داهية، أكلّمك سرا وترفع صوتك، وزعم أنّه عائذ بالبيت، دعا الناس إلى بيعته فبايعه من بايعه.
وقال الهيثم بن عدي: وجاءه قوم من الأعراب لينصروه فقال: إنّ سلاحكم لرثّ وإنّ حديثكم لغثّ، وإنّكم لأعداء في الخصب، عيال في الجدب. وأتاه أعرابيّ فقال له: افرض لي قال: أثبتوه فأثبتوه قال:
أعطني، قال: قاتل أوّلا فقال: بأست هذا، دمي نقد ودرهمك نسيئة، هذا والله ما لا يكون. قال: وولّى الحارث بن الحصين بن الحارث بن قيس الجعفي وادي القرى وبها تمر كثير من تمر الصدقة، ففرّقه فيمن معه، وكان كتب إليه أن يحتفظ به، فلما قدم عليه جعل يضربه بالدرّة ويقول: أكلت تمري وعصيت أمري.
وقال أبو مخنف في روايته: رفع الوليد بن عتبة وناس معه على عمرو بن سعيد الأشدق وقالوا: لو شاء أن يأخذ ابن الزبير لأخذه، فسرّح يزيد عند ذلك الوليد واليا على الحجاز، وعزل عمرو بن سعيد، فشخص عمرو إلى الشام، فعاتبه يزيد فقال: كنت أرفق به لآخذه ولو كان معي جند لناهضته، على أنّي قد اجتهدت، فقال يزيد: اشدّ ما أنكرت عليك أنّك لم تكتب إليّ تسألني أن أمدك بأهل الشام إذا لم يكن فيمن أنهضت معك إلى ابن الزبير كفاية غير أولي عدد وعدّة.
قالوا: ولما قتل الحسين ثار نجدة بن عامر باليمامة فحجّ فيمن حجّ، وكان الوليد بن عتبة يفيض من عرفة ويفيض معه عامّة الناس، وابن الزبير واقف بأصحابه، ونجدة واقف بأصحابه، ثم يفيض كلّ امرئ منهم بأصحابه على حدته.
стр. 2067
قالوا: وكتب ابن الزبير إلى يزيد عن أهل مكة: إنّك بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتّجه لأمر رشد ولا يرعوي لعظة الحليم، فلو بعثت إلينا رجلا سهل الخليفة ليّن الكنف لرجونا أن يسهل من هذه الأمور ما استوعر، وأن يجمع منها ما تفرّق، فانظر في ذلك، فإنّ فيه صلاح خواصّنا و عّوامنا.
فلما ورد الكتاب عليه عزل الوليد وولّى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فقدم عليهم فتى حدث لم تحنكه الأمور ولم تحكمه التجارب ولم تجرّسه (١) الأيّام.
وقال المدائني: قدم عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب على يزيد فقال له: قد لججت في أمر ابن عمّك، فلو أعطيته شيئا يطمئنّ إليه، فقال له:
قد ولّيتك مكة فاعمل في أمره بما يطمئنّ به، فمال الى ابن الزبير ميلا شديدا وقال له: أنت أحبّ إليّ من اولاد الطلقاء، فعزله يزيد وولّى عبد الله بن معين (٢) بن عبد الأسد المخزومي.
قال: وقدم مروان على ابن الزبير فقال له: إنّ القوم لا يدعون سلطانهم حتى يذبّوا عنه، وخوّفه أهل الشام، فلم يجبه إلى شيء ممّا أشار به عليه.
وقال الهيثم: تحّصن سعد مولى عتبة بن أبي سفيان بالطائف في خمسين رجلا فاستنزلهم ابن الزبير وضرب أعناقهم في الحرم، فقال ابن عمر:
يا سبحان الله ما أحمق هذا الرجل، أما أنّه لم يقتل أحد أحدا بالحرم إلاّ قتل به؛ وقال ابن عبّاس: لو لقيت قاتل أبي بالحرم ما قتلته.
стр. 2068
خبر يوم الحرة:
قال الواقدي وغيره في روايتهم: لما قتل عبد الله بن الزبير أخاه عمرو بن الزبير خطب الناس فذكر يزيد بن معاوية فقال: يزيد الخمور، ويزيد الفجور، ويزيد الفهود، ويزيد القرود، ويزيد الكلاب، ويزيد النشوات، ويزيد الفلوات، ثم دعا الناس إلى إظهار خلعه وجهاده، وكتب على أهل المدينة بذلك، فاجتمع أهل الحجاز على أمر ابن الزبير وطاعته، وأخذ البيعة له على أهل المدينة عبد الله بن مطيع العدوي، وقد كان ابن عضاه وأصحابه الوافدون معه عرّفوا يزيد ميل أهل المدينة على يزيد مع ابن الزبير، وأتاه خبر عمرو بن الزبير وما أعلن عبد الله من الأمر بعد ذلك، وأنّ أهل المدينة قد كاشفوا بعداوته، فكتب يزيد إلى عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامله أن يّوجّه إليه وفدا ليستمع مقالتهم ويستميل قلوبهم، فأوفد إليه المنذر بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، وعبد الله بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الأنصاري في آخرين من الأشراف، فلما قدموا عليه أكرمهم ووصل كلّ
стр. 2069
واحد منهم بخمسين الف درهم، ووصل المنذر بمائة ألف درهم، ثم انصرفوا من عنده، فلما وردوا المدينة قالوا: قدمنا من عند رجل فاسق يشرب الخمور ويضرب الطنابير، ويعزف عنده القيان ويلعب بالكلاب، فعاقدهم الناس على خلعه، وولّوا أمرهم عبد الله بن حنظلة الغسيل، وقدم المنذر بن الزبير البصرة من بين الوفد، فأكرمه ابن زياد وبرّه وأمر له بمائة ألف درهم.
وقال عوانة: كان مسور بن مخرمة وفد إلى يزيد قبل ولاية عثمان بن محمد، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر، فكتب إلى يزيد بذلك، فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسورا الحدّ، فقال أبو حزّة:
أيشربها صهباء كالمسك ريحها … أبو خالد ويضرب الحدّ مسور
وقال هشام ابن الكلبي: أخبرني أبو مخنف قال: لما بلغ يزيد خلع أهل المدينة وتوليتهم ابن الغسيل أمرهم، كتب إلى ابن زياد في حمل المنذر بن الزبير إليه، فكره ابن زياد ذلك إذ كان ضيفه وصديق أبيه زياد، فكتب إليه: إنّه انّما صار إليّ متبرّئا من أصحابه مخالفا لقولهم وفعلهم، ثم أمر منذرا أن يستأذنه على رؤوس الناس في إتيان الحجاز، وقد كتم ابن زياد أمر الكتاب، فلما فعل أذن له في اللحاق بأهله، فلما صار إلى الحجاز قال في يزيد مثل قول الوفد وقال: إنّ يزيد أجازني بمائة الف درهم، وما يمنعني ذلك من أن أخبركم خبره، والله إنّه ليسكر من الخمر حتى يدع الصلاة، فيقال إنّ المنذر أقام فشهد الحرة، ثم صار إلى مكة، ويقال إنّه قدم مكة قبل الحرة.
стр. 2070
وبعث يزيد إلى النعمان بن بشير فقال له: إنّ عدد الناس بالمدينة الأنصار وهم قومك، فأتهم فافثأهم عمّا يريدون، فصار النعمان إلى قومه فاستنهاهم من أنفسهم، وحذّرهم جنود أهل الشام، ورغّبهم في بيعة يزيد فقال له عبد الله بن مطيع العدوي: يا نعمان قد جئتنا بأمر تريد به تفريق جماعتنا وإفساد ما قد أصلح الله من أمرنا، فقال: النعمان: كأنّي بك على بغلتك تضرب جنبيها ثم تلحق بمكة، وتترك هؤلاء المساكين من الأنصار يقتلون في سككهم ومساجدهم، فلم يلتفت إلى قوله؛ وكان مع النعمان كتاب من يزيد نسخته: من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى أهل المدينة أمّا بعد فقد أنظرتكم حتى لا نظرة، ورفقت بكم حتى عجّزت عندكم، وحملتكم على رأسي ثم على عيني ثم على نحري، وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أجعلكم بها أحاديث تؤثر مع أحاديث عاد وثمود، وتمثّل بهذين البيتين:
أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي … وقد يستضعف الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني … فمعوجّ عليّ ومستقيم
ووثب أهل المدينة على عثمان بن محمد ومن بالمدينة من بني أميّة ومواليهم ومن عرف بالميل إليهم من قريش، وكانوا زهاء ألف، فأخرجوهم. فخرجت بنو أميّة حتى نزلوا بجماعتهم دار مروان، فحاصرهم الناس في دار مروان وهو معهم وابنه عبد الملك حصارا ضعيفا، وهتفوا بخلع يزيد، فكتب مروان ومن معه بخبرهم إلى يزيد كتابا مع حبيب بن كرّة، فلما قدم حبيب على يزيد دفع الكتاب إليه ورجلاه في الماء لنقرس عرض له، فقال: يا حبيب ما كان بنو أميّة بالمدينة ألف رجل؟ فقال: بلى
стр. 2071
يا أمير المؤمنين، قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟ وقرأ يزيد الكتاب على عمرو بن سعيد الأشدق وعرض عليه أن يصير إلى المدينة فقال:
قد كنت ضبطت لك البلد وأحكمت الأمور وأردت أن ألطف للرجل فآخذه في رفق أو أقتله وحده بحيلة، فأمّا الآن فإنّي لا أحبّ هراقة دماء قريش، فبعث بالكتاب إلى مسلم بن عقبة المرّي، فجاء حتى دخل على يزيد فقال:
يا أمير المؤمنين ما أعجب هذا، أما قدروا وهم ألف رجل أن يقاتلوا عن أنفسهم ساعة واحدة؟ ثم أمره يزيد بالشخوص ونادى مناديه في الناس بالمسير إلى الحجاز على أن يعطوا أعطياتهم كملا ويعان كلّ امرئ منهم بمائة دينار، وانتدب اثنا عشر ألفا وركب يزيد فرسا وتقلّد سيفا وتنكّب قوسا وأقبل يتصفّح الخيل ويقول:
أبلغ أبا بكر إذا الجيش انبرى … وأشرف القوم على وادي القرى
أجمع سكران من الخمر ترى … أم جمع يقظان إذا حثّ السرى
وا عجبا من ملحد وا عجبا … مخادع في الدين يقفو بالفرى
ولما بلغ أهل المدينة خبر من أقبل عليهم حصروا بني أميّة في دار مروان حصارا شديدا وضيّقوا عليهم وقالوا: لا نكفّ عنهم حتى يوثقوا لنا بالعهد أنّا إذا جليناهم من المدينة لم يبغونا غائلة ولم يدلّوا لنا على عورة ولم يظاهروا علينا أحدا، ففعلوا ذلك، ثم أخرجوهم بأثقالهم وأموالهم فمضوا إلى الشام.
وقال يزيد لمسلم بن عقبة: أنت أمير الجيش وإن حدث بك حدث فأمير الجيش الحصين بن نمير السكوني، فإذا وردت المدينة فادع الناس ثلاثا، فإن أجابوك وإلاّ فقاتلهم، فإن ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا، فما كان
стр. 2072
بها من مال او رثّة او سلاح او طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس واستوص بعليّ بن الحسين بن علي خيرا وأدن مجلسه فإنّه لم يدخل في شيء ممّا دخل الناس فيه، واعلم أنّك تقدم على قوم ذوي جهالة واستطالة قد أفسدهم حلم أمير المؤمنين معاوية و ظّنوا أنّ الأيدي لا تنالهم، فلا تردّنّ أهل الشام عمّا أرادوه بهم، وكان عليّ بن الحسين آوى عائشة بنت عثمان بن عفان وهي أمّ أبان بن مروان بن الحكم واعتزل في ضيعة بقرب المدينة كراهة أن يشهد شيئا من أمرهم.
ولقيت بنو أميّة مسلم بن عقبة بوادي القرى فسلّموا عليه، فدعا عمرو بن عثمان بن عفّان أوّل الناس فسأله عن الخبر فلم يخبره بشيء ليمينه التي حلفها لأهل المدينة، فقال: لولا أنّك ابن عثمان لضربت عنقك، والله لا أقلتها قرشيا بعدك. وقدّم مروان ابنه عبد الملك ليخبره خوفا من الحنث، فسأل مسلم عبد الملك فأخبره فقال: لله درّك يا بن مروان لقد رأى بك أبوك خلفا منه في حياته.
ويقال إنّ يزيد لما عرض جنده كتب إلى ابن الزبير رقعة لطيفة أفرد بها رسولا، ويقال إنّه لم يكتب ولكنّه قال قولا ظاهرا:
استعد ربّك في السّماء فإنّني … أدعو إليك رجال عكّ وأشعر
ورجال كلب والسكون ولخمها … وجذام تقدمها كتائب حمير
كيف النجاء أبا خبيب منهم … فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر
والشاميّون يقولون إنّما قال:
اجمع رجال الأبطحين فإنني … أدعو إليك رجال عكّ وأشعر
стр. 2073
قالوا: وارتحل مسلم فلما قدم المدينة مضى في الحرّة حتى أتى المدنّيين فقدم من قبل المشرق، وكان عبد الملك بن مروان أشار عليه بذلك، ثم أجّلهم ثلاثا وقال: إن دخلتم فيما دخل الناس فيه انصرفت عنكم وأتيت الملحد الذي بمكة، وإن أبيتم قاتلتكم بعد الإعذار إليكم، وكان أهل المدينة قد اتّخذوا خندقا ونزل بباب من أبوابه جمع عظيم، فكان عليهم عبد الرحمن بن أزهر بن عوف الزهري وكانوا ربعا، وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر ممّا يلي المدينة، وكان معقل بن سنان الأشجعي على ربع مثل ذلك، وكان عبد الله بن حنظلة الغسيل على ربع آخر ممّا يلي الحرّة، وجعلوا إليه رئاستهم وترتيبهم. ويقال إنّ كلّ قوم خندقوا على ربعهم، وكان ابن الغسيل وابن مطيع في الأنصار ومعقل في المهاجرين، وكان على الموالي يزيد بن هرمز، فقال الشاعر وهو شهوات (١) مولى بني تيم وذلك الثبت، وقوم يقولون مولى آل الزبير:
إنّ في الخندق المكلّل بالمج … د لضربا يسوء ذا النشوات
لست منّا وليس خالك منّا … يا مضيع الصلاة للشهوات
برقع الدبّ واحمل القرد وانزل … في بلاد الوحوش بالفلوات
فإذا ما غلبتنا فتنّصر … واتركنّ الصلاة والجمعات
وقال ابن الكلبي: سمّي شهوات لهذا البيت، وقال غيره: سمّي شهوات لأنّه كان يتشهّى على عبد الله بن جعفر الشهوات فيطعمه إيّاها.
وقال المدائني: يقال إنّ هذا الشعر لمحمد بن عبد الله بن سعيد بن زيد بن
стр. 2074
عمرو بن نفيل هجاه به حين عزل عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب عن مكة، وسمعت من يذكر أن أهل المدينة كتبوا بهذا الشعر إلى يزيد، فقال رجل من كلب:
أنت منّا وليس خالك منّا … يا مجيب الصلاة للدعوات
قالوا: ولما انقضت الأيّام الثلاثة التي ضربها مسلم بن عقبة لهم أجلا قال لهم: يا قوم إنّ أمير المؤمنين يكره إراقة دمائكم، ولقد استدامكم منذ زمان لأنّكم أصله، فاتّقوا الله في أنفسكم، فشتموه وشتموا يزيد وفجّروه، وقالوا: بل نحارب ثم نحارب، فأمر مسلم بفسطاط عظيم فضرب له ثم زحف إلى أهل المدينة وصمد بمن معه صمد ابن الغسيل، فحمل ابن الغسيل بالرجال حتى كشف الخيل، فانتهت الخيل إلى فسطاط مسلم، فصاح مسلم بالخيل فكرّها فقاتل طويلا، ثم إنّ الفضل بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب قال لابن الغسيل: مر فرسانك أن يصيروا إليّ، فأمرهم بالمصير اليه فقاتل بهم فكشف أصحاب مسلم حتى لم يبق إلاّ في خمسين قد أشرعوا أسنّتهم وجثوا على ركبهم فشدّوا عليه فقتلوه وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وابراهيم بن نعيم بن عبد الله النحّام في رجال من أهل المدينة.
ويقال إنّ مسلما كان مريضا يوم القتال، فأمر بسرير أو كرسيّ فوضع له بين الصفّين، ثم حضّ أهل الشام وحرّضهم على القتال فقاتلوا، فقتل الفضل بن العبّاس ومن كان معه بعد قتال شديد انثنت فيه السيوف وانقصفت الرماح، فحمل الفضل في جماعة من وجوه الناس وفرسانهم يريد مسلما وهو على سريره أو كرسيّه فقال: احملوني فحمل فجعل أمام
стр. 2075
فسطاطه، وكان الفضل رجلا أحمر، فصاح بهم: إنّ العبد الأحمر قاتلي فأين انتم يا بني الحرائر، اشجروه برماحكم، فطعنوه حتى سقط.
قالوا: ثم إنّ خيل ابن الغسيل و رّجالته رجعوا إلى مسلم يريدونه، فركب فرسا وجعل يقول: يا أهل الشام إنّكم لستم بخير العرب وإنّما رزقتم النصر بطاعتكم لأمرائكم وصبركم في لقاء عدوكم. ثم انتهى إلى مصافّه وأمر أن يحملوا على ابن الغسيل وأصحابه، فقاتلوهم أشدّ قتال، ونزل حصين بن نمير في أهل حمص ثم مشى إليهم فقال ابن الغسيل حين رآهم يمشون تحت راياتهم: إنّ عدوّكم قد أصاب جهة قتالكم، ولن يلبثوا إلاّ ساعة من نهار حتى يحكم الله بينكم وبينهم، ثم قدّم أمامه ولده حتى قتلوا واحدا بعد واحد، ودنا عبد الله بن عضاه بن الكركر الأشعري وأصحابه فمشى في خمسمائة رام فنضحوهم بالنبل، فقال ابن الغسيل: علام تستهدفون للنبل؟ من أراد التعجّل الى الجنّة فليلزم رايتي، فتقدم إليه كلّ مستميت، فنهض القوم واقتتلوا أبرح قتال وأشدّه، وجعل ابن الغسيل يقول:
بؤسا لمن شدّ فسادا وطغى … وجانب القصد وأسباب الهدى
لا يبعد الرحمن إلاّ من عصى
ثم استقدم فجالد حتى قتل وقتل أخوه لأمّه محمد بن ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاري، ومحمد بن عمرو بن حزم النجّاري.
ومن رواية الواقدي: إنّ مروان والأمّويين رجعوا إلى المدينة مرّتهم الأولى، فلم يعيبوا على أهل المدينة، فكانوا بها حتى أمر ابن الزبير بإشخاصهم بعد موت يزيد.
стр. 2076
قالوا: فقال مروان حين رأى ابن الغسيل: رحمك الله فلربّ سارية رأيتك تطيل الصلاة إلى جانبها.
قالوا: وخرج محمد بن سعد بن أبي وقّاص يردّ الناس بسيفه حتى غلبته الهزيمة، فذهب فيمن ذهب من الناس، وأباح مسلم المدينة ثلاثة أيّام يقتلون ويأخذون المتاع ويعبثون بالإماء ويفعلون ما لا يحبه الله، وخرج أبو سعيد الخدري فاقتحم مغارة فدخل عليه رجل بسيفه فانتضاه ليرعبه، فلما أقبل عليه قال أبو سعيد ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (١) فقال له الشاميّ: من أنت لله أبوك؟ قال: أبو سعيد الخدري، قال: صاحب رسول الله ﷺ ؟ قال:
نعم، فتركه وقال: استغفر لي.
وقال عوانة بن الحكم: دخلوا من قبل بني حارثة إلى المدينة فلم يبق دار إلاّ انتهبت، إلاّ دار أسامة بن زيد بن حارثة مولى ﷺ فإنّ كلبا حمتها، ودار امرأة من حمير فإنّ حمير حمتها، وكان أهل الشام يقاتلون أهل المدينة ويقولون يا يهود.
وقال الواقدي في بعض رواياته: ولّى الأنصار أمرهم ابن الغسيل وتساند القوم، فلما قرب مسلم من المدينة عسكروا بحرّة واقم وخندقوا، وكان ابن الزبير أمر بإخراج بني أميّة ومواليهم من مكة والمدينة إلى الشام، وفي ذلك يقول ابن قيس الرقيّات:
стр. 2077
ليبك البقيع ودور البلاط … رهط ابن عفّان والمسجد
فمروة فالسنح يبكيهم … فعسفان فالحجر الأسود (١)
فخرج منهم أربعة آلاف فيما يزعمون، فلما صاروا بوادي القرى أمرهم مسلم بالرجوع معه، فنفذت من وجوههم إلى يزيد جماعة ورجع سائرهم، فلما قدم مسلم المدينة أكمن كمينا ممّا يلي منازل بني حارثة، فتناهض الجمعان، وكان بمسلم النقرس فحمل في ترس ووضع أمام الصف ثم جلس عليه وقال: يا أهل الشام قاتلوا عن إمامكم أو دعوا، فنشبت الحرب فصبر أهل المدينة وقاتلوا أشدّ قتال، فلم يشعروا إلاّ بالكمين يضربهم في أدبارهم فانهزموا، وقتل عبد الله بن الغسيل وابن عمرو بن حزم الأنصاري - وكان قاضيهم - وفرّ ابن مطيع فلحق بابن الزبير. ثم أنهب الناس المدينة ثلاثة أيّام.
فلما انقضت الثلاثة الأيام جلس للبيعة ودعاهم إليها، فكان أوّل من اتاه يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود، وأمّه بنت أبي سلمة، وجدّته أمّ سلمة زوج رسول الله ﷺ ، فقال: بايع لأمير المؤمنين على أنّك عبد قنّ يحكم في مالك ودمك، قال: أبايعك له على كتاب الله وسنّة نبيّه، وعلى أنّي ابن عمّه فقدّمه فضرب عنقه وقال: والله لا تشهد على أمير المؤمنين بشهادة بعدها، وكان وفد إليه فأعطاه فقدم يفجّره ويشهد عليه بشرب الخمر، ثم أتي بمعقل بن سنان الأشجعي فقال له: مرحبا بأبي محمد، فأخذ بيده فأقعده معه على طنفسته، ودعا معقل بماء فقال مسلم: ائتوه بشربة عسل وخضوها له بثلج ممّا حمل معنا ففعلوا، فلما شربها قال: سقى
стр. 2078
الله الأمير من شراب الجنّة فقال: والله لا شربت بعدها شرابا إلاّ من جهنّم حين تسقى من حميمها، فقال معقل: نشدتك الله والإسلام، قال: أتذكر حين مررت بطبريّة فقلت لك: من أين اقبلت؟ فقلت: سرنا شهرا وأحرثنا ظهرا ورجعنا صفرا ووجدناه يشرب خمرا، نأتي والله المدينة فنخلع الفاسق بن الفاسق ونبايع رجلا من أبناء المهاجرين، فإنّي آليت تلك الليلة ألا أقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلاّ قتلتك، وما أشجع والخلافة والخلع؟! قدماه فاضربا عنقه، فضربت عنقه، فقال الشاعر:
ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها … وأشجع تبكي معقل بن سنان
الهيثم بن عديّ عن عوانة قال: أتى محمد بن أبي الجهم فقال له:
أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيّه، فأمر فضربت عنقه وقال: حباك أمير المؤمنين وأعطاك ثم تشهد عليه بشرب الخمر؟! والله لا تشهد بعدها بشهادة زور أبدا؛ ودعا بعمرو بن عثمان بن عفّان وكان ممّن رجع وقد كان سأله عن خبر أهل المدينة فلم يخبره به فأغلظ له وقال: لولا أنّك ابن أمير المؤمنين لقتلتك فإنّك الخبيث ابن الطيّب، إذا ظهر أهل المدينة قلت: أنا رجل منكم وإذا ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن أمير المؤمنين عثمان، يا غلام انتف لحيته، فنتفت حتى ما تركت فيها طاقة، ثم قال: إنّ أمّ هذا كانت ورهاء تحمل في شدقها الشيء ثم تقول لعثمان: حاجيتك ما في شدقي، وفيه ما يسوءها، ويقال حملت مرّة خنفساء، ويقال انّه ضربه بالسياط وقال:
نحن نقاتل عن دولتكم وأنت تكيدها. وتكلّم فيه مروان وقال: ابن عمّي فقال: ومعقل ابن عمّي أيضا. ويقال أنّه وهب له ضربه وخلّى سبيله؛ وكانت أمّه من دوس يقال لها أمّ عمرو بنت جنيدبة، وأتاه مروان وعبد الملك
стр. 2079
بعليّ بن الحسين بن عليّ ليطلبا له الأمان وذلك أنّه استجار بهما، فلما رآه أدناه وقرّبه وقال: لولا أنّ أمير المؤمنين أمرني ببرّه وإكرامه وعرفت براءته وسلامته ما شفّعتكما فيه، ثم أمره بالانصراف على بغله وجزاه الخير، وبعث إلى عليّ بن عبد الله بن عبّاس ليدخل فيما دخلوا فيه من البيعة ليزيد على حكمه، فرأى فسطاطا فسأل عن صاحبه فقيل فسطاط حصين بن نمير بن ناتل السكوني، فأتاه فاستجار به فأجاره بالخؤولة لأنّ أمّ عليّ بن عبد الله كنديّة، وحال بينه وبين رسل مسلم ومنعهم أهل حمص منه تعصّبا لحصين بن نمير وأحالوا عليهم بالسياط حتى تركوه، ثم أتى به الحصين مسلما فبايعه ليزيد على السمع والطاعة.
وقال الهيثم بن عديّ: أتي مسلم بعليّ بن عبد الله فأراد تناوله فكلّمه فيه حصين وكان حاضرا. وقال عليّ بن عبد الله:
أبي العبّاس قرم بني لؤيّ … وأخوالي الملوك بنو وليعه
هم منعوا ذماري يوم جاءت … كتائب مسرف وبني اللكيعه
أراد بي التي لا عزّ فيها … فحالت دونه أيد رفيعه
هم ملكوا بني أسد وأدّا … وقيسا والعمائر من ربيعه
وكندة معدن للملك قدما … يزين فعالهم عظم الدسيعه
وقال الهيثم بن عديّ: وجّه رسول الله ﷺ أسامة بن زيد إلى بني غطفان فسبى مسلم بن عقبة المرّي فيمن سبى، فاشترت مسلما امرأة من الأنصار وأعتقته، فلما كان يوم الحرّة بعث الأنصار إلى مسلم احفظ بلاءنا عندك فقال: ما أحفظني ولكنّكم قتلتم عثمان.
قالوا: ثم شخص مسلم بالجيش بعد أخذه البيعة على ما أراد وبعد
стр. 2080
إنهابه المدينة وتفتيشه النساء وهو يريد عبد الله بن الزبير بمكة كما أمره يزيد، وخلّف على المدينة روح بن زنباع الجذامي - فلما صار إلى المشلّل - ويقال عقبة هرشى - اعتلّ علّة شديدة وكانت به دبيلة أو علّة غيرها، فلما حضره الموت قال: أسندوني فأسندوه، فرفع يديه ثم قال: اللهمّ إنّك تعلم إنّي لم أغشّ خليفة قطّ في سرّ ولا علانية، وأنّ أزكى عمل عملته قطّ في نفسي بعد شهادة أنّ لا اله الاّ الله قتلي أهل الحرّة، ولئن دخلت النار بعد قتلهم إنّي لشقيّ، ثم قال لحصين بن نمير بن ناتل بن لبيد بن جعثنة السكوني: يا بن بردعة الحمار لولا عهد أمير المؤمنين اليّ في توليتك أمر هذا الجيش إن حدث بي حدث لوليّت حبيش بن دلجة، فإذا قدمت مكة فناجز عدوّك، وإيّاك أن تمكّن قريشا من أذنيك، فإنّهم قوم خدع، وإذا لقيت عدوّك فالوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، ثم أعلم الناس بأنّ واليهم الحصين.
وقال المدائني عن عوانة ويزيد بن عياض قالا: قال مسلم لحصين:
إنّ أمير المؤمنين أمرني أن أولّيك أمر هذا الجيش وأكره خلافه عند الموت، ولولا ذلك كان الوالي حبيش بن دلجة فإنّه أولى بذلك منك؛ ثم مات فدفن على ظهر المشلّل، وسار حصين بالجيش إلى مكة.
المدائني عن ابن جعدبة: أنّ يزيد أصحب مسلم بن عقبة طبيبا فقال للطبيب: إليك عنّي إنّما كنت أحبّ أن أبقى حتى أشتفي من قتلة عثمان، وقد أدركت ما أردت، فما شيء أحبّ إليّ من أن أموت على طهارتي قبل أن أحدث حدثا فإنّ الله قد طهّرني بقتل هؤلاء الأرجاس.
قالوا: وأقبلت أمّ ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة وكانت بخاريّة في غلمة لها، فلما انتهت إلى قبر مسلم قالت بالفارسيّة: يا مسرف خرّبت
стр. 2081
البيوت وأحرقت القلوب، ثم نبشته وصلبته على نخلة - ويقال على جذع - ثم أحرقته. ويقال: إنّ امرأة من قريش قتل ابنين لها نبشته وأحرقته، والأوّل اثبت.
ويقال إنّ مسلم بن عقبة قال للحصين: احفظ عنّي ما أقول لك، لا تطلبنّ المقام بمكة فإنّها أرض محتدمة الحرّ لا تصلح الدواب بها، ولا تمنع أهل الشام الحملة، ولا تمكّن قريشا من أذنيك فإنّهم قوم خدع، وعليك بالوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، ولئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرّة إنّي لشقيّ.
وقال الواقدي: كانت وقعة الحرّة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وستّين، وكان مسير مسلم من المدينة للنصف من المحرّم سنة أربع وستّين، ومات لسبع بقين من المحرّم سنة أربع وستّين، وقال غيره: كان يوم الحرّة يوم الأربعاء.
وكان ممن قتل بالحرة من الأشراف:
الفضل بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، اسماعيل بن خالد بن عقبة بن أبي معيط، يحيى بن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن هاشم بن المطّلب بن عبد مناف، عبيد الله بن عتبة بن غزوان من بني مازن بن منصور، المغيرة بن عبد الله بن السائب بن أبي حبيش بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، عياض بن حمير بن عوف الزهري، في خلق من قريش والأنصار.
وقال أبو مخنف: قتل بالحرّة من وجوه قريش سبعمائة رجل وكسر
стр. 2082
سوى من قتل من الأنصار (١)، فقال محمد بن أسلم بن بجرة الساعدي:
إن يقتلونا يوم حرّة واقم … فنحن على الإسلام أوّل من قتل
ونحن قتلناكم ببدر أذلّة … وأبنا بأسياف لنا منكم نفل
فإن ينج منها عائذ البيت سالما … فما نالنا منهم وإن شفّنا جلل
وقال الهيثم بن عديّ: قتل يوم الحرّة من أخلاط الناس نحو من ستّة آلاف وخمسمائة وذلك في سنة اثنتين وستّين.
قالوا: وقال يزيد بن معاوية حين بلغه خبر وقعة الحرّة:
ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل (٢)
وذكر القصيدة كاملة.
وحدثني أبو خيثمة زهير بن حرب وخلف بن سالم وأحمد بن إبراهيم الدورقي قالوا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: لما أقبل مسرف بن عقبة من الشام مرّ بأسفل المدينة فقال: أنزلوني منزلا إذا حاربت القوم استدبرتني الشمس واستقبلتهم، فنزل بحرّة واقم شرقيّ المدينة، وكان الذي يقيم أمر أهل المدينة عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن الغسيل الأنصاري، وذلك قبل أن يستجمع أمر ابن الزبير، فالتقوا بحرّة واقم بعد صلاة الصبح، فلم ينشب أهل المدينة أن انهزموا، وأخرج جميع أهل المدينة حتى أربعمائة رجل من أهل البحرين من أهل دارين كانوا عطّارين فقالوا: ما لنا وهذا إنّما نحن تجّار، فأبوا
стр. 2083
إلاّ إخراجهم، وعقدوا لهم لواء، فكانوا أوّل من انهزم بالناس، وكانوا عمدوا إلى لوائهم فجعلوا حوله الحجارة وعمدوه بها حتى تماسك، ثم انصرفوا فجعل أهل البصائر يرون لواءهم منصوبا فيقاتلون عنده حتى كاد أهل الشام يفنون فكان مسرف يقول: ويلكم لمن هذا اللواء؟ فيقال للداريّين العطّارين، فيقول: ما لي وللعطّارين؛ فلما فرغ مسرف من أمر أهل الحرّة ذكر أمرهم في كتابه إلى يزيد، فكتب يزيد إلى عامله بالبحرين، فأعزم أهل دارين أربعمائة ألف درهم؛ قال: وقتل يومئذ ابن حنظلة الغسيل، ومحمد بن عمرو بن حزم وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص المخزومي، وعبيد الله، وسليمان ابنا عاصم بن عمر بن الخطّاب. وأباح مسرف المدينة ثلاثة أيّام حتى كانوا ينقضون صوف الفرش ويأخذونها، وشخص عن المدينة وبه السلّ فمات، ودفن بالمشلّل، واستخلف على عسكره حصين بن نمير.
حدثنا خلف وأحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير عن جويرية عن أشياخ أهل المدينة أنّ معاوية قال ليزيد ابنه: إنّ لك من أهل المدينة يوما فإن فعلوها فارمهم بمسلم بن عقبة فإنّه رجل قد عرفنا نصيحته، فلما ملك يزيد وفد إليه وفد أهل المدينة، وكان فيهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، وكان حنظلة استشهد يوم أحد فغسلته الملائكة، وكان عبد الله شريفا عابدا، ومعه ثمانية أولاد له، فأعطاه مائة ألف وأعطى كلّ واحد من بنيه عشرة آلاف سوى كسوتهم وحملانهم، فلما رجع إلى المدينة سألوه عن يزيد فقال: جئتكم من عند رجل والله إن لو لم أجد غير بنيّ هؤلاء لجاهدته بهم، فقالوا: بلغنا أنّه أجازك وأعطاك، فقال: ما قبلت ذلك منه إلاّ لأقوى به
стр. 2084
عليه، فبايعوه، وبلغ ذلك يزيد فبعث إليهم مسلم بن عقبة، وبعث أهل المدينة إلى كلّ ماء بينهم وبين الشام فصيّر فيه زقّ من قطران وغوّروه، فتتابع المطر فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة، فخرج أهل المدينة بجموع كثيرة وأهبة، لم ير مثلها، فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم، ومسلم شديد الوجع، فأمر بسريره وهو عليه فقدّم حتى جعل بين الصفّين، ثم أمر مناديه فنادى: قاتلوا عنّي أو فدعوا، فبينا الناس في قتالهم إذ أتاهم أهل الشام من قبل بني حارثة وهم في أجدّ ما كانوا فيه من القتال وهم لا يشعرون، وقيل انّ بني حارثة أقحموهم فسمعوا التكبير من ورائهم فانهزم الناس، فكان من أصيب في الخندق أكثر ممّن قتل، فدخلوا المدينة، وكان عبد الله بن حنظلة مسندا إلى أحد بنيه وهو معي (١) يغطّ نوما فنبّهه ابنه، فلما رأى ما صنع الناس قدّم أكبر بنيه فقتل بين يديه، ثم فعل ذلك بجميع بنيه واحدا بعد واحد حتى قتلوا بين يديه، ثم كسر جفن سيفه وقاتل حتى قتل، ودخل مسرف المدينة ودعا الناس إلى البيعة على أنّهم خول ليزيد يحكم بما شاء في دمائهم وأموالهم وأهليهم، حتى أتي بابن زمعة وكان صديقا ليزيد فقال: أبايع على أنّي ابن عمّ أمير المؤمنين يحكم في دمي ومالي، فقدّمه فضرب عنقه.
وحدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عديّ عن أبي زهير عن أبي أسماء السكسكي قال: لما شارف مسلم بن عقبة المدينة لقي طويسا المغنّي، وهبة الله، وسائب خاثر في آخرين وهم يريدون الشخوص عن المدينة فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: نحن قوم مغنّون فإن أحببت غنّيناك وكنّا
стр. 2085
بين يديك فقال: ويش - وهي كلمة لأهل حمص - أللغناء واللهو جئنا؟! اضربوا أعناقهم، فقتلهم.
وحدثنا خلف بن سالم حدثنا وهب بن جرير عن أبي عقيل الدورقي قال سمعت أبا نضرة قال: دخل أبو سعيد الخدري يوم الحرّة غارا فجاء رجل من أهل الشام فدخل عليه وفي عنقه سيف، فوضع أبو سعيد سيفه وقال أبو سعيد: بؤ بإثمي وإثمك وكن من أصحاب النار، فقال: أنت أبو سعيد الخدري؟ قال: نعم، قال: استغفر لي غفر الله لك، قال خلف قال وهب: فيقال إنّ الرجل الشامي يزيد بن شجرة الرهاوي نظر إليه فأثبته معرفة.
وحدثنا خلف بن سالم وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير عن جويرية عن أشياخ أهل المدينة قالوا: لما سار مسرف بالناس نحو مكة وهو ثقيل في الموت فصدر عن الأبواء هلك، فلما عرف الموت دعا حصين بن نمير الكندي فقال له: قد دعوتك وما تدري أستخلفك على جيش أم أقدّمك فأضرب عنقك، فقال: أصلحك الله إنّما أنا سهمك فارم بي حيث شئت، فقال: إنّك أعرابيّ جلف جاف، وإنّ هذا الحيّ من قريش قوم لم يمكّنهم قطّ رجل من أذنيه إلاّ غلبوه على رأيه، فسر بهذا الجيش فإذا لقيت القوم فلا يكوننّ إلاّ الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف ولا تمكّنهم من اذنيك، فمضى الحصين فلم يزل محاصرا عبد الله بن الزبير وأهل مكة حتى مات يزيد، وكان خبره قد بلغ ابن الزبير قبل أن يبلغ ابن نمير.
حدثنا أبو خيثمة حدثنا وهب بن جرير عن جويرية عن أشياخ أهل المدينة أنّ أمّ ولد لابن زمعة لما بلغها موت مسرف خرجت في عبيد لها حتى
стр. 2086
أتت قبره فنبشته، فلما رفع ما على لحده إذا أسود مثل الجمرة (١) قد وضع فاه على فمه، فهابه الغلام الذي رفع عنه، فاحتزمت وأخذت فأسا لتضرب بها الأسود فانساب عن مسرف فاستخرجته فألقته على شجرة ثم انصرفت.
وقال المدائني: لما توجّه مسلم يريد مكة انشد:
خذها إليك أبا خبيب إنّها … حرب كناصية الجواد الأشقر
وسار بين يديه عامر الخضريّ من خضر محارب فقال: احد بشعر نصيب فإنّ فيه صفتي فقال؛
ترى الملوك حوله مرعبله (٢) … يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له
فقال: أنا كذاك، وأعطاه شيئا ضمنه له.
وفي رواية المدائني قال: كان بمسلم النقرس فركب بقديد فرسا فسقط عنه فتوطّأه الفرس فثقل ومات، فقال الشاعر.
قد خرّ منجدلا بوطأة حافر … والموت يغشاه ولات أوان
وقال الحصين قال مسلم حين احتضر: اللهمّ إنّك تعلم أنّي لم أشاقّ خليفة ولم أفارق جماعة، فأغفر لي.
стр. 2087
حصار ابن الزبير بمكة في أيام يزيد بن معاوية وهو الحصار الأول:
حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف قال: خرج مسلم بن عقبة المرّي بالناس إلى مكة بعد الحرّة وخلّف على المدينة روح بن زنباع الجذامي، فنزل به الموت بقفا المشّلّل، فقال لحصين بن نمير: يا بردعة الحمار أما والله أن لو كان إلي ما ولّيتك هذا الجند، ولكنّ أمير المؤمنين أوصاني أن أوليك إيّاه، فأسرع وعمّ الأخبار وعجّل الوقاع، وكان موت مسلم لسبع بقين من المحرّم، فسار حصين فدخل مكة في آخر المحرّم سنة أربع وستّين.
وقال المدائني: نزل الموت بمسلم، فقال حين احتضر: اللهمّ إنّك تعلم أني لم اشاقّ خليفة ولم أفارق جماعة ولم أغشّ إماما سرّا ولا علانية، ولم أعمل بعد الإيمان بالله ورسوله عملا أحبّ إليّ ولا أرجى عندي من قتل أهل الحرّة، فاغفر لي ذنوبي وبارك لي فيما أقدم عليه؛ ثم قال: ما أغلقت عليه فلانة امرأتي بابها فهو لها، وداري بحوران صدقة على مهاجرة بني مرّة، ثم دعا حصين بن نمير، وحبيش بن دلجة القيني، وعبد الله بن مسعدة الفزاري فقال: إنّ أمير المؤمنين عهد إليّ في أن أولّي أمركم حصين بن نمير وأكره خلافه عند الموت، ثم قال لحصين: إنّ حبيش بن دلجة أولى بما ولّيتك منك لكنه أمر أمير المؤمنين، فاحفظ عنّي ما أقول لك: لا تطيلنّ المقام لمكة فإنّها أرض
стр. 2088
جرديّة لا تحتمل الدوابّ، ولا تمنع أهل الشام من الحملة، ولا تمكّن قريشا من أذنك فإنّهم قوم خدع، وليكن أمرك الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، أفهمت يا حصين؟ قال: نعم، قال: واعلم أنّك تقدم على قوم لا منعة لهم ولا عدّة ولا سلاح، ولهم جبال مشرفة عليهم، فانصب عليهم المجانيق فإن عاذوا بالبيت فارمه فما أقدرك على بنائه. وأقام حصين بمرّ الظهران ثلاثة أيّام.
وقال الواقدي: دخل الحصين مكة لثلاث بقين من المحرّم سنة أربع وستّين.
قالوا: وخطب ابن الزبير الناس وحرّضهم على قتال أهل الشام، ودعاهم إلى بيعته فبايعه أهل مكة على القتال، وأتاه فلّ أهل الحرّة فصار في بشر كثير، وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي في ناس من الخوارج وفيهم حسّان بن بحدج الحنفي ليمنعوا البيت من أهل الشام، فقال عبد الله بن الزبير لأخيه المنذر بن الزبير: ما يريد هؤلاء، يعني أهل الشام، إلا أنا وأنت - قال أبو مخنف: وكان المنذر شهد الحرّة ثم لحق بأخيه، وقال غيره: لم يشهدها - فناهضهم المنذر ساعة ثم دعاه رجل من أهل الشام إلى البراز فاختلفا ضربتين فسقط المنذر والشاميّ قتيلين - وقال بعضهم: لم يقتل المنذر في هذا الحصار ولكنّه قتل في الحصار الثاني.
وقال لي مصعب بن عبد الله الزبيري: الرواة تدخل من خبر هذا الحصار في هذا وخبر هذا في هذا - قال: ودعا عبد الله لنفسه واجتمع على خلافته بعد موت يزيد وكان قبل ذلك يدعو إلى الشورى.
стр. 2089
وقال المدائني: أقبل الحصين فنزل معسكره من الحجون إلى بئر ميمون (١) فخرج إليه عبد الله بن صفوان فوعظه حصين وخوّفه ثقل وطأة أهل الشام، فأغلظ لحصين فقال: إنّما أباح حرم الله من قاد الخيل إليه قبل.
وميمون هو ابن شعبة الحضرمي أبو عمّار.
وقال أبو مخنف: جثا ابن لعبد الله بن الزبير (٢) وقال لأصحابه: قاتلوا، فقاتلوا إلى المساء فقتل المسور بن مخرمة، ويقال أصابه حجر فمات يوم أتاهم نعيّ يزيد وقاتل أهل الشام إلى أن انسلخ صفر، فلما مضت ثلاثة أيّام من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستّين نصبوا على البيت المجانيق فدقّوه بها، وأخذوا يرتجزون ويقولون:
خطّارة مثل الفنيق المزبد … نرمي بها عواذ هذا المسجد
وكان صاحب الرمي الزبير بن خزيمة الخثعمي من أهل فلسطين، وهو أوّل من ارتجز بهذين البيتين، قالوا: وجعلوا يقولون:
كيف ترى صنيع أمّ فروه … نأخذهم بين الصفا والمروه
وحدثني مصعب بن عبد الله الزّبيري قال: كان الشاميّون يرتجزون في الحصار الثاني بمثل ما يرتجزون به في الحصار الأوّل معما زادوا فيه.
وقال المدائني: نصب حصين منجنيقا في الجبل الأحمر الذي يلي دار الندوة؛ قال: وكان المسور قد أعان ابن الزبير بمواليه وسلاح كثير فاقتتلوا، وكان أوّل قتالهم يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، فقتل في أوّل يوم ثلاثة من أصحاب حصين وأربعة من أصحاب ابن الزبير؛ وكان
стр. 2090
المختار بن أبي عبيد الثقفي قال لابن الزبير: انهض إلى القوم، وكان قد مكث أيّاما لا يقاتل، وقال له المختار أيضا: إنّ الله يقول ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١) فنهض ابن الزبير ومعه عمير بن ضبيعة في سبعين من الخوارج فقيل له أتقاتل بهذه المارقة؟ فقال: لو أعانتني الشياطين على أهل الشام لقاتلتهم بهم؛ وقال: ما أبالي إذا قاتل معي المختار من لقيت فإني لم أر أشجع منه قطّ؛ وأبلى غلام لابن الزبير يقال له سليم أو سليمان فأعتقه؛ وقال بعض الشعراء:
وشدّ أبو بكر لدى الباب شدّة … أبت لحصين أن يحيّا ويكرما
هنالك لا أخشى حصين بن ناتل … ولا جلد أير العير نعمان خثعما (٢)
ونعمان قائد من قواد أهل الشام.
وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش والمجالد عن الشعبي قال: نصب ابن نمير المنجنيق على الكعبة فارتفعت سحابة فاستدارت على أبي قبيس ثم رعدت وأصعقت فأحرقت المنجنيق ومن تحتها فلم يعيدوا الرمي، فقال أعشى همدان:
ورمى البيت بالحجارة حتّى … أحرق الله منجنيق الزبير (٣)
يعني الزبير بن خزيمة الخثعمي وكان صاحب الرمي مع حصين بن نمير، وكان ابن الزبير يهزمهم فيتبعهم وحده وهو يقول:
إنّا إذا عضّ الثقا … ف براس صعدتنا أبينا
стр. 2091
فقيل لابن نمير: ألا ترى أنّ رجلا واحدا يتبعنا على رجليه فلا يعطف عليه أحد، فقال:
كلّ امرئ يحاذر البليّه … يخاف أن تدركه المنيّة
من يتعرّض لأسد يحامي بجدّ وشجاعة عن ملك يحاوله؟ وأرسل ابن الزبير إلى حصين يدعوه إلى مبارزته، فقال: والله ما بي جبن، ولكنّي أخاف أن أفعل فإن قتلتني كنت قد ضيّعت أصحابي، وإن قتلتك فأنا على خطأ في التدبير وإضاعة للحزم. وقال المختار: يا بني الكرّارين يا حماة الحقائق قاتلوا، فقتل من أهل الشام بشر كثير، فقال بعض الشعراء:
لقد ضرب المختار ضربة حازم … أزالت يزيد عن حشاياه ضارطا
وقتل مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عدّة، وأجهزت عليهم امرأة من الخوارج يقال لها سلمى، فقال رجل من الشاميّين:
إنّي لم أنس إلا ريث أذكره … أيّام تطردنا سلمى وتنفينا
وحكّم ابن بحدج فقتلوا جماعة من أهل الشام فقال رجل من قضاعة:
يا صاحبيّ ارتحلا وامّلسا … لا تحبسا لدى حصّين محبسا
إنّ لدى الأركان بأسا أبأسا … وبارقات يختلسن الأنفسا
إنّ الفتى حكّم ثمّ كبّسا
وجرح عبد الله بن مسعدة الفزاري فلم يقاتل حتى جاءت وفاة يزيد، وكان الذي جرحه مصعب بن عبد الرحمن.
المدائني قال، قال عبد الله في بعض أيّامه للمنذر: احمل عليهم، فقال: إنّي عليك لهيّن، تعرضني لأنباط الشام، فحمل وهو على بغلة له ورد فنفرت من قعقعة السلاح وتوقّلت في الجبل، فقال عبد الله: انج أبا عثمان،
стр. 2092
ولحقه أهل الشام فقتلوه، فقال ابن مفرّغ:
لابن الزبير غداة يأمر منذرا … أولى بغاية كلّ يوم دفاع
وأحقّ بالصبّر الجميل من امرئ … كز أنامله قصير الباع (١)
وقال المدائني: قتل المنذر بن الزبير، وأبو بكر بن الزبير، وحذافة بن عبد الرحمن بن العوّام، والمقداد بن الأسود بن العوّام، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف بعد أن قتل خمسة من أهل الشام وانحنى سيفه فقال:
سنورد بيضا ثمّ نعقب حمرة … وفيها انحناء بيّن بعد تقويم
وقاتل مصعب بن عبد الرحمن يوما حتى يبست يده، فدعا ابن الزبير بشاة فحلبت على يده حتى لانت. وقال ابن الزبير: ما كنت أبالي إذا كان المختار معي من فارقني، فما رأيت قطّ أشدّ قتالا منه.
قالوا: ووضع أهل مكة مجانيق أو خشبا حول الكعبة وجلّلوها بالجلود لتردّ عن الكعبة.
وقال المدائني عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة: أرسل النجاشي جماعة من الحبش للدّفع عن الكعبة وأعان ابن الزبير بهم، فضمّهم إلى أخيه مصعب بن الزبير فكانوا يقاتلون معه، فانكشفوا ذات يوم فاعتذروا وقالوا:
نحن أصحاب مزاريق نرمي بها من انكشف.
وقال ابو مخنف في روايته: مكث أهل الشام يقاتلون ابن الزبير حتى إذا مضى من شهر ربيع الأوّل أربعة عشر يوما مات يزيد، فمكثوا أربعين يوما لا يعلمون بموته، وبلغ ابن الزبير موته قبل أن يبلغ الحصين، وقد ضيّقوا على ابن الزبير مكة وحصروه حصارا شديدا، فقال: يا أهل الشام لماذا تقاتلون
стр. 2093
وقد هلك طاغيتكم؟ فجعلوا لا يصدّقون حتى قدم عليهم ثابت بن المنقع النخعي - واسم المنقع قيس - وهو من أهل الكوفة وكان صديقا للحصين، فأخبره بهلاك يزيد.
وقال المدائني: مات يزيد للنصف من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستّين، فبلغ أهل المدينة ذلك ولم يأتهم من يقوم بالأمر، فمنعوا عامل المدينة الصلاة وتراضوا بسعد القرظ فصلّى بالناس، وكان مؤذّنهم؛ وجاء الخبر أهل مكة فخافهم حصين فاستأمنهم وقال: يا معاشر قريش أنتم ولاة الأمر، وإنّما قاتلناكم في طاعة رجل منكم قد هلك، فأذنوا لنا في الطواف، فقال عبد الله بن صفوان: لا يحلّ لنا أن نمنعهم، وبعث إلى المسور يشاوره فوجده ثقيلا، فقال: أرى أن تأذن لهم وإن لم يكونوا لذلك أهلا لقول الله ﴿وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١)
وأغمي عليه، ووادعهم ابن الزبير ومنعهم من الطواف ثم أذن لهم فيه.
وقال عوانة: لما أذن ابن الزبير للحصين وأصحابه في الطواف أراد الخوارج منعهم، ثم قالوا: ندعهم يطوفون ويذهبون إلى لعنة الله فلن يزيدهم الله بطوافهم إلا شرّا.
قالوا: وبعث الحصين إلى عبد الله بن الزبير حين مات يزيد وبلغه موت معاوية ابنه فواعده بالأبطح ليلا، فلما اجتمعا قال له الحصين: إنّك أحقّ الناس بهذا الأمر اليوم، فهلمّ فلنبايعك ثم اخرج معنا إلى الشام فإنّي من أهله بمكان قد علمته والجند الذين معي أشراف أهل الشام ووجوههم
стр. 2094
وفرسانهم، فليس يختلف عليك منهم اثنان، والشام معدن الخلافة اليوم إذ نقله الله إليها؛ وجعل الحصين يقول له هذا القول سرّا وابن الزبير يرفع صوته بإبائه، فقال: لله أبوك ما عرف من نسبك إلى الدّهاء، أنا أكلّمك بمثل هذا سرّا وتجيبني عليه علانية.
قالوا: وكان ابن الزبير يقول لأصحابه صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم.
قال المدائني: وكان عبيد بن عمير الليثي يقصّ أيّام الموادعة فيقول له أهل الشام: أيّها الرجل الصالح ارجع إلى ما كنت فيه، ولا تنقّص خليفة الله في أرضه فإنّه أعظم حرمة من البيت.
قال المدائني: وانصرف نافع بن الأزرق وقوم من الخوارج فالتقطهم عبيد الله بن زياد فحبسهم مع من كان في حبسه من الخوارج.
قال المدائني: دعا حصين عبد الله بن عمر إلى مثل ما دعا إليه ابن الزبير فأباه وقال: لست من هذا الأمر في شيء.
قالوا: وحمل بعض أصحاب ابن الزبير نارا فأطارتها الريح فاحترق ما جعل حول الكعبة ليقيها، واحترقت استارها وتصدّعت فبناها بعد، وقال الشاعر:
أبلغ أمير المؤمنين من كان … ابن الزبير عائذ بالأركان
وقال ابن قيس الرقيّات:
ليس لله حرمة مثل بيت … نحن جيرانه عليه الملاء
خصّه الله بالكرامة فالبا … دون والعاكفون فيه سواء
حرّقته رجال كلب وعكّ … حين جاءوا وحمير وصداء
стр. 2095
فبنيناه بعد ما حرّقوه … فاستوى السّمك واستقلّ البناء (١)
وقال بعضهم:
ابن الزبير بئس ما تولّى … إذ حرّق المقام والمصلّى
قبلة من حجّ معا ولبّى
وقال رجل من بني تميم:
أقول لأهل الله لمّا أتاهم … محرّق بيت الله هيجوا البواكيا
جزى الله أهل الشأم فيه ملامة … وأصلاهم جمرا من النار حاميا
وقال عمرو بن الوليد بن أبي معيط:
جلبنا لكم من غوطة الشأم خيلنا … إلى أرض بيت الله يا بعد مجلب
تلوذ قريش كلّها بلوائه … لأمحض منها في قريش وأطيب
وقال أبو حرّة مولى خزاعة:
يا ربّ إنّ جنود الشام قد كثروا … وهتّكوا من حجاب البيت أستارا
يا ربّ إنّي ضعيف الركن مضطهد … فابعث إليّ جنودا منك أنصارا
وقال أعشى همدان:
ورمى البيت بالحجارة حتّى … أحرق الله منجنيق الزبير
يعني الزبير بن خزيمة الخثعمي وكان رمى البيت فأحرقت الصاعقة منجنيقه.
وحدثني المدائني عن مسلمة بن علقمة عن خالد عن أبي قلابة أنّ معاوية قال لعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم: إنّ الشحّ والحرص لن يدعاك حتى يدخلاك مدخلا ضيّقا، فوددت أنّي حينئذ عندك فأستنقذك،
стр. 2096
فلما حصر ابن الزبير قال: هذا ما قال لي معاوية، وددت أنّه كان حيّا.
وقال الواقدي: كان أصحاب ابن الزبير فيما حول المسجد إلى المروة، وإلى ماوراء ذلك، ونزل الحصين بالحجون إلى بئر ميمون، وصيّر عسكره هناك، ونصب منجنيقا فرمى بها فرميت بصاعقة فأحرقتها ومن كان فيها، فكفّ الحصين عن الرمي.
قال: ولما قدم الحصين مكة أمسك عن القتال حتى وقف عند دار عمر بن عبد العزيز فقال لأصحاب ابن الزبير: لو أنّ صاحبكم أبرّ قسم أمير المؤمنين لوجد عنده ما يحب من البّر والصلة ولردّه واليا على الحجاز، فجعلوا يقولون: نحن عواذ بالبيت وابن الزبير أحدنا إلاّ أنّه يصلّي بنا، وكان ابن الزبير قد رتّب أصحابه في مواضع، ومعه قوم من الخوارج أنكروا غزوا البيت وانتدبوا للذبّ عنه، فهم في حيّز ابن الزبير، فكانت كلّ مسلحة تذبّ الحصين عن ناحيتها، ثم إنّهم اقتتلوا يوم أحد وتراموا بالنبل وتشاولوا بالرماح في الليل، ثم رجعوا إلى معسكرهم وقد قتل من الشاميّين ثلاثة نفر وجرح من أصحاب ابن الزبير عدّة وقتل أربعة نفر، فمكثوا على ذلك أيّاما؛ وأخرج المسور بن مخرمة سلاحا فرّقه على مواليه وكان متسلّحا يقف عند الحذّائين، ويخرج ابن الزبير، وجبير بن شيبة، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد بن عمير فيجتمعون إلى المسور فكانوا يردّون الشاميّين إلى الأبطح، وجاءهم نعيّ يزيد فكان القتال أربعة وستّين يوما، وكانت وفاة يزيد لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل ووصول الخبر إلى مكة في ستّة عشر يوما؛ وكان أهل الشام يشتمون ابن الزبير فيقولون:
يا بن ذات النطاقين، فيقول:
стр. 2097
وعيّرها الواشون أنّي أحبّها … وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وشتموه أيضا في الحصار الثاني فتمثّل بهذا البيت.
وقال الواقدي: لما جاء نعيّ يزيد أرسل الحصين الى ابن الزبير والمسور وأصحابهما يسألهم فتح أبواب المسجد ليطوفوا بالبيت ثم ينصرفوا إلى الشام، فأبى ذلك ابن الزبير ثم اجابهم فطافوا وانصرفوا. وقال الحصين لابن الزبير: صر معي إلى الشام حتى أدعو لك، فقد مرج أمر الناس وما أجد أحقّ بالأمر منك، فقال ابن الزبير رافعا صوته: أمّا دون أن أقتل بكلّ رجل من أهل الحرّة عشرة من أهل الشام فلا، فقال حصين: يزعم هذا أنّه داهية أكلّمه سرّا ويكلّمني علانية، وأدعوه إلى الخلافة ويتوعدني بالقتل، فسيعلم، ثم انصرف وأصحابه إلى الشام، فلما صار بالمدينة بلغه أنّ أهلها يريدون محاربته، فقام روح بن زنباع على منبرها فقال: يا أهل المدينة ما هذا الذي بلغنا عنكم؛ فاعتذروا وكذّبوا عن أنفسهم، ومضى الحصين ومن معه إلى الشام (١).
стр. 2098
احتراق الكعبة وبناؤها
قال الواقدي: وصدع حجر المنجنيق الحجر الأسود فضبّبه ابن الزبير بفضة.
قال: واحترقت الكعبة قبل أن يأتي خبر موت يزيد بسبعة وعشرين يوما وكان إحراقها بعد الصاعقة التي أصابت المنجنيق، وكان سبب احتراقها أنّ رجلا من أصحاب ابن الزبير يقال له مسلم أخذ نارا في ليفة على رأس رمح في يوم ريح فطارت شررة فتعلّقت بأستار الكعبة فأحرقتها، وكانت لهم حول الكعبة بيوت من خصف ودفوف.
قال: ويقال انّ جرذا جرّ فتيلة فيها نار فسقطت في متاع بعض من حول الكعبة فاحترق، وهاجت ريح حملت الشرر إلى الأستار.
قال: فلما ارتحل ابن نمير هدم ابن الزبير ما حول الكعبة حتى بدت وأمر بالمسجد فكنس ممّا فيه من الحجارة، وإذا الكعبة ترتجّ وإذا الركن قد أسودّ من النار، فشاور في هدمها، فأشار عليه جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عمر بهدمها، وكره ذلك ابن عبّاس وقال: أخاف أن يأتي من
стр. 2099
بعدك فيهدمها، فجمع ابن الزبير الفعلة فهدمها إلى الأرض ثم بناها، وقال ابن عبّاس: مازلنا نعلم أنّ الحجر من البيت، فبنيت وأدخل الحجر فيها، وجعل لها بابين بالأرض، بابا يدخل منه وبابا يخرج منه، وجعل الحجر الأسود في سرقة حرير في تابوت، وجعل ما كان في البيت من شيء في تابوت، وكان الناس يطوفون من وراء أساس البيت ويصلّون إلى اساسه حتى بني، ثم ستر الركن بثوب وردّ الحجر ووضعه هو وولده فغضب الحجبة من ذلك؛ ويقال انّه تولّى وضعه هو وولده حمزة وقوم من الحجبة. وكان ابن الزبير روى عن عائشة عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «لولا حداثة عهد قومك بالشرك لأعدت فيها ما ترك منها» (١) فعمل ابن الزبير على ذلك، فلما فرغ من بنائها ردّ إليها جميع ما كان فيها وسترها بالديباج، فلما هدمها الحجّاج ردّها إلى ما كانت عليه حين هدمها ابن الزبير وأخرج الحجر منها ورفع بابها.
وقال بعضهم: بعث ابن الزبير إلى اليمن في حمل الورس إليه ليجعله كالقصّة (٢) يمسك مدرها، فقيل له انّه لا يثبت فبناها بالقصّة.
وقال عبد الملك: لو بلغني حديث عائشة قبل بناء الحجّاج إيّاها لأمرته أن يبنيها على بناء ابن الزبير ولولّيته ما تولّى.
وقال الواقدي: أصابت المسور شظيّة من حجر في وجنته فتوفّي منها يوم جاء نعيّ يزيد في آخر النهار، ومات مصعب بن عبد الرحمن في حصار ابن نمير، ويقال بل قتل. قال: فلما مضى هذان الرجلان وكان الأمر بينهما وبين ابن الزبير شورى وشخص ابن نمير، بويع ابن الزبير بالخلافة بمكة،
стр. 2100
وكان عبد الله بن صفوان أسرع الناس إلى بيعته، ثم عبيد بن عمير، وعبد الله بن مطيع العدوي، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة؛ فولّى المدينة فيما يقول بعضهم المنذر بن الزبير - ويقال ولاّها غير المنذر لأنّ المنذر قتل في هذا الحصار - وولّى الكوفة ابن مطيع وولّى البصرة الحارث بن عبد الله المخزومي وولّى الشام الضحّاك بن قيس الفهري وكان مائلا إليه.
حدثني بسّام الحمّال عن حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن الحسن قال: كتب الضحّاك بن قيس حين مات يزيد بن معاوية إلى قيس بن الهيثم: إنّ يزيد قد مات وأنتم إخواننا وأشقّاؤنا فلا تسبقونا بشيء حتى نختار لأنفسنا، قال حمّاد: فاختار ابن الزبير؛ قال: وولّى مصر ابن جحدم وفرّق عمّاله.
وقال الواقدي: وكان ممّن قتل في هذا الحصار - ويقال في الثاني - المنذر بن الزبير، وأبو بكر بن المنذر بن الزبير، والزبير بن المنذر، وحذافة بن عبد الرحمن بن العّوام، والزبير بن المقداد بن الأسود بن العّوام، وعامر بن عروة بن الزبير، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف - ويقال مات حتف أنفه في أيّام هذا الحصار - وزيد بن عبد الرحمن بن عوف، والمسور، أصابه حجر مات منه، وأبو عمرو بن عبد الله بن أبيّ بن خلف الجمحي.
وقال المدائني: أرسل ابن نمير إلى ابن الزبير يستأذنه في الطواف زفر بن الحارث الكلابي وابن مسعدة الفزاري.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن جويرية بن أسماء قال: حدثني برد مولى آل الزبير أنّ حصينا بعث إلى ابن
стр. 2101
الزبير إنّي أحبّ لقاءك؟ قال: فموعدك بعد العتمة بأعلى مكة، فخرج ابن الزبير بعد أن صلّى بالناس إلى المكان الذي وعده فيه وليس عليه سلاح، وأقبل ابن نمير وعليه الدرع والسيف وقد لبس ممطرا، فلما أراد الجلوس بدت نعل السيف، فقال له ابن الزبير: أغدرا يا بن نمير؟ قال: لا ولكنّي خفت أصحابك، ثم قال له: أبايعك غدا بين الركن والمقام أنا وجميع أصحابي على أن تنتقل إلى الشام فتسكنها ونقاتل عنك الناس ما بقيت أرواحنا، فقال: إنّ لي أمراء لست أقطع أمرا دونهم، فأناظرهم ثم يأتيك رأيي، فرجع فأخبر ابن صفوان وذويه فقالوا: أتخرج من بلد نصرك الله به وتفارق حرم الله وأمنه وتستعين بقوم رموا بيت الله لا خلاق لهم؟! فأرسل إلى الحصين: إنّ أصحابي قد أبوا أن يتحوّلوا إلى الشام، قال: فهل أنت مؤمّني وأصحابي حتى نطوف بالبيت ثم ننصرف عنك؟ فآمنهم فطافوا ثم انصرفوا.
وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة حدثنا وهب بن جرير حدثنا جويرية عن نافع انّ ابن الزبير لم يدع له بالخلافة حتى مات يزيد، وقال نافع: كنت تحت منبره يوم دعا إلى نفسه، وكان قبل ذلك يدعو إلى الشورى.
وقال المدائني: جرح عبد الله بن مسعدة الفزاري فلم يقاتل حتى انفضّ أمرهم، وكان الذي جرحه مصعب بن عبد الرحمن، وقاتل مصعب بن عبد الرحمن يوما حتى يبست يده فدعا ابن الزبير بشاة فحلبها عليها حتى لانت؛ وأرسل النجاشي إلى ابن الزبير مائتي رجل فضمّهم إلى أخيه مصعب، فكانوا يقاتلون معه في ناحية.
قال جويرية وحدثني غير نافع أنّ ابا حرّة مولى أسلم، كان شاعرا
стр. 2102
شجاعا فقال: يا بن الزبير ما أرانا سفكنا الدماء وقاتلنا الناس إلاّ لتملك، وأنشأ يقول:
إنّ الموالي أمست وهي عاتبة … على الخليفة تشكو الجوع والحربا
ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا … أيّ الملوك على ما حولنا غلبا
وقال أيضا:
تخبّر من لاقيت أنك عائذ … وتكثر قتلا بين زمزم والرّكن
قال جويرية: كان الخوارج يقاتلون مع ابن الزبير نصرة للبيت وذبا عنه إذ تعوّذ به، فلما رماه أهل الشام ازدادوا عليهم حنقا، قال: وقاتل المختار مع ابن الزبير ثم انصرف عنه فأتى العراق.
المدائني عن أشياخه قالوا: لما دعا ابن الزبير إلى نفسه بايعوه على كتاب الله وسنّة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، فبايعه عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب وقبض ابن مطيع يده، وقام مصعب فبايع فقال الناس: بايع مصعب ولم يبايع ابن مطيع، أمر فيه صعوبة والتياث طاعة؛ وبايعه عبد الله بن جعفر، وأراد ابن الحنفّية على البيعة فلم يبايع، وأبى ابن عمر أن يبايع وقال: لا أعطي صفقة يميني في فرقة ولا أمنعها في جماعة وألفة، فقال له:
الزم المدينة، قال أبو حرّة مولى خزاعة: ألا صبرت حتى نختارك فنبايعك؟
وقال:
أبلغ أميّة عنّي إن عرضت لها … وابن الزّبير وأبلغ ذلك العربا
أنّ الموالي أضحت وهي عاتبة … على الخليفة تشكو الجوع والحربا
إخوانكم إن بلاء حلّ ساحتكم … ولا ترون لنا في غيره سببا
نعاهد الله عهدا لا نخيس به … لن نقبل الدهر شورى بعد من ذهبا
стр. 2103
وأتت ابن الزبير بيعة أهل الآفاق: أتته بيعة أهل الشام ما خلا الأردنّ، ودعا له النعمان بن بشير بحمص، وزفر بن الحارث الكلابي بقنّسرين، والضحّاك بن قيس الفهري بدمشق، ودعا بالكوفة أهلها وتراضوا بعامر بن اسماعيل الجمحي (١)، ودعا له بالبصرة سلمة بن ذؤيب الرياحي وأخرجوا عبيد الله بن زياد، ودعا له بخراسان عبد الله بن خازم السلمي، وباليمن بحير بن ريسان وكان قبل عاملا ليزيد بن معاوية، وولّى ابن الزبير المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري.
المدائني قال: ولّى ابن الزبير المدينة رجلا يكنى أبا قيس أو ولاّه بعض أعمالها فأساء السيرة فقال الناس: قد كان ليزيد بن معاوية أبو قيس لا يضرّ ولا ينفع، ولابن الزبير أبو قيس يضرّ و [لا] ينفع.
وقال ابن الكلبي: ولّى ابن الزبير المدينة جابر بن الأسود بن عوف فقدم حبيش بن دلجة من الشام فخرج جابر عنها إلى مكة، فبعث ابن الزبير مكانه عبيدة بن الزبير حين خرج حبيش عن المدينة يريد الربذة، فلقيه الحنتف بن السجف فقتله، ثم وجّه مصعب بن الزبير فقتل أسراء أسرهم الحنتف من أصحاب حبيش، ثم رجع إلى مكة، وعزل ابن الزبير عبيدة وولّى ابن أبي ثور حليف بني عبد مناف، فأصابت الناس في ولايته مجاعة وغلت أسعارهم، فكان يخطب فيقول: اتّقوا الله وتأسّوا بنبيّكم وانزعوا عن المعاصي فإنّه أهلك قوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فسمّي مقوّم الناقة، وكان الناس يأكلون من ليل إلى ليل ما ينالون إلاّ حسى من حنطة
стр. 2104
وعدس؛ ثم عزله وولّى الحارث بن حاطب الجمحي ثم عزله وولّى جابر بن الأسود ثم عزله وولّى جعفر بن الزبير ثم وهب بن أبي معتّب مولى الزبير ثم أبا قيس، وولّى صدقة المدينة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وولّى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وولّى إبراهيم بن طلحة الخراج بها ثم عزلهما وولّى عملهما عبد الله بن مطيع العدوي فأخذ بيعتهم.
وقال الراعي عبيد بن حصين يمدح يزيد في شعر يقول فيه:
راحت كما راح أو تغدو كغدوته … عنس وخود عليها راكب يفد
تنتاب آل أبي سفيان واثقة … بسيب أبلج منجاز لما يعد (١)
وقال المدائني: كان على شرط يزيد حميد بن حريث بن بحدل وصاحب أمره سرجون بن منصور، وقاضيه أبو إدريس الخولاني، ومات يزيد بحّوارين وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ويقال: ابن تسع وثلاثين وأشهر وكانت ولايته ثلاث سنين، ويقال وتسعة أشهر، ويقال وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما، وكان موته يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستّين، وصلّى عليه معاوية ابنه.
وقال ابن الكلبي: ولي يزيد لهلال رجب سنة ستّين، فولي ثلاث سنين وثمانية أشهر، ومات لتسع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستّين وهو ابن ستّ وثلاثين سنة.
وقال الواقدي: دفن يزيد بدمشق في مقبرة (٢) الباب الصغير ومات بحوّارين فحمل على أيدي الرجال إليها، وفيها دفن أبوه معاوية.
стр. 2105
وقال الواقدي: قيل لأبي مسلم الخولاني يوم مات يزيد: ألا تصلّي على يزيد؟ فقال: يصلي عليه ظباء حوّارين؛ وقال غيره: دفن بحوّارين.
المدائني عن أبي أيّوب القرشي عن خالد بن يزيد، بن جابر قال: مات يزيد ابن تسع وثلاثين سنة، وكان عامله على مكة الحارث بن خالد بن العاص بن هشام، ويقال خالد بن العاص بن هشام.
وقال الأخطل يرثي يزيد:
لعمري لقد دلّى إلى القبر خالد … جنازة لا كابي الزناد ولا غمر
مقيم بحوّارين ليس ببارح … سقته الغوداي من ثويّ ومن قبر
يضجّ الموالي أن رأوا أمّ خالد … مشنّعة بالريط والسرق الحمر
إذا حلّ سرب من نساء يعدنها … تعرّين إلاّ من جلابيب أو خمر (١)
وقال ابن عرادة السعدي:
أبني أميّة إنّ آخر ملككم … جسد بحوّارين ثمّ مقيم
طرقت منيّته وعند وساده … كوب وزق راعف مرثوم
ومرنّة تبكي على نشواته … بالصّنج تقعد ساعة وتقوم
وقال رجل من عنزة يقال له أبو بكر بن حنظلة:
يا أيّها الميت بحوّارينا … أصبحت خير الناس أجمعينا
ويروى:
يا أيّها القبر بحوّارينا … ضممت خير الناس أجمعينا
وقال أبو اليقظان: ولي يزيد سنة ستّين وهلك بحوّارين بعد ثلاث سنين وأشهر.