ذكر ما أنكروا من سيرة عثمان بن عفان وأمره ﵁.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال: سمعت عثمان يقول: أيها الناس إن أبا بكر وعمرو كانا يتأولان في هذا المال ظلف أنفسهما وذوي أرحمهما وإني تأولت فيه صلة رحمي.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: لما ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميراً، فمكث ست سنين لا ينقم الناس عليهم شيئاً إنه لأحب إلى قريش من عمر لشدة عمر ولين عثمان لهم ورفقه بهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقاربه وأهل بيته في الست الأواخر وأهملهم وكتب لمروان بن الحكم بخمس إفريقية، وأعطى أقاربه المال وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، واتخذ الأموال واستسلف من بيت المال مالاً وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من هذا المال ما كان لهما وإني آخذه فأصل به ذوي رحمي، فأنكر الناس ذلك عليه (١).
стр. 2277
وحدثنا هشام بن عمار الدمشقي حدثنا محمد بن عيسى بن سميعٍ عن محمد بن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما ولي عثمان كره ولايته نفرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة حجة وكان كثيراً ما يولي من بني أمية من لم يكن له مع النبي ﷺ صحبه، فكان يجيء من أمرائه ما ينكره، أصحاب محمد ﷺ وكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، فلما كان في الست الأواخر استأثر ببني عمه فولاهم وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر فمكث عليهم سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كانت من عثمان قبل هنات إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر، فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وأحلافها من غضب لأبي ذر ما فيها، وحنقت بنو مخزوم لحال عمار بن ياسر، فلما جاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح كتب إليه كتاباً يتهدده فيه، فأبى أن ينزع عما نهاه عثمان عنه وضرب بعض من كان شكاه إلى عثمان من أهل مصر حتى قتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة إلى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا ما صنع بهم ابن أبي سرح في مواقيت الصلاة إلى أصحاب محمد، فقام طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام شديد، وأرسلت إليه عائشة رضي الله تعالى عنها تسأله أن ينصفهم من عامله، ودخل عليه عليّ بن أبي طالب - وكان متكلم القوم - وقال له: إنما يسألك القوم رجلاً مكان رجل وقد ادعوا قبله دماً فاعزله عنهم وأقضِ بينهم فإن وجب عليه حق فانصفهم منه، فقال لهم: اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليهم بمحمد بن أبي بكر الصديق، فقالوا: استعمل علينا محمد بن
стр. 2278
أبي بكر، فكتب عهده على مصر ووجه معهم عدةً من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله الزهري أن عثمان كان يأخذ من الخيل الزكاة، فأنكر ذلك من فعله وقالوا: قال رسول الله ﷺ " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق ".
وحدثني محمد بن سعدالواقدي عن محمد بن عبد الله عن الزهري، وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده - وفي أحد الحديثين زيادة عن الآخر فسقتهما ورددت بعضهما على بعض - أن الحكم بن أبي العاص بن أمية عم عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية كان جاراً لرسول الله ﷺ ، وكان أشد جيرانه أذى له في الإسلام وكان قدومه المدينة بعد فتح مكة، وكان مغموصاً عليه في دينه، فكان يمر خلف رسول الله ﷺ فيغمز به ويحكيه ويخلج بأنفه وفمه وإذا صلى قام خلفه فأشار بأصابعه، فبقي تخليجه وأصابته خبلةٌ، واطلع على رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في بعض حُجر نسائه فعرفه وخرج إليه بعنزة (١) وقال: " من عذيري من هذا الوزغة اللعين (٢)، ثم قال: لا يساكنني ولا ولده "، فغربهم جميعاً إلى الطائف، فلما قبض رسول الله ﷺ كلم عثمان أبا بكر وسأله ردهم فأبى ذلك وقال: ماكنت لآوي طُرداء رسول الله ﷺ . ثم لما استخلف عمر
стр. 2279
كلمه فيهم فقال مثل قول أبي بكر. فلما استخلف عثمان أدخلهم المدينة وقال: قد كنت كلمت رسول الله فيهم وسألته ردَّهم فوعدني أن يأذن لهم فقبض قبل ذلك، فأنكر المسلمون عليه إدخاله إياهم المدينة.
قال الواقدي: ومات الحكم بن أبي العاص بالمدينة في خلافة عثمان فصلى عليه وضرب على قبره فسطاطاً.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: خطب عثمان فأمر بذبح الحمام وقال: إن الحمام قد كثر في بيوتكم حتى كثر الرَمُي ونالنا بعضه، فقال الناس: يأمر بذبح الحمام، وقد آوى طرداء رسول الله ﷺ .
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع مولى الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: أغزانا عثمان سنة سبع وعشرين إفريقية، فأصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح غنائم جليلة، فأعطى عثمان مروان بن الحكم خمس الغنائم.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن لوط بن يحيى أبي مخنف عمن حدثه قال: قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة وعامله على المغرب، فغزا إفريقية سنة سبع وعشرين فافتتحها وكان معه مروان بن الحكم، فابتاع خمس الغنيمة بمائة ألف أو مائتي ألف دينار، فكلم عثمان فوهبها له، فأنكر الناس ذلك على عثمان.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور قالت: لما بنى مروان داره بالمدينة دعا الناس إلى طعامه، وكان المسور فيمن دعا، فقال مروان وهو يحدثهم: والله ما أنفقت في داري هذه
стр. 2280
من مال المسلمين درهماً فما فوقه، فقال المسور: لو أكلت طعامك وسكت لكان خيراً لك، لقد غزوت معنا إفريقية وإنك لأقلنا مالاً ورقيقاً وأعواناً وأخفنا ثقلاً فأعطاك ابن عفان خمس إفريقية، وعملت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين؛ فشكاه مروان إلى عُروة وقال: يُغلظ لي وأنا له مكرم متقٍ.
وحدثني محمد بن سعد الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر عن أبيها قالت: قدمت إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحارث بن الحكم بن أبي العاص.
وحدثني محمد بن حاتم بن ميمون الحجاج الأعور عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كان مما أنكروا على عثمان أنه ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة ألف درهم، فوهبها له حين أتاه بها.
وقال أبو مخنف والواقدي في روايتهما: أنكر الناس على عثمان إعطاءه سعيد بن العاص مائة ألف درهم، فكلّمه عليّ والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف في ذلك، فقال: إن له قرابة ورحماً، قالوا: أفما كان لأبي بكر وعمرو قرابة وذوو رحم؟ فقال: إن أبا بكر وعمرو كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي، قالوا: فهديهما والله أحب إلينا من هديك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن أشياخه قالوا: كان عثمان يبعث السعاة لقبض الصدقات إذا حضر الناس المياه، ثم
стр. 2281
يعهد إليهم فيتعدون حدوده فلا يكون منه لذلك تغيير ولا نكير، فاجترأوا عليه ونسب فعلهم إليه وتكلم الناس في ذلك وأنكروه.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن زيد بن السائب عن خالد مولى أبان بن عثمان قال: كان مروان قد ازدرع بالمدينة في خلافة عثمان على ثلاثين جملاً، فكان يأمر بالنوى أن يشتري فينادي: إن أمير المؤمنين يريده، وعثمان لا يشعر بذلك بن فدخل عليه طلحة وكلمه في أمر النوى فحلف أنه لم يأمر بذلك، فقال طلحة: هذا أعجب أن يُفتأت عليك بمثل هذا، فهلا صنعت كما صنع ابن حنتمة، يعني عمر بن الخطاب، خرج يرفأ (١) بدرهم يشتري لحماً فقال للحام، إني أريده لعمر، فبلغ ذلك عمر فأرسل إلى يرفأ فأتي به وقد برك عمر على ركبتيه وهو يفتل شاربه، فلم أزل أكلمه فيه حتى سكنته، فقال له: والله لئن عدت لأجعلنك نكالاً، أتشتري السلعة ثم تقول هي لأمير المؤمنين؟.
أمر الوليد بن عقبة حين ولاه عثمان الكوفة:
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف ومحمد بن سعد عن محمد ابن عمر الواقدي أن عمر بن الخطاب أوصى أن يقر عُماله من ولي الأمر بعده سنة وأن يولي سعد بن أبي وقاص الكوفة، ويقر أبا موسى الأشعري على البصرة، فلما ولي عثمان عزل المغيرة بن شعبة وولى سعداً الكوفة سنةً ثم عزله وولى أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية، فلما دخل الكوفة قال له سعد: يا أبا وهب، أأمير أم زائر؟ قال: لا بل أمير، فقال سعد ما أدري أحمقت بعدك؟ قال: ما حمقت بعدي ولا كست بعدك، ولكن القوم
стр. 2282
ملكوا فاستأثروا، فقال سعد: ما أراك إلا صادقاً؛ وقال الناس: بئسما ابتدلنا به عثمان، عزل أبا إسحاق الهين اللين الحبر، صاحب رسول الله ﷺ وولى أخاه الفاسق الفاجر الأحمق الماجن، فأعظم الناسُ ذلك، وكان الوليد يُدعى الأشعر بركأ، والبرك الصدر. وعزل أبا موسى عن البصرة وأعمالها وولى عبد الله بن عامر بن كريز، وهو ابن خاله، فقال له عليّ بن أبي طالب وطلحة والزبير: ألم يوصيك عمر ألا تحمل آل مُعيط وبني أمية على رقاب الناس؟ فلم يُجبهم بشيْ.
وقال أبو مخنف في إسناده: لما شاع فعلُ عثمان وسارت به الركبان كان أول من دعا إلى خلعه والبيعة لعلي عمرو بن زُرارة بن قيس بن الحارث بن عمرو بن عداء النخعي، وكميل بن زياد بن نهيك بن هتيم النخعي ثم أحد بني صهبان، فقام عمرو بن زرارة فقال: أيها الناس، إن عثمان قد ترك الحق وهو يعرفه وقد أُغري بصلحائكم يولي عليهم شراركم، فمضى خالد بن عُرفطة بن أبرهة بن سنان العذري حليف بني زهرة إلى الوليد فأخبره بقول عمرو بن زرارة واجتماع الناس إليه، فركب الوليد نحوهم، فقيل له: الأمر أشد من ذاك، والقوم مجتمعون، فاتق الله ولا تسعر الفتنة، وقال له مالك بن الحارث الأشتر النخعي: أنا أكفيك أمرهم، فأتاهم فكفهم وسكنهم وحذرهم الفتنة والفرقة فانصرفوا. وكتب الوليد إلى عثمان بما كان من ابن زرارة، فكتب إليه عثمان: إن ابن زرارة أعرابي جلف فسيره إلى الشام، فسيره وشيعه الأشتر، والأسود بن يزيد بن قيس وعلقمة بن قيس بن يزيد، وهو عم الأسود، والأسود أكبر منه، فقال قيس بن قهذان بن سلمة من بني البداء من كندة يومئذٍ:
стр. 2283
أقسم بالله رب البيت مجتهداً … أرجو الثواب به سراً وإعلانا
لأخلعن أبا وهبٍ وصاحبهُ … كهف الضلالة عثمان بن عفانا
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف في إسناده قال: لما قدم الوليد الكوفة ألفى ابن مسعود على بيت المال فاستقرضه مالاً وقد كانت الولاة تفعل ذلك ثم ترد ما تأخذ، فأقرضه عبد الله ما سأله، ثم إنه اقتضاه إياه، فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان فكتب عثمان إلى عبد الله بن مسعود: إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال، فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال: كنت أظن أني خازن للمسلمين فأما إذا كنتُ خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك، وأقام بالكوفة بعد إلقائه مفاتيح بيت المال.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن معمر عن جابر عن عامر الشعبي قال: قدم الوليد الكوفة فكان عمله خمس سنين، وغزا أذربيجان، وكان يشرب الخمر.
حدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا حفص بن غياث حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال: كان حذيفة وعلقمة وأصحاب عبد الله في غزاة، فأصاب أمير الجيش حداً فأرادوا أن يقيموه عليه فقال حذيفة: أتقيمون عليه الحد وهو بإزاء العدو؟ فكفوا عن ذلك؛ قال حفص: أراه الوليد بن عقبة.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن معمرعن جابر عن عامر الشعبي قال: كان عمر بن الخطاب ولى الوليد بن عقبة صدقات بني تغلب، فوجد أبا زُبيد حرملة بن المنذر الطائي الشاعر فيهم وقد ظلمه أخواله، فأخذ له منهم بحقه فمدحه، فلما سمع بولايته الكوفة لعثمان قدم فيمن قدم عليه فكان ينادمه، وأنزله داراً بقربه تُعرف بدار الضيافة.
стр. 2284
وقال أبو مخنف أن الوليد يُدخل أبا زبيد المسجد وهو نصراني ويجري عليه وظيفة من خمر وخنازير تقام له كل شهر، فقيل له: قد عظم إنكار الناس لما تجري على أبي زبيد، فقوم ما كان وظف له دراهم وضمها إلى رزق كان يجريه عليه.
وروى أبو مخنف وغيره أن الوليد أتى بساحر يقال له نطروي، ويقال بساني، فرآه جندب الخير - وهو جندب بن عبد الله الأزدي، وقال غير الكلبي: هو جندب بن كعب - يلعب بين يديه فأتى معقلاً مولى الصقعب بن زهير الكبيري من ولد كبير بن الدول من الأزد، ويقال: بل أتى مولى لبني ظبيان بن غامد وهم قومه، فاستعار منه سيفاً قاطعاً فاشتمل عليه وخرج يريد الوليد بن عقبة. فلقيه معضد بن يزيد أحد بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، وكان ناسكاً، فأخبره بما يريد، فقال له: أما قتل الوليد فإنه يورث فرقة وفتنة ولكن شأنك بالعلج؛ فشد على الساحر فقتله ثم قال له: أحيِ نفسك إن كنت صادقاً، فقال الوليد: هذا رجل يلعب فيأخذ بالعين سُرعةً وخفةً، فقدم جندباً ليضرب عنقه فأنكرت الأزد ذلك وقالوا: تقتل صاحبنا بعلجٍ ساحر؟ فحبسه، فلما رأى السجان طول صلاته وكثرة صيامه تحوّب من حبسه فخلى سبيله، فمضى جندب فلحق بالمدينة وكان يُكنى أبا عبد الله، فأخذ الوليد السجان، وكان يقال له دينار ويُكنى أبا سنان، فضرب عنقه وصلبه بالسبخة، ويقال إنه ضرب عنقه بالسبخة ولم يصلبه. ولم يزل جندب بالمدينة حتى كلَّم فيه عليّ بن أبي طالب عثمان فكتب إلى الوليد يأمره بالإمساك عنه، فقدم الكوفة.
стр. 2285
وقال أبو مخنف وغيره: خرج الوليد بن عقبة لصلاة الصبح وهو يميل، فصلى ركعتين ثم التفت إلى الناس فقال: أزيدكم، فقال له عتاب بن علاق أحد بني عوافة بن سعد وكان شريفاً: لا زادك الله مزيد الخير، ثم تناول حفنة من حصى فضرب بها وجه الوليد، وحصبه الناس، وقالوا: والله ما العجب إلا ممن ولاك، وكان عمر بن الخطاب فرض لعتاب هذا مع الأشراف في ألفين وخمسمائة وذكر بعضهم أن القيء غلب على الوليد في مكانه، وقال يزيد بن قيس الأرحبي ومعقل بن قيس الرياحي: لقد أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمد ﷺ .
وفي الوليد يقول الحطيئة، وهو جرول بن أوس بن مالك بن جؤية العبسي:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه … أن الوليد أحقُّ بالغدر
نادى وقد نفذت صلاتهم … أأزيدكم ثملاً وما يدري
ليزيدهم خيراً ولو قبلوا … منه لزادهم على عشر
فأبوا أبا وهب ولو فعلوا … لقرنت بين الشفع والوتر
حسبوا عنانك إذ جريت ولو … خلوا عنانك لم تزل تجري (١)
قالوا: ولم يكن بسيرة الوليد في عمله بأس، ولكنه كان فاسقاً مسرفاً على نفسه.
حدثني العباس بن يزيد البصري حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن الوليد صلى بالناس الصبح ثم أقبل عليهم فقال:
стр. 2286
أزيدكم، فرحل في ذلك رجل - أو قال رجال - إلى عثمان فأتي بالوليد فأمر بجلده، فلم يُقم أحد، فلما قال الثالثة: من يجلده؟ قال علي: أنا، فقام إليه فجلده بدرة يقال لها السبتية لها رأسان، فضربه بها أربعين فذلك ثمانون.
وقال أبو مخنف: لما صلى الوليد بالناس وهو سكران، أتى أبو زينب زهير بن عوف الأزدي صديقاً له من بني أسد يقال له موُرع، فسأله أن يعاونه على الوليد في التماسه غرته، فتفقداه ذات يوم فلم يرياه خرج لصلاة العصر، فانطلقا إلى بابه ليدخلا عليه فمنعهما البواب، فأعطاه أبو زينب ديناراً فسكت، فدخلا، فإذا هما به سكران ما يعقل، فحملاه حتى وضعاه على سريره، فقاء خمراً، وانتزع أبو زينب خاتمه من يده ومضى وصاحبه على طريق البصرة حتى قدما على عثمان فشهدا عليه عنده بما رأيا حين صلى وبما كان منه حين دخلا عليه، فقال عثمان لعلي: ماترى؟ قال: أرى أن تُشخصه إليك، فإذا شهدا في وجهه حددته، فعزله عثمان وولى سعيد بن العاص بن أبي أحيحة الكوفة، وأمره بإشخاص الوليد ففعل، ودعا عثمان بالرجلين فشهدا عليه في وجهه، فقال عليّ للحسن ابنه: قم يابني فاجلده، فقال عثمان: يكفيك ذلك بعض من ترى، فأخذ عليّ السوط ومشى إليه فجعل يضربه والوليد يسبه، وكان للسوط طرفان فضربه أربعين وعليه جُبة حبرٍ.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عيسى بن عبد الرحمن عن أبي إسحاق الهمذاني أن الوليد بن عقبة شرب فسكر فصلى بالناس الغداة ركعتين ثم التفت فقال: أزيدكم؟ فقالوا: لا، قد قضينا صلاتنا، ثم دخل عليه بعد ذلك أبو زينب وجندب بن زهير الأزدي وهو سكران فانتزعا خاتمه من يده وهو لا يشعر سُكراً.
стр. 2287
قال أبو إسحاق: وأخبرني مسروق أنه حين صلى لم يرم حتى قاء، فخرج في أمره إلى عثمان أربعة نفر: أبو زينب وجندب بن زهير وأبو حبيبة الغفاري والصعب بن جثامة، فأخبروا عثمان خبره، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما له أجُنَّ قالوا: لا، ولكنه سكر، قال: فأوعدهم عثمان وتهددهم وقال لجندب: أنت رأيت أخي يشرب الخمر؟ قال: معاذ الله، ولكني أشهد أني رأيته سكران يقلسها (١) من جوفه وأني أخذت خاتمه من يده وهو سكران لا يعقل؛ قال أبو إسحاق: فأتى الشهود عائشة فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان وأن عثمان زبرهم، فنادت عائشة: إن عثمان أبطل الحدود وتوعد الشهود.
قال الواقدي: وقد يقال إن عثمان ضرب بعض الشهود أسواطاً، فأتوا علياً فشكوا إليه، فأتى عثمان فقال: عطلت الحدود وضربت قوماً شهدوا على أخيك فقلبت الحكم وقد قال عمر: لا تحمل بني أمية وآل أبي معيط خاصة على رقاب الناس، قال: فما ترى: قال: أرى أن تعزله ولا توليه شيئاً من أمور المسلمين، وأن تسأل عن الشهود فإن لم يكونوا أهل ظنة ولا عداوة أقمت على صاحبك الحدّ.
قال: ويقال إن عائشة أغلظت لعثمان وأغلظ لها وقال: وما أنتِ وهذا؟ إنما أُمرتِ أن تقري في بيتك، فقال قومٌ مثل قوله، وقال آخرون: ومن أولى بذلك منها؟ فاضطربوا بالنعال، وكان ذلك أول قتالٍ بين المسلمين بعد النبي ﷺ .
стр. 2288
وقال الهيثم بن عدي: اللذان دخلا على الوليد وهو سكران: زياد بن علاقة التيمي، وجندب بن زهير الأزدي.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي في اسناده وعباس بن هشام عن أبيه عن جده وأبي مخنف وغيرهما قالوا: أتى طلحة والزبير عثمان فقالا له: قد نهيناك عن تولية الوليد شيئاً من أمور المسلمين فأبيت، وقد شُهد عليه بشرب الخمر والسكر فاعزله، وقال له علي: اعزله وحُدَّه إذا شهد الشهود عليه في وجهه، فولى عثمان سعيد بن العاص الكوفة وأمره بإشخاص الوليد، فلما قدم سعيد الكوفة غسل المنبر ودار الإمارة وأشخص الوليد، فلما شُهد عليه في وجهه وأراد عثمان أن يحده ألبسه جُبة حبرٍ وأدخلهُ بيتاً، فجعل إذا بعث إليه رجلاً من قريش ليضربه قال له الوليد: أنشدك الله أن تقطع رحمي وتغُضب أمير المؤمنين عليك، فيكفُّ، فلما رأى ذلك عليّ بن أبي طالب أخذ السوط ودخل عليه ومعه ابنه الحسن، فقال له الوليد مثل تلك المقالة، فقال له الحسن: صدقَ يا أبه، فقال عليّ: ما أنا إذاً بمؤمن، وجلده بسوطٍ له شعبتان أربعين جلدة ولم ينزع جُبته، وكان عليه كساء فجاذبه عليّ إياه حتى طرحه عن ظهره وضربه ومايبدو إبطه.
قالوا: وسئل عثمان أن يحلقه، وقيل له إن عمر حلق مثله، فقال: قد كان فعل ذلك، ثم تركه.
وكان النبي ﷺ وجه الوليد على صدقات بني المصطلق فجاء فقال: إنهم منعوا الصدقة، فنزل فيه " إن جاءكم فاسقٍ " (١) فتبينوا الآية.
стр. 2289
وحدثني عباس بن يزيد البحراني حدثنا عبد الرحمن بن عثمان عن سعيد بن أبي عروبة عن عبد الله الداناج عن حضين بن المنذر أنه شهد على الوليد بن عقبة عند عثمان بشرب الخمر، فكلم عليّ عثمان فيه، فقال: دونك ابن عمك، فقال عليّ قم يا عبد الله بن جعفر، فقام عبد الله فجلده، وعدَّ عليٌّ، فلما أتم أربعين قال: حسبك، أو قال: أمسك، جلد رسول الله ﷺ وأبو بكر أربعين واكتمل عمر ثمانين وكلٌ سنةٌ.
وحدثني هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد عن زياد مولى بني مخزوم قال: لما ضرب عليّ الوليد بن عقبة الحد جعل الوليد يقول: يا مكيثة يا مكيثة.
قالوا: وقال الوليد حين حُدّ:
باعد الله ما بيني وبينكمُ … بني أمية من قُربى ومن نسبِ
إن يكثر المال لا يذمم فعالكم … وإن يعش عائلاً مولاكم يخبِ
أمر عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁:
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف وعوانة في إسنادهما أن عبد الله بن مسعود حين ألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة قال: من غيَّرَ غيَّرَ الله عليه، وما أرى صاحبكم إلا وقد غير وبدل، أيعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويولى الوليد. وكان يتكلم بكلام لا يدعه وهو: إن أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل مُحدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 2290
فكتب الوليد إلى عثمان بذلك وقال: إنه يعيبك ويطعن عليك، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه، وشيعه أهل الكوفة، فأوصاهم بتقوى الله ولزوم القرآن، فقالوا له: جُزيت خيراً، فلقد علمت جاهلنا وثبتَّ عالمنا، وأقرأتنا القرآن، وفقهتنا في الدين، فنعم أخو الإسلام أنت، ونعم الخليل، ثم ودعوه وانصرفوا وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول الله ﷺ فلما رآه قال: ألا أنه قدمت عليكم دويبة سوءٍ من تمشِ على طعامه يقيء ويسلح، فقال ابن مسعود: لست كذلك، ولكني صاحب رسول الله ﷺ يوم بدر، ويوم بيعة الرضوان، ونادت عائشة، أي عثمان، أتقول هذا لصاحب رسول الله ﷺ ؟ ثم أمر عثمان به فأخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً، وضرب به عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأرض، ويقال بل احتمله يحموم غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فدق ضلعه، فقال علي: ياعثمان أتفعل هذا بصاحب رسول الله ﷺ بقول الوليد بن عقبة؟ فقال: ما يقول الوليد فعلت هذا، ولكن وجهت زُبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة فقال له ابن مسعود: إن دم عثمان حلال، فقال عليّ أحلت من زبيد على غير ثقة، وقال ابن الكلبي: زُبيد بن الصلت أخو كثير بن الصلت الكندي.
وقام عليّ بأمر ابن مسعود حتى أتى به منزله، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي، وأراد حين برئ الغزو فمنعه من ذلك؛ وقال له مروان: إن ابن مسعود أفسد عليك العراق أفتريد أن يفسد عليك الشام؟ فلم يبرح المدينة حتى توفي قبل مقتل
стр. 2291
عثمان بسنتين، وكان مقيماً بالمدينة ثلاث سنين؛ وقال قوم إنه كان نازلاً على سعد بن أبي وقاص.
ولما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائداً فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا أدعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا آمر لك بعطائك؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغنٍ عنه؟ قال: يكون لولدك، قال: رزقهم على الله قال: استغفر لي يا أبا عبد الرحمن، قال: أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي، وأوصى أن لا يصلي عليه عثمان، فدفن بالبقيع وعثمان لا يعلم، فلما علم غضب وقال: سبقتموني به، فقال له عمار بن ياسر: إنه أوصى أن لا تصلي عليه؛ وقال الزبير:
لأعرفنك بعد الموت تندُبني … وفي حياتي ما زودتني زادي (١)
وكان الزبير وصي ابن مسعود في ماله وولده، وهو كلَّم عثمان في عطائه بعد وفاته حتى أخرجه لولده، وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه عمار بن ياسر، وقوم يزعمون أن عماراً كان وصيَّهُ، ووصيةً الزبير أثبت.
وحدثني إسحاق الفروي أبو موسى حدثنا عبد الله بن إدريس عن عبد الرحمن بن عبد الله عن رجل نسيه إسحاق قال: دخل عثمان على ابن مسعود في مرضه فاستغفر كل واحد منهما لصاحبه، فلما انصرف عثمان قال بعض من حضر: إن دمه لحلال، فقال ابن مسعود: ما يسرني أنني سددت إليه سهماً يخطئه وأن لي مثل أُحدٍ ذهباً.
стр. 2292
وقال الواقدي: مات عبد الله بن مسعود في سنة اثنتين وثلاثين وله بضعٍ وستون سنة، ودفن بالبقيع، وكان نحيفاً قصيراً، شديد الأدمة، يُغيّر شيبه، ويكنى أبا عبد الرحمن.
أمر الحمى وغيره
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن معمر عن الزهري: أن عثمان حمى النقيع لخيل المسلمين، وكان يحمل في كل سنة على خمسمائة فرس وألف بعير، وكانت الإبل ترعى بناحية الربذة في حمى لها؛ وقال الواقدي: النقيع على ليلتين من المدينة.
وقال أبو مخنف في إسناده: أنكر على عثمان مع ما أنكر أن حمى الحمى، وأن أعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم من ألف ألف درهم حملها أبو موسى الأشعري وقال له: هذا حقك فقال أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي من الخزرج، وهو الذي منع أن يُدفن عثمان بالبقيع:
أقسمُ بالله رب العباد … ما ترك الله خلقاً سُدى
دعوت اللعين فأدنيته … خلافاً لسنَّةِ من قد مضى
يعني الحكم:
وأعطيت مروان خمس العباد … ظلماً لهم وحميت الحمى
ومالٌ أتاك به الأشعري … من الفيء أنهته من ترى
فأما الأمينان إذ بيَّنا … منار الطريق عليه الصوى
فلم يأخذا درهماً غيلةً … ولم يصرفا درهماً في هوى
стр. 2293
وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن مالك بن أنس عن الزهري قال: وسَّع عثمان مسجد النبي ﷺ فأنفق عليه من ماله عشرة آلاف درهم، فقال الناس: يوسع مسجد رسول الله ويغير سنته.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان صدراً من خلافته، ثم أتمها أربعاً فتكلم الناس في ذلك فأكثروا، وسئل أن يرجع عن ذلك فلم يرجع.
قال الواقدي: بلغنا أن عبد الرحمن بن عوف قال له: ألم تُصلِّ مع رسول الله ﷺ بهذا المكان ركعتين، وصليت في خلافتك كذلك؟ قال: بلى، قال: فما هذا؟ قال: إني أُخبرك يا أبا محمد أن بعض حجاج اليمن وجفاة الناس قالوا في عامنا هذا: إن صلاة المقيم أربعاً، وإن إمامنا عثمان قد اتخذ بمكة أهلاً فهو كالمقيم وقد صلى اثنتين فرأيت أن أصلي أربعاً، فقال عبد الرحمن: يا سبحان الله زوجتك بالمدينة تقدم بها إذا شئت وتخرجها إذا أردت، فعظم إنكار الناس لذلك وكانت تلك الحجة في سنة تسعٍ وعشرين، وكان أول فسطاطٍ ضرب بمنى فسطاطٌ ضُربَ له.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد عن السائب بن يزيد قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج للصلاة أذن المؤذن ثم يقيم، وكذلك كان الأمر على عهد أبي بكر وعمر وفي صدرٍ من أيام عثمان، ثم أن عثمان نادى النداء الثالث في السنة السابعة، فعاب الناس ذلك وقالوا بدعة.
стр. 2294
قال: وكان ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب شريك عثمان في الجاهلية، فقال العباس بن ربيعة بن الحارث لعثمان: اكتب إلى ابن عامر يُسلفني مائة ألف درهم، فكتب له فأعطاه مائة ألف درهم صلةً، وأقطعه دارَ العباس بن ربيعة فهي تُعرف به.
أمر سعيد بن العاص بن أبي أحيحة وولايته الكوفة بعد الوليد:
حدثنا عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف في إسناده قال: لما عزل عثمان بن عفان ﵁ الوليد بن عقبة عن الكوفة ولاها سعيد بن العاص وأمره بمداراة أهلها، فكان يجالس قراءها ووجوه أهلها ويسامرهم، فيجتمع عنده منهم: مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وزيد وصعصعة ابنا صُوحان العبديان، وحُرقوص بن زهير السعدي، وجندب بن زهير الأزدي، وشيرح بن أوفى بن يزيد بن زاهر العبسي، وكعب بن عبدة النهدي - وكان يقال لعبدة بن سعد ذو الحبكة، وكان كعب ناسكاً، وهو الذي قتله بُسر بن أبي أرطأة بتثليث (١) - وعدي بن حاتم الجواد بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي ويكنى أبا طريف، وكدام بن حضرمي بن عامر أحد بني مالك بن مالك بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، ومالك بن حبيب بن خراش من بني ثعلبة بن يربوع، وقيس بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عُدسُ بن زيد بن عبد الله بن دارم، وزياد بن خصفة بن ثقيف من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، ويزيد بن قيس
стр. 2295
الأرحبي وغيرهم؛ فإنهم لعنده وقد صلوا العصر إذ تذاكروا السواد والجبل ففضلوا السواد وقالوا: هو ينبت ما ينبت الجبل، وله هذا النخل، وكان حسان بن محدوج بن بشر بن حوط بن سعنة الذهلي الذي أبتدأ الكلام في ذلك، فقال عبد الرحمن بن خنيس الأسدي صاحب شرطه: لوددت أنه للأمير وإن لكم أفضل منه، فقال له الأشتر: تمن للأمير أفضل منه ولا تمن له أموالنا، فقال عبد الرحمن: ما يضرك من تمني حتى تزوي ما بين عينيك؟ فو الله لو شاء كان له، فقال الأشتر: والله لورام ذلك ما قدر عليه، فغضب سعيد وقال: إنما السواد بستان لقريش، فقال الأشتر: أتجعل مراكز رماحنا وما أفاء الله علينا بستاناً لك ولقومك؟ والله لو رامه أحد لقرع قرعاً يتصأصأ (١) منه، ووثب بابن خنيس فأخذته الأيدي، فكتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان وقال: إني لا أملك من الكوفة مع الأشتر وأصحابه الذين يدعون القراء - وهم السفهاء - شيئاً، فكتب إليه أن سيرهم إلى الشام، وكتب إلى الأشتر: إني لأراك تضمر شيئاً لو أظهرته لحل دمك، وما أظنك منتهياً حتى تصيبك قارعة لا بقيا بعدها، فإذا أتاك كتابي هذا فسر إلى الشام لإفسادك من قبلك وأنك لا تألوهم خبالاً، فسير سعيد الأشتر ومن كان وثب مع الأشتر وهم: زيد وصعصة ابنا صوحان، وعائذ بن حملة الطهوي، من بني تميم، وكميل بن زياد النخعي، وجندب بن زهير الأزدي، والحارث بن عبد الله الأعور الهمداني من بني حوث بن سبع بن صعب إخوة السبيع بن سبع بن صعب ويزيد بن المكفف النخعي،
стр. 2296
وثابت بن قيس بن المنقع بن الحارث النخعي، وأصعر بن قيس بن الحارث بن وقاص الحارثي من بني المعقل.
فكتب جماعة من القراء إلى عثمان منهم: معقل بن قيس الرياحي، وعبد الله بن الطفيل العامري، ومالك بن حبيب التميمي، ويزيد بن قيس الأرحبي، وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وسليمان بن صرد الخزاعي، ويكنى أبا مطرف، والمسيب بن نجبة الفزاري، وزيد بن حصن الطائي، وكعب بن عبدة النهدي، وزياد بن النضر بن بشر بن مالك بن الديان الحارثي، ومسلمة بن عبد القاري من القارة من بني الهون بن خزيمة بن مدركة، أن سعيداً كثر على قوم من أهل الورع والفضل والعفاف فحملك في أمرهم على ما لا يحل في دين، ولا يحسن في سماع، وإنا نذكرك الله في أمة محمد فقد خفنا أن يكون فساد أمرهم على يديك لأنك قد حملت بني أبيك على رقابهم، وأعلم أن لك ناصراً ظالماً، وناقماً عليك مظلوماً، فمتى نصرك الظالم ونقم عليك الناقم تباين الفريقان وأختلفت الكلمة، ونحن نشهد عليك الله وكفى به شهيداً، فإنك أميرنا ما أطعت الله واستقمت، ولن تجد دون الله ملتحداً ولا عنه منتقذن ولم يسم أحداً منهم نفسه في الكتاب، وبعثوا به مع رجل من عنزة يكنى أبا ربيعة، وكتب كعب بن عبدة كتاباً من نفسه تسمى فيه ودفعه إلى أبي ربيعة.
فلما قدم أبو ربيعة على عثمان سأله عن اسماء القوم الذي كتبوا الكتاب فلم يخبره، فأراد ضربه وحبسه، فمنعه عليّ من ذلك وقال: إنما هو رسول أدى ما حمل؛ وكتب عثمان إلى سعيد أن يضرب كعب بن عبدة عشرين
стр. 2297
سوطاً ويحول ديوانه إلى الري ففعل، ثم إن عثمان تحوب وندم فكتب إشخاصه إليه ففعل، فلما ورد عليه قال له: إنه كانت مني طيرة، ثم نزع ثيابه وألقى إليه سوطاً وقال: اقتص، فقال: قد عفوت يا أمير المؤمنين.
ويقال إن عثمان لما قرأ كتاب كعب كتب إلى سعيد في إشخاصه إليه، فأشخصه إليه مع رجل أعرابي من أعراب بني أسد، فلما رأى الأعرابي صلاته وعرف نسكه وفضله قال:
ليت حظي من مسيري بكعب … عفوه عني وغفران ذنبي
فلما قدم به على عثمان قال عثمان: لأن تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه، وكان شاباً حديث السن نحيفاً، ثم أقبل عليه فقال: أأنت تعلمني الحق وقد قرأت كتاب الله وأنت في صلب رجلٍ مشرك، فقال له كعب: إن إمارة المؤمنين إنما كانت لك بما أوجبته الشورى حين عاهدت الله على نفسك لتسيرن بسيرة نبيه لا تقصر عنها، وإن يشاورونا فيك ثانيةً نقلناها عنك، يا عثمان إن كتاب الله لمن بلغه وقرأه، وقد شركناك في قراءته، ومتى لم يعمل القارئ بما فيه كان حجةً عليه، فقال عثمان والله ما أظنك تدري أين ربك فقال: هو بالمرصاد، فقال مروان: حلمك أغرى مثل هذا بك وجرأه عليك، فأمر عثمان بكعب فجرد وضرب عشرين سوطاً وسيره إلى دباوند، ويقال إلى جبل الدخان (١)؛ فلما ورد على سعيد فحمله مع بكير بن حمران الأحمري فقال الدهقان الذي ورد عليه: لم أفعل بهذا الرجل ما أرى؟ قال بكير: لأنه شرير، فقال: إن قوماً هذا من شرارهم لخيارٌ.
стр. 2298
ثم إن طلحة والزبير وبخا عثمان في أمره كعب وغيره، وقال طلحة: عند غب الصدر تحمد عاقبة الورد، فكتب في رد كعب رضي الله تعالى عنه وحمله إليه فلما قدم عليه نزع ثوبه وقال: يا كعب اقتص، فعفا ﵃ أجمعين.
أمير المسيرين من أهل الكوفة إلى الشام
قالوا: لما خرج المسيرون من قراء أهل الكوفة فاجتمعوا بدمشق نزلوا مع عمرو بن زرارة، فبرهم معاوية وأكرمهم، ثم إنه جرى بينه وبين الأشتر قول حتى تغالظا، فحبسه معاوية، فقام عمرو، بن زارارة فقال: لئن حسبته لتجدن من يمنعه، فأمر بحبس عمرو، فتكلم سائر القوم فقالوا: أحسن جوارنا يا معاوية، ثم سكتوا فقال معاوية: ما لكم لا تكلمون؟ فقال زيد بن صوحان: وما نصنع بالكلام لئن كنا ظالمين فنحن نتوب إلى الله، وإن كنا مظلومين فإنا نسأل الله العافية، فقال معاوية: يا أبا عائشة أنت رجل صدقٍ، وأذن له في اللحاق بالكوفة؛ وكتب إلى سعيد بن العاص: أما بعد فأني قد أذنت لزيد بن صوحان في المسير إلى منزله بالكوفة لما رأيت من فضله وقصده وحسن هديه، فأحسن جواره وكف الأذى عنه وأقبل إليه بوجهك وودك فإنه قد أعطاني موثقاً أن لا ترى منه مكروهاً، فشكر زيد معاوية وسأله عند وداعه إخراج من حبس ففعل. وبلغ معاوية أن قوماً من أهل دمشق يجالسون الأشتر وأصحابه، فكتب إلى عثمان: إنك بعثت إلي قوماً أفسدوا مصرهم وأنغلوه ولا آمن أن يفسدوا طاعة من قبل ويعلموهم ما لا يحسنونه حتى تعود سلامتهم غائلةً وأستقامتهم اعوجاجاً، فكتب إلى
стр. 2299
معاوية يأمره أن يسيرهم إلى حمص ففعل، وكان واليها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة. ويقال إن عثمان كتب في ردهم إلى الكوفة فضج منهم سعيد ثانيةً، فكتب في تسييرهم إلى حمص فنزلوا الساحل.
قالوا: وكتب عثمان رضي الله تعالى عنه إلى أمرائه في القدوم عليه للذي رأى من ضجيج الناس وشكيتهم، فقدم عليه معاوية من الشام، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح من المغرب، وعبد الله بن عامر بن كريز من البصرة، وسعيد بن العاص من الكوفة، فأما معاوية فقال له: أعدني وعمالك إلى أعمالنا وخذنا بما تحت أيدينا، وأشار عليه أيضاً بالمسير إلى الشام فأبى وقال: لا أخرج من مهاجر رسول الله وجوار قبره ومسكن أزواجه، فعرض عليه أن يوجه إليه جيشاً يقيم معه فيمنع منه فقال: لا أكون أول من وطيء أصحاب رسول الله ﷺ وأنصاره بجيش؛ وأما سعيد بن العاص فقال له: إنما دعا الناس إلى الشكية وسوء القول الفراغ فأشغلهم بالغزو، وأما أبن عامر فقال: إن الناس نقموا عليك في المال فأعطهم إياه، فردهم إلى أعمالهم.
وقال علي: يا عثمان إن الحق ثقيل مريءٌ، وإن الباطل خفيف وبيءٌ، وإنك متى تصدق تسخط، ومتى تكذب ترضى؛ وقال له طلحة: إنك قد أحدثت أحداثاً لم يكن الناس يعهدونها، فقال عثمان: ما أحدثت حدثاً ولكنّكم أظِنّاءُ تفسدون عليّ الناس وتؤلبونها.
وكان علباء بن الهيثم السدوسي قد شخص مع سعيد بن العاص إلى المدينة ليقرظه ويثني عليه لأنه سأله ذلك، وأحب علباءٌ أيضاً أن يلقي علياً ويعلم حال عثمان وما يكون منه، فلما رأى أن عثمان قد عزم على رد عماله
стр. 2300
تعجل إلى الكوفة على ناقةٍ له، فلما قدمها قال: يا أهل الكوفة هذا أميركم الذي يزعم أن السواد بستان له قد أقبل، وأغتنم أهل الكوفة غيبة معاوية عن الشام، فكتبوا إلى إخوانهم الذين بحمص مع هانئ بن خطاب الأرحبي يدعونهم إلى القدوم ويشجعونهم عليه ويعلمونهم أنه لا طاعة لعثمان مع إقامته على ماينكر منه، فسار إليهم هانئ بن خطاب مغذاً للسير راكباً للفلاة، فلما قرأوا كتاب أصحابهم أقبل الأشتر والقوم المسيرون حتى قدموا الكوفة، فأعطاه القراء والوجوه جميعاً مواثيقهم وعهودهم أن لا يدعوا سعيد بن العاص يدخل الكوفة والياً أبداً، وكان الذين كتبوا مع هانئ بن خطاب: مالك بن كعب بن عبد الله الهمداني ثم الأرحبي، ويزيد بن قيس بن ثمامة الأرحبي، وشريح بن أوفى العبسي، وعبد الله بن شجرة السلمي، وجمرة بن سنان الأسدي، وحرقوص بن زهير السعدي، وزياد بن خصفة التيمي، وعبد الله بن قفل البكري ثم التيمي، وزياد بن نضر الحارثي، وعمرو بن شرحبيل أبو ميسرة الهمداني، وعلقمة بن قيس النخعي في رجال أشباههم.
وقام مالك بن الحارث الأشتر يوماً فقال: إن عثمان قد غير وبدل، وحض الناس على منع سعيد من دخول الكوفة، فقال له قبيصة بن جابر بن وهب الأسدي من ولد عميرة بن جدار: يا أشتر دام شترك، وعفا أثرك، أطلت الغيبة، وجئت بالخيبة، أتأمرنا بالفرقة والفتنة ونكث البيعة وخلع الخليفة.؟ فقال الأشتر: يا قبيصة بن جابر وما أنت وهذا، فوالله ما أسلم قومك إلى كرهاً ولا هاجروا إلا فقراً، ثم وثب الناس على قبصة فضربوه
стр. 2301
وجرحوه فوق حاجبه، وجعل الأشتر يقول: لا حر بوادي عوفٍ (١)، من لا يذد عن حوضه يهدم (٢)؛ ثم صلى بالناس الجمعة وقال لزياد بن النضر: صل بالناس سائر صلواتهم والزم القصر، وأمر كميل بن زياد فأخرج ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري من القصر، وكان سعيد بن العاص خلفه على الكوفة حين شخص إلى عثمان، وعسكر الأشتر بين الكوفة والحيرة وبعث عائذ بن حملة في خمسمائة إلى أسفل كسكرمسلحةً بينه وبين البصرة، وبعث جمرة بن سنان الأسدي في خمسمائة إلى عين التمر ليكون مسلحة بينه وبين الشام، وبعث هانئ بن أبي حية بن علقمة الهمداني ثم الوادعي إلى حلوان في ألف فارس ليحفظ الطريق بالجبل، فلقي الأكراد بناحية الدينور وقد أفسدوا فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وبعث الأشتر إيضاً يزيد بن حجية التيمي إلى المدائن وأرض جوخى، وولى عروة بن زيد الخيل الطائي ما دون المدائن، وتقدم إلى عماله أن لا يجبوا درهماً وأن يسكنوا الناس وأن يضبطوا النواحي، وبعث مالك بن كعب الأرحبي في خمسمائة فارس ومعه عبد الله بن كباثة أحد بني عائذ الله بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد إلى العذيب ليلقى سعيد بن العاص ويرده، فلقي مالك بن كعب الأرحبي سعيداً فرده وقال: لا والله لا تشرب من ماء الفرات قطرة، فرجع إلى المدينة فقال له عثمان: ما وراءك؟ قال: الشر، فقال عثمان: هذا كله عمل هؤلاء يعني علياً والزبير وطلحة.
стр. 2302
وأنهب الأشتر دار الوليد بن عقبة وكان فيها مال سعيد ومتاعه حتى قلعت أبوابها، ودخل الأشتر الكوفة فقال لأبي موسى: تول الصلاة بأهل الكوفة، ولينول حذيفة السواد والخراج.
وكتب عثمان إلى الأشتر وأصحابه مع عبد الرحمن بن أبي بكر، والمسور بن مخرمة يدعوهم إلى الطاعة ويعلمهم أنهم أول من سن الفرقة ويأمرهم بتقوى الله ومراجعة الحق والكتاب إليه بالذي يحبون، فكتب إليه الأشتر: من مالك بن الحارث إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره، أما بعد فقد قرأنا كتابك فانه نفسك وعمالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين نسمح لك بطاعتنا، وزعمت أنا قد ظلمنا أنفسنا وذلك ظنك الذي أرداك الجور عدلاً والباطل حقاً، وأما محبتنا فأن تنزع وتتوب وتستغفر الله من تجنيك على خيارنا وتسييرك صلحاءنا وإخراجك إيانا من ديارنا وتوليتك الأحداث علينا، وأن تولي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري وحذيفة فقد رضيناهما، واحبس عنا وليدك وسعيدك ومن يدعوك إليه الهوى منم أهل بيتك إن شاء الله والسلام.
وخرج بكتابهم يزيد بن قيس الأرحبي ومسروق بن الأجدع الهمداني وعبد الله بن أبي سبرة الجعفي، واسم أبي سبرة يزيد، وعلقمة بن قيس أبو شبل النخعي وخارجة بن الصلت البرجمي من بني تميم في آخرين، فلما قرأ عثمان الكتاب قال: اللهم إني تائب، وكتب إلى أبي موسى وحذيفة: أنتما لأهل الكوفة رضىً ولنا ثقة فتوليا أمرهم وقوماً به بالحق، غفر الله لنا ولكما، فتولى أبو موسى وحذيفة الأمر وسكن أبو موسى الناس.
стр. 2303
وقال عتبة بن الوغل:
تصدق علينا يا بن عفان واحتسب … وأمر علينا الأشعري لياليا
فقال عثمان: نعم وشهوراً إن بقيت.
ذكر قول جبلة الأنصاري وجهجاه الغفاري لعثمان ﵁.
قال الكلبي: هو رخيلة بن ثعلبة البياضي بدري.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده قال: مر عثمان بن عفان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو على باب داره وقد أنكر الناس عليه ما أنكروا فقال له: يا نعثل والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوصٍ جرباء ولأخرجنك إلى حرة النار؛ ثم أتاه وهو على المنبر فأنزله وكان أول من اجترأ على عثمان وتجهمه بالمنطق الغليظ، وأتاه يوماً بجامعة فقال: والله لأطرحنها في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه، وأطعمت الحارث بن الحكم السوق وفعلت وفعلت. وكان عثمان ولى الحارث السوق فكان يشتري الجلب بحكمه ويبيعه بسومه، ويجبي مقاعد المتسوقين ويصنع صنيعاً منكراً، فكلم في إخراج السوق من يده فلم يفعل؛ وقيل لجبلة في أمر عثمان وسئل الكف عنه فقال: والله لا ألقى الله غداً فأقول " إنا أطعنا سادتنا فأضلونا السبيل " (١).
وقال الواقدي في بعض إسناده: خطب عثمان في بعض أيامه فقال له جهجاه بن سعيد الغفاري: يا عثمان أنزل ندرعك عباءةً ونحملك على
стр. 2304
شارف من الأبل إلى جبل الدخان كما سيرت خيار الناس، فقال له عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به، وكان جهجاهٌ متغيظاً على عثمان، فلما كان يوم الدار دخل عليه ومعه عصاً كان النبي ﷺ يتحضر بها فكسرها على ركبته، فوقعت فيها الأكلة.
حدثني روح بن عبد المؤمن حدثني أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني أنبأنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن جهجاهاً الغفاري دخل على عثمان فأخذ منه عصا النبي ﷺ التي كان يتخصر بها فكسرها على ركبته فأخذته الأكلة في ركبته؛ وكان جهجاه ممن بايع تحت الشجرة، رضي الله تعالى عنه.
أمر عمار بن ياسر العنسي رضي الله تعالى عنه:
حدثنا عباس بن هشام بن محمد عن أبي مخنف في إسناده قال: كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه، فخطب فقال: لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام، فقال له علي: إذاً تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه، وقال عمار بن ياسر: أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك، فقال عثمان: أعلي يا بن المتكاء (١) تجترئ؟ خذوه، فأخذ ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه ثم أخرج فحمل حتى أتي به منزل أم سلمة زوج رسول الله ﷺ فلم
стр. 2305
يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضأ وصلىّ وقال: الحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله؛ وقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان عمار حليفاً لبني مخزوم فقال: يا عثمان أما عليّ فاتقيته وبني أبيه، وأما نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف، أما والله لئن مات لأقتلن به رجلاً من بني أمية عظيم السرة، فقال عثمان: وإنك لها هنا يا بن القسرية، قال فأنهما قسريتان، وكانت أمه وجدته قسريتين من بجيلة، فشتمه عثمان وأمر به فأخرج، فأتى أم سلمة وإذا هي غضبت لعمار، وبلغ عائشة ما صنع بعمار فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول الله ﷺ وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله ثم قالت: ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله ولم يبل بعد، فغضب عثمان غضباً شديداً حتى ما درى ما يقول، فالتج المسجد وقال الناس سبحان الله سبحان الله؛ وكان عمرو بن العاص واجداً على عثمان لعزله إياه عن مصر وتوليته إياها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فجعل يكثر التعجب والتسبيح، وبلغ عثمان مصير هشام بن الوليد ومن مشى معه من بني مخزوم إلى أم سلمة وغضبها لعمار فأرسل إليها: ما هذا الجمع؟ فأرسلت إليه: دع ذا عنك يا عثمان ولا تحمل الناس في أمرك على ما يكرهون. واستقبح الناس فعله بعمار، وشاع فيهم، فاشتد إنكارهم له.
ويقال إن المقداد بن عمرو وعمار بن ياسر وطلحة والزبير في عدة من أصحاب رسول ﷺ كتبوا كتاباً عددوا فيه أحداث عثمان وخوفوه ربه وأعلموه انهم مواثبوه إن لم يقلع، فأخذ عمار الكتاب وأتاه به، فقرأ صدراً منه فقال له عثمان: أعلي تقدم من بينهم؟ فقال عمار: لأني أنصحهم لك،
стр. 2306
فقال: كذبت يابن سمية، فقال: وأنا والله ابن سمية وابن ياسر، فأمر غلماناً له فمدوا بيديه ورجليه ثم ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق، وكان ضعيفاً فغشي عليه.
وقد قيل أيضاً إن عثمان مر بقبر جديد فسأل عنه فقيل قبر عبد الله بن مسعود، فغضب على عمار لكتمانه إياه موته إذ كان المتولي للصلاة عليه والقيام بشأنه، فعندها وطئ عماراً حتى أصابه الفتق.
وكان محمد بتن أبي بكر بن أبي قحافة، ومحمد بن أبي حذيفة خرجا إلى مصر عام خرج عبد الله بن سعد بن أبي سرح إليها، فأظهر محمد بن أبي حذيفة عيب عثمان والطعن عليه وقال: استعمل عثمان رجلاً أباح رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح ونزل القرآن بكفره حين " قال سأنزل مثل ما أنزل الله " (١).
وكانت غزاة ذات الصواري في المحرم سنة أربعٍ وثلاثين وعليها عبد الله بن سعد فصلى بالناس، فكبر ابن أبي حُذيفة تكبيرة أفزعه بها فقال: لولا أنك حدث أحمق لقاربت بين خطوك، ولم يزل يبلغه عنه وعن ابن أبي بكر ما يكره، وجعل ابن حذيفة يقول: يا أهل مصر إنا خلفنا الغزو وراءنا يعني غزو عثمان؛ وقد كان عثمان رضي الله تعالى عنه ضرب ابن أبي حذيفة في الشراب فاحتمل عليه لذلك حقداً وحنقاً وهو كان رباه بعد مقتل أبيه باليمامة، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان إن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة قد أنغلا عليّ المغرب وأفسداه، فكتب إليه عثمان: أما محمد بن
стр. 2307
أبي بكر فإني أدعه لأبي بكر الصديق وعائشة أم المؤمنين، وأما محمد بن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وأنا ربيته وهو فرخ قريش.
وحدثني خلف بن سالم حدثنا وهب بن جرير عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان عن عمر بن عبد العزيز أن محمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر وعليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ووافقا بمصر محمد بن طلحة بن عبيد الله وهو مع عبد الله بن سعد، وأن ابن أبي حذيفة شهد صلاة الصبح في صبيحة الليلة التي قدم فيها ففاتته الصلاة فجهر بالقراءة، فسمع ابن أبي سرح قراءته فسأل عنه فقيل رجلٌ أبيض طوال وضيء الوجه، فأمر إذا صلى أن يُؤتى به، فلما رآه قال: ما جاء بك إلى بلدي؟ قال: جئت غازياً قال: ومن معك؟ قال محمد بن أبي بكر، فقال؛ والله ما جئتما إلا لتفسدا الناس وأمر بهما فسُحبا، فأرسلا إلى محمد بن طلحة يسألانه أن يكلمه فيهما لئلا يمنعهما من الغزو، فأطلقهما ابن أبي سرح، وغزا ابن أبي سرح إفريقية فأعد لهما سفينة مفردة لئلا يفسدا عليه الناس، فمرض ابن أبي بكر فتخلف وتخلف معه ابن أبي حذيفة، ثم إنهما خرجا في جماعة الناس فما رجعا من غزاتهما إلا وقد أوغرا صدور الناس على عثمان، فلما وافى ابن أبي سرح مصر وافاه كتاب عثمان بالمصير إليه، فشخص إلى المدينة، وخلف على مصر رجلاً كان هواه مع ابن أبي بكر، وابن أبي حذيفة، فكان ممن شايعهم وشجعهم على المسير إلى عثمان.
قالوا: وبعث عثمان إلى اببن حذيفة بثلاثين ألف درهم وبجملٍ عليه كسوة فأمر به فوضع في المسجد وقال: يامعشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان
стр. 2308
يخادعني عن ديني ويرشوني عليه، فازداد أهل مصر عيباً لعثمان وطعناً عليه، واجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة فرأسوه عليهم؛ فلما بلغ عثمان ذلك دعا بعمار بن ياسر فاعتذر إليه مما فعل به واستغفر الله منه وسأله أن لايحقد عليه وقال: بحسبك من سلامتي لك ثقتي بك، وسأله الشخوص إلى مصر ليأتيه بصحة خبر ابن أبي حُذيفَة وحق ما بلغه عنه من باطله، وأمره أن يقوم بعذره ويضمن عنه العتبي لمن قدم عليه، فلما ورد عمار مصر حرض الناس على عثمان ودعاهم إلى خلعه وأشعلها عليه، وقوي رأي ابن أبي حُذيفة وابن أبي بكر وشجعهما على المسير إلى المدينة، فكتب ابن سرح إلى عثمان يعلمه ما كان من عمار ويستأذنه في عقوبته، فكتب إليه: بئس الرأي رأيت يا بن أبي سرح، فأحسن جهاز عمار واحمله اليَّ، فتحرك أهل مصر وقالوا: سُير عمار، ودب فيهم ابن أبي حذيفة ودعاهم إلى المسير فأجابوه.
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ وأحمد بن إبراهيم الدورقي قالا: حدثنا بهز بن أسد حدثنا حُصين بن نمير عن جهيم الفهري قال: أنا حاضر أمر عثمان، قال: فجاء سعد وعمار ومعهما إلى باب عثمان فأرسلوا إلى عثمان: إنا نريد أن نذاكرك أشياء أحدثتها، فأرسل إليهم: إني مشغول عنكم اليوم فانصرفوا يومكم وعودوا يوم كذا، فانصرف سعد ولم ينصرف عمار، وأعاد الرسول إلى عثمان، فرد عليه مثل القول الأول، فأبى أن ينصرف فتناوله رسول عثمان، فلما اجتمعوا للميعاد قال لهم عثمان: ما تنقمون عليّ؟ قالوا: أول ذلك ضربك عماراً، فقال: تناوله رسولي بغير رضائي وأمري، وذكر كلاماً بعد ذلك.
стр. 2309
أمر أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري ﵁:
من بني كنانة بن خزيمة.
قالوا: لما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه. وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم جعل أبو ذر يقول بشر الكانزين بعذاب أليم ويتلو قول الله " والذين يكنزون الذهب والفضة "الآية (١) فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر ناتلا مولاه أن انته عما يبلغني عنك فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله، فوا الله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أُسخط الله برضاه، فأغضب عثمان وأحفظه، فتصابر وكفّ.
وقال عثمان يوماً: أيجوز لإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يا بن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي، الحق بكتبك، وكان مكتبه بالشام إلا أنه كان يقدم حاجاً ويسأل عثمان الإذن له في مجاورة قبر رسول الله ﷺ فيأذن له ذلك، وإنما صار مكتبه بالشام لأنه قال لعثمان حين رأى البناء قد بلغ سلعاً (٢): إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا بلغ البناء سلعاً فالهرب "، فأذن لي آت الشام فأغزو هناك، فأذن له.
стр. 2310
وكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، وبعث إليه معاوية بثلاثمائة دينار فقال: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلةً فلا حاجة لي فيها، وبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري بمائتي دينار فقال: أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث إليّ بمال؟ وردها. وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال: يا معاوية إن كانت هذه الدار من مالك الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف، فسكت معاوية.
وكان أبو ذر يقول: والله لقد حدثت أعمالٌ ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه، والله إني لا أرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً يُكذبُ. وأثرةً بغير تقى وصالحاً مستاثراً عليه. فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: إن أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت به حاجة، فكتب معاوية إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أما بعد فاحمل جُندباً إليّ على أغلظ مركب وأوعره، فوجه معاوية من سار به الليل والنهار، فلما قدم أبو ذر المدينة جعل يقول: ستعمل الصبيان ويحمي الحمى ويقرب أولاد الطلقاء، فبعث إليه عثمان الحق بأي أرض شئت، فقال: بمكة، فقال: لا، قال: فبيت المقدس، قال: لا، قال: فبأحد المصرين (١)، قال: لا، ولكني مسيرك إلى الربذة (٢)، فسيره إليها فلم يزل بها حتى مات.
стр. 2311
ويقال إن عثمان قال لأبي ذر حين قدم من الشام: قربنا يا أبا ذر خير لك من بُعدنا يغدى عليك باللقاح ويراح فقال: لا حاجة لي في دنياكم ولكني آتي الربذة، فأذن فأتاها ومات بها.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن الغاز حدثنا مكحول قال: قدم حبيب بن مسلمة من أرمينية فمر بأبي ذر بالربذة فعرض عليه خادمين معه ونفقه فأبى قبول ذلك فقال له: ما أتى بك ها هنا؟ قال: نفسي، رأيت ما هاهنا أسلم لي.
حدثني محمد عن الواقدي عن عبد الله بن محمد بن سمعان عن أبيه أنه قيل لعثمان إن أبا ذر يوقل إنك أخرجته إلى الربذة، فقال: سبحان الله ما كان هذا شيء قط، وإني لأعرف فضله وقديم إسلامه وما كُنا نعد في أصحاب النبي ﷺ أكلَّ شوكة منه.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن فضيل بن خديج عن كميل بن زياد قال: كنت بالمدينة حين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام، وكنت بها في العام المقبل حين سيره إلى الربذة.
وحدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: تلكم أبو ذر بشيْ كرهه عثمان فكذبه فقال: ما ظننت أن أحداً يكذبني بعد قول رسول الله ﷺ : " ما أقلَّت الغبراء ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر "، ثم سيره إلى الربذة، فكان أبو ذر يقول: ما ترك الحق لي صديقاً؛ فلما سار إلى الربذة قال: ردني عثمان بعد الهجرة أعرابياً.
قال: وشيع عليّ أبا ذر فأراد مروان منعه منه، فضرب عليّ بسوطه بين أذني راحلته، وجرى بين عليّ وعثمان في ذلك كلام حتى قال عثمان:
стр. 2312
ما أنت بأفضل عندي منه، وتغالطا، فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتى اصطلحا.
وقد روي أيضاً أنه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالبذة قال: ﵀، فقال عمار بن ياسر: نعم فرحمه الله من كل أنفسنا، فقال عثمان: يا عاضَّ أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه وقال: الحق بمكانه، فلما تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلم عثمان فيه فقال له علي: يا عثمان اتق الله فإنك سيرت رجلاً صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك، ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان: أنت أحق بالنفي منه، فقال علي: رُم ذلك إن شئت، واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته فإن هذا شيء لا يسوغ، فكف عن عمار.
حدثني محمد عن الواقدي عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن خراش الكعبي قال وجدت أبا ذر بالربذة في مظلة شعرٍ فقال: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يتركالحق لي صديقاً.
حدثني محمد عن الواقدي عن شيبان النحوي عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قلت لأبي ذر ما أنزلك الربذة قال: نصحي لعثمان ومعاوية.
محمد عن الواقدي عن طلحة بن محمد عن بشر بن حوشب الفزاري عن أبيه قال: كان أهلي بالشربة فجلبت غنماً لي إلى المدينة فمررت بالربذة وإذا بها شيخ أبيض الرأس واللحية، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ ، وإذا هو في حفشٍ ومعه قطعةٌ من غنم، فقلت:
стр. 2313
والله ما هذا البلد بمحلة لبني غفار، فقال: أُخرجت كارهاً؛ فقال بشر بن حوشب: فحدثت بهذا الحديث سعيد بن المسيب فأنكر أن يكون عثمان أخرجه وقال: إنما خرج أبو ذر إليها راغباً في سكناها.
وقال أبو محنف: لما حضرت أبا ذر الوفاة بالربذة أقبل ركبٌ من أهل الكوفة فيهم جرير بن عبد الله البجلي، ومالك بن الحارث الأشتر النخعي، والأسود بن يزيد بن قيس بنيزيد النخعي، وعلقمة بن قيس بن يزيد عم الأسود في عدة آخرين فسألوا عنه ليسلموا عليه فوجدوه وقد توفي، فقال جرير: هذه غنيمة ساقها الله إلينا، فحنطه جرير وكفنه وصلى عليه - ويقال بل صلى عليه الأشتر - وحملوا امرأته حتى أتو بها المدينة، وكانت وفاته لأربع سنين بقيت من خلافة عثمان، وقال الواقدي: صلى عليه ابن مسعود بالربذة في آخر ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين.
وحدثنا عفان بن مسلم حدثنا معتمر بن سليمان حدثنا أيوب حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حُميد بن هلال أن رفقةً خرجوا من الوفة لحجةٍ أو عمرة فأتوا الربذة فبعثوا رجلاً يشتري لهم شاة، فأتى على خباءٍ فقال: هل عندكم جزرة؟ فقالت أم ذر: أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قالت: مات أبو ذر والناس خُلوف، وليس عنده أحد يغسله ويجنُّه وقد دعا الله أن يوفق قوماً صالحين يغسلونه ويدفنونه، فرجع الرجل فأعلمهم فأقبلوا مسارعين ومعهم الكفن والحنوط فقاموا بأمره حتى أجنوه.
وروى الواقدي عن هُشيم في إسناده أن أبا ذر رضي الله تعالى عنه مات فقالت امرأته: بينا أنا جالسة عنده وقد توفي إذ أقبل ركب فسلموا فقالوا: ما فعل أبو ذر؟ قلت: هو هذا ميت قد عجزت عن غسله ودفنه،
стр. 2314
فأناخوا فحفروا له وغسلوه، وأخرج جرير بن عبد الله حنوطاً وكفناً فحنطه وكفنه، ثم دفنوه وحملوها إلى المدينة؛ فقالت حدثني أبو ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : " إنك تموت بأرض غُربة وأخبرني أنه يلي دفني رهطٌ صالحون ".
وحدثت عن هشام (١) عن العوام بن حوشب عن رجل من بني ثعلبة بن سعد قال: رأيت أبا ذر وقوم يقولون له فعل بك هذا الرجل وفعل، يعنون عثمان، فهل أنت ناصبٌ لنا رايةً فتجتمع إليك الرجال؟ فقال: لو أن ابن عفان صلبني على أطول جذع لسمعت وأطعت واحتسبت وصبرت فإنه من أذل السلطان فلا توبة له، فرجعوا.
قول عبد الرحمن بن عوف في عثمان
رضي الله تعالى عنه:
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: لما توفي أبو ذر بالربذة تذاكر عليّ وعبد الرحمن بن عوف فعل عثمان فقال علي: هذا عملك، فقال عبد الرحمن: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، إنه قد خالف ما أعطاني.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن صالح عن عبيد بن رافع عن عثمان بن الشريد قال: ذُكر عثمان عند عبد الرحمن بن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال عبد الرحمن: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه، فبلغ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان يُسقى منها نعمُ عبد الرحمن بن عوف
стр. 2315
فمنعه إياها، فقال عبد الرحمن: اللهم اجعل ماءها غوراً، فما وجدت فيها قطرة.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير أن عبد الرحمن بن عوف كان حلف ألا يكلم عثمان أبداً.
وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن إبراهيم بن سعد عن أبيه أن عبد الرحمن أوصى أن لا يصلي عليه عثمان، فصلى عليه الزبير، أو سعد بن أبي وقاص، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين.
أمر عامر بن عبد قيس
بن ناشب العنبري من بني تميم:
قال أبو مخنف لوط بن يحيى وغيره: كان عامر بن عبد قيس التميمي يُنكر على عثمان أمره وسيرته، فكتب حُمران بن أبان مولى عثمان إلى عثمان بخبره، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كريز في حمله محمله، فلما قدم عليه فرآه، وقد أعظم الناس إشخاصه وإزعاجه عن بلده لعبادته وزهده، ألطفه وأكرمه ورده إلى البصرة؛ وكان عثمان وجه حُمران إلى الكوفة حين شكا الناس الوليد بن عقبة ليأتيه بحقيقة خبره فرشاه الوليد، فلما قدم على عثمان كذَّب عن الوليد وقرظه، ثم إنه لقي مروان فسأله عن الوليد فقال له: الأمر جليل، فأخبر عثمان بذلك، فغضب على حُمران وغربه إلى البصرة لكذبه إياه وأقطعه داراً، وكان يقال للوليد الأشعرُ بركاً، والبرك الصدر.