الزبير إنّي أحبّ لقاءك؟ قال: فموعدك بعد العتمة بأعلى مكة، فخرج ابن الزبير بعد أن صلّى بالناس إلى المكان الذي وعده فيه وليس عليه سلاح، وأقبل ابن نمير وعليه الدرع والسيف وقد لبس ممطرا، فلما أراد الجلوس بدت نعل السيف، فقال له ابن الزبير: أغدرا يا بن نمير؟ قال: لا ولكنّي خفت أصحابك، ثم قال له: أبايعك غدا بين الركن والمقام أنا وجميع أصحابي على أن تنتقل إلى الشام فتسكنها ونقاتل عنك الناس ما بقيت أرواحنا، فقال: إنّ لي أمراء لست أقطع أمرا دونهم، فأناظرهم ثم يأتيك رأيي، فرجع فأخبر ابن صفوان وذويه فقالوا: أتخرج من بلد نصرك الله به وتفارق حرم الله وأمنه وتستعين بقوم رموا بيت الله لا خلاق لهم؟! فأرسل إلى الحصين: إنّ أصحابي قد أبوا أن يتحوّلوا إلى الشام، قال: فهل أنت مؤمّني وأصحابي حتى نطوف بالبيت ثم ننصرف عنك؟ فآمنهم فطافوا ثم انصرفوا.
وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة حدثنا وهب بن جرير حدثنا جويرية عن نافع انّ ابن الزبير لم يدع له بالخلافة حتى مات يزيد، وقال نافع: كنت تحت منبره يوم دعا إلى نفسه، وكان قبل ذلك يدعو إلى الشورى.
وقال المدائني: جرح عبد الله بن مسعدة الفزاري فلم يقاتل حتى انفضّ أمرهم، وكان الذي جرحه مصعب بن عبد الرحمن، وقاتل مصعب بن عبد الرحمن يوما حتى يبست يده فدعا ابن الزبير بشاة فحلبها عليها حتى لانت؛ وأرسل النجاشي إلى ابن الزبير مائتي رجل فضمّهم إلى أخيه مصعب، فكانوا يقاتلون معه في ناحية.
قال جويرية وحدثني غير نافع أنّ ابا حرّة مولى أسلم، كان شاعرا
стр. 2102
شجاعا فقال: يا بن الزبير ما أرانا سفكنا الدماء وقاتلنا الناس إلاّ لتملك، وأنشأ يقول:
إنّ الموالي أمست وهي عاتبة … على الخليفة تشكو الجوع والحربا
ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا … أيّ الملوك على ما حولنا غلبا
وقال أيضا:
تخبّر من لاقيت أنك عائذ … وتكثر قتلا بين زمزم والرّكن
قال جويرية: كان الخوارج يقاتلون مع ابن الزبير نصرة للبيت وذبا عنه إذ تعوّذ به، فلما رماه أهل الشام ازدادوا عليهم حنقا، قال: وقاتل المختار مع ابن الزبير ثم انصرف عنه فأتى العراق.
المدائني عن أشياخه قالوا: لما دعا ابن الزبير إلى نفسه بايعوه على كتاب الله وسنّة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، فبايعه عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب وقبض ابن مطيع يده، وقام مصعب فبايع فقال الناس: بايع مصعب ولم يبايع ابن مطيع، أمر فيه صعوبة والتياث طاعة؛ وبايعه عبد الله بن جعفر، وأراد ابن الحنفّية على البيعة فلم يبايع، وأبى ابن عمر أن يبايع وقال: لا أعطي صفقة يميني في فرقة ولا أمنعها في جماعة وألفة، فقال له:
الزم المدينة، قال أبو حرّة مولى خزاعة: ألا صبرت حتى نختارك فنبايعك؟
وقال:
أبلغ أميّة عنّي إن عرضت لها … وابن الزّبير وأبلغ ذلك العربا
أنّ الموالي أضحت وهي عاتبة … على الخليفة تشكو الجوع والحربا
إخوانكم إن بلاء حلّ ساحتكم … ولا ترون لنا في غيره سببا
نعاهد الله عهدا لا نخيس به … لن نقبل الدهر شورى بعد من ذهبا
стр. 2103
وأتت ابن الزبير بيعة أهل الآفاق: أتته بيعة أهل الشام ما خلا الأردنّ، ودعا له النعمان بن بشير بحمص، وزفر بن الحارث الكلابي بقنّسرين، والضحّاك بن قيس الفهري بدمشق، ودعا بالكوفة أهلها وتراضوا بعامر بن اسماعيل الجمحي (١)، ودعا له بالبصرة سلمة بن ذؤيب الرياحي وأخرجوا عبيد الله بن زياد، ودعا له بخراسان عبد الله بن خازم السلمي، وباليمن بحير بن ريسان وكان قبل عاملا ليزيد بن معاوية، وولّى ابن الزبير المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري.
المدائني قال: ولّى ابن الزبير المدينة رجلا يكنى أبا قيس أو ولاّه بعض أعمالها فأساء السيرة فقال الناس: قد كان ليزيد بن معاوية أبو قيس لا يضرّ ولا ينفع، ولابن الزبير أبو قيس يضرّ و [لا] ينفع.
وقال ابن الكلبي: ولّى ابن الزبير المدينة جابر بن الأسود بن عوف فقدم حبيش بن دلجة من الشام فخرج جابر عنها إلى مكة، فبعث ابن الزبير مكانه عبيدة بن الزبير حين خرج حبيش عن المدينة يريد الربذة، فلقيه الحنتف بن السجف فقتله، ثم وجّه مصعب بن الزبير فقتل أسراء أسرهم الحنتف من أصحاب حبيش، ثم رجع إلى مكة، وعزل ابن الزبير عبيدة وولّى ابن أبي ثور حليف بني عبد مناف، فأصابت الناس في ولايته مجاعة وغلت أسعارهم، فكان يخطب فيقول: اتّقوا الله وتأسّوا بنبيّكم وانزعوا عن المعاصي فإنّه أهلك قوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فسمّي مقوّم الناقة، وكان الناس يأكلون من ليل إلى ليل ما ينالون إلاّ حسى من حنطة
стр. 2104
وعدس؛ ثم عزله وولّى الحارث بن حاطب الجمحي ثم عزله وولّى جابر بن الأسود ثم عزله وولّى جعفر بن الزبير ثم وهب بن أبي معتّب مولى الزبير ثم أبا قيس، وولّى صدقة المدينة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وولّى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وولّى إبراهيم بن طلحة الخراج بها ثم عزلهما وولّى عملهما عبد الله بن مطيع العدوي فأخذ بيعتهم.
وقال الراعي عبيد بن حصين يمدح يزيد في شعر يقول فيه:
راحت كما راح أو تغدو كغدوته … عنس وخود عليها راكب يفد
تنتاب آل أبي سفيان واثقة … بسيب أبلج منجاز لما يعد (١)
وقال المدائني: كان على شرط يزيد حميد بن حريث بن بحدل وصاحب أمره سرجون بن منصور، وقاضيه أبو إدريس الخولاني، ومات يزيد بحّوارين وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ويقال: ابن تسع وثلاثين وأشهر وكانت ولايته ثلاث سنين، ويقال وتسعة أشهر، ويقال وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما، وكان موته يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستّين، وصلّى عليه معاوية ابنه.
وقال ابن الكلبي: ولي يزيد لهلال رجب سنة ستّين، فولي ثلاث سنين وثمانية أشهر، ومات لتسع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستّين وهو ابن ستّ وثلاثين سنة.
وقال الواقدي: دفن يزيد بدمشق في مقبرة (٢) الباب الصغير ومات بحوّارين فحمل على أيدي الرجال إليها، وفيها دفن أبوه معاوية.
стр. 2105
وقال الواقدي: قيل لأبي مسلم الخولاني يوم مات يزيد: ألا تصلّي على يزيد؟ فقال: يصلي عليه ظباء حوّارين؛ وقال غيره: دفن بحوّارين.
المدائني عن أبي أيّوب القرشي عن خالد بن يزيد، بن جابر قال: مات يزيد ابن تسع وثلاثين سنة، وكان عامله على مكة الحارث بن خالد بن العاص بن هشام، ويقال خالد بن العاص بن هشام.
وقال الأخطل يرثي يزيد:
لعمري لقد دلّى إلى القبر خالد … جنازة لا كابي الزناد ولا غمر
مقيم بحوّارين ليس ببارح … سقته الغوداي من ثويّ ومن قبر
يضجّ الموالي أن رأوا أمّ خالد … مشنّعة بالريط والسرق الحمر
إذا حلّ سرب من نساء يعدنها … تعرّين إلاّ من جلابيب أو خمر (١)
وقال ابن عرادة السعدي:
أبني أميّة إنّ آخر ملككم … جسد بحوّارين ثمّ مقيم
طرقت منيّته وعند وساده … كوب وزق راعف مرثوم
ومرنّة تبكي على نشواته … بالصّنج تقعد ساعة وتقوم
وقال رجل من عنزة يقال له أبو بكر بن حنظلة:
يا أيّها الميت بحوّارينا … أصبحت خير الناس أجمعينا
ويروى:
يا أيّها القبر بحوّارينا … ضممت خير الناس أجمعينا
وقال أبو اليقظان: ولي يزيد سنة ستّين وهلك بحوّارين بعد ثلاث سنين وأشهر.
стр. 2106
فولد يزيد بن معاوية:
معاوية، وخالدا، وعبد الله الأكبر، وأبا سفيان، أمّهم أمّ خالد بنت [أبي] هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان اسمها فاختة وتلقّب حبّة؛ وعبد الله الأصغر الذي يقال له الأسوار، وعمر، وعاتكة تزّوجها عبد الملك بن مروان فولدت له يزيد بن عبد الملك، أمّهم أمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز؛ [وعبد الرحمن]، وعبد الله الذي يقال له أصغر الأصاغر، وعثمان، وعتبة الأعور، ويزيد، ومحمدا، وأبا بكر، وأمّ يزيد، لأمّهات أولاد شتّى، وأمّ عبد الرحمن، ورملة؛ فتزوّج أمّ يزيد الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، وأمّا رملة وأمّ عبد الرحمن فتزوّجهما عبّاد بن زياد واحدة بعد أخرى، وكان الذي زوّج عّبادا خالد بن يزيد، فعّيره عبد الملك بذلك وقال: زوّجته وقد عرفت دعوته فقال خالد: أما إنّه سلفك وهو دعيّي، ولو كان دعيّ غيري ما زوجته.
стр. 2107
وأما معاوية بن يزيد:
فولاّه أبوه يزيد عهده في صحّته، ويقال بايع له حين احتضر، فلما مات يزيد بايع الناس معاوية وأتته بيعة الآفاق إلاّ ما كان من ابن الزبير، فولي ثلاثة أشهر - ويقال أربعين يوما، ويقال عشرين يوما - ولم يزل في أيّامه مريضا، وكان الضحّاك بن قيس يصلّي بالناس، فلما ثقل قيل له لو عهدت عهدا فقال: والله ما نفعتني حيّا أفأتحملها ميّتا، والله لا يذهب بنو أميّة بحلاوتها القليلة وأتحمّل مرارتها الطويلة، وإذا متّ فليصلّ عليّ الوليد بن عتبة وليصلّ بالناس الضحّاك بن قيس حتى يختاروا لأنفسهم رجلا مرضيّا عندهم، فلما صلّى عليه الوليد وقام مروان بن الحكم على قبره فقال:
أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم معاوية بن يزيد، قال: بل دفنتم أبا ليلى، يستضعفه، وكانوا يكنون كلّ ضعيف أبا ليلى، فقال بعض بني فزارة:
لا تخدعنّ فإنّ الأمر مختلف … والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وقام الضحّاك بأمر الناس بدمشق، ولم يعزل معاوية بن يزيد أحدا من عمّال أبيه ولا حرّك شيئا ولا أمر ولا نهى وكان موته سنة أربع وستّين وهو
стр. 2108
ابن تسع عشرة سنة، ويقال ابن عشرين، ويقال ابن ثماني عشرة سنة - ويقال ابن احدى وعشرين سنة - ودفن بدمشق.
وحدّثت عن ابن الكلبي أنّه قال: ولي أبو ليلى معاوية بن يزيد أربعين يوما، وتوفّي وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وثمانية عشر يوما.
حدثني هشام بن عمّار حدثنا صدقة بن خالد حدثني زيد بن واقد قال: مرض يزيد بن معاوية بعد ولايته الأمر بسنتين من كبده، فلما برئ واستقل قال لحسّان بن مالك بن بحدل: إنّي أريد البيعة لمعاوية بن يزيد، قال: فافعل، فدعاه يزيد فصافقة بولاية العهد، وبايع له حسّان بن مالك والناس، وكان معاوية ركيكا ليّنا فكني أبا ليلى، وهي كنية كلّ ضعيف.
قال هشام بن عمّار، وسمعت الوليد بن مسلم يقول: كانت أمّ معاوية بن يزيد - وهي أمّ هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس - امرأة برزة عاقلة فدعا يزيد يوما بمعاوية بن يزيد وأمّه حاضرة فأمره بأمر، فلما ولّى قالت له: لو ولّيت معاوية عهدك، فقال: أفعل، وناظر حسّان بن مالك بن بحدل الكلبي في أمره فشجّعه على البيعة له، فأحضر الناس وأعلمهم أنّه قد ولاّه الخلافة بعده، فبايع له ابن بحدل والناس، فلما مات يزيد بحوّارين بويع لمعاوية بالخلافة وهو كاره؛ وكان سبب موت يزيد أنّه ركض فرسا فسقط عنه وأنّه أصابه قطع، ويقال انّ عنقه اندقّت.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني وهب بن جرير حدثنا أبي أنّ يزيد بن معاوية كان استخلف معاوية بن يزيد فولي شهرين أو اربعين ليلة ثم مات، فلما حضرته الوفاة قيل له لو استخلفت فقال: كفيتها حياتي
стр. 2109
وأتضمنّها بعد موتي؟ فأبى؛ قال: وكان فتى لا بأس به، ومات وله تسع عشرة سنة.
وحدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: كان معاوية بن يزيد كارها للخلافة، وكان يكنى أبا عبد الرحمن بكنية جدّه، ومات ابن ثلاث وعشرين، ودفن في مقبرة باب الصغير بدمشق.
حدثني محمد بن يزيد الرفاعي حدثني عمّي كثير بن محمد عن ابن عيّاش الهمداني عن أبي أسماء السكسكي قال: كان معاوية بن يزيد يظهر التأله، وكان ضعيفا في أمر دنياه فكني أبا ليلى، فلما أفضى الأمر إليه قام خطيبا فقال: أيّها الناس إن يكن هذا الأمر خيرا فقد استكثر منه آل أبي سفيان، وإن يكن شرّا فما أولاهم بتركه، والله ما أحبّ أن أذهب إلى الآخرة وأدع لهم الدنيا، ألا فليصلّ بكم حسّان بن مالك، وتشاوروا في أمركم، عزم الله لكم على الرشد والخيرة في قضائه؛ ثم نزل فأغلق بابه وتمارض فلم ينظر في شيء حتى مات، وصلّى حسّان بالناس وهم منكرون لأمرهم حتى ولّى ابن الزبير الضحّاك بن قيس فبايعوه له، وأتى حسّان أوّل حدّ الأردنّ فأقام هناك.
وحدثني هشام بن عمّار عن الوليد بن مسلم قال: دخل مروان بن الحكم على معاوية بن يزيد فقال له: لقد أعطيت من نفسك ما يعطي الذليل المهين، ثم رفع صوته فقال: من أراد أن ينظر في خالفة آل حرب بن أميّة فلينظر إلى هذا، فقال له معاوية: يا بن الزرقاء اخرج عنّي لا قبل الله لك عذرا يوم تلقاه.
стр. 2110
وحدثني محمد بن مصفّى الحمصي قال: سمعت مشايخ من مشايخنا يقولون: إنّ معاوية بن يزيد بن معاوية قبل البيعة وهو لها كاره، فلما مات أبوه أنفذت كتب بيعته إلى الآفاق فلم يرجع الجواب حتى مات، وكان فتى صالحا كثير الفكر في أمر معاده.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: ولّى يزيد بن معاوية معاوية بن يزيد ابنه الخلافة بعده وكان كارها لها، فلما مات أبوه خطب الناس فقال: إن كانت الخلافة خيرا فقد استكثر آل أبي سفيان منه، وإن كان شرّا فلا حاجة لنا فيه، فاختاروا لأنفسكم إماما تبايعونه هو أحرص على هذا الأمر منّي واخلعوني فأنتم في حلّ من بيعتي، فقالت له أمّه أمّ هاشم: لوددت يا بنيّ أنّك كنت نسيا منسيا وأنّك لم تضعف هذا الضعف، فقال: وددت والله أني كنت نسيا منسيا ولم أسمع بذكر جهنّم، فلما احتضر قيل له: لو بايعت لأخيك خالد بن يزيد فإنّه أخوك لأبيك وأمّك، فقال: يا سبحان الله كفيتها حياتي وأتقلّدها بعد موتي؟! يا حسّان بن مالك اضبط ما قبلك وصلّ بالناس إلى أن يرضى المسلمون بإمام يجتمعون عليه.
وحدثني هشام بن عمّار حدثني اسماعيل بن عيّاش عن عبد الله بن دينار عن مولى لمعاوية بنحوه وزاد فيه: فلما مات معاوية مال أكثر الناس إلى ابن الزبير وقالوا: هو رجل كامل السنّ، وقد نصر أمير المؤمنين عثمان، وهو ابن حواريّ رسول الله ﷺ ، وأمّه بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وله فضل في نفسه ليس كغيره؛ فما هو إلاّ أن ورد كتاب ابن الزبير بتولية الضحّاك بن قيس دمشق حتى سارعوا إلى طاعة ابن الزبير وبيعته، فأخذها الضحّاك له
стр. 2111
عليهم، وانخزل ابن بحدل إلى فلسطين فأقام بها ينتظر ما يكون، وهو في ذلك يدعو إلى خالد بن يزيد ويذكره، وكانت فلسطين والأردنّ في يده من قبل يزيد بن معاوية، ثم بقي عليهما وعمّاله فيهما.
قال المدائني: كان اسم أمّ معاوية وخالد ابني يزيد فاختة، وكنيت أمّ هاشم ثم كناها يزيد أمّ خالد بخالد ابنها ولقّبت حبّة.
стр. 2112
وأما خالد بن يزيد بن معاوية:
ويكنى أبا هاشم: فكان شاعرا ينظر في الكيمياء والنجوم وغيرهما من العلوم، وكان طويل الصمت فقال مولى له: أرى الناس يخوضون فيما أنت أعلم به منهم وأنت ساكت، فقال: ويحك إنّي عنيت بطلب الأحاديث والعلم وصحّحت ذلك فأخاف إن نشرت ذلك أن يحفظوه، فقال: جعلت فداك يكفيكهم الله بالبلغم. وتزوّج ابنة عبد الله بن جعفر فقال فيها:
منافّية غرّاء جادت بودّها … لعبد منافيّ أغرّ مشهّر
مطهّرة بين النبيّ محمّد … وبين الشهيد ذي الجناحين جعفر
وقال عبد الله بن جعفر ما صنع في قوله «لعبد» شيئا، لو كان قال «لقرم منافيّ».
وأنشدني بعض الحجازّيين لخالد في ابنة عبد الله بن جعفر:
أتتنا بها دهم البغال وشهبها … عفيفة أخلاق كريمة عنصر
مقابلة بين النبيّ محمّد … وبين عليّ ذي الفخار وجعفر
منافيّة جادت بخالص ودّها … لعبد منافيّ أغرّ مشهّر
стр. 2113
وقد قيل: إنّه لم يتزوّجها وأنّ هذا الشعر معمول.
وتزوّج أيضا رملة بنت الزبير بن العّوام فقال:
أحبّ بني العوّام طرّا لحبّها … ومن حبّها أحببت أخوالها كلبا
ولا تكثروا فيها الضجاج فإنّني … تنخّلتها عمدا زبيريّة قلبا
فإن تسلمي نسلم وإن تتنّصري … يخطّ رجال بين أعينهم صلبا
تجول خلاخيل النساء ولا أرى … لرملة خلخالا يجول ولا قلبا
وحدثني عمر بن بكير عن أبي المنذر هشام بن محمد الكلبي عن عوانة قال: كان خالد بن يزيد بن معاوية قد حجّ في السنة التي قتل فيها الحجّاج عبد الله بن الزبير فخطب رملة بنت الزبير، فبلغ ذلك الحجّاج فأرسل إليه حاجبه وقال: قل له ما كنت أراك تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني، ولا كنت أراك تخطب إليهم وليسوا لك بأكفاء وقد قاتلوا أباك على الخلافة ورموه بكلّ قبيح، فلما بلّغه الرسالة نظر إليه خالد طويلا ثم قال: لو كانت الرسل تعاقب لقطّعتك آرابا ثم ألقيتك على باب صاحبك، قل له: ما كنت أظنّ أنّ الأمر بلغ بك إلى أن تؤهّل نفسك لأن أشاورك في مناكحة قريش، قلت ليس القوم لك بأكفاء، فقاتلك الله يا بن أمّ الحجّاج تزوّج رسول الله ﷺ خديجة ابنة خويلد، وتزوّج العوّام صفيّة بنت عبد المطّلب ولا تراهم أكفاء لآل أبي سفيان وبني أميّة؟ وأمّا قولك: قاتلوا أباك على الخلافة ورموه بكلّ قبيح، فهي قريش تقارع بعضها بعضا حتى إذا أقرّ الله الأمر مقرّه عادت إلى احلامها وفضلها، فرجع إليه رسوله فأدّى إليه قوله؛ فتزوّج خالد رملة وهي أخت مصعب بن الزبير لأبيه وأمه؛ أمّهما
стр. 2114
الرباب الكلبيّة، وهي ابنة أنيف بن عبيد بن مصاد بن كعب بن عليم بن جناب، وكانت قبله عند عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام.
قال أبو اليقظان: تزوّجها خالد بعد عثمان بن عبد الله بن حكيم وقال:
لمّا رأيت العتق فيها مبيّنا … تنخّلتها منهم زبيريّة قلبا
ويروى:
تخيّرتها من سرّ قوم كريمة … موسّطة فيهم زبيريّة قلبا
قالوا: وكانت معروفة بالجزالة والعقل والفضل. وقال شديد بن شدّاد أحد بني عامر بن لؤي:
لا يستوي الحبلان حبل تنقّضت … قواه وحبل قد أمرّ شديد
عليك أمير المؤمنين بخالد … ففي خالد عمّا تريد صدود
إذا ما نظرنا في مناكح خالد … عرفنا الذي يهوى وأين يريد (١)
قالوا: وقال الأسوار بن يزيد لخالد: والله لقد هممت اليوم بقتل الوليد بن عبد الملك، فقال له: بئس ما هممت به، ابن أمير المؤمنين ووليّ عهد المسلمين، قال: إنّه لقي خيلا لي فنفّرها وتلعّب بها، فأتى خالد عبد الملك فأخبره بما شكا إليه أخوه، فرفع رأسه وهو يضحك ثم قال: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٢) فقال خالد ﴿وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾
стр. 2115
﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ (١) فقال عبد الملك: أتكلّمني فيه وهو لحّان وقد أعياكم تقويم لسانه، فقال: أعيانا منه ما أعياك من الوليد، فقال عبد الملك: إن يكن لحّانا فأخوه سليمان فصيح، قال خالد: وإن يكن عبد الله لحّانا فأخوه خالد غير لحّان، فقال الوليد لخالد: أتتكلّم ولست في عير ولا نفير، فقال خالد: ألا تسمع يا أمير المؤمنين ما يقول؟ أنا والله ابن العير والنّفير، سيّد العير جدّي أبو سفيان، وسيد النفير جدّي عتبة بن ربيعة، ولكن لو ذكرت حبيلات وغنيمات بالطائف لصدقت، فرحم الله عثمان. ثم نهى عبد الملك الوليد عن التعبّث بعبد الله بن يزيد.
وقال المدائني: دخل الوليد حائطا لعبد الله بن يزيد الأسوار فشكا ذلك إلى أخيه وجرى هذا القول بسببه ولم يذكر خيلا وقال: الذي قال لست في عير ولا نفير رجل من بني الحكم، قال ذلك لأبي القاسم بن أبي سفيان بن خالد بن يزيد في عسكر هشام، فأجابه أبو القاسم بجواب أغلظ له، فطرده هشام عن عسكره.
وقال خالد لبعض قريش: لقد رضيت بالقليل لدناءتك، فقال: أدنى منّي من نيكت أمّه وسلب خلافته وفرّغ لعمل الكيمياء الذي لا يدرك منه شيئا.
وكان خالد يتعصّب لأخوال ابيه من كلب ويعينهم على قيس في حرب قيس وكلب، فقال شاعر قيس:
стр. 2116
يا خالد بن أبي سفيان قد قرحت … منّا القلوب وضاق السهل والجبل
أأنت تأمر كلبا أن تقتّلنا … جهلا وتمنعهم منّا إذا قتلوا
ها إنّ ذا لا يقرّ الطير ساكنة … ولا تكفكف من نكرائه الإبل
وتزوج مروان بن الحكم أمّ خالد بن يزيد، فدخل عليه يوما فأراد أن يضع منه فقال: يابن الرطبة فقال: أمين مختبر، لولا حمقها ما قلت لها هذا، فأتى أمّه فأخبرها، فغمّته وجواريها وهو نائم بمرفقة فمات، ويقال بل سقته شربة لبن مسموم فقتلته.
وقال خالد بن يزيد:
أرى زمنا ثعالبه قيام … على الأشراف تخطر كالأسود
وكان الثعلب الضبّاح يرضى … بما يرث الكلاب من الصيود
وقال خالد:
سرحت سفاهتي وأرحت حلمي … وفيّ على تحلّمي اعتراض
على أنّي أجيب إذا دعتني … إلى حاجاتها الحدق المراض
وكان خالد على حمص فبنى مسجدها، وكان له أربعمائة عبد يعملون في المسجد، فلما فرغوا من بنائه أعتقهم، وهو صلّى على أخيه أبي ليلى، ويقال الوليد بن عتبة.
وحضر خالد مع عبد الملك بن مروان أمر زفر بن الحارث الكلابي بقرقيسيا (١).
стр. 2117
وكان خالد قصيرا فلما خطب رملة استقصروه فبلغه ذلك، فجمع قوما قصارا ومشى معهم ولبس قلنسوة فرضيت به.
ومات خالد في أيّام عبد الملك بن مروان.
قال المدائني: كان أبو بكر بن حنظلة العنزي منقطعا إلى خالد بن يزيد فجفاه فقال:
بدا لي ما لم أخش منك ورابني … صدود وطرف منك دوني خاشع
وما ذاك من شيء سوى أنّ ألسنا … عليّ فرت ذنبا وهنّ سوابع (١)
أبا هاشم لا ضارع إن جفوتني … ولا مستكين للّذي أنت صانع
ولكنّ إعراضا جميلا وعفّة … وبينا سليما عنك والبين فاجع
قال: وفاخر معاوية [بن] مروان بن الحكم، وكان مائقا، خالد بن يزيد، فقال سالم بن وابصة:
إذا افتخرت يوما أميّة أطرقت … قريش وقالوا معدن الفضل والكرم
فإن قيل هاتوا خيركم أطبقوا معا … على أنّ خير الناس كلّهم الحكم
ألستم بني مروان غيث بلادنا … إذا السنة الشهباء سدّت على الكظم
وقال خالد بن يزيد:
دعوا الحكم ليس الحكم فيكم بني استها … ولكنّه في الغرّ من آل غالب (٢)
بني مرّة الأثرون كانت إليهم … تساق حكومات الكرام المناجب
стр. 2118
وكانت عند خالد بن يزيد آمنة بنت سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن اميّة فولدت له سعيدا.
وكان له ابن يقال له يزيد لأمّ ولد وكان سخيّا وفيه يقول الشاعر وهو موسى شهوات، مولى بني سهم، ويقال مولى بني تيم، ويقال مولى بني عديّ، ويقال غيره:
ثمّ صوّت إذا دخلت دمشقا … يا يزيد بن خالد بن يزيد
يا يزيد بن خالد إن تجبني … يلقني طائري بسعد السعود
كنت أرجو نداك والشام دوني … كرجاء الأسير فكّ القيود
ثمّ لم يخلف الرجاء ولكن … زاد فوق الرجاء كلّ مزيد
وليزيد هذا عقب بالشام.
وفي آمنة بنت سعيد، وأمّها أمّ عمرو بنت عثمان بن عفّان، وأمّها رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول خالد بن يزيد:
كعاب أبوها ذو العمامة وابنه … وعثمان ما أكفاؤها بكثير
فإن تستفدها والخلافة تنقلب … بأفضل علقي منبر وسرير
وفيها يقول وطلّقها:
ولّيت آمنة الطلاق كريمة … عندي ولم يكبر عليّ طلاقها
ولأقطعنّ حبال أخرى بعدها … يوما إذا لم تستقم أخلاقها
وقال المدائني: قدم محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص الشام غازيا فدخل على عمّته آمنة امرأة خالد فقال خالد: ما يقدم أحد من الحجاز إلا اختار المقام عندنا على المدينة، فقال محمد: وما يمنعهم وقد قدموا من المدينة
стр. 2119
على النواضح فنكحوا أمّك وسلبوك ملكك وفرّغوك لطلب الحديث وقراءة الكتب، وطلب ما لا يقدر عليه، يعني الكيمياء.
وكان لخالد أيضا ابن يقال له حرب بن خالد وكان ذا قدر ونبل وله عقب بالشام، وأمّه أمّ ولد، ففيه يقول داود بن سلم ونزل به، فبدر غلمانه إلى راحلته فحطّوا عنها، وأكرمه وأجازه بجائزة سنيّة، ثم استأذنه في الانصراف فأذن له، وأمر له بألف دينار، ولم يقم غلمانه معه ولم يعاونوه حين أراد الرحيل كما فعلوا حين نزل، وقالوا: إنّا نكرم من نزل بنا نعينه ونخدمه سرورا به، ولا نفعل ذلك بمن رحل عنّا، وفي حرب يقول داود:
ولمّا دفعت لأبوابهم … ولا قيت حربا لقيت النجاحا
وجدناه يحمده المعتفون … ويأبى على العسر إلا سماحا
فحدّث داود الغاضريّ بالمدينة بحديثه وقول غلمانه وأنشده شعره، فقال: أنا لزنية إن لم يكن فعل غلمانه خيرا من شعرك فيه.
وأنشد حمّاد الراوية لخالد بن يزيد:
قصر الجديد بلى وقص … ر العيش في الدنيا انقطاعه
من نال في الدنيا متا … عا ثمّ طال به متاعه؟
أم أيّ منتفع بشي … ء ثمّ دام به انتفاعه؟
أم أيّ شعب ذي التئا … م لم يشتّته انصداعه
والأوّل الماضي الذي … حقّ على الباقي اتّباعه
قد قال في أمثاله: … «يكفيك من شرّ سماعه»
стр. 2120
واما عبد الله الأسوار بن يزيد بن معاوية:
فكان فارسا صاحب خيل، فتزوّج أمّ عثمان بنت سعيد بن العاص، فولدت له أبا سفيان وأبا عتبة، وهي أمّ سعيد ورملة ابني خالد بن عمرو بن عثمان بن عفّان، فقيل لسعيد بن خالد اخطب أمّه أمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر لتذلّه كما أذلّك، فخطبها وهي بادية في قبّة من نمور اشترت جلالها بألف دينار، فقال لها وهو غلام: أحبّ أن تزوّجيني نفسك، وكانت يومئذ عجوزا كبيرة قد قيّدت أسنانها بالذهب فقالت: مرحبا بك يابن أخي لو كنت متزوّجة أحدا من قريش لتزوّجتك، إنّ أمّك امرأة شابّة وأنا عجوز مسنّة، وأراهم قالوا لك: تزوّج أمّه كما تزوّج أمّك، فانطلق يابن أخي في حفظ الله وستره، فقام مثبورا.
وقال مدرك بن حصن الأسدي يهجو عبد الله الأسوار:
قبح الإله ولا أقبّح غيره … نسبا أمتّ به إلى الأسوار
المؤكلي حيّي فزارة بعد ما … أكلت فزارة أير كلّ حمار
إنّا لنعلم يا سخينة أنّكم … بطن العشيّ مباشم الأسحار
стр. 2121
وكان من ولد الأسوار أبو محمد بن عبد الله السفياني الذي قتل بالمدينة وكان مستخفيا بقباء.
وأما عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية:
فكان ناسكا متألّها، أتاه رجل ضرير بمكة ليسأله فقال لقيّمه: أعطه ما عندك، وكان عنده ثمانية آلاف درهم، فقال له القيّم: هذا يكتفي منك بأقلّ مما عندنا، أفأعطيه بعضه؟ فقال: إنّي أكره أن يفضل قولي فعلي، فأعطاه ثمانية آلاف درهم.
وقال عبد الله بن المبارك، قال عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية لرجل من إخوانه كان يجالسه: أترضى حالك هذه للموت؟ قال: لا، قال: فهل أنت مجمع على الانتقال إلى حال ترضاها للموت؟ قال: ما سخت نفسي بذلك بعد، قال: ويحك، فهل بعد الموت دار فيها معتمل؟ قال: لا، قال:
فهل تأمن أن يأتيك الموت على حالك هذه؟ قال: لا، فقال: ما رأيت مثل هذه الحال رضي بها عاقل، فاتّق الله يا أخي واعمل قبل أن تندم.
واما عمر بن يزيد:
فحدثني ابو الحسن المدائني عن مسلمة بن محارب أنّه أصابته صاعقة فهلك، ويقال رعدت السماء رعدة شديدة فمات خوفا، فقال ابن همّام:
عمر الخير يا شبيه أبيه … أنت لو عشت قد خلفت يزيدا
سلّط الحتف في الغمام عليه … فتلقّى الغمام روحا سعيدا
أيّها الراكبان من عبد شمس … بلّغا الشام أهلها والجنودا
أنّ خير الفتيان أصبح في لح … د وأمسى من الكرام فقيدا
стр. 2122
وأما أبو بكر بن يزيد بن معاوية:
فإنّ خالد بن يزيد هجاه فقال:
سمين البغل من مال اليتامى … رخيّ البال مهزول الصديق
وقال خالد في أبي بكر:
فقدّم أبا بكر لكلّ عظيمة … وقدّم أبا جهل للقم الثرائد
أبو جهل حرب بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، ويقال هو عبد الله بن سليمان بن يزيد بن معاوية، والثبت أنّه ابن سليمان بن عتبة بن يزيد بن معاوية.
وأبو بكر الذي يقول:
وإذا العبد أغلق الباب دوني … لم يحرّم عليّ متن الطريق
وقال المدائني: كان أبو بكر بن يزيد ذا نيقة في الطعام وكان صاحب تنعّم، فمرّ بقرية لعبّاد بن زياد بن أبي سفيان بالشام ومعه رجل من تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، وكانت القرية تدعى تنهج (١) فلم يقروهم فقال التيمي:
بتنهج ليلة طالت علينا … وأخلفنا المواعد والعشاء
نناديهم ليقرونا فقالوا: … سنقريكم إذا خرج العطاء
ودون عطائهم شهرا ربيع … ونحن نسير إن متع الضحاء
أنادي خالدا والباب دوني … وكيف يجيبك البرم العياء
стр. 2123
ويقال: إنّ الأبيات لأبي بكر نحلها التيمي، فأجاب خالد بن عبّاد على الشعر على أنّه للتيميّ فقال:
وما علم الكرام بجوع كلب … عوى والكلب عادته العواء
وتيم اللات لا ترجى لخير … وتيم اللات تفضلها النساء
وأمّا عتبة بن يزيد: فله عقب بالشام.
وكذلك يزيد بن يزيد وعقبه بالبصرة.
وكانت عند عثمان بن يزيد كاملة بنت زياد الكلبيّة، وبعضهم يقول:
هي ابنة زياد بن أبي سفيان.
وولد محمد بن يزيد: محمد بن محمد لأمّ ولد.
стр. 2124
ولد زياد بن أبي سفيان
ولد زياد: عبد الرحمن، والمغيرة وبه كان يكنى زياد، ومحمدا، وأبا سفيان، أمّهم معاذة عقيليّة من بني خفاجة؛ وسلم بن زياد، لأمّ ولد؛ وعثمان، وعبّادا، والربيع، وأبا عبيدة، ويزيد، لأمّهات أولاد شتّى؛ وعنبسة، وأمّ معاوية، أمّهما بنت عثمان بن أبي العاص الثقفي؛ وعمرا، امّه بنت القعقاع بن معبد بن زرارة؛ والغصن، وعتبة بن زياد، وأبان بن زياد، وجعفر بن زياد، وإبراهيم، وسعيدا، لأمّهات أولاد؛ وبنات منهنّ أمّ حبيب، أمّها خزاعيّة، ورملة، وريطة، وصخرة؛ وأم أبان، أمّها لبابة بنت أوفى الحرشى؛ وجويرية؛ وعبد الله، وعبيد الله، أمّهما مرجانة أمّ ولد.
فأمّا جويرية فكانت عند عبد الرحمن بن عبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب؛ وأمّا أمّ أبان فكانت عند عبيد الله بن عبيد الله بن معمر التيمي من قريش؛ وأمّا صخرة فكانت عند عبيد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ وأمّا رملة فكانت عند اميّة بن عبد الله بن
стр. 2125
خالد بن أسيد؛ وأمّا ريطة فكانت عند روّاد بن أبي بكرة، وأمّا أمّ حبيب فكانت عند أبي الصهباء بن عامر.
وأمّا عبد الرحمن بن زياد فكان يكنى أبا خالد ولاّه معاوية خراسان فأصاب مالا فقال: أعيش مائة سنة وأنفق كلّ يوم ألف درهم، ثم قدم البصرة فأتلف ذلك المال قبل موته، ومات بالبصرة وله عقب بها، وكانت عنده فاختة بنت عتبة بن أبي سفيان.
وأمّا المغيرة بن زياد فلا عقب له؛ وأمّا محمد فكانت عنده صفيّة بنت معاوية ولا عقب له؛ وأمّا أبو سفيان فكانت عنده بنت حكيم بن قيس بن عاصم فهرب من الطاعون الجارف إلى البادية، فطعن بالبادية فمات وله عقب بالبصرة.
وأمّا سلم فيكنّى أبا حرب وكان أجود بني زياد، وولي خراسان ليزيد بن معاوية وفيه يقول زياد الأعجم:
إلى سلم أبي حرب ابن حرب … غدت سفواء من فره البعال
فما عدلت يمينك من يمين … ولا عدلت شمالك من شمال (١)
وفيه يقول ابن عرادة السعدي:
يقولون اعتذر من حبّ سلم … إذا لا يقبل الله اعتذاري
تخيرت الملوك فحلّ رحلي … إلى سلم ولم يخب اختياري
ولم يزل بخراسان حتى مات يزيد فقدم البصرة، ثم أتى ابن الزبير وقد ظهر بمكة فحبسه وأغرمه أربعة آلاف ألف درهم فاحتال لصاحب سجن ابن
стр. 2126
الزبير حتى أخرجه أيّام قدم الحجّاج مكة، فلحق بعبد الملك بن مروان، فكتب له عهده على خراسان فقدم البصرة فمات بها وله بها عقب.
وأمّا عبّاد بن زياد، ويكنى أيضا أبا حرب، فولاّه معاوية سجستان، ويقال ولاّه إيّاها أخوه، وكان منزله بالشام، وكان صاحب خيل يسابق عليها، فقال الراجز:
سبق عبّاد وصلّى وثلث … بأعوجيّات قليلات اللبث (١)
وفيه يقول الأخطل:
وما أرض عبّاد إذا ما أتيتها … بحزن ولا أعطانها بجدوب
ربيع لهلاّك البلاد إذا ارتمت … رياح الثرّيا من صبا وجنوب
حباني بطرف أعوجيّ وقينة … من البربريّات الحسان لعوب
إليه أشار الناظرون كأنّه … هلال بدا للناس بعد غيوب
ولولا أبو حرب وفيض بحاره … علينا رمانا دهرنا بخطوب
كريم مناخ القوم لا عاتم القرى … ولا عند أطراف القنا بهيوب (٢)
في أبيات؛ وقال الأخطل أيضا:
إلى فتى لا تخطّاه الرفاق ولا … جدب الخوان إذا ما استحسن المرق
موطّأ البيت محمود شمائله … عند الحمالة لا كزّ ولا عوق (٣)
стр. 2127
وله عقب بالشام والبصرة، ومات سنة مائة بجرود (١)، وكان صديقا لعليّ بن عبد الله بن عبّاس، وهو كلّم الوليد فيه حين ضربه وأقامه في الشمس.
وأمّا الربيع بن زياد فكان أعرج وكانت عنده تاجة بنت القعقاع بن شور الذهلي وله عقب بالبصرة قليل.
وأمّا أبو عبيدة فولاّه سلم بن زياد كابل وأسر ففداه بسبعمائة ألف درهم، وله عقب بالبصرة.
وأمّا يزيد بن زياد، فإنّ سلما ولاّه سجستان، فقتله العدوّ ولا عقب له.
فأمّا الغصن فمات وهو غلام لا عقب له.
وأمّا عمرو فهلك وهو غلام، ولا عقب له.
أمّا عتبة فله عقب بالبصرة.
وأمّا أبان فلا عقب له.
فأمّا جعفر فكان من أشدّ الناس ولا عقب له.
وأمّا إبراهيم بن زياد فقتل مع ابن الأشعث ولا عقب له.
وأمّا سعيد بن زياد فله عقب.
وأمّا عبد الله فله عقب قليل بالبصرة.
стр. 2128
وأما عبيد الله بن زياد:
فكان يكنى أبا حفص، وكان جميلا أرقط، ولاّه معاوية خراسان، ثم ولي بعد أبيه البصرة، وولاّه الكوفة بعد ابن أمّ الحكم، وهو قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵉، وقد كتبنا خبره وخبر الحسن في أخبار آل أبي طالب؛ وأخرجه أهل البصرة حين مات يزيد فصار إلى الشأم، ثم قتل بالخازر وهو نهر بالموصل بالقرب من الزاب، فقال فيه ابن مفرّغ الحميري:
إن الذي عاش ختّارا بذمته … ومات عبدا قتيل الله بالزاب (١)
وكان يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرّغ الحميري صديقا لسعيد بن عثمان بن عفّان فسأله أن يخرج معه إلى خراسان حين ولاّه إيّاها معاوية فلم يفعل، وصحب عبّاد بن زياد، وقد ولي سجستان، فجفاه ولم ير منه
стр. 2129
ما يحبّ فهجاه، فأمر عبّاد غرماءه أن يستعدوا عليه ففعلوا فباع غلاما له يقال له برد كان ربّاه وجارية له يقال لها أراكة وقضى غرماءه ثمنها وقال:
لهفي على الأمر الذي … كانت عواقبه ندامة
تركي سعيدا ذا الندى … والبيت يعمد بالدعامة
وصحبت عبد بني علا … ج تلك أشراط القيامة
وشريت بردا ليتني … من بعد برد كنت هامه
[يا] هامة تدعو الصدى … بين المشقّر واليمامة (١)
ثم هرب فكتب عبّاد الى عبيد الله اخيه بهجاء ابن المفرّغ، فألفاه الكتاب وهو عند معاوية وافدا عليه، فاستأذن معاوية في قتله فقال: لا ولكن ما دون القتل، فأتى ابن مفرّغ البصرة، فاستخفى عند المنذر بن الجارود العبدي، وكانت ابنته عند عبيد الله بن زياد، فلما قدم عبيد الله البصرة طلب يزيد بن المفرّغ وجعل يستدل عليه حتى قيل له هو عند المنذر، فبعث إلى المنذر من أتاه به والمنذر لا يعلم، فكّلمه المنذر فيه فلم يجبه ابن زياد، وأخذ ابن المفرّغ فقيّده وحبسه، ثم دعا به فحمل على جمل عود (٢)، ويقال: على حمار، وقرن به خنزيرة وسقاه مسهلا وأمر أن يطاف به في الأسواف والمحالّ وجعلت الخنزيرة تصيح من شدة وثاقها فيقول ابن المفرّغ:
ضجّت سميّة لمّا مسّها القرن
стр. 2130
وأقبل يسلح في ثيابه، ويقال: إنّه ضربه مع هذا بالسياط، ورآه رجل من الفرس فقال ابن شبست؟ فقال ابن مفرّغ: آب است نبيذ است، عصارات زبيب است، سميّة روسبي است، وفي ذلك يقول:
يغسل الماء ما صنعت وشعري … راسخ في العظام منك البوالي (١)
وذكر بعضهم: أنّ شعرا قيل في معاوية نسب إلى ابن مفرّغ فاحتمل عليه غيظا وهو:
ألا أبلغ معاوية بن حرب … مغلغلة من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عفّ … وترضى أن يقال أبوك زان
فأقسم أنّ رحمك من زياد … كرحم الفيل من ولد الأتان (٢)
وبعضهم يقول أنّ الشعر لابن قتّة.
ثم إن وجوه أهل الشام كلّموا معاوية في أمر ابن مفرغ، لليمانية، وقالوا: شاعرنا وقد تعدّى عليه ابن زياد وفضحه، وخرج طلحة الطّلحات في أمره إلى معاوية، فكتب معاوية بإطلاقه، فأطلقه ابن زياد وعاتبه فقال له ابن مفرّغ: إنّي أحبّ أن أنزل كرمان لئلاّ تبلغ عنّي شيئا، فكتب له إلى عامله على كرمان بصلة، وأمره ان يقطعه بها قطيعة ففعل، ولم يزل بكرمان حتى هرب ابن زياد إلى الشام من البصرة فقدم البصرة.
وحدثني أبو عدنان الأعور عن أبي زيد الأنصاري قال: كتب عبّاد بن زياد إلى أخيه عبيد الله بشعر لابن مفرغ يقول فيه:
стр. 2131
إذا أودى معاوية ابن حرب … فبشّر شعب قعبك بانصداع
شهدت بأنّ أمّك لم تباشر … أبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمر فيه لبس … على وجل شديد وارتياع (١)
فأنشده عبيد الله معاوية وكان قد وفد إليه، واستأذنه في قتل ابن مفرغ، فقال: أمّا القتل فلا ولكن أدّبه.
وقدم ابن مفرّغ البصرة هاربا من عبّاد بن زياد، فاستجار الأحنف فقال: إنّي لا أجير على ابن سميّة، فإن شئت كفيتك شعراء بني تميم فقال:
ذلك مالا أبالي ألاّ أكفاه، فأتى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فوعده أن يكلّم فيه ابن زياد، ووعده عمرو بن عبيد الله بن معمر مثل ذلك، ثم أتى المنذر بن الجارود فأجاره، وكانت ابنته بحريّة عند ابن زياد، فلما قدم عبيد الله البصرة دسّ إليه من أتاه به، فسقاه دواء سلّحه في ثيابه وهو على حمار يطاف به فقال ابن مفرغ:
تركت قريشا أن أجاور فيهم … وجاورت عبد القيس أهل المشقّر
أناسا أجاروني فكان جوارهم … أعاصير من فسو العراق المبذّر
فأصبح جاري نائما متبسّطا … ولا يمنع الجيران غير المشمّر (٢)
وقال أيضا:
أصبحت لا من بني بكر فتنصرني … بكر العراق ولم تغضب لنا مضر
ولم تكلّم قريش في حليفهم … إذ غاب ناصره بالشام واحتضروا (٣)
стр. 2132
وكلّمت اليمانية معاوية في أمره فأرسل رسولا إلى عبيد الله وأمره بحمل ابن مفرّغ معه، وكان قد أشخصه إلى أخيه عبّاد وهو بسجستان، فردّ وأتي به معاوية فقال في طريقه:
فما إن لعبّاد عليك إمارة … نجوت وهذا تحملين طليق
لعمري لقد نجّاك من هوّة الردى … إمام وحبل للأمير وثيق
سأشكر ما أوليت من فضل نعمة … ومثلي بشكر المنعمين حقيق (١)
فلما دخل على معاوية بكى وقال: ركب منّي ما لم يركب من مسلم على غير حدث ولا جرم، فقال ألست القائل:
ألا أبلغ معاوية بن حرب … مغلغلة من الرجل اليماني
وأنشده أشعارا بلغته عنه، فحلف أنّه لم يقلها فقال: اذهب فقد عفوت عنك وانظر أيّ بلد تحبّ أن تسكنه فاسكنه، فنزل الموصل ثم ارتاح للبصرة فقدمها ودخل على عبيد الله بن زياد فآمنه.
قالوا: ولم يزل عبيد الله على البصرة حتى مات معاوية فأقرّه يزيد بن معاوية على ما ولاه أبوه.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي عن موسى بن إسماعيل عن عبد الحميد بن عبد الله عن ثابت البناني قال: كنت عند الحسن فقام سائل ضرير البصر فقال: تصدّقوا على من لا قائد له يقوده ولا بصر يهديه، فقال الحسن:
ذاك صاحب هذه الدار - يعني عبيد الله بن زياد - ما كان له من حشمه قائد يقوده إلى خير ولا يشير به عليه ولا كان له بصر يبصر به فينفعه.
стр. 2133
قالوا: وكان عبيد الله بن زياد أوّل من طلب المثالب وعني بجمعها ليعارض الناس بمثل ما يقولون فيه.
أبو الحسن المدائني، قال: كان ابن زياد يقول حبّذا الإمارة لولا قعقعة البريد والتشزّن (١) للخطب.
وقال الهيثم بن عديّ: قال عبيد الله للاحنف: أيّ الشراب أطيب؟ قال: الخمر، قال: كيف علمت ذلك؟ قال: إنّي رأيت من استحلّها لا يتعدّاها، ومن حرمها يتناولها فعلمت أنها أطيبه، فضحك عبيد الله وقال:
صدقت.
قال: وكان ابن زياد يغري بين الشعراء فقال يوما لحارثة بن بدر الغداني أهج أنس بن زنيم فقال أعفني فلم يعفه فقال:
وحدّثت عن أنس أنّه … قليل الأمانة خوّانها
بصير بما ضرّ منه الصديق … وشرّ الأخلاء عورانها
فقال أنس:
أتتني رسالة مستكره … فكان جوابي غفرانها
وقال المدائني عن مسلمة: ولّى ابن زياد جزء بن معاوية عمّ الأحنف الفرات فاختان مائة ألف درهم، وعرف الأحنف ذلك فأخبر به ابن زياد فقال له عبيد الله: هات خاتمك فأخذه منه وبعث به إلى أهله مع رسل له:
هذا خاتم جزء وابعثوا بالمال الذي قدم به، فبعثوا بالمائة الألف مع رسل ابن
стр. 2134
زياد، فقال جزء للأحنف: لا جزاك الله عن الرحم خيرا، فقال الأحنف:
وأنت فلا جزاك الله عن الأمانة خيرا، ويقال: إنّ زيادا فعل هذا.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن أبي زبيد عن أبي حصين قال:
بلغ يزيد بن معاوية أنّ الحسين ﵇ يريد الخروج إلى الكوفة فغمّه ذلك وساءه فأرسل إلى سرجون مولاهم وكان كاتبه وأنيسه فأستشاره فيمن يولّيه الكوفة فأشار بعبيد الله بن زياد، فقال: إنّه لا خير عنده، قال: أرأيت لو كان معاوية حيّا فأشار عليك به أكنت تولّيه؟ قال: نعم، قال: فهذا عهد معاوية إليه بخاتمه وقد كان وّلاه فلم يمنعني أن أعلمك ذلك إلا معرفتي ببغضك له، فأنفذه إليه وعزل النعمان بن بشير، وكتب إليه: أمّا بعد فإنّ الممدوح مسبوب يوما، وإنّ المسبوب ممدوح يوما، وقد سمي بك يوما إلى غاية أنت فيها كما قال الأوّل:
رفعت فجاوزت السحاب وفوقه … فما لك إلا مرقب الشمس مقعد
حدثني عمر بن شبّة حدثنا موسى بن اسماعيل وحدثني يوسف بن موسى القطّان قالا: حدثني حكّام عن عمرو بن معروف عن ليث عن مجاهد قال: قال عليّ ﵇ وهو بالكوفة: كيف أنتم إذا أتاكم أهل بيت نبيّكم يحمل قوّيهم ضعيفهم؟ فقالوا: نفعل ونفعل، فحرّك رأسه ثم قال:
توردون، ثم تعرّدون (١)، ثم تطلبون البراءة ولا براءة لكم.
وحدثني صديق لي عن يوسف بن موسى أنّ في حديثه: وتعينون عليه شرّ أهل زمانه في نسبه وسيرته.
стр. 2135
حدثنا عمر بن شبّة حدثنا محمد بن حاتم حدثنا القاسم بن مالك حدثنا مسعر بن كدام عن معبد بن خالد قال: قال لنا مروان: صلّوا مع ابن زياد واجعلوا صلاتكم معه سبحة.
حدثني يوسف بن موسى حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: أوّل من جهر بالمعوّذتين في الصلاة عبيد الله ابن مرجانة.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا أبو داود حدثنا المسعودي عن عليّ بن مدرك قال: أتي ابن زياد بابن مكعبر فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه، فقال علقمة سمعت ابن مسعود يقول: أعصى الناس قتله اهل الإيمان.
قالوا: وبنى ابن زياد مسجد الكوفة ووهى بعض ما بنى فبناه يوسف بن عمر.
قالوا: وتزوّج عبيد الله بن زياد هندا بنت أسماء بن خارجة الفزاري، فعاب ذلك على أسماء محمد بن عطارد، ومحمد بن الأشعث بن قيس، فتزوّج أمّ النعمان ابنة محمد بن الأشعث، وزوّج أخاه عثمان بن زياد ابنة محمد بن عمير، وزوّج أخاه عبد الله بن زياد ابنة عمرو بن حريث المخزومي، فقال ابن الزّبير الأسدي:
لقد أنكحت خوف الهزل عبدا … وصهر العبد أدنى للهزال
ويقال إنّ عقبة الأسدي تقلّد سيفا ليفتك بهند فلم يمكنه ذلك فقال:
أردت بها أمرا قضى الله غيره … وليس لأمر حمّه الله مدفع
وأقسم لو عاينتها لكسوتها … بتوكا إذا عضّ الضريبة يقطع
стр. 2136
وقال أيضا:
جزاك الله يا أسماء خيرا … كما أرضيت فيشلة (١) الأمير
بفرج قد يفوح المسك منه … عظيم مثل كركرة البعير
وذي حبك كأنّ الجمر فيه … يشبّه حرّه لهب السعير
وقال الهيثم بن عديّ: أرسل ابن زياد مولى له إلى أسماء قبل ولاية ابن زياد الكوفة وهو بالبصرة يخطب عليه ابنته فزوّجه إيّاها، فقال له عمرو بن حريث: أزوّجته ولا سلطان له عليك؟ فلمّا قدم الكوفة زوّج أخاه ابنة عمرو بن حريث، قال: وقال عبيد الله بن زياد لجرير بن عبد الله البجلي زوّجني ابنتك قال: قد زوّجتها من عمرو بن حريث، قال: أكذاك يا عمرو؟ قال: نعم، فلما خرجا زوّجه إيّاها.
المدائني عن جرير بن حازم عن الحسن وعن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم، قالا: ما رأينا أحدا شرّا من ابن زياد:
وقال الأعمش: كان مملوءا شرّا ونغلا.
المدائني، قال: هجا عبد الله بن همّام عمرو بن نافع - مولى بني أميّة - وكان يتولى ديوان الكوفة لزياد - فلما ولي عبيد الله وشي به إليه فطلبه فهرب إلى يزيد بن معاوية، ومدح عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان واستجار به في شعر يقول فيه:
أراك إذا أجرت على أمير … وثيق عرى الأمانة والجوار
فإنّي لا أبثّك بثّ فقري … ولكنّي أحاذر من طمار
أعوذ من العقوبة يا بن حرب … ومعقد ما عقدت من الإزار
стр. 2137
وكان ابن زياد إذا غضب على رجل ألقاه من فوق قصر الكوفة، وطمار كلّ مرتفع.
حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ قال: اذن ابن زياد إذنا عامّا فدخل الناس عليه فزحم غسّان بن نباتة - أخو الأصبغ بن نباتة المجاشعي - عمرو بن الزبير فلما استقرّ بهم المجلس، رفع عمرو يده فلطم لبيد بن عطارد بن حاجب بن زرارة، فغضبت له بنو تميم، وكلّم الناس لبيدا فقال: لا أطلبها أبدا، وبلغ الخبر أهل الكوفة فقال عبد الله بن الزبير الأسدي.
فلا يصرم الله اليمين التي علت … على البغض والشحناء أنف لبيد
فآب بنو ولد أستها بمضاعف … من اللطم لا يحصونه بعديد
نمت بك أعراق الزبير وهاشم … وعرق نمى من خالد بن سعيد
أمّ عمرو أمّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص أبي أحيحة، وأمّ الزبير صفيّة بنت عبد المطّلب بن هاشم، فقال مسكين الدارمي وهو [ابن] عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس:
معاذ الله أن تلفى ركابي … سراعا إذ وردن على ضمير
طوال الدّهر أو يرضى لبيد … وكان الضيف محقوقا بخير
ستلطم منذرا أو وجه عمرو … ولو دخلا بيثرب في است عير
فإن تك لطمة أدركتموها … فلمّا تدركوا بدم الزبير (١)
وكان المنذر وافدا على عبيد الله بن زياد حين ولي الكوفة، وكان صديقا له فرصده رجال من بني تميم منهم نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، ورجل من بني ظاعنة إخوة تميم، وهم حلفاء لبني عبد الله بن دارم، وثالث معهم، وجاء المنذر يوم جمعة يريد المسجد فلطمه أحدهم، ثم الثاني، ثم
стр. 2138
الثالث، فدخل المنذر على عبيد الله فقال له: ما أتيتك حتى ظننت أنّ الجدران ستلطمني، فأرسل ابن زياد إلى محمد بن عمير، ولم يكن فيمن لطمه، إلا أنّه قد أمرهم بذلك، فحبسه في السجن، وأخذ نعيما وأصحابه فضربهم بالسياط، وقال بعضهم: إنّه قطع أيديهم.
وقال ابن الأعرابي قال المفضّل الضبّي: لما قدم منذر بن الزبير على ابن زياد بعد لطم عمرو لبيدا، لطم محمد بن عمير منذرا، فأخذه ابن زياد فضربه وجاءت بنو أسد بن خزيمة فجعلت تلطم بني تميم، فيقال: إنّه لم يبق من بني تميم أحد يظهر إلا لطم، فقال الشاعر:
ونحن لطمنا منذرا يوم جمعة … إذا نهلت منّا الأكفّ نعيدها
لطمناه حتّى أسبلت بدمائها … خياشيم كانت مستكنّا فصيدها
رأى منذر دفّاع موج عرمرم … وكثرة أيد لم يجد من يذودها
فقل لبني العوّام ينهوا سفيههم … عن الجهل لا تنكأ بلطم خدودها
وقد روى بعضهم أنّ عمر بن سعد بن أبي وقّاص نازع ابن أمّ الحكم عند معاوية، فأجابه لبيد عن ابن أمّ الحكم، وكان ابن أمّ الحكم مائلا إلى بني حنظلة، فقام معاوية فدخل إلى أهله، فقال عمر بن سعد: يا معاشر قريش أما أحد يكفيني هذا الكلب التميمي؟ فقال عمرو بن الزبير لغلام له:
ائت صاحب العمامة الحمراء فاكسر أنفه، ففعل الغلام، فصاح لبيد: يا أمير المؤمنين أيفعل بي هذا في مجلسك؟ فخرج معاوية وأمر بضرب الغلام، فقال لبيد: ما يقنعني هذا، فقال: أيضربك الغلام وأضرب عمرا؟ لست بفاعل، وبلغ ذلك بني تميم ففعلوا بعد ذلك ما فعلوا والله أعلم.
стр. 2139
وقال المدائني: حبس ابن زياد عبد الله بن الحارث بن نوفل وأراد قتله لإحنة كانت في صدور آل زياد عليه، وبلغ خبره خالاته بنات أبي سفيان، لأنّ أمّه هند بنت أبي سفيان، فكلّمن يزيد فيه وقلن: إنّا لا نأمن عليه، فوجّه يزيد رسولا وكتب معه إلى ابن زياد بتخلية سبيله، وكتب للرسول منشورا، فانطلق الرسول إلى عبيد الله فأخرجه، وكان مع المختار في محبس واحد حين حبس ابن زياد المختار.
قالوا: وكان زياد يطعم الناس بالغداة والعشيّ، إلا يوم الجمعة فإنّه كان يعشّي ولا يغدّي، وكان لا يردّ عن طعامه أحد، وكان يتمجّع (١) عنده بالغداة اللبن من حضره، وكان لعبيد الله بن زياد طعام لخاصّته وحرسه ولم يكن له طعام للعامّة، وكان عبيد الله أكولا يأكل في اليوم خمس أكلات آخرها جبنة بعسل توضع بين يديه بعد فراغه من الطعام، وكان يأكل جديا أو عناقا (٢) يتخيّر له في كلّ يوم فيأتي عليه، ومرّ بالطفّ فقال له رجل من بني أسد:
أتتغدّى أصلح الله الأمير؟ فأكل عنده عشر بطّات وزبيلا من عنب، ثم عاد وأكل عشر بطّأت أخر وزبيلا من عنب وجديا.
وحدثنا المدائني عن عبد الله بن سلم وعن عامر بن فائد قالا: قال الحسن: قدم علينا عبيد الله بن زياد فقدم شابّا مترفا فاسقا يأكل في اليوم خمس أكلات، وإن فاتته أكلة ظلّ لها صريعا يتّكئ على شماله ويأكل بيمينه،
стр. 2140
حتى إذا غلبت عليه الكظّة (١) قال: أبغوني حاطوما (٢)، ثكلتك أمّك إنّما تحطم دينك.
وقال ابن الكلبي وغيره: حلف ابن زياد ليقتلنّ المختار بن أبي عبيد، فسمع ذلك أسماء بن خارجة، وعروة بن المغيرة، فدخلا عليه فأخبراه بذلك، وقالا: أوصنا في مالك واحفظ لسانك، فقال: كذب والله ابن مرجانة الزانية، والله لأقتلّنه ولأضعنّ رجلي على خدّه، فقال أسماء: يا أبا اسحاق قد كانت تبلغنا عنك أشياء فأمّا إذ سمعنا منك هذا القول فما فيك مستمتع، ثم نهضا متعجّبين من قوله مستحمقين له، وبكرا إلى ابن زياد فإذا زائدة بن قدامة الثقفي قد دخل عليه بكتاب من يزيد بن معاوية يعلمه فيه أنّ عبد الله بن عمر كتب إليه فيه، ويعزم عليه أن يخلّي سبيله، فقال لزائدة:
يا بن جمانة أيّ الرجلين: الكذّاب الذي في محبسي أم الخارج بغير إذني (٣)؟ ثم أمر به فوجئت عنقه وقال: انطلقوا به إلى الحبس، فقام إليه مسلم بن عمرو الباهلي فطلب فيه حتى أخرجه من الحبس وقال للمختار: يا كذّاب قد أجّلتك ثلاثا فلا تساكنّي، ففكّت قيوده بالعذيب.
وقال عقيبة الأسدي، وهو عقيبة بن هبيرة بن فروة بن عمرو بن عبيد بن أسعد بن جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد: