← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

أحبّهما إليّ، فتزوّجها أبو سفيان فولدت له معاوية، وعتبة، وأمّ الحكم؛ ويقال إنه قال لها: قد خطبك رجلان، أمّا أحدهما فخضمّ (١) تخالين به غفلة للينه، ليس بالغضبّة الغلق ولا المغيار النزق، وأمّا الآخر ففي الحسب الحسيب والرأي الأريب، شديد الغيرة سريع الطّيرة، مكرم للكريمة حسن الصحبة، وكيد العهد، فاختارته. حدثنا المدائني قال: مرّ حمزة بن عبد المطّلب على نفر من بني مخزوم فلاحاه رجل منهم، فذكر المخزومي نساء من نساء بني عبد مناف فضربه حمزة فقتله، وأتى أبا سفيان فأخبره، فأتى أبو سفيان بني مخزوم فعرض عليهم ثلاث ديات بصاحبهم فلم يقبلوها، فانصرف عنهم يومه، فلما كان من الغد جاؤوا يطلبون الديات الثلاث، فقال أبو سفيان: القوم يأبون أن يعطوا أكثر من ديتين، فأبوا ورجعوا، فلما كان الغد جاؤوا يطلبون الديتين فقال: إنّ القوم أبوا أن يعطوا إلاّ دية واحدة، فأبوا ورجعوا، فلما كان الغد عادوا فطلبوا الدية فقال أبو سفيان: إنّ القوم قد أبو الدية، وهذا قتيل لا دية له، فطلّ دمه. المدائني قال: أتى أبو سفيان عمر بن الخطاب فسأله شيئا فقال: أتسألني وأنت حميت (٢) ينطف؟ المدائني عن محمد بن الحجّاج عن عبد الملك بن عمير قال: أقبل أبو سفيان من الشام ومعه هند ومعاوية على حمار، فلما دنوا من مكة لقيهم

стр. 1752

رسول الله ﷺ ، فقال أبو سفيان لمعاوية: انزل يركب محمد، فقالت هند: أينزل ابني لهذا الصابئ؟! قال: نعم إنه خير منك ومنّي ومن ابنك، فقال رسول الله ﷺ : أسلم يا أبا سفيان، وأنت يا هند فأسلمي، فإنّي أضنّ بكما عن النار. قال: وأصيبت عين أبي سفيان مع رسول الله ﷺ بالطائف فقال له رسول الله ﷺ : إنّ لك بها عينا في الجنّة؛ وعمي قبل أن يموت. قال: ولطم أبو جهل فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فرأت أبا سفيان فشكت إليه، فرجع معها إليه وقال: الطميه قبحه الله، فلطمته، فقال: أدركتكم المنافيّة يا أبا سفيان. وأخبرت فاطمة رسول الله ﷺ بما كان من أبي جهل ومن أبي سفيان فقال: اللهمّ لا تنسها لأبي سفيان. المدائني عن عبد الرحمن بن معاوية عن اسماعيل بن أميّة قال: أفاض النبيّ ﷺ وعن يمينه أبو سفيان وعن يساره الحارث بن هشام، وبين يديه يزيد ومعاوية ابنا أبي سفيان على فرسين. وقالوا: لما حجّ أبو بكر ﵁ حجّ معه أبو سفيان، فكلّمه أبو سفيان فرفع أبو بكر صوته، فقال أبو قحافة لأبي بكر: يا بنيّ اخفض صوتك عند ابن حرب، فقال أبو بكر: إنّ الله قد هدم بالإسلام بيوتا، وبيت أبي سفيان ممّا هدم، وبنى بالإسلام بيوتا مهدومة في الجاهليّة، وبيتك ممّا بناه. قالوا: واستعدى رجل من بني مخزوم عمر بن الخطّاب على أبي سفيان وقال: ظلمني في حدّ فحجّ عمر ووقف على الحدّ، فقال لأبي سفيان: ضع العلامة هاهنا، فقال: والله لا أفعل، فقال عمر: والله لتفعلنّ، فأبى

стр. 1753

فضربه بالدرّة حتى حوله، فاستقبل أبو سفيان القبلة ثم قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أدخل قلبي من الإسلام ما ذلّلني لعمر بن الخطّاب، فكأنّ عمر تذمّم ممّا فعل بأبي سفيان، ﵄. المدائني عن جويرية بن أسماء أن أبا سفيان نازع عمر في أرض فنادى أبو سفيان يا لقصيّ، فخفقه عمر بالدرّة وقال: أتدعو بدعوى الجاهليّة؟! فقالت هند: يا عمر أتضرب ابن حرب؟! أما لربّما رمت ذلك منه فاقشعرّت بطون البطحاء، فقال عمر: الحمد لله الذي أبدلنا بذلك اليوم خيرا منه. حدثني العمري عن الهيثم عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري قال: لما هلك عمر وجد عثمان في بيت المال ألف دينار قد كتب عليها: عزل ليزيد بن أبي سفيان، فقال لأبي سفيان: اقبضها، فأبى وقال: لو رآها عمر واجبة لي لبعث بها إليّ. وحدثت عن مالك بن أنس قال: رأى معاوية عمر بن الخطّاب يحبس الناس فبعث إليه من الشام بأدهم (١)، أو أداهم، وبعث معه بدنانير وقال للرسول: ادفع ذلك إلى أبي سفيان حتى يتولّى إيصاله إلى أمير المؤمنين، فأوصل الأدهم، أو الأداهم، واختزل الدنانير، فسأله عمر عنها فقال: إنّي احتجت إليها فقضيت منها دينا وأنفقت الباقي، فقال عمر: ضعوا رجل أبي سفيان في الأدهم، فوضع فيه حتى أتى بالدنانير، فبلغ معاوية ذلك فقال: والله لو أنّه الخطّاب لفعل به مثل ما فعل بأبي سفيان.

стр. 1754

حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن جريج عن عكرمة قال حدثنا ابن عبّاس قال: دخلت على أبي سفيان بن حرب وهو يتغدّى، فذكرت له حاجتي ثم قلت: فما منعك من أن تدعوني إلى غدائك؟ فقال: إنّما وضع الطعام ليؤكل، فإن كانت بك إليه حاجة فكل. المدائني قال: قال رسول الله ﷺ لعكرمة بن أبي جهل: «أقاتلتني وأنت تعلم أني رسول الله»؟ قال: لا، وقال لأبي سفيان مثل ذلك فقال: علمت أنك صدوق لا تكذب، وإنّما قاتلناك لأنّك تعلم حالي في قريش، وجئت بأمر لا يبقى معه شرف، فقاتلناك حميّة وكراهة لأن تذهب شرفي. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: أذن رسول الله ﷺ يوما وأبطأ الإذن لأبي سفيان، فلما دخل قال: يا رسول الله ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهتين، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا سفيان كلّ الصيد في جنب الفراء»، والفراء حمار الوحش. المدائني قال: أناخ رجل من أهل اليمن ناقته بالحزورة (١) وقال: لا ينحرها إلاّ أعزّ أهل الوادي، فقال عتبة بن ربيعة بن عبد شمس لأبي سفيان: أنت أعزّ أهل الوادي، فقال أبو سفيان: من تكن عمّه يا أبا الوليد يكن أعزّ أهل الوادي. المدائني عن عليّ بن مجاهد عن عنبسة بن سعيد عن اسماعيل بن أميّة عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ لأبي سفيان: «يا أبا سفيان:

стр. 1755

ألم يتمم الله هذا الأمر وأنت كاره»؟ قال: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأميّ، فما هاجتك بحمد الله جمّاء (١) ولا ذات قرن. قالوا: قدم أبو سفيان من الشام، والنبيّ ﷺ يدعو سرّا، ومع أبي سفيان بضاعة للنبيّ ﷺ ، فلم يسأله عنها، فتعرّض له أبو سفيان فقال: يا بن عبد الله أما تريد بضاعتك لا أراك تذكرها، قال: «يا أبا سفيان إنه لا بدّ من أن يكون فيها ربح أو وضيعة، وأي ذلك كان فأنت مؤدّ فيه الأمانة إن شاء الله». وقال الهيثم بن عديّ: كان أبو سفيان تحت راية ابنه بالشام، فخفيت الأصوات وأبو سفيان يقول: يا نصر الله اقترب. حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزّاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ النبيّ ﷺ جعل أبا سفيان على السبي يوم حنين. المدائني قال: لما توفّي أبو بكر وولي عمر ولّى يزيد بن أبي سفيان بعد وفاة أبي عبيدة بن الجراح الشام، فقدم معاوية من الشام على عمر وقد حجّ عمر، فدخل عليه معاوية فقال له عمر: متى قدمت؟ قال: الآن، وبدأت بك، قال: فأت أبويك وابدأ بهند، فانصرف معاوية فبدأ بهند فقالت له: يا بني إنّه والله قلّ ما ولدت حرة مثلك، وقد استنهضكم هذا الرجل فاعملوا بما يوافقه واجتنبوا ما يكرهه؛ وقال له أبو سفيان: إنّ هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقوا وتأخّرنا، فرفعهم سبقهم وقصّر بنا تخلّفنا، وصاروا قادة وصرنا أتباعا، وقد ولّوكم جسيما من أمرهم فلا تخالفوهم، وإنّك تجري إلى أمد لم تبلغه وستبلغه.

стр. 1756

قالوا: ومشى معاوية بمكة مع عمر يوما، وعمر راكب، فقلن نسوة من قريش: ابن حنتمة راكب وابن هند راجل. قال المدائني عن مسلمة: شخص أبو سفيان إلى معاوية وهو على الشام بعد يزيد أخيه ومعه عتبة وعنبسة، فكتبت هند إليه: قد قدم عليك أبوك وأخواك، فاحمل أباك على فرس وأعطه أربعة آلاف درهم، واحمل عتبة على بغل وأعطه ألفي درهم واحمل عنبسة على حمار وأعطه ألف درهم، ففعل، فقال أبو سفيان: أشهد أن هذا عن رأي هند. المدائني عن مسلمة قال: قبض رسول الله ﷺ وأبو سفيان على صدقة نجران فقال: من قام بالأمر؟ قالوا: أبو بكر، قال: أبو الفصيل؟! إنّي لأرى أمرا لا يسكّنه إلاّ الدم. المدائني عن مجاهد عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن أبي أمامة قال: أعطى رسول الله ﷺ سائلا فأثنى وشكر فقال رسول الله ﷺ : «لكن أبو سفيان لو أعطي لم يثن ولم يشكر». حدثني عبد الواحد بن غياث حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا محمد بن اسحاق عن محمد بن ابراهيم التيمي قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، فقال رجل: أعطى هؤلاء وترك جعيّلا، فقال: «أعطي هؤلاء لأتألف قلوبهم وأكل جعيلا إلى ما جعل الله عنده».

стр. 1757

وروى هشام بن محمد الكلبي عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن أبا سفيان دخل على عثمان وهو مكفوف، ثم خرج من عنده وهو يقول: تلقّفوها يا بني أميّة تلقف الكرة فما الأمر على ما يقولون. حدثني أبو صالح الفرّاء عن الحجاج بن محمد عن ابن جريج عن أبي مليكة قال: لما ارتدت العرب قال أبو سفيان: يا لغالب، الدين العتيق. وروي عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال، قال أبو سفيان حين قبض رسول الله ﷺ : تلقفوها الآن تلقف الكرة فما من جنة ولا نار. قالوا: وحجب عثمان أبا سفيان فقيل له: حجبك أمير المؤمنين، فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجب. وقال الواقدي: مات أبو سفيان بن حرب بالمدينة سنة ثلاثين قبل قتل عثمان بخمس سنين وهو ابن ثلاث وتسعين، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وكان حكيم بن حزام أسنّ منه بثلاث سنين. وقال غير الواقدي: مات سنة إحدى وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة، ويقال: انه مات سنة ثلاث وثلاثين.

стр. 1758

وأما معاوية بن أبي سفيان ويكنى أبا عبد الرحمن فأسلم في الفتح، وقال: لقد دخل الإسلام قلبي، ولكن أبويّ كانا يقولان لئن أسلمت لنمنعنّك القوت. وولاّه عمر الشام بعد أخيه يزيد، وولاّه عثمان الشام في خلافته فلما قتل أظهر الطلب بدمه، وقد كتبنا خبر محاربته عليّا حين طلب قتلة عثمان وصلحه الحسن. وحدثني المدائني عن سحيم بن حفص قال: أتى رجل من الأنصار معاوية فقال له: إنّ لي سنّا وسابقة وقرابة، فقال: أما السن فبينة الأثر عليك، وأما سابقتك فقد عرفناها، فما القرابة؟ قال: ولدتني وولدتك فلانة، فقال: صدقت، وأنشد: قبح الإله عداوة لا تتّقى … وقرابة يدلى بها لا تنفع ووصله. المدائني عن ابن جعدبة قال: قدم معاوية المدينة حاجا فأتاه سعية بن غريض فقال له: أسألك بالحق الذي كان بين أبي سفيان وبين أبي إلاّ نزلت عندي، فأتاه، فلما حضر الغداء جاء الطبيب فجعل يقول: كل ذا ودع ذا

стр. 1759

حتى أتي بحيس، فقال ابن غريض: هذا أقط جهينة وسمن مزينة وتمر ناعمة، فقال: طيبات جمعن من شتّى، وأكل. قالوا: واستعمل معاوية النعمان بن بشير على الكوفة فكتب اليه معاوية يأمره أن يلحق لأهل الكوفة في أعطياتهم زيادة عشرة دنانير عشرة دنانير فكان ينفذ بعضا ويردّ بعضا ويقول: أنا قفل مفتاحه بالشام، وكان يكثر تلاوة القرآن على المنبر ويقول: إن فقد تموني لم تجدوا أحدا يحدثكم عن رسول الله ﷺ . ثم جاؤوا بكتب من معاوية فعمّهم بالزيادة، فقال ابن همّام السلولي: أفاطم قد طال التدلّل والمطل … أجدّك لا صرم جليّ ولا وصل زيادتنا نعمان لا تحبسنّها … تق الله فينا والكتاب الذي تتلو فإنّك قد حمّلت فينا أمانة … وقد عجزت عنها الصلادمة البزل فلا تك باب الشرّ تحسن فتحه … علينا وباب الخير أنت له قفل وقد نلت سلطانا عظيما فلا تكن … لغيرك جمّات الندى ولك البخل وأنت امرؤ حلو اللسان بليغه … فما باله عند الزيادة لا يحلو وقبلك ما كانت علينا أئمّة … يهمّهم تقويمنا وهم عصل يذمّون دنيانا وهم يرضعونها … أفاويق حتّى ما لنا منهم سجل إذا نطقوا بالقول قالوا فأحسنوا … ولكنّ حسن القول خالفه الفعل أينفذ ما زيدوا وتمحى زيادتي … فما إن دمي [إن] ساغ هذا لكم بسل أبى لي كتاب الله والدين والتقى … وبالشام إن حكّمته الحكم العدل

стр. 1760

أريد أمير المؤمنين فإنّه … على كلّ أنحاء الرجال له الفضل مهاجرة الأقوام يرجون فضله … وهلاّك أعراب أضرّ بها المحل (١) المدائني قال: كتب معاوية إلى زياد: إنّ حولك مضر وربيعة واليمن، فأمّا مضر فولّهم الأعمال واحمل بعضهم على رقاب بعض، وأمّا ربيعة فأكرم أشرافهم فإنّ أتباعهم منقادون لهم، وأما اليمن فأكرمهم في العلانية وتجاف عنهم في السرّ. وقال هشام بن عمار: سأل بعض قريش معاوية شيئا فأعطاه إيّاه، ثم سأله شيئا آخر فأعطاه، ثم سأله ثالثا فمنعه، فلم يزل ملحا عليه حتى أعطاه ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الضجور تحلب العلبة، فقال معاوية: نعم وربما زبنت (٢) الحالب وكسرت أنفه. المدائني عن أبي عاصم الزيادي قال: ذكر النساء عند معاوية فقال من أراد النجابة فعلية بالمشرق، ومن أراد الخدمة فعلية بالمغرب. ومن أراد اللذاذة فعلية بالبربر، قيل فالمولّدات؟ قال: إذا شبعت إحداهنّ فليس همّتها الا التشرّف. المدائني عن عبد الملك بن مسلم قال: قدم مالك بن هبيرة بن خالد بن مسلم بن الحارث بن المخصف السكوني على معاوية فقال له: كيف رأيت قومي بالحجاز؟ قال: رأيت ابن عمر فرأيته رجل نفسه، ورأيت الحسن بن عليّ فرأيته ظاهر الجمال طاهر القلب، ورأيت عبد الله بن

стр. 1761

مطيع العدوي فرأيت سفيها يريد أن يعدّ فقيها ورأيت ابن الزبير فرأيت رجلا تكفيه واحدة (١) فيصيّرها عشرا وهو يحاول أمرا ليس من أهله، قال معاوية: فمن سيد قومك؟ قال: من سوّدته يا أمير المؤمنين، قال: فأنت سيّدهم، قال: فقرّب مجلسي واقض حاجتي والقني ببشر حسن. وقال هشام بن عمار: قال معاوية لعمرو بن العاص ﵄: من أبلغ الناس؟ قال؛ أتركهم للفضول، قال: فمن أصبر الناس؟ قال: أردّهم لهواه برأيه، قال: فمن أسخاهم؟ قال: من بذل دنياه لدينه، قال: فمن أشجع الناس؟ قال: من ردّ جهله بحلمه، قال: فمن أعلم الناس؟ قال: من آثر دينه، قال: صدقت. المدائني قال، قال الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب لمعاوية: أنا أكرم أم أنت؟ قال معاوية: أنا قال: فأنا أكرم من يبقى بعدك، فقال معاوية: أترجو أن أموت وأنت حيّ … ولست بميّت حتّى تموتا المدائني وابن الكلبي قالا: قال معاوية لابن الكوّاء اليشكري: نشدتك الله كيف تعلمني؟ فقال: أما إذ نشدتني الله فإني أعلمك واسع الدنيا ضيّق الآخرة، قريب الرّشا بعيد المدى، تجعل الظلمة نورا والنور ظلمة. حدثنا هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم قال، قال: معاوية: أعنت على علي بكتماني سرّي ونشره أسراره، وبطاعة أهل الشام لي ومعصية أصحابه له، وبذلي مالي وإمساكه إيّاه.

стр. 1762

المدائني عن مسلمة قال: قال عبد الرحمن بن حسان وقد قدم على معاوية وقد طال مقامه ببابه: طال ليلي وبتّ جدّ حزين … ومللت الثواء في جيرون (١) ولذاك اغتربت بالشام حتّى … ظنّ أهلي مرجّمات الظنون المدائني عن أبي عبد الرحمن بن المبارك قال: شبّب عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري بأخت معاوية، فغضب يزيد فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين اقتل عبد الرحمن بن حسّان، قال: ولم يا بني؟ قال: لأنّه شبّب بعمتي، قال: وما قال؟ قال: قال: طال ليلي وبتّ كالمحزون … ومللت الثّواء في جيرون قال: وما علينا يا بني من طول ليله وحزنه أبعده الله، قال: إنّه يقول: ولذاك اغتربت بالشام حتّى … ظنّ أهلي مرجّمات الظنون قال: وما علينا من ظنّ أهله؟ قال: إنّه يقول: هي زهراء مثل لؤلؤة الغوّاص … ميزت من جوهر مكنون قال: صدق يا بني إنّها لمن جوهر مكنون، قال: وإنّه يقول: وإذا ما نسبتها لم تجدها … في سناء من المكارم دون قال: صدق وهي بحمد الله كذاك، قال: إنّه يقول: ثمّ خاصرتها إلى القبّة الخض … راء (٢) نمشي في مرمر مسنون

стр. 1763

قال: ولا كلّ هذا، ثم ضحك وقال: ما قال أيضا؟ قال: قال: قبّة من مراجل ضربوها … عند حدّ الشتاء في قيطون (١) عن يساري إذا دخلت من البا … ب وإن كنت خارجا عن يميني تجعل الندّ والألوّة والعو … د صلاء لها على الكانون وقباب قد أشرجت وبيوت … نطّفوها بالآس والزرجون قال: يا بنيّ لا يجب القتل في هذا، والعقوبة دون القتل تغريه فيزيد في قوله، ولكنّا نكفّه بالتجاوز والصلة، فوصله وصرفه. المدائني وغيره قالوا، قال معاوية: ثلاث من السؤدد: الصلع واندحاق البطن وترك الإفراط في الغيرة. حدثني التوّزي النحوي عن الأصمعي قال: خرج معاوية إلى مال له بمكة، ومعه عبد الله بن صفوان بن أميّة الجمحي، وكان معاوية قد غرس في ذلك المال غروسا وزرع، فقال له: يا بن صفوان كيف ترى؟ قال: أرى أنّ الله يقول ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ (٢) وقد زرعت فيه كأنّك تريد الخلاف فقال معاوية: متى قرأت هذه الآية يا بن صفوان؟ قال: أمّا أنا فقد أحرقت قلبك بها فلا عليك أن تعلم متى قرأتها. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن شيخ من حمير قال، قال عمرو بن العاص لمعاوية: والله ما تقاتل عليّا ولا يقاتلك ليدخل الجنة

стр. 1764

أغلبكما لصاحبه، وما تقاتلان إلاّ على الدنيا، فأطعمنا ممّا تأكل لنناضل عنك نضال من يريد الأكل. المدائني قال: قدم عبد الله بن جعفر على معاوية فأنزله معه في قصره، فدخل عليه معاوية يوما وبديح يسمعه: إنّك ما أعلمك ذو ملّة … يذهلك الأدنى عن الأبعد وعبد الله يتخلّج، فقال: ما هذا؟ قال: أريحيّة تعتريني عند الطرب. المدائني قال: قال معاوية للأحنف: أتراني نسيت قولك حسن بأبي حسن، ورضاك بأن تذبح قريش بالبصرة كما تذبح الحيران (١)؟! ولكنّي أستصلحك وقومك، فقد كفيتك ما قبلي فاكفني ما قبلك، فكان الأحنف يقول: لقد كلّمني معاوية بكلام ما بعده نغل ولا دغل. قال، وقال الأحنف لمعاوية: والله ما أتيناك يا أمير المؤمنين لتهدينا من ضلالة، ولا لتغنينا من عيلة، ولا لتمنعنا من ذلّة، ولكن للسمّع وللطاعة. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشعبي أنّ معاوية قال: استعينوا على الحوائج بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن يزيد بن عياض قال: قال معاوية: الأرض لله وأنا خليفة الله فما أخذت فلي، وما تركته للناس فبالفضل منّي فقال صعصعة بن صوحان: ما أنت وأقصى الأمّة في ذلك إلاّ سواء، ولكن من ملك استأثر، فغضب معاوية وقال: لهممت، قال صعصعة: ما كلّ من همّ فعل، قال: ومن يحول بيني وبين ذلك، قال:

стр. 1765

الذي ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ﴾ (١)، وخرج وهو يقول بيت الشمّاخ: أريدوني إرادتكم فإنّي … وحذفة كالشّجا تحت الوريد (٢) المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: أغلظ رجل لمعاوية وأسرف فحلم عنه فقيل: أتحلم عن هذا؟! فقال: إنّي لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا. المدائني عن علي بن مالك قال: لا أضع لساني حيث يكفيني مالي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، فإذا لم أجد من السيف بدّا ركبته. المدائني قال: قال معاوية لعبد الرحمن بن الحارث بن أميّة الأصغر، وقد كفّ بصره: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وقد ذهب خيري وبقي شرّي، قال: هذا من مقدّمات أفاعيك، ووصله. حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه قال، قال معاوية لدغفل النسّابة: ابغني رجلا عالما يكون معك أفرّ منه إليك ومنك إليه، وليكن كتوما فإنّ الرجل إذا أنس بالرجل ووثق به ألقى إليه عجره وبجره. المدائني عن سعيد بن أبي سعيد قال: اغلظ أبو الجهم بن حذيفة العدوي لمعاوية وقال: أراحنا الله منك يا معاوية، فقال: ويحك إلى من: إلى بني زهرة فما عندهم نصر ولا فضل، أم الى بني مخزوم فو الله لو نالوا من

стр. 1766

الأمر شيئا ما كلّموكم كبرا، أم الى بني هاشم فو الله لو نالوها لاستأثروا عليكم، وإنّا على ما فينا لنعطي السائل ونجود بالنائل، ولا تزال العرب غلب الرقاب ما رأوا أشياخنا على المنابر. حدثني رجل من ولد عمر بن الخطّاب عن أبيه قال، قال أبو الجهم: أمر لي معاوية بمائة ألف درهم فذممته وقلت: أراحنا الله منك، فلمّا ولي يزيد أعطاني خمسين ألف درهم، ثم أتيت ابن الزبير فأعطاني ألفا فقلت: أبقاك الله فإنّا لا نزال بخير ما بقيت، فقيل لي: أتدعو لابن الزبير بالبقاء ولم تدع به لمعاوية ولا يزيد؟ فقلت: أخشى والله أن لا يأتي بعده إلاّ خنزير. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: حجّ معاوية فلمّا كان بالأبواء خرج يستقري مياه كنانة حتى صار الى عجوز عشمة (١) فقال لها: ممّن أنت؟ قالت: من الذي يقول لهم الشاعر: هم منعوا جيش الأحابيش عنوة … وهم نهنهوا عنّا غواة بني بكر فقال معاوية: كوني ديليّة، قالت: فإنّي ديلية، قال: أعندك قرى؟ قالت: عندي خبز خمير وحيس فطير ولبن ثمير وماء نمير، فأناخ، وجعل يأخذ الفلذة من الخبز بمثلها من الحيس فيغمسه في اللبن ثم قال: حاجتك، قالت: حوائج الحيّ، فأمر فنودي فيهم، فأتاه أعراب فرفعوا حوائجهم فقضاها لهم، وامتنعت العجوز أن تأخذ شيئا لنفسها وقالت: أآخذ لقراي ثمنا؟

стр. 1767

المدائني عن مسلمة قال: مات عمرو بن العاص بمصر، فقال معاوية حين أتاه خبر موته لامرأته ابنة قرظة؛ قد مات رجل كان الأمر بمصر أمره، هلك عمرو وأتتك قباطيّ مصر. حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي سكين قال: قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص: إنّك قد لهجت بالشعر فإيّاك والتشبيب بالنساء فتعرّ الشريفة، وإيّاك والهجاء فإنّك تهجّن به كريما أو تستثير لئيما، وإيّاك والمدح فإنّه طعمة الدنيء الوقاح، ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال السائرة ما تزين به نفسك وتدلّ على صحة عقلك وتؤدّب به غيرك. المدائني عن حمّاد قال: نظر معاوية الى النخّار (١) في عباءة فازدراه، فقال: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلّمك إنّما يكلّمك من فيها. المدائني عن شعبة عن قتادة قال، قال معاوية: أي الناس أفصح؟ فقال له رجل ممّن حضره: قومك من قريش، ارتفعوا عن لكنة أهل العراق وكسكسة بكر وكشكشة أسد، قال: فمّن أنت؟ قال: من جرم. حدثني المدائني عن عبد الله بن فائد وسحيم بن حفص قالا: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أظهر شتم عليّ وتنقّصه، فكتب إليه: ما أحبّ لك يا أمير المؤمنين أن كلّما عتبت تنقّصت، وكلّما غضبت ضربت، ليس بينك وبين ذلك حاجز من حلمك ولا تجاوز بعفوك. عبد الله بن صالح عن عبد الله بن المبارك عن هشام بن عروة قال: كتبت عائشة إلى معاوية: اتق الله فإنّك إذا اتّقيته كفاك الناس، وإذا اتّقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا.

стр. 1768

المدائني عن أبي سليمان العنبري قال: قال معاوية لأبي هوذة بن شمّاس الباهلي: لقد هممت أن أحمل جمعا من باهلة في سفينة ثم أغرقهم، قال: إذا لا نرضى بعدّتهم من بني أميّة، فقال: اسكت أيّها الغراب الأبقع (١)، قال: إنّ الغراب ربّما درج إلى الرخمة حتى ينقر دماغها ويقتلع عينيها، فقال يزيد: اقتله يا أمير المؤمنين، قال: مه؛ ثم إنّ معاوية وجّهه بعد في سريّة فقتل، فقال معاوية ليزيد: يا بنيّ هذا أخفى. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جدّه قال: دخل سعد بن أبي وقّاص على معاوية فقال: السّلام عليك أيّها الملك، فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا اسحاق رحمك الله لو قلت أمير المؤمنين، فقال: أتقولها جذلان ضاحكا؟! والله ما أحبّ أنّي وليتها بما وليتها به. المدائني عن سحيم قال: قال معاوية: لو وزنت بالدنيا لرجحت بها، ولكنّي وزنت بالآخرة فرجحت بي. المدائني قال: قال معاوية: من كتم سرّه كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه. حدثني منصور بن أبي مزاحم عن شعيب بن صفوان قال: قدم ابن أبي عتيق (٢) على معاوية فتعذّر عليه الوصول إليه، فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين أمثل ابن أبي عتيق في سنّه وموضعه لم تصله في بلده حتى جاءت به الحاجة إليك؟!

стр. 1769

فقال: عزّ والله عليّ، لو علمت بمكانه لكنت إلى صلته أسرع من الماء إلى قراره، ثم أعطاه مالا وقضى حوائجه. وقال هشام بن عمّار: قال معاوية لعمرو بن العاص: من للعراق؟ قال: رجل رفيق لا يهمطهم (١) في الجباية ولا يعنف عليهم في الرعاية، يحلب فيهم حلب الشاة العزوز، يعني الضيّقة الإحليل. المدائني قال، قال معاوية: إنّي لأرفع نفسي عن أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعورة لا أواريها بستري، وإساءة أكبر من إحساني. وحدّثني هشام بن عمّار عن أبيه قال، قال معاوية: أنا أعرف أغلى شيء في السوق وأرخصه، أعلم أنّ الجيّد رخيص والرديء غال. قالوا: وقدم زياد على معاوية فقال مضحك لمعاوية: ألا أمازح زيادا؟ قال: شأنك، فقال: يا أبا المغيرة أيسرّك أنّك من الحور العين، فقال: مه، كلّ ما دخلت به الجنّة فحسن، ويقال: إنّ زيادا افتدى جوابه بعشرة آلاف درهم. عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: قال معاوية لزرعة بن ضمرة الهلالي: ما أنزلك بين هذين الجفّين؟ قال: إنّ لنا ولهم مثلا يا أمير المؤمنين، نحن كالأير، أير شديد صادف اسكتين خوّارتين، فقال معاوية: لا يلبثان حتى يمصّا ماءه ويلينا منه ما اشتدّ واسبطرّ (٢).

стр. 1770

وقال معاوية للأحنف: يا أبا بحر ما المرّوة؟ قال: الفقه في الدين والعفاف وبرّ الوالدين، فقال معاوية: هو ذاك. حدثني هشام بن عمّار عن الوليد قال: بلغني أنّ معاوية قال: العيال أرضة المال، يذهب المال ويبقى العيال، وما في الأرض تبذير إلاّ إلى جانبه حقّ مضاع. وقال هشام: حدثني شيخ لنا قال، قال معاوية ليزيد: يا بنيّ اتخذ المعروف عند ذوي الأحساب لتستميل به مودّتهم وتعظم به في أعينهم وتكفّ به عنك عاديتهم، وإيّاك والمنع فإنّه مفسدة للمروّة وإزراء بالشريف. المدائني قال: دخل أبو الأسود الدولي على معاوية فإنّه ليحدّثه إذ حبق، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عائذ بالله وبسترك، ثم خرج ودخل عمرو بن العاص فحدّثه، وبلغ ذلك أبا الأسود فأتاه فقال: يا معاوية إنّ الذي كان منّي قد كان مثله منك ومن أبيك، وإنّ من لم يؤتمن على ضرطة لجدير ألاّ يؤتمن على أمر الأمّة. المدائني قال: سمع معاوية غناء سائب خاثر عند يزيد بن معاوية فلمّا أصبح قال: من كان جليسك في ليلتك يا بنيّ؟ قال: سائب خاثر، قال: فأخثر له فما رأيت بنشيده بأسا. قالوا: وأدخل عبد الله بن جعفر سائبا أو بديحا على معاوية، فأخذ بحلقة باب البيت وجعل يوقّع بها ويغنّي معاوية، ومعاوية يحّرك رجله، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنّ الكريم طروب.

стр. 1771

وحدّثني الزبير بن بكّار عن عمّه مصعب بن عبد الله قال: كان معاوية يفضّل مزينة في الشعر، ويقول: كان أشعر أهل الجاهليّة زهير وابنه بعده، وأشعر أهل الإسلام معن بن أوس المزني. حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة قال: دخلت ليلى الأخيليّة على معاوية فوصلها وأمر فأدخلت على نسائه فوهبن لها ثم قال: أخبريني عن مضر، فقالت: قريش سادتها وقادتها وتميم كاهلها وقيس فرسانها وخطاطيفها. المدائني عن مسلمة قال: وفد زياد على معاوية فحدا به الحادي: قد علمته الضمّر الجياد … إنّ الأمير بعده زياد فبلغ ذلك معاوية فغضب ولم يذكر لزياد شيئا منه، فقال يوما لحضين بن المنذر الرقاشي بحضرة زياد: يا أبا ساسان إنّ لك رأيا وعقلا، فما فرّق أمر هذه الأمّة حتى سفكت دماؤها واختلف ملأها وسفهت أحلامها؟ فقال: قتل أمير المؤمنين عثمان، فقال: صدقت، والخلافة لا تصلح لمنافق ولا ذي دعابة - يعرّض بعليّ وأنّ زيادا كان من أعوانه - ففطن زياد فقال: راجز رجز بشيء لم يكن عن أمري ولقد زجرته ونهرته، فقبل ذلك معاوية. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: لما صار معاوية بالأبواء في حجّته اطّلع في بئر فأصابته اللقوة، فقال: إنّ المؤمن لبعرض خير، إمّا ابتلي فأجر، إمّا عوفي فشكر، وإمّا عوقب بذنب فمحّص، ولئن ابتليت لقد ابتلي الصالحون، ولئن مرض عضو منّي فما أحصي صحيحي، ولما عوفيت أكثر، وإنّي اليوم ابن بضع وسبعين سنة،

стр. 1772

ومالي على ربيّ أكثر مما أعطاني، فرحم الله عبدا دعا لي بالعافية، فقال له مروان: جزعت يا أمير المؤمنين، قال: يا مروان إنّي قد رققت وذكرت ما كنت عنه عزوفا، وقد ابتليت في أحسني، وخفت أن يكون عقوبة من ربّي، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي. المدائني عن محمد بن الحكم عن أبيه أنّ معاوية أوصى بنصف ماله أن يردّ إلى بيت المال، كأنّه أراد أن يطيب له الباقي لأنّ عمر قاسم عمّاله. وحدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: قيل لعبد الله بن العبّاس إنّ الوليد بن عقبة يقول: ما رأيت أحدا أحقّ بما هو فيه من معاوية، فقال: إذا لم يقل الوليد هذا فمن يقوله. المدائني قال، قال معاوية للنخّار العذري: أيّ العرب أكرم بعد قريش؟ فقال: بيت زرارة بن عدس، قال: فأيّهم أشجع؟ قال عبسيّ طالبك بذحل أو طالبته، قال: فأيّهم أفصح؟ قال أسديّ وصف سحابا وغيثا، قال: فأيّهم أفرس؟ قال: رجل من بني عامر يلعب على فرسه لعب الصبيّ على زحاليف الرمل، قال: فأيّهم أدهى؟ قال: أريمص (١) من ثقيف مارسته في أمر ومارسك. المدائني عن أبي عاصم الزيادي قال: قال معاوية لمروان: من ترى للعراق؟ قال: من لا يفحّج الحلوب قبل الدرّة، ولا يدني العلبة حتى يمسح الضرّة.

стр. 1773

المدائني عن سفيان بن عيينة قال: كتب معاوية إلى عائشة ﵄ أن عظيني ولا تطيلي، فكتبت إليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إليهم حتى يعود حامده ذامّا ومن التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله إيّاهم». حدثني هشام بن عمّار قال: لما حجّ معاوية مرّ بالمدينة فأتى سقيفة بني ساعدة فقال: مارس بعود أو دع (١) إن كان أبو بكر هاهنا لعلى أعظم الخطر. المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: قال معاوية لعمرو: أيّنا أدهى؟ قال: أمّا في البديهية فأنا، وأمّا في الأناة فأنت، قال معاوية: أصغ إليّ أسارّك بشيء، فأدنى عمرو رأسه وكانا خلوين يتسايّران، فقال معاوية: غلبتك أيّها الداهية هل هاهنا أحد أسارّك دونه. حدثني هشام بن عمّار عن أبيه عن أشياخهم قالوا: قال معاوية على منبر دمشق: ما أحد ترك تقوى الله إلاّ عاد حامده ذامّا. وكتب معاوية إلى زياد يشكو قرابته، فكتب إليه: عليك بالموالي فإنّهم أنصر وأغفر وأشكر. المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال معاوية: لو أنّ النجوم تساقطت لسقط قمرها في حجور بني يربوع. وقالوا: قدم الأحنف والمنذر بن الجارود الشام، فرشا المنذر حاجب معاوية بأربعة آلاف درهم على أن يدخله قبل الأحنف، فدخل المنذر قبل

стр. 1774

الأحنف، فقال معاوية للحاجب: كيف قدّمت منذرا على الأحنف؟! فحدّثه الحديث، فضحك معاوية وقال: لا تعد. المدائني عن سحيم قال: قال معاوية: من أكرم الناس أبا وأمّا وجدّا وجدّة وعمّا وخالا وخالة؟ فقال صعصعة بن صوحان، ويقال عبد الله بن عجلان: هذا الجالس بين يديك، يعني الحسن بن عليّ، جدّه رسول الله، وجدّته خديجة بنت خويلد الطاهرة، وأبوه عليّ بن أبي طالب، وأمّه فاطمة بنت رسول الله، وعمّه جعفر بن أبي طالب، وعمّته أمّ هانئ بنت أبي طالب، وخاله القاسم ابن رسول الله، وخالته زينب بنت رسول الله. المدائني عن فليح بن سليمان قال: وفد عمرو بن العاص على معاوية ومعه قوم من أهل حمص فأمرهم إذا دخلوا أن يقفوا ولا يسلموا بالخلافة، فلما دخلوا قالوا: السّلام عليك يا رسول الله، وتتابعوا على ذلك، فضحك معاوية وقال: اغربوا وزجرهم، فلمّا خرجوا قال لهم عمرو: نهيتكم عن أن تسلّموا بالخلافة فسلّمتم بالنّبوة؟! عليكم لعنة الله. المدائني عن جويرية بن أسماء أنّ بسر بن أبي أرطاة نال من عليّ عند معاوية، وزيد بن عمر بن الخطّاب حاضر، فعلاه بعصا فشجّه، فقال معاوية: عمدت إلى شيخ قريش وسيّد أهل الشام فضربته، ثم أقبل على بسر فقال: شتمت عليّا وهو جدّه، وهو أيضا ابن الفاروق أفكنت ترى أنه يصبر لك؟ قال: وأمّ زيد بن عمر أمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب؛ ثم إن معاوية أرضاهما جميعا وأصلح بينهما. المدائني عن سعيد بن المبارك وعوانة قالا: قال معاوية: [معروف] زماننا منكر زمان قد مضى، [ومنكره] معروف زمان قد بقي.

стр. 1775

المدائني قال: لما قدم أبو موسى للحكومة دسّ معاوية رجلا إلى عمرو ليعرف رأيه وعزمه، فأتاه الرجل فكلّمه بما أراد ممّا أمره معاوية، فعضّ عمرو على إبهامه ولم يجبه، فأتى الرجل معاوية فأخبره فقال: قاتله الله أعلمك أنّك تفرّ قارحا (١). المدائني عن عوانة قال: قال معاوية: أشدّ العرب طعانا عن نسائهم بنو ضبّة، وأشدّ العرب بأسا بنو الحارث بن كعب، كانوا يغزون ولا يغزون. المدائني عن عوانة قال: قدم صعصعة بن صوحان على معاوية فقال: قدمت خير مقدم قدمت أرض المحشر، فقال صعصعة: إنّ خير المقدم لمن قدم على الله آمنا يوم القيامة، وأمّا أرض المحشر فليس ينفع الكافر قرب المحشر ولا يضرّ المؤمن بعده. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال معاوية لصعصعة: يا أهل العراق قلّدتم أمركم غلاما من النخع، يعني إبراهيم بن الأشتر، فقال: لو كان معك لقلّدته أمرك، إنّه شجاع نجيح نصيح يعلم ما يأتي ويذر، وما رأينا بعد أبيه مثله. المدائني عن سحيم بن حفص قال: أتى معاوية رجل فسأله بالرّحم، فقال معاوية: ذكرتني رحما بعيدة، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الرحم شنة إن بللتها ابتلّت وإن تركتها تقصّفت، قال له: سل، قال: مائة ناقة متبع ومائة شاة ربّى (٢)، فأمر له بذلك.

стр. 1776

حدثني هشام بن عمّار عن الوليد بن مسلم قال: بلغني أنّ معاوية صارع رجلا على عهد رسول الله ﷺ فصرعه، فقال: «وأوما علمتم أنّ معاوية رجل لا يصارع أحدا إلاّ صرعه». وقال الواقدي: كان معاوية يغري بين سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة وبين مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة، فكتب إلى سعيد وهو على المدينة يأمره بهدم دار مروان فلم يفعل، فأعاد عليه فلم يفعل، فلما ولي مروان المدينة كتب إليه بهدم دار سعيد، فأرسل الفعلة وركب مروان ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك أتهدم داري؟! قال: كتب أمير المؤمنين إليّ في هدمها، فبعث سعيد فجاء بكتب معاوية إليه في هدم دار مروان، فقال مروان: يا أبا عثمان كتب إليك بهذه الكتب فلم تعلمني؟! قال: ما كنت لأمّرر عليك عيشك، وإنّما أراد أن يغري بيننا، فقال مروان: فداك أبي وأميّ فإنّك أكرمنا ريشا وعقبا، وأمسك عن هدم داره. المدائني قال: قدم معاوية المدينة وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليل فركب إليه معاوية في الناس، فقال رجل من قريش لسائب خاثر: مطرفي لك إن غنّيت ومشيت بين أيديهم، وقيل: انّ ذلك كان في وليمة، فغنّى. لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما (١)

стр. 1777

فنصت معاوية حتى فرغ، وأخذ سائب المطرف. وقتل سائب يوم الحرّة. المدائني قال: كتب معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة حين أبى المصير إليه، وكان مع الحسن بن عليّ ﵉: يا يهوديّ بن اليهودي إنّما أنت عبد من عبيدنا، فكتب إليه: يا وثن يا بن الوثن دخلتم في الإسلام كارهين وخرجتم منه طائعين. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال معاوية لأسامة بن زيد: رحم الله أمّ أيمن كأنّي أنظر إلى ساقيها وكأنّهما ظنبوبا نعامة خرجاء، فقال: هي والله خير من أمّك وأكرم، فقال معاوية: وأكرم أيضا؟ قال: نعم، قال الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ (١). المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان سليم مولى زياد من الدهاة فساير معاوية ومعاوية على ناقه وسليم على جمل قراسي (٢) فعلا معاوية، فقال: يا سليم انزل عن بعيرك، فنزل وركبه معاوية، ثم قال: يا سليم تزعم أنّك من الدهاة وقد غبنتك، فقال: يا أمير المؤمنين لو خرجت لك من كلّ ما أملك بتحويلي إيّاك عن مركبك وركوبي إيّاه كنت قد غبنتك. قال عمر بن بكير: أنشد معاوية: لا يبعد الله جيرانا لنا فقدوا … ماتوا لوقت مناياهم فقد بعدوا قبر بمصر وقبر بالحجاز وقب … ر بالعراق منايا بينهم بدد

стр. 1778

كانت لهم همم فرّقن بينهم … إذا المقاريف عن أمثالها قعدوا فهم رهائن للأجداث ليس لهم … من العوائد إلاّ الهامة الغرد فقال معاوية: من كرم الحيّ بدد قبورهم. المدائني قال: قال معاوية لعبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب: لقد هممت بأن أولّيك الكوفة غير مرّة فما منعني من ذلك إلاّ أنّي قلت: أوليّه فيقول أنا ابن زيد بن الخطّاب أحد أبناء المهاجرين البدريّين وعمّي، الفاروق أمير المؤمنين، وأنا أحقّ بالأمر من معاوية، قال: لو ولّيتني لقلت ذلك، وأنا أقوله الآن، فضحك معاوية. وحدثني أبو مسعود عن ابن دأب قال: نظر معاوية إلى عمر بن سعد بن أبي وقّاص فقال: ما أحد أودّ أنّ هندا ولدته غير هذا وعبد الله بن جعفر. المدائني قال: قدم صعصعة بن صوحان على معاوية قال: نحن أهل البيضاوين (١) لم يتعبّد فيهما قطّ غير الله، ولم يضرب فيهما بناقوس، ولا كانت فيهما بيعة ولا كنيسة. المدائني قال: قال عمرو بن العاص لمعاوية: غلبتك امرأتك، فقال: إنّهنّ يغلبن الكرام، ويغلبهنّ اللئام. المدائني قال: ذكر الأشتر النّخعي عند معاوية، فقال رجل من النخع للذي ذكره: اسكت فإنّ موته أذلّ أهل العراق، وإنّ حياته أذلّت أهل الشام، فسكت معاوية ولم يقل شيئا.

стр. 1779

المدائني قال: قال رجل لمعاوية: يا أمير المؤمنين البرّ أهون أم الفجور؟ فقال: هما يتنازعانك، يروح عليك أحدهما ويغدو الآخر، فأهونهما ما لم يغالب عليه هواك ونفسك. المدائني عن عوانة وغيره قال: قال معاوية: يرحم الله أمير المؤمنين عثمان لو كان قتل الطعّانين عليه لكان ذلك خيرا له، فما الذي يقول قائلهم؟ فقال أبو الأسود: يقول قائلهم: أنكرنا منكرا فقتيلنا شهيد وحيّنا ثائر؛ فسكت معاوية. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: تمضمض معاوية يوما فسقطت ثنيّته فاسترجع، وشكا ذلك إلى البراء بن عازب فقال: والله ما يسرنا أنّها كانت بغيرك لعظم الأجر لك، وما بلغ رجل مبلغك من السنّ إلا زايله بعض ما كان مشتدّا منه. المدائني عن الوقّاصي قال: قدم المسور بن مخرمة على معاوية فقال له: بلغني أنّك تنتقصني، فماذا نقمت فيه عليّ؟ هل تعلم أنّي أقاتل عدوّ المسلمين وأجبي فيئهم وأعنى بأمورهم، وأصل وافدهم؟ فقال: اللهمّ نعم، قال: فنشدتك الله أتذنب؟ قال: نعم، قال: فما جعلك أحقّ برجاء المغفرة منّي: قال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين. المدائني عن أبي محمد القرشي قال: ذكر عند معاوية قول حذيفة بن اليمان: إنّي لم أشرك في دم عثمان فقال: بلى لقد شرك في دمه، فقال عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث: الرجل كان أعلم بنفسه، قال معاوية: وأنت أيضا قد شركت في دمه بطعنك عليه وخذلانك له، فقال: إنّي كنت

стр. 1780

أنهى عثمان عمّا قيل فيه وكنت تأمره به، فلما اشتدّ الأمر والتقت حلقتا البطان كتب إليك يستنصرك، فابطأت عنه حتى قتل. المدائني عن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: كان عامل معاوية على المصر من الأمصار إذا أراد أن يكتب إلى معاوية نادى مناديه: من يكتب إلى أمير المؤمنين؟ فكتب إليه زرّ بن حبيش، ويقال أيمن بن خريم، كتابا لطيفا ورمى به في الكتب وكان فيه: إذا الرجال ولدت أولادها … وجعلت أسقامها تعتادها فهي زروع قد دنا حصادها فقال معاوية: ليت شعري من ذا الذي نعى إليّ نفسي، لقد أبلغ في موعظتي. حدثني عليّ بن المغيرة الأثرم عن الأصمعي قال: استأذن رجل من ولد الحصين بن حمام المرّي على معاوية فقال: إئذنوا لابن آبي الضيم، ثم قال لآذنه: إن جاء رجل من ولد حصين أو من ولد خداش بن زهير فاستأذن له وإلاّ فاغرب. وحدثني عبد الله بن صالح قال: سمعت عبثر بن القاسم يقول: قال معاوية: ربّ المعروف أفضل من ابتدائه. المدائني قال: قال معاوية: ما شيء أعجب إليّ من غيظ أتجرّعه أرجو بذلك ثواب الله. المدائني قال: قال معاوية لابن الزبير: ألا تعجب من الحسن وتثاقله عنّي؟ فقال ابن الزبير: مثلك ومثل الحسن كما قال الشاعر:

стр. 1781

أجامل أقواما حياء وقد أرى … قلوبهم تأرى (١) عليّ مراضها فقال معاوية: والله ما جامل ولقد أعلن، قال: بلى والله لقد جامل، ولو شاء أن يطلق عليك عقال حرب زبون لفعل، فقال: أراك يا بن الزبير تجول في ضلالتك، أما والله لو ظفر بك لقتلك كما قتل أبوه أباك أو لغرّبك ونفاك. المدائني عن مسلمة قال: قال معاوية: ازدحام الكلام في السمع مضلّة للفهم. المدائني عن عليّ بن سليم قال: قال معاوية: رجلان إن ماتا فكأنهما لم يموتا، ورجل إن مات مات، أنا إن متّ فخليفتي ابني يزيد، وسعيد بن العاص إن مات فخليفته عمرو بن سعيد، وابن عمر إن مات مات، فقال مروان: أما ذكر ابني عبد الملك فو الله ما أحبّ أنّ لي بابني ابنيهما. حدثني عليّ بن المغيرة عن أبي عبيدة عن أبي عمرو قال: وفد المغيرة بن عبد الله الرياحي على معاوية في وفد بني تميم فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين ولّني خراسان، فقال: ما هجا ما لا هجا (٢) له، قال: فشرطة البصرة، قال: لا يمكن، قال: فاحملني على بغلة وأعطني قطيفة، فقال: أمّا هذا فنعم، فوهب له بغلة وقطيفة خزّ، فلامه أصحابه فقال: أمّا أنا فقد أخذت شيئا وأنتم لم تأخذوا.

стр. 1782

المدائني عن حفص بن عمر بن ميمون قال: بعث معاوية إلى عبد الله بن عمر بمال فدعا بصحيفة دينه فقضى ما فيها، ثم دعا بصحيفة العيال فأعطاهم، ثم أمر بصدقة فتصدّق بها، وقسم في أصحابه قطعة من المال، وبعث إلى عبد الله بن الزبير بمال فدعا بصندوق فوضعه فيه، فأخبر معاوية رسوله بفعلهما فقال: هكذا هما لو وليا. المدائني عن جويرية قال: زار حسّان بن ثابت في الجاهليّة جبلة بن الأيهم الغسّاني بجلّق فجفاه يوما أو يومين، ثم لقيه جبلة متنكّرا فقال له: من أنت؟ قال: حسّان بن ثابت، قال: ما تقول في هذا الذي قدمت عليه؟ قال: لو أعلم أنّي أصدق في ذمّه لذممته، ولكّني أسكت فلا أذمّ ولا أحمد، قال: فارجع؛ ثم وصله وقال: لا يأتيك منّي تحيّة إلاّ ومعها صلة، فلمّا ظهر الإسلام ولحق جبلة بالروم بعث معاوية رجلا يفدي من في أيدي الروم من أسارى المسلمين، فرآه جبلة فسأله عن حسّان فأعلمه أنّه باق وأنّه خلّفه عند معاوية، فقال: أقرئه السّلام وأعطه هذه الخمسمائة الدينار، فقدم الرجل على معاوية وحسّان عنده، فقال له: جبلة يقرئك السّلام يا حسّان، قال: هات ما معك، قال: ما معي شيء، قال معاوية: أعطه، فأعطاه الدنانير، فقال معاوية: إنّ هذا لعهد كريم. المدائني قال: قال معاوية حين مات عتبة أخوه: لولا أنّ الدنيا بنيت على نسيان الأحبّة لظننت أنّي لا أنسى أخي عتبة أبدا. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: ولّى معاوية عنبسة بن أبي سفيان، وأمّه ابنة أبي أزيهر، الطائف، ثم عزله وولّى الطائف عتبة بن أبي سفيان، وأمّه هند بنت عتبة، فقال له عنبسة: يا أمير المؤمنين والله

стр. 1783

ما نزعتني عن ضعف ولا خيانة فقال معاوية: إنّ عتبة ابن هند، فولّى عنبسة وهو يقول: كنّا لحرب صالحا ذات بيننا … جميعا فأمست فرّقت بيننا هند فإن تك هند لم تلدني فإنّني … لبيضاء ينميها غطارفة مجد أبوها أبو الأضياف في كلّ شتوة … ومأوى ضعاف قد أضرّ بها الجهد المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال معاوية: إذا ذهب أصحاب رسول الله ﷺ ذهب الورع، وإذا ذهب من بقي من أهل الجاهلية ذهب الحلم. حدثني هشام بن عمّار حدثنا صدقة عن يزيد بن واقد قال: قال معاوية: أفضل ما أعطيه الرجل العقل والحلم، فإن ذكّر ذكر، وإن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن غضب كظم، وإن قدر غفر، وإن أساء استغفر، وإن وعظ ازدجر. المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: قال معاوية لعمرو بن العاص: ما بلغ من دهيك؟ قال: لم أدخل في أمر قطّ إلاّ خرجت منه، قال معاوية: لكنّي لم أدخل في أمر قطّ فأردت الخروج منه. المدائني عن أبي محمد العبدي قال: أكل صعصعة بن صوحان مع معاوية فتناول شيئا من بين يديه، فقال له: لقد أبعدت النجعة، قال: من أجدب انتجع.

стр. 1784

المدائني قال: قال معاوية لمعاوية بن حديج: ما جّرأك على قتل محمد بن أبي بكر؟ قال: الذي جرّأك على قتل حجر بن عديّ (١)، أفتقتل حلماءنا وتلومنا على قتل سفهائكم؟! حدثني العمري عن الهيثم عن ابن عيّاش قال: دخل مالك بن هبيرة السّكونيّ على معاوية، فلمّا طلع قال لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله ما أحبّ أنّ هذا من قريش، قال: وما يهولك منه؟ قال: أقسم بالله لو كان منهم لأهمّتك نفسك وما خلوت بمصر، فلمّا دنا سلّم وجلس، قال: وخدرت رجله فمدّها فقال له معاوية: يا أبا سعيد وددت أنّ لي جارية لها مثل ساقيك، قال: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين، قال: حبجة بلبجة والبادئ أظلم (٢)، فلمّا نهض قال معاوية لعمرو: إن الله قد أحسن بك إذ جعل هذا من كندة. حدثنا محمد بن سعد عن عفّان عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي بردة بن أبي موسى قال: دخلت على معاوية حين أصابته قرحته فقال: هلمّ يا بن أخي فانظر إليها، فنظرت إليها وقد سبرت فقلت: ليس عليك يا أمير المؤمنين بأس، ودخل يزيد فقال له: إن وليت من أمر المسلمين شيئا فاستوص بهذا فإن أباه كان أخا لي وخليلا، غير أنّي رأيت في القتال غير رأيه.

стр. 1785

حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن شريك قال: كتبت عائشة إلى معاوية في قتل حجر أو غير ذلك: أمّا بعد فلا يغرّنّك يا معاوية حلم الله عنك فيزيدك ذلك استدراجا، فإنه بالمرصاد، وإنّما يعجل من يخاف الفوت. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن عوانة عن عبد الملك بن عمير قال: سأل قبيصة بن جابر معاوية عن قريش فقال: أمّا سيّدها غير مدافع فسعيد بن العاص، وأمّا رجلها فمروان مع غلق فيه وحدّ، وأمّا فتاها نائلا وتوسّعا فعبد الله بن عامر بن كريز، وأمّا أكرمها أبا وأمّا وجدّا وجدّة وعمّا وعمّة وخالا وخالة فالحسن، وأمّا رجل نفسه فعبد الله بن عمر، وأمّا من يرد مع دواهي السباع ويروغ روغان الثعلب فعبد الله بن الزبير، وأمّا سيّد الناس جميعا فمن يقعد هذا المقعد بعدي، قال: فأخبرني عن نفسك، قال: قد علمت قريش أنّي أشدّها ثبات قدمين في بعثط (١) البطحاء. المدائني عن عوانة قال: تغدّى مع معاوية يوما عبيد الله بن أبي بكرة ومعه ابنه بشير أو غيره من ولده فأكثر من الأكل، وكان معاوية أكولا نهما، فلحظه معاوية، فلمّا خرج ابن عبيد الله لامه أبوه على ما صنع، ثم عاد ابن أبي بكرة من الغد وليس ابنه معه، فقال معاوية: ما فعل ابنك التلقامة؟ قال: اشتكى، قال: قد علمت أنّ أكله سيورثه داء. المدائني عن أبي أيّوب بن عبد الله قال: كان معاوية يحسد الناس على النكاح، فقال لرجل من جلسائه من كلب، وكان شيخا كبيرا، كيف أنت

стр. 1786

والنساء؟ قال: ما أشاء أن أفعل إلاّ فعلت، فجفاه وحرمه صلته، فدسّ الكلبيّ امرأته الى ابنة قرظة امرأة معاوية فشكت وقالت: ما أنا وهو في اللحاف الاّ بمنزلة امرأتين، ودخل معاوية على ابنة قرظة فقال: من المرأة التي عندك؟ قالت: امرأة فلان الكلبي، قال: وما قالت؟ قالت: شكت حالها وكبر زوجها وأنّه لا ينال منها شيئا ولا يقدر عليه، فقال: ما كذا يزعم؛ فأرسل إليه وتوارت امرأته عند النساء، فقال له معاوية: يا فلان كيف قوّتك على الجماع؟ فقال: ما أشاء أن أفعل إلاّ فعلت، فقالت امرأته: كذب يا أمير المؤمنين، فقال الشيخ: أقلني هذه الكذبة، فضحك معاوية وقال: أنا أبو عبد الرحمن، وأمره فانصرف، وعاد إلى ما كان عليه من برّه وصلته. قالوا: وقدم على معاوية روميّ لم ير قطّ أطول منه، فدعا معاوية قيس بن سعد بن عبادة فطاله، فقال معاوية لقيس: أعطه سراويلك، فلبسها الرومي فكادت تبلغ عنقه، فقال: اتركها عليه، فتركها، وأمر معاوية لقيس بسراويل من سراويلاته فوجده قصيرا عليه فقال: إنما أمرت لي بتبّان، يعيّره بذلك، فقال معاوية: أمّا قريش فأشياخ مسرولة … واليثربيّون أصحاب التبابين فقال قيس: تلك اليهود التي تعنى بقريتنا … أضحت قريش هم أهل السخاخين (١)

стр. 1787

المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قدم أبو موسى على معاوية فدخل عليه في برنس أسود، فلمّا خرج من عنده قال: قدم الشيخ لأولّيه و والله لا ولّيته. المدائني عن محمّد بن مروان العجلي عن حبيب بن الشهيد قال: قال معاوية لعبد الله بن عامر: يا أبا عبد الرحمن لا يزال يكون بينك وبين مروان الشيء فتقهره وتستعليه وتظفر به، فقال ابن عامر: إنّه يجدني عضّا، فقال معاوية: إنّك لو لقيت رجلا عرفّك نفسك، قال: فكن أنت ذلك الرجل يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: أنا ابن هند، قال ابن عامر: أنا ابن أم حكيم، قال معاوية: ارتفعت جدّا، قال ابن عامر: وانخفضت يا أمير المؤمنين. قال: أمّ عبد الله بن عامر دجاجة بنت [أسماء بن] (١) الصلت وأم أبيه أروى بنت كريز وأمّها أمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب. المدائني عن أبي اسحاق التميمي قال: كتب معاوية إلى عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة في القدوم، فقدم عمرو من مصر والمغيرة من الكوفة، فقال عمرو للمغيرة بن شعبة: ما جمعنا إلاّ ليعزلنا، فإذا دخلت عليه فاشك الضعف واستأذنه في إتيان المدينة أو الطائف، فإني سأسأله إتيان مكّة أو المدينة، فسيقع في قلبه أنّا إنّما نريد إفساد الناس عليه، ففعل المغيرة ذلك، ثم دخل عمرو فسأله أن يأذن له في إتيان مكّة أو المدينة فقال: قد تواطأتما على أمر وإنّكما لتريدان شرّا فارجعا الى عملكما. المدائني قال: نظر معاوية إلى فتيان من بني عبد مناف فتمثّل:

стр. 1788

بنو الحرب لم تقعد بهم أمّهاتهم … وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا ونظر إلى فتيان من بني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ فقال: شربن حتّى نفد القليب … أكلن حمضا فالوجوه شيب المدائني عن سعيد بن عامر الخزرجي عن عبادة بن نسيّ قال: خطب معاوية فقال: إنّي كزرع مستحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، وتمنّيت فراقكم وتمنّيتم فراقي، ولن يأتيكم بعدي إلاّ من أنا خير منه كما أنّ من كان قبلي كان خيرا منّي، وقد قيل: من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه؛ اللهم إنّي أحببت لقاءك فأحبّ لقائي وبارك لي فيه. حدثنا هشام بن عمّار حدثنا اسماعيل بن عيّاش عن صفوان بن عمرو عن الأزهر بن عبد الله الهوزني (١) عن أبي عامر الهوزني قال: حججنا مع معاوية، فلمّا قدمنا مكّة أخبر برجل قاصّ يقصّ على أهل مكّة، وكان مولى لبني مخزوم، فقال له معاوية: أمرت بالقصص؟ فقال: لا، قال: فما حملك على أن تقصّ بغير إذن؟ قال: إنّما ننشر علما علّمناه الله، قال: لو كنت تقدّمت إليك لقطعت طابقا منك. المدائني عن سحيم بن حفص قال: خطب ربيعة بن غسل - وذلك الثبت، ويقال عسل - اليربوعي إلى معاوية فقال معاوية: اسقوه سويقا، فقال: يا أمير المؤمنين أعنّي في بناء داري باثني عشر ألف جذع، قال: وكم دارك؟ قال: فرسخان في فرسخين أو أكثر، قال: فدارك بالبصرة أم

стр. 1789

البصرة في دارك؟! قال: فدخل رجل من ولده على ابن هبيرة فقال: أنا الذي خطب أبي إلى معاوية، قال: فزّوجه معاوية؟ قال: لا، قال: فما صنع شيئا؛ ثم قال لسلم بن قتيبة: من هذا؟ قال: ابن أحمق قومه، قال: وان الحمق لبيّن فيه أيضا. المدائني قال: ذكر مروان يوما لمعاوية كثرة عدد آل أبي العاص وقلّة عدد آل حرب، فتمثّل معاوية: تفاخرني بكثرتها قريط … وقبلك طالت الحجل الصقور فإن أك في عدادكم قليلا … فإنّي في عدوّكم كثير بغاث الطير أكثرها فراخا … وأمّ الصّقر مقلات نزور وحدثني عبد الله بن صالح عن هشام بن محمد قال: زوّج معاوية ابنته رملة من عمرو بن عثمان بن عفّان، فسمعت مروان بن الحكم يقول له وقد عاده: إنّما ولي معاوية الخلافة بذكر أبيك، فما يمنعك من النهوض لطلب حقّك، فنحن أكثر من آل حرب عددا، منّا فلان وفلان؛ وحجّ عمرو بن عثمان وخرجت إلى أبيها فقال لها: مالك، أطلّقك زوجك؟ قالت: الكلب أضنّ بشحمته، وحدّثته حديث مروان واستكثاره آل أبي العاص واستقلاله آل حرب، فكتب معاوية إلى مروان: أواضع رجل فوق رجل يعدّنا … كعدّ الحصا ما إن يزال يكاثر وأمّكم تزجي تؤاما لبعلها … وأم أخيكم نزرة الولد عاقر المدائني عن مسلمة قال: لمّا بلغ معاوية موت زياد قال: وأفردت سهما في الكنانة واحدا … سيرمى به أو يكسر السّهم كاسره

стр. 1790

المدائني عن عوانة وابن جعدبة قالا: قال معاوية لابن عبّاس: إنّ عثمان أصاب من هذه الدنيا وأصابت منه، وإنّها قد مالت بي وملت بها، فما ترى يا أبا عبّاس؟ فقال: إنّ الدنيا قد أمكنتك فهي في يدك ولك درّها، وإنّ الآخرة ممكنة لك إن أردتها، ولما نقصك من دنياك وزادك في آخرتك خير لك ممّا نقصك من آخرتك وزادك في دنياك. المدائني عن جويرية قال: قال معاوية لعمرو بن العاص، وعمرو عنده بدمشق: قد جاشت الروم، وهرب عامل من عمّالنا، وخرج أهل السجن، قال: فلا يكبرنّ عليك ذلك، أمّا الروم فأرضهم بشيء تردّهم به عنك، وأمّا أهل السجن فإنّما خرجوا حفاة عراة فابعث في طلبهم تؤت بهم، وأمّا عاملك فأظهر أنّك قد تركت له ما عليه فإنّه سيرجع فإذا رجع فطالبه، قال: ففعل معاوية ذلك. المدائني عن غسان بن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور ابن مخرمة عن أبيه [عن جدّه المسور] قال: دخلت على معاوية فقلت: السّلام عليك أيّها الملك، فقال: قد علمت أحسن ما قلت فكيف طعنك على الأمراء؟ فلم أدع شيئا إلاّ بكّتّه به، فقال: يا مسور إنّا غير متبرّئين من الذنوب ونرجو رحمة الله؛ إنّي لعلى شريعة يقين يقبل الله معها الحسنى ويتجاوز عن السّوآى، ولو خيّرت بين الله وما سواه لاخترته، ثم قضى حوائجه. المدائني عن محمد بن الحجّاج عن عبد الملك بن عمير انّ أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس دخل على معاوية فقال: السلام عليك أيّها الأمير، فضحك معاوية وقال: بايع يا أبا موسى، وبسط يده، فقال أبو
следующие страницы →