ويقال إن عثمان قال لأبي ذر حين قدم من الشام: قربنا يا أبا ذر خير لك من بُعدنا يغدى عليك باللقاح ويراح فقال: لا حاجة لي في دنياكم ولكني آتي الربذة، فأذن فأتاها ومات بها.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن الغاز حدثنا مكحول قال: قدم حبيب بن مسلمة من أرمينية فمر بأبي ذر بالربذة فعرض عليه خادمين معه ونفقه فأبى قبول ذلك فقال له: ما أتى بك ها هنا؟ قال: نفسي، رأيت ما هاهنا أسلم لي.
حدثني محمد عن الواقدي عن عبد الله بن محمد بن سمعان عن أبيه أنه قيل لعثمان إن أبا ذر يوقل إنك أخرجته إلى الربذة، فقال: سبحان الله ما كان هذا شيء قط، وإني لأعرف فضله وقديم إسلامه وما كُنا نعد في أصحاب النبي ﷺ أكلَّ شوكة منه.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن فضيل بن خديج عن كميل بن زياد قال: كنت بالمدينة حين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام، وكنت بها في العام المقبل حين سيره إلى الربذة.
وحدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: تلكم أبو ذر بشيْ كرهه عثمان فكذبه فقال: ما ظننت أن أحداً يكذبني بعد قول رسول الله ﷺ : " ما أقلَّت الغبراء ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر "، ثم سيره إلى الربذة، فكان أبو ذر يقول: ما ترك الحق لي صديقاً؛ فلما سار إلى الربذة قال: ردني عثمان بعد الهجرة أعرابياً.
قال: وشيع عليّ أبا ذر فأراد مروان منعه منه، فضرب عليّ بسوطه بين أذني راحلته، وجرى بين عليّ وعثمان في ذلك كلام حتى قال عثمان:
стр. 2312
ما أنت بأفضل عندي منه، وتغالطا، فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتى اصطلحا.
وقد روي أيضاً أنه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالبذة قال: ﵀، فقال عمار بن ياسر: نعم فرحمه الله من كل أنفسنا، فقال عثمان: يا عاضَّ أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه وقال: الحق بمكانه، فلما تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلم عثمان فيه فقال له علي: يا عثمان اتق الله فإنك سيرت رجلاً صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك، ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان: أنت أحق بالنفي منه، فقال علي: رُم ذلك إن شئت، واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته فإن هذا شيء لا يسوغ، فكف عن عمار.
حدثني محمد عن الواقدي عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن خراش الكعبي قال وجدت أبا ذر بالربذة في مظلة شعرٍ فقال: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يتركالحق لي صديقاً.
حدثني محمد عن الواقدي عن شيبان النحوي عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قلت لأبي ذر ما أنزلك الربذة قال: نصحي لعثمان ومعاوية.
محمد عن الواقدي عن طلحة بن محمد عن بشر بن حوشب الفزاري عن أبيه قال: كان أهلي بالشربة فجلبت غنماً لي إلى المدينة فمررت بالربذة وإذا بها شيخ أبيض الرأس واللحية، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ ، وإذا هو في حفشٍ ومعه قطعةٌ من غنم، فقلت:
стр. 2313
والله ما هذا البلد بمحلة لبني غفار، فقال: أُخرجت كارهاً؛ فقال بشر بن حوشب: فحدثت بهذا الحديث سعيد بن المسيب فأنكر أن يكون عثمان أخرجه وقال: إنما خرج أبو ذر إليها راغباً في سكناها.
وقال أبو محنف: لما حضرت أبا ذر الوفاة بالربذة أقبل ركبٌ من أهل الكوفة فيهم جرير بن عبد الله البجلي، ومالك بن الحارث الأشتر النخعي، والأسود بن يزيد بن قيس بنيزيد النخعي، وعلقمة بن قيس بن يزيد عم الأسود في عدة آخرين فسألوا عنه ليسلموا عليه فوجدوه وقد توفي، فقال جرير: هذه غنيمة ساقها الله إلينا، فحنطه جرير وكفنه وصلى عليه - ويقال بل صلى عليه الأشتر - وحملوا امرأته حتى أتو بها المدينة، وكانت وفاته لأربع سنين بقيت من خلافة عثمان، وقال الواقدي: صلى عليه ابن مسعود بالربذة في آخر ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين.
وحدثنا عفان بن مسلم حدثنا معتمر بن سليمان حدثنا أيوب حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حُميد بن هلال أن رفقةً خرجوا من الوفة لحجةٍ أو عمرة فأتوا الربذة فبعثوا رجلاً يشتري لهم شاة، فأتى على خباءٍ فقال: هل عندكم جزرة؟ فقالت أم ذر: أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قالت: مات أبو ذر والناس خُلوف، وليس عنده أحد يغسله ويجنُّه وقد دعا الله أن يوفق قوماً صالحين يغسلونه ويدفنونه، فرجع الرجل فأعلمهم فأقبلوا مسارعين ومعهم الكفن والحنوط فقاموا بأمره حتى أجنوه.
وروى الواقدي عن هُشيم في إسناده أن أبا ذر رضي الله تعالى عنه مات فقالت امرأته: بينا أنا جالسة عنده وقد توفي إذ أقبل ركب فسلموا فقالوا: ما فعل أبو ذر؟ قلت: هو هذا ميت قد عجزت عن غسله ودفنه،
стр. 2314
فأناخوا فحفروا له وغسلوه، وأخرج جرير بن عبد الله حنوطاً وكفناً فحنطه وكفنه، ثم دفنوه وحملوها إلى المدينة؛ فقالت حدثني أبو ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : " إنك تموت بأرض غُربة وأخبرني أنه يلي دفني رهطٌ صالحون ".
وحدثت عن هشام (١) عن العوام بن حوشب عن رجل من بني ثعلبة بن سعد قال: رأيت أبا ذر وقوم يقولون له فعل بك هذا الرجل وفعل، يعنون عثمان، فهل أنت ناصبٌ لنا رايةً فتجتمع إليك الرجال؟ فقال: لو أن ابن عفان صلبني على أطول جذع لسمعت وأطعت واحتسبت وصبرت فإنه من أذل السلطان فلا توبة له، فرجعوا.
قول عبد الرحمن بن عوف في عثمان
رضي الله تعالى عنه:
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: لما توفي أبو ذر بالربذة تذاكر عليّ وعبد الرحمن بن عوف فعل عثمان فقال علي: هذا عملك، فقال عبد الرحمن: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، إنه قد خالف ما أعطاني.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن صالح عن عبيد بن رافع عن عثمان بن الشريد قال: ذُكر عثمان عند عبد الرحمن بن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال عبد الرحمن: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه، فبلغ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان يُسقى منها نعمُ عبد الرحمن بن عوف
стр. 2315
فمنعه إياها، فقال عبد الرحمن: اللهم اجعل ماءها غوراً، فما وجدت فيها قطرة.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير أن عبد الرحمن بن عوف كان حلف ألا يكلم عثمان أبداً.
وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن إبراهيم بن سعد عن أبيه أن عبد الرحمن أوصى أن لا يصلي عليه عثمان، فصلى عليه الزبير، أو سعد بن أبي وقاص، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين.
أمر عامر بن عبد قيس
بن ناشب العنبري من بني تميم:
قال أبو مخنف لوط بن يحيى وغيره: كان عامر بن عبد قيس التميمي يُنكر على عثمان أمره وسيرته، فكتب حُمران بن أبان مولى عثمان إلى عثمان بخبره، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كريز في حمله محمله، فلما قدم عليه فرآه، وقد أعظم الناس إشخاصه وإزعاجه عن بلده لعبادته وزهده، ألطفه وأكرمه ورده إلى البصرة؛ وكان عثمان وجه حُمران إلى الكوفة حين شكا الناس الوليد بن عقبة ليأتيه بحقيقة خبره فرشاه الوليد، فلما قدم على عثمان كذَّب عن الوليد وقرظه، ثم إنه لقي مروان فسأله عن الوليد فقال له: الأمر جليل، فأخبر عثمان بذلك، فغضب على حُمران وغربه إلى البصرة لكذبه إياه وأقطعه داراً، وكان يقال للوليد الأشعرُ بركاً، والبرك الصدر.
стр. 2316
أمر عبد الله بن الأرقم الزهري
قال أبو مخنف: كان على بيت مال عثمان عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بنعبد مناف بن زهرة بن كلاب - وبعض الرواة يقول: عبد الله بن الأرقم بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة - فاستسلف عثمان من بيت المال مائة ألف درهم وكتب عليه بها عبد الله بن الأرقم ذكر حق للمسلمين وأشهد عليه علياً وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر، فلما حل الأجل ردّه عثمان، ثم قدم عليه عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص من مكة وناسٌ معهُ غُزاةً، فأمر لعبد الله بثلاثمائة ألف درهم ولكل رجلٍ من القوم ألف درهم وصك بذلك إلى ابن أرقم فاستكثره وردّ الصك له، ويقال أنه سأل عثمان أن يكتب عليه به ذكر حقّ فأبى ذلك، فامتنع ابن الأرقم من أن يدفع المال إلى القوم، فقال له عثمان: إنما أنت خازن لنا فما حَملك على مافعلت؟ فقال ابن الأرقم: كنت أراني خازناً للمسلمين، وإنما خازنك غلامك، والله لا ألي لك بيت المال أبداً، وجاء بالمفاتيح فعلقها على المنبر، ويقال بل ألقاها إلى عثمان، فدفعها عثمان إلى ناتل مولاه، ثم ولّى زيد بن ثابت الأنصاري بيت المال وأعطاه المفاتيح، ويقال إنه ولى بيت المال معيقيب بن أبي فاطمة، وبعث إلى عبد الله بن الأرقم ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبلها.
مسير أهل الأمصار إلى عثمان
واجتماعهم إليه مع من اجتمع من أهل المدينة:
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه مخنف في إسناده قالوا: التقى أهل الأمصار الثلاثة: الكوفة، والبصرة ومصر في المسجد
стр. 2317
الحرام قبل مقتل عثمان بعام، كان رئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة النهدي، ورئيس أهل البصرة المثنى بن مخربة العبدي أهل مصر كنانة بن بشر بن عتاب بن عوف السكوني ثم التجيبي، فتذاكروا سيرة عثمان وتبديله وتركه الوفاء بما أعطى من نفسه وعاهد الله عليه وقالوا: لا يسعنا الرضى بهذا، فاجتمع رأيهم على أن يرجع كل واحد من هؤلاء الثلاثة إلى مصره فيكون رسول من شهد مكة من أهل الخلاف على عثمان إلى من كان على مثل رأيهم من أهل بلده، وأن يوافوا عثمان في العام المقبل في داره فيستعتبوه فإن أعتب وإلا رأوا رأيهم فيه، ففعلوا ذلك؛ فلما حضر الوقت خرج الأشتر إلى المدينة في مائتين، وخرج حُكيم بن جبلة العبدي في مائة ولحق به بعد ذلك خمسون فكان في مائة وخمسين، وجاء أهل مصر وهم أربعمائة، ويقال سبعمائة ويقال ستمائة، عليهم أمراء أربعة: أبو عمرو بن بُديل بن ورقاء بنعبد العزى الخزاعي على ربع، وعبد الرحمن بن عديس البلوي على ربع، وكنانة بن بشر التجيبي على ربع، وعروة بن شييم بن البياع الكناني ثم الليثي على ربع؛ فلما أتوا دار عثمان، ووثب معهم رجال من أهل المدينة منهم: عمار بن ياسر العنسي، ورفاعة بن رافع الأنصاري - وكان بدرياً - والحجاج بن غزية - وكانت له صحبة - وعامر بن بكير أحد بني كنانة، فحصروا عثمان الحصار الأول.
وقال الواقدي في إسناده: لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب بعض أصحاب رسول الله إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله، وما الناس فيه من عُماله ويكثرون عليه ويسأل بعضهم بعضاَ أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يدفع
стр. 2318
عن عثمان ولا ينكر ما يقال فيه، إلا زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك بن أبي كعب من بني سلمة من الأنصار، وحسان بن ثابت الأنصاري، فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى عليّ فسألوه أن يكلم عثمان ويعظه، فأتاه فقال له: إن الناس ورائي قد كلموني في أمرك، والله ما أدري ما أقول لك، ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، وأنك لتعلم ما نعلم وما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، لقد صحبت رسول الله ﷺ وسمعت ورأيت مثل ما سمعنا ورأينا، وما بان أبي قحافة وابن الخطاب بأولى بالحق منك، ولأنت أقرب إلى رسول الله ﷺ رحماً، ولقد نلت من صهره مالم ينالا، فالله الله في نفسك، فإنك لا تبصر من عمى ولا تُعلم من جهل؛ فقال له عثمان: والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عتبت عليك أن وصلت رحماً وسددت خلة وآويت ضائعاً ووليت من كان عمر يوليه، نشدتُك الله ألم يُول عمر المغيرة بن شعبة وليس هناك؟ قال: نعم، قال: أولم يولِّ معاوية؟ فقال علي: إن معاوية مان أشد خوفاً وطاعة لعمر من يرفأ (١)، وهو الآن يبتز الأمور دونك، ويقطعها بغير علمك ويقول للناس: هذا أمر عثمان، ويبلغك فلا تُغير، ثم خرج وخرج عثمان بعده فصعد المنبر فقال: أما بعد فإن لكل شيء آفةً، ولكل أمر عاهةً، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرُونكم ما تُحبون، ويُسرون لكم ما تكرهون مثل النعام، يتبعون أول ناعق، أحبُّ مواردهم إليهم البعيدُ، والله نقمتم عليّ ما أقررتم لابن الخطاب بمثله،
стр. 2319
ولكنه وطئكم برجله وخبطكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم، وألنتُ لكم كنفي وكففت عنكم لساني ويدي فاجترأتم عليَّ، فأراد مروان الكلام فقال له عثمان: اسكت ودعني وأصحابي.
وقال الواقدي في روايته: وكان محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حُذيفة لا يفتران من التحريض على عثمان بمصر، فخرج عبد الرحمن بن عُديس البلوي، وسودان بن حمران المُرادي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وعروة بن شييم الليثي في خمسمائة، وأظهروا أنهم يريدون العمرة، وكان خروجهم في رجب، ووجه عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان بخبرهم رسولاً سار إحدى عشرة ليلة، وساروا المنازل حتى نزلوا بذي خُشب (١)، فقال عثمان: هؤلاء يُظهرون أنهم يريدون العمرة ووالله مايريدون إلا الفتنة، لقد طال على الناس عمري، ولئن فارقتهم ليتمنون يوماً من أيامي. فأتى عثمان علياً في منزله فقال له: يابن عم إن قرابتي قريبة وحقي عظيم، والقوم فيما بلغني على أن يصبحوني ليقتلوني، وأنا أعلم أن لك عند الناس قدراً وأنهم يسمعون منك، فأُحب أن تركب إليهم فتردهم على أن أصير إلى ماتُشير به وتراه ولا أخرج عن أمرك ولا أخالفك. فركب عليّ ومعه: سعيد بن زيد عمرو بن نُفيل أبو الأعور، وأبو الجهم بن حُذيفة العدوي، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ومن الأنصار: أبو حميد الساعدي، وأبو أُسيد الساعدي، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك،
стр. 2320
ومحمد بن مسلمة - وقال بعضهم: إن عمار بن ياسر كان معهم - فكلمهم عليّ ومحمد بن مسلمة حتى انصرفوا راجعين إلى مصر، ثم لم ينشبوا أن رجعوا وادعوا أموراً، فأقسم عثمان أنه لم يفعلها.
وحدثني بكر بن الهيثم حدثني إسماعيل بن عبد الكريم، من آل منبه اليماني، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن الناس كانوا يأتون علياً لسابقته وقرابته وفضله، لا أنه أراد ذلك منهم، وكان مروان يأتي عثمان فيخبره أنه يؤلب الناس عليه ويعصب كل شيء يكون من أهل مصر وغيرهم له، وأبلغه عنه أن قوماً قدموا من مصر فاستقل عدتهم فقال لهم: ارجعوا فتأهبوا فإني باعث إلى العراق من يأتيني من أهله بجيش يُبطل الله به هذه السيرة الجائرة ويُريح من مروان وذويه، فقال عثمان: اللهم إن علياً أبى إلا حب الإمارة فلا تُبارك له فيها.
محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جريج، وداود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أن المصريين لما نزلوا بذي خُشُب بعث عثمان إليهم محمد بن مسلمة في خمسين من الأنصار أنا فيهم، فلم يزل بهم حتى رجعوا، فرأوا بعيرا عليه ميسم الصدقة وعليه غلامٌ لعثمان فوجدوا معه كتاباً أن اقتل فلانا وفلانا، فرجعوا فحصروه.
وروى أبو مخنف أن المصريين وردوا المدينة فأحاطوا وغيرهم بدرا عثمان في المرة الأولى فأشرف عليهم عثمان فقال: أيها الناس ما الذي نقمتم عليّ فإني معتبكم ونازلٌ عند محبتكم، فقالوا: زدت في الحمى لإبل الصدقة على ما حمى عمر فقال: إنها زادت في ولايتي، قالوا: أحرقت كتاب الله، قال: اختلف الناس في القراءة فقال هذا: قرآني خير من قرآنك، وقال
стр. 2321
هذا: قرآني خير من قرآنك، وكان حُذيفة أول من أنكر ذلك وأنهاه إليّ، فجمعت الناس على القراءة التي كُتبت بين يدي رسول الله ﷺ ، قالوا: فلم حرقت المصاحف، أما كان فيها يوافق هذه القراءة التي جمعت الناس عليها، أفهلاً تركت المصاحف بحالها؟ قال؛ أردت أن لا يبقى إلا ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ وثبت في الصحف التي كانت عند حفصة زوج رسول الله ﷺ ، وأنا استغفر الله؛ قالوا: فإنك لم تشهد بدراً، قال: خلفني رسول الله ﷺ على ابنته، قالوا: لم تشهد بيعة الرضوان، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى مكة فصفق عني بيده، وشمال رسول الله ﷺ خير من يميني، قالوا: فررت من الزحف (١) قال: فإن الله قد عفا عن ذلك، قالوا: سيرت خيارنا وضربت أبشارنا ووليت علينا سفهاء أهل بيتك، قال: إنما سيرتُ من سيرتُ من مخالفة الفتنة فمن مات منهم فارضوا بالله حكماً بيني وبينه ومن بقي منهم فردوه واقتصوا مني لمن ضربت، وأما عمالي فمن شئتم عزله فاعزلوه ومن رأيته إقراره فأقروه، قالوا: فمال الله الذي أعطيت قرابتك؟ قال: اكتبوا به عليّ للمسلمين صكاً لأعجل منه ما قدرت على تعجيله وأسعى في باقيه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنىً بعد إحصان أو كفر بعد إيمان، أو أن يقتل رجلٌ رجلاً فيقتل به " (٢)، ووالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت نفساً بدون حقها، ولا أبتغيت بديني بدلاً مذ هداني الله للإسلام، ولا والله ما وضعت يدي على عورتي مذ بايعت رسول الله ﷺ إكراماً ليده.
стр. 2322
فلما قال هذه المقالة كسر حلماؤهم عنه، ونصب له كنانة بن بشر التجيبي وعروة بن شييم فأقبلا لا يقلعان ولا يكفان عنه، وأتى المغيرة بن شعبة عثمان فقال له: دعني آت القوم فانظر ما يريدون، فمضى نحوهم فلما دنا منهم صاحوا به يا أعور وراءك، يا فاجر وراءك، يا فاسق وراءك، فرجع؛ ودعا عثمان عمرو بن العاص فال له: إئت القوم فادعهم إلى كتاب الله والعتبى مما ساءهم، فلما دنا منهم سلم فقالوا: لا سلم الله عليك، ارجع يا عدو الله، أرجع يا ابن النابغة فلست عندنا بأمين ولامأمون، فقال له ابن عمر وغيره: ليس لهم إلا عليّ بن أبي طالب فبعث عثمان إلى عليّ فلما أتاه قال: يا أبا الحسن أئت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، قال: نعم إن أعطيتني عهد الله وميثاقه على أنك تفي لهم بكل ماأضمنه عنك، قال: نعم، فاخذ عليّ عليه عهد الله وميثاقه على أوكد ما يكون واغلظ، وخرج إلى القوم فقالوا: وراءك قال: لابل أمامي تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطتم، فعرض عليهم ما بذل عثمان فقالوا: أتضمن ذلك عنه؟ قال: نعم، قالوا: رضينا، وأقبل وجوههم وأشرافهم مع عليّ حتى دخلوا على عثمان وعاتبوه فأعتبهم من كل شيء فقالوا: اكتب بهذا كتابا فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين، " إن لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، يعطى المحروم ويؤمن الخائف ويرد المنفي ولا تجمر البعوث ويوفر الفيء، وعلي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين على عثمان بالوفاء بما في هذا الكتاب، شهد: الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله وسعد بن مالك بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت،
стр. 2323
وسهل بن حنيف، وأبو أيوب خالد بن زيد، وكتب في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين، فأخذ كل يوم كتاباً فانصرفوا.
وقال عليّ بن أبي طالب لعثمان: اخرج فتكلم كلاماً يسمعه الناس ويحملونه عنك وأشهد الله على ما في قلبك فإن البلاد قد تمخضت عليك ولا تأمن أن يأتي ركب آخر من الكوفة أو من البصرة أو من مصر فتقول: يا عليّ اركب إليهم فإن لم افعل قلت: قطع رحمي واستخف بحقي، فخرج عثمان فخطب الناس فأقر بما فعل واستغفر الله منه وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من فلينب فأنا أول من اتغظ، فاذا نزلت فليأتني اشرافكم فليروني رأيهم، فو الله لو ردني إلى الحق عبد لا تبعته، وما عن الله مذهب إلا إليه، فسر الناس بخطبته واجتمعوا إلى بابه مبتهجين بما كان منه، فخرج إ ليهم مروان فزبرهم وقال: شاهت وجوهكم، ما اجتماعكم؟ أمير المؤمنين مشغول عنكم، فإن احتاج إلى أحد منكم فسيدعوه فانصرفوا، وبلغ علياً الخبر فأتى عثمان وهو مغضب فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بإفساد دينك وخديعتك عن عقلك، وإني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائدٍ بعد مقامي هذا لمعاتبتك. وقالت له امرأته نائلة بنت الفرافصة: قد سمعت قول عليّ بن أبي طالب في مروان وقد أخبرك أنه غير عائد إليك، وقد أطعت مروان ولا قدر له عند الناس ولا هيبة، فبعث إلى عليّ فلم يأته.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: سمعت عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ذكر مروان فقال: قبحه الله خرج عثمان على الناس فأعطاهم الرضى وبكى على المنبر حتى استهلت
стр. 2324
دموعه، فلم يزل مروان يفتله في الذروة والغارب حتى لفته عن رأيه، قال: وجئت إلى عليّ فأجده بين القبر والمنبر ومعه عمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وهما يقولان صنع مروان بالناس وصنع وأنتهرهم وأغلظ لهم حتى ردهم عن باب عثمان على أقبح الوجوه، فأقبل عليّ علي فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قلت: نعم، قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قلت نعم.
قال أبو مخنف: لما شخص المصريون بعد الكتاب الذي كتبه عثمان فصاروا بأيلة أو بمنز قبلها رأوا راكباً خلفهم يزيد مصر فقالوا له: من أنت؟ فقال: رسول أمير المؤمنين إلى عبد الله بن سعد وأنا غلام أمير المؤمنين، وكان أسود، فقال بعضهم لبعض: لو أنزلناه وفتشناه لا يكون صاحبه قد كتب فينا بشيء، ففعلوا فلم يجدوا معه شيئاً فقال بعضهم لبعض: خلوا سبيله، فقال كنانة بن بشر: أما والله دون أن أنظر إداوته فلا فقالوا: سبحان الله أيكون كتاب في ماءٍ؟ فقال: إن للناس حيلاً، ثم حل الإداوة فإذا فيها قارورة مختومة (١) - أو قال مضمومة - في جوف القارورة كتاب في أنبوب من رصاص فأخرجه فقرئ فإذا فيه: " أما بعد فإذا قدم عليك أبو عمرو بن بديل فأضرب عنقه، وأقطع يدي ابن عديس، وكنانة، وعروة، ثم دعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا، ثم أوثقهم على جذوع النخل ". فيقال أن مروان كتب الكتاب بغير علم عثمان، فلما عرفوا ما في الكتاب قالوا: عثمان محل، ثم رجعوا عودهم على بدئهم حتى دخلوا المدينة، فلقوا علياً بالكتاب وكان خاتمة من رصاص، فدخل به عليّ
стр. 2325
على عثمان فحلف بالله ما هو كتابه ولا يعرفه وقال: أما الخط فخط كاتبي، وأما الخاتم فعلى خاتمي، قال عليّ: فمن تتهم؟ قال أتهمك وأتهم كاتبي، فخرج عليّ مغضبا وهو يقول: بل هو أمرك.
قال أبو مخنف: وكان خاتم عثمان بديا في يد حمران بن أبان، ثم أخذه مروان حين شخص حمران إلى البصرة فكان معه.
وجاء المصريون إلى دار عثمان فأحدقوا بها وقالوا لعثمان وقد أشرف عليهم: يا عثمان أهذا كتابك؟ فجحد وحلف، فقالوا: هذا شر، يكتب عنك بما لا تعلمه، ما مثلك يلي أمور المسلمين، فاختلع من الخلافة، فقال: ما كنت لأنزع قميصاً قمصنيه الله أو قال: سر بلنيه الله - وقالت بنو أمية: يا عليّ أفسدت علينا أمرنا ودست وألبت، فقال: يا سفهاء إنكم لتعلمون انه لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وأني رددت أهل مصر عن عثمان ثم أصلحت أمره مرة بعد أخرى فما حيلتي؟ وانصرف وهو يقول: اللهم إني بريء مما يقولون ومن دمه إن حدث به حدثٌ.
قال: وكتب عثمان حين حصروه كتاباً قرأه ابن الزبير على اناس يقول فيه: " والله ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا علمت بقصته وأنتم معتبون من كل ما ساءكم فأمروا على مصركم من أحببتم، وهذه مفاتيح بيت مالكم فادفعوها إلى من شئتم "، فقالوا: قد اتهمناك بالكتاب فاعتزلنا؛ وقال بعضهم: الذي قرأ كتاب عثمان الزبير نفسه، والأول أثبت.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن داود العطار عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أن عثمان وجه إلى المصريين لما أقبلوا يريدونه محمد بن مسلمة في خمسين من الأنصار أنا فيهم فأعطاهم الرضى وانصرفوا،
стр. 2326
فلما كانوا ببعض الطريق رأوا جملاً عليه ميسم الصدقة فأخذوه، فإذا غلامٌ لعثمان، ففتشوه فإذا معه قصبة من رصاص في جوف إداوة فيها كتابٌ إلى عامل مصر أن افعل بفلان كذا وبفلان كذا، فرجع القوم إلى المدينة، فأرسل إليهم عثمان محمد بن مسلمة فلم يرجعوا وحصروه.
وحدثني هشام بن عمار الدمشقي أبو الوليد حدثنا محمد بن سميع عن محمد بن أبي ذئب عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب أن المصريين لما قدموا فشكوا عبد الله بن سعد بن أبي سرح سألوا عثمان أن يولى مكانه محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاه ووجه معهم عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرج، فشخص محمد بن أبي بكر وشخصوا جميعاً، فلما كانوا على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير وهو يخبط البعير خبطاً كأنه رجل يطلب أو يُطلب، فقال له أصحاب محمد بن أبي بكر: ما قصتك وما شأنك هارب أو طالب، فقال لهم مرةً: أنا غلام أمير المؤمنين، وقال مرة أخرى: أنا غلام مروان وجهني إلى عامل مصر برسالة، قالوا: فمعك كتاب؟ قال: لا، ففتشوه فلم يجدوا معه شيئاً، وكانت معه إداوة قد يبست وفيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح. فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: " إذ أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وأبطل كتاب محمد، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إلي متظلماً منك إن شاء الله ". فلما قرأوا الكتاب فزعوا وغضبوا ورجعوا إلى المدينة، وختم محمد بن أبي بكر الكتاب بخواتيم نفر
стр. 2327
ممن كان معه ودفعه إلى رجل منهم، وقدموا المدينة فجمعوا علياً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان من أصحاب النبي ﷺ ، ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام وأقرأهم الكتاب فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان، وزاد ذلك من غضب لابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي ذر حنقاً وغيظاً، وقام أصحاب النبي ﷺ بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتنم لما في الكتاب.
وحاصر الناس عثمان وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، وأعانه على ذلك طلحة بن عبيد الله، وكانت عائشة تقرصه كثيراً، ودخل عليّ وطلحة والزبير وسعد وعمار في نفر من أصحاب محمد ﷺ كلهم بدري على عثمان، ومع عليّ الكتاب والغلام والبعير، فقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم، قال: والبعير؟ قال: نعم، قال: وأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علمت شأنه، فقال له علي: أفالخاتم خاتمك؟ قال: نعم، قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت الكتاب ولا أمرتُ به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط، وعرفوا أن خط مروان فسأله أن يدفع إليهم مروان فأبى، وكان مروان عنده في الدار، فخرج أصحاب محمد ﷺ من عنده غاضباً وعلموا أنه لا يحلف بباطل، إلا أن قوماً قالوا: لن يبرأ عثمان في قلوبنا إلا بأن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه عن الأمر، ونعرف حال الكتاب وكيف يؤمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله بغير حق، فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه عن لسان عثمان نظرنا ما يكون منا
стр. 2328
في أمر مروان، فلزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج مروان؛ فحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال: أفيكم علي؟ فقالوا: لا، قال: أفيكم سعد، فقالوا: لا، فسكت ثم قال: ألا أحدٌ يبلغ فيسقينا ماءً؟ فبلغ ذلك علياً فبعث إليه بثلاث قربٍ مملوءة ماءً فما كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصلت.؟ وبلغ علياً أن القوم يريدون قتل عثمان فقال: إنما أردنا مروان، فأما قتل عثمان فلا، وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه على كره، وبعث عدة من أصحاب النبي ﷺ أبناءهم ليمنعوا الناس من الدخول على عثمان ويسألوه إخراج مروان؛ فلما رأى محمد بن أبي بكر، وقد رمى الناس عثمان بالسهام حتى خُضب الحسن بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم وهو في الدار، وخُضب محمد بن طلحة، وشُج قنبر مولى علي، خشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنةً، وأخذ بيد رجلين فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم فرأت الدماء على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما تريدون، ولكن مروا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد، فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان وما يعلم أحد ممن كان معه لأنهم كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته. فاقل محمد بن أبي بكر: أنا أبدأ كما بالدخول، فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجاه حتى تقتلاه، فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان: والله لو رآك أبوك لساء مكانك مني، فتراخت يده، ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا،
стр. 2329
وصرخت امرأته إلى الناس فلم يُسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة، وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحاً، فانكبوا عليه يبكون، وخرجوا ودخل الناس فوجدواه وذبوحاً، وبلغ عليّ بن أبي طالب الخبر، وطلحة، والزبير، وسعداً، ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولاً فاسترجعوا، وقال على لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج عليّ وهو غضبان يرى أن طلحة أعان على ما كان، فلقيه طلحة فقال: ما لك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين، فقال: عليك لعنة الله أبيت إلا أن يسوءني ذلك، يقتل أمير المؤمنين، رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ بدريٌّ لم يقم عليه بينة ولا حجة، فقال طلحة: لو دفع مروان لم يُقتل، فقال علي: لو أخرج إليكم مروان لقتل قبل أن تثبت عليه حكومة.
وخرج عليّ فأتى منزله وجاء الناس كلهم يهرعون إلى علي، أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وهم يقولون: إن أمير المؤمنين علي، حتى دخلوا داره فقالوا له: نبايعك فمد يدك فإنه لا بد من أمير، فقال علي: ليس ذاك إليكم إنما ذاك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلاّ أتى علياً فقالوا: ما نرى أحداً أحق بها منك فمد يدك نبايعك، فقال: أين طلحة والزبير؟ وكان طلحة أول من بايعه بلسانه وسعدٌ بيده، فلما رأى عليّ ذلك صعد المنبر وكان أول من صعد إليه، فبايعه طلحة بيده،
стр. 2330
وكانت إصبع طلحة شلاء فتطير منها عليّ وقال: ما أخلقه أن ينكث، ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي ﷺ جميعاً، ثم نزل فدعا الناس وطلب مروان، وبني أبي معيط فهربوا منه.
وخرجت عائشة رضي الله تعالى عنها باكية تقول: قُتل عثمان ﵀، فقال لها عمار بن ياسر عبد الملك أنت بالأمس تحرضين عليه ثم أنت اليوم تبكينه. وجاء عليّ إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان رحمه الله تعالى؟ فقالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، وكان معهما محمد بن أبي بكر، وأخبرت علياً والناس بما صنع محمد، فدعا عليّ محمداً فسألهى عما ذكرت امرأة عثمان فقال محمد: لم تكذب فقد دخلت والله عليه وأنا أريد قتله، فذكر أبي فقمت عنه وأنا تائب، والله ما قتلته ولا أمسكته، قالت امرأة عثمان: صدق أدخلهما.
حدثني محمد بن هشام بن بهرام حدثنا وكيع عن الأعمش عن عُبيد بن عمير قال: قال علي: لا آمركم بالإقدام على عثمان فإن أبيتم فبيضٌ سيفرخُ.
وحدثني عمرو بن محمد عن قبيصة بن عقبة عن أبي سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم قال: كنت فيمن أرسلوه من ذي خُشب فقالوا: سلوا أصحاب النبي ﷺ واجعلوا علياً آخر من تسألونه، فسألناهم فقالوا: أقدموا إلا علياً فإنه قال: لا آمركم فإن أبيتم فبيضٌ سيفرخ.
حدثنا محمد بن حاتم المروزي عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح قال:، قال علي: لو علمت أن الأمر يبلغ ما دخلت فيه.
стр. 2331
وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي محمد بن الأعرابي حدثنا أزهر بن سعد السمان أبو بكر حدثنا ابن عون عن الحسن قال: خطب عثمان فقام رجل فقال: نريد كتاب الله فقال له: اقعد أما لكتاب الله طالب غيرك؟ فحصب وتحاصبوا فنزل الشيخ وما يكاد يقيم عنقه، فقال ابن عون: فقلت للحسن ابن كم منت يومئذٍ؟ قال: ابن أربع عشرة خمس عشرة.
وقال أبو مخنف وغيره: حرس القوم عثمان ومنعوا من أجل أن يدخل عليه، وأشار عليه بن العاص بأن يُحرم ويلبي ويخرج فيأتي مكة فلا يُقدم عليه، فبلغهم قوله فقالوا: والله لئن خرج لا فارقناه حتى يحكم الله بيننا وبينه، واشتد عليه طلحة بن عبيد الله في الحصار، ومنع من أجل أن يدخل إليه الماء حتى غضب عليّ بن أبي طالب من ذلك، فأدخلت على روايا الماء.
قالوا: وكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كريز، ومعاوية بن أبي سفيان يُعلمهما أن أهل البغي والعدوان من أهل العراق ومصر والمدينة قد أحاطوا بداره فليس يرضيهم بزعمهم شيء دون قتله، أو يخلع السربال الذي سربله الله إياه، ويأمرهما بإغاثته برجال ذوي نجدة وبأس ورأي لعل الله أن يدفع بهم عنه بأس من يكيده ويريده، وكان رسوله إلى ابن عامر جبير بن مطعم، والى معاوية المسور بن مخرمة الزهري، فأما ابن عامر فوجه إليه مجاشع بن مسعود السلمي في خمسمائة أعطاهم خمسمائة خمسمائة درهم، وكان فيمن ندب مع مجاشع زفر بن الحارث الكلابي على مائة رجل، وأما معاوية فبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري في ألف فارس، فقدم حبيب أمامه يزيد بنأسد البجلي جد خالد بن عبد الله بن يزيد القسري من
стр. 2332
بجيلة، وبلغ أهل مصر ومن معهم ممن حاصر عثمان ما كتب به إلى عامر ومعاوية فزادهم ذلك شدة عليه وجداً في حصاره، وحرصاً على معاجلته بالقتل.
المدائني عن حبان بن موسى عن مجالد عن الشعبي قال: كتب عثمان إلى معاوية أن أمدني، فأمده بأربعة آلاف مع يزيد بن أسد بن كرز الجلي فتلقاه الناس بمقتل عثمان فرجع من الطريق وقال: لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها محتلماً إلا قتلته لأن الخاذل والقاتل سواء.
ذكر كراهة عثمان للقتال
﵁:
قال أبو مخنف والواقدي وغيرهما في روايتهم: إن المغيرة بن شعبة الثقفي أشار على عثمان أن يأمر مواليه ومن معه من أهل بيته بالتسلح ليراهم المحاصرون له فينكسروا عنه، ففعل، وجعلوا يمرون على تعبيتهم، ثم أمرهم بالانصراف وأن لا يقاتلوا، فقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
وكف يديه ثم أغلق بابه … وأيقن أن الله ليس بغافل
وقال لأهل الدار مه لا تقاتلوا … عفا الله عن كل أمرئٍ لم يقاتل
وكيف رأيت الله ألقى عليهم ال … عداوة والبغضاء بعد التواصل
وكيف رأيت الخير أدبر بعده … عن الناس إدبار المخاض الحوامل (١)
قالوا: ولما أنصرف أولئك الذين تسلحوا خرج سيدان بن حمران المرادي - ويقال سودان بن حمران - حتى لحق بهم، فرجع إليه مروان
стр. 2333
فاضطربا بسيفيهما، فلم يصنعا شيئاً، فقال عثمان: يا سبحان الله أكل هذا في نزعي وتأميري، يا ناتل الق مروان بعزمة مني أن ينصرف إلي ومن معه، فجاء مروان حتى دخل الدار.
قالوا: وأتى قطن بن عبد الله بن الحصين ذي الغصة الحارثي عثمان وهو محصور فدعاه إلى دفعهم عن نفسه بمن أطاعه ومال إليه فقال: أنا آكلهم إلى الله ولا أقاتلهم فإن ذلك أعظم لحجتي عليهم فانصرف محموداً رشيداً، فكان يقول: لو ددت إني قتلت مع عثمان.
وحدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قلت لعثمان يوم الدار يا أمير المؤمنين: أنفرجهم عنك بالضرب؟ فقال: لا إنك إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً (١)، قال: فرجعت ولم أقاتل.
حدثني محمد بن حاتم بن ميمون حدثنا عبد الله بن إدريس الأزدي عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال له: إن الأنصار بالباب يقولون إن شئت كنا أنصار الله مرتين فقال عثمان: أما القتل فلا.
حدثني يحيى بن معين حدثنا ابن إدريس عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عثمان يوم الدار: أعظمكم عني غناءً رجل كف يده وسلاحه.
стр. 2334
حدثني أحمد بن إبراهيم الدروقي حدثنا أبو داود الطيالسي عن قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: كنت في الدار يوم قتل عثمان فسمعته يقول: عزمت على من رأى لنا عليه سمعاً وطاعةً أن يلقي سلاحه، فألقى القوم أسلحتهم إلا مروان فإنه قال: وأنا أعزم على نفسي ألا ألقي سلاحه، قال: وكان شجاعاً، قال أبو هريرة، فألقيت سيفي فلا أدري من أخذه.
وحدثنا يحيى بن أيوب الزاهد حدثنا اسماعيل بن عليه عن ابن أبي ملكيه عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان يوم الدار معك عصابة مستبصرة تنصر الله فأذن لي أقاتل، فقال: أذكر الله رجلاً هراق في دماً.
وحدثني يحيى بن أيوب عن اسماعيل بن علية (١) عن ابن عون عن ابن سيرين قال: كان مع عثمان في الدار سبعمائة لو يدعهم لضربوهم إن شاء الله حتى يخرجوهم من أقطارها منهم الحسن والحسين ابنا عليّ وابن الزبير.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدروقي حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان يوم الدار قاتلهم فو الله لقد أحل لك قتالهم فقال: لا والله لا أقاتلهم أبداً، فدخلوا عليه وهو صائم فقتلوه، وكان عثمان قد أمر ابن الزبير على الدار وقال: من كانت لي عليه طاعة فليطع عبد الله بن الزبير.
стр. 2335
وفي رواية أبي مخنف وغيره أن عثمان بن أبي العاص الثقفي دخل على عثمان وهو محصور فعرض عليه أن يقاتل ليقاتل معه فأبى، فاستأذنه في إتيان البصرة فأذن له في ذلك فلحق بالبصرة.
أمر عمرو بن العاص وغيره
قالوا: وكان عمرو بن العاص قال لعثمان حين حضر الحصار الأول: إنك يا عثمان ركبت بالناس النهابير (١) فاتق الله وتب إليه فقال له: يا بن النابغة وأنك لممن تاؤلب عليّ الطغام لأن عزلتك عن مصر، فخرج إلى فلسطين فأقام بها في ماله هناك، وجعل يحرض الناس على عثمان حتى رعاة الغنم، فلما بلغه مقتله قال: أنا أبو عبد الله إني إذا حككت قرحة نكاتها.
قالوا: ومر مجمع بن جارية الأنصاري بطلحة بن عبيد الله فقال: يا مجمع ما فعل صاحبك؟ قال: أظنكم والله قاتليه، فقال طلحة: فإن قتل فل ملك مقرب ولا نبي مرسل.
قالوا: وقال عثمان لعبد الله بن سلام: اخرج إليهم فكلمهم، فخرج إليهم فوعظهم وعظم حرمة المدينة وقال لهم: إنه ما قتل خليفة قط إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفاً، فقالوا: كذبت يا يهودي ابن اليهودية.
قالوا: ولما أشتد الأمر على عثمان أمر مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فأتيا عائشة وهي تريد الحج فقالا لها: لو أقمت فلعل الله
стр. 2336
يدفع بك عن هذا الرجل، فقالت: قد قربت ركابي وأوجبت الحج على نفسي ووالله لا أفعل، فنهض مروان وصاحبه ومروان يقول:
وحرق قيسٌ عليّ البلاد … حتى إذا اضطرمت أجذما
فقالت عائشة: يا مروان وددت والله أنه في غرارة من غرائري هذه وإني صوقت حمله حتى ألقيه في البحر، ومر عبد الله بن عباس بعائشة وقد ولاه عثمان الموسم وهي بمنزل من منازل طريقها فقالت: يا بن عباس إن الله قد أتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإياك أن ترد الناس عن هذه الطاغية.
حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل قال: كنا مع عثمان وهو محصور فدخل يوماً لحاجته فسمع كلام بالبلاط ثم خرج إلينا وهو متغير اللون فقال: إنهم ليتوعدونني بالقتل، أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفساً بغير نفس "، ووالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا تمنيت أن لي بديني مذ هداني الله بدلاً ولا قتلت نفساً، فبماذا يقتلونني؟ حدثنا عفان عن حماد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل بنحوه.
حدثني القاسم بن سلام - أبو عبيد - حدثنا كثير بن هشام أنبأنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: لما حوصر عثمان في الدار بعث رجلاً فقال له: اسمع ما يقول الناس، فأتاه فقال: سمعت بعضهم يقول: لقد حل دمه، فقال عثمان: " ما يحل دم مسلم إلا أن يكفر بعد
стр. 2337
إيمانه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل رجلاً فيقتل به أو يسعى في الأرض فساداً ".
وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن عبد الملك بن أبي سليمان عن أبي ليلى الكندي قال: شهدت عثمان وهو محصور فاطلع من كوٍّ فقال: أيها الناس لا تقتلوني فوالله لئن قتلمتوني لا تصلون جميعاً أبداً ولا تجاهدون جميعاً أبدا ولتختلقُن " حتى تصيروا هكذا " (١) وشبك بين أصابعه، ثم قال: " يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يُصيبكم مثل ما أصاب قوم نوحٍ أو قوم هودٍ أو قوم صالحٍ وما قوم لوطٍ منكم ببعيد " (٢) ثم دعا ابن سلام فقال: ما نرى؟ قال: الكف فإنه أبلغ في الحجة.
حدثنا عفان بن مسلم أبو عثمان حدثنا جرير بن حازم أنبأنا يعلى بن حكيم عن نافع حدثني عبد الله بن عمر قال: قال عثمان وهو محصور: ما تقول فيما أشار به عليّ المغيرة بن الأخنس؟ قال: قلت: وما هو؟ قال: إن هؤلاء القوم يرون (٣) خلعك، فإن فعلت وإلا قتلوك، فدع أمرهم إليهم قال: فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا، قال: فقلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام فكلما سخط قومٌ أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصاً قمصكه الله.
стр. 2338
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف بإسناده قال: أشرف عثمان على الناس فسمع بعضهم يقول لا نقتله ولكن نعزله فقال: أما عزلي فلا وأما قتلي فعسى؛ وسلم على جماعة فيهم طلحة فلم يردوا عليه فقال: يا طلحة ما كنت أرى أني أعيش إلى أن اسلِّم عليك فلا ترد عليّ السلام.
قال: جاء الزبير إلى عثمان فقال له: إن مسجد رسول الله ﷺ جماعة يمنعون من ظلمك ويأخذونك بالحق فاخرج فخاصم القوم إلى أزواج النبي ﷺ ، فخرج معه فوثب الناس عليه بالسلاح فقال: يازبير ما أرى أحداً يأخذ بحق ولا يمنع من ظلم، ودخل ومضى الزبير إلى منزله.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا شبابة بن سوار عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: سمعت عثمان بن عفان يوقل: إن وجتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في القيود فضعوهما.
وقال أبو مخنف والواقدي في روايتهما: أن أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ أتت عثمان بإداوة وقد اشتد عليه الحصار فمنعوها من الدخول فقالت: إنه كان المتولي لوصايانا وأمر أيتامنا وأنا أريد مناظرته في ذلك، فأذنوا لها فأعطته الإداوة.
وحدثني عبد الله بن صالح عن عبد الجبار بن الورد قال سمعت ابن أبي مليكة يقول قال جبير بن مطعم: حُصر عثمان حتى كان لا يشرب إلا من فقير (١) في داره، فدخلت على عليّ فقلت: أرضيت بهذا أن يحصر ابن عمتك
стр. 2339
حتى والله ما يشرب إلا من فقير داره؟ فقال: سبحان الله أو قد بلغوا به هذه الحال؟ قلت: نعم، فعمد إلى روايا ماء فأدخلها إليه فسقاه.
وحدثني إسحاق الفروي أبو موسى عبد الله بن إدريس حدثنا يحيى بن سعيد قال: كان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار، فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب إلى عليّ بهذا البيت:
إن كنتُ مأكولاً فكن أنت آكلي … وإلا فأدركني ولما أمزقِ
وقال هشام ابن الكلبي: هذا البيت للمزق العبدي واسمه شأس بن نهار بن الأسود بن حزيل، وبه سمي الممزق.
قالوا: وقال أسامة بن زيد بن حارثة لعلي بن أبي طالب: والله يا أبا الحسن والله لأنت أعز عليّ من سمعي وبصري فأطعني وأخرج إلى أرضك بينبع فإن عثمان إن قتل وأنت بالمدينة رُميت بدمه، وإن أنت لم تشهد أمره لم يعدل الناس بك، فقال ابن عباس لأسامة: يا أبا محمد أتطلب أثراً بعد عينٍ؟ أبعد ثلاثةٍ من قريش ينبغي لعلي أن يعتزل؟ وقال أبو مخنف: صلى على عليّ بالناس يوم النحروعثمان محصور، فبعث إليه عثمان ببيت الممزق:
إن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي … وإلا فأدركني ولما أمزقِ
وكان رسوله به عبد الله بن الحارث، ففرق عليّ الناس عن طلحة، فلما رأى ذلك طلحة دخل عثمان فاعتذر فقال له عثمان: يا بن الحضرمية ألبت عليّ الناس ودعوتهم إلى قتلي حتى إذا فاتك ما تريد جئت معتذراً، لا قبل الله ممن قبل عذرك.
стр. 2340
وقال أبو مخنف في روايته: نظر مروان بن الحكم إلى الحسين بن عليّ فقال: ما جاء بك؟ قال: الوفاء ببيعتي، قال: اخرج عنا، أبوك يؤلب الناس علينا وأنت هاهنا معنا؛ وقال له عثمان: انصرف فلست أريد قتالاً ولا آمر به.
حدثنا عمرو الناقد عن عبد الله بن جعفر الرقي عن عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن راشد عن أبي جعفر أنبأنا عثمان قال: لما كثر علينا الرمي بالحجارة أتيت علياً فقلت: يا عم قد كثرت علينا الحجارة، فمشى معي فرماهم حتى فترت يده، ثم قال: يا بن أخي اجمع مواليكم ومن كان منكم بسبيل ثم لتكن هذه حالكم.
قال أبو مخنف في روايته: إن زيد بن ثابت الأنصاري قال: يا معشر الأنصار إنكم نصرتم الله ونبيه فانصروا خليفته، فأجابه قوم منهم فقال سهل بن حنيف: يا زيد أشبعك عثمان من عضدان المدينة - والعضيدة نخلة قصيرة يُنال حملها - فقال زيد: لا تقتلوا الشيخ ودعوه حتى يموت فما أقرب أجله، فقال الحجاج بن غزية الأنصاري أحد بني النجار: والله لو لم يبق من عمره إلا مابين الظهر والعصر لتقربنا بدمه. وجاء رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري ثم الزرقي بنارٍ في حطب فأشعلها في أحد البابين فاحترق وسقط وفتح الناس الباب الآخر واقتحموا الدار. وقال عدي بن حاتم الطائي: أيها الناس اقتلوه فإنه لا تحبقُ فيه عناقٌ. وتهيأ مروان وعدة معه للقتال فنهاهم عثمان فلم يقبلوا منه وحملوا على من دخل الدار فأخرجوهم، ورُمي عثمان بالحجارة من دار بني حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري ونادوا:
стр. 2341
لسنا نرميك الله يرميك: لو رماني الله بم يخطئني. وشد المغيرة بن الأخنس بالسيف وهو يقول:
قد علمت جاريةٌ عُطبول … لها وشاحٌ ولها جديل
أني بمن حاربت ذو تنكيل
فشد عليه رفاعة بن رافع وهو يقول:
قد علمت خود سحوب للذيل … تُرخي قروناً مثل أذناب الخيل
أن لقرني في الوغى مني الويل
فضربه على رأسه بالسيف فقتله - ويقال بل قتله رجل من عُرض الناس - وقاتل يومئذٍ عبد الله بن الزبير حتى جُرح جراحاتٍ، وخرج مروان بن الحكم وهو يقول:
قد علمت ذاتُ القرون الميل … والكف والأنامل الطُّفولِ
أني أروع أول الرعيل
ثم ضرب عن يمينه وشماله، فحمل عليه الحجاج بن غزية وهو يقول:
قد علمت بيضاء حسناء الطلل … واضحة الليتين قعساءُ الكفل
أني غداة الروع مقدامٌ بطل
فضربه على عنقه بالسيف فلم يقطع سيفه وخر مروان لوجهه، وجاءت فاطمة بنت شريك الأنصارية من بلي. وهي أم إبراهيم بن عربي الكناني الذي كان عبد الملك بن مروان ولاه اليمامة وهي التي كانت ربت مروان، فقامت على رأسه ثم أمرت به فحُمل وأدخل بيتاً فيه كتب. وشد عامر بن بكير الكناني وهو بدري على سعيد بن العاص بن سعيد بن
стр. 2342
العاص بن أمية فضربه بالسيف على رأسه فصرعه، وقامت نائلة بنت الفرافصة على رأسه ثم احتملته فأدخلته بيتاً وأغلقت بابه.
المدائني عن مسلمة بن محارب عن خالد بن حرب قال: لجأ بنو أمية يوم قتل عثمان إلى أم حبيبة، فجعلت آل العاص وآل حرب وآل أبي العاص وآل أسيد في كندوج (١) وجعلت سائرهم في مكان آخر؛ ونظر معاوية يوماً إلى عمرو بن سعيد يختل في مشيته فقال: بأبي وأمي أمُّ حبيبة ما كان أعلمها بهذا الحي حين جعلتك في كندوج.
قالوا: ومشى الناس إلى عثمان وتسلقوا عليه من دار بني حزم الأنصاري، فقاتل دونه ثلاثة نفر من قريش: عبد الله بن زمعة بن الأسود أحد بني أسد بن عبد العزى بن قصي، وعبد الله بن عوف بن السباق بن عبد الدار بن قصي، وعبد الله بن عبد الرحمن بن العوام بن خويلد، وكان عبد الله بن عبد الرحمن بن العوام يقول: يا عباد الله بيننا وبينكم كتاب الله، فشد عليه عبد الرحمن بن عبد الله الجمحي وهو يقول:
لأضربن اليوم بالقرضاب … بقية الكفار والأحزابِ
ضرب امرئٍ ليس بذي ارتياب … أأنت تدعونا إلى كتابِ
نبذتُهُ في سائر الأحقاب
فقتله، وشد جماعةٌ من الناس على عبد الله بن وهب بن زمعة وعبد الله بن عوف بن السباق فقلوهما في جانب الدار.
стр. 2343
وقال المدائني: كان كنانة مولى صفية بنت حيي بن أخطب أخرج أربعة محمولين كانوا يذودون عن عثمان: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن حاطب، ومروان بن الحكم. والذي قتله رجلٌ من أهل مصر يقال له جبلة بن الأيهم طاف بالمدينة ثلاثة أيام يقول: أنا قاتل نعثل، وكان عليّ في داره.
قالوا: وجاء مالك الأشتر حتى انتهى إلى عثمان فلم ير عنده أحداً فرجع، فقال له مسلم بن كريب القابضي من همدان: يا أشتر دعوتنا إلى قتل رجل فأجبناك حتى إذا نظرت إليه نكصت عنه على عقبيك، فقال له الأشتر: لله أبوك أما تراه ليس له مانع ولا عنه وازع، فلما ذهب لينصرف قال ناتل مولى عثمان: واثلاه هذا والله الأشتر الذي سعر البلاد كلها على أمير المؤمنين، قتلني الله إن لم أقتله، فشد في أثره فصاح به عمرو بن عبيد الحارثي من همدان وراءك الرجل يا أشتر، فالتفت الأشتر إلى ناتل فضربه بالسيف فأطار يده اليسرى، ونادى الأشتر: ياعمرو بن عبيد إليك الرجل، فاتبع عمرو ناتلاً فقتله.
стр. 2344
وقال مروان في يوم الدار:
وما قلت يوم الدار للقوم حاجزوا … رويداً ولا اختاروا الحياة على القتلِ
ولكنني قد قلت للقوم قاتلوا … بأسيافكم لا يوصلن إلى الكهلِ
المدائني عن قيس بن الربيع عن أبي حصين قال، علي: لو أعلم أن بني أمية يذهب ما في أنفسها أن أحلف لها لحلفت خمسين يميناً مرددة بين الركن والمقام أني لم أقتل عثمان ولم أمالئ على قتله.
المدائني عن أبي جزيّ عن أيوب وابن عون عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ أشد على عثمان من طلحة.
المدائني عن أبي جزيّ عن قتادة عن أبي موسى قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبوا به لبناً لكنه كان ضلالاً فاحتلبوا به دماً.
المدائني عن أبي جزي عن قتادة قال: رأى عليّ الحسن ﵉ يتوضأ فقال له: أسبغ الوضوء، فقال الحسن: لقد قتلتم رجلاً كان يسبغ الوضوء لكل صلاة، فقال علي: لقد طال حزنك على عثمان.
رؤيا عثمان ﵁ ومقتله
قالوا: لما كان اليوم الذي قتل فيه عثمان، وقد أصبح صائماً، قال لأصحابه: إني مقتول، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما أتوني في منامي البارحة، فقال لي رسول الله ﷺ : " أفطر عندنا غداً يا عثمان ".
وحدثني أحمد بن هشام بن بهرام حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا فرج بن فضالة عن مروان بن أبي أمية عن عبد الله بن سلام قال: أتيت عثمان وهو محصور فقال حين دخلت عليه: مرحباً بأخي، رأيت رسول الله ﷺ في هذه الليلة فقال لي: " يا عثمان حصروك؟ قلت: نعم، قال: أعطشوك؟ قلت: نعم، قال: فأدلى لي دلواً فشربت منها حتى رويت فإني لأجد برد الماء بين ثديي وكتفي، ثم قال: إن شئت أفطرت عندنا وإن شئت نصرت عليهم فاخترت أن أفطر عنده "؛ فقتل ذلك اليوم.
стр. 2345
حدثنا عفان بن مسلم حدثنا وهيب بن خالد حدثنا موسى بن عقبة عن أبي علقمة مولى عبد الرحمن بن عوف عن كثير بن الصلت الكندي قال: قال عثمان في اليوم الذي قتل فيه، وهو يوم الجمعة وقد استيقظ من النوم: رأيت رسول الله ﷺ في منامي هذا فقال: " إنك شاهدٌ فينا الجمعة ".
حدثني أحمد بن إبراهيم الدروقي حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت يعلى يحدث عن نافع أن عثمان رأى في الليلة التي قتل في صبيحتها أن النبي ﷺ أتاه فقال له: " أفطر عندنا يا عثمان: فقتل وهو صائم.
قال الواقدي: ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان حتى جلس بين يديه وأخذ بلحيته فقال: يا نعثل - ونعثل دهقان اصبهان كان جميلاً جيد اللحية فشبهوا عثمان به - كيف ترى صنع الله بك؟ قال: خيراً اتقي الله يا بن أخي ودع لحيتي فإن أباك لو كان حياً لم يقعد مني هذا المقعد ولم يأخذ بلحيتي، فقال محمد: إن أبي لو كان حياً ثم رآك تعمل هذا العمل لأنكره عليك، وتناول عثمان المصحف فوضعه في حجره فقال: عباد الله لكم ما فيه والعتبى مما تكرهون، اللهم أشهد. فقال محمد بن أبي بكر " ألآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " (١) ثم رفع جماعة قداحٍ (٢) كانت في يده فوجأ بها خششائه (٣) حتى وقعت في أوداجه فحزت ولم تقطع فقال: عباد الله لا تقتلوني فتندموا وتختلفوا، فرفع كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي عموداً من حديد كان معه
стр. 2346
فضرب به جبهته فوقع، وضربه سودان بن حمران - ويقال سيدان بن حمران - المرادي بالسيف ضربةً فكانت أول قطرة قطرت من دمه في المصحف على " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " (١) وقعد عمرو بن الحمق الخزاعي على صدره فوجأه تسع وجآت بمشاقص كانت معه فكان عمرو يقول: طعنته تسع طعنات علمت أنه مات في ثلاث منهن، ولكني وجأته الست الأخر لما كان في نفسي عليه من الحنق والغيظ؛ وانصرف الناس عن عثمان وترك قتيلاً في داره يوماً أو يومين حتى حمله أربعةٌ فيهم امرأةٌ، أحد الأربعة جبير بن مطعم.
المدائني: يقال إن أول من دمى عثمان رضي الله تعالى عنه نيار بن عياض الأسلمي، وجأه بمشقص في وجهه فدماه، وكان بالمدينة نياران فكان يقال لهذا نيار وللآخر نيار الخير (٢).
ومن رواية أبي مخنف لوط بن يحيى: أن عثمان ﵁ قتل يوم الجمعة فترك في داره قتيلاً، فجاء جبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن أبي بكر، ومسور بن مخرمة الزهري، وأبو الجهم بن حذيفة العدوي ليصلوا عليه ويجنوه، فجاء رجال من الأنصار فقالوا: لا ندعكم تصلون عليه، فقال أبوالجهم: إلا تدعونا نصلي عليه فقد صلت عليه الملائكة، فقال الحجاج بن غزية: إن كنت كاذباً فأدخلك الله مدخله قال: نعم
стр. 2347
حشرنى الله معه، قال ابن غزية: إن الله حاشرك معه ومع الشيطان، والله إن تركي إلحاقك به لخطأ وعجزٌ، فسكت أبو الجهم؛ ثم إن القوم أغفلوا أمر عثمان وشغلوا عنه فعاد هؤلاء النفر فصلوا عليه ودفنوه، وأمهم جبير بن مطعم، وحملت أم البنين بنت عيينة بن حصن امرأة عثمانلهم السراج، وحمل على باب صغير من جريد قد خرجت عنه رجلاه.
وقال: إنه لقيهم قوم من الأنصار فقاتلوهم حتى طرحوه ثم توطأ عمير بن ضابئ بن الحارث بن أرطاة التميمي ثم البرجمي بطنه، وجعل يقول: ما رأيك كافراً ألين بطن منه، وكان عمير أشد الناس على عثمان، وكان أبوه ضابئ أندس ليتوجأ عثمان ويفتك به ففطن به، فحبسه أحمد فقال في الحبس:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني … فعلت فكان المعولات حلائله
وما الفتك إلا لامرئٍ ذي حفيظةٍ … إذا ريع لم ترع لجبن خصائله
وما الفتك ما أمرت فيه ولا الذي … تخبر من لاقيت أنك فاعله
فلا يرأمن (١) بعدي امرؤ ضيم ضائمٍ … حذ ار لقاء الموت فالموت نائله
وكان عمير بن ضابئ ممن شهد الدار، وكان أشد االناس على عثمان فكان يقول يومئذ: أرني ضابئاً، أحي لي ضابئاً، يقول ليرى ما عثمان عليه من الحال وما فعلت به، فقرعه الحجاج بن يوسف بذلك يوم قتله. وكان من خبر ضابئ أن بني جرول بن نهشل وهبوا له كلباً سألهم إياه، ثم ركبت إليه جماعة منهم فارتجعوه منه، وكان الكلب يسمى قرحان فقال فيهم:
стр. 2348
تجاوز نحوي ركب قرحان مهمهماً … تظل به الوجناء وهي حسير
فأمكم لا تعقلوها لكلبكم … فإن عقوق الوالدين كبير
فمن يك منكم ذا غفولٍ فإنه … عليم بما تحت النطاق بصير
رددت أخاهم فاستمروا كأنما … حباهم بتاج الهرمزان أمير
فاستعدوا عليه عثمان لما قال في أمهم وفيهم، فيقال أنه أدبه وخلاه، ويقال بل حبسه إلا خلاه، فأراد الفتك ففطن له وأخذ فحبس حتى مات في السجن، فقال في الحبس:
هممت ولا أفعل وكدت وليتني … فعلت فكان المعولات حلائله
ما الفتك إلا لامرئٍ ذي حفيظةٍ … إذا ريع لم ترعد لجبنٍ خصائله
قالوا: ودفن عثمان في حش كوكب وهو نخلٌ لرجل قديمٍ يقال له كوكب، ثم أقبل الناس حين دفن إلى عليّ فبايعوه، وأرادوا دفن عثمان بالبقيع فمنعهم من ذلك قوم فيهم أسلم بن بجرة الساعدي ويقال جبلة بن عمرو الساعدي، وقال ابن دأب: صلى عليه مسور بن مخرمة.
وقال المدائني عن الوقاصي عن الزهري: امتنعوا من دفن عثمان فوقفت أم حبيبة بباب المسجد ثم قالت: لتخلن بيننا وبين دفن هذا الرجل أو لأكشفن ستر رسول الله. فخلوا بينهم وبين دفنه.
قال الواقدي: بويع عثمان بالخلافة أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين وقتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين بعد العصر، ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حش كوكب إلى جانب البقيع في موضع نخل، وكوكب رجلٌ، فهي مقبرة بني أمية اليوم، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة غير اثني عشر يوماً، وقتل وهو ابن
стр. 2349
اثنتين وثمانين سنة؛ وكان الذي حملوه جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وهو ممن أسلم في هدنة الحديبية وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزي، وأبو الجهم بن حذيفة بن غانم العدوي، واسمه عبيد، ونيار بن مكرم الأسلمي. ويقال إن عبد الرحمن بن أبي بكر، والمسور بن مخرمة الزهري كانا معهم.
قال الواقدي: لما حج معاوية نظر إلى منازل أسلم شارعةً في السوق فقال: أظلموا عليهم بيوتهم أظلم الله عليه قبورهم، فإنهم قتلة عثمان، فقال نيار بن مكرم الأسلمي: تظلم عليّ بيتي وأنا رابع أربعةٍ حملنا عثمان وقبرناه؟ قال: فعرفه، فقال: لا تبنوا في وجه داره، ثم دعا به خالياً فقال: حدثني كيف صنعتم؟ فقال: حملناه ليلة السبت بين المغرب والعشاء الآخرة، فكنت أنا، وحكيم، وجبير، وأبو الجهم بن حذيفة، وتقدم جبير فصلى عليه ونزلناه في حفرته.
قال الواقدي: ويقال إنه قتل في عشر ذي الحجة، والأول أثبت.
قال هشام بن محمد الكلبي: قال عوانة وغيره: كان مقتل عثمان على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وثمانية عشر يوماً من مقتل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وقتل صلاة العصر، وبايع الناس علياً يوم السبت لتسع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
حدثنا عفان بن مسلم الصفار حدثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو عثمان النهدي أن عثمان بن عفان قتل في أوسط أيام التشريق.
стр. 2350
قال الواقدي: وكان عثمان رجلاً ليس بالقصير ولا الطويل، حسن الوجه رقيق البشرة كبير اللحية عظيمها، أسمر اللون، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس يصفر لحيته، وكان يشد أسنانه بالذهب.
وقال أبو مخنف في روايته: أقبل القاسم بن ربيعة بن أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان عامل عثمان على الطائف، لينصره، فلما انتهى إلى العقيق بلغه أنه قد قتل فانصرف؛ وأقبل عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وكان عامله على مخليف الجند، لينصره، فلما انتهى إلى بطن نخلة (١) سقط عن راحلته فانكسرت رجله فانصرف إلى أهله، وهو أبو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر؛ وأقبل مجاشع بن مسعود السلمي من البصرة فيمن وجه عبد الله بن عامر، فلما كان ببعض الطريق إذا راكبٌ مقبلٌ، فلقيه زفر بن الحارث الكلابي وكان مع مجاشع فقال له: ما وراءك؟ قال: قتل المسلمون نعثلاً، قال: ويحك ما تقول؟ قال: الحق، وهذه طاقاتٌ من شعره معي، فقال له زفر: لعنك الله ولعن ما أقبل منك وما أدبر، وشد عليه فقتله، فكان أول قتيل بعثمان. خرج النعمان بن بشير الأنصاري يريد الشام، فدفعت إليه أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ قميص عثمان وعليه الدم، فخرج به يركض حتى لقي يزيد بن أسد البجلي بوادي القرى، وهو على مقدمة حبيب بن مسلمة، فرجع إلى