ودعا به زياد فقال: أخلي سبيلك على أن تنفي ابن خليفة من الكوفة فينزل بالجبلين، فقال: نعم، فلحق عبد الله بالجبلين، وقال له عدّي: إذا سكن غضبه كلّمته فيك.
وقال الهيثم بن عديّ، قال زياد لحجر حين أدخل اليه: أتريد أن تنجو بعد أن أمكن الله منك؟! فقال: أنا على بيعتي لم أنكثها ولم استقلها، ولم آتك إلاّ على أمان، قال: يا دبر بن الأدبر (١) والله إن كنت في حربك لسلما وإنك في سلمك لحرب، ثمّ حبسه.
وروي أنّ المغيرة لمّا شتم عليا وقام إليه حجر بن عديّ قال له: والله لئن عدت لمثلها لأضربنّ بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي، فكتب المغيرة بذلك إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: إنّك لست من رجاله فداره، فقال زياد: يا ابن الأدبر أتظنّ أنّي كالمغيرة إذا كتب أمير المؤمنين إليه بما كتب به فيك؟ أنا والله من رجالك ورجال من يغمرك رأيا وبأسا ومكيدة؛ وكان زياد قد كتب إلى معاوية في حجر إنّه وأصحابه يردّون أحكامي وقضاياي، وكتب يستأذنه في قتله، فكتب إليه: ترفق حتّى تجد عليه حجّة، فكتب إليه: إنّي قد وجدت على حجر أعظم الحجّة: خلعك وشهد الناس عليه بذلك. وكان رجل من بني أسد قتل رجلا، كان من أهل الذمّة فأسلم، فقال زياد: لا أقتل عربيّا بنبطيّ، وأمر القاتل أن يعطي أولياء المقتول الدية فلم يقبلوها، وقالوا: كنّا نخبر أنّ دماء المسلمين تتكافأ، وأن لا فضل لعربيّ على غيره؛ فقام حجر وأصحابه، فقال حجر: يقول الله
стр. 1997
(النّفس بالنّفس) وتقول أنت غير ذلك، والله لتقيدنّه أو لأضربّنك بسيفي، فما برح حتّى قتل الأسدي، فلذلك كتب إلى معاوية في أمره.
قالوا: فاجتمع في سجن زياد من الشيعة أربعة عشر رجلا وهم:
حجر بن عديّ الأدبر، الأرقم بن عبد الله الكندي، شريك بن شدّاد الحضرمي، صيفي بن فشيل الشيباني، قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، كريم بن عفيف الخثعمي، عاصم بن عوف البجلي، وقاء بن سمّي البجلي، ويقال: ورقاء بن سميّ، وكدام بن حيّان العنزي، وأخوه عبد الرحمن بن حيّان من بني هميم، ومحرز بن شهاب المنقري، وعبد الله بن حويّة الأعرجي - وبعضهم يقول جويّة والأول أثبت - وعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر وسعيد بن نمران الناعطي من همدان، فأمر زياد وجوه أهل المصر أن يكتبوا شهادتهم عليهم، فكتب أبو بردة بن أبي موسى أوّلهم: هذا ما شهد عليه الشهود أبو بردة بن أبي موسى لله ربّ العالمين، شهد أنّ حجر بن عديّ خلع الطاعة وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه جموعا يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، فكفر بالله كفرة صلعاء، وأتى معصية شنعاء، فقال زياد:
اشهدوا على مثل شهادته فشهد اسحاق بن طلحة، وموسى بن طلحة، وإسماعيل بن طلحة بن عبيد الله، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، وخالد بن عرفطة، والمنذر بن الزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن هبّار، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص، وعامر بن أميّة بن خلف الجمحي، ومحرز بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزّى بن عبد شمس، وعبد الله بن مسلم الحضرمي، وعفاق بن شرحبيل بن أبي رهم التيمي من ربيعة، ووائل بن
стр. 1998
حجر الحضرمي، وكثير بن شهاب بن الحصين الحارثي، وقطن بن عبد الله الحارثي، والسريّ بن وقّاص الحارثي، وهانئ بن أبي حيّة الوادعيّ، وكريب بن سلمة بن يزيد، وعمرو بن حريث المخزومي، وأسماء بن خارجة الفزاري، ومحمّد بن عمير بن عطارد التميمي، ويزيد بن رويم الشيباني، وشبث بن ربعي التميمي، وعتّاب بن ورقاء الرياحي، ومحمد بن الأشعث الكندي، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، والعريان بن الهيثم النخعي.
وقال المدائني: شهدوا أنّ حجرا وأصحابه شتموا عثمان ومعاوية وبرئوا منهما، فقال: ما هذه بقاطعة، فقام أبو بردة فشهد أنّهم خلعوا الخليفة، وفارقوا الجماعة، ودعوا إلى الحرب، وكفروا بالله؛ وشهد رؤساء الأرباع على مثل شهادته، وكان على ربع المدينة عمرو بن حريث، وعلى ربع تميم وهمدان خالد بن عرفطة العذري حليف بني زهرة، وعلى ربع كندة وربيعة قيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي، وعلى ربع مذحج أبو بردة، فقام عفاق فقال: أنا أشهد على مثل شهادته، فقال زياد: معروف بالنصيحة، اكتبوا شهادته بعد مضر.
وشهد عليه لبيد بن عطارد، وسويد بن عبد الرحمن، وشمر بن ذي الجوشن، وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي، ومحفّز بن ثعلبة من عائذة قريش الشيباني، ومن ربيعة قعقاع بن شور، وحجّار بن أبجر العجلي، وشهد أيضا زحر بن قيس الجعفيّ، وقدامة بن عجلان الأزدي، وعزرة بن قيس الأحمسي، وشريح بن هانئ، وهرب المختار بن أبي عبيد، وعروة بن المغيرة بن شعبة من أن يشهدا.
стр. 1999
وقوم يقولون: ان مصقلة بن هبيرة كان من الشهود، وقوم يقولون:
انّ مصقلة هلك بطبرستان في أيّام المغيرة، وقال بعضهم: شهد بسطام بن مصقلة.
وقال الكلبي: كان من الشهود الهيثم بن الأسود، وشدّاد والحارث ابنا الأزمع الهمداني، وسماك بن مخرمة الأسدي.
ويقال: إن [زياد (١)] دعا إلى الشهادة من أمسك عن الشهادة أو غاب فكتب زياد بشهادتهم، وكتب زياد شهادة شريح بن الحارث الكندي القاضي وهو غائب، فلمّا بلغه ذلك كتب إلى معاوية: إنّي نبّئت انّ زيادا كتب إليك كتابا في منزله ستره عن العامّة أكّد فيه شهادات قوم على حجر أخي كندة وسمّاني فيهم، ألا وإنّ شهادتي على حجر أنّه رجل مسلم عفيف يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم شهر رمضان ويديم الحجّ والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، وإن له لغناء في الإسلام، وقد رفعتها إليك فتقلّد معها ما أنت مختار لنفسك، والسّلام. فقال معاوية حين قرأ كتاب شريح: أمّا هذا فقد أخرج نفسه من الشهادة.
وكان فيمن شهد على حجر شدّاد بن المنذر أخو حضين بن المنذر لأبيه، وكانت أمّه نبطّية من بارق، وهو موضع بطريق الكوفة، واسمها بزعة وكانت تصغر فيقال بزيعة، ولم يكن ينسب إلاّ إليها، فلمّا مرّ اسمه بزياد فرأى: وشهد شدّاد بن بزيعة قال: أما لهذا أب ينسب إليه؟ فقالوا: هذا أخو حضين بن المنذر الرقاشي فقال: اطرحوا اسمه، فقال شدّاد: ويلي على ابن الزانية وهل يعرف إلاّ بسميّة الزانية.
стр. 2000
وحمل زياد حجرا وأصحابه إلى معاوية في السلاسل على جمال اكتراها لهم صعابا، ووجّه معهم شبث بن ربعي الرياحي، ووائل بن حجر الحضرمي، ومصقلة بن هبيرة الشيباني - ويقال ابنه وذلك أثبت - وكثير بن شهاب الحارثي، وكتب إليه: قد بعثت إليك بحجر ووجوه أصحابه؛ فلمّا نفذوا قال عبيد الله بن الحرّ الجعفي: ألا أجد خمسين فارسا ألا عشرين ألا خمسة نفر يتبعوني فأتخلّصهم؟! فلم يجبه أحد، ومضى بهم إلى الشام، فلم يدخلوا على معاوية، وأمر أن يحبسوا في مرج عذراء، فحبسوا هناك.
وكتب معاوية إلى زياد: إنّي متوقّف في أمرهم. وتوقّف معاوية في أمرهم، فمرة يرى قتلهم ومرّة يرى الصفح عنهم، فكتب إليه زياد: قد عجبت من اشتباه الأمر عليك في حجر وأصحابه، وقد حضرت أمرهم، وشهد خيار أهل المصر بما شهدوا به عليهم، فإن كانت لك في المصر حاجة فلا تردّن حجرا وأصحابه. فلمّا قرأ معاوية الكتاب في جواب ما كتب به إلى زياد قال: ما ترون يا أهل الشام؟ فقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي، وهو ابن أمّ الحكم أخت معاوية: جذادها جذادها (١)، فقال معاوية: لا يغني أمرا، وقال يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرّقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواعينها، وقال له سعيد بن العاص: فرّقهم في قبائلهم بالشام يكفل كلّ قوم صاحبهم، ولعلّ طواعين الشام تكفيك أمرهم.
فكلّم معاوية في وقاء بن سميّ وعاصم بن عوف، وكتب فيهما جرير بن عبد الله البجلي، فشفّعه معاوية ووهبهما له، وكلّمه أبو الأعور السلمي في
стр. 2001
عتبة بن الأخنس فوهبه له، وكلّمه حمزة بن مالك الهمداني في سعيد بن نمران فوهبه له، وكلّمه حبيب بن مسلمة الفهري في ابن حويّة فخلّى سبيله، وكلم في الأرقم فخلّى سبيله، وكلّمه مالك بن هبيرة السكوني في حجر فلم يجبه، وقال: هذا رأس القوم، وهو أنغل المصر وأفسده، ولئن وهبته لك اليوم لتحتاجنّ أن تقاتله غدا، فقال: والله ما أنصفتني، قاتلت معك ابن عمّك حتّى ظفرت، ثمّ سألتك ابن عمّي فسطرت عليّ من القول ما لا أنتفع به، ثمّ انصرف فجلس في بيته. وبعث معاوية إلى من بقي منهم بأكفان وحنوط مع رجل من أهل الشام ليرعبهم بذلك، وأمره أن يدعوهم إلى البراءة من علي وإظهار لعنه، ويعد من فعل ذلك أن يتركه، فإن لم يفعل قتل، فإنّ دماءهم حلال لشهادة أهل مصرهم عليهم، فقالوا: اللهمّ فإنّا لا نفعل ذلك، ثم أمر بقبورهم فحفرت وأدنيت أكفانهم، فقاموا الليل يصلّون، فلمّا أصبحوا عرض عليهم مثل الذي عرض فأبوه، وبعث إليهم معاوية هدبة الأعور بن فيّاض القضاعي والحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف الفزاري ليقتلوهم، فلمّا رأوهم يصلّون قالوا: ما أحسن صلاتكم!! فما تقولون في أمير المؤمنين عثمان؟ قالوا: جار في الحكم وعمل بغير الحقّ وخالف صاحبيه، فقالوا: أمير المؤمنين أعلم بكم، وما كان الله ليظلمكم ولا يدعكم، وقال الهيثم بن عديّ: هو ابن أبي شريف.
وقالوا: لمّا رأى حجر الأكفان قال: تكفوننا كأنّا مسلمون، وتقتلوننا كأنّا كافرون.
وكان هدبة أعور فلما رآه كريم بن عفيف الخثعمي قال: يقتل نصفكم وينجو نصفكم، فقال ابن نمران: اللهم اجعلني ممّن ينجو وأنت
стр. 2002
عنّي راض، وقال عبد الرحمن بن حيّان العنزي: اللهم اجعلني ممّن يكرم بهوانهم وأنت عنّي راض، فعزلوا الثمانية، وعرضوا على الباقين البراءة من عليّ رضي الله تعالى عنه، فقال كريم بن عفيف وعبد الرحمن بن حيّان:
انطلقوا بنا إلى معاوية فنحن نقول بقوله، فعزلوهما وأبى الآخرون.
قالوا: وأخذ كلّ رجل رجلا فقتله، وسألهم حجر أن يصلّي ركعتين فأذنوا له في ذلك، فصلّى وقصرّ ثمّ قال: والله ما صلّيت قطّ أقصر منها لأنّي خفت أن تظّنوا بي أنّي أطلت صلاتي جزعا من القتل، فقتله الأعور بن فيّاض بالسيف، ويقال: ذبحه ذبحا، وجيء بكريم بن عفيف الخثعمي وعبد الرحمن بن حيّان الى معاوية، فأما الخثعمي فقال له: ما تقول في عليّ؟ قال: مثل مقالتك أنا أبرأ من دين عليّ الذي يدين به فحبسه شهرا ليستبرئ أمره، فكلّمه فيه شمر بن عبد الله الخثعمي فخلّى سبيله على أن لا يدخل الكوفة، فأتى الموصل فأقام بها ومات قبل معاوية بشهر، وأمّا ابن حيّان فقال له: ما تقول في عليّ، قال: كان من الذاكرين كثيرا والآمرين بالحقّ سرا وجهرا، فلا تسألني عن غير هذا! فهو خير لك، فبعث به إلى زياد وكتب إليه أن اقتله شرّ قتلة، فبعث إلى قسّ الناطف (١) فدفن حيّا.
وقال الهيثم بن عديّ: حمل هدبة بن فيّاض الأعور على حجر بالسيف فاتّقاه، فقال: ألم تزعم أنّك لا تجزع من الموت؟ فقال: وما يمنعني وأنا أرى سيفا مشهورا وكفنا منشورا وقبرا محفورا، ولا أدري على ما أقدم؛ فقتلوا وكفنوا ودفنوا.
стр. 2003
وقال الهيثم: قال عوانة: قال حجر: الله بيننا وبين أمّتنا، أمّا أهل العراق فشهدوا علينا، وأمّا أهل الشام فقتلونا، والله لقد فتحت هذا الموضع وإنّي لأرجو أن أكون شهيدا فيه؛ وهو كان فتح مرج عذراء.
قال: ولمّا صلّى ركعتين فقصرهما فقال: والله لئن كانت صلاتي فيما مضى لم تنفعني ما هاتان الركعتان بنافعتي.
وقال المدائني: أخذ زياد بعد مضيّ حجر رجلين: عتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر، وسعيد بن نمران الهمذاني، فبعث بهما مع يزيد بن حجيّة التيميّ وعامر بن الأسود العجلي.
حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن عوانة عن أبيه قال: دعا معاوية عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري فقال: اذهب فاقتل حجرا وأصحابه، فقال: أما وجدت رجلا أجهل بالله وأعمى عن أمره منّي؟! فدعا هدبة بن الفيّاض الأعور فأعطاه سيفا، وسرّح معه عدّة، وأمره أن يعرضهم على البراءة من عليّ، فإن فعلوا وإلاّ قتلهم، وبعث معه بأكفان وأمر أن يقبروا، فعرض عليهم ما أمر به معاوية، فلم يجيبوا، فقتلوا وذبح حجر ذبحا، وبلغ ذلك أمّه فشهقت وماتت.
وقال عليّ بن الغدير:
لو كان حجر من بجيلة لم ينل … هناك ولم يقرع بأبيض صارم
يزيدهم أنجى أساراه بعد ما … جرى قتلهم ذبحا كذبح البهائم
يعني يزيد بن أسد بن كرز البجلي جدّ خالد بن عبد الله بن يزيد القسري، لأنّه تكلّم في من كان من بجيلة فوهبوا له، وهم ثلاثة.
стр. 2004
وحدّثت عن غياث بن إبراهيم قال: بعث معاوية ابن خريم المرّي جدّ أبي الهيذام ليقتلهم، فلمّا صار إليهم قال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون، فقال: على معاوية لعنة الله يأمرني بقتل المسلمين!! ثمّ انصرف، ثمّ بعث عبد الله بن يزيد أبا خالد بن عبد الله فقتلهم، وذلك غير ثبت.
حدثني روح بن عبد المؤمن عن سعيد بن عامر عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين قال: لمّا أتي معاوية بحجر قال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، قال: أو أمير المؤمنين أنا؟! اضربا عنقه، قال: دعوني أصلّ فصلّى ركعتين خفيفتين ثمّ قال: لولا أن يظّنوا أنّ الذي بي غيره، يعني من خوف الموت، لأطلتهما، فلعمري لئن كانت صلاتي لا تنفعني فيما مضى لا تنفعني الآن، ثمّ قال لأهله: لا تطلقوا عنّي حديدا، ولا تغسلوا عنّي دما، فإنّي لاق معاوية عند أعلى الجادّة، فكان ابن سيرين إذا سئل عن غسل الشهيد حدّث بهذا الحديث. والمجتمع عليه أنّه لم يدخل على معاوية.
وقال الهيثم بن عديّ: كان الذي كفن حجرا وأصحابة هدبة من بني سلامان إخوة عذرة.
وقال المدائني: ومضى هدبة ومعه كريم بن عفيف فنظر إلى قبر حجر فقال:
كفى بثواء القبر بعدا لهالك … وبالموت قطّاعا لحبل القرائن
لا يبعدنك الله يا حجر.
стр. 2005
وقال هشام بن عمّار سمعت مشايخنا يتحدّثون أنّه قيل لحجر بن الأدبر: مدّ عنقك، قال: إنّه لدم ما كنت لأعين عليه، فأقيم وضربت عنقه، رحمه الله تعالى.
حدثني عمر بن شبّة عن سعيد بن عامر عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين قال: لما أتي معاوية بحجر قال: السّلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله، قال: وأنا عندك أمير المؤمنين؟! اضربا عنقه.
قالوا: وجمع مالك بن هبيرة جموعا وغضب لقتل حجر، وأنه لم يجب إلى إطلاقه، فبعث إليه معاوية بمائة ألف وداراه حتّى رضي، فقال عليّ بن الغدير في ذلك:
تداركتم أمر الهبيريّ بعد ما … سما للّتيّا والتّي كنت تحذر
فأضحى الهمام عاقدا ثم راية … بحمص تناجيه السّكون وحمير
يدارسهم آي الكتاب وقلبه … شج بمصاب أهل عذراء مشعر
وحدثني هشام بن عمّار حدثنا اسماعيل بن عيّاش عن شرحبيل بن مسلم قال: لمّا أتي معاوية بحجر بن عديّ وأصحابه حبسهم بمرج عذراء، فأوصى حجر فقال: ادفنوني وما أصاب الأرض من دمي، ولا تطلقوا حديدي، فأنّي سألقى معاوية غدا؛ إنّي والله ما قتلت أحدا، ولا أحدثت حدثا، ولا آويت محدثا.
حدثنا عمرو الناقد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم يعني ابن عليّة عن ابن عون عن نافع قال: لمّا بلغ ابن عمر قتل حجر بن عديّ وهو محتب حلّ حبوته وقام وقد غلبه النحيب.
стр. 2006
قالوا: فكان من قتل بعذراء: حجر بن عديّ، شريك بن شدّاد الحضرمي ثم التبّعي، صيفيّ بن فشيل الشيباني، قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، محرز بن شهاب المنقري، كدام بن حيّان العنزي من بني هميم - وكان بعضهم يقول العصري من عبد القيس - عبد الرحمن بن حيّان دفن حيّا بالكوفة. وكان من نجا منهم: كريم بن عفيف الخثعمي، عبد الله بن حويّة السعدي، عاصم بن عوف البجلي، وقاء بن سميّ البجلي، الأرقم بن عبد الله الكندي، عتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر، سعيد بن نمران الهمداني، وصلّي على حجر ومن قتل معه ودفنوا، يرحمهم الله.
وقد قيل: أنّ ربعيّ بن حراش كان ممّن حمل مع حجر، فكلّم فيه يزيد بن الحرّ العبسي، فخلّى سبيله.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: مشى هدبة بن فيّاض إلى حجر بالسيف فأرعد فقال: كلاّ، زعمت أنّك لا تجزع من الموت، قال:
وإن جزعت فإنّي لا أقول ما يسخط الرب، فقتله وجرّ بقيده.
وقالت هند امرأة من كندة في قتل هدبة حجرا:
كأن عيني ديمة تقطر … تبكي على حجر وما تفتر
لو غضبت للدين أبناؤه … لم يحمل السيف له الأعور
حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه قال: كان حجر فتح حين غزا المسلمون الشام مرج عذراء، فلمّا أرادوا قتله وهو بها قال: لئن قتلت بها إنّي لأوّل من نبحته كلابها، ومشى في أكنافها، وكبّر في واديها.
стр. 2007
حدثني العمري عن الهيثم عن أبي جناب قال: لم يبعث معاوية إلى حجر وأصحابه بأكفان، ولكن عشائرهم جاؤوا بأكفان فكفنوهم فيها ودفنوهم.
وحدثني أبو فراس الشامي عن هشام بن الكلبي عن أبيه أنّ مسروقا قال: قالت عائشة حين قتل حجر: لو علم معاوية أنّ عند أهل الكوفة منعة وغيرا ما اجترأ على قتل حجر وأصحابه، ولكنّ ابن آكلة الأكباد علم أنّ الناس قد ذهبوا، لله درّ لبيد حين يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب (١)
قالوا: وبعث معاوية رجلا وقال له: امض حتى تجلس إلى الحسين وتنعي حجرا، وانظر ما يقول، فقال له الرجل: إن معاوية قتل حجرا [وأصحابه] قال: ثم صنع ماذا؟ قال: كفنهم ودفنهم، فقال: خصموه ورب الكعبة، ثم ترحم على حجر.
قالوا: وبعثت عائشة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية ليسأله الصفح عن حجر وأصحابه، فوجده قد قتلهم، فقال له: أقتلت حجرا! فقال: إنّه خلع يدا من الطاعة وفارق الجماعة وفعل وفعل، فقال له: وأين كان حلمك وأحلام بني حرب عنك؟ قال: غابت عنّي حين غاب عني مثلك من حلماء قومي.
حدّثنا أبو عبد الرحمن الجعفيّ مشكدانة عن عبد الله بن المبارك عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن أبي مليكة أنّ معاوية لما حجّ أتى باب عائشة
стр. 2008
رحمها الله يستأذن فلم تأذن له، فلم يزل بها ذكوان غلامها حتّى أذنت له، فذكرت أمر حجر فقال: خشيت فتنة فكان قتله خيرا من حرب تهراق فيها الدماء وتستحلّ المحارم، فدعيني يفعل الله بي ما يشاء، فقالت: ندعك والله، ندعك والله.
حدثني عمرو بن محمّد حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة أنبأنا عليّ بن زيد قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: دخل معاوية على عائشة فقالت:
ويحك فعلت وفعلت، وقتلت بعد ذلك حجرا وأصحابه، أما خفت أن أقعد لك رجلا يقتلك؟ قال: [ما] كنت لتفعلي فأنا في بيت أمان، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قيّد الإسلام القتل» (١)؛ كيف أنا في حوائجك وما بيني وبينك؟ قالت: صلح، قال: فدعينا وإيّاهم حتّى نلقى ربّنا.
حدثني شيبان بن فرّوخ عن عثمان البرّي قال: كان الحسن إذا ذكر معاوية قال: ويل معاوية من حجر وأصحاب حجر، يا ويله.
المدائني قال: لمّا بلغ عائشة أخذ حجر وحمل زياد إيّاه وجّهت إلى معاوية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في أمره، فقدم عليه وقد قتله وأصحابه، فقال له: أين كان حلمك وحلم أبي سفيان؟ فقال: غاب عنّي مثلك من حلّماء قومي، وحملني ابن سميّة فاحتملت.
حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزّاق عن معمر عن الكلبي وقتادة قالا: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد دخل عليها معاوية حين حجّ:
ويحك أقتلت حجرا وأصحابه بكتاب زياد؟! فقال: إنّي لم أقتلهم، إنّما قتلهم
стр. 2009
الذين شهدوا عليهم، فقالت: ويحك أفلا تثّبتّ، فما كان يؤمنك أن أكمن لك رجلا يقتلك بمن قتلت من الصالحين؟ قال: إنّما دخلت بيت الأمن والأمان وقد قيّد الإسلام القتل. ثمّ لم يعد إليها.
حدثنا سعدويه عن هشيم عن عوّام بن حوشب قال: حدّثنا عن عائشة أنّها قالت: لولا أنّا لم ننو لامر الا غلبنا عليه سفهاؤنا لكان لي ولمعاوية في قتل حجر وأصحابه حال.
حدثني عمر بن شبّة حدثنا أبو عاصم النبيل عن ابن عون عن عمّه قال: بلغ أمّ المؤمنين أنّ معاوية قتل حجرا، فجاء يستأذن عليها فمنعته، فلم يزل حتّى دخل، فقالت: أنت صاحب حجر؟! فقال: لم يكن عندي من يمنعني.
قال ابن عون: وأنبأنا نافع قال: بلغ ابن عمر قتله وإنّه لمحتب في السوق، فأطلق حبوته ومضى، فسمعت نحيبه.
وحدثني بكر بن الهيثم حدثني عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أنّ عائشة قالت لمعاوية، ودخل عليها بالمدينة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقتل بعذراء سبعة نفر يغضب الله وأهل السماء من قتلهم».
وحدثني بكر عن عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة عن أبي قبيل قال:
لمّا قتل حجر بن الأدبر وأصحابه، ومعاوية بن حديج بإفريقية، بلغه قتله فقام في أصحابه فقال: يا اشقّائي في الرحم، وأصحابي في السفر، وجيرتي في الحضر، نقاتل لقريش في الملك حتى إذا استقام لهم قتلونا.
стр. 2010
المدائني عن مسلمة وغيره أنّ معاوية لمّا احتضر جعلوا يقلّبونه فيقول:
أيّ جسد يقلّبون إن نجا من ابن عديّ.
وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود عن أبي بكر بن عيّاش عن أبي حصين قال: دخل عبد الله [بن خالد] بن أسيد على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فرأى منه جزعا فقال: ما جزعك يا أمير المؤمنين؟ إن متّ دخلت الجنّة، وإن حييت فقد علم الله حاجة الناس إليك، فقال: رحم الله أباك إن كان لنا لناصحا، نهاني عن قتل ابن الأدبر وأصحابه.
المدائني قال: كتب معاوية إلى زياد: أنّه قد تلجلج في صدري شيء من أمر حجر، فابعث إليّ رجلا من أهل المصر له فضل ودين وعلم، فأشخص إليه عبد الرحمن بن أبي ليلى وأوصاه أن لا يقبّح له رأيه في أمر حجر، وتوعّده بالقتل إن فعل، قال ابن أبي ليلى: فلمّا دخلت عليه رحّب بي وقال: اخلع ثياب سفرك والبس ثياب حضرك، ففعلت وأتيته، فقال: أما والله لوددت أنّي لم أكن قتلت حجرا، ووددت أنّي كنت حبسته وأصحابه أو فرقتهم في كور الشام فكفتنيهم الطواعين، أو مننت بهم على عشائرهم.
فقلت: وودت والله أنّك فعلت واحدة من هذه الخلال، فوصلني فرجعت وما شيء أبغض إليّ من لقاء زياد، وأجمعت على الاستخفاء، فلمّا قدمت الكوفة صلّيت في بعض المساجد، فلمّا انفتل الإمام إذا رجل يذكر موت زياد، فما سررت بشيء سروري بموته.
وحدّثت عن عثمان بن مقسم البرّي عن الحسن، وكان مع الربيع بن زياد بناحية خراسان، قال: قال الربيع لمّا بلغه قتل حجر وأصحابه: ألا إنّ الفتنة قد كانت تكون ولم يكن قتل الصّبر، وقد قتل حجر وأصحابه صبرا،
стр. 2011
فهل من ثائر، هل من معين، هل من منكر؟! قال ذلك مرارا، فلم يجبه أحد، فقال: أما إذ أبيتم فستبتلون بالقتل صبرا على الظلم.
وروي أنّ الحسن بن الربيع قال: ربّ إنّ حجرا قتل صبرا، فإن كنت مغيّرا ذلك وإلا فاقبضني إليك، فمات من ليلته.
قالوا: وفرق معاوية من صفح عنه من أصحاب حجر فلم ينزل اثنان بكورة واحدة.
وقال عوانة: فقالت عائشة لمعاوية، وقد حجّ فدخل إليها: أقتلت حجرا وأصحابه؟! فقال: أنا قتلتهم؟! إنّما قتلهم من شهد عليهم.
حدثني محمّد بن سعد عن الواقدي عن محمّد بن بجاد عن عائشة بنت سعد ابن أبي وقّاص قالت: لمّا قتل معاوية حجر بن عديّ قال أبي: لو رأى معاوية ما كان من حجر يوم عبر قنطرة حلوان لعرف أنّ له غناء عظيما عن الإسلام.
وقال هشام بن محمّد عن أبيه: إنّ حجر بن عديّ الأدبر بن جبلة جاهلي إسلامي، وإنّما طعن عديّ أبو حجر في دبره فسمّي الأدبر، وإنّ حجرا وفد على النبي ﷺ هو وأخوه هانئ بن عديّ، وكان في ألفين وخمسمائة من أهل العطاء، فشهد القادسيّة، وافتتح مرج عذراء بالشام وبها قتله معاوية، وقد كان شهد مع عليّ الجمل وصفّين ويكنّى أبا عبد الرحمن.
قالوا: قالت امرأة من كندة يقال لها هند، وقال الهيثم: هي هند بنت مخربة أنصاريّة، رضي الله تعالى عنها:
стр. 2012
ألا يا (١) … أيّها القمر المنير
تأمّل هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن صخر … ليقتله كذا زعم الأمير
أخاف عليك أسباب المنايا … وشيخا في دمشق له زئير
يرى قتل الخيار عليه حقّا … له من شرّ أمّته وزير
ألا يا ليت حجرا مات موتا … ولم ينحر كما نحر الجزور
تطاولت الجبابر بعد حجر … وطاب لها الخورنق والسدير
قالوا: وعوتب الهيثم بن الأسود النخعي على شهادته على حجر، وكان ممّن عاتبه عمير أبو العمرّطة ورجل يقال له عمرو بن أبي فروة، فقال:
ألا من عذيري من عمير ومن عمرو … يلومانني أن مال دهر على حجر
وهل لي ذنب أن زياد أراده … وأصحابه يوما بقاصمة الظهر
وقد حدّث الأقوام مينا بأنّني … دلفت له عمدا بداهية هتر
فهلا إذا إن كنت حرّا منعته … وطاعنت عنه بالمثقّفة السمر
في أبيات:
وقال الشاعر يحرّض بني هند من بني شيبان:
دعا ابن فشيل يال مرّة دعوة … وولّى ذباب السيف كفّا ومعصما
لتبك بني هند قتيلة مثل ما … بكت عرس صيفيّ وتبعث مأتما
وقال عبد الله بن خليفة يرثي حجرا بقصيدة طويلة، يقول فيها:
فيا حجر من للخيل تدمى نحورها … وللملك الغاوي إذا ما تغشمرا
стр. 2013
وقال قيس بن قهدان الكندي:
طافت جمان بأرحل السفر … وسرت إليك ولم تكن تسري
وهي طويلة يقول فيها:
يا حجر يا ذا الخير والحجر … يا ذا النوال ونابه الذكر
وقال أبو مخنف: قالت امرأة معاوية، ورأته قد أطال الصلاة:
ما أحسن صلاتك يا أمير المؤمنين، لولا أنّك قتلت حجرا وأصحابه، فقال:
أنّهم فعلوا وفعلوا.
قال: وأحسن معاوية صلات القوم القادمين بحجر، وولّى مصقلة طبرستان. وقوم يزعمون أنّ مصقلة لم يشهد على حجر، وهلك قبل ولاية زياد.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وأبو خيثمة قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه حدثنا محمّد بن الزبير الحنظلي عن فيل مولى زياد قال: لمّا قدم زياد الكوفة أميرا أكرم حجر بن الأدبر وأدناه وشفّعه، فلمّا أراد الانحدار إلى البصرة دعاه فقال له: يا حجر انّك قد رأيت ما صنعت بك، وإنّي أريد البصرة فاحبّ أن تشخص معي، فإنّي أكره أن تتخلّف بعدي، فعسى أن أبلغ عنك شيئا فيقع في نفسي، وإذا كنت معي لم يقع في نفسي منك شيء، فقد علمت رأيك في عليّ بن أبي طالب، وقد كان رأيي فيه قبلك على مثل ذلك، فلمّا رأيت الله صرف الأمر عنه إلى معاوية لم اتّهم قضاء الله ورضيت به، وقد رأيت إلى ما صار أمر عليّ وأصحابه، وإنّي أحذرك أن تركب أعجاز أمور هلك من ركب صدورها؛ فقال له حجر: إنّي مريض ولا أستطيع الشخوص، قال: صدقت والله إنك لمريض الدين والقلب مريض العقل،
стр. 2014
وأيم الله لئن بلغني عنك شيء أكرهه لأحرصن على قتلك، فانظر أو دع، فخرج زياد فلحق بالبصرة، واجتمع إلى حجر قرّاء أهل الكوفة، فجعل لا ينفذ لعامل زياد معهم أمر، ولا يريد شيئا إلا منعوه إيّاه، فكتب إلى زياد:
إنّي والله ما أنا في شيء مع حجر وأصحابه، وأنت أعلم، فركب زياد بغاله حتّى اقتحم الكوفة، فلمّا قدمها تغيّب حجر، فجعل يطلبه فلا يقدر عليه، فبينا زياد جالس يوما وأصحاب الكراسيّ حوله فيهم محمّد بن الأشعث بن قيس إذ أتى ابن الأشعث ابنه فناجاه وأخبره أنّ حجرا قد لجأ إلى منزله، فقال له زياد: ما قال ابنك؟ قال: لا شيء، قال: والله لتخبرنّي ما قال لك حتّى أعلم أنّك قد صدقتني، أو لا تبرح مجلسك حتّى أقتلك، فلمّا عرف ابن الأشعث رأيه أخبره، فقال لرجل من أشراف أهل الكوفة: قم فاتني به، قال: أعفني أصلحك الله من ذلك وابعث غيري، فقال: لعنة الله عليك مخبث خبيث، والله لتأتينّي به أو لأقتلنّك، فخرج الرجل فدخل عليه حتّى أخبره وقال له: ابعث إلى جرير بن عبد الله ليكلّمه فيك، فإنّي أخاف أن يعجل عليك، فدخل جرير على زياد فكلّمه فيه، فقال: هو آمن أن أقتله، ولكنّي أخرجه إلى معاوية فجاء به على ذلك، فأخرجه من الكوفة ورهطا معه، وكتب إلى معاوية أن أغن عنّي حجرا إن كان لك بما قبلي حاجة، فبعث معاوية إليه فتلقي بالعذراء فقتل هو وأصحابه. وولي زياد العراق ومات سنة ثلاث وخمسين (١).
стр. 2015
أمر عمرو بن الحمق الخزاعي
قالوا: لمّا طلب زياد أصحاب حجر بن عدي هرب عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي ورفاعة بن شدّاد البجلي إلى المدائن، ثم مضيا إلى الأنبار ثمّ إلى الموصل، فصارا إلى جبل من جبالها ممّا يلي الجزيرة، فكمنا فيه، وبلغ عامل الرّستاق أنّ رجلين كامنان في الجبل، فأنكر شأنهما واستراب بهما، وكان العامل رجلا من همدان يقال له عبد الله بن أبي تلعة، فصار إليهما ومعه أهل البلد، فلمّا انتهى إلى موضعهما خرجا إليه، فأمّا عمرو بن الحمق فكان مريضا قد سقى بطنه، فلم يكن عنده امتناع فأخذ، وأما رفاعة بن شدّاد البجلي فكان شابا قويا، فوثب على فرس له جواد، وحمل على القوم فأفرجوا له، فخرج وخرجت الخيل في طلبه، وكان راميا فجعل يرمي من لحقه فيجرحه، حتّى نجا بنفسه وأمسكوا عن طلبه، فيقال إنّه قال لعمرو بن الحمق: أقاتل عنك، فقال: انج بنفسك؛ وسألوا عمرا من هو فلم يخبرهم، فبعث به عبد الله بن أبي تلعة إلى عبد الرحمن بن أمّ الحكم أخت معاوية، وهو الذي قتل عليّ جدّه عثمان الثقفي يوم حنين، وكان عبد الرحمن على
стр. 2016
الموصل والجزيرة - ويقال على الموصل وأعمالها ومعها شهرزور - فلمّا رأى عمرو بن الحمق عرفه فحبسه، وكتب إلى خاله معاوية بظفره به، فكتب معاوية إليه: إنّه يزعم أنّه طعن عثمان تسع طعنات، وإنّا لا نريد أن نعتدي عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان، فأخرج فطعن تسعا مات في الأولى منهنّ أو الثانية، ثمّ احتزّ رأسه وبعث به إلى معاوية، فهو أوّل رأس بعث به إلى معاوية؛ ويقال إنّه اتّخذت له مشاقص فطعن بها كما فعل بعثمان؛ فإنّه قعد على صدره ووجأه بمشاقص كانت معه تسع وجآت مات في اثنتين منها؛ وقال ابن الكلبي عن أبيه: قتله ابن أمّ الحكم في عمل الجزيرة.
وقال الهيثم بن عديّ: هرب عمرو بن الحمق إلى الموصل وعليها ابن أمّ الحكم، فصار إلى غار في جبل، فعثر عليه وأخبر عبد الرحمن بن أمّ الحكم بمكانه، فبعث إليه خيلا فدخل أقصى الغار فنهشته حيّة فقتلته وأخذ رأسه فحمل إلى زياد، فحمله زياد إلى معاوية، فكان أوّل رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد.
حدثنا محمّد بن الصبّاح عن شريك عن أبي اسحاق قال: أوّل رأس أهدي في الإسلام رأس عمرو بن الحمق أهدي إلى معاوية.
وروي أنّ ابن الحمق أتى اذربيجان فنزل على رجل من بجيلة فمات عنده، فاحتزّ رأسه فأتى به ابن أمّ الحكم، فبعث به إلى معاوية، فنصبه للناس، ثمّ بعث به إلى امرأته آمنة بنت سويد وكانت محبوسة عند معاوية، فقالت: لقد نفيتموه طويلا وأهديتموه قتيلا، فمرحبا به من هديّة غير مقليّة؛ ونفاها إلى حمص فماتت بحمص.
стр. 2017
حدثنا خلف بن هشام حدثنا هشيم عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال قال: ولّى زياد أبا بردة بعض الصدقة فقال: انّى أنزل نفسي وإيّاك في المال بمنزلة وليّ اليتيم، من كان غنيّا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف.
المدائني قال: كان الجموح بن عمرو الفهمي شهد صفّين مع عليّ فآمنه معاوية وكتب إلى زياد: إنّي قد عرفت زلّته وغفرتها له لحلفه أبا سفيان، فدعاه زياد إلى ولاية بيت المال فأبى، فقال له زياد: أتتأبى عليّ وقد سفكت الدماء مع علي بن أبي طالب؟! فقال: يا زياد: أتقول هذا فو الله إن كنت لمنتفيا من الأب الذي صرت إليه منسوبا إلى الأب الذي انتفيت منه وأنت تسفك الدماء معه وتجبي الخراج إليه، وأنت يومئذ خير منك اليوم، فضربه زياد مائة سوط وحلق رأسه ولحيته، فكتب إليه معاوية كتابا غليظا يقول فيه:
لهممت أن أوجّه إليك من يقتصّ له منك، فأوفد الجموح إليه فأظهر كرامته، وأنشده الجموح:
معاوي انّ الله فوق سمائه … وإنّك ذو ذنب ولا يؤمن الذنب
سطا ببني عاد فلم يبق منهم … بقايا ولا عين لعاد ولا شرب
وإنّ زيادا موعب في أديمكم … وشائمكم والشؤم أعظمه الخطب
وتارككم في لعنة بعد لعنة … وداء الصحاح أن تقارفها (١) الجرب
فو الله ما ينهى زيادا وغيّه … سوى أن تقول لا زياد ولا حرب
стр. 2018
فقال معاوية: قل ما شئت فإنّك حليف أبي سفيان، ودعا له بخلعة قد لبسها فكساه أيّاها وقال: امش مشيتك في قريش، وأعطاه مخصرة فقال:
اختصر بها.
وحدثني إبراهيم بن الحسن العلاف حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي أنّ زيادا أهدى إلى عائشة وأمّ سلمة وصفيّة هديّة، وفضّل عائشة بفسطاط، وأمر رسوله أن يعتذر إلى أمّ سلمة وصفيّة من تفضيل عائشة عليهما، فقالتا: لقد آثرها علينا من كانت أثرته أشد علينا من أثرة زياد.
المدائني عن عبد الله بن المبارك عن داود بن عبد الرحمن أنّ زيادا كتب إلى معاوية: إنّي أشكو إليك ما ألقى من سفهاء قريش، فكتب إليه: كتبت تشكو ما تلقى من سفهاء قريش، فأصبر فإنّ حلماءها صبروا عليك حتّى وضعوك بهذا الموضع.
المدائني قال: حصب زياد على منبر الكوفة فأمر بالأبواب فمنعت، وجلس وعرض الناس عليه، فمن حلف تركه ومن أبى قطع يده، فقطع يومئذ ثمانين يدا.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان زياد إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيّام ثمّ دعا به، فإن رأى أن يعاقبه عاقبه ثمّ قال: لم يمنعني من عقوبته إلا مخافة أن أكون إنّما عاقبته للغضب.
حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن القاسم بن النضر العبسي عن أبيه عن عمّه قال: أرسل إلينا زياد لنلعن عليّا ونبرأ منه، فإنّا لمجتمعون إذ أغفيت إغفاءة، فرأيت رجلا أسود فراعني فقلت له: من أنت؟
стр. 2019
فقال: أنا النقّاد ذو الرقبة، أرسلت إلى هذا الشاتم صاحب الرحبة، فأتانا رسول زياد فقال: انصرفوا فإنّ الأمير عليل، فعرضت له الأكلة فمات بعد ثلاثة أيام، فقلت:
ما كان منتهيا عمّا أراد بنا … حتّى أتيح له النقّاد ذو الرقبة
فجلّل الرأس منه ضربة عجلا … لمّا تناول بغيا صاحب الرحبة
المدائني قال: وفد زياد إلى معاوية بأهل المصرين واشتعل الطاعون بالكوفة، فقال له معاوية: أقم عندنا، فأقام ثلاثة أشهر، ثمّ قال له: ما جاءك عن بلادك يا أبا المغيرة؟ قال: ارتفاع الطاعون، قال: قد بلغني ذاك فإن شئت فسر، فلمّا قدم الكوفة توفي بعد قليل من مقدمه.
قالوا: وكان زياد كتب إلى معاوية مع الهيثم بن الأسود: إنّي قد أحكمت أمر العراق وضبطته بشمالي، ويميني فارغة - أو قال: بيميني، وشمالي فارغة - فولّني الحجاز واشغلها به، فبلغ ذلك ابن عمر فاستقبل القبلة فقال:
اللهمّ اشغله عنّا، فما أتى له من مقدمه عشرون ليلة حتّى طعن في خنصره؛ ويقال إنّه قال: اللهمّ إنّ في القتل كفارة لمن تشاء من خلقك، وإنّي اسألك لابن سميّة موتا لا قتلا، فخرجت في إصبعه بثرة فما أتت عليه جمعة حتّى مات؛ ويقال لم تأت عليه ثلاثون ساعة.
وقال عبد الله بن مطيع: يا أهل المدينة اكتبوا كتابا إلى معاوية بالاستعفاء من زياد ومن ولايته، واكتبوا كتابا إلى زياد، فإذا أكب عليه ليقرأه ضربت عنقه، فقال ابن الزبير: أنّ الرجل ليبذل دمه في صلاح عشيرته.
стр. 2020
حدثني الأعين حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين عن سفيان عن يونس عن الحسن قال: بلغ الحسن بن عليّ أنّ زيادا يتبع شيعة عليّ فيقتلهم، فقال: اللهمّ تفرّد بموته فإنّ في القتل كفارة.
المدائني قال: قدم الهيثم بن الأسود بولاية زياد الحجاز، فقيل له قدم الهيثم بعهدك على الحجاز، فقال: لشربة ماء بارد أجد طعمها أحبّ إليّ ممّا قدم به الأسود، ولم يلبث أن مات.
قالوا: وكان زياد لا يقطع أمرا دون شريح، فقال له: يا أبا أميّة ما ترى في قطع إصبعي؟ قال: سل أهل الطبّ، فبعث إلى دينار مولى أبي بكر بن وائل، فقال له: أين تجد الألم؟ قال: في قلبي، قال: عش سويّا ومت سويّا ولا تمثّل بنفسك؛ وقال أبو بكر بن عيّاش: الذي أشار عليه أن لا يقطع يده أبو جهيم مالك الأسدي الطبيب.
قالوا: وخرج شريح من عند زياد، فسأله مسروق بن الأجدع والمسيّب بن نجبة وسليمان بن صرد، وعروة بن المغيرة، وخالد بن عرفطة، وأبو بردة بن أبي موسى: كيف تركت زيادا؟ قال: تركته يأمر وينهى، عنى شريح أنّه يأمر بالوصيّة والكفن وينهى عن النوح والبكاء.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن كناسة وعوانة، قال: لما شاور زياد شريحا في قطع اصبعه قال له: إن كان الأجل قد حضرك لقيت الله وقد قطعت يدك فرارا من لقائه، وإن كان الأجل متأخرّا عشت أجذم فعيّر بذلك ولدّك، فلم يلبث أن مات.
стр. 2021
وقال له ابنه: لقد هيّأت لكفنك ستّين ثوبا، فقال: يا بنيّ قد دنا من أبيك لباس خير من هذا وسلب لا خير معه؛ وكان موت زياد بالكوفة.
وكان سليم مولى زياد على ديوان خراجه، فقال لشريح: أشر على الأمير بالوصيّة فإنّه لا يخالفك، ففعل، فقال له زياد: من سألك أن تكلّمني في الوصيّة؟ فقال: سليم، فقال: أما انّه غير متّهم في وصيّة (١) ولا شفعة، فكتب وصيّته في ثلاث نسخ، فدفع نسخة إلى شريح ونسخة إلى سليم، وأخرى إلى أمّ ولده.
واستخلف عبد الله بن خالد بن أسيد على الكوفة، وأقرّ سمرة على البصرة، ويقال إنّه استخلف عبد الله عليهما جميعا إلى أن يرى معاوية رأيه.
وكثر بكاء الناس رجالهم ونسائهم عليه، فلمّا وضع ليصلّى عليه تقدّم عبيد الله بن زياد ليصلّي عليه، فأخذ مهران بمنكبيه وقال: وراءك؛ وقال شريح لعبيد الله: الأمير غيرك، وقدّما عبد الله بن خالد فصلّى عليه، ووجد عبيد الله على مهران فأضرّ به حين ولي.
وقال عبد الله بن خالد لشريح وسليم: بماذا تأمرانني؟ قالا له: أنت الأمير فانزل القصر، فنزله، وقال معاوية حين بلغه خبره: لا والله ولا على عجم أحد المصرين، فتركه سنة ثمّ بعث إليه: إن شئت حاسبناك وأعطيناك ألف ألف درهم، وإن شئت فلا محاسبة ولا جائزة، فدعا خالدا وأميّة ابنيه فقال:
стр. 2022
ما تريان؟ قالا: قد أخذنا لك عشرين ألف ألف فلا ترد محاسبة ولا جائزة، فعزله وولّى الضحّاك بن قيس الكندي الكوفة.
حدثني هشام بن عمّار عن الوليد بن مسلم قال: كان زياد عند معاوية وقد وقع الطاعون بالعراق، فقال له: انّي أخاف عليك يا أبا المغيرة عبر الطاعون، فلمّا صار إلى العراق طعن فمكث شهرا ثمّ مات.
قالوا: وكان موت زياد في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وستّين سنة.
وحدثني الحرمازي عن العتبي قال: كانت وصيّة زياد: هذا ما أوصى به زياد بن أبي سفيان حين أتاه من أمر الله ما لا ينظر، ورأى من قدرته ما لا ينكر، أوصى أنّه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من عرف ربّه وخاف ذنبه، وأن محمّدا عبده ورسوله، أرسله إمام هدى صدّق به من قبله وهدى به من بعده ﷺ ، وأوصى أمير المؤمنين وجماعة المسلمين بتقوى الله حق تقاته، وأن لا يموتوا إلا وهم مسلمون، ولا يراهم حيث نهاهم ولا يفقدهم أثرهم، وأن يتعهّدوا كبير أمورهم وصغيره، فإنّ الله جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، ولله النعمة على المحسن، والحجّة على المسيء، فما أحقّ من تمّت به نعمة الله عليه في نفسه ورأى العبرة بأن يضع الدنيا حيث وضعها الله، فيعطي ما عليه فيها، ولا يتكثّر بما ليس له منها، فإنّ الدنيا دار زوال لا سبيل إلى بقائها، وأحذرّكم الذي حذّركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخّرت العجزة حتّى صاروا إلى
стр. 2023
الحسرة والندامة ولم يقدروا على الأوبة، وقد وليت فلانا وفلانا أمر تركتي فإن يحسنا أو يسيئا فالله وأمير المؤمنين من ورائهم، وكفى بالله شهيدا.
حدثنا خلف بن هشام البزار عن أبي بكر بن عيّاش عن أبي إسحاق أنّه قال: والله ما رأينا بعد زياد مثله؛ فتعجّبنا من يمينه، وقد رأى عمر بن عبد العزيز فلم يستثنه.
وحدّثت عن سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي عن قبيصة بن جابر قال: ما رأيت رجلا أخصب جليسا ولا أشبه سريرة بعلانية من زياد.
وقال معاوية حين بلغه موت زياد:
أفردت سهما في الكنانة واحدا … سيرمى به أو يكسر السهم كاسره
حدثني عمرو بن محمّد حدثنا أبو نعيم عن موسى بن قيس عن سلمة بن كهيل قال: أوّل من وطيء على صماخ الإسلام زياد.
وأوصى زياد أن يدفن عند أبي موسى الأشعري، وقبره عند دكّان عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، وهو عند منقطع البيوت بالكوفة.
وحدثني الأثرم عن ابن الكلبي عن أبي عبيدة أنّ زيادا ولّى عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة فارس، ووهب له ابنة جوانبوذان بن المكعبر. فولدت له الحارث بن عبد الله، ولمّا مات زياد استخلفه على الكوفة وهو صلى عليه.
وقال المدائني: كتب زياد إلى معاوية بن أبي سفيان: إنّ الأنفس يغدى عليها ويراح، وأخاف أن يحدث بي حدث ولا أجد أحدا أوليّه ما قبلي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يوجّه إليّ رجلا من قريش له بيت وموضع ودين فيكون
стр. 2024
عندي، فإن حدث بي حدث ولّيته، فكتب إليه: سمّ لي رجلا، فسمّى له عبد الله بن خالد، فوجّهه إليه فولاه أردشير خرّه، وزوّج ابنته أميّة بن عبد الله.
المدائني قال: قصّر عبد الله بن خالد بن أسيد بعمر بن سعد فشكاه إلى معاوية، فقال معاوية: لقد وجدته أحضر صلالا (١)، قال: أما والله لو جريت وهو على السواء ما نزل بذلك المنزل، ولكّنه قهرني بسلطانه، وخرج فأتبعه معاوية بصره وقال: ما في الأرض قرشي كنت أحبّ أنّ أمّي ولدته غيره.
وقال المدائني وغيره: أوّل من قدم بنعي زياد إلى البصرة مسعود بن عمرو، فقال حارثة بن بدر الغداني وكان صديق زياد:
لقد جاء مسعود أخو الأزد غدوة … بداهية شنعاء باد حجولها
من الشرّ ظلّ القوم فيها كأنّهم … وقد جاء بالأخبار من لا يحيلها
ألم تر أنّ الأرض أصبح خاشعا … لفقد زياد حزنها وسهولها
قضى أجل الدنيا وغادر أمّة … به شفيت أضغانها وذحولها
وحذّرها ما يتّقى من أمورها … وقوّمها حتّى استقام سبيلها
وأبرأ مرضاها وأقسط بينها … فبان وقد فاءت إليها عقولها
في أبيات؛ وقال أيضا:
صلّى الإله على ميت وطهّره … دون الثويّة تسفي فوقه المور
زفّت إليه قريش نعش سيّدها … ففيه ضافي الندى والحزم والخير
стр. 2025
أبا المغيرة والدنيا مفجّعة … وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفة … وكان عندك للنكراء تنكير
ولا تلين إذا عوسرت مقتسرا … وكلّ أمرك ما يوسرت ميسور
لم يعرف الناس مذ ووريت سنّتهم … ولم يجلّ ظلاما عنهم نور
وقال أيضا:
صلّى الإله على ميت وطهّره … دون الثويّة لم نشهد له جننا
من آل حرب بها لاقى منيّته … فغيّب الحزم ذاك اليوم إذ دفنا
أبا المغيرة والدّنيا مفجّعة … من ذا الذي لم يجرّع مرّة حزنا
قالوا: ومات زياد وما يملك الاّ أقلّ من عشرة آلاف درهم، ولم يترك من الكسوة غير قميصين وإزارين وسراويلين، وكان يقول: ما دام سلطاننا فالدنيا كلّها لنا، فإذا زال عنّا فالذي يجزينا من الدنيا أقلّها.
وقال مسكين الدارمي:
رأيت زيادة الإسلام ولّت … جهارا حين ودّعنا زياد (١)
وقال الفرزدق:
أمسكين أبكى الله عينيك إنّما … جرى في ضلال دمعها فتحدّرا
بكيت امرءا من أهل ميسان أمّه … ككسرى على عدّانه أو كقيصرا
أقول له لمّا أتاني نعيّه … به لا بظبي بالصريمة أعفرا (٢)
стр. 2026
فقال مسكين:
ألا أيّها المرء الذي لست ناطقا … ولا قاعدا في القوم إلاّ انبرى ليا
فجئني بعمّ مثل عمّي أو أب … كمثل أبي أو خال صدق كخاليا (١)
وقال الفرزدق:
أبلغ زيادا إذا لاقيت مصرعه … أنّ الحمامة قد طارت من الحرم
طارت فما زال تنميها قوادمها … حتى استقامت إلى الأنهار والأجم (٢)
وقال أيضا:
كيف تراني قالبا مجنّي … أقلب أمري ظهره للبطن
قد قتل الله زيادا عنّي (٣) …
قالوا: ووفد عبيد الله بن زياد إلى معاوية فسأله ان يوليّه، فقال له:
لو كان فيك خير لولاّك أخي، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن يقول الناس لو علم أبوك وعمّك فيك خيرا لولّياك، ثمّ ولاّه البصرة حتّى شكاه عبد الله بن عمرو لقطعه رجلا من بني ضبّة على شبهة.
وكان الحجّاج بن علاط ادّعى مولى لبني مخزوم، وذكر أنّه أتى أمّه في الجاهليّة، فقضى به معاوية لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكانت الخصومة فيه بين نصر بن الحجّاج وبين عبد الرحمن بن خالد، وقال نصر بن الحجّاج:
стр. 2027
إليك أمير المؤمنين رحلتها … لأمر أشاب الرأس منّي وأنصبا
معاوي إلاّ تعطنا الحقّ ننتصر … بأسيافنا والشرّ لم يك ترتبا
في أبيات، وسنذكر الخبر في نسب بني مخزوم، وكان عبيد الله بن رياح الذي اختصما فيه رجلا ظريفا، وقد نادم يزيد بن معاوية، وفيه يقول:
لهان علينا أن تبيتي مناخة … على الخسف يا بختيّة ابن رياح
стр. 2028
ولد معاوية بن أبي سفيان ﵄:
ولد معاوية: عبد الرحمن وبه كان يكنى، وأمّه أمّ ولد يقال لها فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف.
لا عقب له، وعبد الله وهندا، وأمّهما فاختة بنت قرظة.
وكان عبد الله بن معاوية من أضعف الناس عقدة وأحمقهم، وكان يكنى مبقّتا (١) ويكنى أبا سليمان، ونكح بعض الموالي خالة ليزيد فقال:
يا راكبا ألا ابلغن يزيدا … فكيف ترجو بعد أن تسودا
وأنكحوا خالته العبيدا
وقال في إبل من إبل الصدقة كانت تجمع ثمّ تخرج للرعي:
ألا ارسلا من أربع وخمس … ذلك خير من زياد الحبس
ومرّ بقوم من كلب ولهم فرس دقيقة القوائم كأنّها قصب، ولها متن ذو خلقة عجيبة، وكان الناس ينتابون فينحلون أصحابها إذا أخرجوها إليهم
стр. 2029
شيئا، فأخرجوها إليه فقال: من أيّ شيء قوائمها؟ فقالوا: من صفصاف، قال: فمن أيّ شيء متنها؟ قالوا: من تين، قال: أترون.
وقال أبوه: سلني حوائجك، فقال: عبيد يمشون معي ويحفظوني، وكان يمدح فيسرّ ذلك أمّه، فتصل مادحيه وتستميح لهم معاوية، فقال فيه الأخطل في قصيدته التي أولها:
بان الخليط فشاقني أجواري … ونأوك بعد تقارب وجوار
لأحبّرن لابن الخليفة مدحة … ولأقذفنّ بها إلى الأمصار
قرم تمهّل في أميّة لم يكن … فيها بذي أبن لا خوّار
بأبي سليمان الذي لولا يد … منه علقت بظهر أحدب عار (١)
وشهد عبد الله مرج راهط، فقاتل مع الضحّاك بن قيس والقيسيّة، ثمّ هرب فآمنه عبد الملك بعد ذلك.
المدائني قال: لمّا قدم الحجّاج العراق وجد قبّة كان بعث بها عبد الله بن معاوية إلى خالد بن عبد الله بن أسيد، فكتب الحجّاج إلى عبد الملك: انّي وجدت قبّة كان بعث بها عبد الله بن معاوية إلى مصعب، فغضب عبد الملك وقال: تهدي لأعدائي؟! ألست صاحب المرج؟! فقال: كذب إنّما أهديتها إلى خالد بن عبد الله، فقبل عبد الملك قوله.
وكانت هند عند عبد الله بن عامر بن كريز ثمّ عند عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان فماتت عنده.
стр. 2030
ورملة وأمّها كنود بنت قرظة كانت عند عمرو بن عثمان بن عفّان.
وصفيّة لأمّ ولد كانت عند محمّد بن زياد بن أبي سفيان.
ويزيد وأمة الشارق - وبعضهم يقول أمة ربّ المشارق - أمّهما ميسون بنت بحدل الكلبيّة، فماتت أمة الشارق وهي صغيرة، وأمّا يزيد فولي الخلافة.
قال أبو اليقظان: وكانت لعبد الله بن معاوية ابنة يقال لها عاتكة، وفيها يقول الشاعر:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
إنّي لأمنحك الصدود وإنّني … قسما إليك مع الصدود لأميل (١)
стр. 2031
أمر يزيد بن معاوية:
وأمّا يزيد بن معاوية فكان يكنى أبا خالد.
حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش وعوانة وعن هشام ابن الكلبي عن أبيه وأبي مخنف وغيرهما قالوا: كان يزيد بن معاوية أوّل من أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد واتّخاذ القيان والغلمان والتفكّه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعاقرة بالكلاب والديكة ثم جرى على يده قتل الحسين، وقتل أهل الحرّة، ورمي البيت وإحراقه، وكان مع هذا صحيح العقدة فيما يرى، ماضي العزيمة لا يهمّ بشيء إلاّ ركبه.
قالوا: ووقع بين غلمان يزيد وغلمان عمرو بن سعيد الأشدق شرّ فأغضبه ذلك، وأمر بإحضار أولئك الغلمان، فلما أتي بهم قال: خلّوا سبيلهم فإنّ القدرة تذهب الحفيظة.
المدائني قال: دعا يزيد بأمّ خالد لينال منها فأبطأت عليه، وعرضت له جارية سوداء من جواريه فوقع عليها، فلما جاءت أمّ خالد أنشأ يقول؛
стр. 2032
اسلمي أمّ خالد … ربّ ساع لقاعد
إنّ تلك التي تري … ن سبتني بوارد
تدخل الأير كلّه … في حر غير بارد
المدائني والهيثم وغيرهما قالوا: كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويكنيه أبا قيس ويقول: هذا شيخ من بني اسرائيل أصاب خطيئة فمسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك ممّا يصنع، وكان يحمله على أتان وحشيّة ويرسلها مع الخيل فيسبقها، فحمله عليها يوما وجعل يقول:
تمسّك أبا قيس بفضل عنانها … فليس عليها إن هلكت ضمان
فقد سبقت خيل الجماعة كلّها … وخيل أمير المؤمنين أتان
وذكر لي شيخ من أهل الشام أنّ سبب وفاة يزيد أنّه حمل قرده على الأتان وهو سكران، ثم ركض خلفها، فاندقّت عنقه أو انقطع في جوفه شيء.
وحدثني محمد بن يزيد الرفاعي حدثني عمّي عن ابن عيّاش قال:
خرج يزيد يتصيّد بحوّارين وهو سكران، فركب وبين يديه أتان وحشيّة قد حمل عليها قردا وجعل يركض الأتان ويقول:
أبا خلف إحتل لنفسك حيلة … فليس عليها إن هلكت ضمان
فسقط فاندقّت عنقه.
قالوا: وكان يزيد همّ بالحجّ ثمّ إتيان اليمن فقال رجل من تنوخ:
يزيد صديق القرد ملّ جوارنا … فحنّ إلى أرض القرود يزيد
فتبّا لمن أمسى علينا خليفة … صحابته الأدنون منه قرود
стр. 2033
المدائني قال: كان يزيد ينادم على الشراب سرجون مولى معاوية.
وليزيد شعر منه قوله:
ولها بالماطرون إذا … أكل النمل الذي جمعا
منزل حتّى إذا ارتبعت … سكنت من جلّق بيعا
في جنان ثمّ مؤنقة … حولها الزيتون قد ينعا
وقال لأمّ خالد:
إذا سرت ميلا أو تخلّفت ساعة … دعتني دواعي الحبّ من أمّ خالد
وقال أيضا:
إني إذا ما جئتكم أمّ خالد … لذو حاجة عنها اللسان كليل
وقال أيضا:
إذا اتّكأت على الأنماط في غرف … بدير مرّان عندي أمّ كلثوم
فلا أبالي بما لاقت جموعهم … بالقرقذونة من حمّى ومن موم (١)
وكان ناس غازين فأصابهم وباء ومرض وجوع فلما بلغ معاوية شعره قال: والله ليغزونّ ولو مات، فأغزاه بلاد الروم ومعه فرس أنطاكية وبعلبكّ وغيرهم فلحق بسفيان بن عوف بالقرقذونة فغزا حتى بلغ الخليج ثم انصرف. وأمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر.
المدائني قال: دخل عبد الله بن جعفر على يزيد فقال: كم كان أبي يعطيك في كلّ سنة؟ قال: ألف ألف، قال: فإنّي قد أضعفتها لك، فقال
стр. 2034
ابن جعفر: فداك أبي وأمّي و والله ما قلتها لأحد قبلك، قال: فقد أضعفتها لك، فقيل أتعطيه أربعة آلاف ألف؟! فقال: نعم إنّه يفرّق ماله، فإعطائي أيّاه إعطائي أهل المدينة.
قالوا: وكان يزيد آدم جعدا معصوبا (١) أحور العينين طوالا بوجهه أثر جدري، ويقال كان أبيض وكان حسن اللحية خفيفها.
المدائني عن أبي عبد الرحمن العبدي عن عبد الملك بن عمير قال: قال رجل لسعيد بن المسيّب: أخبرني عن خطباء قريش قال: معاوية، وابنه يزيد، ومروان، وابنه، وسعيد بن العاص وابنه، وما ابن الزبير بدونهم.
قالوا: وأخطأ يزيد في شيء فقال له مؤدبّه: اخطأت يا غلام فقال يزيد: الجواد يعثر، فقال المؤدّب: أي والله ويضرب فيستقيم، فقال يزيد: أي والله ويضرب أنف سائسه.
المدائني عن عبد الرحمن بن معاوية قال، قال عامر بن مسعود الجمحي: إنّا لبمكة إذ مرّ بنا بريد ينعى معاوية، فنهضنا إلى ابن عبّاس وهو بمكة وعنده جماعة وقد وضعت المائدة ولم يؤت بالطعام فقلنا له: يا أبا العبّاس، جاء البريد بموت معاوية فوجم طويلا ثم قال: اللهمّ أوسع لمعاوية، أما والله ما كان مثل من قبله ولا يأتي بعده مثله، وإنّ ابنه يزيد لمن صالحي أهله فالزموا مجالسكم وأعطوا طاعتكم وبيعتكم، هات طعامك يا غلام، قال: فبينا نحن كذلك إذ جاء رسول خالد بن العاص وهو على
стр. 2035
مكة يدعوه للبيعة فقال: قل له اقض حاجتك فيما بينك وبين من حضرك فإذا أمسينا جئتك، فرجع الرسول فقال: لا بدّ من حضورك فمضى فبايع.
المدائني قال: تزوّج يزيد بن معاوية فاختة وهي حبّة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة فولدت له: معاوية، وخالدا، وعبد الله الأكبر، وأبا سفيان؛ وتزوّج أمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر فولدت له: عبد الله الأصغر الذي يقال له الأسوار، وعمر، وعاتكة أمّ يزيد بن عبد الملك؛ وتزوّج امرأة من غسّان فولدت له رملة؛ ففي فاختة يقول:
اسلمي أمّ خالد … ربّ ساع لقاعد
وفي أمّ كلثوم يقول:
إذا اتّكأت على الأنماط في غرف … بدير مرّان عندي أمّ كلثوم
وكان قد وجد على أمّ خالد بنت [أبي] هاشم وكان لها مؤثرا فتزوّج في حجّة حجهّا أمّ مسكين بنت عمر بن عاصم بن عمر بن الخطّاب ﵁ وقال:
أراك أمّ خالد تضجّين … باعت على بيعك أمّ مسكين
ميمونة من نسوة ميامين … زارتك من طيبة في حوّارين
في بلدة كنت بها تكونين … فالصبر أمّ خالد من الدين
إنّ الذي كنت به تدلّين … ليس كما كنت به تظنّين
وطلّق يزيد أمّ مسكين فتزوّجها عبيد الله بن زياد، وإنّما رضيت به مغايظة ليزيد، فقتل عنها ابن زياد، فخطبها محمد بن المنذر بن الزبير فتزوّجته ثم نافرته وقالت: إنّي والله ما تزوّجتك رغبة فيك، ولكني أردت أن أغسل سوءة كنت وقعت فيها.