← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

قال أبو عُبيدة: وقال قوم: مسعود من عيادة صديقٍ له، فلما كان بموضع من بني تميم عرض له خارجي فقتله وذلك بُهْت وباطل، وقال قوم: لما صعد مسعود المنبر وأغفل الناسُ الخوارجَ خرجوا من السجن ودخلوا المسجد لا يلقون أحداً إلّا قتلوه حتى قتلوا مسعوداً في المسجد في اثني عشر من قومه ثم ظهروا إلى الأهواز، وأقبل قوم من بني مِنْقَر فاحتملوا مسعوداً إلى دورهم ثم مثلوا به، وذلك باطل أيضاً. وقال أبو عبيدة: لما قُتل مسعود وَلَّت الأزد رئاستها زياد بن عمرو بن الأشرف العَتَكي، ثم خرجوا من الغَدِ، وخرجت ربيعة وعليها مالك بن مِسْمَع يطلبون بدماء مَن أصيب منهم، وعبّوا عبد القيس وأَلفافها من أهل هَجَر وعليهم الحَكَم بن مُخَرَّبة مَيْسَرَةً، وعبّوا بكراً وألفافها من عَنَزَةً والنَمر وعليهم مالك بن مِسْمَع مَيْمَنَةً، وعلى الأزد زياد بن عمرو، وهم القلب، وخرجت مُضر وعليها الأحنف بن قيس، وقد عبّأ بني سعد وألفافهم من الأساورة والاندعان وضَبّة وعدياً وعبد مناة وعليهم قبيصة بن حريث بن عمرو بن ضرار الضبَيّ، وعلى الآخرين من بني سعد والأساورة عَبْس بن طَلْق الصَريمي - ويقال طليق فجعلهم بإِزاء الأزد، وعبّأ قيس عَيْلان وعليهم قيس بن بن الهَيثم السُلَمي فجعلهم بإزاء الأزد، وعبد القيس، وعبّأ بني عمرو بن تميم وعليهم عَبَّاد بن الحُصين الحنظلي ومعهم بنو حنظلة بن مالك وأَلفافُها من بني العَمَّ والزُطّ والسَيابجَة، وعلى جماعتهم سَلَمة بن ذُؤَيْب الرِياحي، وجعلهم بإِزاء بكر، وفي ذلك يقول الشاعر من بني عمرو أو بني حنظلة:

стр. 2172

سَيَكْفيك عَبْسٌ أخو كَهْمِسٍ … مُقارَعَةَ الأَزْدِ بالمرْبَدِ وتَكْفيك قَيْسٌ وَأَلْفافُها … لُكَيْزَ بْنَ أَقْصَى وما عَدَّدوا وَنَكْفيكَ بَكْرًا وألفافها … بِضَرْبٍ بَشيبُ لَهُ الأْمْرَدُ فاقتتلوا ثم إنّ عمر بن عبيد الله بن مَعْمر، وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مَشَيا للصلح فيما بينهم حتى التقى الأحنفُ ومالكٌ والعُمَرانِ في الصلح، فجعل الأحنف يَخفّ عند المُراوضة وجعل مالكٌ يَثْقُل، فقال القُرَشيّان: يا أبا بَحْر، مالك تَّخِفُ وقد ذهب حلمك في الناس، ومالكٌ يَرْزُنُ؟ فقال: إنّه يرجع إلى قوم لا يخالفونه إذا قال، وأنا أرجع إلى قوم يتأَبَّون عليّ، فلم يَّتفق بينهم صلح؛ وأجتمعت ربيعة واليمن فكتبوا قتلاهم فلما بلغوا دَّية مسعود كتبوها عشر ديات لأنه كان مُثِّل به، فقال الأحنف لا نَزيدُ على دية رجل من المسلمين فاضطربوا بالأَيْدي والنعِال، ثم عادوا للقتال فاقتتلوا أيامّاً، ثم إنّ عُمَر وعمر أتيا الأحنفَ فعظمّا أمرَ الإسلام وحرمته وحقّ الجوار وقالا: إنّما أنتم إخوان وأصهار ويدٌ على العدوّ، فقال الأحنف: انطلقا فاعقدا على ما أحببتما وأبعدا عني العار، فأتيا ربيعة واليمن، فلما دنوا رماهما السفهاء فركضا حتى وقفا حيث لا ينالهما النَبْل والنُشَاب، وصبّ عبَس بأمر الأحنف عليهم الخيل فأجلت عن قتلى، فقال أهل الحجى منهم: رَمَيتم رجلَين مَشَيا في الصلح بينكم؛ ثم إنهم اجتمعوا على الرضا بما حكم به عمر وعمر، فحمل عمر بن عبيد الله تسع ديات، ويقال حملاها بينهما وقالا: قد لج الأحنف وأبى إلا ديةً وإنما سألنا أن نحكم عليه ونحن أولى بأن نحمل هذا الشيء، قال: ويقال إن بني تميم قالوا: نحن نحملها، وقال عبد الله بن حكيم بن زياد بن

стр. 2173

حوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم: أنا في أيديكم رهينة بهذه الديات، فقبلا ذلك، فقال الفرزدق (١): ومِنّا الذي أَعْطَى يَدَيْهِ رَهينَةً … لِعارَيْ نِزارٍ قَبلَ ضربِ الجَماجمِ كَفَى كُلَّ أَمَّ ما تخافُ على ابْنها … وهْنَّ قيامٌ رافِعاتُ المَعاصمِ عَشيَّةَ سالَ المرْبدان كلاهما … عجاجة موتٍ بالسيوفِ الصوارمِ رأونا أحق أبني نزارٍ وغيرها … بإصلاحِ صدعٍ بينهم متفاقمِ حقنا دماء المسلمين فأصبحت … لنا نعمةٌ يثُنى بها في المواسمِ المدائني عن محمد بن حفص الباهلي عن هلال بن أحوز قال: أتى الغضبان بن القبعثري الأحنف فقال: يا أبا بحر أتيتك في أمر عليك فيه قضاءٌ، قال: أيصلحني وإياك؟ قال: نعم قال: فلا قضاه الله عليّ فيما يصلحنا، فما هو؟ قال: أختاروا واحدة من ثلاث، إن شئتم فاخرجوا من المصر فلا يبقى فيه مضري وتهدر هذه الدماء، وإن شئتم فدوا قتلاناى ولا ندي قتلاكم وتدون مسعوداً عشر ديات، أو الحرب، فقال الأحنف: لا حول ولا قوة إلا بالله لقد سمتمونا خطة الذليل، أما خروجنا عن المصر فإنا لا ندع مهاجرنا ومراكزنا وفيء الله علينا فيه فنتعرب بعد الهجرة، وأما الحرب فلسنا بأجزع فيها منكم، وأما أن ندي قتلاكم ونلغي قتلانا فليس ذلك في صلاحنا، وأما مسعود فرجل مسلم ديته دية رجل من المسلمين، ثم قال الأحنف: في ربيعة عجب شديد.

стр. 2174

المدائني في إسناده قال: لم توادعوا ورضوا بالديات خطب الأحنف فقال: يا معشر الأزد وربيعة إنكم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الصهر، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، ولأزد البصرة أحب إلي من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلي من تميم الشام، فإذا استشرت شأفتكم، وحميت جمرتكم، وأبت حسائك صدوركم أن تلين، ففي أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم، أرضيتم بحمل هذه الديات - يعني ديات الأزد - من أعطيتنا من بيت المال؟ قالوا: رضينا، فضمنها والقيام بها إياس بن قتادة بن أوفى، وأما من رهط الأحنف، وعرض ذلك على غيره من وجود تميم فأباه، وقالت الأزد وربيعة لإياس: قد رضينا بك لأنك رجل شريف مسلم ورع، فقام بذلك، ثم رجع إلى منزله فقال قومه: طلت دماؤنا وحملت دماء الأزد وربيعة فحملها لهم، وكان إياس ناسكاً فقال لبني اتميم: قد وهبت لكم شبيبتي فهبوا لي شيبتي، وأقام يؤذن في مسجده حتى مات، فقال الحسن البصري: علم والله أن القبر يأكل السمن ولا يأكل الإيمان. قال أبو عُبيدة: وحمل القرشيان أو أحدهما تسع ديات أرضوا بها الأزد من دم مسعود، وقال القلاخ في أرجوزته: ثم بعثنا لهم إياسا … حمال أثقالٍ بها قنعاسا (١) وقال عمرو بن دراك العبدي: قتلنا يقتلى الأزد مثنى وضوعفت … ديات وأهدرنا دماء تميمِ بعشر دياتٍ لأبن عمرو توفيت … عياناً ولم تجعل ضمان نجومِ نزلتم على حكم الأغر ابن مسمعٍ … على حكمِ طلابِ التراثِ غشومِ

стр. 2175

قال أبو عُبيدة: وكان هذا وببة ملازمٌ لمنزله لا يعين أحداً ولا يدخل في شيء، والناس على الرضا به، وكان متديناً، وكانت هذه الهزاهز ثمانية أشهر أو تسعة أشهر. وقال أبو الحسن المدائني: خرج نافع بن الأزرق في أيام ببة حتى أتى الأهواز، وخافه الناس، فانتدب مسلم بن عبيس بن كريز لقتاله، فعقد له ببة فسار إلى نافع، فقتل مسلم بدولاب من الأهواز، واختلط أمر الناس، فأخذ ببة نعله فلبسها وصار إلى منزله - وكان متديناً - وقال: لست أحب إصلاحكم بفساد نفسي وديني. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن حبيب بن الشهيد عن الحسن قال: جاء مسعود وعليه قباء ديباج وحوله قومه حتى صعد المنبر فخطب وهم يقولون الشمس. وقال أبو عُبيدة حدثنا سلام عن الحسن قال: أقبل مسعود من هنا، وأشار إلى منزل الأزد، في أمثال الطير معلماً عليه قباء ديباج أصفر معين بسواد يأمر بالسنة. وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا محمد بن أبي عيينة حدثني شهرك قال: شهدت عبيد الله بن زياد حين جاء موت يزيد بن معاوية فقام خطيباَ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة أتسبوني فو الله لتجدن مهاجر أبي ومولدي وداري فيكم وبينكم، ولقد وليتكم وما أحصي في ديوان مقاتلتكم إلا أربعون ألفاً، ولا في ديوان عيالاتكم إلا سبعون ألفاً، ولقد أحصي ألي اليوم في ديوانكم ثمانون ألف مقاتلٍ، وفي ديوان عيالاتكم مائة وعشرون ألفا، وما تركت لكم ظنيناً

стр. 2176

أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم، وإن أمير المؤمنين قد توفي، وولى عهده من بعده معاوية بن يزيد ابنه، وإنكم اليوم أكثر الناس عدداً وأعرضهم فيئاً، وأغناهم عن الناس، فاختاروا لأنفسكم رجلاً ترضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول من يرضى ويبايع ويعين بنصيحته وماله، فإذا أجتمع أهل الشام على رجل يرضونه لدينهم دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، ولا نعلم أحداً أقوى عليها منك فهلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في ذلك فاختاروا لأنفسكم، فلما كرروا عليه القول بسط يده ودعاهم إلى بيعته فبايعوه، ثم انصرفوا وهم يقولون: أيظن أبن مرجانة أننا ننقاد له في الجماعة والفرقة، كذب والله؛ ثم وثبوا به. حدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير حدثنا غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد قال: بايعوا عبيد الله بن زياد ثم قالوا: أخرج لنا إخواننا. وكانت السجون مملوءة من الخوارج، فقال: لا تفعلوا فإنهم يفسدون عليكم، فقالوا: لا بد من إخراجهم، فجعلوا يخرجون ويبايعونه فما تتامَّ آخرهم حتى جعلوا يغلظون له. حدثني أبو خثيمة زهير بن حرب حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثنا أبي عن مصعب بن يزيد قال: لما مات يزيد بن معاوية نعاه ابن زياد وقال: اختاروا لأنفسكم، قالوا: قد رضينا بك، ثم خرجوا فجعلوا يمسحون أيديهم بجدر دار الإمارة ويقولون: هذه بيعة ابن مرجانة، واجترأ الناس عليه حتى جعلوا يأخذون دوابه من مربطه.

стр. 2177

حدثني أحمد بن إبراهيم وخَلَفَ بن سالم قالا حدثنا وهب بن جرير حدثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سُمَير أنّ شَقيق بن ثَوْر، ومالك بن مِسْمَع، وحَضين بن المنذر أتوا ابن زياد وهو في دار الإمارة ليلاً، قبل أن يتحوّل إلى مسعود بن عمرو، فأقاموا عنده عامّة ليله ثم خرجوا ومعهم بغل موقر مالاً، فقال رجل من بني سدوس: خوفتهم بأن أنادي أن فلاناً وفلاناً قد اجتمعوا في دمائكم، فأعطوه خمسمائة درهم. وحدثني أبو خَثْيَمة وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا القاسم بن الفضل الحُدّاني قال: أخرج ابن زياد الحَروريّة من السجن حين طُلب إليه، فخرجوا مع نافع بن الأزرق فعسكروا بالمرْبَد، فلما رأى ذلك ابن زياد خافهم على نفسه، فعرض نفسه على أشراف أهل البصرة فكرهوا وأبو أن يقبلوه، فأرسل إلى الحارث بن قيس، فمضى به إلى منزل مسعود. وحدثني أبو خثيمة وأحمد بن إبراهيم قالا حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن الزبير بن خريت عن أبي لبيد عن الحارث بن قيس قال، قال ابن زياد: إني لأعرف سُوء رأيٍ كان في قومك، ولكنهم قوم كرام كان بلاؤهم عند أبي جميلاً، فرققت له فأردفته على بغلي ليلاً، وأخذت به على بني سليم، فقال: من هؤلاء قلت: بن سليم، قال: سلمنا إن شاء الله، ثم مررنا ببني ناجية ومعهم السلاح، وكان الناس يومئذ يتحارسون فقال رجل منهم: هذا والله ابن مرجانة خلف الحارث بن قيس فرماه بسهم وقع في كْور عمامته، فقال: يا أبا محمد من هؤلاء؟

стр. 2178

قلت: الذين كنت تزعم أنهم من قريش، هؤلاء بنو ناجية فقال: نَجوتُ إن شاء الله. قال وهب: وحدثني القاسم بن الفضل الحداني بنحو هذا الحديث وزاد فيه: ومرننا ببني طاحية فوثبوا علينا وتشبثوا بنا حتى أفتدينا منهم بشيء. وحدثني أبو خيثمة وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن الزبير بن خريت عن أبي لبيد عن الحارث بن قيس قال: قال لي ابن زياد: إنك قد أحسنت وأجملت، فهل أنت صانع ما أشير به عليك؟ قد عرفت منزلة مسعود بن عمرو وشَرَفه وسنه وطاعة قومه له، فهل لك في أن تذهب بي إليه فأكون في داره فهي في وسط الأزد؟ قال: فانطلقت به فما شعر مسعود بشيء حتى دخلنا عليه وهو جالس يوقد له بقصب على لبنةٍ، وهو يعالج خفيه حتى خلع أحدهما وبقي الآخر، فلما نظر في وجوهنا عرفنا فقال: إنه كان يتعوذ من طارق السوء وإنكما لمن طارق السوء، قال الحارث: فقلنا أتخرج رَجُلاً قد دخل إليك متعوذاً بك؟ قال: فأمره فدخل بيت عبد الغافر بن مسعود وامرأته خيرة بنت خفاف بن عمرو، ثم ركب مسعود من تَحْتِ ليلته ومَعه الحارث وجماعة من قومه فطافوا في الأزد وهم في مجالسهم فقالوا: إن ابن زياد قد فقد ولا نأمن أن تلطخوا به، فأصبحوا في السلاح، فأصبحت الأزد في السلاح، وفقد الناس ابن زياد فقالوا: أيْن توجه؟ وما هو في الأزد؛ فقالت عجوز من بني عقيل: اندحس والله في أجمة أبيه - يعني الأزد - لأن أباه كان فيهم أيّام دار ابن الحَضْرمَي.

стр. 2179

قال وهب فقال جرير بن حازم: أقبلت الحرورية إلى الأزد فخرجوا إليهم فقاتلوهم حتى نفوهم، ومرج أمرُ الناس. وحدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير حدثنا غسان بن مضرعن سعيد بن يزيد ابن زياد قال لمسعود في بعض الليالي: أبعث إلي رجلاً من الأزد نستشيره، فبعث إلى رجل منهم يقال له حدش الأعور، فجاء يجر ملحفته، فقال له مسعود: هذا ابن زياد وقد بعث إليك يستشيرك، فقال لابن زياد: والله ما أتيتنا لمعروفٍ صنعته إلينا، ولقد كنت تقضينا وتهيننا وتذمنا وتقع فينا لم ترض حتى جئتنا لتهريق دمائنا، ثم أقبل على مسعود فقال له: أيها الشيخ الأحمق ادفن هذا ولا تره أحداً من الناس حتى تدسه فينطلق فيكون كطائر وقع ثم طار، فقال ابن زياد: أين كنا عن مثل هذا الرأي قبل اليوم؟ فأخرجه في نحو من ستين أو سبعين من الأزد معه. حدثنا أبو خيثمة حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير بن خريت عن خيرة بنت خفاف قالت: كان ابن زياد يقبل عليّ فيشكو بثه وهو في حجلتي، فإذا أتته امرأته هند بنت أسماء الفزارية ضاحكها وحثها وذهب عنه الهم حتى كأنه لم يصبه شيء، وكان أرفق الناس كفاً، رقعت يوماً ثوباً لي فقال: ما أرى رفقاً، وأخذه فعالجه فإذا أرفق الناس. حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير بن خريت قال: بعث مسعود مع ابن زياد مائة عليهم فروة بن عمر حتى قدموا به الشام. وحدثني أبو خيثمة حدثنا وهب عن أبيه عن الزبير بن خريت قال: أقام ابن زياد عند مسعود نحواً من ثلاثة أشهر.

стр. 2180

وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير بن خريت عن أبي لبيد أن أهل البصرة اجتمعوا فقلدوا أمرهم النعمان بن صهبان الأزدي ثم الراسبي، ورجلاً من مضر، ليختارا لهم رجلاً يولونه عليهم، فقالوا: من رضيتماه لنا فقد رضينا به، قال وهب: وقال غير أبي لبيد: إن الرجل قيس بن الهيثم السلمي، قال: وكان رأي المضري في بني أمية، ورأي النعمان في بني هاشم، فقال النعمان للمضري: ما أرى أحداً أولى بهذا الأمر من فلان، يعني رجلاً من بني أمية، قال: أوذاك رأيك؟ قال: نعم قال: فقد قلدتك أمري ورضيت بمن رضيت به، ثم خرجا إلى الناس فقالوا لهما: ماصنعتما؟ فقال المضري: رضيت بمن رضي به النعمان فمن سمى فأنا راضٍ به، فقال الناس للنعمان: ماتقول؟ فقال الذي سميت فقال: إنه لهو، فرضي الناس ببة وبايعوه. قال وهب: فحدثني ابن أبي عيينة عن سبرة بن النحف قال: بايعوا عبد الله بن الحارث، وغدت الأزد مع مسعود للبيعة. وحدثني خلف بن سالم المخزومي حدثنا وهب بن جرير حدثنا غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد عن إبراهيم بن عبد الله قال: سارت الأزد وربيعة حتى أتوا المسجد، وصعد مسعود بن عمرو المنبر، ثم خرج وخرجنا فإذا بمسعود على بغلته وقد ازدحم الناس عليه حتى سقط، وأقبل ابن الأزرق من قبل بني سليم في نحو من أربعين يحكمون، فقصدوا له فضربوه بأسيافهم حتى قلوه، قال خلف: قال وهب: فكان يقال إن الأحنف بعث إلى الخوارج فحرضهم عليه.

стр. 2181

وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن القاسم بن الفضل الحداني قال: لما بايعوا عبد الله بن الحارث انطلقت الأزد مع مسعود للبيعة، ووقفت بكر بن وائل بالمربد، فلما كان الغد أراد بنو بكر أن ينطلقوا للبيعة فأتاهم ناس من قومهم حرورية فقالوا: لا تنطلقوا فإنا نخاف عليكم الحرورية إلا أن ينطلق معكم الأزد، فكلمت ربيعة مسعوداً في ذلك، فقال له عبد الله بن حوذان: ألا تسير معهم؟ قال: قد بايعنا أمس ووقفوا بالمربد فدعهم فلينطلقوا ونقف لهم بالمربد، فإن أتاهم شيء أعناهم وأغثناهم، فقالوا لمسعود: لابد من أن تسير معنا، فقال له ابن حوذان: والله لئن ذهبت لا ترجع، والله لا أسير معك، فإنا لم نخرج أمس حتى ظننا أنك لا ترجع، فسار مسعود معهم، وتخلف ابن حوذان، وناس من الأزد، فلما كان مسعود بالرحبة ازدحم الناس عليه فلم يشعر حتى أتاه قوم من الحرورية فقتلوه، وهرب الناس. حدثني أحمد بن إبراهيم حدثني وهب بن جرير عن أبيه عن مصعب بن يزيد قال: كان مسعود يدعو إلى بني أمية وقد بايعه قوم، وكانت الخوارج قد ظهرت بالبصرة وكانت تطلبه، فقتله قوم منهم وقد انصرف من المسجد، فلما انصرف الأزد وجدته في بني منقر وقد مثل به، فرميت به بنو تميم، فاقتتلوا ثم اصطلحوا، واجتمع أهل البصرة على عبد الله بن الحارث ببة، فبايعوه، ثم إنه كثر الشر والقتال فاعتزلهم. حدثنا خلف بن سالم حدثنا وهب بن جرير عن محمد بن أبي عيينة قال: حدثت أن مسعوداً لما قتل اجترته بنو منقر إلى دور بني إبراهيم فأصبح وقد مثل به وأصبحت بنو تميم ترمى بقتله.

стр. 2182

حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب أخبرني القاسم بن الفضل الحداني عن اشياخه قالوا: لما قتل مسعود جعلت الأزد زياد بن عمرو العتكي رئيساً عليهم، والمهلب بن أبي صفرة يومئذٍ غائب، فلما قدم أتاه زياد فقال له: اني قد كفيتك أمر قومك ما غبت، فأما إذ شهدت فشأنك بهم، وجاءت الأزد فدخلت على المهلب فقال لهم: ألجأتم هذا العبد وناويتم أهل بلدكم، فغضب الأزد وقالت: إنما سيدنا من غضب لغضبنا ورضي لرضانا، ثم انطلقوا فشق ذلك على المهلب ومضى إلى ابن الزبير وأظهر أنه كاتبه في القدوم عليه واجتمعت تميم إلى الأحنف فقالوا: إن الأزد قد اجتمعت علينا ولا بد أن تلي أمرنا فقال: لا إلا أن تجعلوا الأمر إليّ فما امضيته قبلتموه وأمضيتموه، اتهمتم بقتل مسعود ولم تنتفلوا من دمه، فولوا أمرهم فسار بهم إلى المربد، واجتمعت الأزد وبكر بن وائل فاقتتلوا ثم توافقوا، فبعث الأحنف إلى زياد بن عمرو أن هلم فرسوا بيننا صلحاً، وبعثوا بالغضبان بن القبعثرى الشيباني فأتى الأحنف فقال: تدي قتلانا فندعهم وأما قتلاهم فنديهم، وأما دية مسعود فكدية رجل مسلم. وحدثني أحمد بن إبراهيم وأبو خيثمة زهير بن حرب قالا: حدثنا وهب بن جرير أنبأنا حماد بن زيد أنبأنا خالد الحذاء عن المثنى بن عفان قال: رأيت الأحنف يطوف في المسجد على الحلق وهو يقول: إنكم تلقون عدوكم غداً فاصبروا فإنهم يألمون كما تألمون. وحدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب حدثنا محمد بن أبي عيينة قال: حدثت أن الأحنف قال: يامعشر الأزد اتقوا الله فإنا والله ما نحن قتلنا

стр. 2183

مسعوداً إنما قتله الخوارج، قالوا: فإنا وجدناه عندكم في دوركم وما نطلب به إلا من وجدناه عنده قتيلاً وفي داره، قال الأحنف: فما الذي يرضيكم؟ قالوا: واحدة من ثلاث، ترحلون فتلحقون بباديتكم وتخلون بيننا وبين المصر، أو تقيمون الحرب بيننا وبينكم حتى تكون الدار لنا أو لكم، أو تدون مسعوداً عشر ديات وتهدرون قتلاكم وتدون قتلانا، فقال الأحنف: أما هذه فقد قبلناها، واما الأُخريان فلا، فدعا لها أناساً من قومه فأبوا أن يحملوها، فدعا لها إياس بن قتادة فتحملها وأداها كلها من عطائه وأعطيات قومه وأمواله، فقال الفرزدق: ومنا الذي أعطى يديه رهينة … لغار نزارٍ يوم ضرب الجماجمِ كفى كل يوم أم ما تخاف على ابنها … وهن قيامٌ رافعاتُ المعاصمِ قال: وكان الأحنف قام في قومه يحرضهم على الأزد في الليلة التي اقتتلوا في صبيحتها فكان ذلك مما تعلق به عليه. وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب عن القاسم بن الفضل الحداني عن أشياخه قالوا: لم يزالوا في أمرهم وقد أبوا أن يدوا مسعوداً إلا دية رجلٍ من المسلمين حتى قدم القباع وهو الحارث بن عبد الله المخزومي، أميراً من قبل عبد الله بن الزبير، فأخبر بأن الأحنف كره أن يحمل دية مسعود مائة ألف، فقال: قد تحملتها من بيت المال، فقالت له الأزد: فمن يقوم لنا بذلك؟ فدعا الأحنف إياس بن قتادة وهو ابن اخته فاصطلح الناس وودوا قتلى الأزد وهدروا قتلاهم، وأعطى القباع - وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة - مائة ألف درهم من بيت المال فقام بذلك إياس بن قتادة.

стр. 2184

وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن الزبير قال: وليهم عبد الله بن الحارث ببة أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز فقال الناس قد أكل الناس بعضاً، تؤخذ المرأة من الطريق فتفضح فما يمنعها أحد، قال: فتريدون ماذا؟ قالوا: تشهر سيفك وتبسط يدك، فقال: ما كنت لأصلح أمركم بفساد أمري؛ ثم انتقل ولحق بأهله وأمر الناس عليهم عبيد الله بن عبيد الله بن معمر التيمي أخا عمر بن عبيد الله. وحدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن صعب بن يزيد أن الطاعون الجارف وقع بالبصرة وعبيد الله بن عبيد الله بن معمر التيمي عليها، فماتت أمه فما وجدوا من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إلى حفرتها، وهو الأمير يومئذٍ. وقال هشام بن الكلبي: صلى بهم ببة أشهراً ثم أمروا عليهم عمر بن عبيد الله فاستخلف أخاه. قالوا: وكان من موالي آل أبي سفيان بن حرب عبد الله بن هرمز مولى عنبسة وكان على ديوان الجند زمن الحجاج ثم ولده من بعده، وله يقول القائل: أعوذ بالله الأحد … من هرمزٍ وما ولدْ وكان قدرهم بالبصرة عظيماً وكان لهم يسار، وعبد الله بن دراج مولى معاوية ولاه خراج الكوفة مع معونتها وكان قدم مكة أيام ابن الزبير فقتله، فقال ابن الزبير الشاعر:

стр. 2185

أيها العائذ في مكة كم … من دمٍ تسفكه من غير دم أيد عائذةٌ معصمةٌ … ويدٌ تقتل من جاء الحرمْ وولد سفيان بن أمية (١) الحارث، وطليقاً، وحمنة وهي أم سعد بن أبي وقاص؛ وكان لسفيان قدر في زمانه، وكان حكيم بن طليق من المؤلفة قلوبهم، أعطاه النبي ﷺ يوم حنين مائة من الإبل، وكان له ابن يقال له مهاجر تزوج ابنته زياد بن سمية فدرج عقبه. وكان من بني أبي سفيان بن أمية سفيان بن أمية بن أبي سفيان بن أمية، وهو الذي قدم بموت عليّ ﵇ إلى الحجاز.

стр. 2186

وولد العاص بن أمية سعيداً أبا أحيحة، وأم حبيب تزوجها عمر بن عبيد الله بن أبي قيس من بني عامر بن لؤي خلف عليها بعد أخٍ له؛ وكان أبو أحيحة عظيم القدر عزيزاً في قومه وكان إذا اعتم لم يعتم أحدٌ بمكة بلون عمامته إعظاماً له، وكان يقال له ذو التاج وذو العمامة، وكان عظيم النخوة وأدرك النبي ﷺ ، فلما احتضر بكى فقال له أبو جهل وأبو لهب: مايبكيك؟ فقال: والله ما أبكي جزعاً من الموت ولكن أخاف أن يُعبد إله ابن أبي كبشة بعدي، فأبكي على العزى ومفارقتها، ومات فدفن بالظريبة. وأم أبي أحيحة ريطة بنت البياع بن عبد ياليل من كنانة. فمن ولد أبي أحيحة أحيحة بن سعيد، قتل يوم الفجار، قتلته خزاعة وله عقب، وأمه هند بنت المغيرة؛ والعاص بن سعيد، وعبيدة بن سعيد قُتلا يوم بدر

стр. 2187

كافرين، فأما عبيدة فقتله الزبير، وأمه صفية بنت المغيرة، وأما العاص فقتله عليّ بن أبي طالب وأمه هند بنت المغيرة. وخالد بن سعيد بن العاص ويكنى أبا سعيد وأمه ثقفية وكان قديم الإسلام، رأى في منامه كأنه وقف على شفير جهنم فذكر من نعتها ما الله به أعلم، ورأى كأن أباه جعل يدفعه فيها ورسول الله ﷺ آخذ بحقوبيه لئلا يقع فيها، فلقي أبا بكر فأعلمه فقال له أبو بكر: تدرك خيراً، هذا رسول الله فاتبعه فإن الإسلام هو الذي يمنعك من الوقوع في النار، وأبوك واقع فيها فإن أطعته واتبعته كنت معه، فلقي خالد رسول الله ﷺ فقال له: يا محمد إلى ما تدعو؟ فقال: إلى الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا يعرف من عَبَده ممن لم يعبده، فقال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فسرّ النبي ﷺ بإسلامه. ويقال أنه رأى ناراً خرجت من زمزم فملأت الأفقين وسمع قائلاً يقول: هلكت اللات والعزى، فأتى النبي ﷺ فقص عليه رؤياه ثم أسلم؛ ولما أسلم خالد تغيب، وبلغ أباه فأرسل في طلبه إلى الطائف فلم يوجد بها فأخبر أنه بأعلى مكة في شعب أبي دب الخزاعي، فأرسل إليه أبان وعمراً أخويه ورافعاً مولاه فوجدوه قائماً يصلي، فأتوه به فأنبه وبكته وضربه بعصاً كانت معه حتى كسرها وقال: اتبعت محمداً وأنت ترى خلافة لقومه وما جاء به من عيب آلهتهم والزري (١) على من مضى من آبائهم، وزعمه

стр. 2188

أن بعد موتهم ناراً يخلدون فيها، فقال خالد: قد اتبعته وهو والله صادق، فقال: أو تصدقه أيضاً؟ فحدثه رؤياه فشتمه أبو أحيحة وقال: اذهب يالكع حيث شئت فوالله لأمنعنك القوت، وأمر بنيه أن لا يكلموه، ولقي أبا سفيان بن حرب فقال له: هدمت شرفك، قال: بل شيدته وعمرته، فقال: أنت غلام حدث ولو بُسط عليك العذاب لأقصرت، فانصرف خالد فلزم رسول الله ﷺ ، وكثر تأنيب قريش له، ودخل أبو جهل على أبي أحيحة فقال له: والله أضعفت أم ضجعت الرأي أم أدركت المنافية، فقال أبو أحيحة. والله لقد غاظني أمر محمد وإنه لأوسطنا نسباً، ولقد نشأ صادق الحديث مؤدياً للأمانة، ولقد جاء بدينٍ مُحدثٍ فرق به جماعتنا وشتت أمرنا وأذهب بهاءنا، ولئن صدقني ظني فيه ليخرجن إلى قوم يقوى بهم علينا، فقال أبو جهل: لا تقل هذا فما الفرج لنا إلا في خروجه عنا وتحوله من دارنا حتى تعود أُلفتنا. وروي عن أم خالد بنت خالد بن سعيد أنها قالت: كان أبي خامساً في الإسلام، تقدمه ابن أبي طالب وزيد بن حارثة وابن أبي قحافة وسعد بن أبي وقاص. قالوا: وقدم عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي على قيصر، وكان قد رفض الأوثان ومات على النصرانية، فكان ترجمان قيصر يحرف ما يقول له عثمان فلا يرى عند قيصر ما يحب، فبينا هو يمر يوماً في مدينة قيصر إذ سمع رجلاً في زي الروم يتكلم بالعربية وينشد بيتاً فقال له: يا هذا ممن أنت؟ قال: أنا عربي من بني أسد فاكتم ما سمعت، فشكا إليه جفوة قيصر فقال: قد بلغني خبرك، وإنما تؤتى من الترجمان، فدخل عثمان

стр. 2189

على قيصر فدعا له الترجمان فقال: قل للملك إن الكذوب الفاجر الغادر، قال الملك: هيه، فالتزم عثمان الترجمان يريد أنه الموصوف بهذه الصفة، فقال: إن لهذا العربي لقصة، فدعا له ترجماناً آخر فكلمه وأدى عنه إلى قيصر فقال: إني ضارب للملك ضريبة على قريش يؤدونها إليه كل عام إذا جاؤوا بتجاراتهم، فأتى مكة فقال لقريش وغيرها: إن قيصر يأمركم أن تجعلوا له ضريبة عليكم وإلا منعكم من الدخول إلى بلاده، فزبروه وأغلظوا له وعابوا دينه، وكان أشدهم عليه أبو أحيحة والوليد بن المغيرة، ثم إن أبا أحيحة قدم الشام ومعه أبو ذؤيب هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس أحد بني عامر بن لؤي، وكان أبو ذؤيب ابن اخته، فسعى بهما عثمان إلى قيصر وقال: إن هذين اعترضا عليّ وحملا قريشاً على مخالفتي، فحبس قيصر أبا أحيحة والوليد وعدةً من قريش، فمات أبو ذؤيب في الحبس، وتكلم عثمان في الباقين فخلوا، فقالت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب: أبلغ لديك بني عمي مغلغلة … حرباً وعفان أهل الصيت والحسب وابني ربيعة والأعياص كلهم … واعمم بني عبد شمس سادة العربِ ما لي أراكم قعوداً في بيوتكم … وخيركم منكم للجار ذي الجنب وذو الحفاظ على جل الأمور إذا … نابت نوائبها في شدة الكربِ أبو أحيحة محبوس لدى ملكٍ … بالشامِ في غير ما ذنبٍ ولا ريبِ لو كان بعضكم في غير محبسه … ألفيتموه شديد الهم والنصبِ إن الذي صده عنكم وثبطكم … عبدٌ لعبدٍ لئيمٍ حقُّ مجتلبِ لو كان صميماً في أرومتكم … لشفه ما عناكم غير ما كذبِ

стр. 2190

ومن ولد أبي أحيحة. عمرو بن سعيد بن العاص ويكنى أبا عتبة، سمع قول أخيه خالد ودعاه إلى الإسلام، فأتى رسول الله ﷺ فأسلم، وهاجر خلد وعمرو إلى أرض الحبشة وأقاما بها حتى قدما مع أصحاب السفينتين حين قدم جعفر بن أبي طالب، فوافوا رسول الله ﷺ بخيبر، وكلم رسول الله ﷺ المسلمين في خالد وعمرو فأسهموا لهما في الغنيمة. ويقال إن خالداً هاجر إلى الحبشة ثم أتى عمرو النبي ﷺ فأسلم ولحق بخالد بالحبشة، وولى رسول الله ﷺ خالداً صدقات اليمن، ويقال: ولاه أمر بني زبيد خاصة، فتوفي رسول الله ﷺ وهو باليمن وقدم منها بعد أن بويع أبو بكر، فكان جالساً في بيته نحواً من ثلاثة أشهر، فمر عليه أبو بكر مظهراً وهو في داره فسلم فقال: أتحب أن أبايعك؟ قال أبو بكر: أحب أن تدخل فيما دخل فيه الناس، فقال له: موعدك العشية؛ فجاءه وهو على المنبر فبايعه، وكان قال حين قدم من اليمن لعلي وعثمان: أرضيتم يابني عبد مناف بأن يلي عليكم الأمر غيركم؟ فاحتملها أبو بكر، وحقدها عمر ﵃، واستشهد خالد يوم مرج الصفر بالشام، ويقال أنه استشهد يوم اليرموك، وكان ممن كتب لرسول الله ﷺ . ووهب عمرو بن معدي كرب لخالدٍ سيفه الصمصامة وقال: حبوت به كريماً من قريشٍ … فسرَّ به وصين عن اللئام (١) فأعطاه خالد خاتم ذهب كان عليه.

стр. 2191

وولى رسول الله ﷺ عمرو بن سعيد قرى عربية منها تبوك وخيبر وفدك واستشهد يوم أجنادين بالشام، ويقال: يوم فحلٍ بالأردن، وأمه صفية بنت المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وأبان بن أبي أحيحة ويكنى أبا الوليد وأمه صفية بنت المغيرة وكان مقيماً بمكة حتى قدم خالد وعمرو ابنا أبي أحيحة من أرض الحبشة، فكتبا إليه يدعوانه إلى الإسلام فأجابهما وخرج حتى أتى المدينة مسلماً، وصار معهما إلى خيبر، وكان أبان أجار عثمان بن عفان وأنزله حين دخل مكة في عمرة القضية، وأبان يومئذ كافر، ولما رأى أبو أحيحة أن عمراً وخالداً قد أسلما غمه ذلك، فشخص إلى الطائف فاعتزل في مال له هناك، ومات بعد الهجرة بسنة أو سنتين وله تسعون سنة، فلما غزا رسول الله ﷺ الطائف رأى أبو بكر قبر أبي أحيحة مشرفاً قال: لعن الله صاحب هذا القبر فإنه كان ممن يحاد الله ورسوله، فقال أبناه عمرو وأبان، وهما مع رسول الله ﷺ : بل لعن الله أبا قحافة فإنه كان لا يقري الضيف ولا يمنع الضيم، فقال رسول الله ﷺ . " سب الأموات يؤذي الأحياء فإذا سببتم فعموا ". وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن ابن خربوذ عن مشايخ أهل مكة أن أبا أحيحة مات بالظريبة، وكان عمرو وخالد ابناه مهاجرين بالحبشة، فكتبا إلى أبان أخيهما يدعوانه إلى الإسلام واللحاق بهما فقال: ألا ليتَ ميتاً بالظريبةِ شاهدُ … لما يفتري في الدينِ عمروٌ وخالدٌ أطاعا بنا أمرَ الغواةِ فأصبحا … يعينانِ من أعدائِنا ما نُكابِدُ

стр. 2192

فأجابه خالد: أخي ما أخي لا شاتمٌ أنا عِرضهُ … ولا هو عن سوءِ المقالةِ يقصرُ يقولُ إذا شدت عليه أمورُه … إلا ليت ميتاً بالظريبةِ ينشرُ فدعْ عنكَ ميتاً قد مضى لسبيله … وأقبل على الحق الذي هو أحضرُ فأسلم حين قدم أخوه من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، ولحق برسول الله ﷺ وولاه رسول الله ﷺ واستشهد أبان يوم أجنادين بالشام؛ وقال بعضهم: توفي في سنة تسع وعشرين، وقيل إنه توفي يوم فحل بالشام، والأول أثبت. ومن ولد أبي أحيحة سعيدُ بن سعيد بن العاص وأمه هند بنت المغيرة أخت صفية أم عمرو، فلحق سعيد بالمدينة بعد أبان فقلده النبي ﷺ بعض أمره، واستشهد مع رسول الله ﷺ يوم الطائف. والحكم بن أبي أحيحة وأمه هند بنت المغيرة، لحق بإخوته مسلماً قبل الفتح فسماه رسول الله ﷺ عبد الله وجعله يعلم الحكمة بالمدينة واستشهد يوم مؤتة، ويقال يوم اليمامة، ويقال إنه تلقى رسول الله ﷺ مسلماً فيمن تلقاه وهو يريد مكة. وكان لأبي أحيحة فيما ذكر غير الكلبي ابن يقال له عياش درج.

стр. 2193

ومن بني أبي أحيحة سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، وأمه أم كلثوم من ولد عامر لم لؤي، ويكنى أبا عثمان، ويقال أبا عمرو، وكان جواداً مبرزاً، وولاه عثمان بن عفان الكوفة فقال: ويل للأشراف مني وقال: أنما السواد بستان لقريش، فأخرجه أهلها عنها، وولاه معاوية المدينة وولاه الموسم، وفيه يقول الحطيئة (١): سعيدٌ وما يفعل سعيدٌ فإنه … نجيبٌ فلاه في الرباطِ نجيبُ سعيدٌ فلا يغررك قِلةُ لحمِهِ … تخددَ عنه اللحمُ وهو صليبُ إذا غاب عَنَّا غاب عنَّا ربيعنا … ونسقي الغمامَ الغرَّ حينَ يؤوبُ وكان سعيد آدم خفيف اللحم لا ينزع قميصه، ومات في سنة تسع وخمسين فقال فيه إبراهيم بن متمم بن نويرة. فدىً لِسعيدٍ منْ أمير وخلةٍ … ردائي وما ضمتْ عليه الحمائلُ أتاني ورحلي بالشربةِ (٢) أنهُ … توفي والأخبار حقٌ وباطلٌ فأصبحتُ لا أدري أحيٌّ بغبطةٍ … فأفرحَ أم غالَتهُ ثم الغوائِل وحدثني محمد بن الأعرابي عن المفضل الضبي أن عبيد بن الحصين الراعي لما مدح سعيداً بقصيدته التي يقول فيها: كريمٌ تعزبُ العِلاتُ عنهُ … إذا ما حان يوماً أن يزارا (٣)

стр. 2194

قال لوكيله: كم عندك؟ قال: ثلاثة آلاف دينار، قال: أدفعها إليه، وأعتزر من قلتها. وكان سعيد بن العاص حين قتل أبوه العاص ببدر صغيراً فكفله عمه الحكم بن سعيد، فرآه رسول الله ﷺ معه بالمدينة أو بمكة في أيام الفتح فقال له: من هذا الصبي؟ قال: ابن أخي، فمسح رسول الله ﷺ رأسه ودعا بثوب يمانٍ مسهم فكساه أياه، فقطعت له منه جبة، فسمي كل ثوب مسهم مذ ذاك سعيدياً بسعيد بن العاص، ويقال إنه كساه جبة مسهمة مخيطة. وقال هشام بن الكلبي: كان سعيد يوجه في كل قليلٍ إلى اليمن فيعمل له ثياب مسهمة تبركاُ بكسوة رسول الله ﷺ ، فكان يلبسها ويكسوا منها ويهدي. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن رجل من آل سعيد بن العاص أن الجبة التي كانت لسعيد من كسوة النبي ﷺ لم تزل عنده حتى دفنت معه. وحدثني المدائني عن أبي اليقظان قال: كان سعيد بن العاص أول من خش (١) الإبل - والخش أن تجعل البرة في جوف عظم الأنف، وهو الخشاش - وذلك لأنه كان يسير إلى معاوية فجذب زمام ناقته فانحزمت البرة، فألى أن لا يركب بعيراً إلا وفي يده عظم منه، فخش إبله. المدائني عن ابن جعدبة عن أبي الزناد قال: عبد الله بن الزبير: أرسل الزبير إلى سعيد بن العاص يسأله قرض مائة ألف درهم فبعث بها

стр. 2195

إليه، فلما قتل الزبير قلت لسعيد: أقبض مالك فإنه بخواتيمه، قال: ابعث به، قلت: أحب أن تتولى قبضه، فلما صار إلي أخرجت المال إليه فقال: ما تريد؟ قلت: أريد أن تدعه، فتركه ولم يأخذ منه درهماً. وحدثني عبد الله بن صالح العجلي قال: سمعت سفيان بن عيينة قال: كُلِّم سعيد بن العاص في يتيم كان يمونه أن يزوجه فقال: والله ما عندي ما يحتاج إليه لتزويجه فادانوا عليّ ما يصلحه، فاستقرضوا عشرة آلاف درهم، فأتوا ابنه عمرو بن سعيد وهو الأشدق حين مات فأخبروه بالقصة فقال: سبحان الله والله لو أنها مائة ألف لقضيتها فقضاها. قال: وكان سعيد يسأل المال بالغاً ما بلغ مما يسأله مثله، فإذا لم يكن عنده مال قال لسائله: اكتب عليّ ذكر حق. وحدثني منصور بن أبي مزاحم عن شعيب بن صفوان قال: لما احتضر سعيد بن العاص قال لأبنه عمرو الأشدق: انظروا في ديني، فوجدوه تسعين ألف دينار منها سبعون ألفاً لما سأله الرفد والصلة، فإذا هو قد كتب بذلك أجمع على نفسه صكاكاً، فحول عمرو تلك الصكاك على نفسه وقضاها. وحدثني منصور عن شعيب. وحدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن الضحاك بن رمل السكسكي قال: خرج سعيد بن العاص ذات يوم من عند معاوية مظهراً، فبصر به رجل وهو وحده، فسار معه نحو منزله، فلما قرب منه قال: ألك حاجة؟ قال: لا ولكني رأيتك وحدك فأحببت أن أونسك وأصل جناحك، فتركه حتى إذا وصل إلى منزله قال لخازنه: كم

стр. 2196

عندك؟ قال: الفا دينار، قال أعطه منها ألفاً واحبس لنفقتنا ألفاً، وقال: هذا لك هندي في كل سنة. المدائني عن ابن أبي الزناد، قال: سال ميزاب لسعيد بن العاص في الطريق فقال رجل من الأنصار: لقد آذتنا ميازيب سعيد فأمر بكل ميزاب له أن يحول إلى داره. حدثني عبد الله بن صالح العجلي حدثني ابن كناسة الأسدي عن بعض ولد عنبسة بن يحيى بن سعيد بن العاص قال: كان سعيد سخياً على مبرٍ فيه، وكان يقول: إن رجلاً بات ليله متململاً يراوح بين شقيه يعرض الناس على نفسه أيهم يراه موضعاً لحاجته ورغبته، فاعتمدني دونهم بأمله واختارني بتنفيس كربته، لأعظم منةً عليّ من منتي عليه إذا قضيت حاجته وبلغته أمله. وحدثني منصور بن أبي مزاحم عن شعيب بن صفوان عن عبد الملك بن عمير قال: لما حضرت سعيد بن العاص الوفاة دعا ولده فقال أيكم يكفل ديني؟ فقال عمرو الأشدق: أنا أكفله، وكم هو يا أبه؟ قال: سبعون ألف دينار أو تسعون ألف دينار، فقال: فما أدمت هذا المال با أبه؟ قال: في لئيم اشتريت عرضي منه أو كريم وفرت عرضه وسددت خلته، فدعا غرماءه فحول صكاكهم على نفسه، ثم قال سعيد: يابني لا تزوج بناتي إلا من أكفائهن ولو بفلق خبز الشعير وانظر أخواتي فلا تقطع وجوههن عنك ولا معروفي الذي كنت آتيه إليهم عنهم. وحدثني أبو الحسن المدائني عن ابن جعدبة وغيره قالوا: قال سعيد بن العاص لابنه: يابني إني والله ماشتمت رجلاً مذ كنت رجلاً ولا زحمته

стр. 2197

بركبتي ولا كلفت راجياً لمعروفي أن يسأل فيبذل وجهه إليّ. المدائني عن عوانة قال: كان سعيد بن العاص يقول: أربعة لا أبلغ مكافأتهم ولو خرجت إليهم من مالي كله، رجل قام لي في مجلس غاصٍّ بأهله فأجلسني مكانه، ورجل تخطى الناس إليّ حتى أتاني مسلماً علي لغير رغبة ولا رهبة، ورجل رآني منفرداً فآنسني بحديثه ووصل جناحي بمسايرته ومماشاته، رجل فكر ليله فرآني موضعاً لحاجته ورغبته فغدا إلي حتى واجهني بمسألته. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة وابن خربوذ وغيرهما قالوا: كان سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية يقول: قبح الله المعروف إلا ابتداءً، فأما إذا سألك الرجل حاجته وجبينه يرشح رشح السقاء والدم يكاد يبرز من وجهه مخاطراً لا يدري أتقضيها له أم لا ولسانه معتقل بصر المسألة وذل الطلب، فوالله لو خرجت إليه من جميع ما أملكه ما كافأته ولا بلغت ما يستحقه. حدثني عليّ بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة قال: لما طلب زياد الفرزدق وهرب من البصرة أتى المدينة فدخل على سعيد بن العاص، فأنشده قوله فيه وهو والٍ يومئذٍ على المدينة: إليك هربت منك ومن زيادٍ … ولم أحسب دمي لكما حلالا ترى الغر الجحاجح من قريش … إذا ما الأمر في الأحداث عالا قياماً ينظرون إلى سعيدٍ … كأنهم يرون به الهلالا (١)

стр. 2198

فقال له مروان بن الحكم وكان حاضراً: لو جعلتنا قعوداً، فقال: كلا يا أبا عبد الملك وإنك فيهم لصافن (١). وأنشد الفرزدق بلال بن أبي بردة شعراً له فيه فقال له: هلا مدحتني بمثل ما مدحت به سعيداً وفلاناً وفلاناً، قال: جئتني بحسب كأحسابهم (٢) حتى أقول فيك مثل قولي فيهم. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش الهمذاني أن سعيد بن العاص كان جالساً ومعه قوم يحدثهم فسقط جدار على قوم فانفضوا إلا فتىً ثبت معه حتى استتم حديثه، فقال لغلامه: ادع وكيلنا، فلما جاءه قال: أعط الفتى عشرة آلاف درهم إعظامه حقناً، وحسن مجالسه إيانا. وحدثني بعض أعل العلم قال: خرج هدبة بن خشرم بن كريز بن أبي حبة بن الأسحم بن عامر بن ثعلبة بن قرة بن حبيش بن عمرو بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن زيد، أخي عذرة بن زيد في نفر من بني عمه وزيادة بن زيد بن مالك بن ثعلبة من ولد الحارث بن سعد أيضاً في نفر من بني عمه في سفر، ومع هدبة أخته فاطمة بنت خشرم، ومع زيادة اخته أم القاسط، وكان هدبة وزيادة شاعرين راجزين، فساق بهم زيادة وهو يقول: عوجي علينا واربعي يا فاطما … ألا ترين الدمع مني ساجما فظن هدبة أنه عرض بأخته فاطمة، ثم أن هدبة ساق بهم فقال:

стр. 2199

لقد رآني والغلام الحازما … نزجي المطي ضمراً سواهما متى تظنُّ القلص الرواسبا … يذكرن (١) أم قاسمٍ وقاسما فغضب زيادة، وقال هدبة: إني والله ما ذهبت حيث ذهبت، ولا عنيت اختك ولقد عنيت أختي، وتشاتما ثم تناصيا، ووثب رهط هدبة ورهط زيادة فتضاربوا بالنعال، ثم أقبل كل واحدٍ منهما يهجو صاحبه، وجعلا يتفاخران، وجاء زيادة في قومه ليلاً إلى هدبة فشجو أباه عشراً وعقروه فقال زيادة: شججنا خشرماً في الرأس عشراً … ولم نرهب هديبة إذ هجانا ثم اقتل هدبة ورهطه وزيادة ورهطه، فقتل هدبة زيادة وجدع زيادة أنف هدبة، وهرب هدبة والنفر الذين كانوا معه فلحقوا باليمن وقال: الآ ليت الرياح مسخراتٌ … لحاجتنا تُباكر أو تؤوبُ فتخبرنا الشمال إذا التقينا … وتخبر أهلنا عنا الجنوبُ ثم أن رهط زيادة استعدوا معاوية بن أبي سفيان على هدبة، فكتب لهم إلى سعيد بن العاص، وهو عامل المدينة، يأمره بإعدائهم على هدبة، وان ينظر في دعواهم عليه، وأن يطلبه طلباً حثيثاً، وأن يأخذ به أولياءه، فأخذ عمه وأهله فحبسهم في السجن حيناً، فلما بلغ هدبة ذلك أتى السلطان فوضع يده في يده كراهة أن يسلم عمه وأهله، فأمر سعيد بحبس هدبة وخلى سبيل من حبس بسببه ووهب لهم مالاً، وسأل أولياء زيادة سعيداً أن ينظر في أمرهم فأخر ذلك وأبطأ به، وكان هدبة قد مدحه، وعرض عليهم

стр. 2200

أن يدي صاحبهم عنه ثلاث ديات، فأبوا وقالوا: ارفعنا إلى أمير المؤمنين معاوية، فقال هدبة: ألا يالقوم للنوائب والدهر … وللمرء يردي نفسه وهو لا يدري وللأرض كم من صالحٍ قد تلاءمت … عليه فوارته بداويةٍ قفرِ ولما دخلت السجن يا أم معمرٍ … ذكرتك والأطراف في حلقٍ سمر ولم يزالوا بسعيد حتى حملهم إلى معاوية ودس إلى هدبة صلة وكسوة، ونظر معاوية في أمرهم فقضى بقود هدبة، وكتب بذلك كتاباً مع أولياء زيادة إلى سعيد فجعل لهم سعيد عشر ديات على أن لا يقتلوه فأبى أخوه وأهل بيته ذلك فأخرج فقتل، وقال حين أخرج: إن تقتلوني في الحديد فإنني … قتلت أخاكم مطلقاً غير موثقِ فقيل لسعيد لا تقتله إلا مطلقاً عنه حديده ثم قُتل (١). ومن ولد سعيد بن العاص عمرو بن سعيد وكان سخياً لسناً وقيل له الأشدق للقوةٍ عرضت له فأمالت شدقه، وسمي أيضاً لطيم الجن، ولطيم الشيطان، ويقال إن معاوية دعاه في غلمة من بني أمية فاستنطقهم فقال عمرو: إن الابتداء مركب صعبٌ ومع اليوم غد، ثم فتكلم بكلام أعجبه فقال: إن ابن سعيد لأشدق، وهذا مما يقوله ولده، وكان عمرو يكنى أبا أمية، وأمه أم

стр. 2201

البنين بنت الحكم بن أبي العاص، وهي أخت مروان وعمة عبد الملك بن مروان، وقد ولي المدينة ليزيد بن معاوية. اخراج بني أمية عن المدينة حدثني أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي حدثني عمي كثير بن محمد أخبرني عبد الله بن عياش الهمداني حدثني أمية بن عمرو عن أبيه عن محمد بن عمرو المعيطي قال: كتب ابن الزبير إلى عبد الله بن مطيع في نفي بني أمية عن المدينة إلى الشام، ومروان يومئذ شيخهم، وابنه عبد الملك ناسكهم ومن يصدرون عن رأيه، وكان بعبد الملك يومئذ جدري قد ظهر به، فدخلهم من إخراجهم عن المدينة أمر عظيم، وكان ابن الزبير رجلاً إذا عرض له الرأي أمضاه من غير روية ولا مشاورة، فأشخصهم ابن مطيع، وحمل مروان ابنه عبد الملك على جملٍ وشده عليه شداً، ثم إن وجوه قريش ومشايخهم اجتمعوا إلى ابن الزبير فقالوا: بلغنا ما أمرت به من إلحاق بني أمية بالشام، وإنما بعثت عليك أفاعي لا يبلُّ سليمها، أمثل مروان وبني أمية يشخصون إلى الشام؟ فوجه ابن الزبير رسولاً إلى ابن مطيع بكتاب منه يأمره فيه بإقرار بني أمية بالمدينة وترك إشخاصهم، فاتبعهم حتى وافاهم بأداني أرض الشام فعرض عليهم الانصراف فأبوا، وقال عبد الملك وقد نقه من مرضه للرسول: قل لأبي خُبيب إنا نقول لا حول ولا قوة إلا بالله، يصنع الله. وكان فيمن شخص معهم عمرو بن سعيد الأشدق، وخاله مروان بن الحكم، وكان معهم خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص بن

стр. 2202

أمية فكانا خاصين بمروان وبعبد الملك، فوافوا الشام وقد بايع الناس لمعاوية بن يزيد وهو كاره لذلك، فلم يلبث مروان بعد ذلك إلا يسيراً حتى مات معاوية بن يزيد وبويع له بالخلافة، فبايع لابنه عبد الملك بن مروان ولعبد العزيز من بعده، وكان عمرو الأشدق أجد الناس في أمر مروان وأحسنهم معاونة ومكانفةً له واجتهاداً في صلاح أمره وإفساد أمر ابن الزبير، فقاتل معه يوم المرج، ووجه ابن الزبير أخاه مصعب بن الزبير إلى فلسطين فوجه مروان عمراً الأشدق في جيش لهام (١)، فلقيه قبل أن يدخلها فهزم مصعباً وأصحابه حتى رجعوا إلى المدينة، وكان مروان يعد عمراً بالخلافة بعده، يستدعي بذلك طاعته ويستنزل نصيحته، فكان يقول: الأمر لي بعد مروان فقد ولاني العهد، فلمال استقام لمروان أمره ووجه عمراً إلى ابن جحدم عامل ابن الزبير على مصر - وهو عبد الرحمن بن عتبة بن أبي إياس بن الحارث بن عبد بن أسد بن جحدم بن عمرو بن عابس بن ظرب بن الحارث بن فهر - وفتحت مصر ورجع مروان إلى دمشق، قال لحسان بن مالك بن بحدل الكلبي: إني أريد تولية عهدي عبد الملك وبعده عبد العزيز، وإن عمرو بن سعيد يدعي أنه الخليفة بعدي، وخالد بن يزيد يدعي مثل ذلك، فقال حسان: أنا أكفيك أمرهما، وجمع الناس ثم قام فقال: يبلغ أمير المؤمنين ويبلغنا أن رجالاً يتمنون الأماني ويدعون الأباطيل ويحدثون أنفسهم بما لم يجعله الله لهم، وما أولئك بالراشدين ولا المسددين، فقوموا أيها الناس فبايعوا لعبد الملك ابن أمير المؤمنين ولعبد العزيز من

стр. 2203

بعده، فقام الناس فبايعوا مسارعين غير مثقلين من عند آخرهم، حتى لم يبق منهم أحد. المدائني عن خالد بن عطية قال: ولى يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد المدينة فشكوه إلى يزيد فعزله، وولى مكانه عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فلما قرب من المدينة تلقوه بذي خشب فشكوا إليه عمراً، فلما قدم عثمان خطبهم فمناهم ووعدهم ونال من عمرو وقال: ما كان قرشي ليفعل هذا بقريش، فقال عمرو من تحت المنبر: مهلاً يا عثمان فوالله ما أنا بحلو المذاق وإني لقمن المضرة ولقد ضرستني الأمور وجرستني الدهور فزعاً مرةً وأمنا مرة، وإن قريشاً لتعلم أني ساكن الليل، داهية النهار لا أتتبع الظلام، ولا أقمص (١) حاجبي ولا تستنكر شبهي، ولا أدعى لغير أبي. وقيل لعمرو بن سعيد إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إلي ولم يوص بي. مقتل عمرو بن سعيد بن العاص قال أبو مخنف في روايته وغيره. كان عمرو بن سعيد أشد الناس في أمر مروان حتى ولي الخلافة، وقاتل معه الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط، فلما مات مروان وبويع عبد الملك بالخلافة بلغه أن مصعب بن الزبير بن العوام يريد الجزيرة متوجهاً من العراق، فسار عبد الملك حتى شارف الفرات ومعه عمرو بن سعيد الأشدق، فقال له عمرو: إنك تشخص إلى العراق فقد كان أبوك أوعدني (٢) أن يوليني الأمر بعده، وعلى ذلك قمت بشأنه وحاربت معه، فاجعل لي الأمر بعدك،

стр. 2204

فلم يجبه عبد الملك بشيء مما يسره، فانصرف عن عبد الملك وقصد إلى دمشق حتى دخلها وقال: إن مروان كان ولاني عهده ولذلك قمت بنصره وصنعت ما أنتم عالمون به، فبايعه عبد الملك بن يزيد بن أسد بن كرز - وهو أبو خالد بن عبد الله البجلي ثم القسري - ثم بايعه وجوه أهل دمشق ومالوا إليه لسخائه وجود كفه، وألقى على سور دمشق المسوح والخشب والكرابيس والفرش المحشوة وتهيأ للحصار واستعد له، وبلغ عبد الملك خبره فانكفأ راجعاً يغذ السير ويجد فيه حتى أتى دمشق، وقد أغلق عمرو أبوابها وجعل على شرطه عبد الله بن يزيد، فحاصره عبد الملك ولم يزل يراسله ويمنيه ويعده، وضمن له أن يوليه بيت المال والديوان ويجعل له ولاية الأمر بعده مقدماً على عبد العزيز، وكتب بينه وبينه بما شرطه له كتاباً، فخرج عمرو إليه وهو في عسكره وكان نازلاً في قصر بالمعسكر وأصحابه حوله، فلما دخل عليه بسطه ووانسه ثم قال: يا أبا أمية إني حلفت أن أجعل في عنقك سلسة وأوثقك بجامعة ثم لا بأس عليك، فأوثق وجعل السلسلة في عنقه، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين أخرجني إلى الناس لأقوم فيهم بما تحب وأقول ما تريد، وإنما التمس أن يخرجه من عنده فيخلصه أصحابه وكانوا مطيفين بالقصر، فقال عبد الملك: هيهات أمكراً في السلسلة أبا أمية، ثم قال عبد الملك لبشر بن مروان: قم فاقتله، فأبى، وقال لعبد العزيز: اقتله، فأبى، فأسمعهما وشتمهما وعجزهما، ثم قال لأبي الزعيزعة البربري مولاه: خذه اليك فاقتله، فجره بالسلسلة فقال: ارفق ارفق، وأصاب فمه الأرض وخديه، فقال: فمي فمي فقال عبد الملك: اللهم اخزه فما أحمقه يسأل الرفق ويشكو فمه وهو يُجرّ للقتل، ثم قال لأبي الزعيزعة: لاأنصرفن من الصلاة إلا وقد كفيتنيه، فقتله

стр. 2205

أبو الزعيزعة قبل انصرافه، ذبحه ذبحاً، فلما انصرف عبد الملك من صلاته أمر برأسه فاحتز ورمى به إلى أصحابه الذين حضروا باب القصر، ومعهم يحيى بن سعيد أخوه، فشدٌ يحيى على الوليد بن عبد الملك وهو قائم على باب القصر بالسيف، فلما رآه أدبر فضرب به أليته، فبادر الوليد فدخل، وأمن عبد الملك الناس أسودهم وأبيضهم ولم يعرض ليحيى في ذلك الوقت ولا لغيره، ودعا الناس إلى العطاء، ولحق يحيى بن سعيد بمصعب بن الزبير فصار معه، فلما رآه مصعب قال: يا يحيى أفلت العير وانحص الذنب، قال: إنه لبهلبه (١). وحدثني هشام بن عمار الدمشقي أنبأنا صدقة بن خالد القرشي عن خالد بن دهقان قال: كان عمرو بن سعيد في عسكر عبد الملك وقد فصل من دمشق وهو يريد العراق فقال له: إن أباك وعدني أن يجعل لي الأمر بعده فبايع لك ولعبد العزيز إن كان بعدك، فاجعل لي العهد بعدك، فقال له: يالطيم الشيطان أو أنت تصلح للخلافة: أنت ذو كبر وجبن وسرف وعجب وإفك ظاهرٍ، لا ولا كرامة ولا نعمة عين، فانخزل عنه وأتى دمشق ودعا إلى نفسه، وكان سخياً، فبويع وأغلق أبواب المدينة واستعد للحصار، فرجع عبد الملك وترك وجهه ذلك، فحاصره وجعل يرسل إليه ويعده ويرفق به ويحلف له ليولنيه عهده، فقبل ذلك وسكن إليه وخرج إلى عبد الملك، فيقال إنه دخل عليه وهو في قصر كان في عسكره وأصحابه مطيفون به فقتله من يومه.

стр. 2206

قال صدقة، وقال غير خالد بن دهقان: أنه فتح أبواب دمشق لعبد الملك فدخلها ونزل في دار الخلافة، وكان عمرو يركب إليه أياماً، ثم إنه جعل في عنقه جامعةً فقال له: يا أمير المؤمنين أنشدك الله أن تخرجني إلى الناس في هذه الجامعة فيروني، وإنما أراد أن يريه كراهته للخروج، يغريه ذلك بإخراجه فيخلصه أصحابه، فقال أمكراً في الجامعة أبا أمية؟ ثم أمر أبا الزعيزعة بقتله فقتله، وجعل يحيى بن سعيد أخوه ومن كان على باب القصر من أصحابه يقولون: يا أبا أمية ما خبرك؟ أسمعنا كلامك؛ فأمر عبد الملك برأسه فاحتز ورمي به إليهم فسكنوا، ووثب أصحاب عمرو على بيت المال بدمشق فانتهبوه، فلم يعرض لهم عبد الملك فيه حتى إذا استقام الأمر أخذهم به فارتجعه وفضل مائة ألف درهم. قال هشام: وسمعت بعض مشايخنا يحدث أن عبد الملك خرج إلى الصلاة وأمر أبا الزعيزعة أن يقتله قبل انصرافه من الصلاة، فلما ابتدأ عبد الملك صلاته ضج أصحاب عمرو فقالوا: أخرجوه إلينا، فوضع عبد الملك يده على أنفه كأنه قد رعف ثم انسل فدخل القصر، وأمر برأس عمرو فاحتز وألقاه إلى أصحابه فسكنوا. وحدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم حدثني رجل من ولد سعيد بن العاص قال: خرج عبد الملك إلى صلاة العصر، وأقبل يحيى بن سعيد في خلق ينادون: يا أبا امية أين أنت؟ اخرج إلينا، أسمعنا كلامك، فراع ذلك عبد الملك فقال: ما أحسبني على طهر للصلاة، ودخل القصر كأنه يريد الطهور، وإذا عمرو مقتول، فأمر برأسه فألقي إلى اصحابه والناس، ثم وضع لهم المال ودعاهم إلى العطاء فسكتوا.

стр. 2207

المدائني عن عليّ بن مجاهد بن عبد الأعْلىَ بن ميمون بن مِهْران قال: لما صالح عمرو بن سعيد عبد الملك دخل عبد الملك دمشق فأقام بها وعمرو يدخل عليه مُكرَماً، فدخل عليه ذات يوم فكلّمه بكلام شديد، فأغلظ له عمرو وقال: إني لأحقّ بالخلافة منك فإن شئتَ فافْسَخ الصلح وأَعِد الحرب، فأمر به فجعلت في عنقه سلسلة وأُوثق بجامعة من فضّة، ثم قال لعبد العزيز بن مروان: قم فاضرب عنقه فأَبى، فقال لأبي الزعيزعة مولاه: لا أرجعنّ من الصلاة إلا وقد قتَلته وأرحتني منه، فخرج إلى صلاة العصر فلما أنصرف وجد أبا الزعيزعة قد ضرب عنقه، فأمر برأسه فألقي إلى أصحابه وكانوا مجتمعين يطلبونه ومعهم يحيى بن سعيد أخوه. وقال هشام بن عمّار: سمعت من يذكر أن أبا الزعيزعة أدخل سيفه في ظهر عمرو حتى أخرجه من بطنه ثم جذبه ففاضت نفسُه. وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عَديّ عن ابن عياّش الهمذاني وأبي جنّاب قالا: قال قبيصة بن ذؤيب الخزاعيّ: كنت عند عبد الملك بن مروان أنا وحسّان بن مالك بن بَحْدَل الكلبي وولده وإخواته وأبو الزعيزعة مولاه فجاء الآذان فأستأذن لعمرو بن سعيد، فأذن له وجعل يقول: إحْذَرْ عدَوَّكَ أن يكونَ صُدَيَّقاً … وإذا هَمَمتَّ بفتِلِهِ فتمكن أدنيته مني ليسكن روعه … فأصول صولة حازمٍ مستمكن غضباً ومحميةً لديني إنه … ليس المسيءْ سبيله كالمحسنِ ثم التفت إلي وإلى حسان فقال إن شئتما فقوما، فلما نهضنا وقد أقبل عمرو قال عبد الملك وهو يتضاحك: يا حسان أنت أطول من قبيصة، ثم

стр. 2208

خرجنا فقال حسان: هو والله قاتله، إن عبد الملك رجلٌ ليس في منطقه فضل، إنما مازحنا ليؤنسه ثم يثب به. قال: وسلم عمرو ثم جلس مع عبد الملك على سريره فحادثه ساعة ثم أقبل أبو الزعيزعة فأخذ السيف عن عاتقه فقال: يا أمير المؤمنين أيؤْخذ سيفي؟ فضحك عبد الملك ثم قال: أوتَطْمع لا أبا لغيرك أن تقعدَ معي بسيفِ بعد الذي كان منك؟ فأطرق عمرو ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية إنّي كنت أعطيت الله عهداً إن ملأت عيني منك مستمكناً أن أجمع يديك إلى عنقك ثم أثقلك حديداً، فقال عبد العزيز بن مروان: ثم تصنع ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: ثم أطلقه وما عسيت أن أصنع بأبي أمية؟ قم يا أبا الزعيزعة فأت بجامعة وقيدٍ، فأتى بهما وكانا قد أعدا له فصيرهما في عنقه ورجليه، فقال عمرو: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيهما على رؤوس الناس، فقال: أو مكراً يا أبا أمية، لعمري ما أخرجك فيهما ولا أخرجهما منك إلا صعداً، ثم جذبه أبو الزعيزعة جذبةً سقط منها على وجهه فأصابت قائمة السرير تثنيته فانكسرت، فقال: يا عبد الملك نشدتك الله أن يدعوك كسر عظمٍ مني إلى أن تركبني بأشد منه، فقال: يا أبا أمية لو علمت أن العرب والعجم يبقون هملاً ويصلح أمر قريش فقط لفديتك بدم النواظر، ولكنه والله ما اجتمع فحلان في هجمةٍ قط إلا قتل أحدهما صاحبه، قم يا عبد العزيز فاضرب عنقه؛ وخرج عبد الملك لصلاة العصر وإذا يحيى بن سعيد قد وافى في ألفٍ من مواليه من أهل حمص، فلما أحس به عبد الملك أمسك أنفه بيده كالرعيف وقدم ابن أم الحكم الثقفي وكان خلفه، فصلى ابن أم الحكم بالناس، ودخل عبد الملك القصر فقال لعبد العزيز: ما صنعت؟ قال: يا أمير

стр. 2209

المؤمنين ناشدني الله والرحم فكرهت قتله، فقال: أخزى الله أمك البوالة على عقبيها فإنكّ لم تشبه غيرها - وكانت أمه ليلى بنت زبان بن الأصبغ الكلبي - أدنه يا غلام، فأضجع له ثم ذبحه بيده بالسيف ذبحاً وهو يقول: يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي … أضربك حيث تقول الهامة (١) اسْقوني قال: وانقضت الصلاة وخرج يحيى بن سعيد إلى الباب في مواليه وأصحابه، فكثر ضجيجهم وجعلوا يقولون: أسمعنا صوتك يا أبا أمية، فخرج إليهم الوليد بن عبد الملك في موالي عبد الملك وغيرهم فناوشوهم فأصابته ضربة على أليته وذلك الصحيح - ويقال على رأسه - فأخذه ابن أرقم فأدخله بيتا وأجاف عليه الباب، ودخل عبد الرحمن بن أم الحكم من باب المسجد فقال لعبد الملك: أيها الرحل ما صنعت فقد جل الخطب؟ قال: قتلته، قال: أصاب الله بك الخير والرشد، فأخذ ابن أم الحكم الرأس فرمى به إلى أصحاب الأشدق فانكسروا حين يئسوا منه، وأمر عبد الملك ببيت المال ففتح ونادى في الناس أن احضروا أعطياتكم، فأقبل الناس وتركوا ما كانوا فيه. ووضع لعبد الملك سرير فخرج فجلس عليه وهو يقول: اين الوليد والله لئن كانوا أصابوه لقد أدركوا ثأرهم، فأخبر بمكانه وأنه لم يصب فأمسك، وأمر عبد الملك فنودي: من أتى بيحيى بن سعيد أو بأحد من ولد سعيد فله ألف دينار فأخذوا جميعاً من ساعتهم فأمر بإشخاصهم إلى الكوفة فصار يحيى مع مصعب بن الزبير.

стр. 2210

المدائني عن سحيم بن حفص قال: انتدب قوم يقاتلون عن عمرو بن سعيد فبعث إليهم عبد الملك قوماً فقاتلوهم وعليهم خالد بن الحكم بن أبي العاص. قالوا: وقال عوانة بن الحكم: كان عبد الملك يتمثل قبل قتل عمرو. يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي … أضربك حتى تقول الهامة اسقوني وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جدّه عن أبي صالح ابن عباس أنه بلغه قتل عبد الملك عمراً الأشدق فقال: أيها الناس إن عبد الملك قتل ابن عمه وابن عمته بعد أن آمنه فلا تأمنوه ولا تصدقوه. قالوا: وكان ابن الحنفية قد شخص يريد عبد الملك بن مروان، فلما بلغه قتله عمراَ بعد الذي أعطاه من المواثيق استوحش فانصرف إلى الحجاز. وقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص، ويقال بشر بن مروان: أعيني جودا بالدموع على عمرو … عشية شددنا الخلافة بالغدر كأنَّ بني مروان إذ يقتلونه … بغاثٌ من الطير اجتمعن على صقر فرحنا وراح الشامتون بنعشه … كأن على أكتافها فلق الصخر لَحا الله دنيا تدخل النار أهلها … وتهتك ما دون المحارمِ من سترِ وما كان عمروٌ عاجزا غير أنه … أتته المنايا بغتة وهو لا يدري وقال يحيى بن سعيد أخو الأشدق: غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل … ومثلكم يبني البيوت على الغدر وددت وبيت الله أني فديته … وعبد العزيز يوم يضرب في الخمر وكان مصعب بن عبد الرحمن بن عوف ضرب عبد العزيز في شراب، ويقال بل حدة عمرو بن سعيد.
следующие страницы →