وقال أيضا:
جزاك الله يا أسماء خيرا … كما أرضيت فيشلة (١) الأمير
بفرج قد يفوح المسك منه … عظيم مثل كركرة البعير
وذي حبك كأنّ الجمر فيه … يشبّه حرّه لهب السعير
وقال الهيثم بن عديّ: أرسل ابن زياد مولى له إلى أسماء قبل ولاية ابن زياد الكوفة وهو بالبصرة يخطب عليه ابنته فزوّجه إيّاها، فقال له عمرو بن حريث: أزوّجته ولا سلطان له عليك؟ فلمّا قدم الكوفة زوّج أخاه ابنة عمرو بن حريث، قال: وقال عبيد الله بن زياد لجرير بن عبد الله البجلي زوّجني ابنتك قال: قد زوّجتها من عمرو بن حريث، قال: أكذاك يا عمرو؟ قال: نعم، فلما خرجا زوّجه إيّاها.
المدائني عن جرير بن حازم عن الحسن وعن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم، قالا: ما رأينا أحدا شرّا من ابن زياد:
وقال الأعمش: كان مملوءا شرّا ونغلا.
المدائني، قال: هجا عبد الله بن همّام عمرو بن نافع - مولى بني أميّة - وكان يتولى ديوان الكوفة لزياد - فلما ولي عبيد الله وشي به إليه فطلبه فهرب إلى يزيد بن معاوية، ومدح عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان واستجار به في شعر يقول فيه:
أراك إذا أجرت على أمير … وثيق عرى الأمانة والجوار
فإنّي لا أبثّك بثّ فقري … ولكنّي أحاذر من طمار
أعوذ من العقوبة يا بن حرب … ومعقد ما عقدت من الإزار
стр. 2137
وكان ابن زياد إذا غضب على رجل ألقاه من فوق قصر الكوفة، وطمار كلّ مرتفع.
حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ قال: اذن ابن زياد إذنا عامّا فدخل الناس عليه فزحم غسّان بن نباتة - أخو الأصبغ بن نباتة المجاشعي - عمرو بن الزبير فلما استقرّ بهم المجلس، رفع عمرو يده فلطم لبيد بن عطارد بن حاجب بن زرارة، فغضبت له بنو تميم، وكلّم الناس لبيدا فقال: لا أطلبها أبدا، وبلغ الخبر أهل الكوفة فقال عبد الله بن الزبير الأسدي.
فلا يصرم الله اليمين التي علت … على البغض والشحناء أنف لبيد
فآب بنو ولد أستها بمضاعف … من اللطم لا يحصونه بعديد
نمت بك أعراق الزبير وهاشم … وعرق نمى من خالد بن سعيد
أمّ عمرو أمّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص أبي أحيحة، وأمّ الزبير صفيّة بنت عبد المطّلب بن هاشم، فقال مسكين الدارمي وهو [ابن] عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس:
معاذ الله أن تلفى ركابي … سراعا إذ وردن على ضمير
طوال الدّهر أو يرضى لبيد … وكان الضيف محقوقا بخير
ستلطم منذرا أو وجه عمرو … ولو دخلا بيثرب في است عير
فإن تك لطمة أدركتموها … فلمّا تدركوا بدم الزبير (١)
وكان المنذر وافدا على عبيد الله بن زياد حين ولي الكوفة، وكان صديقا له فرصده رجال من بني تميم منهم نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، ورجل من بني ظاعنة إخوة تميم، وهم حلفاء لبني عبد الله بن دارم، وثالث معهم، وجاء المنذر يوم جمعة يريد المسجد فلطمه أحدهم، ثم الثاني، ثم
стр. 2138
الثالث، فدخل المنذر على عبيد الله فقال له: ما أتيتك حتى ظننت أنّ الجدران ستلطمني، فأرسل ابن زياد إلى محمد بن عمير، ولم يكن فيمن لطمه، إلا أنّه قد أمرهم بذلك، فحبسه في السجن، وأخذ نعيما وأصحابه فضربهم بالسياط، وقال بعضهم: إنّه قطع أيديهم.
وقال ابن الأعرابي قال المفضّل الضبّي: لما قدم منذر بن الزبير على ابن زياد بعد لطم عمرو لبيدا، لطم محمد بن عمير منذرا، فأخذه ابن زياد فضربه وجاءت بنو أسد بن خزيمة فجعلت تلطم بني تميم، فيقال: إنّه لم يبق من بني تميم أحد يظهر إلا لطم، فقال الشاعر:
ونحن لطمنا منذرا يوم جمعة … إذا نهلت منّا الأكفّ نعيدها
لطمناه حتّى أسبلت بدمائها … خياشيم كانت مستكنّا فصيدها
رأى منذر دفّاع موج عرمرم … وكثرة أيد لم يجد من يذودها
فقل لبني العوّام ينهوا سفيههم … عن الجهل لا تنكأ بلطم خدودها
وقد روى بعضهم أنّ عمر بن سعد بن أبي وقّاص نازع ابن أمّ الحكم عند معاوية، فأجابه لبيد عن ابن أمّ الحكم، وكان ابن أمّ الحكم مائلا إلى بني حنظلة، فقام معاوية فدخل إلى أهله، فقال عمر بن سعد: يا معاشر قريش أما أحد يكفيني هذا الكلب التميمي؟ فقال عمرو بن الزبير لغلام له:
ائت صاحب العمامة الحمراء فاكسر أنفه، ففعل الغلام، فصاح لبيد: يا أمير المؤمنين أيفعل بي هذا في مجلسك؟ فخرج معاوية وأمر بضرب الغلام، فقال لبيد: ما يقنعني هذا، فقال: أيضربك الغلام وأضرب عمرا؟ لست بفاعل، وبلغ ذلك بني تميم ففعلوا بعد ذلك ما فعلوا والله أعلم.
стр. 2139
وقال المدائني: حبس ابن زياد عبد الله بن الحارث بن نوفل وأراد قتله لإحنة كانت في صدور آل زياد عليه، وبلغ خبره خالاته بنات أبي سفيان، لأنّ أمّه هند بنت أبي سفيان، فكلّمن يزيد فيه وقلن: إنّا لا نأمن عليه، فوجّه يزيد رسولا وكتب معه إلى ابن زياد بتخلية سبيله، وكتب للرسول منشورا، فانطلق الرسول إلى عبيد الله فأخرجه، وكان مع المختار في محبس واحد حين حبس ابن زياد المختار.
قالوا: وكان زياد يطعم الناس بالغداة والعشيّ، إلا يوم الجمعة فإنّه كان يعشّي ولا يغدّي، وكان لا يردّ عن طعامه أحد، وكان يتمجّع (١) عنده بالغداة اللبن من حضره، وكان لعبيد الله بن زياد طعام لخاصّته وحرسه ولم يكن له طعام للعامّة، وكان عبيد الله أكولا يأكل في اليوم خمس أكلات آخرها جبنة بعسل توضع بين يديه بعد فراغه من الطعام، وكان يأكل جديا أو عناقا (٢) يتخيّر له في كلّ يوم فيأتي عليه، ومرّ بالطفّ فقال له رجل من بني أسد:
أتتغدّى أصلح الله الأمير؟ فأكل عنده عشر بطّات وزبيلا من عنب، ثم عاد وأكل عشر بطّأت أخر وزبيلا من عنب وجديا.
وحدثنا المدائني عن عبد الله بن سلم وعن عامر بن فائد قالا: قال الحسن: قدم علينا عبيد الله بن زياد فقدم شابّا مترفا فاسقا يأكل في اليوم خمس أكلات، وإن فاتته أكلة ظلّ لها صريعا يتّكئ على شماله ويأكل بيمينه،
стр. 2140
حتى إذا غلبت عليه الكظّة (١) قال: أبغوني حاطوما (٢)، ثكلتك أمّك إنّما تحطم دينك.
وقال ابن الكلبي وغيره: حلف ابن زياد ليقتلنّ المختار بن أبي عبيد، فسمع ذلك أسماء بن خارجة، وعروة بن المغيرة، فدخلا عليه فأخبراه بذلك، وقالا: أوصنا في مالك واحفظ لسانك، فقال: كذب والله ابن مرجانة الزانية، والله لأقتلّنه ولأضعنّ رجلي على خدّه، فقال أسماء: يا أبا اسحاق قد كانت تبلغنا عنك أشياء فأمّا إذ سمعنا منك هذا القول فما فيك مستمتع، ثم نهضا متعجّبين من قوله مستحمقين له، وبكرا إلى ابن زياد فإذا زائدة بن قدامة الثقفي قد دخل عليه بكتاب من يزيد بن معاوية يعلمه فيه أنّ عبد الله بن عمر كتب إليه فيه، ويعزم عليه أن يخلّي سبيله، فقال لزائدة:
يا بن جمانة أيّ الرجلين: الكذّاب الذي في محبسي أم الخارج بغير إذني (٣)؟ ثم أمر به فوجئت عنقه وقال: انطلقوا به إلى الحبس، فقام إليه مسلم بن عمرو الباهلي فطلب فيه حتى أخرجه من الحبس وقال للمختار: يا كذّاب قد أجّلتك ثلاثا فلا تساكنّي، ففكّت قيوده بالعذيب.
وقال عقيبة الأسدي، وهو عقيبة بن هبيرة بن فروة بن عمرو بن عبيد بن أسعد بن جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد:
стр. 2141
لبس ابن زياد كساء الخزّ منكرة … لكن كساء زياد كان من صوف
نجار فهر مبين في توسّمهم … لكن نجار زياد غير معروف
لستم قريشا ولكن أنتم نبط … صهب اللحى والنواصي صهبة الليف
فكان عبيد الله بن زياد يذكر هذا الشعر ثم يقول: كذب ابن الفاعلة.
حدثني الحرمازي قال: كان سعيد بن شدّاد اليربوعي معلّما، وكان ابن زياد يستملحه ويدعو به كثيرا، فابطأت عليه صلته، وقال ابن زياد يوما:
ما أحوجني إلى وصفاء، فعمد إلى صبية في كتّابه فألبسهم الثياب وأتاه بهم وقال: هؤلاء وصفاء، فاشتراهم منه، فلمّا أمسوا جعلوا يبكون ويطلبون منازلهم، فأطلقهم ابن زياد وقال لسعيد: ما حملك على هذا؟ قال: إبطاء صلتي، فضحك وسوّغه أثمان الصبيان وزاده.
قالوا: ولم يزل ابن زياد على العراقين حتى مات يزيد بن معاوية، وهو يومئذ بالبصرة، وعلى الكوفة من قبله عمرو بن حريث، ومات أبو ليلى بعد أبيه بيسير، فأخرج أهل الكوفة عمرا، وتراضوا بعامر بن مسعود الجمحي، وهو دحروجة الجعل وكان قصيرا (١).
قالوا: ولما طلب ابن زياد الخوارج تضمّن عبيد الله بن أبي بكرة بعروة بن أديّة فهرب، فقال له ابن زياد: ائتني به وإلا قتلتك، فطلبه أشدّ الطلب وجعل فيه جعلا، فوجد في سرب في دار لبعض بني سفيان، فقرأ عبيد الله قصّته: «إنّا وجدنا عروة يشرب في دار» فضحك عبيد الله وقال:
стр. 2142
كذبتم ليته كان يشرب، فقال له بعض من حضره: انّما وجد بسرب. فلما أدخل عروة عليه قال: جهزّت عليّ أخاك، فقال: والله لقد أردته على المقام فأبى، ولقد كنت ضنينا وبحياته كثيرا، قال: أفأنت على دينه؟ قال: كلّنا نعبد ربّا واحدا، قال: فما قولك فيّ؟ قال: أوّلك لزنية وآخرك لدعوة، قال:
لأمثلنّ بك، قال: اختر لنفسك من القصاص ما أحببت، فأمر به فقطعوا يديه ورجليه، فقال: كيف ترى؟ قال: أراك أفسدت علي دنياي وأفسدت عليك آخرتك، وما أحبّ أنّ الذي نالني نال غيري، فأمر به أن يصلب في داره، فسقط عن الجذع فقال: لا حكم إلا الله ﴿وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١)، فصلب، وسأل ابن زياد رجلا كان يخدم عروة عنه فقال: لم أفرش له بليل مذ صحبته ولم أعدّ له طعاما بنهار.
وتغيّب رجل من بني حنيفة فقتل ابن زياد كفيله.
وقال الرهين بن سهم المرادي:
[يا] نفس قد طال في الدنيا مراوغتي … لا تأمني لصروف الدهر تنغيصا
فأسأل الله بيع النفس محتسبا … حتّى ألاقي في الفردوس حرقوصا
وابن المنيح ومرداسا وإخوته … إذ فارقوا زهرة الدنيا مخاميصا
تخال صفّهم في كلّ معترك … للموت سورا من البنيان مرصوصا (٢)
وحدثنا أبو خيثمة وأحمد بن إبراهيم الدورقي عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن عيسى بن عاصم قال: خرج ابن زياد في رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل جمع الناس وفيهم عروة بن أديّة، فأقبل عروة على ابن زياد
стр. 2143
فقال: خمس كنّ في الأمم قبلنا قد أصبحن فينا، قال الله: ﴿أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (١) وخلّتان أخريان ذكرهما لا أحفظهما، فظنّ ابن زياد أنّه لم يقل له هذا القول إلا وهو في جماعة من أصحابه، فقام فانصرف وترك رهانه، فقيل لعروة: ما صنعت؟ والله ليقتلنّك، فتوارى عروة وطلبه ابن زياد فخرج إلى الكوفة، فأخذه ابن أبي بكرة وكتب إلى ابن زياد: إنّي أخذت عروة بن أدّيّة بسرب فظنّ ابن زياد أنّه كتب: «وجدته يشرب» فلما أتي به أمر فقطعت يداه ورجلاه، ثم قال: كيف ترى؟ قال: أفسدت دنياي وأفسدت عليك آخرتك، ثم بعث برأسه إلى ابنته، فجاءت وجثّته مطروحة بين يدي ابن زياد، فقال لها: أنت على دينه؟ قالت: وكيف لا أكون على دينه وما رأيت قطّ خيرا منه، فأمر بها فقتلت مع أبيها.
وأنشدني أبو الكردي الإباضي لعمران بن حطّان أو سعيد بن مسجوح:
لقد زاد الحياة إليّ بغضا … وحبّا للخروج أبو بلال
وعروة بعده سقيا ورعيا … لعروة ذي الفضائل والمعالي
أخاف أن أموت على فراشي … وأرجو الفتك تحت ذرى العوالي
ولو أنّي وثقت بأنّ حتفي … كحتف أبي بلال لم أبال (٢)
стр. 2144
أمر مالك النميري:
قالوا: أخذ ابن زياد رجلا يقال له مالك بن نمير فقال ابن زياد لنميلة بن مالك: أتعرفه؟ فقال: أبو عزّة الشرطيّ يعرفه لأنه من بني نمير، فقال ابن زياد: قم يا أبا عزّة فاقتله، فقال: دمي دون ديني، فقال ابن زياد: أراد أبو عزّة أن يتشبّه بعبد الله بن عمر، وأمر بحبس أبي عزّة، فكلّمه فيه نميلة فخلّى سبيله، وأمر غير أبي عزّة فقتل مالكا. وقال أبو عزّة.
نميلة إنّ الله أعظم طاعة … على خلقه من طاعة ابن زياد
دمي دون ديني ليس للقتل توبة … بذاك ينادي يا نميل منادي
أمر سليم عبد اليشكري:
قالوا: كان عبد لبعض بني يشكر يقال له سليم يرى رأي الخوارج، ففسد على مولاه فحبسه وحال بينه وبين أصحابه من الخوارج، فجاء قوم من عنزة إلى مولاه فسألوه أن يبيعهم إيّاه فأبى، ثم إنّم فقدوا العبد فعلموا أنّ مولاه قتله، فجاء نفر منهم إلى إبل اليشكري ليلا فعقروها، وقال شاعرهم:
نحن عقرنا الإبل البهازر (١) … بسيف حمران وسيف جابر
واليشكريّ ساء ما يباكر
فكان بين يشكر وعنزة في امر الإبل كلام، فكادوا يقتتلون حتى غرمها حمران العنزي، فقال رجل من بني شيبان:
لقد دربخوا بالإبل بعد نفورهم … كما دربخت للمؤكفين (٢) حميرها
стр. 2145
أمر خالد بن عباد السدوسي في أيّام يزيد، ويقال: في أيّام معاوية،
قالوا:
أخذ عبيد الله بن زياد في أيّام معاوية، أو أيّام يزيد خالد بن عبّاد، ويقال عباد، وكان من عبّاد الخوارج ومجتهديهم، وهو من بني عمرو بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة فكلّم فيه فخلّى سبيله، وقيل له إنّه قد كذب عليه وليس من أهل هذا الرأي، وضمنه صهر له، فكان لا ينام الليل لتعهّده أيّاه في بيته، ففقده ليلة وأخبر أنّه لم يبت في بيته فأتى ابن زياد فأعلمه ذلك، فدعا ابن زياد خالدا فسأله اين بات، فقال: كنت مع إخوان لي نذكر الله ونقرأ القرآن، قال: فدلّني عليهم، قال: لو دللتك عليهم لقتلتهم ولو فعلت لنالوا سعادة وشهادة، ولكنّي أكره أن أروّعهم، فقال ابن زياد: العن أهل النهروان قال: إن كانوا أعداء الله فلعنهم الله قال: فتولّ معاوية، أو قال يزيد بن معاوية، قال: إن كان مؤمنا وليّا لله فأنا وليّ له فلم يزدّه على هذا، فقال رجل ممّن حضر: أنا أكفيكه أيّها الأمير، فخلا به فقال: إنّك في تقيّة، لا تقيّه اليوم في الله، فقال ابن زياد: أخرجوه إلى السوق فاقتلوه، وكان ضاويا من العبادة، فلم يقدم احد على قتله وجعلوا يتفادون منه، فمرّ به المثلّم بن مسروح الباهلي أحد بني وائل أو فرّاص، وكان في الشرط، فشدّ عليه فقتله، فوضع الخوارج عليه عيونا فرأوه يسوم بلقحة، فقال له رجل منهم: إنّ عندي لقحة من حالها وحالها فانطلق معي لتراها وأنا أساهلك في ثمنها، فمضى معه يمشي بين يديه، والمثلّم على فرسه، ثم دخل دارا ودخل المثلّم معه، وفي الدار خوارج فوثبوا عليه فقتلوه، وكان الذي قتله حريث بن حجل، ودفنوه في ناحية الدار وجعلوا دراهم كانت معه في بطنه، وحكّوا أثر
стр. 2146
الدم، وخلّوا فرسه حين أمسوا، وطلب المثلّم فلم يوجد، فاتّهموا به بني سدوس واستعدوا عليهم ابن زياد، وخرج قوم من باهلة إلى معاوية، أو يزيد فحكم على بني سدوس بالقسامة، فحلفوا بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا، فأخذ به ابن زياد أربع ديات من أعطية بني سدوس؛ وقال ابن زياد:
ما أدري كيف أصنع ما أقتل رجلا من هذه المارقة إلا قتل قاتله، فقال أبو الأسود الديلي:
آليت لا أمشي إلى ربّ لقحة … أساومه حتى يؤوب المثلّم
وقال له كوماء حمراء جلدة … وقاربه في السّوم والفتك يكتم
فأصبح قد عمّي على الناس أمره … وقد بات يجري فوق أثوابه الدم (١)
وكان أبو الأسود يقول: ما قتل المثلّم إلا الطمع.
أمر عقبة بن الورد الجآويّ من باهلة:
قالوا: رأى مسلم بن عمرو عند مسجد بني قتيبة عقبة ومعه سيف، وكان خارجيّا مجتهدا، وأقبل حجير الجآوي من عند عبيد الله بن زياد وقد قتل عبيد الله قوما من الخواج فأصاب حجيرا نضح من دمائهم، فرآه عقبة مسرورا بذلك وهو يمضي إلى المسجد، فضربه بسيفه في المسجد فقتله، وضرب ربيعة بن عمرو، ومضى ليخرج، فألقى عليه رجل من أهل المسجد من بني أود شملة كانت عليه فصرعه، فقالت بنو جآوة: ثأرنا، وقالت بنو أود: ثأرنا، وجآوة وأود أخوان أبوهما معن بن وائل من باهلة، وفرّاص أخوهما أيضا، فضربت عنقه وقذف في بئر.
стр. 2147
أمر الهثهات بن ثور السدوسي:
قالوا: سعى بالهثهات بن ثور ابن عمّ له إلى ابن زياد، فكلّمه فيه سويد بن منجوف بن ثور وقال: إنّ عمّي بريء ممّا قرف به، فشتمه عبيد الله وقال: يابن البظراء فقال: لقد كذبت نساء بني سدوس إذا، فاستحيا عبيد الله من سويد ودعا بالهثهات فقال له شقيق بن ثور: إنّك لا تدع هذا الرأي فاخرج عن هذه البلدة، فخرج إلى الطفّ فمات هناك، وقال بعضهم: إن ابن زياد لما أخرج الهثهات غرّبه إلى أدام، ويقال:
أدم (١).
قالوا: وسعي بأمّ الفضل بنت شقيق إلى ابن زياد فحبسها، ثم كلّم فيها فأخرجها، وكان الذي سعى بها رجل من ولد مجزأة بن ثور يقال له فدكي فقال لأي بن شقيق يهجو فدكيّا في شعر يقول فيه:
لن تجدي في بيوت الناس صالحة … إلا لها من بيوت السّوء أعداء
في أبيات.
أمر أبي السليل:
قالوا: خرج خارجي بالبصرة فحكّم في المسجد، وكان يكنى أبا السليل، فقام إليه عقبة بن وسّاج البرساني من الأزد، وعليه بتّ (٢) فألقاه عليه فصرعه، وأخذ سيف الخارجي فقتله به.
أمر جزعة وصاحبها:
قالوا: خرج رجل وامرأة يقال لها جزعة ومعهما سيفان فحكما في مسجد البصرة ثم أخذت المرأة نحو بني سليم، وأخذ الرجل نحو رحبة بني تميم فرآها قد بعدت منه فناداها: يا جزعة أقربي منّي، فقالت:
стр. 2148
﴿إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) فقتلهما الناس؛ ويقال:
بل أتي بهما ابن زياد فأمر بقتلهما، ويقال أنّه قتل الرجل وحبس المرأة.
وحدثنا المدائني قال: دخل رجل مسجد البصرة فحكّم فيه، فقام إليه رجل من بني تميم فقتله، وبلغ ابن زياد خبره فقال: من كان في المسجد؟ فقيل: كان فيه أبو حميلة مولى سمرة بن جندب الفزاري، فلامه ابن زياد وقال: لم تقم إليه حتى قتله غيرك، فقال: إنّي لو قمت إليه لاحتملته حتى أضرب برأسه الحائط فأنثر دماغه، ولكنّي كرهت أن يقال قام اثنان إلى واحد.
أمر أبي الوازع الراسبي:
قالوا: لما قتل عروة بن أديّة - وهو عروة بن حدير بن عمرو أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم - قال أبو الوازع لبني الماحوز: إنّي شار فاشروا ودعوا المضاجع فطال ما نمتم، وغفلتم عن أهل البغي حتى صيّرهم ذلك إلى تتبعكم يقتلونكم في مضاجعكم قتل الكلاب في مرابضها، وقال لنافع بن الأزرق الحنفي صاحب الأزارقة: لقد أعطيت لسانا صارما وقلبا كليلا، فليت كلال قلبك للسانك، وصلابة لسانك لقلبك، ولقد خفت أن يكون حبّ هذه الدنيا الفانية قد غلب على قلبك، فملت إليها، وأظهرت بلسانك الزهد فيها، وذلك أنّه سمع نافعا يصف جور السلطان ويعظ أصحابه ويحضّهم على الجهاد، فقال له نافع: كلا يا أبا الوازع، ولكنّني أطلب الفرص، فرويدك يجتمع ملأ
стр. 2149
اصحابك، قال كلا إنّ في غدوّ الموت وراوحه ما يعجلني فأخاف معه فوت ما أريد، وقال:
سأشري ولا أبغي سوى الله صاحبا … وأبيض كالمخراق عضب المضارب
فقد ظهر الجور المبير وأجمعت … على ذاك أقوام كثير التكاذب
في أبيات. ثم اشترى أبو الوازع سيفا، وأتى صيقلا كان يشتم الخوارج ويدلّ عليهم، فقال له: اشحذ لي سيفي هذا، فشحذه، ثم أخذه فهزّه وحكّم وقتل به الصيقل، فهرب الناس عنه، وأخذ في بني يشكر وهو يحكّم، فدفع عليه رجل حائطا ابراسبج (١) فقتله، فأمر به ابن زياد فصلب في بني يشكر، فكرهوا ذلك وخافوا أن يتّخذ الخوارج مصلبه مهاجرا.
أمر ثابت بن وعلة الراسبي:
قالوا: كان ثابت من مخابيت الخوارج، وكان عظيم الشأن فيهم، فبينا قوم من أصحابه يتحدّثون في بيته إذ أنشد الزبير بن عليّ مرثية للخوارج، فبكى وقال لأصحابه: عليكم السّلام، لا والله لا أتأخر عن إخواني بعد يومي هذا إلا مكرها، فخرج في يوم جمعة، فحكّم عند مسجد الحروريّة بالبصرة وجعل يقول:
سأتبع إخواني وأحسو بكأسهم … وفي الكفّ عضب الشفرتين مهنّد
وقتل يومئذ مولى لبني الحارث بن كعب وآخر من بني نهد، وكانا قتلا ابن عمّ له بأمر عبيد الله بن زياد، ثم اعترض الناس فقتل، ولم يدر من قتله لكثرة الناس عليه، وصلب.
стр. 2150
أمر عيسى الخطّي:
قالوا: أراد عيسى الخطّي (١) -وهو عيسى بن حدير أحد بني وديعة بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، ويقال هو عيسى بن عاتك - الخروج، وله بنات فتعلّقن به وبكين وقلن: إلى من تدعنا؟ فقال:
لقد زاد الحياة إليّ حبّا … بناتي أنّهنّ من الضعاف
مخافة أن يرين البؤس بعدي … وأن يشربن كدرا بعد صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري … فتنبو العين عن حرم عجاف
ولولا ذاكم أرسلت مهري … وفي الرحمن للضعفاء كاف (٢)
وكان عيسى يذمّ السلطان ويعيبهم، فعذله أصحابه وقالوا: أتّق الله في نفسك وفينا أن نقتل بجريرتك، فقد ترى ما يصنع عبيد الله بن زياد، فقال في قصيدة له:
أخاف عقاب الله إن متّ راضيا … بحكم عبيد الله ذي الجور والغدر
وأحذر أن ألقى إلهي ولم أرع … ذوي البغي والإلحاد في جحفل مجر
وله شعر كثير.
أمر رجاء النمري (٣):
قالوا: لما بلغ أهل اليمامة مسير أهل الشام إلى المدينة لقتال أهلها، قال رجاء النمري لقوم من الشراة: إنّ أهل الشام قد ساروا إلى المدينة ولا شكّ أنّهم يأتون مكة إن ظهروا وغلبوا على المدينة، فاخرجوا نمنع مكة ونقاتل عن حرم الله وكعبته إن أتوا مكة، فأجابه ثمانون
стр. 2151
منهم: نجدة بن عامر، وبنو بخدج: حسّان وعبد الرحمن وأخ لهما ثالث، وحجيّة بن أوس العطاردي من بني تميم، وأبو الأخنس الهزّاني، وأبو مالك، وأبو طالوت سالم بن مطر من بني مازن، ويقال مولاهم، وعطيّة الأسود، فلما خرجوا لحق أوس العطاردي ابنه حجيّة فقال له: إنّ الشوصة (١) عرضت لأمّك بعد خروجك فاتها فانظر إليها ثم عد إلى أصحابك. فلما أتى منزله أخذه فحبسه، فانتظره أصحابه ثلاثا ثم مضوا وعليهم رجاء، ويقال: كان عليهم حسّان بن بخدج؛ فقدموا مكة قبل أن يأتيها أهل الشام فقال الشاعر:
يا بن الزبير أترضى معشرا قتلوا … أباك ظلمّا فما أبقوا ولا تركوا
ضحّوا بعثمان يوم النحر ضاحية … ما أعظم الحرمة العظمى التي انتهكوا (٢)
فقال: نعم لو أعانني الشيطان على أهل الشام لقبلته، ولحق بهم عيسى الخطّي وعمير بن ضبيعة الرقاشي وخرجا من البصرة في ستّة عشر راكبا من الخوارج فكانوا مع ابن الزبير، فبعضهم يقول: بايعوه، وبعضهم يقول: لم يبايعوه، وكانوا معتزلين له، إلا أنّهم يقاتلون أهل الشام إذا قاتلوه؛ فلما انقضى الحصار الأوّل وجاء موت يزيد بن معاوية انصرفت طائفة من الخوارج إلى البصرة، وأقامت طائفة وقالوا: قد انصرف أهل الشام عن مكة، وإنّما قدمنا لهم، فينبغي أن نفتّش ابن الزبير عن قوله في عثمان وعليّ، فان كان لنا موافقا أقمنا معه، وإن كان لنا مخالفا انصرفنا عنه، فأتاه عيسى الخطّي وأبو طالوت وعطيّة ونجدة فسألوه عن رأيه في عثمان وعليّ رضي الله تعالى عنهما
стр. 2152
فخالفهم، فولّوا أمرهم ابن بخدج وانصرفوا إلى البصرة ثم تفرّقوا، وذلك في سنة أربع وستّين، وأصيب في قتال أهل الشام رجاء وناس من أصحابه فبكاهم حجيّة بن أوس فقال:
إذا ذكرت نفسي رجاء وصحبه … أكاد على بعض الأمور ألومها
فلله عينا من رأى مثل عصبة … أقام بضبع ابن الزبير مقيمها
ترى عافيات الطير يحجلن حولهم … يقلّبن أجساما قليلا لحومها
فوا حربا ألا أكون شهدتهم … بمكّة والخيلان تدمى كلومها
وقال أيضا:
ندمت على تركي رجاء وصحبه … وتلك لعمري هفوة لا أقالها (١)
وقال بعض أهل الشام يذكر حصين بن نمير السكوني وكان على أهل الشام بمكة، وقد كتبنا خبره في خبر ابن الزبير:
يا صاحبيّ ارتحلا وامّلسا … لا تحبسا لدى حصين محبسا
إنّ لدى الأركان بأسا أبأسا … وبارقات يختلسن الأنفسا
إذا الفتى حكّم ثمّ كبّسا
стр. 2153
خبر عبيد الله بن زياد بعد موت يزيد بن معاوية ومقتل مسعود بن عمر
قال هشام ابن الكلبي في إسناده: أتى عبيد الله بن زياد خبرُ وفاة يزيد بن معاوية وهو بالبصرة، وخليفته على الكوفة عمرو بن حُريث المخزومي، فقال لأهل البصرة: إن شئتم فبايعوني بالإمرة حتى تنظروا ما يصنع الناس وتروا رأي من رواءكم، فبايعه أهل البصرة على ذلك، ووجّه عبيد الله من البصرة عامر بن مسمع من بني قيس بن ثعلبة وسعد بن القرحاء ليعلما أهل الكوفة ما كان من أهل البصرة ويسألاهم البيعة لابن زياد على الإمرة حتى يصطلح الناس على إمام، فجمع عمرو بن حريث الناس وعرض ذلك عليهم، وأمر عامر بن مسمع أن يتكلم فتكلم ودعاهم إلى البيعة لعبيد الله وقال: إنما الكوفة والبصرة شيء واحد فليكن أمرنا وأمركم مجتمعاً، وقام سعد بن القرحاء فقال نحواً من ذلك، فقام يزيد بن الحارث بن رُويم الشيباني فحصبهما، ثم حصبهما الناس وقالوا: أنحن نبايع لابن مرجانة! لا ولا كرامةً، فشرُف بذلك يزيد بالمصر وارتفع، فرجع الرجلان إلى البصرة فأخبرا الناس الخبر فقال أهل البصرة: أيخلعه أهل الكوفة ونبايعه نحن؟
стр. 2154
هذا ما لا يكون! فوثب الناس به وكان عبيد الله يقول: ما نزلت بزياد نازلة فاستجار فيها إلا بالأزد، فاستجار بمسعود بن عمرو الأزدي من ولد معن بن مالك بن فهر (١) بن غنم بن دوس، وكان مسعود يُدعى القمر لجماله، وهو جد الوجناء الحبلي فيما يقال، فأجار ابن زياد ومنعه، فمكث ابن زياد بالبصرة أربعين ليلة بعد موت يزيد، ثم خرج إلى الشام، واستخلف مسعوداً على البصرة، ووجّه معه مسعود مَن شخَصَ به إلى مأمنه من الشام؛ فقالت بنو تميم وقيس: لا نرضى ولا نولي علينا إلا رجلا ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: استخلفني عبيد الله ولا أدع ذلك أبداً، وخرج في قومه حتى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعت بنو تميم إلى الأحنف بن قيس فقالوا له: إن الأزد قد دخلت المسجد، فقال الأحنف: وإن دخلوه فمه، إنما هو لكم ولهم وأنتم تدخلونه أيضاً، ثم قالوا: إن مسعوداً قد دخل القصر وصعد المنبر، وكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا بنهر الأساورة حين مضى عبيد الله إلى الشام، فزعموا أن الأحنف بعث إلى أولئك الخوارج: إن الرجل الذي دخل القصر عدو لنا ولكم، فما يمنعكم أن تبدأوا به؟ فجاءت عصابة من الخوارج حتى دخلوا المسجد ومسعود على المنبر يبايع من أتاه، فضربه علج فارسي يقال له مسلم، وكان مسلم هذا دخل البصرة فأسلم وصار مع الخوارج، فضرب مسعوداً فقتله وخرج، فجال بعض الناس في بعض وقالوا: قتل مسعود، قتله الخوارج، فخرج الأزد إلى تلك الخوارج فقاتلوهم، فقتلوا منهم وطردوا من بقي وأخرجوهم عن البصرة، ودفنوا مسعود بن عمرو، وجاء ناس من
стр. 2155
الناس إلى الأزد فقالوا: أتعلمون أن قيساً من بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعوداً؟ فبقيت الأزد تسأل عن ذلك، فإذا قوم يقولون ويتحدثون بما كان من رسالة الأحنف، فاجتمعت الأزد عند ذلك إلى زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي فرأسته عليها، ثم ازدلفوا إلى بني تميم وخرج مع الأزد مالك بن مسمع في بكر بن وائل، وأتت بنو تميم الأحنف فقالوا له: قد جاء القوم فأخرج، فجعل يتمكث حتى جاءته امرأة من بني تميم من قومه فقالت: يا أحنف اجلس على هذا، وأشارت إليه بإصبعها الإبهام، أي إنما أنت امرأة، فقال: استك أحق به، فما سمعت من الأحنف قط كلمة أرفث منها؛ ويقال إنها جاءته بمجمر فقال: استك أولى بالمجمر، ثم دعا الأحنف برايته فقال: اللهم أنصرها ولا تذلها، اللهم احقن دماءنا وأصلح ذات بيننا، وكانت قيس مع بني تميم، فسار الأحنف وسار بين يديه ابن أخته إياس بن قتادة بن أوفى من بني عيد شمس بن سعد، فالتقى القوم فاقتتلوا أشد قتال فقتل بينهم قتلى كثيرة، فقالت بنو تميم: الله الله يا معشر الأزد في دمائنا ودمائكم، بيننا وبينكم القرآن أو من شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بقتل مسعود بينة فاختاروا أفضل رجل منا فاقتلوه به، وإن لم تكن بينة فنحن نحلف لكم بالله أنا ما قتلنا ولا أمرنا، وإن الخوارج أعتمدت صاحبكم من قبل أنفسهم، وأنا لا نعرف قاتله، وإن كرهتم ذلك فنحن ندي صاحبكم مائة ألف درهم، فاصطلحوا، وأتاهم الأحنف في وجوه مضر إلى منزل زياد بن عمرو العتكي فقال لهم: يا معشر الأزد أنتم جيراننا في الدار وإخواننا عند القتال، وقد أتيناكم في رحالكم لنطفئ حسيكتكم (١) ونسلّ
стр. 2156
سخيمتكم، ولكم الحكم، فعولوا على أموالنا
فإنا لا يتعاظمنا منها شيءٌ يكون فيه صلاح ذات بيننا، ولأنتم أحب إلينا من تميم الكوفة، فقالوا: تدون صاحبنا عشر دياتٍ، فقال: هي لكم، وأنصرف الناس وقد أصطلحوا. لا يتعاظمنا منها شيءٌ يكون فيه صلاح ذات بيننا، ولأنتم أحب إلينا من تميم الكوفة، فقالوا: تدون صاحبنا عشر دياتٍ، فقال: هي لكم، وأنصرف الناس وقد أصطلحوا.
وقال هشام أبن الكلبي عن أبيه: إنهم قتلوا مسعوداً وهم يظنون أنه عبيد الله بن زياد فاقتتلوا، ثم إن إياس بن قتادة حمل الديات التي ودوه إياها وهي عشر؛ قال: وكان الأزد تقاتل وهي تقول:
إياس لا نرضى به … أحنف لا ننطى به
قال: وقتل مسعود وهو ابن ثمانين سنة؛ قال، وقال الهيثم بن الأسود النخعي أبو العُريان بن الهيثم بن الأسود:
علا النعي لمسعودٍ فقلت لهم … نعم اليمانيُّ تنعى أيها الناعي
وفى ثمانين لا يسطيعه أحد … حتى دعاه لرأس العدة الداعي
آوى ابن حربٍ وقد سدت مذاهبه … وأوسع السرب منه أي إيساع
وقال عبيد الله بن الحر الجعفي:
مازلت أرجو الأزد حتى رأيتها … تقاصرُ من بنيانها المتطاولِ
ومقتل مسعود فلم يثأروا به … وصارت سيوف الأزد مثل المناجلِ
وما خير عقلٍ أورث الأزد ذلةً … يسب بها أحياؤهم في المحافلِ
قالوا: وكان يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ الحميري قد قدم من كرمان حين مضى ابن زياد إلى الشام فقال:
أعبيد هلا كنت أول فارسٍ … يوم الهياج دعا لحينك داع
أسلمت أمك والرماح شوارعٌ … يا ليتني لك ليلة الأفزاع
стр. 2157
لأبن الزبير غداة يجمع أمره … أولى بغاية كل يوم وقاع
وأحق بالصبر الجميل من امرئٍ … كَزٍّ أناملُهُ قصير الباع (١)
وقال ابن الكلبي في إسناده عن أبي مخنف وغيره: لما أصطلح الناس وتفرقوا جعلوا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلي بهم، ارتضوا به، ثم إن ابن الزبير ولى البصرة القباع، وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وإنما سمي القباع لأن أهل البصرة أتوه بمكيال لهم فقال: ما هذا القباع، والقباع الأجوف، وله يقول أبو الأسود الديلي:
أبا بكرٍ جزاك الله خيراً … أرحنا من قباع بني المغيره (٢)
وأبو بكر عبد الله بن الزبير: قال: واجتمع أهل الكوفة على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي وكان يلقب دحروجة الجُعل لقصره، وفيه يقول عبد الله بن همام السلولي:
يا بن الزبير أمير المؤمنين ألم … يبلغك ما فعل العمال بالعملِ
باعوا التجار طعام الأرضِ واقتسموا … صلب الخراجِ شحاحاً قسمة النفلِ
وقدموا لك شيخاً خائناً خذلاً … مهما يقل لك شيخٌ كاذبٌ يقل
وقيل طالبُ حقٍّ ذو مزابنة (٣) … جلد القوى ليس بالواني ولا الوكلِ
أشدد يديك بزيدٍ إن ظفرت به … واشف الأرامل من دحروجة الجعلِ
стр. 2158
يريد مرثد بن شراحيل كان أساء في البيع، وزيد مولى عتاب بن ورقاء الرياحي كان خازنه، فمكث عامر ستة أشهر ثم عزله ابن الزبير وولى عبد الله بن يزيد الخطمي.
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي أن مسعوداً آوى ابن زياد، ثم وجه معه رجلاً في جماعة فأبلغه مأمنه من الشام، وكان ابن زياد صير مسعوداً خليفته، فصعد مسعود المنبر وجعل يخطب، فبايعه قوم يهوون هوى بني أمية، فلم يزل كذلك إلى الليل، ثم أنصرف وقد تفرق الناس عنه، وبقي في جميعة، فلما صار في بنو تميم شدت عليه الخوارج فقتله، فاتهم بني تميم، وجعل قوم يقولون: إن الأحنف دسهم وجعلها زبيرية، يعني أنه دس للزبير (١) حتى قتل.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى في روايته: عاد ابن زياد عبد الله بن نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي ثم خرج من عنده فلقيه حمران مولاه، وكان قد وجهه إلى يزيد، فأسر إليه موت يزيد وأختلاف أهل الشام، فأمر عبيد الله فنودي الصلاة جامعة، ثم خطب فنعى يزيد وحض الناس على الطاعة وقال: أختاروا لأنفسكم فماسحوه، ثم بدا لهم في بيعته وجعلوا يمسحون أيديهم منها بالحيطان؛ وكان في سجنه نافع بن الأزرق الحنفي، ونجدة بن عامر الحنفي، وعبد الله بن إباض، وعبيدة بن هلال العنزي، وعمرو القنا بن عميرة من بني ملادس بن عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانوا غضبوا للبيت فقاتلوا مع أبن الزبير وهم لا يرون نصره،
стр. 2159
ولكنهم أحتسبوا في جهاد أهل الشام. ثم إنهم قدموا البصرة فالتقطهم ابن زياد وحبسهم، فيقال إنه كان في سجنه من الخوارج مائة وأربعون.
وقال أبو عبيدة: لما هرب ابن زياد إلى الأزد أقام أهل البصرة ببّة؛ وكان هربه إلى الشام بعد قتل مسعود.
قال أبو عبيدة في بعض روايته: لما كان موت يزيد بن معاوية وإظهار ابن زياد إياه بالبصرة، خرج سلمة بن ذؤيب الرياحي الفقيه وهو على فرس له شهباء وقد لبس سلاحه ومعه لواءٌ، فدعا الناس إلى بيعة ابن الزبير وطاعته وقال: عليكم بالعائذ بالبيت الحرام، وابن حواري رسول الله ﷺ ، فبايعه جماعة يسيرة، وبلغ بان زياد ذلك فخطب الناس فاقتص أول أمره وأمر أبيه بالبصرة، وعدد بلاءه عنه أهلها ثم قال: بايعتموني ثم مسحتم أيديكم بالحيطان وقلتم ما قلتم، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعوكم إلى الخلاف إرادة أن يُفرق جماعتكم ليضرب بعضكم جباه بعضٍ؛ وكان الذي أخبر ابن زياد بأمر سلمة بن ذؤيب عبد الرحمن بن أبي بكرة، ويكنى أبا الحرّ، فقال الأحنف بن قيس والناس: نحن نجيئك بسلمة فأتوا سلمة فإذا معه جمع كثيف قد سافر إليه وإذا الفتق قد اتسع، فامتنع عليهم، فلما رأوا ذلك قعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه، فقال: والله لقد لبسنا الخزّ حتى اجمته جلودنا فما نبالي أن نعقبها الحديد أياماً، والله لو اجتمعتم على قرن عنز لتكسروه ما كسرتموه؛ ودعا البخارية ومن كان من أصحاب السلطان إلى المحاربة معه، فلم يجيبوه واعتلوا عليه، فانغمس في الأزد في بيت مسعود.
قال: وكان في بيت مال ابن زياد نحو ثمانية آلاف ألف درهم، فقال للناس حين خطب: هذا فيئكم فخذوا أرزاقكم وأرزاق عيالاتكم
стр. 2160
وذرِّيتكم، وأمر الكتاب بتحصيل الناس وتقرير ما لهم، فلما رأى قعود الناس عنه وظهور أمر سلمة كف عن ذلك، وأمر بنقل المال حين هرب فهو يتردد في آل زياد، وقال له إخوته: والله ما من خليفةٍ تقاتل عنه، ولا تأمن أن يُدال عليك فتعطب وتهلك وتذهب أموالنا، وقال له عبد الله أخوه وهو ابن مرجانة، والله لئن قاتلت القوم لأقتلن نفسي بسيفي هذا؛ فلما رأى عبيد الله ذلك أرسل إلى الحارث بن قيس بن صهبان الجهضمي فسأله أن يسأل مسعوداً أن يُجيره، فسأله ذلك فأباه، فقال له الحارث: يامعشر الأزرد إنكم أجرتم زياداً فبقي لكم شرف ذلك وذكره وفخره، فقال مسعود: أترى أن نُعادي أهل مصرنا في عبيد الله وقد أبليناه في أبيه ما أبليناه فلم يكافنا ولم يشكر، ماكنت أحب أن يكون هذا رأيك، فقال: قد بايعته فيمن بايع ولن يُعاديك أحدٌ على الوفاء له؛ فلما أبى مسعود إجازة ابن زياد أتى الحارث إلى أم بسطام امرأة مسعود وهي ابنة عمه فقال لها: إني دعوتُ مسعوداً إلى مكرمةٍ فأباها، وأنا أدعوك إلى أن تسودي نساء قومك أبداً، وكلمها في إجارة ابن زياد، فأجارته، ويقال إنه أعطاها مائة ألف درهم كانت مع ابن زياد، فأدخلته حجلتها وألبسته ثوباً لزوجها، فلما جاء مسعود أعلمته ذلك، فغضب وأخذ برأسها، حتى خرج عبيد الله والحارث فحجزوا بينهما، وقال له عبيد الله: أجارتني عليك وألبستني ثوبك وأكلتُ من طعامك وقد التف عليّ منزلك، وتلطف والحارث له حتى رضي، فلم يزل في منزل مسعود، ثم شخص إلى الشام؛ وقال أبو عبيدة: وآل زياد ينكرون أن يكون ابن زياد شخص قبل قتل مسعود، وأن يكون مسعود بعث معه من بذرقهُ.
стр. 2161
وقال يزيد بن ربيعة بن مفرغ شعراً ذكر فيه فرار ابن زياد من دار الإمارة إلى الأزد، ثم إلى الشام بعد مقتل مسعود وخذلانه اياه، وذكر هربه عن أمه وامرأته هند الفزراية:
أقرَّ لعيني أنه عقَّ أمَّهُ … دعته فولاها آستهُ وهو يهربُ
وقال عليك التاس (١) كوني سبيةً … كما كنت أو موتي فللموت أقرب
وقد هتف هند به ما أمرتني … أبن لي وخبرني إلي أين أذهب
فقال أريد الأزد في عقر دارهم … وبكراً فيما لي عنهم متجنب
بما قدمت كفاك مالك مهرب … من القوم يوماً والدماء تصبب
ولو كنت صلبَ العود أو ذا حفيظة … كررت على هندٍ وهندٌ تسحب
وغادرت مسعوداً رهينة حتفه … يمج نجيع الجوف وهو ملحب
ولو لم يفت ركضاً حثيثاً لحلقت … بأشلائه من الجو عنقاء مغرب (٢)
وقال أيضاً:
قدمت مسعوداً ليصلى حرها … ووألت (٣) لما أن نعاه الناعي
أفلا كررت وراءه متشزباً … لما أصيب، دعا لحتفك داع
وترك أمك والرماح شوارع … يا ليتني لك ليلة الأفزاع
ليس الكريم بمن يفارق أمه … وبناته بالمنزل الجعجاع
وخذلت مسعوداً وطرت مولياً … مثل الظليم أثرته بالقاع (٤)
стр. 2162
وقال أبو عبيدة: فهذا دليل على أنه إنما هرب إلى الشام بعد مسعود وأنه حين قُتل مسعود كان بالمصر (١) فلم يبرح.
قال أبو عبيدة: ولما هرب ابن زياد بقي الناس بغير أمير فلما لم يكن لهم أميرا ارتضوا بنعمان بن صبهان الراسبي، وقيس بن الهيثم يختاران لهم، فكان رأيُ قيس في عبد الله بن الأسود الزهري، ورأى النعمان بن صبهان في ببة، وقال النعمان: هو هاشمي وابن أخت القوم الملك فيهم، لأن أم بببة هند بنت أبي سفيان، وكان النعمان شيعياً شهد مع عليّ صفين، وأقبلوا ببة فنزل دار الإمارة؛ قال أبو عبيدة: وكان ذلك رضا جميع الناس الأزد فقولهم باطل، قال الفرزدق:
وبايعت أقواماً وفيت بعهدهم … وببة قد بايعته غير نادمِ (٢)
وقوم يرونه: وهو نائمُ.
قال أبو الحسن المدائني: جعل ببة على شرطته هميمان بن عدي - ويقال النعمان بن صبهان، وهميان بن عدي أثبت - فأتى هميان دار فيل مولى زياد، وهي في بني سليم، فأمر بتفريغهما لينزلها رجل قدم على ببة من المدينة، وكان فيل قد هرب وأقفل أبواب داره، فمنعت بنو سليم هميان بن عدي ما أراد حتى قاتلوه، واستصرخوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز، فأرسل بخاريته ومواليه في السلاح حتى طردوا هميان بن عدي، وعدل عبد
стр. 2163
الملك من الغد إلى دار الإمارة ليسلم على ببة، فلقيه على الباب رجلٌ من قيس بن ثعلبة فقال: أنت المعين علينا بالأمس، ورفع يده فلطمه، فضرب رجل من البخارية يد القيسي فأطارها، ويقال بل ضربه ضربةً شلت منها يده، وغضب ابن عامر فرجع، وغضبت له مضر واجتمعت، وأتت بكرُ بن وائل أشيم بن شقيق بن ثور فاستصرخوه، فأقبل ومعه مالك بن مسمع، ثم إن القوم تحاجزوا وانصرفت بكر والمضرية، وتحالف بكر والأزد، فقال حارثة بن بدر الغداني:
نزعنا وأمرنا وبكر بن وائل … تجر خُصاها تبتغي من تحالفُ
وما بات بكريٌّ من الدهر ليلةً … فيصبح إلا وهو للذلِّ عارفُ
وقال أبو عُبيدة حدثني زهير بن هنيد عن عمرو بن عيسى قال: كان مالك بن مسمع في المسجد، فبينا هو قاعد، وفي الحلقة رجل من ولد عبد الله بن عامر بن كريز، إذ نازع القرشي فأغلظ له القرشي، فلطم رجلٌ من بكر القرشي، فتهايج من ثم من مضر وربيعة، وكثرتهم ربيعة ممن في المسجد، فنادى رجلٌ يال تميم، فوثب قومٌ من بني ضبة على رماح حرس المسجد وترستهم، ثم شدوا على الربعين فهزموهم، وبلغ ذلك أشيم بن شقيق بن ثور، وهو يومئذ رئيس بكر بن وائل، فأقبل إلى المسجد فقال: لا يجدن ربعي مضرياً الا قتله، فبلغ ذلك مالك بنم مسمع فأقبل متفضلاً (١) فسكن الناس حتى كف بعضهم عن بعضٍ، وسأل مالك أن يجدد الحلف بين الأزد وربيعة.
стр. 2164
حدثنا المدائني: أن الأحنف قال لمالك بن مسمع حين تحالفوا: أحلف في الإسلام؟! قال: حالفتُ على الزط والسيابجة، فقال: معاذ الله، قال: يا أبا بحر كانت نعمة سبقناك إليها فقال الأحنف: والله ماأردتها ولتحلبنها دماً عبيطاً، لقد حالفت قوماً إن اتبعتهم استذلوك، وإن خالفتهم عزوك وقهروك.
وقال المدائني في بعض روايته: لما جددوا الحلف وأقبلوا مع مسعود إلى المسجد الجامع فزعت تميم إلى الأحنف فعقد عمامته على قناة ودفعها إلى سلمة بن ذؤيب الرياحي، فأقبل وبين يديه الأساورة حتى دخل المسجد ومسعود يخطب، فاستنزلوه فقتلوه، فجعلوا يحكمون فقيل إن الخوارج قتله؛ وزعمت الأزد أن الأزارفة قتلوه بأمر الأحنف، فكانت الفتنة، وسفر بينهم بن عبيد الله بن معمر، وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام حتى رضيت الأزد من دم مسعود بعشر دياتٍ، ولزم ببة بيته وكان متديناً، وكان القاضي في هذه الفتنة هشام بن هبيرة.
وكتب ابن الزبير إلى عمر بن عبيد الله بعهده على البصرة فوافاه وهو متوجه يريد العمرة، فكتب عمر بن عبيد الله إلى أخيه عبيد الله بن عبيد الله بن معمر أن يصلي بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر بن عبيد الله؛ قال أبو الحسن: ولما لزم ببة بيته كتب أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير بذلك، فكتب إلى أنس بن مالك يسأله أن يصلي بهم، فصلى بهم أربعين يوماً.
وقال أبو عُبيدة: لما جددوا الحلف في الفتنة قالت الأزد: لا نرضى حتى يكون الرئيس منّا، وقال مسعود لعبيد الله سر معنا
стр. 2165
حتى ننزلك الدار، وبعث عبيد الله غلماناً له على خيل مع مسعود، وأتى بكرسي فجلس على باب مسعود، وقدم مسعود مالك بن مسمع في ربيعة فأخذوا سكة المدينة، فامتلأ المربد رماحاً، وجاء مسعود حتى علا المنبر وببة في دار الإمارة، وقيل له: إن ربيعة واليمن قد ساروا وسيهيج بين الناس شر فو أصلحت بينهم وركبت مع بني تميم إليهم، فقال: أبعدهم الله والله لا أفسد نفسي بصلاحهم، وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول:
لأنكحن ببةجارية في قبةتمشط رأس لعبة
فلما لم يحل أحد بين مسعود وبين صعود المنبر، خرج مالك بن مسمع في كتيبه حتى علا الجبان، وأتى دور بني تميم فدخل بني العدوية، فجعل يحرق دورهم، وذلك أن رجلاً من بني ضبة كان لاحى رجلاً من بني يشكر فقتله الضبي، فبينا هو كذلك إذ أتاه قتل مسعود.
قال: وأتت بنو تميم الأحنف فقالوا يا أبا بحر أنت سيدنا وقد اجتمعت الأزد، وربيعة، فقال: سيدكم الشيطان، فقيل: قد أتو الرحبة، فقال: لستم بأحق بها منهم، ثم قالوا: قد دخلوا المسجد، فقال: لستم بأحق بالمسجد منهم، فقال سلمة بن ذؤيب: يا معشر مضر إنما هذا كبش منجرٌ في أذنيه لا خير لكم عنده، فندب بني تميم فانتدب منهم خمسمائة، وتلقاه رأس الأساورة يومئذ في بعض الطريق وهو في أربعمائة من الرماة، فقال لهم سلمة: أين تريدون؟ قالوا: إياكم. وأتت الأحنف امرأة بمجمر فقالت: مالك وللرئاسة، تجمر، فقال: آست المرأة أحق بالمجمر، فعتبت عليه؛ وتحول الأحنف في تلك الأيام من داره إلى بني عامر بن عبيدة، وأتوه فقالوا: إن عبلة بنت ناجية الرياحي، وهي أخت
стр. 2166
مطر، وأمرأة قد سبناه وأخذت خلا خيلهما من أسواقهما، وقتل المقعد الذي كان على باب المسجد والصباغ الذي في طريقك، وحرق مالك بن مسمع دور بني العدوية، فقال: ثبنوا ذلك، فثبتوه، فطلب عبّاد بن الحصين فلم يوجد، فدعا بعبس بن طلق - ويقال طليق - السعدي ثم انتزع مِعْجرأ (١) في رأسه ثم جثا على ركبتيه وعقده في رمح ثم دفعه إليه ثم قال:
ما إن أرى فخراً ولا حياءَ … إذا اتخذت معجري لواءَ
ثم قال لعبس: سر، فلما ولى قال: اللهم لأ تخزها اليوم فإنك لم تخزها فيما مضى، فسار عبس وصاحب النظارة هاجت زبراءُ، وزبراءُ أمةٌ للأحنف - أرادوه بذلك وقال الأحنف: يابني تميم إن شر الناس من لم يستحي من الفرار، ثم جاء عباد في ستين راكباً، فأبى أن يسير تحت لواء عبس، ولقوا القوم فاققتلوا، ورمى الأساورة بألفي نشابة في رشق واحد فتلقوهم برماحهم، فرماهم الأساورة بألفي نشابة في رشق آخر، فأجلوا عن أفواه السكك وأقاموا على أبواب المسجد، فاقتتلوا، ورماهم الأساورة فقلعوهم عن الأبواب، ودخلت تميم المسجد فاقتتلوا فيه ومسعود على المنبر مسعود وكان الحكم بن مخرمة العبدي قد ثبط قومه وقال: أتقتلون إخوتكم مع الأزد؟ فردهم، وذلك عند باب المسجد، قال إسحاق بن سويد العدوي: فأتوا مسعوداً وهو على المنبر واستنزلوه وقتلوه، وذلك في شعبان
стр. 2167
سنة أربعٍ وستين، فانهزم القوم وهرب أشيم بن شقيق فطعنه رجل طعناً فتنحى، فقال الفرزدق.
لو أن أشيم لم يسبق أسنتنا … وأخطأ الباب إذ نيراننا تقدُ
إذاً لصاحب مسعوداً وصاحبهُ … وقد تماءت له الأعفاج والكبدُ (١)
قال: فبينا ابن زياد ينتظر ما يكون من مسعود أُتي فقيل: قد صعد المنبر، فتهيأ للركوب، فبينا هو كذلك إذ قيل قد قُتل، فاغترز في ركابه ولحق بالشام مسعود وذلك في أول شعبان سنة أربعٍ وستين، قال: وقوم يقولون أنه شخص في شوال، وكان مقتل مسعود في شوال، والأول أصح، وكان نزوله دار مسعود في جمادى الآخرة سنة أربعٍ وستين.
وقال المدائني: مات الحارث بن معاوية أيام مسعود فقال الأحنف: رحمك الله أبا المؤرق فارقتنا أحوج ما كنا إليك.
أبو الحسن المدائني عن عامر بن حفص مسعود قال: خرج ابن زياد من البصرة هارباً الى الشام في قوم وفوا له، فقال ذات ليلة: إنه قد ثقل عليّ ركوب الإبل فوطئوا لي على ذات حافر مسعود فألقيت له قطيفة على حمار فركبه وإن رجليه لتخدّان الأرض، فقال بعض من كان معه ورآه قد سكت سكتة طويلة: هذا عبيد الله بن زياد أمير العراق بالأمس نائماً على حمار لو سقط عنه أعنته، ثم دنا منه فقال: أنائم أنت؟ فقال ابن زياد: لا، قال: فما هذه السكتة؟ قال: كنت أحدث نفسي، قال له: أنا أخبرك بما فكرت فيه، قل، قال: قلت ليتني لم أقتل حسيناً، وليتني لم أكن
стр. 2168
بنيت البيضاء (١)، وليتني لم أكن استعملت الدهاقين، وليتني لم أقتل من قتلت، فقال ابن زياد: والله ما نطقت بصوابٍ ولا سكت عن خطأ، أما الحسين فإنه سار إلي يريد قتلي فاخترت قتله على أن يقتلني، وأما البيضاء فإني اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي فأرسل إلي يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها، فإن بقيت فلأهلي وإلا فإني لا آسى عليها، وأما استعمالي الدهاقين فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة وزاذانفروخ رفعا عليّ عند معاوية فخيرني معاوية بين الضمان والعزل فكرهت العزل، وكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج فأقدمت عليه أو غرت صدور عشيرته، أو أغرمته فحملت على عطاء قومه أضررت بهم، وإن تركته تركت مال الله وأنا أعرف مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالحبابة وأوفى بالأمانة وأهون عليّ مطالبة، وأما قتلي من قتلت فما علمت بعد قولي كلمة الإخلاص عملاً أقرب إلى الله من قبلي من قتلت من الخوارج، ولكني حدثت نفسي فقلت: ليتني قاتلت أهل البصرة فإنهم بايعوني طائعين ثم نكثوا، ولقد أردت ذلك ولكن بني زياد أتوني فقالوا: إنك إن قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحداً إلا قتلوه، وإن تركتهم تغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره وخلطائه، فلم أقاتل، وقلت: ليتني أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم، فأما إذ فأتت هاتان فليتني أقدم الشام ولم يبرموا شيئاً فأكون معهم فيما يبرمون، قال: وبينا هو يسير إذ عرض له فارس بيده رمح، فقال: لا وألت إن وألت، فقال: أوما هو خير لك، ألف دينار، فركن إليها، فشددنا عليه
стр. 2169
فأخذناه، فقال له ابن زياد: لا تُرعٍ فكان دليلنا حتى وردنا الشام، فقال الرجل: عهدنا بابن زياد يأكل في كل يومٍ أكلاتٍ أولها عناق أو جدي يتخير له، فكان يأكل وهو يريد الشام أقل مما يأكله أحدنا ويقول: الأكل مع الأمر والسرور.
وقال أبو عُبيدة قال يونس بن حبيب: فاقتلوا مسعوداً وهرب ابن زيادٍ إلى الشام أقبلت فعمة ابنة مسعود وقد ركبت دابة موكفة، وولت وجهها قبل ذنبها، وسدلت شعرها وتجلببت مسحها ومعها نادبة تقول:
مسعود من يقتل بك … احنف لا نعطي بك
ثم أتت مالكاً وهو واقف في سكة المربد وقد رجع من تحريق دور بني العدوية فقال: ارجعي، فقالت: لا أو أوتى برأس الأحنف، فأتوها برأس من رؤوس القتلى ضخمٍ فأزمت بأنفه عضاً وغمست أطراف كميها في دم لغاديده (١) ثم انصرفت إلى رحلها، فتزوجت بعد.
قال: وأتى دار مالكٍ قومٌ من مضر وحرقوا عليه، فقال غطفان بن أنيف الكعبي في ذلك:
كيف ترانا وترى الأميرا … بصرحةِ المربد إذ أبيرا
نقودُ فيه جحفلاً جرورا … أكثر جمعاً حلقاً مسمورا
وصارماً ذا هيبةٍ مأثورا … فقد قد الجازر الجزورا
لما رجا مسعود التأميرا … وأصبح ابن مسمعٍ محصورا
وقد شببنا حوله السعيرا
стр. 2170
ولما هرب عبيد الله طلب فأعجز طلبته، فانتهب ما وجد له، فقال واقد بن خليفة السعدي:
يارب جبارٍ شديدٍ كلبه … قد صار فينا تاجه وسلبه
لو لم ينج ابن زياد هربه … منا للاقى شر يومٍ يشعبه
وقاد مسعوداً شقاءٌ يأدبه … في عارضٍ أرعن ضاحٍ كؤبه
وقال جرير بن عطية:
ويوم عُبيدة الله خضنا برايةٍ … وزافرةٍ تمت إلينا تميمها (١)
وقال سؤر الذئب السعدي:
نحن نهطنا (٢) الأزد يوم المسجد … والحي من بكرٍ ويوم المربد
بكل عراصِ (٣) المهز مذود … مُحربٍ وصارمٍ لم ينأد
كأنهم من مقعصٍ ومقصد … وداحض بالرجل منه واليد
من السواري وطريق المسجد … أعجاز نخل النيط والمسند
إذ خرَّ مسعودٌ ولم يوسَّدِ
وقال جرير أيضاً:
سائل ذوي يمن إذا لا قيتهم … والأزد إذ ندبوا مسعودا
لاقاهم عشون ألف مدجج … متسربلين دلامصاً وحديدا
فلغادروا مسعودهم متجدلاً … قد أودعوه جنادلاً وصعيدا (٤)
стр. 2171
قال أبو عُبيدة: وقال قوم: مسعود من عيادة صديقٍ له، فلما كان بموضع من بني تميم عرض له خارجي فقتله وذلك بُهْت وباطل، وقال قوم: لما صعد مسعود المنبر وأغفل الناسُ الخوارجَ خرجوا من السجن ودخلوا المسجد لا يلقون أحداً إلّا قتلوه حتى قتلوا مسعوداً في المسجد في اثني عشر من قومه ثم ظهروا إلى الأهواز، وأقبل قوم من بني مِنْقَر فاحتملوا مسعوداً إلى دورهم ثم مثلوا به، وذلك باطل أيضاً.
وقال أبو عبيدة: لما قُتل مسعود وَلَّت الأزد رئاستها زياد بن عمرو بن الأشرف العَتَكي، ثم خرجوا من الغَدِ، وخرجت ربيعة وعليها مالك بن مِسْمَع يطلبون بدماء مَن أصيب منهم، وعبّوا عبد القيس وأَلفافها من أهل هَجَر وعليهم الحَكَم بن مُخَرَّبة مَيْسَرَةً، وعبّوا بكراً وألفافها من عَنَزَةً والنَمر وعليهم مالك بن مِسْمَع مَيْمَنَةً، وعلى الأزد زياد بن عمرو، وهم القلب، وخرجت مُضر وعليها الأحنف بن قيس، وقد عبّأ بني سعد وألفافهم من الأساورة والاندعان وضَبّة وعدياً وعبد مناة وعليهم قبيصة بن حريث بن عمرو بن ضرار الضبَيّ، وعلى الآخرين من بني سعد والأساورة عَبْس بن طَلْق الصَريمي - ويقال طليق فجعلهم بإِزاء الأزد، وعبّأ قيس عَيْلان وعليهم قيس بن بن الهَيثم السُلَمي فجعلهم بإزاء الأزد، وعبد القيس، وعبّأ بني عمرو بن تميم وعليهم عَبَّاد بن الحُصين الحنظلي ومعهم بنو حنظلة بن مالك وأَلفافُها من بني العَمَّ والزُطّ والسَيابجَة، وعلى جماعتهم سَلَمة بن ذُؤَيْب الرِياحي، وجعلهم بإِزاء بكر، وفي ذلك يقول الشاعر من بني عمرو أو بني حنظلة:
стр. 2172
سَيَكْفيك عَبْسٌ أخو كَهْمِسٍ … مُقارَعَةَ الأَزْدِ بالمرْبَدِ
وتَكْفيك قَيْسٌ وَأَلْفافُها … لُكَيْزَ بْنَ أَقْصَى وما عَدَّدوا
وَنَكْفيكَ بَكْرًا وألفافها … بِضَرْبٍ بَشيبُ لَهُ الأْمْرَدُ
فاقتتلوا ثم إنّ عمر بن عبيد الله بن مَعْمر، وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مَشَيا للصلح فيما بينهم حتى التقى الأحنفُ ومالكٌ والعُمَرانِ في الصلح، فجعل الأحنف يَخفّ عند المُراوضة وجعل مالكٌ يَثْقُل، فقال القُرَشيّان: يا أبا بَحْر، مالك تَّخِفُ وقد ذهب حلمك في الناس، ومالكٌ يَرْزُنُ؟ فقال: إنّه يرجع إلى قوم لا يخالفونه إذا قال، وأنا أرجع إلى قوم يتأَبَّون عليّ، فلم يَّتفق بينهم صلح؛ وأجتمعت ربيعة واليمن فكتبوا قتلاهم فلما بلغوا دَّية مسعود كتبوها عشر ديات لأنه كان مُثِّل به، فقال الأحنف لا نَزيدُ على دية رجل من المسلمين فاضطربوا بالأَيْدي والنعِال، ثم عادوا للقتال فاقتتلوا أيامّاً، ثم إنّ عُمَر وعمر أتيا الأحنفَ فعظمّا أمرَ الإسلام وحرمته وحقّ الجوار وقالا: إنّما أنتم إخوان وأصهار ويدٌ على العدوّ، فقال الأحنف: انطلقا فاعقدا على ما أحببتما وأبعدا عني العار، فأتيا ربيعة واليمن، فلما دنوا رماهما السفهاء فركضا حتى وقفا حيث لا ينالهما النَبْل والنُشَاب، وصبّ عبَس بأمر الأحنف عليهم الخيل فأجلت عن قتلى، فقال أهل الحجى منهم: رَمَيتم رجلَين مَشَيا في الصلح بينكم؛ ثم إنهم اجتمعوا على الرضا بما حكم به عمر وعمر، فحمل عمر بن عبيد الله تسع ديات، ويقال حملاها بينهما وقالا: قد لج الأحنف وأبى إلا ديةً وإنما سألنا أن نحكم عليه ونحن أولى بأن نحمل هذا الشيء، قال: ويقال إن بني تميم قالوا: نحن نحملها، وقال عبد الله بن حكيم بن زياد بن
стр. 2173
حوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم: أنا في أيديكم رهينة بهذه الديات، فقبلا ذلك، فقال الفرزدق (١):
ومِنّا الذي أَعْطَى يَدَيْهِ رَهينَةً … لِعارَيْ نِزارٍ قَبلَ ضربِ الجَماجمِ
كَفَى كُلَّ أَمَّ ما تخافُ على ابْنها … وهْنَّ قيامٌ رافِعاتُ المَعاصمِ
عَشيَّةَ سالَ المرْبدان كلاهما … عجاجة موتٍ بالسيوفِ الصوارمِ
رأونا أحق أبني نزارٍ وغيرها … بإصلاحِ صدعٍ بينهم متفاقمِ
حقنا دماء المسلمين فأصبحت … لنا نعمةٌ يثُنى بها في المواسمِ
المدائني عن محمد بن حفص الباهلي عن هلال بن أحوز قال: أتى الغضبان بن القبعثري الأحنف فقال: يا أبا بحر أتيتك في أمر عليك فيه قضاءٌ، قال: أيصلحني وإياك؟ قال: نعم قال: فلا قضاه الله عليّ فيما يصلحنا، فما هو؟ قال: أختاروا واحدة من ثلاث، إن شئتم فاخرجوا من المصر فلا يبقى فيه مضري وتهدر هذه الدماء، وإن شئتم فدوا قتلاناى ولا ندي قتلاكم وتدون مسعوداً عشر ديات، أو الحرب، فقال الأحنف: لا حول ولا قوة إلا بالله لقد سمتمونا خطة الذليل، أما خروجنا عن المصر فإنا لا ندع مهاجرنا ومراكزنا وفيء الله علينا فيه فنتعرب بعد الهجرة، وأما الحرب فلسنا بأجزع فيها منكم، وأما أن ندي قتلاكم ونلغي قتلانا فليس ذلك في صلاحنا، وأما مسعود فرجل مسلم ديته دية رجل من المسلمين، ثم قال الأحنف: في ربيعة عجب شديد.
стр. 2174
المدائني في إسناده قال: لم توادعوا ورضوا بالديات خطب الأحنف فقال: يا معشر الأزد وربيعة إنكم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الصهر، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، ولأزد البصرة أحب إلي من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلي من تميم الشام، فإذا استشرت شأفتكم، وحميت جمرتكم، وأبت حسائك صدوركم أن تلين، ففي أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم، أرضيتم بحمل هذه الديات - يعني ديات الأزد - من أعطيتنا من بيت المال؟ قالوا: رضينا، فضمنها والقيام بها إياس بن قتادة بن أوفى، وأما من رهط الأحنف، وعرض ذلك على غيره من وجود تميم فأباه، وقالت الأزد وربيعة لإياس: قد رضينا بك لأنك رجل شريف مسلم ورع، فقام بذلك، ثم رجع إلى منزله فقال قومه: طلت دماؤنا وحملت دماء الأزد وربيعة فحملها لهم، وكان إياس ناسكاً فقال لبني اتميم: قد وهبت لكم شبيبتي فهبوا لي شيبتي، وأقام يؤذن في مسجده حتى مات، فقال الحسن البصري: علم والله أن القبر يأكل السمن ولا يأكل الإيمان. قال أبو عُبيدة: وحمل القرشيان أو أحدهما تسع ديات أرضوا بها الأزد من دم مسعود، وقال القلاخ في أرجوزته:
ثم بعثنا لهم إياسا … حمال أثقالٍ بها قنعاسا (١)
وقال عمرو بن دراك العبدي:
قتلنا يقتلى الأزد مثنى وضوعفت … ديات وأهدرنا دماء تميمِ
بعشر دياتٍ لأبن عمرو توفيت … عياناً ولم تجعل ضمان نجومِ
نزلتم على حكم الأغر ابن مسمعٍ … على حكمِ طلابِ التراثِ غشومِ
стр. 2175
قال أبو عُبيدة: وكان هذا وببة ملازمٌ لمنزله لا يعين أحداً ولا يدخل في شيء، والناس على الرضا به، وكان متديناً، وكانت هذه الهزاهز ثمانية أشهر أو تسعة أشهر.
وقال أبو الحسن المدائني: خرج نافع بن الأزرق في أيام ببة حتى أتى الأهواز، وخافه الناس، فانتدب مسلم بن عبيس بن كريز لقتاله، فعقد له ببة فسار إلى نافع، فقتل مسلم بدولاب من الأهواز، واختلط أمر الناس، فأخذ ببة نعله فلبسها وصار إلى منزله - وكان متديناً - وقال: لست أحب إصلاحكم بفساد نفسي وديني.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن حبيب بن الشهيد عن الحسن قال: جاء مسعود وعليه قباء ديباج وحوله قومه حتى صعد المنبر فخطب وهم يقولون الشمس.
وقال أبو عُبيدة حدثنا سلام عن الحسن قال: أقبل مسعود من هنا، وأشار إلى منزل الأزد، في أمثال الطير معلماً عليه قباء ديباج أصفر معين بسواد يأمر بالسنة.
وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا محمد بن أبي عيينة حدثني شهرك قال: شهدت عبيد الله بن زياد حين جاء موت يزيد بن معاوية فقام خطيباَ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة أتسبوني فو الله لتجدن مهاجر أبي ومولدي وداري فيكم وبينكم، ولقد وليتكم وما أحصي في ديوان مقاتلتكم إلا أربعون ألفاً، ولا في ديوان عيالاتكم إلا سبعون ألفاً، ولقد أحصي ألي اليوم في ديوانكم ثمانون ألف مقاتلٍ، وفي ديوان عيالاتكم مائة وعشرون ألفا، وما تركت لكم ظنيناً