← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وحدثني الحرمازي قال: لما أتى المنصور مخرج محمد بن عبد الله شنّ عليه درعه، ولبس خفّه، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: مالي أكفكف عن سعد ويشتمني … ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا جهلا علينا وجبنا عن عدوهم … لبئست الخلّتان الجهل والجبن أما والله لقد عجزوا عما قمنا به، فما عضدوا الكافي، ولا شكروا المنعم، فماذا حاولوا، أشرب رنقا (١) على غصص، وأبيت منهم على مضض، كلا والله إني لا أصل ذا رحم بقطيعة نفسي، ولئن لم يرض بالعفو منّي ليطلبنّ مالا يوجد عندي، ولأن أقتل معذورا أحبّ إليّ من أن أحيا مستذلا، فليبق ذو نفس على نفسه قبل أن يقضي نحبه، ثم لا أبكي عليه ولا تذهب نفسي حسرة لما ناله. حدثني بعض أصحابنا عن ابراهيم بن عيسى الهاشمي قال: خطب المنصور يوم عرفة فقال: «أيها الناس إنما انا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وإرشاده، وخازنه على ماله وفيئه أعمل فيه بمشيئته وأقسمه بارادته وأعطيه باذنه، وقد جعلني الله عليه قفلا، فإذا شاء أن يفتحني فتحني، فارغبوا إلى الله واسألوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (٢)، أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم، وقسم أرزاقكم فيكم بالعدل عليكم، والإحسان إليكم».

стр. 1682

وحدثني عبد الله بن مالك، أخبرني اسحاق بن عيسى بن علي، قال: بعث المنصور في سنة خمس وأربعين ومائة رجالا يطلبون له موضعا يبنى له فيه مدينة، فكانوا يأخذون تربة كل أرض فإذا عفنت خرجت منها العقارب والخنافس، فلما عفنت تربة بغداد خرجت منها بنات وردان فقال: هذه، هذه، فنزل الدير الذي على الصراة وقال: بغداد بلد يأتيه الميرة من الفرات ودجلة. فاختطّ المدينة وفرغ من أساسها، فإنه لنائم في يوم صائف إذ أقبل سليمان بن مجالد، وسليم المكي، فاستأذنا على المنصور، فدخل الربيع فاحتال له حتى استيقظ ودخلا عليه ومعهما كتاب صغير من محمد بن خالد بن عبد الله القسري يخبر فيه بخروج محمد بن عبد الله، فقال المنصور: نكتب إلى مصر الساعة أن تقطع الميرة عن أهل الحرمين وإنهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر، وأمر أن يكتب إلى العباس بن محمّد أخيه وهو على الجزيرة أن يمدّه بمن قدر عليه ولو أن يبعث إليه في كل يوم رجلا واحدا لينكسر بهم أهل خراسان، فإنه لا يؤمن فسادهم مع دالتّهم، ونادى بالرحيل من ساعته فخرج في حرّ شديد حتى عسكر بنهر صرصر، وصلى العصر هناك، وأتى الكوفة وعسكر وخندق عليه، ودعا بعيسى بن موسى فقال له: إمّا أن تخرج وأقيم فأمّدك وإمّا أن أخرج وتقيم فتمدنّي، فقال: بل أقيك بنفسي وأكفيك هذا الوجه إن شاء الله، فشخص، ثم خرج ابراهيم في عقب خروج أخيه محمد، فجمع المنصور ولد أبيه فقال: ما تقولون وما ترون؟ فقالوا: توجه إليه موسى بن عيسى، فقال: والله يا ولد عليّ ما أنصفتم، وجهت أباه وأوجّهه فأكون قد وجهت من ولد محمد بن علي رجلين، فقالوا: توجه عبد الله بن علي وتصطنعه، فقال:

стр. 1683

ابعث عليّ حربا أخرى، إن خافني مالأ عدوي عليّ، وإن ظفر أعاد الحرب بيني وبينه جذعة، وقد سمعتكم تذكرون أن له أربعة آلاف مولى يموتون تحت ركابه فأيّ رأي هذا؟ والله لو دخل عليّ إبراهيم بسيف مسلول لكان آمن عندي من عبد الله بن علي وحدثني الحرمازي قال: لما قتل إبراهيم بن عبد الله وبعث عيسى بن موسى برأسه أمر المنصور أن يطاف به بالكوفة، ثم خطب المنصور بالكوفة فقال: يا أهل الكوفة عليكم لعنة الله وعلى بلد أنتم فيه، للعجب لبني أميّة وصبرهم عليكم كيف لم يقتلوا مقاتلتكم ويسبوا ذراريكم ويخربوا منازلكم، سبئيّة خشبيّة، قائل يقول: جاءت الملائكة، وقائل يقول: جاء جبريل، وهو يقول: أقدم حيزوم، ثم عمدتم إلى أهل هذا البيت وطاعتهم حسنة فأفسدتموهم وانغلتموهم، فالحمد لله الذي جعل دائرة السوء عليكم، أما والله يا أهل المدرة الخبيثة لئن بقيت لكم لأذلنّكم. وحدثني عبد الله بن مالك وغيره، قالوا: أتمّ المنصور بناء مدينته بغداد ونزلها في سنة ست وأربعين ومائة، وبنى قصره في الخلد على دجلة سنة سبع وخمسين، وتولّى ناحية منه الربيع، وناحية أخرى أبان بن صدقة. قال عبد الله بن مالك: وأنا يومئذ مع أبان، وكان المنصور يعاقب من سمّاه الخلد ويقول: الدنيا دار فناء وإنما الخلد في الجنة. حدثني الحرمازي قال: ولى المنصور الحسن بن زيد المدينة بعد جعفر بن سليمان، فعبث بجلساء جعفر وأصحابه، وأضرّ باسماعيل بن أيوب المخزومي، فقال: وإن بني العباس لن نستطيعهم … فلا ذنب لي فانظرهم حسرات

стр. 1684

هم ورثوا ميراث أحمد كله … ولم يدّعوه باطلا لبنات حدثني العمري عن ابراهيم بن السندي، أن المنصور لما أراد الحج في السنة التي توفي فيها أتى قصر عبدويه فأقام به، ثم دعا بالمهدي فقال له: يا أبا عبد الله اقرأ هذا الكتاب واعمل بما فيه، فإذا فيه: «أوصيك بتقوى الله ومراقبته، وعليك بإكرام أهل بيتك وإعظامهم، ولا سيما من استقامت طريقته، وطهرت سيرته، وحسنت مودّته منهم، فإنّ أقرب الوسائل المودّة، وأبعد النّسب البغضة، وانظر أهل الجزالة والفضل والعقل منهم فشرّفهم، وأوطئ الرجال أعقابهم، فإنه لا يزال لأمر القوم نظام ما كانت لهم أعلام، وأجزل لهم الإعطاء، ووسّع عليهم في الأرزاق، فإن أكثر الناس مؤونة أعظمهم مروءة، ثم ليكن معروفك لغيرهم بعدهم، فإن الصلة تزيد الألفة، وصنهم ينبلوا ولا تبتذلهم فيخلقوا، واعلم أن رضى الناس غاية لا تدرك فتحبّب إليهم بالإحسان جهدك وتثبّت فيما يرد من أمورهم عليك، ووكل همومك بأمورك، وتفقّد الصّغير تفقّدك الكبير، وخذ أهبة الأمر قبل حلوله، فإنّ ثمرة التواني الإضاعة، وكن عند رأس كل أمر لا عند ذنبه، فإن المستقبل لأمره سابق، والمستدبر له مسبوق. وولّ أمورك الفاضل تكن مستعليا، ولا تولّ المفضول فإنه مزر باختيارك، وانظر الأموال فإنها عدة الملوك، وبهاء السلطان، ونظام التدبير، فوفّرها بولاية أهل العفاف عنها والحيطة عليها، ولا تبتذلها إلاّ في إصلاح أمور السلطان والرعية، وثواب أهل الطاعة والنصيحة، وأحسن إلى نصائحك (١) واستدم مودّتهم ومحبتهم بجميل التعهد لهم والتفقّد لأمورهم ولا تعط عطيّة تبطر

стр. 1685

الخاص، وتؤسف العام، واجعل لكل إليك حاجة، واجعل لهم من فضلك مادة، واسمع من أهل التجارب، ولا تردّنّ على ذوي الرأي، وعوّد نفسك الصّبر على التّعب في إصلاح الرعيّة وترك الهوينا والدّعة، واعلم أن ذهاب السّلطان يؤتى من ثلاثة أمور: قلة الحزم، وضعف العزم، وفقد صالحي الأعوان وأنّ ثباته بأربع خلال: المعرفة، وحسن التخّير، وإمضاء الاختيار، وتنكبّ أهل الحرص، فإن الحريص يبيعك باليسير من حظّه، وشره الوزراء أضرّ الأعداء، ومن خانك كذبك، ومن كذبك غشّك، واعلم أنّ مادّة الرأي المشاورة، فاختر لمشاورتك أهل اللب والرأي والصدق وكتمان السّر، وكاف بالحسنة، وتجاوز عن السيّئة ما لم يكن في ذلك ثلم دين، ولا وهن سلطان، ودع الانتقام فإنه أسوأ أفعال القادر، وقد استغنى عن الحقد من عظم عن المجازاة، وعاقب بقدر الذنب، واعف عن الخطأ، وأقل العثرات من أهل الحرمة والبلاء، وعليك بتلاد نعمتك، ومواليك من أهل خراسان وغيرها من الآفاق، فإنهم أنصح الناس لك، وأشدهم سعيا في بقاء دولتك فإنما عزّهم بعزك، وتجنب دقيق أخلاق أهل العراق، فإنهم نشأوا على الخبّ ومذموم الأخلاق، وإذا اطلعت من خاصتك وأهل نعمتك على هوى مفسد لنصيحتك فلا تقله عثرة، ولا ترع له حرمة، ودع الاغترار به فإنك إذا اغتررت به كنت كمدخل الحيّة دون شعاره، إن شاء الله». ولمّا قرأ الكتاب قال: أفهمته يا بنيّ؟ قال: نعم، قال: فاتخذه لك إماما ومثالا، ثم قال: أستودعك الله يا بني وأنشد: المرء يأمل أن يعيش … وطول عيش قد يضرّه تبلى بشاشته ويبقى … بعد حلو العيش مرّه

стр. 1686

وتخونه الأيام حتى … لا يرى شيئا يسرّه كم شامت بي إن هلك … ت وقائل لله درّه قال العمري: وقرأت هذا الكتاب بعد عند قوم من الكتّاب فوجدتهم قد كثّروه. حدثني عزّون بن سعد مولى الأنصار، عن أبيه سعد بن نصر، قال: حج المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة فودّع المهدي فقال: «يا أبا عبد الله إني ولدت في ذي الحجة، ووليت الخلافة في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من سنتي وذلك حداني على الحج، فإذا أفضى إليك الأمر فإن استطعت أن تكون حديثا حسنا فافعل». وحدثني عبد الله بن مالك وغيره عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: إني لمع المنصور في حجته التي توفي فيها، فلما دنا من مكة اشتد به الوجع فقال ذات ليلة وأنا زميله، أنزلني، وكانت به خلفة (١) فعدلنا به عن الطريق فأنزلناه، فأبطأ ثم أقبل متكئا على رجلين من مواليه، وأبو العباس الطوسي، والمسيب بن زهير مع وجوه أهل خراسان وقوف، فقلت: يا أمير المؤمنين أبطأت فهل حدث شيء؟ فقال: أنا صالح، وصاح بي فلما صرنا في المحمل قال: ويحك أترى هؤلاء الخراسانية وهم هم وتسألني عن هذه المسألة؟! أتذكر رؤياي التي أخبرتكم بها، إني رأيت كأنّ الكعبة انصدعت فجئت بحبل فضممتها به حتى التأمت ثم دفعت الحبل إلى رجل من مواليّ لم أسمّه لكم، فقلت له: شد، أفتدري من مولاي ذلك؟

стр. 1687

قلت: لا، قال: أنت هو ولكني كرهت أن أخبرك بذلك فاتّق الله وانظر كيف تكون طاعتك للمهدي. وحدثني علي بن أمير المؤمنين المأمون، قال: سمعت المأمون يحدّث عن عصيمة سرية المنصور، وكانت معه في حجته التي توفي فيها، أنها قالت: ما زال يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، ثم يعيد ذلك ويهلل ويكبر ويلبّي حتى قبض، فغمضه الربيع وشدّ لحيته بعصابة ثم قال: والله لأملأنّ سيفي مّمن صاح حتى أحكم ما أمرني به مولاي. فخرج إلى الناس فأحكم ما أراد. قال، وقالت عصيمة: كان المنصور في تسبيحه وتهليله وتشهيده فكلمته فقال: كفي عني ساعة، فما قطع ذلك حتى شخص. حدثني عبد الله بن مالك الكاتب عن جماعة ممن حضر وفاة المنصور بمكة قالوا: خرج الربيع إلى من حضر من بني العباس وغيرهم فقال: إن أمير المؤمنين يأمركم بتجديد البيعة للمهدي، فقال عيسى بن موسى: أحبّ أن أسمع ذاك من أمير المؤمنين، فدخل ثم خرج فقال: عند أمير المؤمنين حرمه وهو لا يسترهنّ من عمه عيسى بن علي فليقم فيدخل عليه ويخبركم عنه بما أعلمتكم، فقال عيسى بن موسى: لا بأس قم يا عم، فقام عيسى فدخل فقال له الربيع: إن أمير المؤمنين قد قضى وكان أمر بتجديد البيعة للمهدي وأنا أريد تجديدها وأنت أعلم، فخرج عيسى بن علي إلى عيسى بن موسى فقال: يأمرك أمير المؤمنين بتجديد البيعة، فبايع عيسى بن موسى للمهدي وبايع

стр. 1688

الناس، ثم عرف عيسى بن موسى القصة بعد ذلك فقال لعيسى بن علي: أنت الفاعل ما فعلت. حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي قال: عرض للمنصور اختلاف، فكان يحتاج إلى الخلاء في اليوم الخمس مرات وأكثر، ثم أسرف ذلك حتى كان يقوم في اليوم والليلة خمسين مرّة، فتوفي بعد التروية أو قبله بيوم، وفرغ من جهازه عند العصر، وصلى عليه عيسى بن موسى، ويقال عيسى بن علي، ويقال إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، وهو ابن أخيه، وهو قائم بالموسم عامئذ، ولم يغطّ رأس المنصور لانه كان محرما ودفن عند بئر ميمون بن الحضرمي. وكان المنصور لما بلغ ثلاثا وستين سنة يقول: إنه كان يقال لهذه السنة داقّة الاعناق، قبض بها رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما، فقبض وله أربع وستون سنة. وقال الواقدي: دفن المنصور في شعب نافع الخوزي في المقبرة التي تطل عليها ثنية المعلاة، وهي التي صلب عليها عبد الله بن الزبير، ونزل في حفرته عيسى بن علي، والعباس بن محمد، وعيسى بن موسى، والربيع، ويقطين، والريان مولاه، وجعل في صندوق وأطبقت عليه ألواح، وتوفي وله أربع وستون سنة إلا أيّاما. وحدثني عمرو بن عيسى أبو مسعود قال: توفي المنصور بمكة في سنة ثمان وخمسين، ودفن بين الحجون، وبئر ميمون بن الحضرمي، وصلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بوصيّة منه، وكان يوم توفي ابن أربع وستين سنة،

стр. 1689

وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وأياما، وحجّ بالناس في تلك السنة إبراهيم بن يحيى بن محمّد. وقال بعضهم: مات وله ثمان وستون سنة، وأثبت ماروي في عمره أربع وستون سنة. وقال الحسن بن علي الحرمازي، وهو مولى لقريش، غير أنه كان ينزل في بني الحرّماز، قال سلم الخاسر يرثي المنصور، وإنما قيل له الخاسر، لأن أباه كان تاجرا فمات وترك مالا فأنفقه في طلب العلم وابتياع الدفاتر فقيل هو خاسر: أين ربّ الزوراء إذ سوّغته المل … لك عشرين حجة واثنتان قال: وقال آخر. قفل الحجيج وخلّفوا ابن محمّد … رهنا بمكة في الضريح الملحد شهدوا المناسك كلها وإمامهم … تحت الصفائح محرم لم يشهد وأنشدني غير الحرمازي: لقي الله محرما وشهيدا … فهنيئا له هنيئا مريئا وأنشدت لبعضهم: ببئر ميمون ثوى قراره … في ملحد اسلمه انصاره

стр. 1690

خلافة المهدي بن المنصور فولد أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين، وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله، محمدا المهدي أمير المؤمنين، ويكنى أبا عبد الله، وأمّه أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن شهر بن يزيد بن مثوّب بن الحارث بن شمر ذي الجناح الحميري، ولي الخلافة في سنة ثمان وخمسين ومائة، وفي ذي الحجة، وكانت خلافته عشر سنين وشهرين وأياما، وكان من أسخى الناس وأجملهم وتوفي بماسبذان (١) في سنة تسع وستين ومائة، ودفن بها، وصلى عليه ابنه هارون الرشيد أمير المؤمنين، وكان معه بماسبذان. وفي المهدي يقول الشاعر: أكرم بقرم أمين الله والده … وأمّه أم موسى بنت منصور وجعفر بن المنصور وهو الأكبر، ويكنى أبا الفضل، وأمه أم موسى أيضا، ولاه أبوه الموصل وأعمالها والجزيرة وتوفي ببغداد. فولد جعفر بن أبي جعفر عيسى بن جعفر، وجعفر بن جعفر، وزبيدة بنت جعفر. فأمّا عيسى بن جعفر فولي للرشيد أعمال البصرة، وكور

стр. 1691

دجلة، والأهواز، واليمامة، والبحرين، والسند، وكان أليف الرشيد وأنيسه وعديله إذا ركب جملا أو بغلا عليه قبّة، وكان جسيما، فإذا ركب مع الرشيد ثقّلت ناحية الرشيد بحجر أو بمثقلات رصاص. وأمّا جعفر بن جعفر فقد ولي البصرة للرشيد وولايات، وهو صاحب الدار التي ببغداد عند الباب المعروف بباب النّقب وهي مطلّة على دجلة. وأمّا زبيدة وهي أم جعفر، فتزوجها الرشيد، فولدت له محمد الأمين قتل ببغداد وهو خليفة، ثم ولي أمير المؤمنين المأمون بعده. وأنشدني أبو الأحوص المؤدب في الرشيد. أبو أمين ومأمون ومؤتمن … أكرم به والدا برّا وبالولد والمؤتمن وهو القاسم بن الرشيد، كان الثالث في ولاية العهد بعد محمد وعبد الله المأمون، فتوفي في خلافة المأمون، وكان محمد بن زياد الأعرابي مؤدبا لهارون ابنه. وإبراهيم بن أبي جعفر المنصور وأمه الحميرية أيضا، توفي بالهاشمية ولا عقب له. وسليمان بن أبي جعفر المنصور. ويكنى أبا أيوب ولي الموسم للرشيد، وولي البصرة والجزيرة والشام، وأمه فاطمة من ولد طلحة بن عبيد الله التيمي، صاحب رسول الله ﷺ . وحدّثني من أثق به أن اسحاق بن سماعة المعيطي قال قصيدة طويلة يفخر ببني أميّة وبظفر معاوية وبيوم الحرة، وقال، وقد غزا الرشيد الروم وخلّف بالرافقة ابنه المأمون ومعه سليمان بن أبي جعفر، شعرا وهو: يا طالبا من بني العباس فرصته … في الأمر دونكها إن كنت يقظانا

стр. 1692

أما ترى الرقة البيضاء شاغرة … إلا شراذم شذاذا وخصيانا ما ترتجي بعد هذا اليوم لا ظفرت … [كفاك] (١) إن لم تنلها من سليمانا لا عيب بالمرء الا انّه رجل … يحكي الخرائد تانيثا وتليانا فبلغت الأبيات سليمان فحبسه وحلقه وضربه، فتكلم فيه سعيد الجوهري فخلى سبيله، ثم كلم المأمون فأذن له في حبسه فحبسه فقال في الحبس: تعفو الكلوم وينبت الشعر … ولكل وارد منهل صدر والعار في أبواب منبطح … لعبيده ما أورق الشجر وقال أيضا: قل لسليمان على ما أرى … من طول حبسي واقتراب الأجل حبستني في غير جرم سوى … حكايتي عنك مقال الخطل قولك ما أعرف من لذة … لم أشف منها النفس الا الحبل ومات في الحبس، وله شعر يهجو به البرامكة، ويقول في يحيى بن خالد: يتبع الزنديق يحيى وابنه … إنه للغي قدما متّبع ويعقوب بن أبي جعفر، وأمّه فاطمة أيضا وله عقب، وقد حج بالناس سنة اثنتين وسبعين، سقط عن فرسه فاندقّت عنقه. وعيسى بن أبي جعفر، وأمّه فاطمة. وصالح بن أبي جعفر، وأمه أم ولد، وكان يسميه صالحا المسكين لرقّته عليه، ويقول: ما أشبع لصالح من حال ولا برّ، ويقول: ادعوا ابني المسكين،

стр. 1693

ويقول لقوّاده: برّوه، فكانت الأموال تهدى إليه، وقد ولي صالح بن أبي جعفر الموسم سنة خمس وستين ومائة للمهدي. والقاسم بن أبي جعفر توفي في خلافة أخيه المهدي، وثب من قبّة إلى قبّة فسقط بينهما فمات، وأمه أم ولد. وعبد العزيز بن أبي جعفر درج؛ والعباس درج وأمهما أم ولد. وعلي بن أبي جعفر، وأمه أم علي من أهل وادي القرى مات ابن سبع سنين. وجعفر الأصغر وهو ابن الكرديّة، واسم الكردية صغيرة. والعالية وأمها من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، تزوجها اسحاق بن عيسى بن علي. وعبيدة، توفيت في حياة أبيها. وفاطمة، زوّجها المنصور يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس بن عبد المطلب. وولد لأمير المؤمنين المهدي موسى، ويكنى أبا محمد، وهو الهادي، وهارون ويكنى أبا جعفر وهو الرشيد، والبانوقة، أمهم الخيزران جرشيّة ويقال الخيزرانة، وعيسى، وهي أمّه أيضا، وإليه نسبت عيساباذ ببغداد. وعيسى وعبيد الله، أمهما ريطة بنت أبي العباس. ومنصور بن المهدي، وأمه ابنة الأصبهبذ صاحب طبرستان وتسمى البخترية، وقيل إنها ولدت للمهدي أيضا العالية. وسليمة وهي اسماء. والعباسة بنت المهدي لأم ولد. ويعقوب واسحاق لأم ولد. وابراهيم لأم ولد اسمها شكلة وهي من سبي دنباوند. فأما موسى فولي الخلافة سنة تسع وستين ومائة، وكان يوم وليها ابن خمس وعشرين سنة، وأتاه خبر وفاة المهدي وهو بجرجان، فقدم الرشيد من ماسبذان مسرعا إلى بغداد فضبط الأمور هو والربيع الحاجب، إلى أن قدم

стр. 1694

الهادي. وكان المهدي حين شخص إلى ما سبذان استخلف الربيع على بغداد. وتوفي موسى بعيساباذ من بغداد وصلى عليه الرشيد، فكانت خلافته سنة وشهرين، وفيه يقول الشاعر: لما أتت خير بني هاشم … خلافة الله بجرجان شمّر بالحزم سرابيله … تشمير لا غمر ولا وان وأمّا هارون، فولي الخلافة في سنة سبعين ومائة، ومات بطوس (١) من خراسان في سنة ثلاث وتسعين ومائة وهو ابن خمس وأربعين سنة. وقال أبو مسعود الكوفي: ولي هارون الرشيد الخلافة وله ثلاث وعشرون سنة، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وتوفي ابن ست وأربعين. وأما البانوقة فتوفيت صغيرة. وأما علي بن المهدي فحج بالناس غير مرة ومات ببغداد، والقصر الذي يعرف بقصر ابن ريطة بقرب سوق يحيى نسب إليه، وولي البصرة. وأما عيسى فمات صغيرا. وأما عبيد الله بن المهدي فولى أرمينية وولي الجزيرة. وأما منصور بن المهدي فولي فلسطين وغيرها وحجّ بالناس وولي البصرة، ومال الناس إليه في أيام فتنة محمّد الأمين بن الرشيد ببغداد، فأبى أن يدخل فيها أو في شيء من أمرهم. وأما ابراهيم ابن المهدي فإن ابنه هبة الله حدّثني أن محيّاة الطائفيّة أم ولد المنصور كانت بعثت بشكلة أم ابراهيم إلى الطائف فنشأت هناك ففصحت وقالت الشعر، وأنشدني لها شعرا في أخ كان له يقال له أحمد وهو:

стр. 1695

أحمد يفديه شباب فهر … من كلّ ما ريب وأمر نكر قد جاء مثل الشمس غبّ قطر … في حسن بدر واعتدال صقر بنيّ احشاي وذخر ذخري … شدّ الهي بأخيك ظهري وزاده ربّ العلى من عمري … وذبّ عنه من مخوف الدهر وعنك ما أدري وما لا أدري وكان ابراهيم شاعرا عالما بالغناء، بايعه أهل بغداد بعد قتل محمد بن الرشيد، فلما ظهر قوّاد أمير المؤمنين المأمون وأصحابه، وعلا أمرهم استخفى فمكث حينا مستخفيا، ثم خرج من موضع إلى موضع، فأنكر أمره، وأخذ فعفا المأمون عنه، فقال فيه شعرا كثيرا، منه قوله: رددت مالي ولم تبخل عليّ به … وقبل ردّك مالي ما حقنت دمي ففزت منك وما استحققتها بيد … هي الحياتان من موت ومن عدم ومن قوله: فلو وزنت بحلمك هضب رضوى … لخف بحلمك الجبل الصلود مننت ولو تشاء إذا أسالت … يداك دمي وقد قطع الوريد وقوله بعد أبيات: وعفوت عمن لم يكن عن مثله … عفو ولم يشفع إليك بشافع الا العلوّ عن العقوبة بعد ما … ظفرت يداك بمستكين خاضع ورحمت أولادا كافراخ القطا … وعويل باكية كقوس النازع وأما العباسة بنت المهدي فزوجها الرشيد من هارون بن محمد بن سليمان فمات عنها فزوّجها بعده من ابراهيم بن صالح بن علي.

стр. 1696

وأما موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس فغزا مع أبيه فتوفي ببلاد الرّوم، وولد له عيسى بن موسى، ولاه أمير المؤمنين أبو العباس عهده وكان من خبره ماقد ذكرناه، وولي داود بن عيسى المدينة ومكة، فأقام بمكة فكتب إليه يحيى بن هشام: ألا قل لداود ذي المكرمات … والعدل في بلد المصطفى أقمت بمكة مستوطنا … فهاجر لهجرة من قد مضى وقد ولي ابنه موسى بن عيسى، وأمّه بنت ابراهيم بن محمّد، ويكنى أبا عيسى، المدينة للرشيد، وولي الكوفة وسوادها للمهدي، وموسى، والرشيد، وولي أرمينية لهارون الرشيد، وولي الموسم للرشيد، وولي مصر للرشيد. وولي أيضا أحمد بن موسى بن عيسى اليمامة للرشيد. ومدح ابن هرمة عيسى بن موسى بالأبيات التي يقول فيها: أتتك الرواحل والملجما … ت بعيسى بن موسى فلا تعجل

стр. 1697

وقال لي الناس إن الحباء … أتاك مع الملك المقبل فدونكها يابن ساقي الحجيج … فإني بها عنك لم أبخل أبوك الوصيّ وأنت ابنه … وصيّ نبيّ الهدى المرسل (١) وكان عيسى إذا حجّ حجّ ناس يتعرضون لمعروفه فيصلهم ويعطيهم، فقال أبو الشدائد الفزاري: عصابة إن حجّ عيسى حجّوا … وإن اقام بالعراق دجّوا قد نالهم نائله فلجّوا … فالقوم قوم حجّهم معوّج ما هكذا كان يكون الحج فقيل له: أتهجو الحاجّ؟ فقال: اني وربّ الكعبة المبنيّة … والله ما هجوت من ذي نيّه ولا امرئ ذي رعة تقيه … لكنني أبقي على البريّه من عصبة أغلوا على الرعية … اسعار ذي مشي وذي مطيّه

стр. 1698

وأما يحيى بن محمد ابن علي بن عبد الله فإن أمير المؤمنين أبا العباس ولاه الموصل، فجرد في أهلها السيف، وهدم حائطا كان عليها. وكان أهل الموصل أصناف: خوارج، ولصوصا، وتجارا، فنادى منادي يحيى: الصّلاة جامعة. فاجتمع الناس فأمر بقتلهم جميعا وفيهم تجار؛ وكان العامل على الموصل قبله محمد بن صول ثم صار خليفته. وقد كان ابن صول يقتل وجوه أهل الموصل ليلا ويلقيهم في دجلة، فلما ولي يحيى أمره بمكاشفتهم، وكانت ولايته في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وكان أهل الموصل لشرارتهم يسمون خزر العرب. وولّى المنصور يحيى فارس. وحدثني معافى بن طاووس الموصلي قال: هرب رجل من أهل الموصل من يحيى بن محمّد فدخل غارا ومعه ابن له، فبعث ابنه ذات يوم ليتعرف له الخبر فعرفه ثم انصرف، فدلّى رجليه ليدخل الغار، وذهب عن الرجل أنه ابنه وظن أنه رجل جاء ليأخذه فضربه بالسيف فقطع رجله فنزف حتى مات، فذهب عقل الرجل. قال المعافى، قال أبي: فأنا رأيته بعد ذلك بحين

стр. 1699

يجلس فيفكّر ثم يسقط فيبكي على ابنه. وحدثني أبو موسى الفروي عن أبي الفضل الأنصاري قال: كان يحيى ابن محمّد عجولا قليل الرويّة فيما يصنع، وكان أهل الموصل يسمونه الحتف.

стр. 1700

وأما العباس بن محمد ابن علي فهو صاحب العباسيّة ببغداد، ولاه المنصور الجزيرة وأعمالا سواها ومات ببغداد، وكان يكنى أبا الفضل، وكان الأعراب قد كثروا ببغداد في حطمة فأجرى العباس على بعضهم خبزا كان يفرق فيهم، فقال شاعرهم حين قطع ذلك عنهم. إن يقطع العباس عني رغيفه … فما فاتني من نعمة الله أكثر وفيه يقول سعيد بن سلم المساحقي: ألا قل لعباس على نأي داره … عليك السّلام من أخ لك حامد أتاني ولمّا ينس ما كان بينه … وبيني من ود فكنت كشاهد في أبيات. وقد حج عبيد الله بن العباس بالناس، وولي الفضل بن العباس مكة للرشيد، وحج بالناس.

стр. 1701

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أمر ضرار بن عبد المطلب: وأما ضرار بن عبد المطلب أخو العباس لأمه، فإنه لم يولد له ولم يتزوج ومات قبل الاسلام وهو حدّث. وقال الكلبي: كان يكنى أبا عمرو. وذكر بعضهم أنه كان أسن من العباس بسبع سنين. وقال أبو اليقظان: كان ضرار يقول الشعر ولا عقب له. وأما حمزة بن عبد المطلب: فيكنى ابا يعلى وأبا عمارة وهو أسد الله وأسد رسوله، وامه هالة بنت أهيب الزهري. وروي أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده انه لمكتوب في السماء حمزة بن عبد المطلب اسد الله وأسد رسوله». وقال الكلبي: كان لحمزة بن عبد المطلب من الولد يعلى وبكر وعامر درج، وأمهم بنت الملّة بن مالك من الأوس. وقال غير الكلبي هي من بني سليم. وعمارة بن حمزة وأمه خولة بنت قيس بن قهد من الأنصار من بني

стр. 1702

النجار. وأمامة بنت حمزة، وأمها سلمى بنت عميس الخثعمية. قال: وكان ليعلى بن حمزة أولاد وهم: عمارة، ويعلى، والفضل، والزبير، وعقيل، ومحمد، درجوا فلم يبق لهم عقب. وقال هشام الكلبي: زوّج النبي ﷺ أمامة بنت حمزة، سلمة ابن أم سلمة زوجته، وأبو سلمة بن عبد الأسد، فهلك قبل أن يجتمعا، وأخوا امامة لأمها: عبد الله، وعبد الرحمن ابنا شداد بن الهاد الكناني. وقال الواقدي: كانت ابنة حمزة بمكة، فقال علي لرسول الله ﷺ في عمرة القضاء: علام نترك ابنة عمنا حمزة يتيمة بين ظهراني المشركين، فأخرجها فتكلم فيها زيد بن حارثة فقال: أنا أحق بها لأني وصي أبيها، وقال علي: أنا أحق بها هي ابنة عمي وأنا اخرجتها، وقال جعفر بن أبي طالب: أنا أحق بأن تكون عندي، هي ابنة عمي، وخالتها عندي، فقال رسول الله ﷺ : «الخالة والدة»، وقضى بها لجعفر. وبعض الرواة يقول ان اسم بنت حمزة أمة الله، وبعضهم يقول أم أبيها، وقال بعضهم اسمها عمارة، والثبت أن اسمها أمامة. وحدثني حفص بن عمر العمري، حدثني اسحاق بن عيسى بن علي عن أبيه عن جده، أن عمارة بن حمزة قدم العراق مع المسلمين فجاهد وقتل دهقانا ثم انصرف فتوفي. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن يونس بن يزيد الايلي عن الزهري، قال: زوّج رسول الله ﷺ أمامة بنت حمزة من سلمة بن أبي سلمة، فلم يضمّها إليه، وذلك أنه أصابه خبل وإكسال، ومات في أيام عبد الملك بن

стр. 1703

مروان، وكان عمر أخوه أسن منه، فتزوج أمامة ومات أيضا في أيام عبد الملك. قالوا: وكان اسلام حمزة ﵇ غضبا لرسول الله ﷺ ، وذلك أن أبا جهل بن هشام آذى رسول الله ﷺ وأسمعه وشتمه، فأخبرت حمزة بذلك مولاة لابن جدعان التيمي، ويقال سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلب، وقد انصرف من قنصه، وكان صاحب صيد، فقصد إلى أبي جهل فضربه بقوسه فشجه وقال: اتشتم ابن أخي وتضيمه وأنا على دينه، وشهد بشهادة الحق. وقال الواقدي: نال أبو جهل وابن الأصدا الهذلي، وابن الحمراء ذات يوم من رسول الله ﷺ وآذوه، فبلغ ذلك حمزة، فدخل المسجد مغضبا فضرب رأس أبي جهل بقوسه ضربة أوضحت في رأسه، ثم أسلم، فعزّ به رسول الله ﷺ وذلك بعد دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم، وفيها جدد البيعة على حمزة وعلى أخته صفية بنت عبد المطلب، وكان أسلم قبلها، وكان حمزة أسنّ من النبي ﷺ بنحو من أربع سنين. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده عن أبي صالح قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي أن يعضدني بأحب عمومتي إليه، فعضدني بحمزة والعباس». وروي أن النبي ﷺ قال: «إن الله أكرمني باسلام خيار أهل بيتي، فيميني حمزة، وشمالي جعفر». وحدثني علي بن محمد المدائني قال: بلغني أن هالة بنت أهيب كانت تقول، وهي تعني حمزة: والله ما حملته وضعا ولا وضعته يتنا، ولا أرضعته غيلا، ولا أنمته على مأقة، وقد روي هذا القول عن أم تأبط شرا الفهمي. الوضع

стр. 1704

والتّضع جميعا ان تحمله على استقبال الحيض، واليتن أن تخرج رجلاه قبل رأسه، والغيل: أن تسقيه لبنها وهي حامل، والمأقة البكاء. وقال الواقدي: لما هاجر حمزة نزل مع رسول الله ﷺ على مكتوم بن الهدم، ويقال على سعد بن خيثمة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة مولاه، وإليه أوصى يوم أحد عند القتال. وكان أول لواء عقده رسول الله ﷺ لواء حمزة. ويقال كان لواؤه ثانيا. وكان حمزة يوم بدر معلما بريشة نعامة، ويقال بصوفة بيضاء في صدره، وبارز يومئذ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال حمزة: أنا أسد الله ورسوله، فقال عتبة: أنا أسد الحلفاء، فقتله حمزة. وبارز علي ﵇، الوليد بن عتبة بن ربيعة فقتله، وبارز عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، شيبة بن ربيعة فاختلفا ضربتين فارتثّ عبيدة وكرّ حمزة وعلي جميعا على شيبة فأجهزا عليه وتخلصا عبيدة فمات بالصفراء (١)، وقال بعضهم ان الذي بارز حمزة شيبة وان المبارز لعبيدة عتبة، وقتل حمزة وعلي يومئذ حنظلة بن أبي سفيان بن حرب وغيره، ونكيا في العدو نكاية شديدة، فقالت قريش: ما فعل الأفاعيل إلا أخو صفية وابنها وابن أخيها يعنون: حمزة، والزبير، وعلي بن أبي طالب ﵃. وروى محمد بن اسحاق أن حمزة قتل يوم بدر: الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وطعيمة بن عدي النوفلي بأمر النبي ﷺ بين يدي النبي ﷺ صبرا (٢). علي بن محمد المدائني عن أشياخه قالوا: انصرف حمزة يوم بدر، ولعلي

стр. 1705

شارف، فنظر حمزة إليها وهو يشرب وذلك قبل تحريم الخمر وقينة تغنيهم، فقالت القينة: الا يا حمز للشّرف النواء … وهن معقّلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها … فضرجهن حمزة بالدماء وعجّل من أطايبها لشرب … كرام من طبيخ أو شواء فقام حمزة إلى الشارف فنحرها وجبّ سنامها، فشكا علي ذلك إلى رسول الله ﷺ وبكى، فقال حمزة: لقد أنكرت غير منكر، ومتى لم أكن لك سيّدا!. قالوا: وحمل حمزة لواء رسول الله ﷺ في غزاة بني قينقاع ولم تكن الرايات يومئذ، وكان اللواء ابيض. وحدثني عبد الله بن أبي أميّة عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: قال أمية بن خلف الجمحي لعبد الرحمن بن عوف يوم بدر: يا عبد الإله من المعلم بريش نعامة في صدره؟ قال: ذلك حمزة عم رسول الله ﷺ ، فقال: ذاك الذي فعل الأفاعيل. قالوا: وبارز حمزة يوم أحد أبا نيار سباع بن عبد العزى بن نضلة بن عمرو بن غبشان الخزاعي، وكانت أمه قابلة بمكة، فقال له حمزة: هلمّ إليّ يابن قطّاعة البظور، فقتله حمزة وأكبّ ليأخذ درعه فزرقه وحشي فقتله. وقال الكلبي والواقدي: أم انمار بنت سباع هذا هي مولاة خباب بن الأرت. واستشهد حمزة ﵁ يوم أحد على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة، وهو ابن تسع وخمسين سنة؛ وكان رجلا ربعة ليس بالطويل

стр. 1706

ولا القصير، قتله وحشي بن حرب الأسود عبد جبير بن مطعم؛ وذلك أن جبيرا ضمن له إن أصاب رسول الله ﷺ أو حمزة أو عليا أن يعتقه، ويقال إنه كان مولاه ولم يكن عنده فجعل له جعلا، ويقال إنه كان عبدا لطعيمة بن عدي. وروي أن وحشيا كان عبدا لابنة الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان أبوها قتل يوم بدر فقالت له: إن قتلت أحد هؤلاء الثلاثة فأنت عتيق، فلما قتل حمزة عتق. ويقال إن هندا بنت عتبه أم (١) معاوية قالت لوحشي: إن قتلت حمزة أو عليا فلك حكمك، فلما قتل حمزة أعطته سلبها وما كان عليها من حلى، وزادته على ذلك، وكانت في رجليها خواتيم فدفعتها إليه. وروي أيضا ان حمزة لما قتل سباعا وأكبّ ليأخذ درعه سقط في جرف فرماه وحشي بمزراقه فوقع في ثنّته (٢) حتى خرج من بين رجليه فقتله، ثم شقّ بطنه وأخرج كبده فجاء بها إلى هند فمضغتها ثم لفظتها، وجاءت فمثلت به واتخذت مما قطعت منه مسكتين (٣) ومعضدين وخدمتين (٤) فقدمت بذلك وبكبده إلى مكة، فسميت آكلة الاكباد. وعمد معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن امية إلى حمزة فجدع أنفه فقتل على أحد بعد انصراف قريش، وليس له عقب إلا عائشة بنت معاوية أم عبد الملك بن مروان.

стр. 1707

قالوا: وفقد رسول الله ﷺ حمزة، فقال للحارث بن الصمة الانصاري: «ألا تعلم لي علم عمي حمزة»، فمر به مقتولا فكره أن يخبر النبي ﷺ بذلك، فقال لعلي: «ألا تعلم لي علم حمزة»، فمرّ به مقتولا فكره أن يخبر النبي ﷺ بذلك، فقال لسهل بن حنيف الأنصاري: «ألا تعلم لي علم حمزة»، فلقي عليا والحارث بن الصمة فأخبراه بخبر حمزة فأقام معهما. ثم قال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: «ائتني بخبر حمزة»، فلم يجد بدا من أن يأتيه به فأخبره بمصابه فدمعت عينا رسول الله ﷺ وقال: «لا أصاب بمثله فعند الله أحتسبه». وتصفح رسول الله ﷺ القتلى فوجده في بطن الوادي قد مثّل به فبكى، وقال: «لولا أن أغمّ صفية أو تكون سنّة بعدي ان لا يدفن القتلى لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع، ولئن اظهرني الله عليهم لأمثّلنّ بقتلاهم»، فانزل الله: ﴿وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (١) فقال ﷺ : «بل نصبر». وقال الواقدي في روايته: وجاءت صفية وكانت أخته لأمه وأبيه تسأل عن خبر رسول الله ﷺ ، وخبر حمزة فقالت لعلي: كيف رسول الله ﷺ ؟ فقال: سالم صالح، فسألته عن حمزة فلم يبين لها شيئا من خبره فجعلت تطلبه وقد تزاحمت الأنصار عليه فلم تره، فأمر رسول الله ﷺ ابنها الزبير بن العوام فردها فانصرفت. وكفن رسول الله ﷺ حمزة في بردة قصرت عنه، فغطى وجهه، وجعل الحرمل (٢) على رجليه. حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا حاتم بن اسماعيل، حدثنا

стр. 1708

أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، قال: أتى رسول الله ﷺ على حمزة يوم أحد فوقف عليه فرآه قد مثّل به فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته تأكله الطير العافية حتى يحشر من بطونها، ثم دعا بنمرة فكفنه فيها فكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه وإذا مدت على رجليه بدا رأسه. قال: وكثرت القتلى وقلت الثياب، فكفّن الرجلان والثلاثة في ثوب واحد، ودفنوا في قبر واحد جميعا، وجعل رسول الله ﷺ يسأل عنهم أيّهم أكثر قرآنا فيقدمه إلى اللحد، ودفنهم رسول الله ﷺ ولم يصلّ عليهم. وحدثنا اسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا أبو الوليد سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عروة، قال: أخبرني الزبير أنه لما كان يوم أحد اقبلت امرأة تسعى حتى كادت تشرف على القتلى، قال: فكره النبي ﷺ أن تراهم فقال: المرأة المرأة! قال الزبير: فتوسمت فإذا هي أمي صفية بنت عبد المطلب، فخرجت أسعى إليها فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى قال: فلدمت (١) في صدري، وكانت امرأة جلدة وقالت: إليك لا أرض لك، قال فقلت: إن رسول الله ﷺ عزم عليك، قال: فوقفت وأخرجت ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما، قال: فجئت بالثوبين ليكفن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قد فعل به كما فعل بحمزة فوجدنا غضاضة وحياء أن يكفن حمزة في ثوبين والأنصاري بلا كفن فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر فاقترعنا بينهما فكفنّا كل واحد في الثوب الذي طار له.

стр. 1709

قالوا: ودفن حمزة وعبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي، وأمه أميمة بنت عبد المطلب، وهو أخو زينب بنت جحش في قبر واحد. وكان حمزة أول من صلى عليه النبي ﷺ من الشهداء يومئذ، ثم جعل يؤتى بشهيد بعد شهيد فيوضع إلى جنب حمزة فيصلّي عليه النبي ﷺ ، وعلى الشهيد حتى صلى على حمزة سبعين مرة، ونزل في قبره: أبو بكر، وعمر، وعلي، والزبير، وكان رسول الله ﷺ على شفير القبر وقال: لقد رأيت الملائكة غسلت حمزة. قالوا: وانصرف رسول الله ﷺ من أحد فسمع بكاء النساء على قتلاهن فقال: «لكن حمزة لا بواكي له»، فجمع سعد بن معاذ نساء بني عبد الأشهل بن الأوس إلى باب رسول الله ﷺ فبكين على حمزة، حتى سمع رسول الله ﷺ بكاءهن فقال: «قد آسيتن وأحسنتنّ»، ودعا لهن وردهن، فليس تبكي امرأة من الأنصار مذ ذاك ميتها حتى تبدأ بالبكاء على حمزة، ثم تتبع ذلك بالبكاء على ميتها. حدثني عبد الله بن صالح قال: حدّثت عن عبد الجبار بن الورد عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: لما أراد معاوية أن يجري عينه التي بأحد كتبوا إليه: إنا لا نستطيع أن نجريها إلاّ على قبور الشهداء، فكتب: انبشوهم، قال: فرأيتهم يحملون على أعناق الرجال كأنهم قوم نيام، وأصابت المسحاة طرف رجل حمزة فانبعثت دما. وحدثني عبد الواحد بن غياث، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن معاوية بن أبي سفيان أمر بكظامة (١) تصنع له، فمرت

стр. 1710

بقتلى أحد فاستخرجوا من قبورهم رطابا تنثني أطرافهم بعد أربعين سنة. وحدثني عبد الواحد بن غياث، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو الزبير عن جابر وعمرو بن دينار ان المسحاة أصابت قدم حمزة فدميت بعد أربعين سنة. قال كعب بن مالك الانصاري يرثي حمزة بن عبد المطلب ﵁: ولقد هددت لفقد حمزة هدّة … ظلّت بنات القلب منها ترعد ولو انه فجع الجبال بمثله … ظلت رواسي صخرها تتهدّد قرم تمكّن في ذؤابة هاشم … حيث النبوة والتّقى والسؤدد التارك القرن الكمّي مجدّلا … يوم الكريهة والقنا يتقصّد وتراه يرفل في الحديد كأنه … ذو لبدة شثن البراثن أربد عم النبي محمد وصفيّة … ورد الحمام فطاب ذاك المورد وأتى المدينة معلما في أسرة … نصروا الإله وحقّه فاستشهدوا ولقد أتاني أنّ هندا بشّرت … لتميت عاجل غصّة لا تبرد مما صبحنا بالعقنقل (١) … قومها يوما تغيّب فيه عنها الأسعد (٢) وقال أيضا: صفيّة قومي ولا تعجزي … وبكّي النساء على حمزة ولا تسأمي أن تطيلي البكاء … على أسد الله في الهزّة (٣)

стр. 1711

فقد كان ركنا لنا راسيا … وليث الملاحم في البزّة (١) يريد بذاك رضى أحمد … ورضوان ذي العرش والعزّة (٢) وقال حسان ويقال كعب بن مالك: بكت عيني وحقّ لها بكاها … وما يغني البكاء ولا العويل على أسد الإله غداة قالوا … أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا … هناك وقد أصيب به الرسول (٣) في أبيات. وحدثني المدائني عن الوقاصي عن الزهري، قال: كان حمزة معلما يوم أحد بريشه نسر، فنظر إليه صفوان بن أمية وهو يهدّ الناس هدّا فقال: من هذا؟ قالوا: حمزه بن عبد المطلب، فقال: ما رأيت كاليوم رجلا أسرع في قومه. حدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح عن الواقدي عن أبي بكر بن أبي سبرة عن الحسن بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله ﷺ بقتل وحشي قاتل حمزة فيمن أمر بقتله من ابن خطل وغيره، فهرب إلى الطائف، فلم يزل مقيما هناك حتى قدم في وفد أهل الطائف فدخل على رسول الله ﷺ وهو يقول أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال ﷺ : وحشي؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: حدثني كيف قتلت حمزة؟ فأخبره فقال رسول الله ﷺ : «غيّب

стр. 1712

عني وجهك قاتلك الله» (١). قال وحشي: فكنت اذا رأيته تواريت، ثم خرج الناس إلى مسيلمة الكذاب وخرجت معهم فزرقته بالحربة، وضربه رجل من الأنصار فربّك أعلم أيّنا قتله. وحدثني الوليد ومحمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون عن الزهري عن عروة عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: غزونا الشام في زمن عثمان، فمررنا بحمص فقلنا: وحشي، قالوا: لا تقدرون عليه هو الآن يشرب الخمر حتى يصبح، فبتنا من أجله ونحن ثمانون رجلا، فلما صلينا الصبح أتيناه فقلنا له: حدثنا عن قتلك حمزة، فكره ذلك فألححنا عليه، فقال: كنت عبدا لمطعم بن عدي فورثني جبير بن مطعم، فلما خرج إلى أحد دعاني فقال: قد رأيت مقتل عمي طعيمة بن عدي قتله حمزة بين يدي محمد، فإن قتلته فأنت حر، ومررت بهند عتبة فقالت: ايه أبا دسمة اشتف واشف. فلما وردنا أحد رأيت حمزة يقدم الناس ويهدّهم هدّا، فكمنت له خلف شجرة ومعي مزراقي، وعرض له سباع الخزاعي - وكانت أمه ختّانة بمكة وهي مولاة لشريق بن عمرو الثقفي - فقتله. وأزرقه زرقة وقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه فقتلته، وأمرّ بهند فأعطتني حليها وثيابها، وأما مسيلمة فاني زرقته وضربه رجل من الأنصار فالله أعلم أينا قتله، إلا أني سمعت امرأة تصيح: قتله العبد الحبشي. قال عبيد الله: فقلت اتعرفني؟ فأكرّ بصره ينظر إليّ ثم قال: ابن عدي لعاتكة بنت أبي العيص؟

стр. 1713

قلت: نعم، قال: أما والله ما لي بك عهد بعد أن رأيتك في محفتك التي أرضعتك فيها فعرفت قدميك. وقال عبد الله بن جعفر: بلغني أن هندا أعطته خدمتين من جزع ظفار، كانتا في رجليها، ومسكتين من ورق وخواتيم من ورق. حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا أبو داود صاحب الطيالسة، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي عن سليمان بن يسار عن عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل قال: أقبلنا من الروم فلما كنا بحمص قلنا: نأتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة، فانطلقنا فرأينا رجلا فسألناه عنه فقال: هو رجل قد غلب عليه شرب الخمر فإن أنتم أدركتموه شاربا فلا تسألوه عن شيء، وإن وجدتموه صاحيا فسيخبركم عما تسألونه عنه. فمضينا نريده فاذا هو قاعد على بابه، فلما رفعنا له نظر فقال: ابن الخيار؟ قلت: نعم، قال: والله ما رأيتك مذ ولدتك أمك بذي طوى، فإني حملتك إليها فلما رفعت لي قدماك عرفتهما. فقلت: جئنا نسألك عن قتلك حمزة. فقال: سأحدثكم كما حدثت رسول الله ﷺ حين سألني؛ إني كنت غلاما عبدا لآل مطعم بن عدي فقال لي ابنه: إن قتلت عمّ محمد بعمّي فأنت عتيق. فخرجت وما لي حاجة إلاّ قتل حمزة، فأخذت حربتي وأنا من الحبشة ألعب بالحربة لعبهم وذلك يوم أحد، فنظرت إلى حمزة وهو مثل البعير الأورق، وما يرفع له أحد إلا قمعه بالسيف فهبته هيبة شديدة، ونظرت كيف أصنع، فبدرني إليه سباع فلما رآه حمزة قال: هلمّ إليّ يا بن مقطّعة البظور - وكانت أمه ختّانة - فدنا منه فضربه ضربة بالسيف ففرغ منه، فهبته وفرقته فاستترت بشجرة وأملت حربتي حتى

стр. 1714

إذا رضيت موقعها أرسلتها فوقعت بين ثندوتيه، فذهب ليقوم فلم يستطع، ثم أخذت الحربة وجلست فما قاتلت أحدا قبل ولا بعد ولا قتلته، فلما قدمت مكة عتقت. وقال الكلبي: قتل وحشي حمزة وشرك في قتل مسيلمة فكان يقول: قتلت خير الناس وشر الناس. قال: وقالت صفية بنت عبد المطلب: أشرفت من الأطم فرأيت رجلا زرق أخي بمزراق فقلت: أو من سلاحهم المزاريق؟ ولم أدر أنه إنما وقع بأخي حمزة. وحدثني محمد بن حاتم بن ميمون وعمرو بن محمد قالا: حدثنا ابن نمير - زياد بن المنذر عن أبي جعفر قال: كانت فاطمة تأتي قبر حمزة فترمّه وتصلحه. وحدثني مظفر بن المرجّى عن ابن أبي فديك عن أبي حميد عن ابن المنكدر قال: لما ناح نساء الأنصار على حمزة قام النبي ﷺ يتسمّع ثم انصرف، فقام على المنبر من الغد ينهى عن النياحة كأشدّ ما نهى عن شيء قط وقال: كل نادبة كاذبة إلا نادبة حمزة.

стр. 1715

وأما المقوم بن عبد المطلب: وهو أخو حمزة لأمه، فكان يكنى أبا بكر، ومات عبد المطلب وهو ابن خمس عشرة سنة، ومات هو قبل المبعث بست سنين. وكان للمقوم ابنة تزوجها عمرو بن محصن أحد بني مبذول بن مالك بن النجار من الخزرج يقال لها هند، فولدت له بشيرا، وهو أبو عمرة بن محصن قتل مع علي يوم صفين. وكانت عند مسعود بن معتب الثقفي فاختة بنت المقوم، ثم خلف عليها معتب بن أبي لهب، ثم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وفاخته لقب، وكانت تكنى أم عمرو. وكانت عند أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أروى بنت المقوم فلها منه بنات. وأم ولد المقوم بنت عمرو بن جعونة بن عربة من بني سهم.

стр. 1716

وأما حجل (١) بن عبد المطلب: وهو أخو حمزة أيضا لأمه، فكان اسمه المغيرة، والحجل لقب، وهو اليعسوب (٢)، وكان أصغر من المقوم بسنة مات بعد المقوم بسنة فاستكمل عمره، قال ابن الأعرابي: أخبرني بذلك المسيبي. قال: وكان لحجل ابن يقال به قرّة بن حجل، وبه كان يكنى، وهو القائل: اذكر ضرارا إن عددت فتى ندى … والصتم (٣) حجلا والفتيّ الرآسا واذكر زبيرا والمقوّم بعده … والليث حمزة واذكر العباسا وقد كتبنا أبياته على تأليفها فيما تقدم.

стр. 1717

وأما الحارث بن عبد المطلب: وبه كان يكنى، فأن كنيته أبو ربيعة ويقال أبو المغيرة، ومات قبل مولد رسول الله ﷺ ، وهو أكبر اخوته وأمه صفية بنت جنيدب من بني سواءة بن عامر بن صعصعة، وكان له من الولد: ربيعة وهو أسنّ من عمه العباس بسنتين، ويقال أربع، أسر يوم بدر كافرا ففداه العباس ثم أسلم، وقد روى عن النبي ﷺ ، وكان يكنى أبا أروى وداره بالمدينة في بني جديلة ومات في خلافة عمر بن الخطاب. وقال رسول الله ﷺ : «نعم الرجل ربيعة لو قصّ من شعره وشمّر من ثوبه». وكان لربيعة ابن يقال له آدم قتلته بنو ليث في حرب كانت بينهم وبين هذيل، وكان مسترضعا له في هذيل فأصابه حجر وهو يحبو، فوضع رسول الله ﷺ دمه مع ما وضع من الدماء في الجاهلية يوم الفتح. قال أبو عمرو الشيباني وغيره: خرج حذيفة بن أنس الشاعر بقومه غازيا لبني الدّيل وبكر بن كنانة فوجدهم قد انتقلوا عن المنزل الذي عهدهم فيه ونزله بنو سعد بن ليث فأغار عليهم، فقتل آدم بن ربيعة، وكان

стр. 1718

مسترضعا له فيهم، وهو صغير. ومن ولد ربيعة، محمد بن ربيعة بن الحارث ويكنى أبا حمزة، وكان فقيها. ومن ولد ربيعة عبد المطلب بن ربيعة. حدثني عمرو بن محمد عن محمد بن فضيل بن غزوان عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب بن ربيعة قال: مشى بنو عبد المطلب إلى العباس فقالوا: كلّم رسول الله ﷺ في أن يجعل إلينا من هذه السعاية على الصدقات ما يجعل إلى الناس. قال: فبعث العباس ابنه الفضل وبعثني أبي ربيعة بن الحارث إلى النبي ﷺ حتى دخلنا عليه فأجلسني والفضل عن يمينه وشماله ثم أخذ بأذني وأذن الفضل فقال: «أخرجا ما تصرّران»، فقلنا: بعثنا إليك عمك واجتمع بنو عبد المطلب يسألون أن تجعل لهم نصيبا في هذه السعاية، فقال: «إن الله أبى لكم يا بني عبد المطلب أن يطعمكم أوساخ أيدي الناس، أو قال غسالة أيدي الناس، ولكن لكما عندي الحباء والكرامة، أما أنت يا فضل فقد زوجتك فلانة، وأما أنت يا عبد المطلب بن ربيعة فقد زوجتك فلانة»، فرجعنا فأخبرنا بقول رسول الله ﷺ . وقد روي أيضا أن العباس مشى إلى النبي ﷺ ومعه الفضل و (عبد) المطلب فكلمه في توليتهما الصدقة وقال: قد بلغا ولا نساء لهما، فقال: «إنما هي أوساخ الناس وما أنا بموليهما». ومن ولد ربيعة، محمد بن عبد المطلب بن ربيعة كان ناسكا فاضلا، من ولده: عبد الله بن سليمان بن محمد بن عبد المطلب ولي اليمن، ومحمد بن عبد الله بن سليمان ولاه الرشيد المدينة، والمغيرة بن الحارث بن عبد

стр. 1719

المطلب، وهو أبو سفيان الشاعر الذي كان يهاجي حسان بن ثابت الأنصاري وفيه يقول: أبوك أبو سوء وخالك مثله … ولست بخير من أبيك وخالكا (١) وكان يقول في رسول الله ﷺ ، ثم أسلم في الفتح فحسن اسلامه، ومدح رسول الله ﷺ وهو الذي يقول: لعمرك إني يوم أحمل راية … لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله … فهذا أواني اليوم أهدي وأهتدي في أبيات. وأسلم أبو سفيان بن الحارث في الفتح فحسن إسلامه، وصبر مع النبي ﷺ يوم حنين، وقال له رسول الله ﷺ : «أنت ابن أمي ومن خير أهلي»، وقال: «إني لأرجو أن تكون خلفا من حمزة». ومات أبو سفيان بالمدينة سنة عشرين وصلى عليه عمر بن الخطاب، ودفن في دار عقيل بن أبي طالب. وأم أبي سفيان (و) ربيعة ونوفل وعبد شمس، وعبد الله، وأميّة بني الحارث غزيّة بنت قيس بن طريف بن عبد العزّي بن عامر، من بني الحارث ابن فهر. ومن ولد أبي سفيان: جعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، يذكر أهله أنه أدرك مع النبي ﷺ حنينا، ومات في وسط من أيام معاوية. ومن ولد الحارث بن عبد المطلب نوفل بن الحارث وكان يكنى أبا الحارث، ويقال إنه محمد، ثبت مع النبي ﷺ يوم حنين ومات لسنتين من

стр. 1720

خلافة عثمان. ومن ولده المغيرة بن نوفل ولاه الحسن بن على الكوفة حين سار إلى معاوية. وسعيد بن نوفل كان فقيها، والصلت بن عبد الله بن نوفل كان فقيها، وعبد الله بن المغيرة بن نوفل بن الحارث أبو محمد هلك في زمن عمر بن عبد العزيز. وكان لوط بن اسحاق بن المغيرة بن نوفل بن الحارث، يكنى أبا المغيرة، عابدا عالما فقيها مات في خلافة أبي جعفر أمير المؤمنين، ومات ابنه محمد بن لوط في خلافة أبي جعفر أيضا. ومن بني نوفل يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل، ويكنى أبا خالد، وكان فقيها مات بالمدينة سنة سبع وستين ومائة. ومنهم الزبير بن سعيد بن سليمان بن نوفل بن الحارث، ويكنى أبا القاسم، مات في أيام المنصور أبي جعفر. ومن ولد جعفر بن الحارث، الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، صحب النبي ﷺ واستعمله على بعض أعمال مكة، وولاه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ مكة، ثم انتقل إلى البصرة واختط بها دارا ونزلها في ولاية عبد الله بن عامر بن كريز، ومات في آخر خلافة عثمان. وقال محمد بن سعد: كان عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أول من ولي القضاء بالمدينة في زمن مروان بن الحكم، ومات في سنة أربع وثمانين. وقال أهل بيته مات في زمن معاوية، وكان يشبّه بالنبي ﷺ ، وأنكروا أن يكون ولي القضاء (١). ومن ولد نوفل، عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهو ببّة، وإنما سمي ببّة لأن أمه هند بنت أبي سفيان بن حرب
следующие страницы →