وأما المغيرة بن أبي العاص فولد معاوية بن المغيرة، وأمه ابنة صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، فولد معاوية بن المغيرة عائشة أم عبد الملك بن مروان، وكان معاوية بن المغيرة جدع أنف حمزة بن عبد المطلب، فقتل بأحد بعد انصراف قريش بثلاث، ولا عقب له سوى عائشة، وأم عائشة ابنة عقبة بن أبي معيط.
وكانت لمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص ابنة يقال لها أم جميل، تزوجها سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وكانت له ابنة ثالثة يقال لها عمرة تزوجها أبو تجراه النصراني فهم يعابون بذلك.
وقال المدائني: لعن رسول الله ﷺ الحكم وولده إلا المؤمنين منهم، وسيره النبي ﷺ إلى بطن وج.
وقال المدائني: في آل الحكم يقول حسان، وكانوا في الجاهلية فقراء:
لقد أبصرتكم عن غير بعد … وما تلقون في بيت بساطا
وكان أبي لكم في الدهر نكلاً … وفي الإسلام كنت لكم علاطا (١)
فقال عبد الله بن عمر: علاط سوء، وقال عبد الملك: ما كان ابن الزبير يعيرنا به؟ قالوا: الفقر.
فولد عفان بن أبي العاص عثمان بن عفان ويكنى أبا عمرو وأبا عبد الله، وآمنة وأرنب وأم طلحة، أمهم أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فأما آمنة فتزوجها الحكم بن كيسان حليف بني
стр. 2242
المغيرة ثم تزوجها عبد الله بن أبي سعد - ويقال ابن يعد - حليف أبي أمية بن المغيرة، ويقال أنه من سعد العشيرة.
وقتل عفان بالغميصاء (١) مع الفاكه بن المغيرة، ويقال إنه مات بالشام في تجارة، ومات عفان وحرب بن أمية في شهر واحد، وقال الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس وكان شاعراً:
والله لولا أن حرباً دعامة … لقلت على عفان ما يسمع الصما
أفي نصف شهرٍ كان موتهما معاً … لقد جاء أهل الله (٢) ما ينطق البكما
وإخوة عثمان لأمه: الوليد، وخالد، وعمارة، وأم كلثوم، بنو عقبة بن أبي معيط.
وقال المدائني: لم يكن لعفان نباهةٌ فقال الشاعر:
عفان أول حائك لثيابكم … قدماً وقد يدعى أخا الأشرار
ولكن جاء والله الإسلام فشرف عفان بعثمان، والحمد لله (٣).
стр. 2243
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أمر عثمان بن عفان وفضائله وسيرته ومقتله رضي الله تعالى عنه
أم عثمان أروى بنت كريز وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، توأمة عبد الله والد رسول الله ﷺ ، وكان عثمان يدعى في الجاهلية أبا عمرو، فلما ولدت رقية بنت رسول الله ﷺ عبد الله أكتنى أبا عبد الله، وكناه المسلمون بذلك.
وكانت أم حكيم بنت عبد المطلب ترقص عثمان في صغره فتقول:
ظني به صدق وبر … يأمره ويأتمر
من فتيةٍ بيضٍ صبر … يحمون عورات الدبر
ويضرب الكبش النعر … يضربه حتى يخر
من سررٍ ومن آخر
المدائني قال: نزل عصفان بن قيس اليربوعي على أروى بنت كريز فقري وأكرم فقال:
خلف على أروى السلام فإنما … جزاء الثوى أن يعف ويحمدا
стр. 2244
حدثني محمد بن سعد مولى بني هاشم عن الواقدي محمد بن عمر عن محمد بن صالح عن يزيد بن رومان قال: خرج عثمان وطلحة بن عبيد الله على أثر الزبير بن العوام حين أسلم، فدخلا على النبي ﷺ فعرض عليهما الإسلام وقرأ القرآن فأمنا وصدقا. وقال عثمان: يا رسول الله قدمت حديثاً من الشام، فلما كنت بين معال وموضع سماه إذا منادٍ ينادي: أيها النيام هبو إن أحمد قد خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا بك، فلم أتمالك أن جئتك (١).
قالوا: ولما أسلم عثمان بن عفان أوثقه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية رباطاً وقال: أترغب عن دين آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أحلك أبداً! فلما رأى صلابته في دينه تركه، وحلفت أمه أروى بنت كريز ألا تأكل له طعاماً ولا تلبس له ثوباً ولا تشرب له شراباً حتى يدع دين محمد، فتحولت إلى بيت أخيها عامر بن كريز فأقامت به حولاً، فلما أيست منه رجعت إلى منزلها.
قالوا: وأتى عثمان رضي الله تعالى عنه أبا أحيحة فقال له: إني قد آمنت واتبعت محمداً ﷺ ، فقال: قبحت وقبح ما جئت به. ثم خرج من عنده وأتا أبا سفيان بن حرب فأعلمه إسلامه فعنفه. وكان عثمان ممن هاجر الهجرتين جميعاً إلى أرض الحبشة فراراً من قريش بأديانهم وتنحياً عن أذاهم ومكروههم، وكانت معه في هجرته الثانية رقية بنت رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : " وإنهما لأول من هاجر إلى الله تعالى بعد إبراهيم ولوط ". ثم هاجر إلى المدينة، ولما هاجر من مكة إلى المدينة نزل على أوس بن ثابت
стр. 2245
الأنصاري من بني النجار، فأقطعه رسول الله ﷺ داره التي في المدينة وآخى بينه وبين عبد الرحمن بن عوفن وآخى أيضاً بينه وبين أوس بن ثابت، ويقال: آخى بينه وبين سعد بن عثمان الزرقي من الأنصار، ويكنى أبا عبيد.
وحدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن عثمان دفع مالاً مضاربةً على النصف (١).
وحدث ابن دأب عن داود بن الحصين عن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: قال عثمان: دخلت على خالتي بنت عبد المطلب أعودها وعندها رسول الله ﷺ فقلت له: يا أبا القاسم ما أعجب ما يقال عليك مع مكانك منا، فقال: " يا عثمان لا إله إلا الله "، الله يعلم أني قد اقشعررت ثم قال: " وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحقٌ مثل ما أنكم تنطقون " (٢) فخرج فاتبعته فأسلمت.
المدائني عن سعيد بن خالد عن صالح بن كيسان عن سعيد بن المسيب قال: نظر رسول الله إلى عثمان فقال: " هذا التقي المؤمن الشهيد شبيه إبراهيم ".
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عتبة بن جبيرة عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمد بن لبيد أنه رأى عثمان على بغلة عليه ثوبان أصفران وراءه غديرتان.
стр. 2246
حدثني محمد بن سعد عن خالد بن مخلد عن الحكم بن الصلت عن أبيه قال: رأيت عثمان وعليه خميصة سوداء وهو مخضوب بالحناء (١).
المدائني عن شعبة عن حصين قال: قلت لأبي وائل: أعليٌّ أفضل أم عثمان؟ قال: عليّ إلى أن أحدث، فأما الآن فعثمان.
وحدثني محمد بن سعيد حدثنا عفان بن مسلم حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن سعد قال: رأيت عثمان على بغل مصفراً لحيته.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن محمد عن ثابت بن عجلان عن سُليم أبي عامر قال: رأيت على عثمان برداً ثمنه مائة دينار (٢).
حدثنا عفان حدثنا حمَّاد بن سلمة أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم حدثنا إبراهيم عن عكرمة عن ابن عباس قي قوله الله " هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل " (٣) قال: عثمان بن عفان.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن مروان بن أبي سعيد قال: حدثني الأعرج عن محمد بن ربيعة بن الحارث قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يوسعون على نسائهم في اللباس الذي يُصان ويتجمل به، ثم يقول: رأيت على عثمان مطرف خزٍّ ثمنته مائة دينار، فقال: هذا لنائله، كسوتُها إياه فأنا ألبسه لأسرّها بذلك (٤).
стр. 2247
حدثنا عبد الله بن صالح عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: كان عثمان يتختَّم في اليسار.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده قال: كان عثمان ربعة ليس بالطويل ولا القصير حسن الوجه رقيق البشرة كث اللحية أسمر اللون عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين كثير شعر الرأس يصفِّر لحيته (١).
حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا هشيم بن بشير عن حفص عن عمرو بن جأوان عن الأحنف بن قيس قال: رأيت على عثمان ملاءة صفراء.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن واقد بن أبي ياسر أن عثمان كان قد شدّ أسنانه بالذهب، قال واقد بن أبي ياسر: وأخبرني عبيد الله بن أبي دارة أنه كان بعثمان سلس البول فكان يتوضأ لكل صلاة (٢).
حدثنا عمرو بن محمد الناقد وأحمد بن إبراهيم الدورقي قالا: أنبأنا أبو أسامة عن عليّ بن مسعدة الباهلي عن عبد الله الدومي قال: كان عثمان يلي وضوء الليل بنفسه فقيل له: لو أمرت بعض الخدم لكفاك، فقال: الليل لهم يستريحون فيه.
حدثنا محمد بن سعد حدثنا عفان أنبأنا وهيب بن خالد عن يونس عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان نائماً في المسجد متوسداً رداءه (٣).
стр. 2248
حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا هُشيم أنبأنا محمد بن قيس عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان على المنبر يوم الجمعة والمؤذنون يؤذنون وهو يحدث الناس ويستخبرهم عن أسعارهم وأخبارهم ومرضاهم.
وروى الواقدي في إسناده عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان على المنبر، فذكر نحوه وزاد فيه: فإذا سكت المؤذن قام فتوكأ على عصاً له عقفاء وخطب وهي بيده ثم يجلس فيبتدئ كلام الناس فيسألهم كمسألته الأولى ثم يقوم فيخطب ويقيم المؤذنون.
حدثنا عفان حدثنا سُليم بن أخضر عن ابن عون عن ابن سيرين قال: كان عثمان أعلمهم بالمناسك وبعده ابن عمر.
وحدثنا عفّان بن مسلم، حدثنا وهيب بن خالد، أنبأنا خالد الحذاء، حدثني أبو قلابة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " أصدق (١) أمتي حياءً عثمان ".
حدثنا محمد بن سعد حدثنا عبد الله عن نمير عن قيس عن أبي إسحاق عن رجل سماه قال: رأيت رجلاً طيب الريح نظيف الثوب قائماً يصلي إلى الكعبة وغلام خلفه كلما تعايا فتح عليه فقلت: من هذا؟ قالوا: عثمان (٢).
حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب أنبأنا ابن لهيعة عن يزيد بن عمر المعافري قال: سمعت أبا ثور الفهمي يقول: قال عبد الرحمن بن عُديس البلوي وكان ممن بايع تحت الشجرة: دخلنا على عثمان وهو محصور فقال: إني رابع الإسلام.
стр. 2249
محمد بن أبان والمدائني عن أبي هلال عن قتادة قال: قال رجل بالكوفة: أشهد أن عثمان قُتل شهيداً، فأُتي به عليّ ﵇ فقال له علي: وما علَّمك؟ قال: فأنت تعلم، أتيت رسول الله ﷺ وأنت حاضر فسألته فأعطاني، وسألت أبا بكر فأعطاني، وسألت عمر فأعطاني، وسألت عثمان فأعطاني، فقلت للنبي ﷺ : ادع لي بالبركة، فقال: " وكيف لا يبارك الله لك إنما أعطاك نبي أو صديق أو شهيد ".
وحدثنا خلف البزار حدثنا أبو شهاب عن خالد عن أبي قلابة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " أرحمكم أبو بكر، وأشدكم في الدين عمر، وأقرؤكم أُبيّ، وأصدقكم حياءً عثمان، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضكم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيد بن الجراح ".
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا يحيى بن الحجاج عن أبي مسعود الجريري عن ثمامة بن حزن (١) القشيري قال: أشرف عثمان من داره علينا فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي، قال فجيء بهما كأنهما حماران فقال: أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها مساء مستعذب إلا بئر فقال: " من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له
стр. 2250
منها الجنة "؟ فاشتريتها من صلب مالي؟ قالا: اللهم نعم، قال: فأنشدكما الله والإسلام هل تعلمان أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ : " من يشتري بقعة آل فلان لتُزاد في المسجد بخيرٍ لهمنها الجنة "؟ فاشتريتها ممن صلب مالي؟ قالا: اللهم نعم، قال: فأنشدكما الله هل تعلمان أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالا: اللهم نعم، قال: أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ كان بثبير - أو قال بحراء - فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته إلى الحضيض فركضه برجله فقال: " اسكن، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد "؟ قالا: اللهم نعم (١).
حدثنا أحمد بن إبراهيم ومحمد بن حاتم بن ميمون قالا: حدثنا عبد الله بن ادريس قال: سمعت حصيناً يذكر عن عمرو بن جأوان عن الأحنف بن قيس قال: قدمنا حاجين فإنا لبمنى (٢) إذ أتى آتٍ فقال: إن الناس قد اجتمعوا في المسجد، فانطلقنا فإذا الناس مجتمعون على نفر في وسط المسجد، وإذا عليّ والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال: فإنا كذلك إذ جاء عثمان وعليه لملاءة صفراء قد قنع بها رأسه فقال: أنشدكم الله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " من ابتاع مربد بني فلان غفر الله له "، فابتعته له بعشرين - أو قال: بخمسة وعشرين - ألفاً فقال: " اجعله في مسجدنا واجره لك "؟ قالوا: نعم، قال أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " من ابتاع بئر رومة غفر الله له "، فابتعتها بكذا وكذا، فقال: " اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك "، قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم فقال: " من جهز هؤلاء - يعني جيش العسرة - غفر الله له "، فجهزتهم حتى
стр. 2251
لم يفتقدوا عقالاً ولا خطاماً؟ قالوا: نعم، قال اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد.
وحدثني عمر بن بكير عن هشام ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: تدارأ (١) عثمان والزبير في شيءٍ فقال الزبير أنا ابن صفية، فقال عثمان: هي أدنتك من الظل، ولولا هي كنت ضاحياً.
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد عن محمد بن سيرين قال: جمع عثمان القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، يقول: حفظه.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن مسلم بن يسار قال: جمع عثمان القرآن على عهد عمر، قال الواقدي: وهذا أثبتُ ما رُوي.
حدثنا شيبان بن فروخ الأبُلِّي حدثنا سلام بن مسكين وأبو هلال قالا: حدثنا محمد بن سيرين قال: قالت امرأة عثمان حين أرادوا قتله: إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يُحيي الليل بركعة يختم فيها القرآن.
حدثني الحسين بن عليّ بن الأسود أنبأنا أبو أسامة عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن التيمي قال: قمت في الحجر فقلت: لا يغلبني عليه أحد الليلة، فجاء رجل من خلفي فغمزني، فأبيت أن ألتفت، ثم غمزني فأبيت أن التف، ثم غمزني الثالثة فالتفتُّ، فإذا عثمان، فتأخرتُ عن الحجر، فقرأ القرآن في ركعة ثم انصرف (٢).
стр. 2252
حدثنا شيبان الآجري حدثنا عقبة بن الأصم قال: سمعت الحسن يقول: أعطى رسول الله ﷺ عثمان من غنيمة بدرٍ ولم يشهد القتال، تخلَّف على رقية.
وحدثني أحمد بن هشام بن بهرام حدثنا شعيب بن حرب حدثنا عبيد بن بُخت حدثنا ربعي بن حراش قال: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: " ألا أدلك على ختنٍ خير لك من عثمان وأدل عثمان على ختن خير له منك "؟ قال: بلى يا رسول الله: قال: " زوجني ابنتك وأزوج ابنتي من عثمان ".
حدثنا محمد بن سعد حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي قال، حدثتني أمّ غُراب جدة عليّ بن غراب عن بنانة أن عثمان كان يتنشف إذا توضأ بعد الوضوء، فكنت أجيئه إذا تنشف بثيابه فقال: لا تنظري إليّ فإنه لا يحل لك، وعليه حُلة صفراء كانت لامرأته؛ وكانت لحيته بيضاء.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة قال: أعطى عثمان طلحة في خلافته مائتي ألف دينار.
حدثني خلف البزار حدثنا عبد الوهاب عن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة عن ابن أخي مُطرف بن عبد الله بن الشخير عن مطرف قال: لقيت علياً يوم الجمل، فأسرع إليّ بدابته فقلت: أنا أحقُّ أن أسرع إليك، فقال: أحسبُ عثمان منعك من إتياننا، فأقبلت أعتذر إليه فقال: لئن أحببته لقد كان أبرنا وأوصلنا.
حدثني عبد الله بن صالح وأبو نصر التمار أخبرني شريك أخبرني بعض آل حاطب عن أبيه قال: رأيت على عثمان قوهياً وهو على المنبر.
стр. 2253
وحدثنا محمد بن سعد حدثنا خالد بن مخلد عن إسحاق بن يحيى بن طلحة عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان وعليه ثوبان ممصَّران (١).
المدائني عن عبد الحميد بن مهران عن أبيه قال: دخل على سالم بن عبد الله بن عمر رجلٌ، وكان ممن يحمد علياً ويذم عثمان، فذكر له فضائل عثمان ثم قال: غزا رسول الله ﷺ غزاة تبوك فلم يلق في غزاة من غزواته ما لقي فيها من الظمأ والمخمصة، فاشترى عثمان طعاماً وأدماً وما يصلح للنبي ﷺ والمؤمنين، فنظر إليه النبي ﷺ وهو مقبل فرفع يديه وقال: " اللهم إني راضٍ عنه فارض عنه "، ثلاثاً.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي قال: أتى عثمان منزل عائشة فسأل عن رسول الله ﷺ فقالت: ذهب يبتغي لأهله قوتاً فإنه ما أوقد في أبياته نار منذ سبعة أيام، فقال: رحمك الله أفلا تُعلميني إذا كان مثل هذا؟ ورجع فبعث بطعام وشاة إلى كل بيت. فلما رجع رسول الله ﷺ قال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بعث به عثمان، فقال: ابعثني منه إلى النسوة، فقالت: ما منهن امرأة أتاها مثل هذا، فرفع يديه وقال " اللهم لا تنسها لعثمان ".
حدثني وهب بن بقية عن يزيد بن العوام بن حوشب قال: قال محمد بن حاطب لعلي: إن هؤلاء سيسألونا عن عثمان غداً فما نقول؟ قال: نقول: كان من الذين " آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا " (٢).
стр. 2254
حدثني أبو عمر الدوري المقرئ عن عباد بن عباد المهلبي عن هشام بن عروة عن عروة قال: أوصى عثمان ولم يتشهد في الوصية؛ قال عبّاد: إن يتشهد الرجل فحسن، وإن لم يشهد فلا بأس.
حدثنا محمد بن سعد حدثنا خالد بن مخلد عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قال رجل لعثمان: إنك لأجمل الناس: ذاك رسول الله ﷺ .
حدثنا عمرو الناقد حدثنا قبيصة بن عقبة عن سفيان الثوري قال: بلغني أن عثمان كان إذا ولد له ولد دعا به وهو في خرقة فشمه، فقيل له: لم تفعل هذا؟ قال: أحب إن أصابه شيء أن يكون قد وقع له في قلبي شيءٌ، يعني من الحب والرقة.
المدائني عن أبي اليقظان عن أبي المقدام، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى عثمان بشيء، فأبطأ الرسول بالانصراف، فلما رجعت إليه قال: " أراك جعلت تنظرين إلى عثمان ورقية أيهما أحسن ".
حدثني علان الوراق عن الجمحي عن ابن دأب، قال: كان سعيد بن يربوع عن عنكثة المخزومي يقول: دخلت وأنا غلام ومعي طائر أريد أن أرسله وذلك في الهاجرة وإذا شيخ نائم تحت رأسه لبنة، فجعلت أنظر إليه متعجباً من حسنه، ففتح عينه فقال: من أنت يا غلام؟ فاخبرته، فدعا لي بألف درهم وحلة، فأمر فألبست الحلة وأُعطيت الألف الدرهم، فرجعت إلى أبي فأخبرته، فقال: يا بني هذا أمير المؤمنين عثمان.
حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه عن أشياخهم أن عبد الله بن الزبير قال: لقيني قوم ممن يطعن على عثمان فحاجوني فحدثتهم
стр. 2255
بسيرة أبي بكر وعمر وما كان منهما مما لم يعب وعيب على عثمان فحججتهم حتى كأنهم صبيانٌ يمضغون سُخُبهم (١).
وحدثني وهب بن بقية عن يزيد بن هارون عن القاسم الحداني عن أبي سعيد أخي محمد بن زياد قال: قال عليّ: أنا والله على أثر الذي أتى عثمان،
لقد سبقت له في الله سوابق لا يعذبه بعدها أبداً.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه أن رجلاً كان آنساً بعثمان، وكان الرجل من ثقيف، فحد في الشراب، فقال له عثمان: لن تعود والله إلى مجلسي والخلوة معي ما لم يكن لنا ثالثٌ.
حدثني عمرو الناقد حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن عوف عن محمد بن سيرين قال: قال عليّ بن أبي طالب: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله: " ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ إخواناً على سُررٍ متقابلين " (٢).
وحدثني عمرو الناقد عن عمرو بن عاصم عن جعفر بن أبي وحشية أبي بشر عن يوسف سعيد مولى حاطب عن محمد بن حاطب، وكان قدم البصرة مع علي أن علياً ذكر عثمان فقال ومعه عُود ينكت به " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " (٣) أولئك عثمان وأصحاب عثمان.
стр. 2256
المدائني عن الحسن بن دينار عن ابن سيرين عن أبي موسى الأشعري، أو عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ كان في حائط مدلياً رجله في بئر، فاستأذن أبو بكر فقال: " ائذن له وبشره بالجنة "، فدخل فدلى رجله في البئر، ثم جاء عمر فقال: " ائذن له وبشره بالجنة "، فدخل فدلى رجله في البئر أيضاً؛ ثم جاء عثمان فقال النبي ﷺ : " ائذن له وبشره بالجنة على بلوى شديدة ستناله "، فدخل وعيناه تذرفان.
المدائني عن الأسود بن شيبان عن ابن سيرين قال: قالت عائشة دخل أبو بكر على رسول الله ﷺ وهو مضطجع وعليه ثوبه فقضى حاجته وخرج، ودخل عمر فقضى حاجته وخرج، ثم جاء عليّ فقضى حاجته وخرج، ثم جاء عثمان فجلس له رسول الله ﷺ ، فقلت له: لم تصنع هذا بأحد، فقال: " إن عثمان شديد الحياء ولو رآني على تلك الحال لانقبض عن حاجته وقصر فيها ".
المدائني عن عباد بن راشد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : " من يجهز هذا الجيش - يعني جيش العسرة - بشفاعة متقبلة "؟ فقال عثمان: يارسول الله بشفاعة متقبلة؟ قال: " نعم على الله ورسوله "، قال: أنا، فجهزهم بسبعين ألفاً.
وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال: " كيف لا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة "؟ وحدثني أحمد بن هشام بن بهرام حدثنا شعيب بن حرب أنبأنا إسرائيل أنبأنا أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر فسمعت الحادي يقول:
стр. 2257
إنَّ الأمير بعده ابن عفان
وحدثني أحمد بن هشام، حدثنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن أبي صالح قال: كان الحادي يحدو لعثمان فيقول:
إن الأمير بعدهُ عليٌّ … وفي الزبير خلفٌ رضيُّ
فقال كعب: لا بل هو صاحب البغلة الشهباء - يعني معاوية - فأتى معاوية كعباً فقال: يا أبا إسحاق أنى يكون هذا وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: أنت صاحبها يا أبا عبد الرحمن.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا حماد بن أسامة أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه: " وددت أن عندي بعض أصحابي، فقلت: يا رسول الله، أندعو لك أبا بكر؟ فاسكت، فقلت: أندعو لك عمر؟ فأسكت، فقلت: أندعو لك عثمان؟ قال: نعم، فدعوته، فلما أقبل أشار رسول الله ﷺ أن تباعدي. وجاء عثمان فجلس فجعل رسول الله ﷺ يقول له قولاً ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار قيل لعثمان: ألا تقاتل؟ فقال: إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهداً وأنا صائر إليه "؛ قال أبو سهلة: فيرون أنه مما كان قال له ذلك اليوم.
المدائني عن يزيد بن عياض عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: كان عثمان محبباً في قريش، قال القائل:
أحبُّكَ والرحمن … حبَّ قريشٍ عُثمان … إذا دعا بالميزان
стр. 2258
حدثنا عباس عن بن هشام الكلبي عن أبيه عن خالد بن سعيد الأموي قال: تزوج سعيد بن العاص بن أبي أحيحة هند بنت الفرافصة (١) بن الأحوص الكلبي، فبلغ ذلك عثمان فكتب إليه إن كان لها أخت أن يخطبها عليه، فبعث سعيد إلى الفرافصة بن الأحوص الكلبي، وكان نصرانياً، أن زوج أمير المؤمنين ابنتك فقد ذكرها، فقال لضب بن القرافصة: زوجها أمير المؤمنين فإنك على دينه، فزوجه نائلة؛ وقال لها الفرافصة: إنك تقدمين على نساء من قريش هن أقدر على العطر منك فلا تُغلبي على الكحل والماء، تطهري حتى يكون ريحك ريح شنةٍ أصابها قطر، فقالت حين حملت إلى المدينة:
ألست ترى ياضبُّ بالله أنني … مصاحبة نحو المدينة أركبا
أريد أمير المؤمنين أخا التقى … وخير قريشٍ منصباً ثم مركبا
وكان عثمان مهرها عشرة آلاف درهم وأعطاها كيسان أبا سليم وامرأته رُمانة، وهي من سبي كرمان، فأعتقتها نائلة وهو خرج معها إلى الشام بعد عثمان، ويقال إنه من موالي كلب، قدم معها ثم خرج إلى الشام معها. فلما دخلت على عثمان جلس على سرير وأجلست على سرير ثم وضع قلنسوته فبدت صلعته فقال: لا تكرهن ما ترين من صلعي فإن وراءه ما تحبين، فقالت: إني من نسوةٍ أحبُّ بعولتهن إليهن الشيخ السيد، قال: إما أن
стр. 2259
تقومي إليَّ أو أقوم إليك، قالت: ما تجشمت من مسافة السماوة أبعد من عرض البيت، ثم قامت فجلست إلى جانبه فمسح رأسها ودعا لها ثم قال: اطرحي ملحفتك، فطرحتها، ثم قال: اطرحي خمارك، فطرحته، ثم قال: اطرحي درعك، فطرحته، ثم قال: اطرحي إزارك، فقالت: أنت وذاك، فلم تزل عنده حتى قُتل، فلما دخل عليه أهل مصر، وكانت عظيمة العجيزة، ضرب رجل منهم بيده على أليتها فقالت: أشهد أنك فاسق وأنك لم تأت غضباً لله ولا محاماةً عن الدين، وذهب بعضهم ليضرب عثمان فاتقته بيدها فقطع السيف إصبعين من أصابعها، وولدت لعثمان مريم، فتزوجها عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، وكانت مريم سيئة الخلق، فكانت تقول له: جئتك برداً وسلاماً، فيقول: قد أفسد بردك وسلامتك سوءُ خلقك، وخطب معاوية نائلة وألح عليها، فنزعت ثنيتين من ثناياها فأمسك عنها، وولدت لعثمان أم أبان وأم خالد وأروى أيضاً، وقالت نائلة حين قتل عثمان:
وما لي لا أبكي وأبكي قرابتي … وقد نُزعت منا فُضولُ أبي عمرو
إذا جئتهُ يوماً تُرجى نوالهُ … بدت لك سيماهُ بأبيض كالبدرِ
قال: وكان جُندب بن عمرو بن حممة الدوسي قدم المدينة مهاجراً، ثم أتى الشام غازياً وخلَّف ابنته عند عمر بن الخطاب وقال: إن حدث بي حدث فزوجها كفوءاً ولو بشراك نعله، فكان يدعوها ابنتي وتدعوه أبي، فلما استشهد أبوها قال عمر: من يتزوج الجميلة الحسيبة؟ فقال عثمان: أنا، فزوجه إياها على صداق بذله، فأتاها به عمر فوضعه في حجرها، فقالت: ما هذا؟ قال مهرك، فنفحت به، فأمر حفصة فأصلحت من شأنها،
стр. 2260
ودخل بها عثمان فولدت له. وكان يقول: ما شيء أحببته في امرأة إلا وهو فيها.
وتزوج عثمان رضي الله تعالى عنه ابنه شيبة بن ربيعة على ثلاثين ألفاً، ويقال أربعين ألفاً.
وتزوج ابنه خالد بن أسيد على أربعين ألفاً.
وتزوج أم عبد الله بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة ثلاثين ألفاً.
وخطب فاطمة بنت عمر الخطاب رضي الله تعالى عنه، بعد وفاة عمر، وأصدقها مائة ألف، فقال ابن عمر، إن ابن عمها أحق بها، فزوجها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب.
وتزوج ابنه عيينة على خمسمائة دينار.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عمن حدثه عن حسين بن عبد الله بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس أن عثمان شكا علياً إلى العباس فقال له: يا خال إن علياً قد قطع رحمي وألب الناس علي، والله لئن كنتم يا بني عبد المطلب أقررتم هذا الأمر في أيدي بني تيم وعدي فبنو عبد مناف أحق أن لا تنازعوهم ولا تحسدوهم عليه، قال عبد الله بن العباس: فأطرق أبي طويلاً ثم قال: يا ابن أخت، لئن كنت لا تحمد علياً فما نحمدك له، وإن حقك في القرابة والإمامة للحق الذي لا يدفع ولا يجحد، فلو رقيت فيما تطأطأ أو تطأتطأت ما يرقى تقاربتما، وكان ذلك أوصل وأجمل، قال: صيرت الأمر في ذلك إليك، فقرب الأمر بيننا، قال: فلما خرجنا من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه فما لبثنا أن جاء
стр. 2261
أبي رسول عثمان بالرجوع إليه، فلما رجع قال: يا خال، أحب أن تؤخر النظر في الأمر الذي ألقيت إليك حتى أرى من رأيي، فخرج أبي من عنده ثم التفت إلي فقال: يا بني، ليس إلى هذا الرجل من أمره شيءٌ، ثم قال: اللهم اسبق بي الفتن ولا تبقني إلى ما لا خير لي في البقاء إليه، فما كانت جمعة حتى هلك.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني أبو داود الطيالسي عن شعبة عن عمرو بن مرة عن ذكوان عن صهيب مولى العباس أن العباس قال لعثمان: أذكرك الله في أمر ابن عمك وابن خالك وصهرك وصاحبك مع رسول الله ﷺ ، فقد بلغني أنك تريد أن تقوم به وبأصحابه، فقال: أول ما أجيبك به أني قد شفعتك، إن علياً لو شاء لم يكن أحد عندي إلا دونه، ولكنه أبي إلا رأيه، ثم قال لعلي مثل قوله لعثمان فقال علي: لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت.
وجدت في كتاب لعبد الله بن صالح العجلي: ذكروا أن عثمان نازع الزبير، فقال الزبير: إن شئت تقاذفنا، فقال عثمان: بماذا؟ بالبعر يا أبا عبد الله؟ قال: لا والله ولكن بطبع خبابٍ وريش المقعد، وكان خباب بطبع السيوف وكان المقعد يريش النبل.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده محمد بن السائب عن محمد بن سهل بن سعد الساعدي قال: تنازع عليّ وطلحة في شرب، فكان عليّ يحب إقراره وكان طلحة يحب إبطاله، فاختصما إلى عثمان، فركب معهما إلى الشرب، ووافاهم معاوية قادماً من الشام فأدركته المنافية فقال: إن كان هذا الشرب مقراً في خلافة عمر فمن ذا يغير شيئاً أقره عمر؟ فلقنها
стр. 2262
عثمان فقال: هذا شرب لم يغيره عمر ولسنا بمغيري ما أقره عمر، فقال طلحة: وماذا الذي أنت عليه من أمر عمر؟ المدائني قال: وقع بين سالم بن دارة - وهي أمه وأبوه مُسافِع بن عقبة من بني عبد الله بن غطفان - وبين زميل بن أبير الفزاري - وهو ابن أم دينار - كلامٌ، فضربه فجرحه زميل، فأدخل المدينة وحمل إلى عثمان، فأمر عثمان الطبيب فنظر إليه فقال: لا عمق للجراحة، فأمر أن يداوى، فدست ابنه عتيبة امرأة عثمان إلى الطبيب دنانير فذر على جرحه سماً فانتقض فمات، ويقال: أعطى منظور الطبيب دينارين فسم جرحه، فقال لأبيه وهو بالموت:
أبلغْ أبا سالمٍ عَنيِّ مغلغلةً … فلا تكوننَّ أَدنَى القومِ للعارِ
لا تأخذنْ مِائةً مني موسَّمهً … ولوْ أتاكَ بها يجذي (١) ابن سيارِ
стр. 2263
أمر الشورى وبيعة عثمان رضي الله تعالى عنه:
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إن رجلاً يقولون إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، وإن بيعة عمر كانت عن غير مشورة، والأمر بعدي شورى، فإذا اجتمع رأي أربعة فليتبع الاثنان الأربعة، وإذا اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا رأي عبد الرحمن فاسمعوا وأطيعوا، وإن صفق عبد الرحمن بإحدى يديه على الأخرى فاتبعوه (١).
وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، أنبأنا شعبة، أنبأنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان اليعمري أن عمر بن الخطاب خطب الناس يوم جمعة فذكر النبي ﷺ وأبا بكر ثم قال: إني رأيت كأن ديكا نقرني ولا أراه إلا حضور أجلي، وإن قوماً يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه وخلافته والذي بعث به نبيه، فإن عجل بي الأمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وقد
стр. 2264
علمت أنه سيطعن في الأمر أقوام أنا ضربتهم بيدي على الإسلام، فإن فعلوا فأولئك أعداء الله الضالون.
وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود حدثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: كنت شاهداً لعمر يوم طعن، فذكر حديثاً طويلاً ثم قال: قال عمر: ادعوا لي علياً وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، فلم يكلم أحداً منهم غير عليّ وعثمان، فقال: يا علي، لعل هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النبي ﷺ وصهرك وما أنا لك الله من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه، ثم دعا بعثمان فقال: يا عثمان، لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله ولا تحمل آل أبي معيط على رقاب الناس، ثم قال: ادعوا لي صهيباً، فدعي، فقال: صل بالناس ثلاثاً وليخل هؤلاء النفر في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل منهم فمن خالفهم فاضربوا رأسه. فلما خرجوا من عند عمر قال: إن ولوها الأجلح (١) سلك بهم الطريق، قال ابن عمر: فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحملها حياً وميتاً.
حدثنا محمد بن سعد حدثنا الواقدي عن محمد بن عبيد الله الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: قال عمر: لا أدري ما أصنع بأمة محمد - وذلك قبل أن يطعن - فقلت: ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفهم عليهم؟ قال: أصحابكم؟ يعني علياً، قلت: نعم هو أهل لها
стр. 2265
في قرابته برسول الله ﷺ وصهره وسابقته وبلائه، فقال عمر: أن فيه بطالةً وفكاهة، قلت: فأين أنت عن طلحة؟ قال: فأين الزهو والنخوة. قلت: عبد الرحمن بن عوف، قال: هو رجل صالح على ضعف فيه، قلت: فسعد، قال: ذاك صاحب مقنب وقتال لا يقول بقرية لو حمل أمرها قلت: فالزبير، قال لقس (١)، مؤمن الرضى، كافر الغضب، شحيح، إن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف، رفيقٍ في غير ضعف، جوادٍ في غير سرف، قلت: فأين أنت عن عثمان؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: ذكر عمه من يستخلف فقيل: أين أنت عن عثمان؟ قال: لو فعلت لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، قيل الزبير قال: مؤمن الرضى كافر الغضب، قيل: طلحة، قال: أنفه في السماء واسته في الماء، قيل: سعد، قال: صاحب مقنب، قرية له كثيرٌ، قيل: عبد الرحمن، قال: بحبسه أن يجري أهل بيته.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن الثوري عن حصين عن عمرو بن ميمون أن عمر جعل الشورى إلى ستة وقال: عبد الله بن عمر معكم وليس معه من الأمر شيء (٢).
حدثنا هشام بن عمار الدمشقي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: قال عمر بن الخطاب: من يدلني على رجلٍ بر تقي أوليه؟ فقال المغيرة بن
стр. 2266
شعبة: أنا أدلك عليه يا أمير المؤمنين، قال: من هو؟ قال: عبد الله بن عمر، قال: قاتلك الله، والله ما الله أردت بها. قال هشام: وبلغنا أن عثمان لما ولي الخلافة قال له المغيرة: أما والله لو ولي غيرك ما بايعته، فقال عبد الرحمن بن عوف، كذبت يا أعور، لو ولي غيره لبايعته ولقلت له مثل هذا القول.
وفي راوية الواقدي أن عمرو بن العاص تطاول ليدخل في الشورى فقال له عمر أطمئن كما وضعك الله، لا أجعل فيها أحداً حمل السلاح على نبي الله.
حدثنا محمد بن سعد حدثني شهاب بن عبادة حدثنا إبراهيم بن حميد عن ابن أبي خالد عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم قال: أخبرنا إن عمر قال لعلي: إن وليت من أمر الناس شيئاً فلا تحملن بني عبد المطلب على رقاب الناس، وقال لعثمان: إن وليت من أمر الناس شيئاً فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده أن عمر بن الخطاب لما طعن قال: ليصل صهيب ثلاثاً وتشاوروا في أمركم والأمر إلى هؤلاء الستة، فمن نغل بأمركم فاضربوا عنقه (١).
стр. 2267
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن نافع بن أبي نعيم عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: ليتبع الأقل الأكثر، فمن خالفكم فاضربوا عنقه.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده أن المسور بن مخرمة قال: كان عمر بن الخطاب وهو صحيح يسأل أن يستخلف فيأبى ذلك، ثم صعد المنبر فتكلم بكلمات ثم قال: إن مت فأمركم إلى هؤلاء الستة النفر فارقوا رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ: عليّ بن أبي طالب، ونظيره الزبير، وعبد الرحمن بن عوف، ونظيره عثمان، وطلحة، ونظيره سعد بن مالك، ألا وإني أوصيكم بتقوى الله في الحكم والعدل في القسم.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف في إسناده أن عمر بن الخطاب أمر صهيباً مولى عبد الله بن جدعان حين طعن أن يجمع إليه وجوه المهاجرين والأنصار، فلما دخلوا عليه قال لهم إني قد جعلت أمركم شورى إلى الستة نفر المهاجرين الأولين الذين قبض رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ ليختاروا أحدهم لإمامتكم، وسماهم، ثم قال لأبي طلحة زيد بن سهل الخزرجي: اختر خمسين رجلاً من الأنصار يكونون معك فإذا توفيت فاستحث هؤلاء النفر حتى يختاروا لأنفسهم وللأمة أحدهم ولا يتأخرن عن أمرهم فوق ثلاث. وأمر صهيباً أن يصلي بالناس إلى أن يتفقوا على إمام، وكان طلحة بن عبيد الله غائباً في ماله بالسراة فقال عمر: إن قدم طلحة في الثلاثة الأيام وإلا فلا تنتظروه بعدها وأبرموا الأمر واصرموه وبايعوا من تتفقون عليه، فمن خالف عليكم فاضربوا عنقه، قال: فبعثوا إلى طلحة رسولاً يستحثونه ويستعجلونه بالقدوم فلم يرد المدينة إلا بعد وفاة عمر والبيعة لعثمان، فجلس في بيته وقال: أعلى مثلي يفتأت؟ فأتاه عثمان فقال له طلحة: إن رددت الأمر أترده؟ قال: نعم قال: فإني أمضيته، فبايعه،
стр. 2268
وقد قال بعض الرواة إن طلحة كان حاضراً لوفاة عمر والشورى، والأول أثبت.
وقال أبو مخنف: أمر عمر أصحاب الشورى أن يتشاوروا في أمرهم ثلاثاً فإن اجتمع اثنان على رجل واحد رجعوا في الشورى، فإن اجتمعوا أربعة على واحد وأباه واحد كانوا مع الأربعة، وإن كانوا ثلاثة وثلاثة كانوا مع الثلاثة الذين فيهم ابن عوف، إذا كان الثقة في دينه ورأيه المأمون على الاختيار للمسلمين.
وحدثنا محمد بن سعيد والوليد بن صالح عن الواقدي عن إسماعيل بن إبراهيم من ولد عبد الله بن أبي ربيعة أن عبد الله قال: إن بايعتم علياً سمعنا وعصينا وإن بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا، فاتق الله يابن عوف.
وحدثاني عن الواقدي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: إن اجتمع رأى ثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف في إسناده أن علياً شكا إلى عمه العباس ما سمع من قول عمر " كونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف " وقال: والله لقد ذهب الأمر منا، فقال العباس: وكيف قلت ذلك يابن أخي؟ فقال: إن سعداً لا يخالف عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن نظير عثمان وصهره، فأحدهما لا يخالف صاحبه لا محالة، وإن كان الزبير وطلحة معي فلن أنتفع بذلك إذ كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين؛ وقال ابن الكلبي: عبد الرحمن بن عوف زوج أم كلثوم بنت
стр. 2269
عقبة بن أبي معيط، وأمها أروى بنت كريز، وأروى أم عثمان فلذلك صهره. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أبي بكر بن إسماعيل عن أبيه قال: كان طلحة بالسراة في أمواله وافى الموسم ثم أتى أمواله وانحدر عمر، فلما طُعن وذكره في الشورى، بعث إليه رسولٌ مسرع، فأقبل مسرعاً فوجد الناس قد بايعوا لعثمان، فجلس في بيته وقال: مثلي لا يفتأت عليه، ولقد عجلتم وأنا على أمري، فأتاه عبد الرحمن بن عوف فعظم عليه حُرمة الإسلام وخوفه الفرقة.
حدثني محمد عن الواقدي عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن زيد أن طلحة لما قدم أتاه عثمان فسلم عليه، فقال طلحة: يا أبا عبد الله، أرأيت إن رددت الأمر أترده حتى يكون فينا على شورى؟ قال عثمان: نعم يا أبا محمد، قال طلحة: فإني لا أرده، فإن شئت بايعتك في مجلسك وإن شئت ففي المسجد، فبايعه، فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ما زلت خائفاً لأن ينتقض هذا الأمر حتى كان من طلحة ما كان فوصلته رحمٌ. ولم يزل عثمان مكرماً لطلحة حتى حصر، فكان طلحة أشد الناس عليه. وقال الواقدي في إسناده، قال عمر قبل أن يموت بساعة: يا أبا طلحة كن في خمسين من الأنصار من قومك مع أصحاب الشورى ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث من وفاتي حتى يؤمروا أحدهم؛ قال: فلما قبض عمر وافى أبو طلحة في أصحابه فلزم أصحاب الشورى، فلما جعلوا أمرهم إلى عبد الرحمن بن عوف ليختار لهم لزم باب عبد الرحمن حتى بايع عثمان.
стр. 2270
وفي رواية أبي مخنف أن علياً خاف أن يجتمع أمر عبد الرحمن وعثمان وسعد فأتى سعداً ومعه الحسن والحسين فقال له: يا أبا إسحاق إني لا أسألك أن تدع حق ابن عمك بحقي أو ثؤثرني عليه فتبايعني وتدعه، ولكن إن دعاك إلى أن تكون له ولعثمان ثالثاً فأنكر ذلك فإني أدلي إليك من القرابة والحق بما لا يُدلي به عثمان، وناشده بالقرابة بينه وبين الحسن والحسين وبحق آمنة أم رسول الله ﷺ ، فقال سعد: لك ما سألت؛ وأتى سعد عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن: هلم فلنجتمع، فقال سعد: إن كنت تدعوني والأمر لك وقد فارقك عثمان على مبايعتك كنت معك، وإن كنت إنما تريد لعثمان فعلي أحق بالأمر إلي من عثمان؛ قال: وأتاهم أبو طلحة فاستحثهم وألح عليهم، فقال عبد الرحمن: ياقوم أراكم تتشاحون عليها وتؤخرون إبرام هذا الأمر، أفكلكم رحمكم الله يرجو أن يكون خليفة؟ ورأى أبو طلحة ما هم فيه فبكى وقال: كنت أظن بهم خلاف هذا الحرص، إنما كنت أخاف أن يتدافعوها.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن موسى بن عقبة عن مكحول قال: لم يكن سعد في الشورى؛ قال: وحدثني ابن أبي ذئب عن الزهري قال: لم يكن سعد في الشورى.
المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري وابن جعدبة أن عمر أدخل ابنه عبد الله في الشورى على أنه خارج من الخلافة وليس له الاختيار فقط قال أبو الحسن المدائني: ولم يجتمع على ذلك.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي محنف في إسناد له قال: لما دفن عمر أمسك أصحاب الشورى وأبو طلحة يومهم فلم يُحدثوا
стр. 2271
شيئاً، فلما أصبحوا جعل أبو طلحة يحوشهم للمناظرة في دار المال، وكان دفن عمر يوم الأحد وهو اليوم الرابع من يوم طُعن وصلى عليه صُهيب بن سنان؛ قال: فلما رأى عبد الرحمن طول تناجي القوم وتناظرهم وأن كل واحد منهم يدفع صاحبه عنها قال لهم: يا هؤلاء، أنا أخرج نفسي وسعداً من الأمر على أن إختاروا معشر الأربعة أحدكم، فقد طال التناجي وتطلع الناس إلى معرفة خليفتهم وإمامهم واحتاج من أقام لانتظار ذلك من أهل البلدان إلى الرجوع إلى أوطانهم؛ فأجابوا إلى ما عرض عليهم إلا علياً فإنه قال: أنظر. وأتاهم أبو طلحة فأخبره عبد الرحمن بما عرض وبإجابة القوم إياه إلا علياً، فأقبل أبو طلحة على عليّ فقال: يا أبا الحسن، إن أبا محمد ثقة لك وللمسلمين فمابالك تخالفه وقد عدل الأمر عن نفسه فلن يتحمل المأثم لغيره؟ فأحلف عليّ عبد الرحمن بن عوف أن لا يميل إلى هوىً وأن يؤثر الحقَّ ويجتهد للأمة وأن لا يحابي ذا قرابة، فحلف له، فقال: اختر مسدَّداً، وكان ذلك في دار المال ويقال في دار المسور بن مخرمة، ثم إن عبد الرحمن أحلف رجلاً رجلاً منهم بالأيمان المغلظة وأخذ عليهم المواثيق والعهود أنهم لا يخالفون إن بايع منهم رجلاً وأن يكونوا معه على من يناويه، فحلفوا على ذلك، ثم أخذ بيد عليّ فقال له: عليك عهد الله وميثاقه إن بايعتك أن لا تحمل بني عبد المطلب على رقاب الناس ولتسيرن بسيرة رسول الله ﷺ لا تحول عنها ولا تقصر في شيء منها، فقال علي: لا أحمل عهد الله وميثاقه على ما لا أدركه ولا يدركه أحدٌ، من ذا يطيق سيرة رسول الله ﷺ ؟ ولكني أسير من سيرته بما يبلغه الاجتهاد مني وبما يمكنني وبقدر علمي، فأرسل عبد الرحمن يده. ثم أحلف عثمان وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يحمل بني
стр. 2272
أمية على رقاب الناس، وعلى أن يسير بسيرة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ولا يخالف شيئاً من ذلك، فحلف له، فقال علي: قد أعطاك أبو عبد الله الرضا فشأنك فبايعه، ثم أن عبد الرحمن عاد إلى عليّ فأخذ بيده وعرض عليه أن يحلف تلك اليمين أن لا يخالف سيرة رسول الله وأبي بكر وعمر، فقال عليٌّ: عليّ الاجتهادُ، وعثمان يقول: نعم، عليّ عهد الله وميثاقه وأشدُّ ما أخذ على أنبيائه أن لا أخالف سيرة رسول الله وأبي بكر وعمر في شيء ولا أقصر عنها، فبايعه عبد الرحمن وصافقه وبايعه أصحاب الشورى. وكان عليّ قائماً فقعد، فقال له عبد الرحمن: بايع وإلا ضربت عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره، فيقال إن علياً خرج مغضباً فلحقه أصحاب الشورى وقالوا: بايع وإلا جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس أن علياً أول من بايع عثمان من أصحاب الشورى بعد عبد الرحمن بن عوف، لم يتلعثم.
محمد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله بن جبير عن خالد بن كيسان عن كثير بن عباس، قال: لما استخلف عثمان دخل عليّ على العباس فقال له: إني ما قدمتك قط إلا تأخرت، قلت لك: هذا الموت بين في وجه رسول الله فتعالى نسأله عن هذا الأمر، فقلت: أتخوف أن لا يكون فينا فلا نستخلف أبداً، ثم مات وأنت المنظور إليه، فقلت: تعال أبايعك فلا يختلف عليك، فأبيت، ثم مات عمر فقلت لك: قد أطلق الله يديك فليس لأحد عليك تبعةٌ فلا تدخل في الشورى عسى ذلك أن يكون خيرا.
стр. 2273
وقال الواقدي: قال العباس لعلي حين طُعن عمر: الزم بيتك ولا تدخل في الشورى فلا يختلف عليك اثنان.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن سعيد الكتب عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: رأيت أول من بايع عثمان: عبد الرحمن بن عوف ثم عليّ بن أبي طالب (١).
حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل أن عبد الله بن مسعود سار من المدينة إلى الكوفة حين استخلف عثمان في ثمان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مات فلم نر يوماً كان أكثر نشيجاً من يومه، وإنا اجتمعنا معشر أصحاب محمد فلم نألُ عن خيرنا ذا فُوق فبايعنا عثمان بن عفان فبايعوه.
حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن عبد الله بن سنان قال: قال عبد الله حين استخلف عثمان: ما ألونا أعلانا ذا فوق.
وحدثني محمد بن سعد عن أبي معاوية وعبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: قال عبد الله بن مسعود: استخلفنا خير من بقي ولم نألُ (٢).
وقال الواقدي في إسناده: بويع عثمان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين واستقبل بخلافته المحرم سنة أربعٍ وعشرين،
стр. 2274
ووجه في سنة أربع وعشرين للحج عبد الرحمن بن عوف فحج بالناس، ثم حج عثمان في خلافته كلها عشر سنين إلى السنة التي حُوصر فيها، ووجه في تلك السنة على الموسم وهي سنة خمس وثلاثين عبد الله بن العباس بن عبد المطلب فحجّ بالناس.
وحدثني محمد بن سعد عن محمد بن عمر الواقدي، حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن عن أبيه أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن أول مركب صعبٌ وإن بعد اليوم أياماً وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها فما كنا خطباء وسيعلمنا الله.
وروى أبو مخنف أن عثمان لما صعد المنبر قال: أيها الناس، إن هذا مقامٌ لم أزور له خطبة ولا أعددت له كلاماً وسنعود فنقول إن شاء الله.
المدائني عن غياث بن إبراهيم أن عثمان صعد المنبر فقال: أيها الناس، إنا لم نكن خطباء وأن نعشْ تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله. وقد كان من قضاء الله أن عبيد الله بن عمر أصاب الهرمزان، وكان الهرمزان من المسلمين ولا وارث له إلا المسلمون عامة وإنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون؟ قالوا: نعم، فقال علي: أقد الفاسق فإنه أتى عظيماً، قتل مسلماً بلا ذنب، وقال لعبيد الله: يا فاسق لئن ظفرت يوماً لأقتلنك بالهرمزان.
وقال الوادقي في راوية له: خطب عثمان الناس فقال: الحمد الله أحمده وأستعين وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد
стр. 2275
رشد ومن يعصهما فقد غوى؛ إني أيها الناس قد وليت أمركم فأستعين الله ولو كنت بمعزل عن الأمر كان خيراً لي وأسلم، مضى قبلي صاحباي رحمهما الله فهماني سلف وقدوة فإنما أنا متبع، وأرجو القوة من القوي العزيز، فادعوا لي بالله العون والتسديد، فدعا الناس له ثم بايعوه.
وقال الواقدي في رواية له: خطب عثمان فقال: الحمد لله الذي لا ينبغي الحمد إلا له الحمد لله الذي هدانا للإسلام وأكرمنا بمحمد ﵊، أما بعد أيها الناس، فاتقوا الله في سر أمركم وعلانيته، وكونوا أعواناً على الخير والبر والصلة ولا تكونوا أخواناً في العلانية أعداءً في الستر فإنا قد كنا نحذر أولئك، من رأى منكم منكراً فليغيره فإن كان لا قوة له به فليرفعه إلي، وكفوا سفهائكم وشدوا بهم أيديكم فإن السفيه قمع إنقمع وإذا ترك تتايع (١)، ثم جلس وبايعه الناس. وروي أن عثمان خطب فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً وسيأتي الله به. وقال الفرزدق:
صلى صهيب ثلاثاً ثم أنزلها … على ابن عفان ملكاً غير مقسور
وصيةً من أبي حفصٍ لستتهم … كانوا أخلاء مهدي ومأمور (٢)
стр. 2276
ذكر ما أنكروا من سيرة عثمان بن عفان وأمره ﵁.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال: سمعت عثمان يقول: أيها الناس إن أبا بكر وعمرو كانا يتأولان في هذا المال ظلف أنفسهما وذوي أرحمهما وإني تأولت فيه صلة رحمي.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: لما ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميراً، فمكث ست سنين لا ينقم الناس عليهم شيئاً إنه لأحب إلى قريش من عمر لشدة عمر ولين عثمان لهم ورفقه بهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقاربه وأهل بيته في الست الأواخر وأهملهم وكتب لمروان بن الحكم بخمس إفريقية، وأعطى أقاربه المال وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، واتخذ الأموال واستسلف من بيت المال مالاً وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من هذا المال ما كان لهما وإني آخذه فأصل به ذوي رحمي، فأنكر الناس ذلك عليه (١).
стр. 2277
وحدثنا هشام بن عمار الدمشقي حدثنا محمد بن عيسى بن سميعٍ عن محمد بن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما ولي عثمان كره ولايته نفرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة حجة وكان كثيراً ما يولي من بني أمية من لم يكن له مع النبي ﷺ صحبه، فكان يجيء من أمرائه ما ينكره، أصحاب محمد ﷺ وكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، فلما كان في الست الأواخر استأثر ببني عمه فولاهم وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر فمكث عليهم سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كانت من عثمان قبل هنات إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر، فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وأحلافها من غضب لأبي ذر ما فيها، وحنقت بنو مخزوم لحال عمار بن ياسر، فلما جاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح كتب إليه كتاباً يتهدده فيه، فأبى أن ينزع عما نهاه عثمان عنه وضرب بعض من كان شكاه إلى عثمان من أهل مصر حتى قتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة إلى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا ما صنع بهم ابن أبي سرح في مواقيت الصلاة إلى أصحاب محمد، فقام طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام شديد، وأرسلت إليه عائشة رضي الله تعالى عنها تسأله أن ينصفهم من عامله، ودخل عليه عليّ بن أبي طالب - وكان متكلم القوم - وقال له: إنما يسألك القوم رجلاً مكان رجل وقد ادعوا قبله دماً فاعزله عنهم وأقضِ بينهم فإن وجب عليه حق فانصفهم منه، فقال لهم: اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليهم بمحمد بن أبي بكر الصديق، فقالوا: استعمل علينا محمد بن
стр. 2278
أبي بكر، فكتب عهده على مصر ووجه معهم عدةً من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله الزهري أن عثمان كان يأخذ من الخيل الزكاة، فأنكر ذلك من فعله وقالوا: قال رسول الله ﷺ " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق ".
وحدثني محمد بن سعدالواقدي عن محمد بن عبد الله عن الزهري، وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده - وفي أحد الحديثين زيادة عن الآخر فسقتهما ورددت بعضهما على بعض - أن الحكم بن أبي العاص بن أمية عم عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية كان جاراً لرسول الله ﷺ ، وكان أشد جيرانه أذى له في الإسلام وكان قدومه المدينة بعد فتح مكة، وكان مغموصاً عليه في دينه، فكان يمر خلف رسول الله ﷺ فيغمز به ويحكيه ويخلج بأنفه وفمه وإذا صلى قام خلفه فأشار بأصابعه، فبقي تخليجه وأصابته خبلةٌ، واطلع على رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في بعض حُجر نسائه فعرفه وخرج إليه بعنزة (١) وقال: " من عذيري من هذا الوزغة اللعين (٢)، ثم قال: لا يساكنني ولا ولده "، فغربهم جميعاً إلى الطائف، فلما قبض رسول الله ﷺ كلم عثمان أبا بكر وسأله ردهم فأبى ذلك وقال: ماكنت لآوي طُرداء رسول الله ﷺ . ثم لما استخلف عمر
стр. 2279
كلمه فيهم فقال مثل قول أبي بكر. فلما استخلف عثمان أدخلهم المدينة وقال: قد كنت كلمت رسول الله فيهم وسألته ردَّهم فوعدني أن يأذن لهم فقبض قبل ذلك، فأنكر المسلمون عليه إدخاله إياهم المدينة.
قال الواقدي: ومات الحكم بن أبي العاص بالمدينة في خلافة عثمان فصلى عليه وضرب على قبره فسطاطاً.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: خطب عثمان فأمر بذبح الحمام وقال: إن الحمام قد كثر في بيوتكم حتى كثر الرَمُي ونالنا بعضه، فقال الناس: يأمر بذبح الحمام، وقد آوى طرداء رسول الله ﷺ .
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع مولى الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: أغزانا عثمان سنة سبع وعشرين إفريقية، فأصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح غنائم جليلة، فأعطى عثمان مروان بن الحكم خمس الغنائم.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن لوط بن يحيى أبي مخنف عمن حدثه قال: قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة وعامله على المغرب، فغزا إفريقية سنة سبع وعشرين فافتتحها وكان معه مروان بن الحكم، فابتاع خمس الغنيمة بمائة ألف أو مائتي ألف دينار، فكلم عثمان فوهبها له، فأنكر الناس ذلك على عثمان.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور قالت: لما بنى مروان داره بالمدينة دعا الناس إلى طعامه، وكان المسور فيمن دعا، فقال مروان وهو يحدثهم: والله ما أنفقت في داري هذه
стр. 2280
من مال المسلمين درهماً فما فوقه، فقال المسور: لو أكلت طعامك وسكت لكان خيراً لك، لقد غزوت معنا إفريقية وإنك لأقلنا مالاً ورقيقاً وأعواناً وأخفنا ثقلاً فأعطاك ابن عفان خمس إفريقية، وعملت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين؛ فشكاه مروان إلى عُروة وقال: يُغلظ لي وأنا له مكرم متقٍ.
وحدثني محمد بن سعد الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر عن أبيها قالت: قدمت إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحارث بن الحكم بن أبي العاص.
وحدثني محمد بن حاتم بن ميمون الحجاج الأعور عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كان مما أنكروا على عثمان أنه ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة ألف درهم، فوهبها له حين أتاه بها.
وقال أبو مخنف والواقدي في روايتهما: أنكر الناس على عثمان إعطاءه سعيد بن العاص مائة ألف درهم، فكلّمه عليّ والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف في ذلك، فقال: إن له قرابة ورحماً، قالوا: أفما كان لأبي بكر وعمرو قرابة وذوو رحم؟ فقال: إن أبا بكر وعمرو كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي، قالوا: فهديهما والله أحب إلينا من هديك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن أشياخه قالوا: كان عثمان يبعث السعاة لقبض الصدقات إذا حضر الناس المياه، ثم