وأراك لم تترك لنا خلفا … يأوي إلى فضل ولا كرم
فعليك يا معن السّلام فما … أبقيت معتصما لمعتصم
وأنشدني الفضل بن زياد من ولده لبعضهم:
كانت سحائب معن الخير تمطرنا … فقد تولى فلا معن ولا مطر
من للجفان إذا عزّ القرى رذما … وللطعان إذا ما استشعر الحصر
وبلغني أن رجلا مدح معنا فقال:
أتيتك اذ لم يبق غيرك جابر … ولا واهب يعطي اللهى والرغائبا
فقال معن: يا أخا بني أسد ليس هذا بمديح انما المديح قول أخي بني تميم لمسمع بن مالك حين قال:
قلّدته عرى الأمور نزار … قبل ان يهلك السّراة البحور
стр. 1647
باب في تلطيف الحرارة
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: أصاب عيسى بن علي في بعض الليالي حر شديد فبلّ له إزار فنام فيه، فلما أصبح قال له المنصور:
يا عم كيف كنت في ليلتك من هذا الحر؟ فقال: بللت إزارا ونمت فيه فكنت بخير ونمت أطيب نوم، فقال: وأنا والله أمرت فبلّ لي ثوب فنمت فيه ثم لم أزل أروّح. ثم ان المنصور فكّر فأمر فأتي بكرابيس غلاظ ثخان فبلّت وجعلت على ثلاثة أعواد مثل السبائك ونام تحتها، ثم أخبر عيسى بن علي بما صنع واتخذ عيسى مثل ذلك، ثم قال عيسى: يا أمير المؤمنين لو اتخذت قبة ثم غشيت بمثل هذه الكرابيس المبلولة وجعلت طاقات كان ذلك أنفى للحر وأوسع في المبيت والمقيل، فقال المنصور: أو غير ذلك يا عم؟ يعمد إلى هذا الخيش الذي يأتي فيه القند والأمتعة من مصر فيغسل وينظّف ثم يبلّ وتغشى به القبة مخيطا عليها فإنه أحبس لرطوبة الماء وأبطأ جفوفا، فأمر المنصور بذلك وتتبع الخيش فاشتري من التجار، وأمر فكتب إلى مصر في اتخاذ شقاق الخيش، ووجّه في ذلك رسولا حمله فاستعمله ثم استعمله
стр. 1648
الناس. وكانت للمهدي في أيام أبيه قبة تنقل من مقيله إلى مبيته ومن مبيته إلى مقيله، وكان أول من اتخذ له الخيش الأبيض المهدي في خلافته. قال:
وكانت الخيرزان أول من اتخذ السرايح (١).
وحدثني عبد الله بن مالك قال: كان أول من اتخذ الشمع الغلاظ التي فيها الأمناء الوليد بن يزيد، ثم صالح بن علي بمصر، وإنما كانت لبني أميّة ومن قبلهم من الملوك بالشام سوى الوليد شمع في الشمعة منها الرطلان والثلاثة الأرطال وكانت لها أتوار صغار في التور منها شوكة ترزّ (٢) الشمعة فيها، أو مسرجة عليها شوكة.
وحدثني المدائني عن أبي اليقظان عن جويرية، قال: كتب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى عمر بن عبد العزيز، وهو عامله على المدينة:
إن من قبلي من الأمراء كان يجري عليهم رزق للشمع، فكتب إليه: إنك طال ما مشيت في طرق المدينة بلا شمع يمشى به بين يديك، فأعرض عن هذا ولا تعاودني فيه.
وحدثني أبو اليسع الأنطاكي عن أبيه قال: كانت ملوك بني أمية تستصبح بالزيت في القناديل، ويمشى بين أيديها بالشمع الطوال التي طول الواحدة منها ثلاثة أشبار، وكان من دونهم يستعملون من الشمع الفتايل المثنيّ بعضها على بعض، فلما كان يزيد بن عبد الملك اتخذ له من الشمع
стр. 1649
الطوال ما فيه ستة أرطال أو أكثر من ذلك، ثم أسرف الوليد في استعمال الشمع في مجالسه.
وحدثني عبد الله بن مالك قال: ما كان المنصور يستصبح إلا بالزيت في القناديل، وربما خرج إلى المسجد ومعه من يحمل سراجا بين يديه، ثم إنه حمل بين يديه من الشمع ما فيه الرطل والمنا وكان اذا اراد قراءة الكتب أو كتابها أحضر شمعة في تور ثم يرفع اذا فرغ.
حدثني أبو هشام الرفاعي، عن عمه، عن عبد الله بن عياش، قال: قال المنصور لابي أيوب كاتبه في أمر قطيعة اراد ان يقطعها بعض ولده: التمسوا حدودها في ديوان الأحول فانه كان ضابطا لامره، يعني هشاما.
стр. 1650
أمر أبي أيوب المورياني كاتب أمير المؤمنين المنصور
المدائني قال: كان أبو أيوب سليمان بن أبي سليمان المورياني، مولى بني سليم فيما يقال، في مجلس من مجالس ديوان يوسف بن عمر، فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة العراق واليا عليها استعمل الفضل بن زهير الضبي على مناذر، فقال له أبو أيوب: أنا خليفتك بباب ابن هبيرة في حوائجك فلا تهتم بها واستوص بخالد أخي خيرا واحفظه وأرفقه، فوليها سنة. ثم وجّه ابن هبيرة رجلا من أهل الشام إلى مناذر عاملا عليها، فزور أبو أيوب إليه كتابا في ترك مناظرة الفضل بن زهير فيما جرى على يده والتخليه بينه وبين الانصراف، فاطلع ابن هبيرة على ذلك من فعل أبي أيوب فأمر بطلبه فهرب إلى سوق الأهواز، فاستخفى بها حتى قدم المسوّدة العراق فأتى أبو أيوب واسطا والحسن بن قحطبة محاصر لابن هبيرة والمنصور بعد بخراسان حين وجّهه أبو العباس إليها أول ما استخلف لتهنئة أبي مسلم وأخذ البيعة عليه، فلما قدم المنصور ووجّهه أبو العباس إلى واسط أتى أبو أيوب إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وكان كريما على المنصور، فسأله أن يضمه إلى أبي
стр. 1651
جعفر ليجعله كاتبه، فكلّمه فيه وأعلمه نفاذه، وأنه كان يقوم بديوان يوسف بن عمر، فلما رآه أعجب به فاستكتبه فغلب على الأمر في خلافته، فكان أول من أفسد حال أبي أيوب عند المنصور حمزة بن زنيم، وذلك أنه ولي الأهواز فعذب رجلا من أهلها في الخراج وكان كاتب البلد حتى قتله، فكلم المنصور أبو أيوب في أمره حتى عزله، فلما قدم ودخل على المنصور وكان خبيث اللسان قال: يا أمير المؤمنين إن لك بالأهواز شريكا في ملكك، قال: ومن هو ويلك؟ قال: خالد أخو أبي أيوب له بيت مال، ولك بيت مال فما يحمل إليك درهم إلا حمل إلى خالد مثله، فقال أبو أيوب: إن هذا قد اختلط، ومن اختلاطه قتله كاتب البلد، فقال: ما اختلطت ولكني صدقت فادفع إليّ خالدا حتى ادفع إليك خمسين الف الف درهم، فقال المنصور: قم، وقد وقر قوله في قلبه. ومكث المنصور حينا ثم قال لأبي أيوب: اكتب إلى أخيك خالد أن يحمل إلينا مالا من بيت ماله، فقال:
يا أمير المؤمنين، ان ذاك بيت مال مشهور صيّره خالد للمهدي من ضياع استخرجها وابتاعها ومن أشياء كان العمال يرتفقون بها فرأى أن المهدي أحق بها، قال: فكم اجتمع فيه؟ قال: عشرون ألف ألف درهم، قال:
فاكتب إليه أن يحملها، فحملت، وكفّ عن خالد أخي أبي أيوب. قال:
وحسد مخلد بن خالد أبان بن صدقة، وكان أبان على أمر أبي أيوب كله وعلى الرسائل من قبله، فرفع عليه مائة ألف دينار، فأمر المنصور بأخذها من أبان، فأدخل بيتا وطيّن عليه بابه. ثم ندم مخلد بن خالد على رفيعته ولا مه عمّه أبو أيوب، فقال مخلد: أنا أؤدي عنه عشرة آلاف دينار، وقال أبو أيوب: وأنا أحمل عنه خمسين ألف دينار، فتوزعها آل أبي أيوب فيما بينهم
стр. 1652
وأدوها وأخرجوا أبان بن صدقة من محبسه. فعاد أبان إلى أبي أيوب وفي نفسه ما فيها، فكان يأتي أبا أيوب نهاره ثم ينصرف إلى منزله، فإذا كان الليل صار إلى الربيع الحاجب فأطلعه على أخبار أبي أيوب وأسراره وكتبها له فيعرضها الربيع على المنصور، فيأمره المنصور أن يمنيّه ويعده، ففطن أبو أيوب أمر أبان فوبخه وقال: ويلك يرفع عليك مخلد فتقصد لقتلي، وأنت تعلم أني داويت الجرح الذي جرحكه مخلد بمالي حتى أصلحت شأنك، اذهب عني، قال: نعم والله يا أبا أيوب ثم لا أعود أبدا، وخرج حتى أتى الربيع وكاشف أبا أيوب. ومرض أبو أيوب فاستمكنوا منه، فأرسل المنصور ابنه صالحا المعروف بالمسكين إلى أبي أيوب يعوده التماسا لأن يصله، فأرسل أبو أيوب إلى خالد أخيه: ابعث إليّ بمائة ألف درهم لصالح، فلم يفعل، فانصرف صالح وقد أبطأ على المنصور فسأل عن سبب إبطائه فأخبر به، فبعث إلى خالد فأتي به فأمر بخنقه فخنق حتى بال، ثم أمر به فحبس، وطلب كل من عنده مال لأبي أيوب وأهل بيته، ومن كان منه بسبب، فتتبع التجار وغيرهم وحبس أبو أيوب في دار، ثم حمل إلى السجن وهو مريض فمات فيه.
ويقال إن أخا السجّان كان مع خالدا أخي أبي أيوب بالأهواز فضربه ضربا مرض منه ومات، فوضع السجّان على وجه أبي أيوب مرفقة غمّه بها حتى مات، فلما مات أبو أيوب أخرج أخوه خالد من محبسه وهو مقيد على حمار حتى صلى عليه ودفن، ثم ردّ إلى الحبس واستودي آل أبي أيوب وعذّبوا، وخرج المنصور إلى الشام وقد استخلف المهدي بمدينة السّلام فأمره باستيداء آل أبي أيوب من كان له ولهم عنده مال وديعة، فسألوه أن يكفلهم
стр. 1653
ويخرجوا فيضطربوا في المال فأجابهم المهدي إلى ذلك، وتوجه منارة مولى أمير المؤمنين إلى المنصور، فقال له أبو عبيد الله كاتب المهدي: احطب عليهم وقل لأمير المؤمنين إن مخلدا وغيره منهم يقولون إنك لا تعود إلى العراق ولا ترى فيه أبدا، فلما وصل منارة إلى المنصور سأله عنهم فأخبره بما فارق أبا عبيد الله على أن يقول للمنصور، فقال له: أما الرجوع فإني أرجو أن يكون سريعا إن شاء الله، وأما وجهي فلن يروه أبدا. وكتب إلى المهدي بخطه يعنّفه على الترفيه عن آل أبي أيوب، ويأمره أن يجمعهم فيقطع أيديهم وأرجلهم ويقتلهم، وختم الكتاب بخاتمه الذي كان في يده وكان نقشه:
«الله ثقة عبد الله وبه يؤمن»، فقتلوا وقطعت أيديهم وأرجلهم، ووضع رأس كل امرئ منهم إلى جثته ويداه ورجلاه على صدره على باب المدينة، ثم حملوا فدفنوا وقد أخذت أموالهم وضياعهم، وحيز عن أبي أيوب وحده ثمانية آلاف وقيل ثمانية عشر ألف جريب بالبصرة، وأخذت منهم أموال عظام بلغت مائة ألف ألف درهم.
حدّثنا المدائني قال: دعا المنصور ذات يوم بأبي أيوب فامتقع لونه، فلما صار إليه ثم عاد إلى مجلسه قال له رجل كان يأنس به: إني رأيت بك منظرا غمّني، فقال له أبو أيوب: سأضرب لك مثلا؛ بلغني أنّ بازيا عاتب ديكا، فقال له: أنا طائر وحشي أوخذ من وكري فآنس بأصحابي حتى أصيد لهم وأحبس صيدي عليهم، وأنت تؤخذ بيضة فتحضن وتربّى على الأيدي وإذا رأيت انسانا نفرت، فقال: أما والله لو رأيت من البزاة في سفافيدهم (١) مثل ما رأيت من الديوك في التنانير لكنت أشد وحشة وروعة
стр. 1654
منّي، فهذه قصّتي، ما صرت إليه قط فظننت أني أرجع إلى مجلسي، ومن كان من رجال السلطان ولم يكن هكذا فهو جاهل مغتر.
وكان ابن المقفع كتب إلى أبي أيوب رسالة منه وعظه فيها، فقال في فصل منها: أذمّ إليك السلطان فإن إقباله تعب، واعراضه مذلّة، فكان يقول حين حبس: لله درّك يا بن المقفع.
وحدثني الحرمازي، عن أبي عمرو الجاباني، قال: ولّى المنصور عقبة بن سلم الأزدي البحرين وعمان، فقتل سليمان بن حكيم العبدي وكان مخالفا، وأسر من أهل البحرين بشرا كثيرا، وحملهم إلى المنصور، فقطع عدة منهم ووهب باقيهم للمهدي فمنّ عليهم وكسى كل انسان منهم ثوبين هرويّين، وأعطاه دينارين. وكان أسد بن المرزبان صاحب المربّعة بقرب الجسر مع عقبة فكان كثير الخلاف عليه، وبلغه عنه أنه على الخلع، فكتب عقبة إلى المنصور بخبره فأمر بقتله، فولي ذلك منه أبو سويد صاحب المقبرة ببغداد عند باب الشام، ولما صار عقبة إلى مدينة السّلام قدم جماعة من الخوارج تريد الفتك به لقتله من قتل منهم، فكمن له بعضهم في الجسر، فلما مرّ به خرج عليه فوجأ بخنجر له رأسان فقتله وقتل، ويقال بل ألقى نفسه في الماء فغرق، فقال الناس: هو أجرأ من قاتل عقبة بن سلم. وكان عقبة يكنى أبا الملد، وهو الذي مدحه بشار بأرجوزته الدالية (١).
стр. 1655
أمر سنفاذ
قال المدائني وغيره: قتل أبو مسلم وسنفاذ بحلوان فحمل أموالا كانت معه ومضى يريد خراسان، فلما كان بالري منعه عاملها من النفوذ، وكان قد أمر أن لا يدع أحدا من أصحاب أبي مسلم يجوزه، وكان معاذ بن مسلم على بريد الري فقال سنفاذ: علام أحبس ولست بذي ديوان وإنّما صحبت أبا مسلم على المودّة فلما قتل انصرفت أريد أهلي! ثم إنه خرج كالمتنزه وهرب بالليل فبلغ ذلك عامل الري فاتبعه حتى لحقه فاقتتلا قتالا شديدا وهزم سنفاذ العامل إلى الري ودخلها فحصره في بعض القصر، وكان يكنى أبا عبدة، وكان جبانا، فطلب منه الأمان فأمنه فلما صار في يده قتله سنفاذ، وغلب على الري وعاد إلى المجوسية فلم يأته مجوسيّ يدّعي على مسلم شيئا إلا قضى له به، وأخذ صبيا فذبحه وشواه وأطعم أباه لحمه، وكان يقتل العرب بالخشب.
وكتب إلى ملك الديلم أنه قد انقضى ملك العرب، فخفّ إليه في ديالمته، واجتمع المسلمون فقاتلوهم فقتل من المسلمين بشر كثير، وقاتله
стр. 1656
والي دستبى وقد جمع له جمعا فهزمه سنفاذ، وأقبل صاحب قومس يريده، فوجه إليه سنفاذ خيلا فهزمها، ثم لقيه سنفاذ فهزمه إلى قومس، فوجّه المنصور جهور بن مرار العجلي لمحاربة سنفاذ، فلما صار إليه حضّ أصحابه على الصبر فقال: إنكم تريدون قتال قوم يريدون محق دينكم وإخراجكم من دنياكم، فلما التقوا وعدوّهم اقتتلوا قتالا شديدا، فهزم الله سنفاذ ومن معه ونادى جهور بالنهي عن التعرض للغنيمة قبل الاثخان، فقتل من أصحاب سنفاذ زهاء ثلاثين ألفا وحوى المسلمون عسكرهم. وهرب سنفاذ إلى الأصبهبذ بطبرستان ومعه أخوه في عدّة يسيرة، فقتلهما صاحب طبرستان وتقرب برأسيهما إلى جهور وصلب جثتيهما.
وكان عمر بن العلاء جزارا بالري فجمع جمعا حين قدم جهور وقاتل معه سنفاذ، فقال له جهور: من أنت؟ قال: رجل خرجت متطوّعا، فأبلى وعظم غناؤه، فأوفده جهور إلى المنصور وكتب يحمده ويثني عليه فقوّده المنصور وعظم شأنه عنده ثم ولي طبرستان فاستشهد بها، وكان بعده موسى ابنه ومحمد بن موسى مع السلطان.
قالوا: وكان جهور شجاعا سخيا فقسم ما صار إليه من مال سنفاذ على الجند، فكتب المنصور إليه يخوّنه وعزله عن الري، وولاها مجاشع بن يزيد الضبعي وكان على شرطة عيسى بن موسى بالكوفة، فلما قدم الري أبى جهور أن يسلم إليه العمل فكلمه فأمر به فضربت عنقه وبعث إلى المنصور برأسه وأظهر الخلع، فوجّه المنصور اليه هزارمرد، ثم محمد بن الأشعث في قواد منهم شبيب بن واج فاجتمعوا بأصبهان، فوجّه إليهم جهور، زبارة البخاري فلقوه فكسروا عسكره وفضوه ورجع إلى الري جريحا، وسار جهور
стр. 1657
يريد أصبهان فلقيه محمد بن الأشعث وهزارمرد فقاتلاه أشدّ قتال، فهزم جهور وهرب وأخوه وأرادا اللحاق بملبد الخارجي فلم يبعدا حتى بلغهما خبر مقتله، فمضى جهور يريد أذربيجان وعليها يزيد بن حاتم ليأخذ له ولأخيه أمانا، فلما صار ببعض الطريق وثب بعض من كان معه من أصحابه به وبأخيه فقتلوهما، وأتوا يزيد برؤوسهما، فقال لهم يزيد: ويحكم وثق بكم الرجل وأمنكم فغدرتم به وقتلتموه؟ وأمر بهم فقتلوا وبعث برؤوسهم ورأس جهور ورأس أخيه الى المنصور فنصبت بالحيرة، ووضعت على زبارة العيون والأرصاد حتى أخذ وحمل إلى المنصور، فأمر بقتله فقتل بالكوفة وصلب.
стр. 1658
أمر ملبّد بن حرملة بن معدان بن سيطان بن قيس بن حارثة، أحد بني
أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان
المدائني عن سلمة بن سليمان وغيره.
وحدّثني أبو الكردي عن أشياخهم، قالوا: لما أقبل أبو مسلم مراغما بعد هرب عبد الله بن علي إلى الرصافة ثم منها إلى البصرة، بعث المنصور إلى الجزيرة أبا الأزهر المهلب بن العبيثر المهري وصالح بن صبيح مولى كندة وغيرهما إلى الكور بالجزيرة ليتبع أهل الفتنة والفساد من الأعراب والشراة وغيرهم وتسكين الناس، فنزل رجل من قواد أهل خراسان منزل ملبد بن حرملة بالجزيرة وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائة، فرأى ابنته ويقال ابنة أخيه فقال له: يا ملبد مر هذه الجارية أن تغسل رأسي، فقال ملبد: بل تغسل هذه الأمة رأسك، فقال: إنكم تأتون خراسان فلا ترضون أن يغسل رؤوسكم إلاّ نساؤنا، فأمر ملبد تلك الجارية أن تغسل رأسه، وكان ذا شعرة فأومأ إليها أن ارفعي شعرته عن قفاه، ففعلت، وخرج إليه ملبد بسيف قاطع فأندر به رأسه، ثم حكّم وتتبع بيوت داره وفيها عدة من الجند فقتلهم هو وابن عم له، وسمع الخوارج بخبره فأتاه عشرون منهم
стр. 1659
فبايعوه فأتى مسلحة فيها بكار المروزي فقتله وأخذ سلاحا ودواب، ثم صار في مائتين فأتى الموصل فطرد عاملها عبد الحميد بن ربعي، ولقيه المهلب أبو الأزهر بقرب تكريت بعد حمله عبد الحميد وانصرافه فهزم أبا الأزهر، وبعث إليه زياد بن مشكان فلقيه بباجرمى فهزم زيادا وقتل تسعين من أصحابه وزياد في خمسة آلاف، فكتب إليه المنصور: «العجب كل العجب لمن يخاف ما لم يقض عليه أو يفرّ مما هو مصيبه وإني رأيتك هبت قتال عدوك وأنت في أضعاف رجاله وظننت أن فرارك يؤخر يومك ويزيد في عمرك، أفما علمت أنّ للعباد آجالا لا يستقدمون عنها ولا يستأخرون! فيا سبحان الله ما أعجزك وأضعف رأيك ورويتك، أطمعت في البقاء بعد نفاد عمرك أم تخوفت القتل قبل فناء مدتك حتى آثرت العار واخترت الفرار ورضيت بالشين في ضعف اليقين»؟ ويقال إنه وجّه الرّيان مولاه فانهزم، فكتب إليه بهذا الكتاب. وكتب المنصور إلى صالح بن صبيح يأمره بالمسير إلى ملبد فسار إليه، وكان على مقدمته ابرازخذاه في ألفين واتبعه صالح في أربعة آلاف، فواقع ملبد ابرازخذاه فقتله بين نصيبين ورأس العين وانهزم أصحابه، وهجم ملبد على عسكر صالح فحوى ما فيه.
وولى المنصور اسماعيل بن علي عمه الموصل، فوجه اسماعيل إلى ملبد قائدا في رابطة الموصل فقتله وهزم أصحابه. ثم ولى المنصور يزيد بن حاتم أذربيجان فعرض له ملبد في طريقه فقاتله فقتل من أصحاب يزيد ثمانمائة ونجا يزيد في قميصه راجلا حتى أتاه بعض من معه بدابة فركبها، وبعث إليه المنصور بمال فسار يزيد حتى أتى أردبيل. وأتى ملبد أذربيجان فبعث إليه المنصور روح بن حاتم في ثلاثة آلاف، والشمر بن عبيد الخزاعى في ألفين،
стр. 1660
وسمال بن الشحاج الأزدي في خمسمائة، ووجّه مهلهل بن صفوان، وعبد العزيز بن عبد الرحمن الأزدي في عشرة آلاف، فلقيهم ملبد فقتل منهم ألفا ومات ناس كثير عطشا وانهزموا، وأصاب ملبد متاعا كثيرا، فكانوا يبيعون الخرجة مقفلة لا يدرون ما فيها. فلما رأى المنصور ذلك جدّ في أمر ملبد فعقد لخازم بن خزيمة ووجّهه في ستة آلاف منتخبين، فسار خازم حتى نزل الموصل، وبلغ ملبدا خبره فتوجه نحوه وعبر دجلة يريد الموصل، وعلى طلائع خازم ومقدمته نضلة بن نعيم النهشلي، فلقيهم ملبد فهزمه أصحاب خازم واتبعوهم، ثم عطف عليهم ملبد فكشفهم فألقوا الحسك، وأمر خازم أصحابه بالنزول فنزلوا فلما رآهم الخوارج نزلوا أيضا، فلما اشتغلوا عن القتال أمر خازم أصحابه بالركوب فلم يشعر الخوارج إلا بالرماح في أكتافهم فقتلوا جميعا فلم ينج منهم أحد، وكان بين عسكر خازم وعسكر الخوارج مقدار ألفي ذراع. قال الشاعر:
لم يغن عن ملبّد تلبيده … إذ خازم في بأسه يكيده
أمر ظبي بن المسيّب بن فضالة العبدي
قالوا: خرج ظبي بن المسيّب في ثلاثة وعشرين رجلا وثلاث نسوة، ابنتين له وجارية سوداء، وعبد أسود فأتوا موقوع (١) ونزلوا الجلحاء، فوجه إليهم سفيان بن معاوية اسماعيل بن مسلم فوعظهم فبينا هو كذلك إذ طلعت عليهم الخيل مع عيسى بن عمرو بن أبي الجمل، ومعهم ناس من الزط، وعليهم العاقب الأزدي، فاقتتلوا فقتلوا جميعا، وبعث برؤوسهم إلى سفيان
стр. 1661
فبعث بها إلى أمير المؤمنين المنصور في سفينة فغرقت السّفينة بالبطيحة.
خبر عطية بن بعثر التغلبي
خرج عطية بالموصل في مائة، ومعهم ابن الوليد بن طريف، فأخذ على راذان وأتى ابراز الروز والنهروان وأتى مهرجانقذق، وصار إلى الكلبية ليعترض مالا قد اجتمع بالسوس يريدون حمله، وبلغ ذلك أهل الأهواز فبعث محمد بن الحصين ابن أخيه ثابت بن كثير بن حصين بالمال فحمله ثابت فلم يقدروا عليه، وأقبل الخوارج وهم مائة فنزلوا بالسوس فلم يؤذوا أحدا حتى وقع بين رجل من أهل السوس وبين رجل من الخوارج كلام فاستعرض عطية أهل السوس، وكان منارة مولى أمير المؤمنين بناحية الأهواز فقاتله عطية فقتل من أصحابه أكثر من مائتين وانهزم منارة. وتوجه عطّية إلى الموصل في طريقه التي ابدأ فيها، فوجه إليه المنصور أبا حميد المروروذي فوافقه بكلبانية مهرجانقذق نائما وأصحابه في غفلة، فأمر أبو حميد أصحابه فرموهم بالنشاب فقتل عطّية وأصحابه، فلم يبق منهم أحد.
خبر حسان بن غسان الهمداني:
خرج حسان في خلافة المنصور فلقي قوما يريدون مكة فقتلهم، فسرّح إليه المنصور جميل بن عبد الله الضبي، وهو ابن عم المسيب، في سبعة آلاف فلم يزل حسان يتنّقل حتى صار إلى أذربيجان وصار جميل إلى أذربيجان، فرأى الخوارج تتبعهم، وكان الحرشي معه، فكتب إلى أبي جعفر بذلك، فكتب أبو جعفر المنصور إليه: «قد بلغني يا بن اللخناء أنك
стр. 1662
رأيت حسانا فتركته ولم تناجزه»، وأمره بقتاله اذا لقيه. ونزل الخوارج قصر الجراح فبيت جميل حسان وهو حذر فخرج عليهم وأصحابه فهزموهم، ثم أتى حسان الحنّاية (١) فلقيه سعيد الحرشي في شعب حبتون (٢) فعطف عليه حسان فقتله وأصحابه ومضى إلى نصيبين، فوجه إليه المنصور أبا قرّة صاحب المربّعة ببغداد في أربعة آلاف من أصحاب حميد بن قحطبة فكانت بينهم وقعة. ثم مضى حسان يريد الزابي، فلحقه أهل خراسان ممن وجه إليه وقد عبر أصحابه وبقي في ستين، فقتلوه ومن معه ومضى الآخرون فتتبع بعضهم فقتلوا.
خبر عيسى مولى بني شيبان
خرج على المنصور عيسى مولى بني شيبان في خمسين، فوجّه إليه زياد بن مشكان مولى بني مازن فقتله وأصحابه.
خبر الضحضح الشيباني
حدثني أبو الكردي الإباضي قال: نزل رجل من الجند في أيام المنصور على آل الضحضح، فأعطوه وأحسنوا قراه، فمدّ يده إلى امرأة منهم فولوت ونادت قومها، فشدّ عليه الضحضح فقتله، ودعا واعتقد فاتبعه خلق يقال إنهم ألف وذلك بسنجار، فقتل بسنجار من الجزيرة، قتله داود بن اسماعيل الزندي، وقائد آخر. وقال غير أبي الكردي: هو عامر بن الضحضح.
стр. 1663
أمر بيعة المهدي
حدثني مشايخ لنا، والمدائني، قالوا: استخلف أبو العباس المنصور وعيسى بن موسى بعد المنصور، لأنه كان غائبا بمكة، فلم يأمن عليه الحدثان في سفره فيضطرب الناس وينتشر أمرهم، فلما قام المنصور جعل يرشّح ابنه محمّدا المهدي للخلافة لما رأى فيه من أمارات الخير، وقدم أبو نخيلة على المنصور فقال له أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله كاتب المهدي:
قل شعرا تدعو فيه أمير المؤمنين إلى البيعة للمهدي، فقال:
قل للأمين الواحد الموحّد … إنّ الذي ولاّك ربّ المسجد
ليس وليّ عهدها بالأرشد … عيسى فزحلفها إلى محمّد (١)
فلما أنشد أبو نخيلة أرجوزته هذه وهي طويلة روّاها الخدم والبطانة وأبلغوها المنصور، فدعا به وعنده أهل بيته وقواده والناس وعيسى بن موسى عن يمينه فاستنشده فأنشده إياها، وخرج فلحقه عقال بن شبّة فقال له: يا أبا نخيلة، أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين، فلئن تمّ الأمر لتصيبنّ خيرا
стр. 1664
ولئن لم يتم فابتغ نفقا في الأرض أو سلمّا في السماء (١)، وكتب المنصور لأبي نخيلة بصلة إلى الريّ، فوجّه عيسى من لحقه فقتله وسلخ وجهه، ويقال إنه قتل بعد رجوعه من الري، وكان المنصور يظهر لعيسى تكرمة وبرّا وإجلالا، فيوضع له نمارق عن يمينه وشماله، ثم يدعى بعيسى فيجلس عن يمينه، ثم يدعى بالمهدي فيجلس عن يساره، فكلمه في العقد للمهدي ألين كلام وأرفقه، فقال له: يا أمير المؤمنين كيف بالأيمان والعهود والمواثيق، ولئن فعلت هذا لتكوننّ حجة لمن ترك الوفاء وخاس العهد، فلما رأى ذلك قدّم المهدي عليه فكان يجلسه عن يمينه.
قالوا: ولما سمع الجند بما يحاول المنصور في أمر المهدي تكلموا فكان عيسى إذا ركب عرض له بما يكره وأسمع الكلام وينغّص، فشكا ذلك إلى المنصور، فقال للمسيّب: تقدّم إلى القواد والجند في أن يمسكوا عن ابن أخي ولا يؤذوه فإنه ثمرة قلبي وجلدة ما بين عينيّ، ودعا بقوم من الحرس فشتمهم فكفّوا، وكانوا محبين للمهدي لما نشأ عليه من العقل والفضل والسخاء.
وكتب المنصور إلى عيسى كتابا يذكر فيه ما قذف الله في قلوب أنصار الدعوة وأهل المشايعة على الحق، وأشربها من محبة المهدي ومودته وتفضيله، حتى صاروا له صاغين ولأعناقهم مادّين، لا يذكرون إلا فضله، ولا يعرفون إلاّ حقه ولا ينوّهون إلاّ باسمه، وأنه لما رأى ذلك علم أنه أمر تولاه الله له ليس للعباد فيه صنع، وأنه لا بد من استصلاحهم ومتابعتهم، ويعلمه أنه يرى له إذا اجتمع الناس على ابن عمه أن يكون أوّل من يبدر إلى
стр. 1665
البيعة له، وأن يعرف له ما عرفوه ويؤمل فيه ما أمّلوه. فكتب إليه في جواب ذلك يذكّره الوفاء، ويعلمه أن كثيرا من الناس قد نازعتهم أهواؤهم ودعتهم أنفسهم إلى مثل الذي همّ به في ولده فآثروا الله وحقّه، وكرهوا الغدر وعاره، وسوء عواقبه في الدنيا والآخرة فأمسكوا عن ذلك وكرهوه.
فلما قرأ المنصور كتابه غضب وقرأه على الناس، فعاد القواد والجند لأشدّ ما كانوا عليه، وكان أشدّ الناس في ذلك قولا أسد بن المرزبان، ونصر بن حرب، وعقبة بن سلم، وكانوا يأتون باب عيسى فيمنعون من أن يدخل إليه أحد، ويمشون حوله ويسيرون اذا ركب ويقولون: أنت البقرة التي قال الله: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١). فشكاهم إلى المنصور فقال: إن هؤلاء قوم قد غلب عليهم حبّ هذا الفتى حتى سيط بدمائهم، واجتمعت عليه آراؤهم، وأنا والله يا بن أخي وحبيب قلبي أخافهم عليك وعلى نفسي فلو قدّمته بين يديك حتى يكون بيني وبينك لكفّوا، وأنا لك ناصح وأنت أعلم.
وذكروا أنه دسّ إلى عيسى شربة سمّ فافلت منها، فقال يحيى بن زياد ابن أبي حزابة البرجمي الشاعر:
أفلتّ من شربة الطبيب كما … أفلت ظبي الصريم من قبره
من قانص يقنص الفريص اذا … ركّب سهم الحتوف في وتره
دافع عنك المليك صولته … بكفّ ليث يرمز في خمره
حين اتانا وفيه شربته … تعرف في سمعه وفي بصره
ازعر قد طار عن مفارقه … وحف أثيث النبات من شعره (٢)
стр. 1666
ودخل سلم بن قتيبة على عيسى فقال له: أيها الرجل بايع هذا الأمير وقدّمه فإنك لن تخرج من الأمر وأرض عمك، قال: أو ترى أن افعل؟ قال: نعم، قال: فإني أفعل، فأتى سلم المنصور فأعلمه بذلك فسرّ به وعظم له قدر سلم عنده، ودعا المنصور الناس إلى البيعة فتكلم عيسى وسلّم الأمر إلى المهدي وصار بعده، وخطب المنصور فشكر عيسى على ما كان منه وذكر أنه التالي للمهدي عنده في موضعه من قلبه وحاله عنده، ووهب له مالا عظيما وأقطعه قطائع خطيرة نفيسة، وولاّه الأهواز والكوفة وطساسيجها. فلما استخلف أمير المؤمنين المهدي ورأى تولية موسى وهارون ابنيه عهده، قال له المهدي: يا أبا موسى إني آمرك بأمر إن أطعتني فيه سعدت ورشدت بطاعتي، وإن عصيتني استحللت منك ما يستحلّ من العاصي المخالف؛ قال: وما هو؟ قال: إني قد عزمت على تولية موسى وهارون العهد بعدي، فاخلع العهد وأنا أعوضك منه ما هو خير لك من الخلافة ولا سيما مع كراهة القواد والجند لك؛ قال: فإني قد حلفت بصدقة جميع ما أملك وبعتق غلماني وجواريّ أن لا أخلع هذا الأمر حتى يؤتى على نفسي؛ قال له المهدي: فلك بكل درهم اثنان، وبكل مملوك مملوكان، وبكل ضيعة ضيعتان، فرضي وسلّم، وبايع المهدي لموسى، وهارون بعد موسى، ووفى لعيسى بما شرط له، فأعطاه عشرين ألف ألف درهم، وأقطعه وأقطع ولده، فقال مروان بن أبي حفصة:
بمحمد بعد النبي محمد … حيي الحلال ومات كلّ حرام
عقدت لموسى بالرصافة (١) … بيعة
شدّ الإله بها عرى الاسلام
стр. 1667
موسى وليّ عصا الخلافة بعده … جفّت بذاك مواقع الأقلام
موسى الذي عرفت قريش فضله … ولها فضيلتها على الاقوام (١)
وقال قوم من ولد موسى بن عيسى: أمر المنصور بعيسى فخنق بحمائل سيفه فخلع وضمن له المنصور رضاه، فوفى له به.
وحدثني أبو مسعود قال: خرج، في ولاية عيسى بن موسى للمنصور الكوفة رجل يكنى أبا الخطاب وكان رافضيا مسرفا يدّعي علم الغيب، وكان جعفر بن محمد يقول: كان أبو الخطاب يأتيني ويخرج من عندي فيكذّب عليّ ويقول إن السلاح لا يعمل فيّ، فوجه عيسى من حاربه فقتله وأصحابه وأراحني الله منه.
وفي أبي الخطاب يقول الشاعر:
أو مثل أصحاب أبي الخطاب … القائل الزور العمي الكذاب
قال لهم وقوله فضّاح … ما أن يحيك فيكم السلاح
فصدقوه للعمى والحين … وربما صدّق أهل المين
فأصبحوا قتلى ذوي غرور … بقوله والويل للمغرور
وحدثني أبو مسعود قال: أراد المنصور أن يبايع لصالح المسكين بعد المهدي ويجعل عيسى تاليا، فركب المهدي إلى عيسى بن علي فقال له: يا عم قل لأمير المؤمنين أنشدك الله أن تحملني على قطيعة أخي وعقوقه فإنك إن فعلت فعلت، وإن كنت لا بدّ مولّيه فقدّمه قبلي لتبقى الخلافة لعقبي، فأدّى قوله إليه فأعفاه من ذلك وقال: صدق ابني لو فعلت لفعل. قال: وكان
стр. 1668
المنصور يحب صالحا ويقول: هذا ابني المسكين، ويأمر الناس أن يهبوا له ويعرضه للجوائز ويقول: هذا لابني المسكين، فسمّي المسكين.
وحدثني عبد الله بن مالك عن المبارك الطبري قال: لما بايع المنصور للمهدي كتب إلى اسماعيل بن علي، وهو عامله على واسط ونواحيها في ذلك، فكتب إليه يذكر بيعة عيسى بن موسى وما في عنقه منها، فكتب إليه المنصور في القدوم فأقبل حتى نزل كلواذى فلم يلقه من أهل بيته أحد، ثم أرسل إليه المنصور في الدخول فلما صار إليه برّه وأدنى مجلسه، ثم قال له:
ما بالك تلوّيت وتثنيت في بيعة ابن أخيك؟ قال: ظننت أن الكتاب الذي أتاني كان اختيارا، فإن كان عزما بايعت، قال: فبايع فقد بايع أهل بيتك والناس، وبسط له يده فبايعه، وصار إلى المهدي فبايعه.
وحدثت أنه لما بويع للمهدي بعث المنصور، الأعلم الهمداني ببيعته إلى الحجاز، فخطب بمكة على منبرها فقال في خطبته: وقد بايع أمير المؤمنين لمحمد ابن أمير المؤمنين، وهو عباسي النسبة، يثربي التربة، حجازي الأسرة، شامي المولد، عراقي المنبت، خراساني الملك، يملك فلا يأشر، ويقدر فلا يبطر، إن سئل أعطى وإن سكت عنه ابتدا، جاءت به الروايات وظهرت فيه العلامات وأحكمته الدراسات، في كلام كثير.
وحدثني المدائني قال: لما بويع المهدي أمير المؤمنين جعل الناس يدخلون عليه فيسلمون وقد جلس لهم، فكان فيمن دخل عليه شبيب بن شيبة التميمي، فلما خرج من عنده سئل فقال: رأيت الداخل راجيا والخارج راضيا.
стр. 1669
وحدّثنا أنّ شريك بن عبد الله النخعي لقي عيسى بن موسى فقال له عيسى: يا أبا عبد الله ما رأيت قاضيا عزل، فقال: بلى تعزل القضاة، وتخلع ولاة العهد، ويقال إنه قال: ما رأيت قاضيا عزل، قال: ولا وليّ عهد خلع.
стр. 1670
أمر سوار بن عبد الله العنبري
قالوا: كان محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن قدم البصرة مستخفيا ثم خرج عنها، وبلغ المنصور ذلك فقدم البصرة فنزل عند الجسر الأكبر، ويقال بل قدم في أمر القطائع والمسائح، وأمير البصرة عمر بن حفص، فولى عمر بن حفص السّند، وشهاب بن عبد الملك بن مسمع البحرين، وولّى عبد العزيز بن عبد الرحمن الأزدي، أخا عبد الجبّار بن عبد الرحمن، البصرة، وولى سوّار بن عبد الله بن قدامة بن عنزة بن نقب - على مثال فعل - بن عمرو بن الحارث بن خلف بن مجفّر بن كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم القضاء. فكان عبد العزيز يكتب إلى أبي جعفر المنصور يذمه، فيدرج المنصور كتبه بذلك في كتب منه إلى سوّار، فلم يزل على ذلك حتى خالف عبد الجبار وحمل عبد العزيز إلى المنصور، فولى المنصور سوّارا صلاة البصرة، وكان عبد العزيز صاحب شراب ولهو فأخرج له من دار الامارة شراب، فأمر سوّار بكسر آنيته وهراقته. وفي سوّار يقول الشاعر:
فمن كان لا يرضى أميرا فإننا … رضينا بسوّار أميرا وقاضيا
стр. 1671
وتقدم إلى سوار رجلان احدهما من عبد القيس فتحفّز العبدي فضرط فقال له سوار: أفساد في الجاهلية وضراط في الإسلام؟ وقال رجل لسوّار وكانت أمّه أمّ ولد: إنك لقليل الخالات بالدهناء، فقال: ولكني كثير العمّات هناك. وقضى على أعرابي فقال:
رأيت رؤيا ثم عبّرتها … وكنت للأحلام عبّارا
رأيتني أخنق في نومتي … ضبّا فكان الضبّ سوّارا
ثم أقبل يدعب خلفه ورمى بنفسه عليه، فوثب الناس إليه فنحوه عنه، فكلمه كلاما رفيقا ولم يعاقبه.
وخرج في أيامه عبيد سودان يقال إنهم كانوا أربعين أو أكثر، وكان اجتماعهم عند دار عقبة بن سلم، فاستشار في أمرهم فقائل يقول اقتلهم، وقائل يقول عبيد أضرّ بهم الجوع والضر وإن تركوا تفرقوا، وقائل يقول وجّه إليهم من يفرقهم من الجند؛ فوجه السري بن الحصين الباهلي وعبد الله بن حي بن حضين الرقاشي فلقياهم عند دار عقبة، أو نهر سليمان بالبصرة، فقتل منهم أربعة عشر عبدا، ويقال عشرة، ويقال سبعة عشر، ويقال أقل من عشرة، فأعطى مواليهم أثمانهم، وبعث برؤوسهم إلى المنصور، ويقال إنه كان يتصدّق في كل سنة من ماله بمثل أثمانهم. وقال له السري بن حصين:
ما بالك أعظمت قتل هؤلاء؟ والله لو لم تقتلهم لقتلوك، قالوا: وتفرّق من بقي من أولئك السودان فلم يعرض لهم.
قالوا: وكان سوّار يخذّل الناس عن إبراهيم بن عبد الله، وعن أخيه، وسوّد بعد خروج إبراهيم وتمثّل وهو على المنبر:
أين الرجال التي عن حظّها غفلت … حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
стр. 1672
وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب، قال: لما حبس أبو أيوب أمر المنصور الربيع الحاجب بتقلد ديوان الرسائل والنفقات إلى ما كان يقوم به من الحجابة، ففعل، ثم عزله عن الرسائل وصيرها إلى أبان بن صدقة، وأقره على النفقات مع الحجابة فشخص أبان معه إلى الشام وهو كاتبه عليها.
وحدّثني أبو علي الحرمازي عن الفضل بن الرّبيع قال: كان المنصور معجبا بمحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس، وكان كريما يسأله الحوائج للناس حتى ثقل ذلك عليه، فحجبه أياما ثم أذن له على أن لا يسأله حاجة لأحد، فدخل عليه يوما وكمّه مملوء رقاعا، فلما جلس تناثرت من كمه فجعل يردها ويقول: إرجعن خاسئات؛ فقال المنصور: ما هذه الرقاع؟ قال: فيها حوائج للناس، فضحك وقال: لا تبرح حتى تقضى كلها، فقضاها له.
قال الحرمازي: وبعضهم يزعم أن الرجل يحيى بن جعفر بن تمّام، وهو آخر من بقي من ولد تمام، وكان المنصور له محبّا.
وحدثني ابن الأعرابي قال: قال المنصور لرجل: ممّن أنت؟ قال: من يشكر، فتمثل:
ويشكر لا تستطيع الوفاء … وتعجز يشكر ان تشكرا
وحدثني أبو مسعود، قال: أقدم المنصور، عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب من المدينة بسبب محمد بن عبد الله بن حسن، ويقال لأمر بلغه عنه غير ذلك، فلما أدخل إليه قال له: يا عدو الله، قال: لست بعدو الله، وليس الأمر على ما بلغك، واذكر إدناء أبي أباك وتقديمه إياه على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: قبحك الله، أفما كان لي عليك من الحق ما كان لأبي على أبيك؟ ثم أمر به إلى المطبق، فوقع بينه وبين قوم من
стр. 1673
الرافضة ملاحاة فوثب إلى خشبة فاقتلعها ثم ضربهم بها، فبلغ ذلك المنصور فأمر أن يؤتى به. فلما وقف بين يديه قال له: أما نهتك أولاك عن أخراك؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت أسمع شيئا لو سمعته لأنكرته، سمعت هؤلاء يشتمون عمومتك من المهاجرين: أبا بكر، وعمر، وعثمان، فقال: ردوه إلى المدينة.
حدثني الحسن الحرمازي قال: حبس المستهل بن الكميت بسبب تهمة في أمر الطالبيين، فقال:
لئن نحن خفنا في زمان عدوّكم … وخفناكم إن البلاء لراكد
حدّثنا محمّد بن داود الكاتب قال: وليّ القنجز الشيباني عملا فألزم مالا، فأمر المنصور أن يؤخذ به فحبس في دار العذاب وكانت إلى جانب المطبق، فكان يعذب فلا يقر بشيء، فلما طال ذلك كلم معن فيه المنصور فقال: إني عزمت أن لا يخرج من محبسه وهو مقيم على هذه المراغمة، ولكني أبعث إليه بمال يؤديه، فبعث إليه بمقدار ما كان يطالب به وهو مائة ألف درهم، فلما صار ذلك إليه حمله إلى منزله، فقال له المستخرج: احمل المال، فقال: أيّ مال، وجحد، فعذّب فلم يقر بشيء، فبلغ ذلك المنصور فقال:
هذا شيطان، فخلوا سبيله، واصطنعه وقال: لا تولوه جباية، فكان يقال:
أصبر من القنجز.
حدثني أبو دهمان قال: عرضت على المنصور قينة فتغنت:
ما نقموا من بني أمية إلا … انهم يحلمون ان غضبوا
وإنهم صفوة الملوك فما … تصلح إلا عليهم العرب
فغضب وأمر بها فأخرجت سحبا. قال: ويقال انها ألقيت من
стр. 1674
الخضراء، وذلك باطل، وكان المنصور لا يرى شاربا نبيذا، ولم يعط مغنيا شيئا قط، ولا أجرى عليه رزقا يثبت في ديوان أو يخرج به أمر وكتاب.
وحدّثني المدائني قال: قال أبو عبيدة الكاتب: كان المنصور أعطى الناس في حقّ وأعلمهم بحزم وأشدهم شكيمة على عدو، حدثني عبدوس مولى جعفر بن جعفر، عن جعفر بن جعفر، قال: أقبل المهدي من داره يريد المنصور، والمنصور جالس في الخضراء في قصره بالمدينة ببغداد، فلما وقعت عينه عليه جعل يعوّذه ويدعو له، حتى إذا تبينه غضب وقال: ردّوه ردّوه، أما رأيتم عليه خفا أحمر كأنه من عبيد الروم، أهذا لبس من كان مثله! فألزمه منزله أياما ثم دعا به وعاتبه، قال: وكان أمر المنصور جدا كله.
وحدّثني أبو الحسن المدائني قال: كاتب العبسيون من أهل حيار بني القعقاع (١) ومن معهم محمد بن عبد الله بن حسن وكاتبهم محمّد، وكان ممن كاتبه أبو ذفافة. فلما شخص المنصور إلى بيت المقدس في سنة أربع وخمسين ومائة، وغزا الصائفة وتتبع الأجناد والكور، أقدم أبا ذفافة معه فأصحبه المهدي فخص به، وكان يطلعه على أسراره وأموره، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين قد غلب أبو ذفافة على المهدي ورأيه ما تعلم، فقال: يا بني إن المهدي قدم من الري في زيّ أهل خراسان، فجهدت أن أنقله عن ذلك بكل حيلة يحتال بها في مواجهة وتعريض فلم ينتقل عنه، فلما صحبه أبو ذفافة لم أشعر به ذات يوم إلا وقد طلع عليّ معتما على قلنسوته، وفي رجليه خفّان أسودان، فو الله لو ضمّ إلى ملكي مثلّه ما كان ذلك بأسرّ إليّ من هيئته، وإنما أبو ذفافة
стр. 1675
رجل أراد أن ينال شيئا من الدنيا فقد ناله وأكثر منه، وهو رجل شريف وللشريف شكر فلا يسوءنكم مكانه.
حدثني الحرمازي قال: قال الربيع الحاجب: دخلت على المنصور يوما وعليّ خفّ أبيض محكوك مكعب، فقال: لولا أني لم أتقدم إليك لأدّبتك، مالك ولحفاف الزفّانين (١)؟
حدّثني هدبة بن خالد، قال: دخل المبارك بن فضالة على أبي جعفر وهو بالجسر الأكبر فقال له: يا أمير المؤمنين حدثني الحسن قال: بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله حق فليقم، فما يقوم إلا العافون عن الناس» (٢)، فقال المنصور: قد عفوت، ولم يدخل البصرة.
وحدّثني بعض أصحابنا قال: كان المنصور وهو بالبصرة قبل أمر المسوّدة يجلس في حلقة فيها أزهر السمّان، فلما أفضت إليه الخلافة وفد إليه أزهر فقال له: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: يا أمير المؤمنين داري مستهدمة، وعليّ دين مبلغه أربعة آلاف درهم وأريد أن أزوّج ابني محمدا، فقال: قد أمرنا لك باثني عشر ألف درهم فخذها ولاتأتنا طالبا، فأخذها وانصرف، فلما كان العام المقبل أتاه، فلما رآه قال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: أتيتك يا أمير المؤمنين مسلمّا، فقال: إنه ليقع في خلد أمير المؤمنين أنك أتيت طالبا، قال: ما أتيت إلا مسلّما، فقال: قد أمرنا لك باثني عشر ألفا فخذها ولاتأتنا طالبا ولا مسلّما، فلما كانت السنة الثالثة عاد إليه، فقال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: أتيتك
стр. 1676
عائدا، فقال: قد أمر لك أمير المؤمنين باثني عشر ألف درهم فخذها ولاتأتنا طالبا ولا مسلّما ولا عائدا، فلما كانت السنة الرابعة قدم عليه فقال: ما جاء بك يا أزهر؟ فقال: سمعتك تدعو بدعاء فجئت لأكتبه عنك، قال: إنه غير مستجاب، قد دعوت الله به ألا أراك فلم يجب، وأمر له باثني عشر ألفا، وقال: تعال متى شئت فقد أعيت فيك الحيل.
حدثني عبد الله بن صالح العجلي، قال: بعث أبو جعفر المنصور إلى مسعر بن كدام الهلالي فقال له: يا أبا سلمة هل لك في أن أوليك؟ فقال:
والله يا أمير المؤمنين ما أرضي نفسي لأن اشتري لأهلي حاجة بدرهم حتى أستعين بغيري، على أن الثقات قليل، فكيف أغرك من عملك، وأنا إلى أن تصل قرابتي ورحمي أحوج مني إلى الولاية؛ فقال: قال النابغة الجعدي:
وشاركنا قريشا في تقاها … وفي أنسابها شرك العنان
بما ولدت نساء بني هلال … وما ولدت نساء بني أبان (١)
يعني لبابة جدّتك فإنها هلالية، فأمر له بأربعة آلاف درهم وكساه ولم يزل يتعهده ويصله، وكانت آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر، أم العاص وأبي العاص والعيص وأبي العيص بني أمية بن عبد شمس، وكانت صفية بنت حزن عمّة أم الفضل وهي لبابة بنت الحارث بن حزن أم أبي سفيان بن حرب بن أميّة وهي هلاليّة.
وحدثني عبد الله بن صالح قال: كان أبو بكر الهذلي يجالس المنصور، قال: فرأى المنصور في بعض قصره الجديد قوما في ثياب بيض، قال:
ما هؤلاء؟ قلت: جهابذتك وقوم يعملون في خزائنك، فتمثل قول الشاعر:
стр. 1677
كما قال الحمار لسهم رام … لقد جمّعت من شتى لأمر
أراك حديدة في رأس قدح … ومتن جلالة مع ريش نسر
ثم قال: يا ربيع تفقّد هؤلاء وانظر من كان منهم في غير عمل فاخرجه.
وحدثني العقوي الدلال البصري قال: بلغ المنصور أن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بالبصرة، فخرج إلى البصرة وأظهر أنه يريد ان يقطع صالحا المسكين بابقليا، ويقطع سليمان الهنيئة؛ وكان عيسى مستخفيا عند رجل يقال له يزيد، فبينا المنصور يخطب في يوم جمعة إذ وقعت عينه على عيسى، وعرف عيسى أنه قد عاينه، فلما دخل المنصور في الصّلاة انسلّ عيسى ويزيد صاحبه فاستعرض الناس بعد الفراغ من الصّلاة فلم يوجدا. ثم إن عيسى مات عند يزيد فأتى يزيد الربيع فقال له: اطلب لي الأمان من أمير المؤمنين وأدخلني إليه حتى أخبره من أمر عيسى بما يسر به، فطلب له الربيع الأمان فأمنه المنصور، فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين قد مات عيسى بن زيد وأراحك الله منه، فخر المنصور ساجدا، ووجّه من نظر إليه ميتا، فوفى ليزيد بأمانه.
وحدثني محمد بن موسى الخوارزمي أن المنصور حج فكان يأتي الطواف ليلا فيطوف مستخفيا متنكرا لا يعلم أحد من هو، فإذا طلع الفجر عاد إلى دار الندوة، فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى بالناس، فسمع رجلا يقول في بعض الليالي: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فوقف على الرجل ثم خلا به ثم سأله عمّا قال فقال له: أتؤمنّي؟ قال: نعم لك الأمان، قال: ما عنيت سواك؛ فقال: كيف تنسبني إلى الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي والحلو والحامض
стр. 1678
بيدي؟ قال: وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك؟ احتجبت عن الضعفاء فلم يصلوا إليك، ثم أوعبت الأموال وجمعتها فلم تقسمها في أهلها، ورآك القوم الذين استعنت بهم خائنا فخانوك وأنت متغافل عن الأمور، كأنك لا تعلم وعلمك حجة عليك، ثم أنت تطمع في السلامة في دينك ودنياك، ووعظه فاحتمل له ذلك وقال: جزيت عن النصيحة خيرا، وأقيمت الصلاة فصلى المنصور بالناس، وطلب الرجل فلم يوجد.
حدثنا الذيّال مولى بني هاشم، قال: سمع المنصور جلبة في داره فقال: ما هذا؟ فإذا خادم له قد جلس وغلمة حوله وهو يضرب لهم بطنبور وهم يضحكون منه، فأخبر بذلك فقال: وما الطنبور؟ فوصفه له حمّاد التركي، فقال له: وأنت فما يدريك ما الطنبور؟ قال: رأيته بخراسان، فقال:
نعم، فدعا بنعله وقام يمشي رويدا حتى أشرف على الغلمان فرآهم فلما أبصروه تفرقوا، فقال: خذوا الخادم فاكسروا ما معه على رأسه، ثم قال: يا ربيع أخرجه من قصري وابعث به إلى حمران النخّاس حتى يبيعه، فوجه به الربيع من ساعته فبيع بالكرخ.
وحدّثني رجل من ولد حمّاد التركي عن حمّاد قال: ولاني المنصور المدائن ثم عزلني، فقال لي ذات يوم: يا بن الخبيثة كم عندك من المال؟ فقلت أصدقه فإنه لا ينفعني عنده الا الصّدق، فأخبرته بمبلغ المال، فقال:
ادفعه إلى الربيع، ففعلت، ثم رحت بالعشي فإني لبين يدي المنصور واقف لا أشك في ذهاب المال إذ دخل الربيع فقال له: يا ربيع أحمل حماد إليك ذلك المال؟ قال: نعم، قال: أفعرفت وزنه؟ قال: نعم، قال: احتفظ به فإذا تزوج حماد فادفعه إليه.
стр. 1679
وحدثني بعض الهاشميين عن رجل من حشم المنصور، قال: كان المنصور يقسم علينا الأرزاق وما في الخزائن حتى الفانيد (١) والترياق، وكان مشايخ أهله يدخلون عليه بالعشيات في النعال والأردية.
وحدثني محمد بن موسى الخوارزمي قال: بلغني أن المنصور خرج يوما نحو باب قطربّل حتى دخل من ناحية باب حرب فأساء بعض أحداث مواليه الأدب، وسار في ناحية أمر أن لا يسير فيها أحد كراهة للغبار، فالتفت إلى عيسى بن علي وهو يسايره فقال: والله ما ندري يا أبا العباس ما نصنع بهؤلاء الأحداث لئن حملناهم على الأدب وأخذناهم بما يجب ليقولن جاهل إنّا لم نحفظ آباءهم فيهم، ولئن تركناهم وركوب أهوائهم ليفسدن علينا غيرهم.
حدّثني المدائني قال: لما خرج ابنا عبد الله بن حسن على المنصور، وجاءه فتق من ناحية غير ناحيتيهما جعل ينكث بقضيب معه ويقول:
ونصبت نفسي للرماح دريّة … إن الرئيس لمثل ذاك فعول
قال: وقال المنصور في آل أبي طالب:
فلولا دفاعي عنكم إذ عجزتم … وبالله أحمي عنكم وأدافع
وما زال منا قد علمتم عليكم … على الدهر أفضال يرى ومنافع
ومازال منكم أهل غدر وجفوة … وبالله مغترّ وللرحم قاطع
قالوا: وركب المنصور وأهل بيته حوله، وقد بلغه خبر محمد بن عبد الله، فقال عثمان بن عمارة المريّ: إن حشو اثواب هذا الرجل لمكر ودهاء ونكر وما هو إلا كما قال جذل الطعان:
فكم من غارة ورعيل خيل … تداركها وقد حمي اللقاء
стр. 1680
فردّ رعيلها حتى ثناها … باسمر ما يرى فيه التواء
وقال اسحاق بن مسلم: لقد سبرته فوجدته بعيد الغور، وعجمت عوده فوجدته صلب المكسر، ولمسته فوجدته خشن الملمس، وذقته فوجدته مرّ المذاق، وإنه ومن حوله لكما قال ربيعة بن مكدم:
سما لي فرسان كأنّ وجوههم … مصابيح تبدو في الظلام زواهر
يقودهم كبش اخو مصمئلّة … حليف سرى قد لّوحته الهواجر
وقال عبد الله بن الربيع الحارثي: هو والله ليث خيس شرس، وللأقران مفترس، وإنه لكما قال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
فإن لنا شيخا إذا الحرب شمّرت … بديهته الإقدام قبل التزاحف
أخو الحرب قد عضت به فتفللت … نواجذ من أنيابها في المزاحف
وحدثني الحرمازي قال: لما مات جعفر الأكبر ابن المنصور اشتدّ جزعه عليه، فلما قبر وسوّي عليه التراب قال: يا ربيع كيف قال مطيع بن إياس في يحيى بن زياد؟ فأنشده:
يا أهل بكّوا لقلبي القرح … وللدموع الذوارف السّفح
راحوا بيحيى فلو تطاوعني الأق … دار لم يبتكر ولم يرح
يا خير من يحسن البكاء له الي … وم، ومن كان أمس للمدح
أعقبت حزنا من السرور وقد … أدلت مكروهنا من الفرح
قال: فبكى المنصور وقال: صاحب هذا القبر أحقّ بهذا الشعر.
وحدثني بعض مشايخنا أن المنصور قال للمهدي: يا بنيّ، استدم النّعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتألّف، والنصر بالتواضع لله والرحمة للناس.
стр. 1681
وحدثني الحرمازي قال: لما أتى المنصور مخرج محمد بن عبد الله شنّ عليه درعه، ولبس خفّه، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
مالي أكفكف عن سعد ويشتمني … ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا
جهلا علينا وجبنا عن عدوهم … لبئست الخلّتان الجهل والجبن
أما والله لقد عجزوا عما قمنا به، فما عضدوا الكافي، ولا شكروا المنعم، فماذا حاولوا، أشرب رنقا (١) على غصص، وأبيت منهم على مضض، كلا والله إني لا أصل ذا رحم بقطيعة نفسي، ولئن لم يرض بالعفو منّي ليطلبنّ مالا يوجد عندي، ولأن أقتل معذورا أحبّ إليّ من أن أحيا مستذلا، فليبق ذو نفس على نفسه قبل أن يقضي نحبه، ثم لا أبكي عليه ولا تذهب نفسي حسرة لما ناله.
حدثني بعض أصحابنا عن ابراهيم بن عيسى الهاشمي قال: خطب المنصور يوم عرفة فقال: «أيها الناس إنما انا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وإرشاده، وخازنه على ماله وفيئه أعمل فيه بمشيئته وأقسمه بارادته وأعطيه باذنه، وقد جعلني الله عليه قفلا، فإذا شاء أن يفتحني فتحني، فارغبوا إلى الله واسألوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (٢)، أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم، وقسم أرزاقكم فيكم بالعدل عليكم، والإحسان إليكم».
стр. 1682
وحدثني عبد الله بن مالك، أخبرني اسحاق بن عيسى بن علي، قال: بعث المنصور في سنة خمس وأربعين ومائة رجالا يطلبون له موضعا يبنى له فيه مدينة، فكانوا يأخذون تربة كل أرض فإذا عفنت خرجت منها العقارب والخنافس، فلما عفنت تربة بغداد خرجت منها بنات وردان فقال:
هذه، هذه، فنزل الدير الذي على الصراة وقال: بغداد بلد يأتيه الميرة من الفرات ودجلة. فاختطّ المدينة وفرغ من أساسها، فإنه لنائم في يوم صائف إذ أقبل سليمان بن مجالد، وسليم المكي، فاستأذنا على المنصور، فدخل الربيع فاحتال له حتى استيقظ ودخلا عليه ومعهما كتاب صغير من محمد بن خالد بن عبد الله القسري يخبر فيه بخروج محمد بن عبد الله، فقال المنصور: نكتب إلى مصر الساعة أن تقطع الميرة عن أهل الحرمين وإنهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر، وأمر أن يكتب إلى العباس بن محمّد أخيه وهو على الجزيرة أن يمدّه بمن قدر عليه ولو أن يبعث إليه في كل يوم رجلا واحدا لينكسر بهم أهل خراسان، فإنه لا يؤمن فسادهم مع دالتّهم، ونادى بالرحيل من ساعته فخرج في حرّ شديد حتى عسكر بنهر صرصر، وصلى العصر هناك، وأتى الكوفة وعسكر وخندق عليه، ودعا بعيسى بن موسى فقال له: إمّا أن تخرج وأقيم فأمّدك وإمّا أن أخرج وتقيم فتمدنّي، فقال: بل أقيك بنفسي وأكفيك هذا الوجه إن شاء الله، فشخص، ثم خرج ابراهيم في عقب خروج أخيه محمد، فجمع المنصور ولد أبيه فقال:
ما تقولون وما ترون؟ فقالوا: توجه إليه موسى بن عيسى، فقال: والله يا ولد عليّ ما أنصفتم، وجهت أباه وأوجّهه فأكون قد وجهت من ولد محمد بن علي رجلين، فقالوا: توجه عبد الله بن علي وتصطنعه، فقال:
стр. 1683
ابعث عليّ حربا أخرى، إن خافني مالأ عدوي عليّ، وإن ظفر أعاد الحرب بيني وبينه جذعة، وقد سمعتكم تذكرون أن له أربعة آلاف مولى يموتون تحت ركابه فأيّ رأي هذا؟ والله لو دخل عليّ إبراهيم بسيف مسلول لكان آمن عندي من عبد الله بن علي
وحدثني الحرمازي قال: لما قتل إبراهيم بن عبد الله وبعث عيسى بن موسى برأسه أمر المنصور أن يطاف به بالكوفة، ثم خطب المنصور بالكوفة فقال: يا أهل الكوفة عليكم لعنة الله وعلى بلد أنتم فيه، للعجب لبني أميّة وصبرهم عليكم كيف لم يقتلوا مقاتلتكم ويسبوا ذراريكم ويخربوا منازلكم، سبئيّة خشبيّة، قائل يقول: جاءت الملائكة، وقائل يقول: جاء جبريل، وهو يقول: أقدم حيزوم، ثم عمدتم إلى أهل هذا البيت وطاعتهم حسنة فأفسدتموهم وانغلتموهم، فالحمد لله الذي جعل دائرة السوء عليكم، أما والله يا أهل المدرة الخبيثة لئن بقيت لكم لأذلنّكم.
وحدثني عبد الله بن مالك وغيره، قالوا: أتمّ المنصور بناء مدينته بغداد ونزلها في سنة ست وأربعين ومائة، وبنى قصره في الخلد على دجلة سنة سبع وخمسين، وتولّى ناحية منه الربيع، وناحية أخرى أبان بن صدقة. قال عبد الله بن مالك: وأنا يومئذ مع أبان، وكان المنصور يعاقب من سمّاه الخلد ويقول: الدنيا دار فناء وإنما الخلد في الجنة.
حدثني الحرمازي قال: ولى المنصور الحسن بن زيد المدينة بعد جعفر بن سليمان، فعبث بجلساء جعفر وأصحابه، وأضرّ باسماعيل بن أيوب المخزومي، فقال:
وإن بني العباس لن نستطيعهم … فلا ذنب لي فانظرهم حسرات
стр. 1684
هم ورثوا ميراث أحمد كله … ولم يدّعوه باطلا لبنات
حدثني العمري عن ابراهيم بن السندي، أن المنصور لما أراد الحج في السنة التي توفي فيها أتى قصر عبدويه فأقام به، ثم دعا بالمهدي فقال له:
يا أبا عبد الله اقرأ هذا الكتاب واعمل بما فيه، فإذا فيه: «أوصيك بتقوى الله ومراقبته، وعليك بإكرام أهل بيتك وإعظامهم، ولا سيما من استقامت طريقته، وطهرت سيرته، وحسنت مودّته منهم، فإنّ أقرب الوسائل المودّة، وأبعد النّسب البغضة، وانظر أهل الجزالة والفضل والعقل منهم فشرّفهم، وأوطئ الرجال أعقابهم، فإنه لا يزال لأمر القوم نظام ما كانت لهم أعلام، وأجزل لهم الإعطاء، ووسّع عليهم في الأرزاق، فإن أكثر الناس مؤونة أعظمهم مروءة، ثم ليكن معروفك لغيرهم بعدهم، فإن الصلة تزيد الألفة، وصنهم ينبلوا ولا تبتذلهم فيخلقوا، واعلم أن رضى الناس غاية لا تدرك فتحبّب إليهم بالإحسان جهدك وتثبّت فيما يرد من أمورهم عليك، ووكل همومك بأمورك، وتفقّد الصّغير تفقّدك الكبير، وخذ أهبة الأمر قبل حلوله، فإنّ ثمرة التواني الإضاعة، وكن عند رأس كل أمر لا عند ذنبه، فإن المستقبل لأمره سابق، والمستدبر له مسبوق. وولّ أمورك الفاضل تكن مستعليا، ولا تولّ المفضول فإنه مزر باختيارك، وانظر الأموال فإنها عدة الملوك، وبهاء السلطان، ونظام التدبير، فوفّرها بولاية أهل العفاف عنها والحيطة عليها، ولا تبتذلها إلاّ في إصلاح أمور السلطان والرعية، وثواب أهل الطاعة والنصيحة، وأحسن إلى نصائحك (١) واستدم مودّتهم ومحبتهم بجميل التعهد لهم والتفقّد لأمورهم ولا تعط عطيّة تبطر
стр. 1685
الخاص، وتؤسف العام، واجعل لكل إليك حاجة، واجعل لهم من فضلك مادة، واسمع من أهل التجارب، ولا تردّنّ على ذوي الرأي، وعوّد نفسك الصّبر على التّعب في إصلاح الرعيّة وترك الهوينا والدّعة، واعلم أن ذهاب السّلطان يؤتى من ثلاثة أمور: قلة الحزم، وضعف العزم، وفقد صالحي الأعوان وأنّ ثباته بأربع خلال: المعرفة، وحسن التخّير، وإمضاء الاختيار، وتنكبّ أهل الحرص، فإن الحريص يبيعك باليسير من حظّه، وشره الوزراء أضرّ الأعداء، ومن خانك كذبك، ومن كذبك غشّك، واعلم أنّ مادّة الرأي المشاورة، فاختر لمشاورتك أهل اللب والرأي والصدق وكتمان السّر، وكاف بالحسنة، وتجاوز عن السيّئة ما لم يكن في ذلك ثلم دين، ولا وهن سلطان، ودع الانتقام فإنه أسوأ أفعال القادر، وقد استغنى عن الحقد من عظم عن المجازاة، وعاقب بقدر الذنب، واعف عن الخطأ، وأقل العثرات من أهل الحرمة والبلاء، وعليك بتلاد نعمتك، ومواليك من أهل خراسان وغيرها من الآفاق، فإنهم أنصح الناس لك، وأشدهم سعيا في بقاء دولتك فإنما عزّهم بعزك، وتجنب دقيق أخلاق أهل العراق، فإنهم نشأوا على الخبّ ومذموم الأخلاق، وإذا اطلعت من خاصتك وأهل نعمتك على هوى مفسد لنصيحتك فلا تقله عثرة، ولا ترع له حرمة، ودع الاغترار به فإنك إذا اغتررت به كنت كمدخل الحيّة دون شعاره، إن شاء الله». ولمّا قرأ الكتاب قال: أفهمته يا بنيّ؟ قال: نعم، قال: فاتخذه لك إماما ومثالا، ثم قال: أستودعك الله يا بني وأنشد:
المرء يأمل أن يعيش … وطول عيش قد يضرّه
تبلى بشاشته ويبقى … بعد حلو العيش مرّه