيعة اراد ان يقطعها بعض ولده: التمسوا حدودها في ديوان الأحول فانه كان ضابطا لامره، يعني هشاما.
стр. 1650
أمر أبي أيوب المورياني كاتب أمير المؤمنين المنصور
المدائني قال: كان أبو أيوب سليمان بن أبي سليمان المورياني، مولى بني سليم فيما يقال، في مجلس من مجالس ديوان يوسف بن عمر، فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة العراق واليا عليها استعمل الفضل بن زهير الضبي على مناذر، فقال له أبو أيوب: أنا خليفتك بباب ابن هبيرة في حوائجك فلا تهتم بها واستوص بخالد أخي خيرا واحفظه وأرفقه، فوليها سنة. ثم وجّه ابن هبيرة رجلا من أهل الشام إلى مناذر عاملا عليها، فزور أبو أيوب إليه كتابا في ترك مناظرة الفضل بن زهير فيما جرى على يده والتخليه بينه وبين الانصراف، فاطلع ابن هبيرة على ذلك من فعل أبي أيوب فأمر بطلبه فهرب إلى سوق الأهواز، فاستخفى بها حتى قدم المسوّدة العراق فأتى أبو أيوب واسطا والحسن بن قحطبة محاصر لابن هبيرة والمنصور بعد بخراسان حين وجّهه أبو العباس إليها أول ما استخلف لتهنئة أبي مسلم وأخذ البيعة عليه، فلما قدم المنصور ووجّهه أبو العباس إلى واسط أتى أبو أيوب إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وكان كريما على المنصور، فسأله أن يضمه إلى أبي