لي الضلالة. ثم اقترب، فقاتل حتى قتل، وكان الذي قتل عمارا: أبو الغادية المريّ، طعنه برمح، فسقط. وكان يومئذ يقاتل في محفة، فقتل وهو ابن أربع وتسعين سنة، فلما وقع، أكبّ عليه رجل آخر فاحتزّ رأسه، فاختصما فيه. فقال عمرو: والله ما يختصمان إلا في النار، فقال معاوية:
أتقول هذا لقوم بذلوا أنفسهم دوننا؟ فقال عمرو: هو والله ذاك؛ وإنك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
- حدثني بكر بن الهيثم، ثنا أبو نعيم، ثنا عبد الجبار، عن أبي إسحاق، قال:
لما قتل عمار، دخل خزيمة بن ثابت فسطاطه، فشنّ عليه الماء، وطرح عليه سلاحه، ثم قاتل حتى قتل:
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، قال:
قتل عمار ﵁ وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان أقدم في الميلاد من رسول الله ﷺ ، وكان أقبل إليه ثلاثة نفر: عقبة بن عامر الجهني، وعمير بن الحارث الخولاني، وشريك بن سلمة المرادي، فانتهوا إليه، فحملوا عليه فقتلوه، وزعم بعض الناس أن عقبة بن عامر هو الذي كان ضربه حين أمر به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، حتى أصابه الفتق. ويقال: بل الذي قتله عمير بن الحارث الخولاني.
وقال الكلبي: يقول أهل الشأم: إن الذي قتل عمارا: حويّ بن ماتع بن زرعة بن يحض السكسكي، من كندة. قال: وغيره يقول: قتله أبو الغادية المريّ.
стр. 212
-حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، أنبأ شعبة، أنبأني عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول:
رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم، في يده الحربة، وإنها لترعد. فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الراية، فقال: إنّ هذه راية قد قاتلتها مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات، وهذه الرابعة. والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعرفت أنّ مصلحينا على الحقّ وأنهم على الضلال.
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا الفضل بن دكين، ثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل قال:
قال عمار يوم صفين: «الجنة تحت البارقة، الظمآن قد يرد الماء، الماء مورود. اليوم ألقى الأحبة: محمدا وحزبه. والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر، لعلمت أنا على حق وأنهم على باطل. والله لقد قاتلت هذه الراية ثلاث مرات مع رسول الله ﷺ ، وما هذه المرة بأبرهنّ ولا أنقاهن».
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمار بن ياسر، قالت:
لما كان اليوم الذي قتل فيه عمار، والراية مع هاشم بن عتبة، وقد قاتل أصحاب عليّ ﵇ ذلك اليوم، حتى كادت الشمس تغرب، وعمار من وراء هاشم، وقد جنحت الشمس للغروب. ومع عمار ضيح (١) من لبن.
فقال حين وجبت الشمس، وشرب الضيح سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن». قالت: ثم اقترب، فقاتل حتى قتل، وهو ابن أربع وتسعين سنة.
стр. 213
-حدثنا عمرو الناقد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، قال:
أتي عمار يوم صفين بلبن، فضحك وقال: قال لي رسول الله ﷺ : «إنّ آخر شراب تشربه حتى تموت شربة لبن».
- حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البختري قال:
قال عمار يوم صفيّن: ائتوني بشربة لبن، فإنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ آخر شربة تشربها في الدنيا شربة لبن». فأتى بلبن، فشربه. ثم قاتل حتى قتل. رضي الله تعالى عنه.
- حدثني عمرو الناقد، ثنا عفان، ثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، حدثني أبي قال:
كنت بواسط القصب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر. فقال الآذن: هذا أبو الغادية الجهني بالباب. فقال عبد الأعلى: أدخلوه، فدخل وعليه مقطعات له، فإذا رجل طوال، ضرب من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة، فلما دخل، قعد، قال: بايعت رسول الله ﷺ ، قلت: بيمينك؟ قال:
لم؟ وذكر كلاما، ثم قال: «إنا كنا نعد عمار بن ياسر فينا حنّانا، فبينا أنا في مسجد قباء، إذا هو يقول: «إنّ نعثلا هذا» يعني عثمان. فقلت: لو أجد عليه أعوانا، لوطئته حتى أقتله، وقلت: اللهم. إن تشأ تمكني من عمار، فلما كان يوم صفين، أقبل في أول الكتيبة، حتى إذا كان بين الصّفين، أبصر رجل عورة منه، فطعنه في ركبته بالرمح، فعثر فانكشف المغفر عنه، فضربته، فإذا رأس عمار. قال: فلم أر رجلا أبين ضلالة عندي منه: إنه سمع من النبي ﷺ ، وبايعه، ثم قتل عمارا. واستسقى أبو غادية ماء. فأتي بماء في
стр. 214
زجاج. فأبى أن يشرب. فأتي بماء في خزف، فقال رجل بالنبطية: «يتورّع عن الشرب في زجاج، ولم يتورّع عن قتل عمار».
- وحدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ سلمة، أنبأ كلثوم بن جبر، عن أبي غادية، قال:
سمعت عمارا يقع في عثمان ويشتمه بالمدينة، فتوعّدته بالقتل. فلما كان يوم صفّين، جعل عمار يحمل على الناس. فقيل: هذا عمار. فرأيت فرجة بينّ الرانين (١) وبين الساقين، فحملت عليه، فطعنته في ركبته. فوقع، فقتلته.
فقيل: قتل عمار بن ياسر.
- وأخبر عمرو بن العاص، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«قاتله وسالبه في النار». فقيل لعمرو: سمعت هذا من رسول الله ﷺ وها أنت قاتله. قال: إنما قال: «قاتله وسالبه».
- وقال الواقدي في إسناد له:
حمل على عمار حويّ السكسكي وأبو الغادية المرّي، فقتلاه، فقيل لأبي الغادية: كيف قتلته؟ قال: لما دلف إلينا في الكتيبة، دلفنا إليه، فنادى: هل من مبارز؟ فبرز إليه رجل من السكاسك، ثم بارز رجلا من حمير، فقتله عمار. وأثخن الحميري عمارا. ونادى: هل من مبارز؟ فاختلفنا ضربتين، واضطربت يد عمار، فضربته بسيفي حتى برد، ونادى الناس: قتلت أبا اليقظان، قتلك الله، فقال له محمد بن المنتشر: خصمك، يا أبا الغادية، مازندر،- يعني ضخما - فضحك. وكان أبو الغادية شيخا كبيرا جسيما آدم.
- وقال عليّ ﵇: إنّ امرءا من المسلمين لم يعظم عليه قتل عمار ويدخل عليه بقتله مصيبة موجعة، لغير رشيد، رحم الله عمارا يوم أسلم،
стр. 215
ورحم الله عمارا يوم قتل، ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا. لقد رأيت عمارا ما يذكر من أصحاب رسول الله ﷺ أربعة إلا كان الرابع، ولا خمسة إلا كان الخامس، وما كان أحد من أصحاب محمد يشكّ في أنّ عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين، فهنيئا له الجنة، عمار مع الحق أين دار، وقاتل عمار في النار.
- حدثني الحسين بن الأسود، عن عبيد الله بن موسى، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال:
قتل عمار يوم قتل وهو مجتمع العقل.
- حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن الحسن، قال:
قال عمرو بن العاص: إني لأرجو أن لا يكون رسول الله ﷺ مات يوم مات وهو يحبّ رجلا، فيدخله الله النار. فقال: قد كان يحبك ويستعملك، فقال: الله أعلم أحبني أم تألفني؛ لكنا كنا نراه يحب رجلا. قال: فمن ذاك الرجل؟ قال: عمار بن ياسر، قالوا: فذاك قتيلكم يوم صفيّن. قال: قد والله قتلناه.
- وقال بعض الرواة: كان أبو الغادية عامليا. وأثبت ذلك أنه مرّى.
وقال الواقدي في إسناده: كان عمار آدم، طوالا، مضطربا، أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، وكان لا يغير شيبه. وقتل مع علي بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين، وذلك الثبت. ويقال:
إحدى وتسعين، ودفن بصفين (١). رحمه الله تعالى.
стр. 216
-حدثنا محمد بن حاتم، ثنا ابن نمير عن أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق.
أن عليا ﵇ صلى على عمار، وهاشم بن عتبة، فجعل عمار مما يليه، وهاشما أمام ذلك، وكبر عليهما تكبيرا واحدا.
- وحدثنا بشر بن الوليد، ثنا أبو يوسف، عن الحسين بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة:
أن عليا صلى على عمار، ولم يغسّله.
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم، ثنا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق الشيباني، عن مثنى العبدي، عن أشياخ شهدوا عمارا قال: لا تغسلوا عني دما فإني مخاصم.
وروي عن الأصبغ بن نباته أنه قال:
رحم الله أبا اليقظان، فإني أرى أنه لو شارك أيوب ﵇ في بلائه، صبر معه.
خبّاب بن الأرتّ
- قالوا: كان الأرتّ سواديّا. فأغار قوم من ربيعة على الناحية التي كان فيها، فسبوه وأتوا به الحجاز، فباعوه، فوقع إلى سباع بن عبد العزّى الخزاعي، حليف بني زهرة. وابنة عبد الله بن سباع هذا، هي أم طريح بن إسماعيل الثقفي الشاعر. فوهبه لأم أنمار بنت سباع، فأعتقته. وسباع هذا، هو الذي بارز حمزة يوم أحد فقال له حمزة ﵁: «إليّ يا بن مقطعة البظور». فقتله حمزة. وكانت أمه قابلة بمكة، ويقال: إنّ اسمها أيضا أم أنمار.
стр. 217
-وقال الهيثم بن عدي: كان أبو خباب من أهل كسكر ويقال: إنه كان من سواد الكوفة.
- وزعم أبو اليقظان البصري: أن خباب بن الآرتّ كان أخا سباع لأمه، فانضمّ خباب إلى آل سباع، فادّعى حلف بني زهرة.
- وخباب - فيما يقول ولده - بن الأرتّ بن جندلة بن سعد بن خزيمة، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وأنه وقع عليه سباء، فصار إلى أم أنمار مولاته، فأعتقته. وأنه كانت به رّتة.
قال الواقدي: كان ألكن إذا تكلم بالعربية، فسمى الأرتّ.
- وقال الواقدي: أسلم خباب، وكان قينا بمكة. ويكنى أبا عبد ربه.
- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن كردوس، أنه قال:
ألا إنّ خباب بن الأرتّ أسلم سادس ستة.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن صالح، عن يزيد بن رومان، قال:
أسلم خبّاب مع بني مظعون، وأبي سلمة بن عبد الأسد، وجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، قبل دخول دار الأرقم.
- وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ويوسف بن موسى القطان، قالا ثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن الشعبي، قال:
أعطوهم ما أرادوا. قال يوسف في حديثه: حين عذّبوا إلاّ خباب بن الأرتّ، فجعلوا يلصقون ظهره بالأرض على الرضف (١) حتى ذهب ماء متنه.
- وقال الواقدي: جاء خباب إلى النبي ﷺ ، فشكا ما أصابه. فقال
стр. 218
ﷺ : «لقد كان الرجل ممن قبلكم يمشط بأمشاط الحديد حتى يخلص إلى مادون عظمه من لحم وعصب، ويشقّ بالمياشير، فلا يردّه ذلك عن دينه.
وأنتم تعجلون. والله، ليمضينّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله وحده، والذئب على غنمه».
- وحدثني أحمد بن هشام بن بهرام ومحمد بن حاتم، قالا: ثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب بن الأرتّ، قال:
كنت قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أقتضيه. فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لن أكفر حتى تموت وتبعث.
قال: «وأني لمبعوث بعد الموت؟ فإن كان ذلك، فلسوف أقضيك إذ رجعت إلى مالي وولدي». فنزلت فيه: ﴿أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَ وَلَداً،﴾ إلى قوله: ﴿فَرْداً﴾ (١).
- وحدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح المصري، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس بنحوه.
وقوله: «سنكتب ما يقول (٢)»، يعني ماله وولده.
- وقال الواقدي: كان خباب ممن شهد بدرا، ولم يفارق النبي ﷺ ، ولما هاجر رسول الله ﷺ وهاجر خباب، نزل والمقداد بن عمرو على كلثوم بن الهدم، فلم يبرحا منزله حتى توفي قبل بدر بيسير. فتحوّلا، فنزلا على سعد بن عبادة، فلم يزالا عنده حتى فتحت قريظة. وآخا رسول الله ﷺ بين خباب وجبر بن عتيك بن [الحارث بن] (٣) قيس بن هيشة الأوسي. ولم يتخلف عن مشهد من مشاهد رسول الله ﷺ .
стр. 219
-حدثني إبراهيم بن مسلم الخوارزمي وعمرو بن محمد الناقد، قالا ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ليلى الكندي قال:
جاء خباب إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: ادنه، ادنه، فما أحد أحق بهذا المجلس منك، إلا عمار بن ياسر. فجعل خباب يريه آثارا في ظهره لما عذّبه المشركون.
- حدثني خلف بن هشام، ثنا حبان بن علي العنزي أخو مندل، ثنا مجالد، عن الشعبي، قال: دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فأجلسه على منكبه وقال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا رجل واحد، فقال خباب: ومن هو، يا أمير المؤمنين؟ قال:
بلال. قال خباب: ليس هو بأحق مني، إنّ بلالا كان له في المشركين من يمنعه الله به، ولم يكن لي أحد؛ لقد رأيتني يوما وقد أوقدوا لي نارا، ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري، فما أتيت الأرض إلا بظهري. ثم كشف خباب عن ظهره، فإذا هو قد برص.
- حدثني القاسم بن سلام، ثنا حجاج بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حارثة بن مضرب، قال:
دخلت على خباب أعوده وقد اكتوى سبع كيّات، فسمعته يقول:
لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت»، لتمنيته. قال: وأتي بكفنه قباطي. فبكى، ثم قال: لكن حمزة كفن في بردة، إذا مدّت على قدميه قصرت عن رأسه، وإذا مدّت على رأسه قصرت عن قدميه حتى جعل عليهما إذخر (١)، ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ،
стр. 220
وما أملك دينارا ولا درهما؛ وإنّ في بيتي في تابوت لأربعين ألف واف. ولقد خشيت أن يكون عجّلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا.
- حدثني محمد بن سعد، حدثني يعلى بن عبيد، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:
دخلنا على خباب نعوده، وقد اكتوى في بطنه سبعا. وقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت، لدعوت بالموت.
- حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، قال:
كان خباب قينا، وكان قد أسلم، فكان رسول الله ﷺ يألفه ويأتيه، فأخبرت بذلك مولاته، فكانت تأخذ الحديدة وقد أحمتها، فتضعها على رأسه. فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: اللهم انصر خبابا. فاشتكت مولاته رأسها - وهي أم أنمار - فكانت تعوي مع الكلاب. فقيل لها:
اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة قد أحماها، فكان يكوي بها رأسها.
- قال الواقدي: أتى خباب الكوفة حين اختطها المسلمون، فابتنى بها دارا، وتوفي بها سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. وصلى عليه علي بن أبي طالب منصرفه من صفين.
- حدثني محمد بن سعد، ثنا طلق بن غنام النخعي، ثنا محمد بن عكرمة بن قيس النخعي، عن أبيه قال: حدثني ابن خباب قال:
كان الناس يدفنون موتاهم بالكوفة في جبابينهم. فلما ثقل خباب، قال: أي بنيّ، إذا أنا مت، فادفني بهذا الظهر، فإنك لو دفنتني به قيل:
دفن بهذا الظهر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، فدفن الناس موتاهم بالظهر، قال: فلما مات، دفنه بظهر الكوفة. فكان أول مدفون بظهر الكوفة خباب بن الأرتّ.
стр. 221
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناده، قال:
كان الذي يعذب خبابا حين أسلم، ولازم رسول الله ﷺ : عتبة بن أبي وقاص، أخا سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، ويقال: إن الذي كان يعذّبه - وهو الثبت - الأسود بن عبد يغوث.
قال: وكان، فيما ذكر بعض ولده، ربعة، جيد الألواح، عريض ما بين المنكبين، عظيم الهامة، كثّ اللحية.
- وزعم بعض الرواة: أن خبابا كان مولى لعتبة بن ربيعة، وذلك باطل.
- حدثنا عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد، أنبأنا الأعمش، عن إبراهيم:
أنّ خبابا كان يكنى أبا عبد الله.
صهيب بن سنان
- قال الكلبي: صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن جذيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس مناة بن النمر بن قاسط. وأمه سلمى بنت قعيد، من بني تميم.
- وقال الواقدي: كان إسلام صهيب مع عمار في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وقال بعض الرواة: كان اسم صهيب: عميرة بن سنان. قالوا:
وكناه رسول الله ﷺ ، قبل أن يولد له، أبا يحيى. وليست له كنية غيرها.
- وقال الكلبي وغيره:
كان سنان عاملا لكسرى على الأبلّة من قبل النعمان بن المنذر، وكانت منازلهم بأرض الموصل، ويقال: كانوا في قرية على شاطئ الفرات
стр. 222
مما يلي الجزيرة. فأغارت الروم على ناحيتهم، فسبت صهيبا وهو غلام، فنشأ بالروم، فصار ألكن، فابتاعه رجل من كلب، فقدم به مكة، فاشتراه أبو زهير عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب. فاسترقّه، ثم أعتقه. فأقام معه إلى أن هلك. وكان مهلك ابن جدعان قبل المبعث ببضع عشرة سنة، ولم يزل صهيب مع آل جدعان إلى أن بعث رسول الله ﷺ ، فأسلم.
وأما أهل صهيب وولده، فيقولون: لم يشتره أحد من الذين سبوه، ولكنه لما ترعرع وعقل، هرب من الروم، فسقط إلى مكة، فحالف ابن جدعان وأقام معه إلى أن هلك.
وأنّ صهيبا كان أحمر شديد الحمرة، فسمي روميا لذلك، ولأنه سقط إلى الروم.
وقال المدائني: سبته العرب، فوقع إلى مكة، ولم يدخل الروم قط، وإنما سمي روميا لحمرته.
- حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن معروف الخزري، عن محمد بن سيرين قال:
صهيب من العرب، من النمر بن قاسط.
- حدثنا عمرو بن محمد الناقد ويحيى بن أيوب الزاهد وسريج بن يونس، قالوا ثنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي - وقال بعضهم: ابن علية (١) -أنبأ يونس بن عبيد، عن الحسن، قال:
قال رسول الله ﷺ : «صهيب سابق الروم».
- حدثني أبو صالح الفراء: أنبأ حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال:
стр. 223
مرّ صهيب وأصحابه على مجلس من قريش، فقالوا: انظروا إلى الأرذال؛ أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ فنزلت الآية (١).
- حدثني أبو أيوب سليمان المؤدب الرقي، ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر بن عقيل، عن حمزة بن صهيب:
أن أباه كان يكنى أبا يحيى. فيقول إنه من العرب، ويطعم الطعام الكثير. فقال له عمر بن الخطاب ﵁: «يا صهيب، ما بالك تتكنى، وليس لك ولد؟ وتقول إنك من العرب وإنما تعرف بالرومي، وتطعم الطعام الكثير وذلك سرف في المال»؟ فقال صهيب: «أما الكنية، فإن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى، وأما النسب فإني رجل من بني النمر بن قاسط، من أهل الموصل، ولكن الروم سبوني صغيرا بعد أن عقلت أهلي وقومي وعلمت نسبي. وأما قولك في الطعام، فإن رسول الله ﷺ كان يقول: «خياركم من أطعم الناس، وأفشى السّلام». فذلك الذي يحملني على إطعامه.
- حدثني محمد بن سعد، ثنا الواقدي، عن معاوية بن عبد الرحمن، عن يزيد بن رومان، عن عروة، قال:
كان صهيب من المستضعفين، من المؤمنين الذين كانوا يعذبون في الله.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال:
أقبل صهيب مهاجرا نحو المدينة، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، ونثل ما في كنانته، ثم قال: «يا معشر قريش، لقد علمتم أني
стр. 224
أرماكم رجلا. والله لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فافعلوا ما شئتم، دللتكم على مالي وخليتم سبيلي؟» قالوا: نعم، ففعل، فلما قدم على رسول الله ﷺ ، قال: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع». قال: ونزلت: ﴿وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (١).
- حدثنا هوذة بن خليفة، أنبأ عوف، عن أبي عثمان النهدي، قال:
بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة إلى المدينة، قالت له قريش: «أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا وبلغت ما بلغت، ثم تريد أن تنطلق بنفسك ومالك؛ والله لا يكون ذلك. قال: أرأيتكم إن تركت مالي لكم أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم. فخلع لهم ماله. فبلغ النبي ﷺ ذلك، فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» ونزلت فيه: ﴿وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ الآية.
- وقال الواقدي: قدم صهيب آخر الناس مع علي بن أبي طالب ﵇. وذلك للنصف من شهر ربيع الأول، ورسول الله ﷺ بقباء، ولم يرم بعد، فوافى رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وبين أيديهم رطب قد جاءهم به كلثوم بن الهدم: أمهات جراذين (٢). وكان صهيب رمد العين، قد رمد في الطريق، وأصابته مجاعة شديدة، فجعل يأكل الرّطب أكل جائع. فقال عمر: يا رسول الله، ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا صهيب، أتأكل الرطب
стр. 225
وأنت رمد»؟ فقال صهيب: إنما آكله بعيني الصحيحة، فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم قال صهيب: إن قريشا أخذتني وحبستني، فاشتريت نفسي وأهلي بمالي، وبادرت للهجرة. فقال رسول الله ﷺ : «ربح البيع»، وأنزل الله : ﴿وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ الآية.
- قالوا: وشهد صهيب بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .
- حدثني محمد بن سعد، ثنا سليمان بن حرب، ثنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله قال:
كان صهيب يقول: هلموا: أحدّثكم عن مغازينا؛ فأما أن أقول:
قال رسول الله ﷺ ، فلا.
- حدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد، عن الواقدي، عن فليح، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال:
قال عمر ﵁ لأهل الشورى فيما أوصاهم به: «وليصلّ بكم صهيب».
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن طلحة، عن محمد بن سعيد، عن أبيه سعيد بن المسيب، قال:
ولما توفي عمر رضي الله تعالى عنه، نظر المسلمون فإذا صهيب يصلي بهم المكتوبات بأمر عمر، فقدّموه، فصلى على عمر.
- وقال الواقدي: توفي صهيب بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين، وكان رجلا أحمر شديد الحمرة، ليس بالقصير ولا الطويل، وهو إلى القصر أقرب. وتوفي ابن سبعين سنة، وكان يخضب بالحناء، وكان كثير شعر الرأس. ودفن بالبقيع.
وحدثني رجل من ولد صهيب، عن أشياخه:
стр. 226
أن صهيبا مرّ بقريش، ومعه خبّاب بن الأرتّ، وعمار بن ياسر، فقالوا: هؤلاء جلساء محمد، وجعلوا يهزأون. فقال صهيب: نحن جلساء نبي الله، آمنا وكفرتم، وصدّقناه وكذبتموه ولا خسيسة مع الإسلام ولا عز مع الشرك. فعذبوه وضربوه، وجعلوا يقولون: أنتم الذين من الله عليكم من بيننا؟
بلال بن رباح
- قالوا: كان رباح حبشيا وسبيا، وكان ابنه بلال من مولّدي السراة، وكانت أمه حمامة سبية أيضا، وكانت تلقب سكينة، وأسلم بلال قديما في أول ما دعا رسول الله ﷺ ، وكان بلال يكنى أبا عبد الله، فصار بلال لامية بن خلف بن وهب الجمحي.
- وقد سمعت من يقول: إنّ بلالا من مولدي بني جمح، فكان أمية يخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت، فيلقيه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ويقول له: لا تزال والله كذا حتى تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد، أحد، ويضع أمية في عنقه حبلا، ويأمر الصبيان فيجرونه. فمرّ به أبو بكر رضي الله تعالى عنه يوما وهو يعذّب، فقال له: يا أمية، أما تتقي الله في هذا المسكين؟ فقال أمية: أنت أفسدته، فأنقذه. وكان بلال تربا لأبي بكر، وأحد من دعاه أبو بكر ﵁ إلى الإسلام، فقال أبو بكر: عبدي غلام أسود أجلد منه وأقوى، وهو على دينك؛ فأعطيك إياه ثمنا لبلال. قال: قد قبلت. فأعطاه ذلك الغلام، وأخذ بلالا فأعتقه. وصار مولى لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما.
- وحدثني بكر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة الكلبي، أن عمرو بن العاص قال:
стр. 227
مررت ببلال وهو يعذّب في الرمضاء ولو أن بضعة لحم وضعت لنضجت، وهو يقول: أنا كافر باللات والعزّى، وأمية مغتاظ عليه فيزيده عذابا فيقبل عليه، فيذهب حنقه فيغشى عليه، ثم يفيق.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناد له أن حسان بن ثابت قال:
حججت - أو قال: اعتمرت - فرأيت بلالا في حبل طويل، تمده الصبيان، ومعه فيه عامر بن فهيرة، وهو يقول: أحد، أحد، أنا أكفر باللات والعزّى، وهبل وساف ونائلة وبوانة. فأضجعه أمية في الرمضاء.
- وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا جرير الضبي، عن منصور، عن مجاهد قال:
جعلوا في عنق بلال حبلا، وأمروا صبيانهم أن يشتدوا به بين أخشبي مكة يعني جبليها ففعلوا ذلك وهو يقول: أحد، أحد.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن معاوية بن عبد الرحمن، عن يزيد بن رومان، عن عروة قال:
كان بلال من المستضعفين من المؤمنين، وكان يعذب حين أسلم ليرجع عن دينه. فما أعطاهم قط كلمة مما يريدون. وكان الذي يعذبه أمية بن خلف الجمحي.
- حدثني أبو محمد الغنوي، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال:
كان بلال إذا اشتد عليه العذاب قال: أحد، أحد. فيقولون له:
قل كما نقول. فيقول: إن لساني لا ينطلق به ولا يحسنه.
стр. 228
-حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين:
أنّ بلالا لما أسلم، أخذه أهله، فقمطوه وألقوا عليه من البطحاء، وجعلوا يقولون: ربك اللات والعزى، فيقول: أحد، أحد. قال: فأتى عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: علام تعذّبون هذا الإنسان؟ فاشتراه بسبع أواق، وأعتقه. فذكر للنبي ﷺ أنه قد اشتراه. فقال:
الشركة يا أبا بكر، فقال: قد أعتقته يا رسول الله.
- وروي أن بلالا قال: أعطشوني يوما وليلة، ثم أخرجوني فعذّبوني في الرمضاء في يوم حارّ.
- وحدثنا محمد بن سعد، أنبأ الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال:
اشترى أبو بكر بلالا بخمس أواقي.
- حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا شعيب بن حرب أبو صالح ويزيد بن هارون، قالا: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، ثنا محمد بن المنذر، عن جابر بن عبد الله قال:
قال عمر: «أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا» يعني بلالا.
- وحدثني عمرو الناقد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم - يعني - ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : «بلال سابق الحبشة»:
وقال الكلبي: كان بلال يعذب ليرجع إلى الكفر، فيقول: أحد، أحد. فمرّ به ورقة بن نوفل، فقال: أي والله أحد، أحد. وقال:
لا تعبدون إلها غير ربكم … فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد
مسخر كل ما تحت السماء له … لا ينبغي أن يسامي ملكه أحد
стр. 229
-حدثني شجاع بن مخلد الفلاس ويوسف بن موسى القطان، قالا أنبأ معمر بن عبد الحميد، عن ليث، عن مجاهد:
في قوله: ﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ* أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ (١)، قال: يقول أبو جهل: «أين بلال، أين عمار، أين صهيب، أين خباب، أين فلان؟ كنا نعدّهم في الدنيا من الأشرار ونتخذهم سخريا، لا نراهم في النار، أم زاغت عنهم أبصارنا؟ فليس نرى مكانهم في النار».
- وقال الواقدي: لما هاجر بلال، نزل على سعد بن خيثمة. وقال:
يقال إن رسول الله ﷺ آخا بين بلال وأبي رويحة الخثعمي. وليس ذلك بثبت، ولم يشهد أبو رويحة بدرا، وكان محمد بن إسحاق يثبت مؤاخاة بلال وأبي رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي.
- حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال:
أول من أذّن بلال.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال:
كان بلال إذا فرغ من الأذان وأراد أن يعلم النبي ﷺ أنه قد أذّن، وقف على الباب، فقال: حي على الصلاة، حي على الفلاح يا رسول الله، فإذا خرج رسول الله ﷺ ، فرآه، ابتدأ في الإقامة.
- حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس
أن بلالا صعد ليؤذّن وهو يقول:
стр. 230
ما لبلال ثكلته أمه … وابتل من نضح دم جبينه
- وقال الواقدي: كان بلال يحمل «العنزة» بين يدي رسول الله ﷺ إلى العيد، فيركزها بين يديه. والمصلّي يومئذ فضاء.
- حدثنا أبو نصر التمار، عن شريك، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة
أن بلالا كان يؤذّن حين تدحض الشمس، فيؤخر الإقامة قليلا، أو قال: وربما أخر الإقامة، ولا يخرج في الأذان عن الوقت.
- حدثنا خلف البزار، ثنا أبو شهاب الحناط، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال:
أمر النبي ﷺ بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن إبراهيم بن محمد بن عمار، عن أبيه، عن جده قال:
كان بلال يحمل العنزة بين يدي رسول الله ﷺ يوم العيد، وفي الاستسقاء.
- وحدثني محمد بن سعد، عن إسماعيل، عن عبد الله بن أبي أويس، عن عبد الرحمن بن سعد وغيره، عن آبائهم وأجدادهم
أن النجاشي الحبشي بعث إلى رسول الله ﷺ بثلاث عنزات، فأمسك النبي ﷺ واحدة، وأعطى عمر واحدة، وأعطى عليا واحدة.
- وقال الواقدي: فمشى بالعنزة بين يدي النبي ﷺ ، ثم بين يدي أبي بكر: بلال، ثم كان سعد القرظ يمشي بها بين يدي عمر، وعثمان في العيدين، فيركزها بين أيديهما. ويصليان إليها، وهي العنزة التي يمشى بها اليوم بين يدي الولاة.
стр. 231
قال الواقدي: ويقال إن الزبير بن العوام قاتل بين يدي النجاشي عدوا له، فأبلى، فوهب له العنزة.
- حدثني أحمد بن هشام، ثنا عمرو بن عون، أنبأ خالد بن عبد الله الواسطي، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ لبلال: «ما أرجى عمل عملته منفعة»؟ فقال ما عملت عملا أترجى عندي منفعة من أني لم أتطهر طهورا تاما قط في ليل ولا نهار إلا صليّت لربي ما شاء الله أن أصلي. قال: «فإني رأيت البارحة خشف نعليك - أو قال: خشف نفليك - في الجنة بين يدي».
- حدثنا أحمد بن هشام، ثنا شعيب بن حرب، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن هرير بن عبد الرحمن، عن رافع بن خديج قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا بلال نوّر بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم».
- حدثني حماد بن إسحاق، ثنا الحجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر:
أن بلالا أذّن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ . فنادى: ألا إنّ العبد نام، ألا إن العبد نام، ثلاثا.
- حدثني محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا أبو هلال، عن قتادة:
أن بلالا تزوج امرأة عربية، من بني زهرة.
- حدثنا محمد بن حاتم، ثنا وهب بن جرير، أنبأ شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، قال:
خطب بلال وأخوه إلى أهل بيت من اليمن فقال: «أنا بلال وهذا
стр. 232
أخي عبدان من الحبشة، كنا ضالّين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تنكحونا فالحمد لله، وإن تمنعونا فالله أكبر».
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عمرو بن ميمون، حدثني أمي
أن أخا لبلال كان ينتمي إلى العرب، فخطب امرأة منهم. فقالوا:
إن حضر بلال، زوّجناك. قال: فحضر بلال، فتشهد، ثم قال: أنا بلال بن رباح وهذا أخي، وهو رجل سوقي الخلق والدين؛ فإن شئتم فزوّجوه، وإن شئتم فدعوه، قالوا: من تكن أخاه فإنا نزوّجه، فزوّجوه.
- حدثنا محمد بن سعد، حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم:
أن بني البكير جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، وهم من بني كنانة، فقالوا له: زوّج أختنا فلانا، فقال لهم: «فأين أنتم عن بلال»؟ ثم جاؤوا الثانية والثالثة، فقالوا: يا رسول الله، أنكح أختنا فلانا، فقال: «أين أنتم عن بلال، أين أنتم عن رجل من أهل الجنة؟» قال: فأنكحوه.
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا أبو هلال الحمصي، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة قال:
كان أناس يأتون بلالا فيذكرون فضله وما قسّم الله له من الخير، فكان يقول: إنما أنا حبشي؛ كنت بالأمس عبدا.
- حدثنا علي بن المديني، ثنا جرير بن عبد الحميد، أنبأ مغيرة، عن الشعبي قال:
انتهى بلال إلى قوم يتنازعون في أمر أبي بكر وبلال أيهما أفضل، فقال: إنما أنا حسنة من حسنات أبي بكر.
стр. 233
-حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وكيع، ثنا سفيان، ثنا عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال:
أتيت النبي ﷺ بالأبطح، وهو في قبرة حمراء، فخرج بلال بفضل وضوئه، ثم أذّن بلال، فكنت أتتبع فاه هكذا وهكذا، يعني يمينا وشمالا، ثم ركزت عنزة. وخرج النبي ﷺ وعليه جبة حمراء. فكأني أنظر إلى بريق ساقية، قال: فصلى إلى العنزة الظهر - أو قال: العصر - ركعتين. وجعل يمر الكلب والحمار والمرأة فلا يمنع، فلم تزل الصلاة ركعتين حتى قدم المدينة.
- حدثني عبد الواحد بن غياث، أخبرنا أبو سلمة حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه.
أن بلالا سمع أمية بن خلف، وهو على جمل له يوم بدر، يقول: هل تدرون من تقاتلون؟ ألا تذكرون اللبن (١)؟ فقال بلال: أمية وربّ الكعبة؛ لا نجوت إن نجوت. وأناخ بعيره، ثم خطمه بالسيف فجدعه، فمات.
- وقال الواقدي وإبراهيم بن سعد وغيرهما:
لما كان يوم بدر، رأى أمية بن خلف، عبد الرحمن بن عوف وكان صديقه. فقال له: يا عبد عمرو. وكان اسمه في الجاهلية. فلم يكلمه. فقال له: يا عبد الإله. قال عبد الرحمن: فالتفتّ، فإذا أنا بأمية وابنه علي؛ وبه كان يكنى وقد أخذ بيد ابنه، ومعي أدراع قد استلبتها. وكان مشرفا على الأسر، فسأله أن يطلب له الأمان؛ وقال: أما لكم حاجة في اللبن - يعنى الفداء-؟ نحن خير لكم من أدراعك، فقلت: امضيا، وأقبلت أسوقهما.
стр. 234
فبصر بلال بأمية؛ فقال: يا معشر الأنصار، أمية بن خلف رأس الكفر؛ لا نجوت إن نجوت؛ قال عبد الرحمن: فاقبلوا كأنهم عوذ حنت إلى أولادها، فأحاطوا بأمية حتى صار في مثل المسكة، فأقبل الحباب بن المنذر، وقد اضطجعت عليه، فأدخل سيفا فقطع أربيته (١)، فقمت عنه، وضربه خبيب ابن يساف حتى قتله. وضربه بلال ضربة صرعته، وضرب أمية خبيبا، فقطع يده من المنكب؛ فأعادها رسول الله ﷺ بيده، فالتحمت وصلحت، وتزوج خبيب بعد ذلك ابنة أمية بن خلف، فرأت أثر الضربة، فقالت:
لا أشلّ الله يدا ضربتك. فقال: وأنا فقد أوردته شعوب (٢). وقتل عليا ابنه:
الحباب بن المنذر وعمار بن ياسر.
- وقد روي أيضا أن رفاعة بن رافع طاعن أمية وسايفه، ثم بدا له فتق في درعه تحت إبطه، فوجأه بالسيف، فقتله. والأول أثبت خبر روي في قتله.
- قال الواقدي: لما توفي رسول الله ﷺ ، أذّن بلال ورسول الله ﷺ لم يقبر بعد، فكان إذا قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله»، انتحب الناس في المسجد. فلما دفن، قال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أذّن، فقال: إن كنتّ إنما أعتقتني لله، فخلني ومن أعتقتني له، فقال له:
ما أعتقتك إلا لله. فقال: فإني لا أؤذّن لأحد بعد رسول الله ﷺ ، قال: فذاك إليك. فأقام حتى خرجت بعوث الشأم، فسار معهم.
- وحدثني أبو بكر الأعين، ثنا روح بن عبادة، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب:
стр. 235
أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما قعد على المنبر يوم الجمعة، قال له بلال: يا أبا بكر. قال: لبيك. قال: أعتقتني لله أم لنفسك؟ قال: لله. قال:
فائذن لي حتى أغزو في سبيل الله. فأذن له. فأتى الشأم، فمات بها.
- وروي ان بلالا قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله ﷺ سمعت رسول ﷺ يقول: أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله؛ فائذن لي، فقال أبو بكر: أنشدك الله وحرمتي وحقي؛ فقد كبرت سني وضعفت واقترب أجلي، فأقام مع أبي بكر حتى توفي أبو بكر، ثم جاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فقال له كما قال لأبي بكر. فرد عليه عمر نحوا مما رد أبو بكر، فأبى عليه المقام، فقال عمر: فإلى من ترى أجعل النداء؟ قال: إلى سعد القرظ، فإنه قد أذّن لرسول الله ﷺ . فدعا عمر سعدا، فجعل الأذان إليه.
- وحدثني بعض القرشيين قال:
لما دوّن عمر الدواوين بالشأم، سأل بلال أن يجعل ديوانه مع أبي رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي؛ وقال: فإني غير مفارقه أبدا، فقد آخا رسول الله ﷺ بيني وبينه، فضم ديوان الحبشة إلى خثعم، فلم يبق بالشأم حبشي إلا صار ديوانه مع خثعم.
- وقال أبو بكر في بلال رضي الله تعالى عنهما حين قتل أمية:
هنيئا زادك الرحمن عزّا … فقد أدركت ثأرك يا بلال
فلا نكسا وجدت ولا جبانا … غداة تنوشك الأسل الطوال
قالوا: وقال بلال، ومرض حين هاجر إلى المدينة:
إلا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بفخّ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة … وهل يبدون لي شامة وطفيل
стр. 236
-وقال الواقدي: إنّ بلالا ترب أبي بكر، وتوفي بمدينة دمشق سنة عشرين. ودفن عند باب الصغير (١)، في المقبرة هناك، وهو ابن بضع وستين سنة، وكان رجلا آدم شديد الأدمة، نحيفا طوالا، وكان أحنى، له شعر كثير، خفيف العارضين، به شمط كثير لا يغيره، وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، قال: وسأل عمر حين قدم الشأم بلالا أن يؤذّن. وقال: إنما كرهت الأذان بالمدينة؛ فأذّن ها هنا. فأذّن. فبكى الناس عامة يومهم لذكر رسول الله ﷺ .
عامر بن فهيرة
- كان عامر مولّدا من مولدي الأزد، مملوكا للطفيل بن عبد الله بن الحارث بن سخبرة بن جرثومة، من ولد نصر بن زهران. وكان الطفيل أخا عائشة ابنة أبي بكر لأمها أم رومان، وكان عامر قديم الإسلام قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت:
كان عامر بن فهيرة للطفيل أخي لأمي، فأسلم، فاشتراه أبو بكر، وكان يرعى عليه منيحة غنم له.
- قالوا: وكان عامر من المستضعفين، وكان يعذّب بمكة ليرجع عن دينه حتى اشتراه أبو بكر، وكان حين أوى رسول الله ﷺ إلى الغار يروح بغنيمة أبي بكر فيها، فيسقيهما من لبنها، وكان معهما حين هاجرا إلى المدينة
стр. 237
يخدمهما، وقد شهد بدرا وأحدا. ونزل بالمدينة على سعد بن خيثمة، وآخا رسول الله ﷺ بينه وبين الحارث بن أوس بن معاذ، واستشهد عامر بن فهيرة يوم بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة، وكان يوم قتل ابن أربعين سنة، وكان يكنى أبا حمد.
وروي أن جبار بن سلمة الكلابي طعن عامرا يومئذ، فقال: فزت وربّ الكعبة. ورفع من رمحه، فلم توجد جثته. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الملائكة أخذته فوارت جثته». فأسلم جبار لما رأى، وحسن إسلامه.
- وحدثني محمد بن سعد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني رجال من أهل العلم.
أن عامر بن فهيرة قتل يوم بئر معونة، فلم يوجد جسده حين دفنوا القتلى. قال عروة: فكانوا يرون أن الملائكة دفنته.
أبو فكيهة
- واسمه أفلح. ويقال: يسار. قالوا: كان أبو فكيهة عبدا لصفوان ابن أمية الجمحي. فأسلم حين أسلم بلال، فمرّ به أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وقد أخذه أمية بن خلف فربط في رجله حبلا وأمر به فجر، ثم ألقاه في الرمضاء. ومر به جعل، فقال: أليس هذا ربك؟ فقال: الله ربي خلقني وخلقك وخلق هذا الجعل. فغلظ عليه وجعل يخنقه، ومعه أخوه أبيّ بن خلف، يقول: زده عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره. ولم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد مات، ثم أفاق. فمر به أبو بكر، فاشتراه واعتقه.
стр. 238
-ويقال: إنّ بني عبد الدار كانوا يعذبونه، فإنه إنما كان لهم، فأخرجوه يوما مقيّدا نصف النهار إلى الرمضاء، ووضعوا على صدره صخرة حتى دلع لسانه، وقيل: قد مات. ثم أفاق.
- قال ابن سعد: وذكر الهيثم بن عدي.
أنه مات قبل يوم بدر.
وجارية بني المؤمل بن حبيب بن تميم بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن
عدي بن كعب.
- وكان يقال لها - فيما ذكر أبو البختري - لبينة. أسلمت قبل إسلام عمر بن الخطاب ﵁، فكان عمر يعذّبها حتى تفتر، فيدعها، ثم يقول: أما إني أعتذر إليك بأني لم أدعك إلا عدامة. فتقول: كذلك يعذّبك الله إن لم تسلم.
- وقال الواقدي في إسناده: إنّ حسان بن ثابت قال: قدمت مكة معتمرا، والنبي ﷺ يدعو الناس، وأصحابه يؤذون ويعذّبون، فوقفت على عمر، وهو مؤتزر يخنق جارية بني عمرو بن المؤمل حتى تسترخي في يديه.
فأقول: قد ماتت، ثم يخلّي عنها، ثم يثب على زنّيرة، فيفعل بها مثل ذلك.
زنيرة:
- قالوا وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون لهؤلاء واتّباعهم محمدا؟ فلو كان أمر محمد خيرا وحقا ما سبقونا إليه. أفسبقتنا زنيرة إلى رشد، وهي من ترون؟ وكانت زنّيرة قد عذّبت حتى عميت. فقال لها أبو جهل: إنّ اللات والعزّى فعلتا بك ماترين، فقالت، وهي لا تبصره: وما تدري اللات والعزّى، من يعبدهما ممن لا يعبدهما؛ ولكن هذا أمر من السماء، وربي قادر على أن يردّ بصري، فأصبحت من تلك الليلة وقد ردّ الله عليها بصرها،
стр. 239
فقالت قريش: هذا من سحر محمد، فاشترى أبو بكر ﵁ جارية بني المؤمل وزنيرة، وأعتقهما.
- ويقال: إنّ زنيرة لغير بني عدي. وقال الكلبي: هي لبني مخزوم.
وكان أبو جهل يعذبها.
وكانت النهدية:
- مولدة لبني نهد بن زيد. فصارت لامرأة من بني عبد الدار.
فأسلمت. فكانت تعذّبها وتقول: والله لا أقلعت عنك أو يعتقك بعض من صبأبك. فابتاعها أبو بكر أيضا، فأعتقها وكان معها طحين - ويقال: نوى - لمولاتها يوم أعتقها أبو بكر رضي الله تعالى عنه. فردّت ذلك عليها.
وكانت أم عبيس
- وبعضهم يقول «أم عنيس»، أمة لبني زهرة، فكان الأسود بن عبد يغوث يعذّبها، فابتاعها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأعتقها.
- وأخبرت عن المسيبي أنه قال: إنها أم عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. والله أعلم.
- حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان عن ابن عباس:
أنه قال لها: هل كان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قالت: نعم، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه ويضربونه، حتى ما يقدر على أن يقعد، فيعطيهم ما سألوا من الفتنة. ويقولون له: اللات والعزى آلهتك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجعل ليمرّ، فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من
стр. 240
دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء مما يبلغون من جهده، فإذا أفاق، رجع إلى التوحيد.
- وقال الكلبي: عذّب قوم لا عشائر لهم ولا مانع، فبعضهم ارتدّ، وبعضهم أقام على الإسلام، وبعضهم أعطى ما أريد منه من غير اعتقاد منه للكفر. وكان قوم من الأشراف قد أسلموا، ثم فتنوا. منهم سلمة بن هشام بن المغيرة، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص السهمي.
- قال: وكان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد، جلس إليه المستضعفون من أصحابه: عمار وخبّاب، وصهيب، وبلال، وأبو فكيهة، وعامر بن فهيرة وأشباههم من المسلمين. فيقول بعض قريش لبعض: هؤلاء جلساؤه كما ترون؛ قد ﴿مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾. فأنزل الله : ﴿أَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ؟﴾ (١) ونزل فيهم: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٢).
ونزل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣). ونزل فيهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). قالوا: وكان مجاهد يقول: يعني الذين تكلموا بما تكلموا به وهم كارهون.
стр. 241
-وحدثني محمد بن سعد، ثنا الواقدي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال:
كان أبو جهل يأتي الرجل الشريف إذا أسلم، فيقول له: أتترك دين أبيك وهو خير منك، وتفيّل رأيه، وتضع شرفه؟ وإن كان تاجرا، قال:
ستكسد تجارتك، ويهلك مالك، وإن كان ضعيفا، أغرى به حتى يعذّب، فأذن رسول الله ﷺ لأصحابه، فهاجروا إلى الحبشة في السنة الخامسة من المبعث.
стр. 242
أسماء من هاجر إلى الحبشة من المسلمين هربا بأديانهم من مشركي
قريش بإذن النبي ﷺ :
- فمن بني هاشم بن عبد مناف:
جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. هاجر في المرة الثانية، ومعه امرأته أسماء ابنة عميس، ولم يزل مقيما بالحبشة - وكان أبو طالب يتعهده، إلى أن مات، باللطف والنفقة - ثم قدم منها هو وجماعة أقاموا معه من المسلمين، وجماعة أسلموا من الحبش، وقد فتح رسول الله ﷺ خيبر، فقال رسول الله ﷺ : ما أدري أنا بفتح خيبر أسرّ أم بقدوم أخي جعفر؟ وعانقه، وقبّل ما بين عينيه. وذلك في سنة سبع من الهجرة، واستشهد جعفر بمؤتة في سنة ثمان من الهجرة، وله أكثر من أربعين سنة بأشهر، ويقال: أقلّ منها بأشهر. وكان يكنى أبا عبد الله. وولد له بالحبشة عبد الله بن جعفر، وعون ومحمد، وأمهم أسماء.
- ومن بني أمية بن عبد شمس:
عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية. هاجر الهجرتين، الأولى والثانية جميعا، ومعه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ ، ثم قدم رضي الله تعالى عنه، فهاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقال رسول الله ﷺ حين
стр. 243
هاجر إلى الحبشة، ومعه رقية: إنهما لأول من هاجر بعد إبراهيم ولوط ﵉».
وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية. هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، وأقام بها، فلم يشهد بدرا، وولد له بالحبشة سعيد بن خالد، ثم قدم من الحبشة مع جعفر، واستشهد بالشأم في سنة أربع عشرة، وكان يكنى أبا سعيد، وكانت معه بالحبشة امرأته همينة بنت خلف بن أسعد الخزاعي.
عمرو بن سعيد أخوه. هاجر إلى الحبشة وأقام بها، ثم قدم مع جعفر ﵇، واستشهد بالشأم.
وقال الكلبي: قدما مع جعفر، وكانت هجرتهما في المرة الثانية بعد أن رجع من رجع من الهجرة الأولى، وكان عمرو يكنى أبا عتبة، وكانت معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن محرث الكناني. وقال بعضهم: إنه قدم قبل جعفر بقليل.
أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، واسمه مهشم، ويقال: هشيم. هاجر إلى الحبشة مرتين، ثم قدم فهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وقتل يوم اليمامة شهيدا، وهو ابن ثلاث أو أربع وخمسين سنة، وكانت معه بالحبشة امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، فولدت له محمد بن أبي حذيفة.
- ومن حلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف:
عبد الله، ويكنى أبا محمد؛ وعبد، ويكنى أبا أحمد.
وعبيد الله، ويكنى أبا جحش، بنو جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن كبير بن مرّة بن غنم بن دودان بن أسد، وهم إخوة زينب بنت
стр. 244
جحش، وأمهم أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، فأما عبد الله، فهاجر في المرة الثانية، وقدم فشهد بدرا مع النبي ﷺ ، واستشهد يوم أحد، ودفن مع حمزة ﵄ في قبر واحد، وأما أبو أحمد، وهو عبد، فكفّ بصره ومات بالمدينة، ولم يهاجر إلى الحبشة قط. ومن قال انه هاجر، فقد أبطل، وأما عبيد الله، فهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، فتنصر ومات على النصرانية، فيقال انه غرق في البحر وهو سكران، ويقال غرق من الخمر، وكانت معه امرأته، رملة بنت أبي سفيان بن حرب، فولدت له جارية سمتها حبيبة. فقيل «أم حبيبة»، فأقامت على الإسلام، فخلف عليها رسول الله ﷺ . وذلك أنه وجه عمرو بن أمية الضمري إلى أصحمة النجاشي بكتاب منه، يدعوه فيه إلى الإسلام؛ وأمره أن يخطب عليه أم حبيبة، فوكلت خالد بن سعيد بن العاص بتزويجها، وكان وأخوه أقرب من بالحبشة إليها، فزوّجها إياه. وكان عبيد الله يقول: «فقحنا وصأصأتم»، أي أبصرنا ولم يبصر المسلمون. وهذا مثل. وأصله ان الجرو إذا فتح عينه، قيل: فقح، وإذا فتح ثم غمض من الضعف لصغره، قيل: صأصأ، وأبو أحمد بن جحش، الذي جعل يوم فتح مكة يمرّ بين يدي رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة، وهو يقول:
يا حبذا مكة من وادي … أرض بها أهلي وعوّادي
إني بها ترشح أوتادي … إني بها أمشي بلا هادي
وشجاع بن وهب بن ربيعة، أحد بني مالك بن كبير بن غنم. ويكنى أبا وهب. هاجر في المرة الثانية، ثم هاجر إلى المدينة مع النبي ﷺ ، وكان نحيفا، طوالا، أحنى. وقتل يوم اليمامة شهيدا، وهو له بضع وأربعون سنة. ويقال إن أخاه عقبة بن وهب كان معه، والثبت أنه كان معه ببدر.
стр. 245
قيس بن عبد الله، ظئر عبيد الله بن جحش، وهو من بني أسد أيضا.
هاجر في المرة الثانية، ومعه امرأته بركة بنت يسار الأزدي (١)، أخت أبي تجراة. وبعضهم يقول: «رقيش الأزدي»، وذلك غلط. والأزدي الذي وهل (٢) إليه يزيد بن رقيش، وليس يزيد بن رقيش من مهاجرة الحبشة، ولكنه بدري.
ومعيقيب بن أبي فاطمة الدّوسي، حليف آل سعيد بن العاص، وقال بعضهم: هو من دوس، ولكنه أصابه سباء، وهو مولى سعيد بن العاص، وهو قديم الإسلام، وكتب لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ وولاه بيت المال، وكان به جذام، فأكل مع عمر، فقال: لولا صحبته للنبي ﷺ ، ما واكلته. وهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ومنهم من يدفع هجرته إلى الحبشة، ويقول: كان قدومه مع أبي موسى الأشعري. وأول مشاهده خيبر. وانه مات في السنة التي غزيت فيها افريقية في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.
وقال الواقدي: سمعت من يقول إنه من مهاجرة الحبشة، وقدم مع جعفر بن أبي طالب. وليس ذلك بثبت.
أبو موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن عتر بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
стр. 246
قال الهيثم بن عدي: كان حليفا لآل عتبة بن ربيعة، وأسلم بمكة وهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، فأقام بها وقدم مع جعفر، فشهد خيبر.
ومات سنة اثنتين وأربعين.
وقال الواقدي وغيره: لم يكن أبو موسى من مهاجرة الحبشة قطّ، ولا حليفا لأحد؛ وإنما قدم من اليمن بعد ذلك مع نفر فيهم أبو عامر الأشعري، وأول مشاهد أبي موسى خيبر، ومات سنة اثنتين وأربعين.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة المحدّث: مات سنة أربع وأربعين.
- ومن بني نوفل بن عبد مناف، من حلفائهم:
عتبة بن غزوان بن جابر بن نسيب بن وهيب بن زيد بن مالك بن عبد عوف بن الحارث بن مازن بن منصور، هاجر في المرة الثانية، ثم هاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة، وهو ابن أربعين سنة. وولاه عمر البصرة. فكان أول من مصرها. ومات بين المدينة والبصرة وهو يريدها راجعا إليها في سنة سبع عشرة، وهو ابن سبع وخمسين سنة. وكان يكنى أبا غزوان، ويقال:
كان يكنى أبا عبد الله.
وكان لعتبة مولى، يقال له خبّاب، ويكنى أبا يحيى بكنية خباب بن الأرتّ، شهد بدرا ومات سنة سبع عشرة وصلى عليه عمر بن الخطاب.
وكان حين مات ابن تسع وخمسين سنة. ولم يهاجر مع عتبة إلى الحبشة.
- ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي:
أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد رضي الله تعالى عنه. هاجر إلى الحبشة في المرتين جميعا، وقاتل مع النجاشي عدوا له، فأعطاه العنزة التي صارت إلى رسول الله ﷺ ، ثم هاجر من مكة إلى المدينة، ومعه أمه
стр. 247
صفية بنت عبد المطلب، واستشهد بوادي السباع، بقرب البصرة - ويقال إنّ النجاشي أهدى إلى رسول الله ﷺ ثلاث عنزات - وهاجر معه إلى المدينة حاطب بن أبي بلتعة اللخمي حليفه، وسعد بن خولي الكلبي مولى حاطب، ولم يهاجرا معه إلى الحبشة. فأما حاطب فتوفي بالمدينة سنة ثلاثين وهو ابن خمس وستين سنة، وصلى عليه عثمان. وكان يكنى أبا محمد، وأما سعد بن خولي الكلبي، فاستشهد يوم أحد. وكان يكنى أبا عبد الله، وفرض عمر لابنه عبد الله بن سعد مع الأنصار.
عمرو بن أمية بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى. هاجر في المرة الثانية، فمات بأرض الحبشة مسلما، ولم يذكره محمد بن إسحاق.
خالد بن حزام بن خويلد بن أسد، مات قبل أن يصل إلى الحبشة في المرة الثانية: نهشته أفعى فقتلته. وليس مجتمع على هجرته. ولم يذكره محمد بن إسحاق.
وقال الواقدي في بعض روايته: إن هذه الآية ﴿وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ (١) نزلت فيه. وليس ذلك بثبت.
يزيد بن معاوية بن الأسود بن المطلب بن أسد، هاجر في المرة الثانية، واستشهد يوم حنين. ويقال: يوم الطائف، وقيل: إنه كان يكنى أبا حنظلة؛ وقدم المدينة بعد الهجرة.
الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد، هاجر في المرة الثانية، وقدم المدينة بعد قدوم النبي ﷺ إياها.
стр. 248
- ومن بني عبد قصى:
طليب بن عمير بن وهب بن عبد، وأمه أروى بنت عبد المطلب، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، وهاجر إلى المدينة مع أصحاب رسول الله ﷺ ، واستشهد يوم أجنادين بالشام وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وكان يكنى أبا عدي.
- ومن بني عبد الدار بن قصي:
مصعب الخير بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، هاجر إلى الحبشة في المرة الأولى والثانية جميعا، ثم قدم مكة فهاجر منها إلى المدينة، واستشهد يوم أحد ومعه لواء رسول الله ﷺ ، وهو ابن أربعين سنة، وكان يكنى أبا محمد.
فراس بن النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، هاجر في المرة الثانية. وقتل بالشأم يوم اليرموك شهيدا، وكان يكنى أبا الحارث، وكان قدومه من أرض الحبشة بعد الهجرة.
جهم بن قيس بن عبد بن شرحبيل - ويقال عبد شرحبيل وهو قول الكلبي - وابناه عمرو وخزيمة، هاجروا في المرة الثانية وقدموا مع جعفر بن أبي طالب، وماتت امرأة جهم بالحبشة.
سويبط بن سعد بن حرملة بن مالك بن عميلة بن السيّاق بن عبد الدار، هاجر في المرة الثانية. وشهد بدرا وأحدا، ومات والنبي ﷺ متوّجه إلى تبوك، وكان يكنى أبا حرملة.
وأبو الروم بن عمير، أخو مصعب، وكان اسمه عبد مناف، هاجر في المرة الثانية.
قال الواقدي: ليست هجرته مجتمع عليها.
стр. 249
وقال الكلبي: هاجر إلى الحبشة، ثم قدم قبل خيبر فشهد خيبر.
وقال الهيثم بن عدي: لم يهاجر أبو الروم إلى الحبشة.
وقال الواقدي: قال أبو الزناد: لم يهاجر أبو الروم إلى الحبشة، وشهد يوم أحد.
النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة، ويكنى أبا الحارث.
وقال الواقدي: كان النضير من مسلمة يوم الفتح، ويقال كان النبي ﷺ أمنه يوم الفتح، فلم يصحّ إسلامه إلا بعد حنين. وكان إسلامه بالجعرانة، حدّث عن سببه أنه خرج إلى حنين هو وأبو سفيان وصفوان وسهل بن عمرو، يريدون إن كانت على رسول الله ﷺ أن يكرّوا مع المشركين عليه وعلى أصحابه، وقد حسن إسلام النضير بعد، وكان ممن أقام بمكة ولم يهاجر إلى المدينة، ولم يذكره ابن إسحاق في الهجرة إلى الحبشة.
وقال الهيثم بن عدي: هاجر النضير إلى الحبشة، ثم قدم إلى مكة وارتد، ثم إنه صحح الإسلام يوم الفتح أو بعده، واستشهد باليرموك.
- ومن بني زهرة بن كلاب:
عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، ويقال: عبد الكعبة. فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن، هاجر إلى الحبشة في المرة الأولى والثانية، ثم قدم مكة فهاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، ويكنى أبا محمد، ﵀.
عامر بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية وأقام حتى قدم مع جعفر بن أبي طالب ﵇، ومات
стр. 250
بالشأم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وكان يكنى - فيما روي عن الوقاصي - أبا عمرو، رضي الله تعالى عنه.
المطلب، وطليب ابنا أزهر بن عبد عوف.
قال الواقدي: هاجر المطلب في المرة الثانية، وولد له بالحبشة عبد الله بن المطلب.
وقال الكلبي: هاجرا جميعا في المرة الثانية وماتا بالحبشة، وكانت مع المطلب امرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة السهمي.
عبد الجانّ بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة. وهو عبد الله، سماه رسول الله ﷺ «عبد الله». هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، وأقام مع جعفر، وقدم معه. وتوفي في أيام عثمان. وذكر الوقاصي: أنه كان يكنى أبا مخرمة.
- ومن حلفاء بن زهرة:
أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، وأمه أم عبد بنت ودّ، من هذيل. هاجر في المرة الثانية. ويقال: في المرتين جميعا، وذلك أثبت، وهاجر من مكة إلى المدينة. وتوفي في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن بضع وستين سنة، ودفن بالبقيع.
وقال الواقدي: صلى عليه عثمان، وقال غيره، صلى عليه عمار بن ياسر. وكان رجلا نحيفا قصيرا شديد الأدمة، لا يغير شيبته. وهاجر معه:
عتبة بن مسعود، أخوه لأبيه وأمه في المرة الثانية. وأقام عتبة حتى قدم مع جعفر، ومات بالمدينة في أيام عمر بن الخطاب، وكان يكنى أبا عون.