أمر يزيد بن معاوية:
وأمّا يزيد بن معاوية فكان يكنى أبا خالد.
حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش وعوانة وعن هشام ابن الكلبي عن أبيه وأبي مخنف وغيرهما قالوا: كان يزيد بن معاوية أوّل من أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد واتّخاذ القيان والغلمان والتفكّه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعاقرة بالكلاب والديكة ثم جرى على يده قتل الحسين، وقتل أهل الحرّة، ورمي البيت وإحراقه، وكان مع هذا صحيح العقدة فيما يرى، ماضي العزيمة لا يهمّ بشيء إلاّ ركبه.
قالوا: ووقع بين غلمان يزيد وغلمان عمرو بن سعيد الأشدق شرّ فأغضبه ذلك، وأمر بإحضار أولئك الغلمان، فلما أتي بهم قال: خلّوا سبيلهم فإنّ القدرة تذهب الحفيظة.
المدائني قال: دعا يزيد بأمّ خالد لينال منها فأبطأت عليه، وعرضت له جارية سوداء من جواريه فوقع عليها، فلما جاءت أمّ خالد أنشأ يقول؛
стр. 2032
اسلمي أمّ خالد … ربّ ساع لقاعد
إنّ تلك التي تري … ن سبتني بوارد
تدخل الأير كلّه … في حر غير بارد
المدائني والهيثم وغيرهما قالوا: كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويكنيه أبا قيس ويقول: هذا شيخ من بني اسرائيل أصاب خطيئة فمسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك ممّا يصنع، وكان يحمله على أتان وحشيّة ويرسلها مع الخيل فيسبقها، فحمله عليها يوما وجعل يقول:
تمسّك أبا قيس بفضل عنانها … فليس عليها إن هلكت ضمان
فقد سبقت خيل الجماعة كلّها … وخيل أمير المؤمنين أتان
وذكر لي شيخ من أهل الشام أنّ سبب وفاة يزيد أنّه حمل قرده على الأتان وهو سكران، ثم ركض خلفها، فاندقّت عنقه أو انقطع في جوفه شيء.
وحدثني محمد بن يزيد الرفاعي حدثني عمّي عن ابن عيّاش قال:
خرج يزيد يتصيّد بحوّارين وهو سكران، فركب وبين يديه أتان وحشيّة قد حمل عليها قردا وجعل يركض الأتان ويقول:
أبا خلف إحتل لنفسك حيلة … فليس عليها إن هلكت ضمان
فسقط فاندقّت عنقه.
قالوا: وكان يزيد همّ بالحجّ ثمّ إتيان اليمن فقال رجل من تنوخ:
يزيد صديق القرد ملّ جوارنا … فحنّ إلى أرض القرود يزيد
فتبّا لمن أمسى علينا خليفة … صحابته الأدنون منه قرود
стр. 2033
المدائني قال: كان يزيد ينادم على الشراب سرجون مولى معاوية.
وليزيد شعر منه قوله:
ولها بالماطرون إذا … أكل النمل الذي جمعا
منزل حتّى إذا ارتبعت … سكنت من جلّق بيعا
في جنان ثمّ مؤنقة … حولها الزيتون قد ينعا
وقال لأمّ خالد:
إذا سرت ميلا أو تخلّفت ساعة … دعتني دواعي الحبّ من أمّ خالد
وقال أيضا:
إني إذا ما جئتكم أمّ خالد … لذو حاجة عنها اللسان كليل
وقال أيضا:
إذا اتّكأت على الأنماط في غرف … بدير مرّان عندي أمّ كلثوم
فلا أبالي بما لاقت جموعهم … بالقرقذونة من حمّى ومن موم (١)
وكان ناس غازين فأصابهم وباء ومرض وجوع فلما بلغ معاوية شعره قال: والله ليغزونّ ولو مات، فأغزاه بلاد الروم ومعه فرس أنطاكية وبعلبكّ وغيرهم فلحق بسفيان بن عوف بالقرقذونة فغزا حتى بلغ الخليج ثم انصرف. وأمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر.
المدائني قال: دخل عبد الله بن جعفر على يزيد فقال: كم كان أبي يعطيك في كلّ سنة؟ قال: ألف ألف، قال: فإنّي قد أضعفتها لك، فقال
стр. 2034
ابن جعفر: فداك أبي وأمّي و والله ما قلتها لأحد قبلك، قال: فقد أضعفتها لك، فقيل أتعطيه أربعة آلاف ألف؟! فقال: نعم إنّه يفرّق ماله، فإعطائي أيّاه إعطائي أهل المدينة.
قالوا: وكان يزيد آدم جعدا معصوبا (١) أحور العينين طوالا بوجهه أثر جدري، ويقال كان أبيض وكان حسن اللحية خفيفها.
المدائني عن أبي عبد الرحمن العبدي عن عبد الملك بن عمير قال: قال رجل لسعيد بن المسيّب: أخبرني عن خطباء قريش قال: معاوية، وابنه يزيد، ومروان، وابنه، وسعيد بن العاص وابنه، وما ابن الزبير بدونهم.
قالوا: وأخطأ يزيد في شيء فقال له مؤدبّه: اخطأت يا غلام فقال يزيد: الجواد يعثر، فقال المؤدّب: أي والله ويضرب فيستقيم، فقال يزيد: أي والله ويضرب أنف سائسه.
المدائني عن عبد الرحمن بن معاوية قال، قال عامر بن مسعود الجمحي: إنّا لبمكة إذ مرّ بنا بريد ينعى معاوية، فنهضنا إلى ابن عبّاس وهو بمكة وعنده جماعة وقد وضعت المائدة ولم يؤت بالطعام فقلنا له: يا أبا العبّاس، جاء البريد بموت معاوية فوجم طويلا ثم قال: اللهمّ أوسع لمعاوية، أما والله ما كان مثل من قبله ولا يأتي بعده مثله، وإنّ ابنه يزيد لمن صالحي أهله فالزموا مجالسكم وأعطوا طاعتكم وبيعتكم، هات طعامك يا غلام، قال: فبينا نحن كذلك إذ جاء رسول خالد بن العاص وهو على
стр. 2035
مكة يدعوه للبيعة فقال: قل له اقض حاجتك فيما بينك وبين من حضرك فإذا أمسينا جئتك، فرجع الرسول فقال: لا بدّ من حضورك فمضى فبايع.
المدائني قال: تزوّج يزيد بن معاوية فاختة وهي حبّة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة فولدت له: معاوية، وخالدا، وعبد الله الأكبر، وأبا سفيان؛ وتزوّج أمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر فولدت له: عبد الله الأصغر الذي يقال له الأسوار، وعمر، وعاتكة أمّ يزيد بن عبد الملك؛ وتزوّج امرأة من غسّان فولدت له رملة؛ ففي فاختة يقول:
اسلمي أمّ خالد … ربّ ساع لقاعد
وفي أمّ كلثوم يقول:
إذا اتّكأت على الأنماط في غرف … بدير مرّان عندي أمّ كلثوم
وكان قد وجد على أمّ خالد بنت [أبي] هاشم وكان لها مؤثرا فتزوّج في حجّة حجهّا أمّ مسكين بنت عمر بن عاصم بن عمر بن الخطّاب ﵁ وقال:
أراك أمّ خالد تضجّين … باعت على بيعك أمّ مسكين
ميمونة من نسوة ميامين … زارتك من طيبة في حوّارين
في بلدة كنت بها تكونين … فالصبر أمّ خالد من الدين
إنّ الذي كنت به تدلّين … ليس كما كنت به تظنّين
وطلّق يزيد أمّ مسكين فتزوّجها عبيد الله بن زياد، وإنّما رضيت به مغايظة ليزيد، فقتل عنها ابن زياد، فخطبها محمد بن المنذر بن الزبير فتزوّجته ثم نافرته وقالت: إنّي والله ما تزوّجتك رغبة فيك، ولكني أردت أن أغسل سوءة كنت وقعت فيها.
стр. 2036
المدائني عن يعقوب بن داود أنّ عطاء بن أبي صيفي بن نضلة بن قائف الثقفي دخل على يزيد وقد مات معاوية فقال: أصبحت يا أمير المؤمنين فارقت الخليفة وأعطيت الخلافة، فأجرك الله على عظيم الرزيّة، ورزقك الشكر على حسن العطيّة، فاحتذى ابن همّام مثاله في هذا النثر فنظمه فقال:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة … واشكر عطاء الذي بالملك أصفاكا
أصبحت لا رزء في الأقوام نعلمه … كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أعطيت طاعة أهل الأرض كلّهم … فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف … إذا هلكت ولا نسمع بمنعاكا
وقال أيضا:
تعزّوا يا بني حرب بصبر … فمن هذا الذي يرجو الخلودا
تلقّاها يزيد عن أبيه … فخذها يا معاوي عن يزيدا
أديروها بني حرب عليكم … ولا ترموا بها العرض البعيدا
وإن دنياكم بكم استقرّت … فأولوا أهلها أمرا سديدا
فإن شمست عليكم فاعصبوها … عصابا تستدرّ (١) لكم شديدا
وقال أيضا أو غيره:
يزيد يا بن أبي سفيان هل لكم … الى ثناء وودّ غير منصرم
إنا نقول ويقضي الله مقتدرا … وما يشأ ربّنا من صالح يدم
فاقتد بقائلكم خذها يزيد وقل … خذها معاوي غير العاجز البرم
стр. 2037
ولا تحطّ بها في غير داركم … إنّي أخاف عليكم حيرة الندم
إنّ الخلافة إن تعرف لثالثكم … تثبت معادنها فيكم ولا ترم
ولا تزال وفود في دياركم … في ظلّ أبلج سبّاق الى الكرم
فبايع يزيد لابنه معاوية، ويقال إنّه إنّما بايع له حين احتضر يزيد.
وكان على شرطة يزيد حميد بن حريث بن بحدل ثم عامر بن عبد الله الهمداني من أهل الأردنّ.
المدائني عن أبي عمرو المدني قال: وفد جرير بن عطيّة بن الخطفى على يزيد ووفد شعراء سواه، فخرج إليهم الآذن فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرني ألاّ أدخل اليه إلاّ من عرف شعره فأنشدوني، فقال جرير: أنا الذي أقول:
تعرّضت فاستمررت من دون حاجتي … فحالك إنّي مستمر لحاليا
وإنّي لمغرور أعلّل بالمنى … ليالي أدعو أنّ مالك ماليا
بأيّ نجاد تحمل السيف بعد ما … قطعت القوى من محمل كان باقيا
بأيّ سنان تطعن القوم بعد ما … نزعت سنانا من قناتك ماضيا (١)
فدخل فأنشده الأبيات فقال: أدخل صاحبها، فقال له: من أنت؟ قال: جرير بن عطيّة بن الخطفى اليربوعي قال: انّي سمعت أبياتك هذه عائرة ولم أدر لمن هي، فعاتبت أمير المؤمنين معاوية يوما فأنشدته إيّاها وهو يرى أنها من قولي، ووصل جريرا.
стр. 2038
المدائني قال: قدم عبد الرحمن بن زياد من خراسان فأمره يزيد أن يعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم فأعطاه ألف ألف درهم فقال:
خمسمائة من يزيد، وخمسمائة مني.
المدائني عن عليّ بن مجاهد عن هشام بن عروة قال: كان عبد الله بن صفوان مع عبد الله بن الزبير فذمّ يزيد واغتابه فقيل له ألم تبايعه؟ قال: انّي وجدت في البيعة له عوارا فرددتها.
أبو الحسن المدائني عن أبي أيّوب القرشي قال: لما قدم [ .... ] يزيد بن معاوية كتب إليه أن أحمل إليّ ابن همّام السلولي، وكان قد وجد عليه في قصيدته التي يقول فيها:
حشينا الغيظ حتّى لو شربنا … دماء بني أميّة ما روينا
فأخذه ابن زياد فسأله أن يكفله عريفه، وكان اسم العريف مالكا، ففعل، وهرب ابن همام وأخذ عريفه به، وقدم على يزيد فعزّاه عن معاوية وهنّأه بالخلافة وأتى ابنه معاوية فاستجار به، فآمنه يزيد وصفح عنه، وكتب إلى ابن زياد يأمره أن لا يعرض له وأوصاه به، فقال ابن همّام حين رجع:
جعلت الغواني من بالكا … ولم ينهك الشيب عن ذالكا
أقول لعثمان لا تلحني … أفق عثم عن بعض تعذالكا
غريب تذكّر إخوانه … فهاجوا له سقما ناهكا
وكرّهني أرضكم أنّني … رأيت بها أسدا ناهكا
فلمّا خشيت أظافيره … نجوت وأرهنتهم مالكا
عريفا مقيما بدار الهوان … أهون عليّ به هالكا
ويمّمت أبيض ذا سؤدد … علا ذروة المجد والحاركا
стр. 2039
فلمّا أنخت إلى بابه … رأيت خليفتنا ذالكا
فقلت أجرني أبا خالد … وإلاّ فهبني امرءا هالكا
فجاد بنا ثمّ قلت اعطفي … بنا يا صفي ويا عاتكا
فأطّت لنا رحم برّة … ولم يحقر النسب الشابكا
فكم فرجت بك من كربة … ومن حلقة عند أبوابكا
وكان وراءك ضرغامة … توائل منه بحوبائكا
فيا ابن زياد وكنت امرءا … كما زعموا عابدا ناسكا
فإنّ معي ذمّة من يزيد … وإنّي أعوذ بإسلامكا
من ان أظلم اليوم أو أن تطيع … بي الكاذب الآثم الآفكا
فلولا الثقال شفاعاتهم … وعهد الخليفة لم آتكا
فقد خطّ لي الرقّ فيه الأمان … إليك مخافة أنبائكا
فلا تخفرنه فقد خطّ لي … رقى من مخافة حيّاتكا
وأحضرت عذرا عليه الشهود … إن قابلا ذاك أو تاركا
وقد شهد الناس عند الإمام … أنّي عدوّ لأعدائكا
وقال الهيثم بن عديّ وابن الكلبي عن عوانة: كتب يزيد لابن همّام بالرضا عنه وبجائزة فبسطه وآنسه وأطلق عريفه، وكان حبسه إذ لم يعد همّام اليه ليتولّى حمله إلى يزيد وهرب، وأمر كاتبيه عمرو بن نافع وحسّان مولى الأنصار أن يدفعا إليه جائزته، فكان عمرو يدافعه وحسّان يعينه عليه، فدخل ذات يوم على ابن زياد فقال: ألك حاجة؟ قال:
نعم حاجة كلّفتها القيظ كلّه … أراوحها البردين حتّى شتيتها
يعاودها حسّان عمرو بن نافع … فحسّان يحييها وعمرو يميتها
стр. 2040
وقال ابن همّام في عمرو بن نافع:
أفي جرجرايا أنت كفنا بن فرزن … وفينا أبو عثمان عمرو بن نافع
وأنبئت في جوخا فلا تتركنّه … بقيّة ميراث لشيخك ضائع
ثلاثة أخلاق بلين ومنجلا … وأمّ جراء تتّقى في المراتع
فلهفا عليكم آل كفنا بن فرزن … فكم كان فيكم من مثير وتارع
وبعض الرواة يزعم أنّ ابن همام عصى فطلبه ابن زياد فأخذ به عريفه فهرب إلى يزيد.
المدائني عن إبراهيم بن حكيم عن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي قال: دخل عطاء بن أبي صيفي الثقفي على يزيد بن معاوية فقال له يزيد:
لم تحالفت ثقيف فصارت بنو غيرة وسعد بن عوف وأسعد بن غاضرة يدا وصارت بنو مالك يدا؟ و [ .... ] لم يتحالف قوم قط الا عن ذلّة وقلّة، فقال عمرو بن عبد عمرو: ما رأيت قطّ كلاما أبعد من صواب وسداد، والله لتكفنّ يا بن أبي صيفي أو لأردنّ لك شعابا يبابا، لا تنبت إلاّ سلعا وصابا، فقال عطاء: إن ترد شعابي تلقها مكلئة خصابا، تفهق بمياهها عذابا، وتلق أهلها شوسا غضابا، قال: إن أردها ألقها قليلا نداها، يابسا ثراها، ذليلا حماها، خاشعة صواها، قال: بل إن تردها تلقها مريّا مرعاها، نديّا ثراها، عزيزا حماها، مضرة بمثلك هيجاها، قال: بل ألقها للريح الزعزع، والذئاب الجوّع، كبيداء بلقع، قال: بل تلقها طّيبة المرتع، يضيق بها على مثلك المضجع، فقال يزيد: عنكما فقد أحسنتما وما قلتما فحشا، فقال عطاء: يا أمير المؤمنين الأصل مؤتلف، والشكل بعد مختلف، وأنا بذاك مقر معترف.
стр. 2041
المدائني قال، قال عاصم الجحدري: جاءت بيعة يزيد البصرة وأنا اكتب في مصحف ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (١).
المدائني قال: استعمل ابن زياد عبد الرحمن بن أمّ برثن - كما يقال فيروز حصين - وأمّ برثن امرأة من بني ضبيعة كانت تعالج الطيب وتخالط آل عبيد الله بن زياد، وكان منبوذا فأخذته وربّته وتبنّته حتى أدرك وصار رجلا جزلا له نبل وفضل وتألّه، ثم كلّمت نساء عبيد الله بن زياد فيه فكلّمن عبيد الله فيه فولاه، فرمى عبد له ذات يوم بسفّود فأصاب السفّود رأس ابنه فنثر دماغه فظنّ أنّه سيقتله فقال له حين أتي به: اذهب يا بني فأنت حرّ فإنّك قتلت ابني خطأ ولن اقتلك متعمّدا، ثم عمي بعد. ولما استعمله ابن زياد ثم عزله أغرمه مائتي ألف درهم فخرج إلى يزيد بن معاوية، فلما كان على مرحلة من دمشق نزل وضرب له خباء وحجرة، فإنّه لجالس إذا كلبة من كلاب الصيد قد دخلت عليه وفي عنقها طوق من ذهب وهي تلهث، فأخذها وطلع يزيد على فرس له، فلما رأى هيئته أدخله الحجرة وأمر بفرسه أن تقاد، فلم يلبث أن توافت الخيل فقال له يزيد: من أنت وما قصّتك؟ فأخبره، فكتب له من ساعته إلى عبيد الله بن زياد في ردّ المائتي الألف عليه، وأعتق ذلك اليوم ثلاثين مملوكا وقال: من أحبّ أن يقيم فليقم ومن أحبّ أن يذهب فليذهب.
المدائني قال: هجا فضالة بن شريك رجلا من قريش يقال له عاصم - قال المدائني: وأراه عاصم بن عمر - فخافه فعاذ بيزيد بن معاوية وقال فيه:
стр. 2042
إذا ما قريش فاخرت بطريفها … فخرت بمجد يا يزيد تليد
بمجد أمير المؤمنين ولم يزل … أبوك أمين الله جدّ رشيد
به عصم الله الأنام من الردى … وأدرك نبلا من معاشر صيد
فكتب يزيد إلى عاصم: إنّي قد أجرت فضالة فهبه لي، ووصله.
وقال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان في يزيد حين خلعه ابن الزبير:
ثكلتك أمّك من إمام جماعة … أيضلّ رأيك في الأمور ويعزب
متوسّد إذ فالذته جيأل … هلباء أو ضبعان سوء أهلب (١)
ألهاك برقعة الضباع عن العمى … حتّى أتاك وأنت لاه تلعب
وحدثني الحرمازي عن أبي سويد الشامي عن أبيه قال: قال يزيد بن معاوية: حفظ النديم والجليس وإكرامهما من كرم الخليفة وقضاء حقّ النعمة.
وقال المدائني: لاط خالد بن اسماعيل بن الأشعث بغلام له في استه فشهد عليه امرءان من مواليه وامرأتاهما وغلام لم يحتلم فحدّه يزيد وكان ماقتا له.
قالوا: ومن شعر يزيد قوله:
لشرّ الناس عبد وابن عبد … وآلم من مشى مولى الموالي
стр. 2043
وقوله:
إعص العواذل وارم الليل عن عرض … بذي سبيب يقاسي ليله خببا
أقبّ لم يثقب البيطار سرّته … ولم يدجه ولم يرقم له عصبا
حتّى يثمّر مالا أو يقال فتى … لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا
لا خير عند فتى أودت مروءته … يعطي المقادة من لا يحسن الجنبا (١)
وقال:
وساع يجمع الأموال جمعا … ليورثها أعاديه شقاء
وكم ساع ليثري لم ينله … وآخر ما سعى نال الثراء
ومن يستعتب الحدثان يوما … يكن ذاك العتاب له عناء
وقال:
وإنّ نديمي غير شكّ مكرّم … لديّ وعندي من هواه الذي ارتضى
ولست له في فضلة الكأس قائلا … لأصرعه سكرا تحسّ وقد أبى
ولكن أحيّيه وأكرم وجهه … وأصرفها عنه وأسقيه ما اشتهى
وليس إذا ما نام عندي بموقظ … ولا سامع يقظان شيئا من الأذى
وقال يزيد:
اسقني مزّة تروّي مشاشي … وأدر مثلها على ابن زياد
موضع السرّ والأمانة عندي … وعلى ثغر مغنمي وجهادي
يعني سلم بن زياد وكان على خراسان.
стр. 2044
وكان مسلم بن عمرو الباهلي أبو قتيبة نديما ليزيد يشرب معه ويغنيّه، فقال الشاعر حين عزل يزيد بن المهلّب عن خراسان ووليها قتيبة:
شتّان من بالصّنج أدرك والذي … بالسيف أدرك والحروب تسعّر
المدائني، قال: أتى عبد الرحمن بن حسّان يزيد فرأى منه جفوة له وإغفالا فهجاه فقال شعرا استبطأه فيه، فقال حصين بن نمير أو مسلم بن عقبة: اقتله فإنّ حلم أمير المؤمنين معاوية جرّأ الناس عليكم، فقال:
جفوناه وحرمناه فاستحققنا ذلك منه، فبعث إليه بثلاثين ألف درهم، فمدحه.
стр. 2045
ذكر ما كان من أمر الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وابن الزبير في
بيعة يزيد بعد موت معاوية بن أبي سفيان:
قال أبو مخنف وعوانة وغيرهما: ولي يزيد بن معاوية وعمّال أبيه: على الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى مكة عمرو بن سعيد الأشدق - وقال بعضهم: كان على مكة الحارث بن خالد، وعلى المدينة الأشدق والأوّل أثبت - فلما ولي كتب إلى الوليد مع عبد الله بن عمرو بن أويس، أحد بني عامر بن لؤيّ: أمّا بعد فإنّ معاوية بن أبي سفيان كان عبدا من عبيد الله أكرمه الله واستخلفه وخوّله ومكّن له فعاش بقدر، ومات بأجل فرحمة الله عليه، فقد عاش محمودا، ومات برّا تقيّا. والسّلام.
وكتب إليه في صحيفة كأنّها أذن فأره: أمّا بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا، ليست فيه رخصة ولا هوادة، حتى يبايعوا والسّلام.
قالوا: فلما أتى ابن عتبة الكتاب فظع بموت معاوية وكبر عليه، وقد كان مروان بن الحكم على المدينة قبله، فلما ولي بعد مروان كان مروان
стр. 2046
لا يأتيه إلاّ معذّرا متكارها حتى شتمه الوليد في مجلسه فجلس عنه مروان، فلما جاء نعي معاوية إلى الوليد قرأ عليه كتاب يزيد واستشاره فقال: أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة فإن بايعوا قبلت ذلك منهم وإن ابوه قدّمتهم فضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بوفاة معاوية، فإنّهم إن علموا بها وثب كلّ امرئ منهم في ناحية، فأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه.
فقال الوليد: أمّا ابن عمر فإنّي أراه لا يرى القتال ولا يختار أن يلي أمر الناس إلاّ أن يدفع الأمر إليه عفوا.
وأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، وهو إذ ذاك غلام، إلى الحسين وعبد الله بن الزبير يدعوهما فوجدهما جالسين في المسجد وكان إتيانه إيّاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس ولا يأتونه فقال:
أجيبا الأمير، فقالا له: انصرف الآن نأته بعد، ثم أعاد إليهما الرسل وألحّ عليهما، فأمّا الحسين فامتنع بأهل بيته ومن كان على رأيه، وفعل ابن الزبير مثل ذلك، وبعث إليه الحسين أن كفّ حتّى ننظر وتنظروا ونرى وتروا، وبعث ابن الزبير: لا تعجلوا فإنّي آتيكم، فوجّه الوليد موالي له فشتموه وقالوا: يا بن الكاهليّة إن أتيت الأمير وإلاّ قتلناك، فجعل يقول: الآن أجيء الآن أجيء، وأتى جعفر بن الزبير الوليد فقال له: كفّ رحمك الله عن عبد الله فقد أفزعته وذعرته بكثرة رسلك وهو يأتيك غدا إن شاء الله، فصرف الوليد رسله عنه وتحمّل ابن الزبير من ليلته - وهي ليلة السبت لثلاث ليال بقين من رجب سنة ستّين - فأخذ طريق الفرع ومعه أخوه جعفر بن الزبير وتجنّبا الطريق الأعظم، فلما أصبح الوليد طلبه فلم يجده، فقال
стр. 2047
مروان: ما أخطأ مكة، فوجّه الوليد في طلبه حبيب بن كرّة مولى بني اميّة في ثلاثين راكبا من موالي بني أميّة فلم يلحقوه وتشاغلوا عن الحسين بطلب ابن الزبير، فخرج الحسين ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب سنة ستّين، وسمع عبد الله بن الزبير جعفرا أخاه يتمثّل ببيت متمّم بن نويرة الحنظلي:
وكلّ بني أمّ سيمسون ليلة … ولم يبق من أعقابهم غير واحد
فتطيّر ابن الزبير فقال لجعفر أخيه: ما أردت بإنشادك هذا البيت؟ قال: ما أردت إلاّ خيرا؛ ونزل ابن الزبير مكة وعليها عمرو الأشدق بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة فقال: إنّما أنا عائذ ولم يكن يصلّي بصلاتهم، ولزم جانب الكعبة فكان يصلّي عندها عامّة نهاره ويطوف، يأتي الحسين بن عليّ فيشير عليه بالرأي في كلّ يومين وثلاثة أيّام، وحسين أثقل الناس عليه لعلمه بأنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام حسين بالبلد، لأنّ حسينا كان أعظم في أنفسهم وأطوع عندهم، فأتاه يوما فحادثه ساعة ثم قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفّنا عنهم ونحن أبناء المهاجرين وأولي الأمر منهم، فخبّرني بما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين:
والله لقد حدّثت نفسي بإتيان الكوفة، فإنّ شيعتي بها، وأشراف أهلها قد كتبوا إليّ في القدوم عليهم، وأستخير الله، فقال ابن الزبير: لو كان لي بها مثل شيعتكم ما عدلت بها، ثم خشي أن يتّهمه فقال: إنّك لو أقمت بالحجاز ثم أردت الأمر هاهنا ما خولف عليك إن شاء الله، ثم خرج من عنده فقال الحسين: ما شيء من أمر الدنيا يؤتاه أحبّ إليه من خروجي عن الحجاز لأنّه قد علم أنّه ليس له معي من الأمر شيء.
стр. 2048
وبعث الوليد إلى عبد الله بن عمر أن بايع ليزيد فقال: إذا بايعت الناس بايعت، فتركوه لثقتهم بزهادته في الأمر وشغله بالعبادة.
وأخذ الوليد ممّن كان هواه مع ابن الزبير وميله إليه: عبد الله بن مطيع بن الأسود بن حارثة العدوي، وهو ابن العجماء - نسب إلى جدّته، وذلك اسمها، وهي خزاعيّة - ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فحبسهما، فاجتمعت بنوعديّ إلى عبد الله بن عمر فقالوا: حبس صاحبنا مظلوما، وبلغ الوليد ذلك فصار إلى ابن عمر، فحمد ابن عمر الله وأثنى عليه وصلّى على نبيّه ﷺ ثم قال: استعينوا على إقامة أمركم بالحقّ ولا تطلبوه بالظلم فإنّكم إن استقمتم أعنتم وإن جرتم وكلتم إلى أنفسكم، كفّ رحمك الله عن صاحبنا وخلّ سبيله فإنّا لا نعلم لكم حقّا تحبسونه به، فقال:
حبسته بأمر أمير المؤمنين، فنكتب وتكتبون، فانصرف ابن عمر واجتمع فتية من بني عديّ فانطلقوا حتى اقتحموا على ابن مطيع وهو في السجن فأخرجوه، فلحق بابن الزبير ثم رجع بعد فأقام بالمدينة.
وقد روي أيضا أنّ الحسين أتى الوليد فقال له الوليد: قد آن أن تعلم بموت معاوية وهو في مواليه وفتيانه، فلما رأى عنده مروان، وقد كانت بينه وبين الوليد تلك النّفرة قال: الصلة خير من القطيعة، والصلح خير من العداوة، وقد آن لكما أن تجتمعا، أصلح الله ذات بينكما، فلم يجيباه بشيء، وأقرأه الوليد كتاب يزيد ونعى إليه معاوية، ودعاه إلى البيعة، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، رحم الله معاوية وأعظم لك الأجر، وأمّا البيعة فإنّ مثلي لا يبايع سرّا ولا أراك ترضى منّي إلاّ بإظهارها على رؤوس الناس، فإذا خرجت إليهم فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا فكان أمرنا واحدا،
стр. 2049
وكان الوليد رجلا محبّا للعافية فقال: انصرف على اسم الله حتى تبايع مع جماعة الناس، فقال مروان: لئن فارقك الساعة لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى يكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، قال: فوثب الحسين فقال: يا بن الزرقاء كذبت والله [و] لؤمت لا تقدر ولا هو على ضرب عنقي، ثم خرج فقال مروان للوليد:
لتندمنّ على تركك إيّاه، فقال: يا مروان إنّك أردت بي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحبّ أن أملك الدنيا بحذافيرها على أن أقتل حسينا، إنّ الذي يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة.
وقال بعض أهل العلم: حجب الوليد بن عتبة أهل العراق عن الحسين، فقال له: يا ظالما لنفسه عاصيا لربّه، علام تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقّي ما جهلته وعمّك معاوية؟ فقال الوليد: ليت حلمنا عنك لا يدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة لك ما سكنت يدك فلا تخطر بها فيخطر بك.
وخرج الحسين إلى مكة في بنيه وإخوته وبني أخيه وجلّ أهل بيته غير محمد ابن الحنفيّة فإنّه قال له: يا أخي أنت أعزّ الناس عليّ، تنحّ عن مروان ببيعتك وعن الأمصار، وابعث رسلك إلى الناس فإن أجمعوا عليك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله دينك ومروءتك وفضلك، إنّي أخاف أن تدخل بعض الأمصار ويختلف الناس فيك ويقتتلون فتكون لأوّل الأسنّة، فإذا خير الناس نفسا وأمّا وأبا قد ضاع دمه وذلّ أهله، قال: وأين أذهب يا أخي؟ قال: تنزل مكة فإن اطمأنت بك الدار وإلاّ لحقت باليمن، فإن اطمأنت بك وإلاّ لحقت بشعف الجبال حتى تنظر
стр. 2050
إلى ما يصير أمر الناس ويفرق لك الرأي، فأتى مكة وجعل يتمثّل قول الشاعر:
لا ذعرت السوام في وضح الصب … ح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيما … والمنايا يرصدنني أن أحيدا (١)
ومضى الحسين إلى العراق فقتل، وقد كتبنا حديثه مع أخبار آل أبي طالب.
وقال المدائني: كتب يزيد إلى ابن الزبير يدعوه إلى بيعته فكتب ابن الزبير يدعوه إلى الشورى، وكان فيما كتب به يزيد:
لو بغير الماء حلقي شرق … كنت كالغصّان بالماء اعتصاري (٢)
فأذكرك الله في نفسك، فإنّك ذو سنّ من قريش، وقد مضى لك سلف صالح وقدم صدق من اجتهاد وعبادة، فاربب صالح ما مضى ولا تبطل ما قدّمت من حسن، وادخل فيما دخل فيه الناس ولا تردّهم في فتنة ولا تحلّ حرم الله. فأبى أن يبايع، فحلف أن لا يقبل بيعته إلاّ في جامعة.
стр. 2051
أمر عبد الله بن الزبير بعد مقتل الحسين:
قالوا: لما قتل الحسين ﵇ قام عبد الله بن الزبير في أهل مكة خطيبا فعظّم مقتله، وعاب أهل الكوفة خاصّة، وذمّ أهل العراق عامّة، وقال: دعوا حسينا ليولّوه عليهم فلما أتاهم ساروا إليه فقالوا: أمّا أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سميّة فيمضي فيك حكمه، وإمّا أن تحارب، فرأى أنّه وأصحابه قليل في كثير، فاختاروا المنيّة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينا ولعن قاتله، لعمري لقد كان في خذلانهم إياه وعصيانهم له واعظ وناه عنهم، ولكن ما حمّ نازل، والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أحقّ بما هم فيه منهم، والله ما كان ممّن يتبدّل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالذكر كلاب الصيد - يعرّض بيزيد بن معاوية - وقد قتلوه ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١) فثار إليه أصحابه فقالوا: أيّها
стр. 2052
الرجل أظهر بيعتك فإنّه لم يبق أحد - إذ هلك الحسين - ينازعك في هذا الأمر، وقد كان ابن الزبير يبايع سرّا على الشورى ويظهر أنّه عائذ بالبيت، فقال لهم: لا تعجلوا، وعمرو بن سعيد الأشدق يومئذ على مكة، وكان شديدا عليه وعلى أصحابه وهو مع ذلك يداري ويرفق، فلما استقرّ عند يزيد بن معاوية ما قد جمع ابن الزبير بمكة وما قيل له في أمر البيعة وإظهارها أعطى الله عهدا ليؤتينّ به في سلسلة، فبعث بسلسلة من فضّة فمرّ بها البريد على الوليد بن عتبة ومروان بالمدينة فأخبرهما الرسول خبر ما قدم له وخبر السلسلة التي معه، فقال مروان:
خذها فليست للعزيز مذلّة … وفيها مقال لامرئ متضعّف
ويقال أنّ مروان بعث بهذا البيت اليه مع عبد العزيز بن مروان، والثبت:
خذها فليست للعزيز مذلّة … وفيها مقال لامرئ متذلّل (١)
ثم مضى البريد من عندهما حتى قدم على ابن الزبير وقد كان كتب إلى ابن الزبير بتمثلّ مروان بالبيت فقال: والله لا أكون أنا المتضعّف، وردّ ذلك البريد ردّا رفيقا.
وعلا أمر ابن الزبير بمكة وكاتبه أهل المدينة.
قال هشام ابن الكلبي فحدثني عوانة قال: أرسل يزيد إلى عبد الله بن الزبير إنّي قد جعلت عليّ نذرا أنّ يؤتى بك في سلسلة، قال: فلا أبرّ الله
стр. 2053
قسمه ولا وفّق له الوفاء بنذره، فقال له أخوه عروة بن الزبير أو غيره:
وما عليك أن تبّر قسم ابن عمّك؟ قال: قلبي إذا مثل قلبك، فقال أبو دهبل الجمحي وهو وهب بن وهب بن زمعة بن أسيد بن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح:
لا يجعلنّك في قيد وسلسلة … كيما يقول أتانا وهو مغلول
بين الحواريّ والصدّيق ذو نسب … صاف وسيف على الأعداء مسلول
وأراد ابن الزبير ابن عبّاس على البيعة وقد بايعه الناس فامتنع عليه نحوا من سنة، ثم بايعه بعد، ويقال إنّه لم يبايعه حتى توفّي.
وكان امتناع ابن عبّاس عن البيعة لابن الزبير قد بلغ يزيد فظنّ أنّ ذلك لتمسّكه ببيعته، فكتب يزيد إليه: أمّا بعد فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى نفسه وعرض عليك الدخول في طاعته لتكون له على الباطل ظهيرا وفي المأثم شريكا وأنّك امتنعت من طاعته واعتصت عليه في بيعته وفاء منك لنا وطاعة لله بتثبيت ما عرّفك من حقّنا، فجزاك الله من ذي رحم كأفضل جزاء الواصلين لأرحامهم الموفين بعهودهم، فما أنس من الأشياء لا أنس برّك وحسن مكافاتك وتعجيل صلتك، فانظر من قبلك ومن يطرأ إليك من الآفاق ممّن يسحره الملحد وزخرف قوله، فأعلمهم حسن رأيك في طاعتي وتمسّكك ببيعتي، فإنّهم لك أطوع ومنك أسمع منهم للمحلّ الحارب الملحد المارق والسّلام.
فأجابه عبد الله بن عباس بجواب طويل يقول فيه: سألتني أن أحثّ الناس عليك وأثبطهم عن نصرة ابن الزبير وأخذّلهم عنه، فلا ولا كرامة ولا مسرة، تسألني نصرك وتحذوني على ودّك وقد قتلت حسينا، بفيك
стр. 2054
الكثكث (١)، وإنّك إذ تمنّيك نفسك لعازب الرأي، وإنّك لأنت المفنّد المثبور، أتحسبني لا أبالك نسيت قتلك حسينا وفتيان بني عبد المطلب مصابيح الدجى الذين غادرهم جنودك مصرّعين في صعيد واحد مرّملين بالدماء مسلوبين بالعراء غير مكفّنين ولا موسّدين تسفي عليهم الرياح وتعروهم الذئاب وتنتابهم عرج الضباع، حتّى أتاح الله لهم قوما لم يشركوك في دمائهم فكفّنوهم وأجنّوهم، ومهما أنس من الأشياء فلن أنسى تسليطك عليهم ابن مرجانة الدعيّ ابن الدعيّ للعاهرة الفاجرة البعيد منهم رحما، اللئيم أما وأبا، الذي اكتسب أبوك في ادّعائه إيّاه لنفسه العار والخزي والمذلّة في الدنيا والآخرة، فلا شيء أعجب من طلبك ودّي ونصري وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت أحد ثأري. وذكر كلاما بعد ذلك.
وكتب يزيد إليه كتابا يأمره بالخروج إلى الوليد بن عتبة ومبايعته له وينسبه إلى قتل عثمان والممالأة عليه، فكتب ابنّ عبّاس إليه أيضا كتابا يقول فيه: إنّي كنت بمعزل عن عثمان، ولكنّ أباك تربّص به وأبطأ عنه بنصره وحبس من قبله عنه حين استصرخه واستغاث به، ثم بعث الرجال إليه معذّرا حين علم أنّهم لا يدركونه حتى يهلك.
وقال الواقدي: عزل يزيد الوليد بن عتبة لأنّ مروان كتب يذكر ضعفه ووهنه وإدهانه، وولّى المدينة عمرو بن سعيد الأشدق، وولّى يحيى بن الحكم بن صفوان بن أميّة بن خلف الجمحي مكة - وقال هشام بن
стр. 2055
الكلبي: هو يحيى بن حكيم بن صفوان - ولاّه عمرو بن سعيد مكة وصار إلى المدينة. قال الواقدي: فأتاه ابن الزبير فبايعه ليزيد وقال: إني سامع مطيع، غير أنّ الوليد رجل أخرق، فكرهت جواره، ولقد خبرنا من معاوية ما لم نخبره من غيره، وإنّما أنا عائذ بالبيت من أمر لا آمنه.
قال أبو مخنف وعوانة: عزل يزيد: الوليد بن عتبة، وجمع مكة والمدينة لعمرو بن سعيد، فحجّ بالناس وحجّ ابن الزبير بمن معه فلم يصلّ بصلاة عمرو ولا أفاض بإفاضته، ثم قدم المدينة فأغزى ابن الزبير منها جيشا بكتاب يزيد إليه في ذلك.
وقال الواقدي: وجّه يزيد إلى ابن الزبير النعمان بن بشير الأنصاري، وهمّام بن قبيصة النميري، وقال لهما: ادعواه إلى البيعة لي وخذاها عليه وأمراه أن يبّر قسمي، فلما صارا إلى المدينة لقيهما عبد الله بن مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عبد العزّى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب،- ويقال حارثة بن نضلة بن عوف بن عبيد، وهو أثبت - فقال: يا بن بشير أتدعو ابن الزبير إلى بيعة يزيد وهو احقّ بالخلافة منه؟ فقال له النعمان: مهلا فإنّ عواقب الفتن وبيلة وخيمة، ولا طاقة لأهل هذا البلد بأهل الشام. ثم أتيا مكة فأبلغا ابن الزبير عن يزيد السّلام، وسألاه أن يبايع له، فوقع في يزيد وذكره بالقبيح، وخلا بالنعمان فقال له: اسألك بالله أأنا أفضل عندك أم يزيد؟ قال: أنت، قال: فأيّنا أفضل أبا وأما، قال: أنت ولكنّي أحذّرك الفتنة إذ بايع الناس واجتمعوا عليه، وانصرف النعمان وهمّام - ويقال إنّ عبد الله بن عضاه كان مع النعمان، وبعثه بهمام أثبت - فأعلما يزيد ما كان من ابن الزبير فغضب
стр. 2056
واستشاط وأكّد يمينه في ترك قبول بيعته إلاّ وفي عنقه جامعة يقدم به فيها، فقال له عبد الله بن جعفر ومعاوية بن يزيد: يا أمير المؤمنين إنّ ابن الزبير رجل أبيّ لجوج فدعه على أمره ولا تهجه لما لا تحتاج إليه؛ فأوفد اليه الحصين بن نمير السكوني، ومسلم بن عقبة المرّي، وزفر بن الحارث الكلابي، وعبد الله بن عضاه الأشعري، وروح بن زنباع الجذامي، ومالك بن هبيرة السكوني، ومالك بن حمزة الهمداني، وأبا كبشة السكسكي، وزمل بن عمرو العذري، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وناتل بن قيس الجذامي، والضحّاك بن قيس، وأمرهم أن يعلموه أنّه إنّما بعث بهم احتجاجا عليه وإعذارا إليه، وأن يحذّروه الفتنة ويعرفوه ماله عنده من البّر والتكرمة إذا أبّر يمينه وأتاه في الجامعة التي بعث بها إليه معهم، وكان قد دفع إليهم جامعة من فضّة، فقال له ابن عضاه: يا أبا بكر قد كان من أثرك في أمر الخليفة المظلوم ونصرتك إيّاه يوم الدار ما لا يجّهل، وقد غضب أمير المؤمنين بما كان من إبائك ممّا قدم عليك فيه النعمان وهمّام، وحلف أن تأتيه في جامعة خفيفة لتحلّ يمينه، فالبس عليها برنسا فلا ترى، ثم أنت الأثير عند أمير المؤمنين الذي لا يخالف في ولاية ولا مال، وقال له القوم مثل ذلك، فقال: والله ما أنا بحامل نفسي على الذّلة ولا راض بالخسف، وما يحلّ لي أن أفعل ما تدعوني إليه، فليجعل يزيد يمينه هذه في أيمان قد حنث فيها؛ وقال أيّوب بن زهير بن أبي أميّة المخزومي: ليست يمين يزيد في ابن الزبير بأوّل يمين حنث فيها ووجب عليه تكفيرها ولا آخرها، ثم بسط ابن الزبير لسانه في يزيد بن معاوية وتنقّصه وقال: لقد بلغني أنّه يصبح سكران ويمسي كذلك، ثم تمثّل قول الشاعر:
стр. 2057
ولا ألين لغير الحقّ أسأله … حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
يا بن عضاه والله ما أصبحت أرهب الناس ولا الباس، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي وبصيرة من ديني، فإن أقتل فهو خير لي، وإن مت حتف أنفي فالله يعلم إرادتي وكراهتي لأن يعمل في أرضه بالمعاصي، وأجاب الباقين بنحو من هذا القول.
وقال الواقدي والهيثم بن عديّ في روايتهما: قال ابن الزبير لابن عضاه: إنّما أنا حمامة من حمام هذا المسجد، أفكنتم قاتلي حمامة من حمام المسجد؟! فقال ابن عضاه: يا غلام ائتني بقوسي وأسهمي، فأتاه بذلك، فأخذ سهما فوضعه في كبد القوس ثم سدّده لحمامة من حمام المسجد وقال:
يا حمامة أيشرب يزيد الخمر؟ قولي نعم، فو الله لئن قلت لأقتلنّك، يا حمامة أتخلعين أمير المؤمنين يزيد وتفارقين الجماعة وتقيمين بالحرم ليستحلّ بك؟ قولي نعم، فو الله لئن قلت لأقتلنّك. فقال ابن الزبير: ويحك يا بن عضاه أو يتكّلم الطير؟ قال: لا ولكنّك أنت تتكّلم، وأنا أقسم بالله لتبايعنّ طائعا أو كارها أو لتقتلن، ولئن أمرنا بقتالك ثم دخلت الكعبة لنهدمنّها أو لنحرقنها عليك، أو كما قال، فقال ابن الزبير: أو تحلّ الحرم والبيت؟ قال: إنّما يحلّه من ألحد فيه.
وقال لوط بن يحيى أبو مخنف: قدم الأشدق المدينة واليا عليها وحجّ في تلك السنة في جماعة من مواليه وهو خائف من ابن الزبير، وكان يزيد قد ولاّه الموسم، فأتاه ابن الزبير فسكن لذلك وأتى عمرو ابن عباس فشكا ابن الزبير فقال: عليكم بالرفق فإنّ له قرابة وحقا، ثم انصرف الأشدق إلى المدينة.
стр. 2058
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن محمد بن الزبير الحنظلي حدثني زريق مولى معاوية قال: لما هلك معاوية بعثني يزيد إلى الوليد بن عتبة، ولم يكن بسيرته بأس، وكتب إليه بموت معاوية وأن يبعث إلى هؤلاء الرهط فيأخذهم بالبيعة، قال: فقدمت المدينة ليلا فاستأذنت على الوليد، فلما قرأ كتاب يزيد بموت معاوية جزع جزعا شديدا وجعل يقوم ويرمي بنفسه على فراشه ثم بعث إلى مروان فجاءه وعليه قميص أبيض وملاءة مورّدة لبيسة، فنعى إليه معاوية وأعلمه أنّ يزيد بعث إليه بأخذ البيعة على هؤلاء الرهط، فترحّم مروان على معاوية ثم قال: ابعث إلى النفر الساعة فادعهم إلى البيعة، فإن بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم، فقال الوليد: يا سبحان الله أقتل الحسين وعبد الله بن الزبير؟! قال: هو ما قلت لك، فبعث إلى الحسين وابن الزبير وابن عمر وابن مطيع، فجاء الحسين أوّلهم وعليه قميص قوهّي وإزار مصبوغ بزعفران، وهو مطلق إزاره، فسلم ثم جلس، ثم جاء عبد الله بن الزبير في ثوبين غليظين مشمّرا إلى نصف ساقه فسلّم وجلس، ثم جاء عبد الله بن مطيع فإذا رجل ثائر الشعر أحمر العينين فسلّم ثم جلس، فحمد الوليد الله وأثنى عليه، ثم نعى معاوية ودعاهم إلى بيعة يزيد، فبدر ابن الزبير بالكلام وكأنّه خاف أن يهنوا، ثم ترحمّ على معاوية ودعا له، ثم ذكر الوليد فجزّاه خيرا فقال:
وليتنا فأحسنت ولايتنا ووصلت أرحامنا، وقد علمت الذي كان منّا في بيعة يزيد، وأنّه قد احتمل ذلك علينا، ومتى بايعنا والباب مغلق علينا تخوّفنا أن لا يذهب ذلك ما في قلبه، فإن رأيت أن تصل أرحامنا وتحسن فيما بيننا وبينك فتخلّي سبيلنا ثم تأمر فينادى الصلاة جامعة وتصعد المنبر فنأتي فنبايع
стр. 2059
على رؤوس الناس طائعين غير مكرهين، قال: وجعل مروان كلّما نظر إلى الوليد أشار إليه أن اضرب أعناقهم، قال: فخلّى الوليد عنهم، فخرجوا فقال مروان: والله لا يصبح وبها منهم أحد، فلما أتى كلّ واحد منهم منزله دعا براحلته ثم رمى بها الطريق إلى مكة وأصبح الوليد فلم يجد منهم أحدا.
وحدثنا أحمد بن إبراهيم، وأبو خيثمة قالا: حدثنا وهب بن جرير عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: مات معاوية والوليد أمير على مكة والمدينة، وكان على مكة من قبله لأمّه عبد الرحمن بن نبيه، فكتب إليه يزيد يأمره أن يأخذ بيعة حسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير، فاستضعفه في ذلك فعزله، وامّر عمرو بن سعيد الأشدق على المدينة ومكة، وأمره أن يبعث إليه بابن الزبير في جامعة ولا يؤخّره، وبعث في ذلك النعمان بن بشير، وابن مسعدة الغفاري، وابن عضاه الأشعري، وبعث معهم بجامعة من فضة لتبرّ يمينه، فلما قدموا قال قائل وهو يسمع ابن الزبير ذلك:
خذها فليست للعزيز بسبّة … فيها مقال لامرئ متذلّل
فأبى أن يخرج معهم وقال: قولوا ليزيد يجعل يمينه هذه من أيمانه التي يجب عليه أن يكّفرها.
أمر عمرو بن الزبير بن العوام ومقتله:
قال الواقدي في روايته: لما قدمت رسل يزيد عليه وليس ابن الزبير معهم وأعلموه ما يقول، كتب إلى عمرو بن سعيد الأشدق يأمره أن يوجّه إلى عبد الله بن الزبير جيشا من أهل العطاء والديوان لمحاربته ويولّي أمرهم رجلا حازما مناصحا، وكان عمرو بن الزبير - وأمه أمة بنت خالد بن
стр. 2060
سعيد بن العاص - على شرطة عمرو بن سعيد الأشدق، فسأله توجيهه على ذلك الجيش، وكان مباينا لأخيه عبد الله بن الزبير يظهر عيبه ويكثر الطعن عليه، وكان عمرو عظيم الكبر شديد العجب ظلوما وقد أساء السيرة وعسف الناس، وأخذ من عرفه بموالاة عبد الله والميل إليه فضربهم بالسياط، وله يقال: عمرو لا يكلّم، من يكلّمه يندم، فكان ممّن ضرب: المنذر بن الزبير، ومحمد بن المنذر، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن عمّار بن ياسر، وطلب قوما من قريش يرون رأي أخيه فاستخفوا ثم لحقوا بمكة فأتى رافع بن خديج الأنصاري عمرا الأشدق فقال له: اتّق الله ولا تغز الجيوش مكة فإنّ الله حرّمها، فلم تحلّ لنبيّه إلاّ ساعة من نهار ثم عادت حرمتها، فقال:
وما أنت وهذا؟ لقريش علم لا تبلغه أنت ولا أصحابك، فانصرف رافع.
وقال أبو مخنف في روايته: صار عمرو بن سعيد الأشدق إلى المدينة فجهّز جيشا يريد به ابن الزبير بمكة، فقال عمرو بن الزبير لعمرو بن سعيد: أمّرني على هذا الجيش فأنا أكفيك أخي، فقد تعرف الذي بيني وبينه لاستخفافه بحقّي وقطيعته إيّاي، فولاه الجيش، وكان أكثر الجيش بدلاء من العطاء وجلّهم يهوون ابن الزبير عبد الله، فساروا حتى انتهوا الى مكة، فأخرج إليهم عبد الله بن الزبير رجالا من أهل الحجاز ذوي دين وفضل ورأي وثبات وبصائر، فلما التقوا لم ينشب جند عمرو بن الزبير أن تفرّقوا وأخذ عمرو بعد أن أجاره عبيدة (١) وآمنه، فلما أتي به عبد الله قال:
стр. 2061
من كانت له قبل عمرو بن الزبير مظلمة فليأخذها منه، فكان عبد الله يخرجه إلى الناس فيلطم ويوجأ ويضربه ضارب بعصا ويشجّه آخر بحجر اقتصاصا ثم يرد إلى السجن ثم يخرج فيفعل به بمثل ذلك، وضرب بالسياط اقتصاصا للذّين ضربهم إلاّ من عفا عنه، ثم إن رجلا من هذيل بن مدركة يقال له جنادة بن الأسود أتى عبد الله بن الزبير فقال: إنّ عمرا نطحني مرّة في وجهي نطحة لم ازل أصدّع منها حينا، فأذن له في الاقتصاص منه، فنطح جبينه نطحة خرّ منها مغشيا عليه، وكان عبد الله إذا ضربه بالسياط اقتصاصا لرجل، تركه أيّاما حتى يبرأ، ثم يضربه لآخر فيوجد صبورا، فكان ذلك قد نهكه وأضعفه، فلما نطحه الهذلي لم يمكث إلاّ ليلة حتى مات؛ فقال عبد الله بن الزّبير الأسدي في قصيدة قالها بعد حصار ابن الزبير الأوّل:
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن … كبير بني العوّام إن قيل من تعني
لعمري لقد أردى عبيدة جاره … بشنعاء غدر لا توارى على الدفن
قتلتم أخاكم بالسياط سفاهة … فيا لك من رأي مضل ومن أفن
فلو أنّكم أجهزتم إذ قتلتم … ولكن قتلتم بالسياط وبالسجن
جعلتم لضرب الظهر منه عصيّكم … تراوحه والأصبحّية (١) للبطن
وتخبر من لاقيت أنّك عائذ … وتكثر قتلى بين زمزم والركن
وقال الواقدي في روايته: إنّ مروان بن الحكم أشار على عمرو بن سعيد ألاّ يغزي مكة جيشا وقال: إنّكم إن تركتم ابن الزبير كفيتم مؤنته بالموت فأبى، قال: وسار عمرو بن الزبير على جيش الأشدق وبين يديه لواء
стр. 2062
عقده له عمرو الأشدق، وخرج في أربعمائة من الجند وقوم من موالي بني اميّة وقوم من غير أهل الديوان، وتحلّب الناس على ابن الزبير من نواحي الطائف يعاونونه ويدفعون عن الحرم، وشخص المسور بن مخرمة من المدينة إلى مكة فسأل عنه عمرو بن سعيد فأخبر بشخوصه فقال: لا يزال حبّ الفتنة بالمسور حتى يرديه، فكان ابن الزبير يشاوره في أموره. وقدم أيضا على ابن الزبير مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد بن عمير، وعبد الله بن صفوان بن أميّة بن خلف الجمحي، وهو عبد الله الطويل، فأوصى الأشدق عمرو بن الزبير بالصبر على القتال وأن يتبع الهارب ويجهز على الجريح، ولا يرضى إلاّ بأسر عبد الله بن الزبير أو بنزوله على حكم يزيد ولبس الجامعة، فلما فصل عمرو من المدينة ندم وقال: قد فعلت بعبد الله وأصحابه ما لا يخرج من قلبه، ووافى مكة ومع ابن الزبير بشر كثير في عدّة وسلاح، فقدّم عبّاد بن عبد الله ابنه ثم تلاحق الناس وراسل عمرو أخاه في بيعة يزيد وقال له:
وما عليك في قبول ما دعاك أمير المؤمنين إليه من لبس الجامعة والمصير إليه فيها ثم يصير إلى محبّتك؟ فقال: إنّي على طاعة يزيد وقد بايعت عامل مكة حين دخلها؛ وكان عسكر عمرو بن الزبير بذي طوى، وعليه أنيس بن عمرو الأسلمي - ويقال كان بالحجون إلاّ أنّهم انكشفوا فقتل من قتل بذي طوى - فقال عبد الله بن صفوان بن أميّة لعبد الله بن الزبير: إنّ هذا أعدى عدوّ لك فناجزه، قال: نعم، فنهد إليه في جماعة من موالي ابن الزبير وهو وأصحابه غارّون، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أنيس بن عمرو الأسلميّ وأسر عمرو، وقد قال له أخوه عبيدة بن الزبير أنا أجيرك، فعندها وضع يده
стр. 2063
في أيديهم، فأتي به عبد الله بن الزبير وقد شجّ في وجهه والدم يقطر على قدميه، فقال عمرو متمّثلا:
لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا تقطر الدّما
فوبّخه فقال: أي عدوّ الله استخففت بحرم الله، وأمر به إلى الحبس، فقال عبيدة بن الزبير: إنّي قد أجرته، فقال عبد الله: إنّ للناس عليه حقوقا ولا بدّ من أن أقصّهم، فضربه عبد الله بكلّ سوط ضربه أحدا بالمدينة سوطا وأقصّ منه كلّ من لطمه وتناوله حتى سقط ميّتا؛ وقيل انّ عمرو بن الزبير لم يزل محبوسا حتى بويع ابن الزبير وأقاد منه حتى مات؛ وإنّ فلّ عمرو قدموا المدينة فضربهم الأشدق فلامه يزيد على ذلك.
وقال الواقدي في رواية أخرى: لما قتل أنيس في المعركة وانفضّ عن عمرو جلّ من معه وجّه إليه عبد الله بن الزبير مصعب بن عبد الرحمن بن عوف فأسره، فجاءه عبيدة فقال: أنا أجيرك يا عمرو، فلما أخبر أخاه بإجارته إياه قال: لا بدّ من أن يقتصّ الناس منه، وأمر به فحبس ومعه غلام لمحمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي - ويقال إنّه مولى لبني زهرة واسمه زيد ولقبه عارم، ويقال هو غلام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف.
وقال أبو الحسن المدائني: أسر زيد - عارم - غلام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف فبني له بناء في ذراعين وأقيم فيه، وكان ذلك البناء في السجن فقيل سجن عارم، وصيّر عارم وعدّة معه في بناء بني لهم ضيق وأطبق عليهم حتى ماتوا؛ قال كثيّر يذكر ابن الحنفيّة ويهجو عبد الله.
стр. 2064
تخبّر من لاقيت أنّك عائذ … بل العائذ المحبوس في سجن عارم
فما ورق الدنيا بباق لأهلها … ولا شدّة البلوى بضربة لازم (١)
وكان ابن الزبير يخطب فيقول: والله لا أريد إلاّ الإصلاح وإقامة الحقّ، ولا ألتمس جمع مال ولا ادّخاره، وإنّما بطني شبر أو أقلّ، يكفيني ما ملأه؛ فلما قتل عمرا أخاه قال الضحّاك بن فيروز بن الديلمي من أحرار اليمن:
تقول لنا أن سوف تكفيك قبضة … وبطنك شبر أو أقلّ من الشبر
وأنت إذا ما نلت شيئا قضمته … كما قضمت نار الغضا حطب السدر
لكم سنّة الفاروق لا شيء غيرها … وسنّة صدّيق النّبيّ أبي بكر
فلو ما اتّقيت الله لا شيء غيره … إذا عطفتك العاطفات على عمرو
ويروى:
فلو كنت تجزي أو تثيب بنعمة … قريبا لردّتك العطوف على عمرو
وقال أبو حرّة مولى بني مخزوم:
ما زال في سورة الأعراف يقرأها … حتّى فؤادي مثل الخزّ في اللين
لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد … أفضلت فضلا كثيرا للمساكين
فإن تصب من الأيّام جائحة … لا نبك منك على دنيا ولا دين
وقال المدائني: لما تفرّق أصحاب عمرو عنه قال بعض الشعراء:
كرهت كتيبة الجمحيّ لمّا … رأيت الموت سال به كداء
فقلت أبا أميّة سوف تلقى … شهيدا أو يكون لك العناء
يعني ابن صفوان.
стр. 2065
وقال الهيثم بن عديّ: كان عمرو بن الزبير مائلا إلى أخواله من ولد العاصي، فوجّهه الأشدق إلى مكة لقتال أخيه، فوجّه عبد الله عبد الله بن صفوان بن أميّة الجمحي فقاتله فهزمه وأسره. فلما رآه عبد الله قال: ويحك ما صنعت؟ أمّا حقّي فقد تركته للأخوّة ولا بد من الأخذ بمظالم الناس، فحبسه أشهرا يقفه كلّ يوم فيأتي الرجل فيقول: لكزني فيلكزه، ويقول الآخر: لطمني فيلطمه، ويقول الآخر: نتف لحيتي فيقول: انتف لحيته، حتى قدم سهيل بن عبد الرحمن بن عوف فقال: جلدني مائة ولم أجن ذنبا، فأمر به فجّرد وقال: اضربه مائة، فضربه مائة سوط فنغل ظهره حتى مات، فأمر به عبد الله فصلب، فكان ذلك أوّل ما نقمه الناس عليه.
وحدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن عبد الله بن عيّاش الهمداني قال، حدثني محمد بن المنتشر قال: حضرت مكة أيّام ابن الزبير فما رأيت أحدا قطّ أبخل منه ولا أشدّ أفنا، أتته الخوارج فضلّلهم وعاب قولهم في عثمان حتى فارقه نافع بن الأزرق الحنفي وبنو ماحوز بن بحدج، فانصرفوا عنه وغلبوا على اليمامة ونواحيها الى حضرموت وعامّة أرض اليمن، وأظهر سوء الرأي في بني هاشم، وترك ذكر النبي ﷺ من أجلهم، وقال: إنّ له أهيل سوء فإن ذكر مدّوا أعناقهم لذكره، وحبس ابن الحنفّية في الشعب حتى شخص من أهل الكوفة من شخص وعليهم أبو عبد الله الجدلي، فلم يقدر له على مضرّة، ففارقته الشيعة بهذا السبب وأكفرته، وكان المختار معه فلما رأى تفّننه وتخليطه تركه وانصرف إلى الكوفة، وقال له الحصين بن نمير: صر معي إلى الشام أبايعك والناس فأبى، وجعل حصين يكلّمه سرا وذلك حين ورد عليهم موت يزيد وهو يرفع صوته فقال له: ما عرفك من زعم أنّك
стр. 2066
داهية، أكلّمك سرا وترفع صوتك، وزعم أنّه عائذ بالبيت، دعا الناس إلى بيعته فبايعه من بايعه.
وقال الهيثم بن عدي: وجاءه قوم من الأعراب لينصروه فقال: إنّ سلاحكم لرثّ وإنّ حديثكم لغثّ، وإنّكم لأعداء في الخصب، عيال في الجدب. وأتاه أعرابيّ فقال له: افرض لي قال: أثبتوه فأثبتوه قال:
أعطني، قال: قاتل أوّلا فقال: بأست هذا، دمي نقد ودرهمك نسيئة، هذا والله ما لا يكون. قال: وولّى الحارث بن الحصين بن الحارث بن قيس الجعفي وادي القرى وبها تمر كثير من تمر الصدقة، ففرّقه فيمن معه، وكان كتب إليه أن يحتفظ به، فلما قدم عليه جعل يضربه بالدرّة ويقول: أكلت تمري وعصيت أمري.
وقال أبو مخنف في روايته: رفع الوليد بن عتبة وناس معه على عمرو بن سعيد الأشدق وقالوا: لو شاء أن يأخذ ابن الزبير لأخذه، فسرّح يزيد عند ذلك الوليد واليا على الحجاز، وعزل عمرو بن سعيد، فشخص عمرو إلى الشام، فعاتبه يزيد فقال: كنت أرفق به لآخذه ولو كان معي جند لناهضته، على أنّي قد اجتهدت، فقال يزيد: اشدّ ما أنكرت عليك أنّك لم تكتب إليّ تسألني أن أمدك بأهل الشام إذا لم يكن فيمن أنهضت معك إلى ابن الزبير كفاية غير أولي عدد وعدّة.
قالوا: ولما قتل الحسين ثار نجدة بن عامر باليمامة فحجّ فيمن حجّ، وكان الوليد بن عتبة يفيض من عرفة ويفيض معه عامّة الناس، وابن الزبير واقف بأصحابه، ونجدة واقف بأصحابه، ثم يفيض كلّ امرئ منهم بأصحابه على حدته.
стр. 2067
قالوا: وكتب ابن الزبير إلى يزيد عن أهل مكة: إنّك بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتّجه لأمر رشد ولا يرعوي لعظة الحليم، فلو بعثت إلينا رجلا سهل الخليفة ليّن الكنف لرجونا أن يسهل من هذه الأمور ما استوعر، وأن يجمع منها ما تفرّق، فانظر في ذلك، فإنّ فيه صلاح خواصّنا و عّوامنا.
فلما ورد الكتاب عليه عزل الوليد وولّى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فقدم عليهم فتى حدث لم تحنكه الأمور ولم تحكمه التجارب ولم تجرّسه (١) الأيّام.
وقال المدائني: قدم عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب على يزيد فقال له: قد لججت في أمر ابن عمّك، فلو أعطيته شيئا يطمئنّ إليه، فقال له:
قد ولّيتك مكة فاعمل في أمره بما يطمئنّ به، فمال الى ابن الزبير ميلا شديدا وقال له: أنت أحبّ إليّ من اولاد الطلقاء، فعزله يزيد وولّى عبد الله بن معين (٢) بن عبد الأسد المخزومي.
قال: وقدم مروان على ابن الزبير فقال له: إنّ القوم لا يدعون سلطانهم حتى يذبّوا عنه، وخوّفه أهل الشام، فلم يجبه إلى شيء ممّا أشار به عليه.
وقال الهيثم: تحّصن سعد مولى عتبة بن أبي سفيان بالطائف في خمسين رجلا فاستنزلهم ابن الزبير وضرب أعناقهم في الحرم، فقال ابن عمر:
يا سبحان الله ما أحمق هذا الرجل، أما أنّه لم يقتل أحد أحدا بالحرم إلاّ قتل به؛ وقال ابن عبّاس: لو لقيت قاتل أبي بالحرم ما قتلته.
стр. 2068
خبر يوم الحرة:
قال الواقدي وغيره في روايتهم: لما قتل عبد الله بن الزبير أخاه عمرو بن الزبير خطب الناس فذكر يزيد بن معاوية فقال: يزيد الخمور، ويزيد الفجور، ويزيد الفهود، ويزيد القرود، ويزيد الكلاب، ويزيد النشوات، ويزيد الفلوات، ثم دعا الناس إلى إظهار خلعه وجهاده، وكتب على أهل المدينة بذلك، فاجتمع أهل الحجاز على أمر ابن الزبير وطاعته، وأخذ البيعة له على أهل المدينة عبد الله بن مطيع العدوي، وقد كان ابن عضاه وأصحابه الوافدون معه عرّفوا يزيد ميل أهل المدينة على يزيد مع ابن الزبير، وأتاه خبر عمرو بن الزبير وما أعلن عبد الله من الأمر بعد ذلك، وأنّ أهل المدينة قد كاشفوا بعداوته، فكتب يزيد إلى عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامله أن يّوجّه إليه وفدا ليستمع مقالتهم ويستميل قلوبهم، فأوفد إليه المنذر بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، وعبد الله بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الأنصاري في آخرين من الأشراف، فلما قدموا عليه أكرمهم ووصل كلّ
стр. 2069
واحد منهم بخمسين الف درهم، ووصل المنذر بمائة ألف درهم، ثم انصرفوا من عنده، فلما وردوا المدينة قالوا: قدمنا من عند رجل فاسق يشرب الخمور ويضرب الطنابير، ويعزف عنده القيان ويلعب بالكلاب، فعاقدهم الناس على خلعه، وولّوا أمرهم عبد الله بن حنظلة الغسيل، وقدم المنذر بن الزبير البصرة من بين الوفد، فأكرمه ابن زياد وبرّه وأمر له بمائة ألف درهم.
وقال عوانة: كان مسور بن مخرمة وفد إلى يزيد قبل ولاية عثمان بن محمد، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر، فكتب إلى يزيد بذلك، فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسورا الحدّ، فقال أبو حزّة:
أيشربها صهباء كالمسك ريحها … أبو خالد ويضرب الحدّ مسور
وقال هشام ابن الكلبي: أخبرني أبو مخنف قال: لما بلغ يزيد خلع أهل المدينة وتوليتهم ابن الغسيل أمرهم، كتب إلى ابن زياد في حمل المنذر بن الزبير إليه، فكره ابن زياد ذلك إذ كان ضيفه وصديق أبيه زياد، فكتب إليه: إنّه انّما صار إليّ متبرّئا من أصحابه مخالفا لقولهم وفعلهم، ثم أمر منذرا أن يستأذنه على رؤوس الناس في إتيان الحجاز، وقد كتم ابن زياد أمر الكتاب، فلما فعل أذن له في اللحاق بأهله، فلما صار إلى الحجاز قال في يزيد مثل قول الوفد وقال: إنّ يزيد أجازني بمائة الف درهم، وما يمنعني ذلك من أن أخبركم خبره، والله إنّه ليسكر من الخمر حتى يدع الصلاة، فيقال إنّ المنذر أقام فشهد الحرة، ثم صار إلى مكة، ويقال إنّه قدم مكة قبل الحرة.
стр. 2070
وبعث يزيد إلى النعمان بن بشير فقال له: إنّ عدد الناس بالمدينة الأنصار وهم قومك، فأتهم فافثأهم عمّا يريدون، فصار النعمان إلى قومه فاستنهاهم من أنفسهم، وحذّرهم جنود أهل الشام، ورغّبهم في بيعة يزيد فقال له عبد الله بن مطيع العدوي: يا نعمان قد جئتنا بأمر تريد به تفريق جماعتنا وإفساد ما قد أصلح الله من أمرنا، فقال: النعمان: كأنّي بك على بغلتك تضرب جنبيها ثم تلحق بمكة، وتترك هؤلاء المساكين من الأنصار يقتلون في سككهم ومساجدهم، فلم يلتفت إلى قوله؛ وكان مع النعمان كتاب من يزيد نسخته: من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى أهل المدينة أمّا بعد فقد أنظرتكم حتى لا نظرة، ورفقت بكم حتى عجّزت عندكم، وحملتكم على رأسي ثم على عيني ثم على نحري، وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أجعلكم بها أحاديث تؤثر مع أحاديث عاد وثمود، وتمثّل بهذين البيتين:
أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي … وقد يستضعف الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني … فمعوجّ عليّ ومستقيم
ووثب أهل المدينة على عثمان بن محمد ومن بالمدينة من بني أميّة ومواليهم ومن عرف بالميل إليهم من قريش، وكانوا زهاء ألف، فأخرجوهم. فخرجت بنو أميّة حتى نزلوا بجماعتهم دار مروان، فحاصرهم الناس في دار مروان وهو معهم وابنه عبد الملك حصارا ضعيفا، وهتفوا بخلع يزيد، فكتب مروان ومن معه بخبرهم إلى يزيد كتابا مع حبيب بن كرّة، فلما قدم حبيب على يزيد دفع الكتاب إليه ورجلاه في الماء لنقرس عرض له، فقال: يا حبيب ما كان بنو أميّة بالمدينة ألف رجل؟ فقال: بلى