← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

قيس الفهري وهو عامله على المدينة أن وكل بخالد من يأخذ بيده في كل يوم وينطلق به إلى شبيبة بن نصاح المقريء ليقرأ عليه القرآن فإنه من الجاهلين، فأتى به شبيبة فقيل له: يقول لك أمير المؤمنين علمه القرآن فإنه من الجاهلين فقال شيبة حين قرأ عليه: ما رأيت أحداً قط أقرأ للقرآن منه وإن الذي جهله لا جهل منه. ثم كتب يزيد إلى عامله: بلغني أن خالداً يذهب ويجيء في سكك المدينة فمر بعض من معك أن يبطش به، فضربوه حتى مرض ومات، وله عقب بالمدينة. وأما عبد العزيز بن المطرف فكان على الجيش الذين قاتلوا الإباضية بقديد، فسقط لواؤه يوم سار فتطيروا من ذلك، وانهزم، وقتل يومئذٍ أمية بن المطرف أخوه. وولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك عبد العزيز هذا مكة والطائف. المدائني قال، قال المطرف: أنا ابن أبي العاص، فقال له محمد بن المنذر بن الزبير: دون ذلك ما يدق عنقك، يعني عفان، كان موضعاً. وأما عمر بن عمرو بن عثمان فمن ولده: عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان وأمه ابنه عمر بن عثمان بن عفان وكان ينزل عرج الطائف فكان يعرف بالعرجي، وكان شاعراً سخياً له يسار وحال؛ وكان شاعراً سخياً له يسار وحال؛ فحدثت أن عمر بن أبي ربيعة المخزومي لما نعي وكان موته بالشام بكت عليه مولدة من مولدات مكة كانت لبعض بني مروان وجعلت توجع له وتفجع عليه وقالت: من لأباطح مكة بعده؟ وكان يصف حسنها وملاحة نسائها، فقيل لها: إنه قد حدث فتى من ولد عثمان بن عفان يسكن بعرج الطائف شاعرٌ

стр. 2382

يذهب مذهبه، فقالت: الحمد لله الذي جعل له خلفاً، سريتم والله عني. وضرب العرجي، الحد في السكر في أيام هشام بن عبد الملك. قالوا: وكان العرجي من فتيان قريش، وكان فتيان قريش وغيرهما يفدون إليه فيفضل عليهم ويعطيهم، وغزا مع مسلمة بن عبد الملك في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك فقال: يا معشر التجار من أراد من الغزاة المعدمين شيئاً فأعطوه إياه، فأعطوهم إياها، فأعطوهم عليه عشرين ألف دينار، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز قال: بيت المال أولى بمال هؤلاء التجار من مال العرجي، فقضى ذلك من بيت المال. ولم يزل العرجي فتى قريش حتى حبسه إبراهيم بن هشام إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وهو والي المدينة من قبل هشام بن عبد الملك، وكان العرجي هجا إبراهيم هذا فقال وقد حج بالناس: كان العام ليس بعام حجٍ … تغيرت المواسم والشكولُ وقد بعثوا إلى جيدا رسولاً … ليخبرها فلا رجع الرسول (١) وجيداء أمه بعث إليها رسولاً بسلامته، وقال أيضاً: حتى دفعت إلى جعداء جالسةٍ … قد تركت أهل بيت الله في ضيق فلم يزل في الحبس حتى كان، وقال في حبسه: ياليت شعري وليت الطير تخبرني … هل أدخل القبة الحمراء من أدم أسلمني أسرتي طراً وحاشيتي … حتى كأني من عادٍ ومن إرمِ

стр. 2383

وحدثني المدائني عن عبد الله بن أسلم الفهري قال: كان ابن هشام بن إسماعيل والياً لهشام بن عبد الملك على مكة وهو ابن خاله وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة فحبس عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان في تهمة دم مولى لعبد الله بن عمر أدعى عليه قتله، فلم يزل محبوساً حتى مات، وكان ابن هشام متحاملاً عليه فقال في السجن: أضاعوني وأي فتىً أضاعوا … ليوم كريهةٍ وسداد ثغرِ قال المدائني: ويقال إن هذا البيت لمحمد بن القاسم الثقفي وإنما تمثل به العرجي. وقال أبو الحسن المدائني: يقال إن إبراهيم بن هشام حبس العرجي، ويقال بل حبسه إسماعيل ين هشام بن إسماعيل. قال مصعب الزبيري: وكل العرجي مولى له بحرمه فكان يخالف اليهن وصح ذلك عند العرجي فقتل مولاه ثم أحرقه، فاستعدت عليه امرأة مولاه محمد بن هشام بن إسماعيل وكان حنقاً عليه بهجائه إياه، فحبسه وضربه وشهره. قال: وله في زوجة محمد بن هشام: عوجي علينا ربة الهودج … إنك إن لا تفعلي تحرجي نلبث حولاً كاملاً كلهُ … لا نلتقي إلا على منهجِ وفيها يقول: عوجي عليّ فسلمي جبر … فيم الوقوف وأنتم سفرُ وقال الواقدي: كان من قول العرجي في سجن ابن هشام:

стр. 2384

سينصرني الخليفة بعد ربي … ويغضب حين يخبر عن مساقي عليَّ عباءةٌ برقاءُ ليست … مع البلوى تغيب نصف ساقي ويغضب لي بأجمعها قصي … قطين البيت والدمث الرقاق قال: فلما طال حبسه ولم يغث قال: أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا … ليوم كريهةٍ وسداد ثغر وخلوني بمعترك المنايا … وقد شرعت أسنتها لصدري كأني لم أكن فيهم وسيطاً … ولم تك نسبتي في آل عمرو (١) يعني عمرو بن عثمان، وقال أيضاً: ياليت سلمى رأتنا لا نزاع لنا … لما هبطنا جميعاً أبطح السوقِ وكشرنا وكبول القين ينكبنا … كالأسد تكشر عن أنيايها الروق والناس صفان من ذي بغضةٍ حنقٍ … وممسك لدموع العين مخنوقِ وفي السطوح كأمثال الدمى خردٌ … يكتمن لوعة حب غير ممذوقِ من كل ناشرةِ فرعاً لرؤيتنا … ومفرقاً ذا نباتٍ غير مفروق يضربن حر وجوه لا يلوحها … لفح السموم ولا شمسُ المشاريق كأن أعناقهنَّ التلع مشرفةً … من كل جيزٍ (٢) كأعناق الأباريقِ ومن ولد عمرو بن عثمان سوى العرجي عاصم بن عمر الذي يقول فيه الشاعر (٣):

стр. 2385

سيراً فقد جن الظلام عليكما … فيا بؤس من يرجو القرى عند عاصمِ فما كان لي ذنبٌ إليه علمتهُ … سوى أنني قد زرته غير صائمِ وقال أيضاً وهو من كنانة: فقل لابن عثمان بن عفان عاصم … إليك سرت عيسٌ فطال سراها أتتكم بنا ندلي بحقٍّ وحرمةٍ … ونقطع أرضاً ما يثار قطاها فقد صادقت كز اليدين ملعَّناً (١) … جباناً إذا ما الحرب شب لظاها بخيلاً بما في رحله غير أنه … إذا ما خلت عرس الصديق قفاها فقال عاصم: الآن أنضج الكيُّ. وحدثت أن العرجي أو غيره من قريش بعث إلى إمرأة فأتته على حمار ومعها جارية على أتان فوثب الحمار على الأتان، وغلامه على جاريتها، وقام فباضعها فقال: هذا يوم قد غاب عذاله. واتهم العرجي جارية أبي جراب أحد بني أمية الأصغر عنده بشعرٍ قاله فيها فحملها أبو جراب على غرارتي بعير إلى مكة، فأحلفها بين الركن والمقام على كذبه، فحلفت فرضي عنها. وأما الوليد بن عثمان بن عفان فكان من فتيان قريش سخاءً وفتوة وشرفاً، قال أبو اليقظان، قال رجل من ولد عثمان: قبح الله الوليد فإن أباه عثمان قتل وهو مخلق في حجلته. وفي الوليد يقول عبد الرحمن بن أرطأة بن سيحان المحاربي ورأى عنده إداوةً كان بعث إليه فيها بشراب:

стр. 2386

لا تبعدن إداوةٌ مطروحةٌ … كانت قديماً للشراب العاتق بأبي الوليد وأم نفسي كلما … طلع النجوم وذر قرن الشارق لما أتيناه أتينا ماجداً … ضخم الدسائع (١) ذا ندىً وخلائق أثوى وأحسن في الثواء وقضيت … حاجاتنا من عند أروع باسق وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان ابن سيحان حليف بني حرب بن أمية شاعراً حلو الحديث وهو على ذلك يقارف الشراب، فكان ينادم أحداث بني أمية، وكان يشرب مع الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان الوليد بن عثمان بن عفان ينادم الوليد بن عتبة، وهو جاء بابن سيحان إليه، فأصاب الوليد بن عتبة خمارٌ فدفعا بابن سيحان فقال له: اشرب، فأتى بإداوة فيها فضلة شراب فشربها، ثم أمدوه فقال: بأبي الوليد وأم نفسي كلما … كان الصباح وذرَّ قرن الشارق أثوى فأحسن في الثواء وقضيت … حاجاتنا من عند أبيض باسق كم عنده من نائلٍ وسماحةٍ … وشمائلٍ ميمونةٍ وخلائق وكرامةٍ للمعتفين إذا اعتفوا … في ماله حقاً وقولٍ صادق فالى الوليد يدي لكم ولغيركم … رهنٌ بصامت ماله والناطق لا تبعدنَّ إداوةٌ مطروحةٌ … كانت زماناً للشراب العاتق وحدثني المدائني قال: ويقال أن أبا زبيد قال هذا الشعر في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، والأول أثبت.

стр. 2387

وكان للوليد بن عثمان بن عفان ابن يظهر التأله يقال له عبد الله بن الوليد، كان يلعن علياً ويقول: قتل جدي عثمان والزبير، وكانت أمه ابنة الزبير بن العوام، وقام إلى هشام بن عبد الملك وهو على المنبر عشية عرفة فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب، فقال له: يا عبد الله إنّا لم نأتِ هاهنا لسب الناس ولعنهم. وأما خالد بن عثمان بن عفان فتوفي في خلافة أبيه، ركض دابةً فأصابه قطع فهلك منه، وله عقب، وهو الذي يقال له الكسير، وكان مصحف عثمان الذي قتل وهو في حجرة عند ولده. وقال الواقدي: كان بالسُقْيا (١) فركب بغلةً ليلحق صلاة الجمعة مع أبيه عثمان وأسرع السير فسقطت البغلةَ نافقةً وأصاب خالداً كسر. وكان زيد بن عمر بن عثمان تزوّج سُكَينة بنت الحسين بن عليّ فنهاه سليمان بن عبد الملك عنها فطّلقها لأنّ عبد الملك خطبها بعد مصعب بن الزبير فأبَته. وأما سعيد بن عثمان بن عفان ويكنى أبا عثمان فإنّ معاوية ولاّه خراسان ففتح سمرقند، وكان أعور نحيلاً أُصيبت عينُه بسمرقند، وهو الَذي يقول فيه الشاعر: سَعيدُ بنُ عُثْمانَ بنِ عَفّانَ لا يَرَى … لِصْاحِبِهِ قَرْضاً عليهِ ولا فَرْضَا وفيه يقول ابن مفرغ:

стр. 2388

إِن تركي ندى سعيد بن عثما … ن بن عفان ناصري وعديدي واتباعي أخا الرضاعة واللؤ … م لنقصٌ وفوت شأوٍ بعيد قلت قول المحزون والليل داجٍ … ليتني مت قبل موت سعيد (١) هذا حين تركه وخرج مع ابن زياد. وكان عند سعيد غلمانٌ من أبناء ملوك السغد دفعوا إليه رهائن، فقدم بهم معه حين عزله معاوية لما خاف من طلبه الخلافة، فلما صار بهم إلى المدينة جعل يأخذ كسوتهم ومناطقهم فيدفعها إلى غلمانه، وألبسهم جباب الصوف وألزمهم السواني والعمل الصعب، فدخلوا عليه في مجلسه ففتكوا به ثم قتلوا أنفسهم، فقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط: ألا إن خير الناس نفساً ووالداً … سعيد بن عثمانٍ قتيل الأعاجم وقال عبد الرحمن بن سيحان المحاربي: يلومونني في الدار إن غبت عنهم … وقد فر عنهم خالدٌ وهو دراعٌ فإن كان نادى دعوةً فسمعتها … فشلت يدي واستك مني المسامع يعني خالد بن عقبة بن أبي معيط، وكان قاضياً وكان قاضياً بالمدينة في أيام مروان بن الحكم. فقال خالد: لعمري قد أبصرتهم فتركتهم … بعينيك إذا ممشاك في الدار واسعُ قالوا: ولما بويع يزيد بن معاوية جعل صبيان أهل المدينة وعبيدهم ونساؤهم يقولون: والله لا ينالها يزيد … حتى ينال رأسه الحديد … إن الأمير بعده سعيد

стр. 2389

فقدم سعيد على معاوية فقال له: يا بن أخي ما شيء بلغني يقوله أهل المدينة؟ قال: وما تنكر من ذلك معاوية؟ والله إن أبي لخيرٌ من أبي يزيد، وإن أمي لخير من أمه، وإني لخير منه، ولقد، استعملناك فما عزلناك، ووصلناك فما قطعناك، وصار أمرنا في يدك فحلأتنا عنه أجمع، فقال معاوية: قد صدقت في قولك خير مني وأن أمك خير من أمه لأن أمك من قريش وأمه من كلب، ويحسب امرأة أن تكون من صالحي نسائها، وأما قولك أنك خير منه فوالله ما يسرني أن بيني وبين العراق حبلاً نُظم لي فيه أمثالك. ثم قال له: الحق بعمك زياد فقد أرته أن يوليك خراسان، وأن يولي الخراج رجلاً حازماً، فولاه زياد خراسان، وولى أسلم بن زرعة الكلابي خراجها، ثم عزله خوفاً منه. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: لما قتل السغد سعيداً كان معه في الدار عبد الرحمن بن أرطأة بن سيحان، فقال خالد بن عقبة بن أبي معيط: ياعين جودي بدمعٍ منك تهتانا … وأبكي سعيد بن عثمان بن عفانا إن المواكل لم تصدق مودته … وفر عنه ابن أرطأة بن سيحانا المواكل الضعيف، يعني بالمواكل ابن أرطأة لم تصدق مودته وفر عنه، فقال ابن سيحان: يقول خليلي قد دعاك فلم تجب … وذلك من تلقاء مثلك رائعُ فإن كان نادى دعوةً فسمعتها … فشلت يدي واستك مني المسامعُ يلومني أن كنت في الدار حاسراً … وقد فرَّ عنه خالدٌ وهو دارعُ وقال بعضهم لابن سيحان:

стр. 2390

فإنك لم تسمع ولكن رأيته … بعينك إذ مجراك في الدار واسعُ فأسلمتهُ للسغد تدمى كلومه … وفارقته والصوت في الدار شائعُ وما كان فيها خالد اللؤم معذراً … سواءً عليه صم أو هو سامعُ فلا زلتما في حال سوءٍ ذميمةٍ … ودارت عليكم بالبلاء القوارعُ قال: وقال بعض ولد أبي معيط: يا نفس موتي حسرةً … وأبكي هُبلت على سعيدِ وأبكي لقرمٍ ماجدٍ … بين الخليفة والوليد ولقد أُصبت بغدرةٍ … وحملت حتفك من بعيدِ قال: وقال الوليد أو خالد بن عقبة: ألا إن خير الناس ووالداً … سعيد بن عثمان قتيل الأعاجم فإن تكن الأيام أردت صروفها … سعيداً حي على الدهر سالمُ المدائني عن سحيم بن حفص قال: لقي الحسين بن عليّ سعيداً وأبناء السغد معه فقال متمثلاً: أبا عمارة إما كنت ذا ثقلٍ … فإن قومك لم تأكلهم الضبعُ وكان قوم من بني عثمان: يقولون: ما قتله إلا عين الحسين؛ قال: فبينا سعيد في حائط له وقد جعل أولئك السغد فيه يعملون بالمساحي إذا أغلقوا باب الحائط ووثبوا عليه فقتلوه، فجاء مروان بن الحكم يطلب المدخل عليهم فلم يجده، وقتل السغد أنفسهم، وتسورت الرجال ففتحوا الباب وأخرجوا سعيداً.

стр. 2391

وأما أبان بن عثمان بن عفان ويكنى أبا سعيد فشهد الجمل مع عائشة فكان أول من انهزم، وكان أبرص أحول أصم، وقال مالك بن الريب المازني: ولولا بنو حربٍ لطلت دماؤكم … بطون العظايا من كسير وأعورا وما كان في عثمان عيبٌ علمتهُ … سوى عقبة منن بعده حين أدبرا يعني ببطون العظايا البرص. المدائني قال: ولى عبد الملك علقمة بن صفوان (١) بن المحرث مكة فشتم طلحة والزبير على المنبر، فلما نزل قال لأبان: أرضيتك في المدهنين في أمير المؤمنين عثمان، قال: لا والله ولكن سؤتني، بحسبي بليةً أن يكونا شركاء في دمه. وولي أبان المدينة في أيام عبد الملك فقال عروة بن الزبير: الله أكبر جاء في الحديث إن هلاك بني أمية عند ولاية رجل أحول وأرجو أن يكون هذا، وإنما كان الأحوال هشاماً، وكانت عند أبان أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر خلف عليها بعد الحجاج، وكان أبان صاحب رشوة وجور في عمله. وقال الواقدي: أصاب أبان فالج شديد قبل موته بسنة، فكانوا يقولون بالمدينة ادا دعوا: أصابك فالج أبان، ومات في خلافة يزيد بن عبد الملك. وكان عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، وأمه بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، مصلياً يصلي في كل يوم ألف ركعة ويكثر

стр. 2392

الحج والعمرة، وكان له خطر ومروءة وصلاح وصدقة كثيرة؛ وكان إذا تصدق بصدقةٍ قال: اللهم هذا لوجهك الكريم فخفف عني الموت، فانطلق حاجاً فصلى الغداة ثم نام، فذهبوا يوقظونه للرحيل فوجدوه ميتاً، فأقاموا عليه المأتم بالمدينة، وجاء أشعب أبو العلاء الطمع وقد طين رأسه ووجهه - ويقال: بل جعل على رأسه كمة من طين - فجعل يلتدم مع النساء، وكان إليه محسناً. وكان عبد الرحمن بن أبان يخرج إلى مكة للحج ومعه أصحابه فيقول لغلامه: قدم بنا طعامنا يا خداش، على الطعام يقتل الناس الناس. ولأبان ولد بالأندلس. وكان لأبان ابنٌ يقال له مروان وكان ردياً فسلاً، وكان مخنثاً مأبونا يجمع بين الرجال والنساء على الريبة والفاحشة، فلما مات لم يبق أحد بلغه موته ممن في مسجد رسول الله ﷺ إلا لعنه وذكره بسوء، فقال ربيعة الرأي: لو شاؤوا لأخفوا موته فكان ذلك أجمل. وحدثني بعض العدويين من قريش قال: قدم الوليد بن عبد الملك المدينة وهو خليفة فوضع أربعة كراسي جلس عليها أربعة أشراف من قريش، أم كل واحد منهم عدوية: عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان المطرف، أمه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب؛ ومحمد بن المنذر بن الزبير، أمه عاتكة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل؛ وطلحة الندى بن عبد الله بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة، وأمه ابنة مطيع بن الأسود العدوي؛ ونوفل بن مساحيق بن عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود من بنى عامر بن لؤي؛ وأمه ابنه مطيع بن الأسود العدوي أيضاً.

стр. 2393

ووقع بين محمد بن المنذر وبين المطرف كلام فقال محمد: ما كنت أظنك إلا جارية لقد هممت أن أخطبك إلى أبيك، فقال: أنا عبد الله أبو محمد بن عمرو بن عثمان، فقال: لك اسم أحبُ اليك من هذا، يعني المطرف. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال عبد الملك كان المغيرة بن عمرو بن عثمان بن عفان شاعراً وهو الذي يقول: أرو سقيا لعدك المعهود … ولما في ودادك المودود ولشرب لديك يا أرو يشفي … من جوى حائم لحين الورود حذراً أن نرد منك بيأس … أو صدودٍ فتولعي بالصدود أرو إني سلمٌ لأهلك أروى … فصليني وأنجزي موعودي وحدثني الزبير بن بكار عن عمه وغيره قالوا: زوج بكير بن عمرو بن عثمان بن عفان ابنته أم عثمان بنت بكير، وأمها سكينة بنت مصعب بن الزبير، عامر بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، فبلغ ذلك إبراهيم بن هشام المخزومي وهو على المدينة، فبعث إلى بكير فقال له: ما حملك على أن زوجت ابنتك زبيرياً وبالشام من به من فتيان بني الحكم بن أبي العاص لم تعرضها عليهم وهم بنو عمك، فقال له: إن يد عبد الله بن الزبير عندنا يوم الدار ما علمت، فسكت. وحدثني الزبير بن بكار قال: لما زوجت فاطمة بنت الحسين ابنتها من عبد الله المطرف دخلت وسكينة بنت الحسين على هشام بن عبد الملك فقال لفاطمة: صفي لنا يا بنت حسين ولدك من ابن عمك - يعني حسن بن حسن - وصفي لنا ولدك من ابن عمنا - يعني المطرف - فقالت: أما

стр. 2394

عبد الله بن حسن فسيدنا وشريفنا والمطاع فينا، وأما حسن بن حسن بن حسن فلساننا ومدرهنا، وأما إبراهيم بن حسن فأشبه الناس برسول الله ﷺ شمائلاً ولوناً وتقلعاً - وكان رسول الله ﷺ إذا مشى تقلع فلا تكاد تمس عقباه الأرض - وأما اللذان من ابن عمكم فإن محمد بن عبد الله - تعني الديباج - جمالنا الذي نباهي به، والقاسم عارضتنا التي نمتنع بها وأشبه الناس بأبي العاص بن أمية عارضةً ونفساً، فقال: والله لقد أحسنت في صفاتهم يا بنت حسين، ووثب فجبذت سكينة بردائه وقالت: والله يا أحول لقد أصبحت تهكم بنا، أما والله ما أبرزنا لك إلا يوم الطف، فضحك وقال: أنت امرأة كثيرة الشر، ولكنك كبيرة السن فنحن نكرمك. قال الزبير: وأنشدني عمي لأبي وجزة (١) السعدي في الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: وجدنا المحض الأبيض من قريشٍ … فتىً بين الخليفة (٢) والرسول أتاك المجد من هنا وهنا … فكنت له بمعتلج السيول فما للمجد دونك من مبيتٍ … وما للمجد دونك من مقيل فدى لك من يذود الحق عنه … ومن يرضي أخاه بالقليل فلولا أنت ما رُحلت ركابي … محملةً ولا حمدت رحيلي قال المدائني: وخطب الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان امرأة وخطبها عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان يقال له الديباج أيضاً، فجعلت تبحث عن أحسنهما، فبينا هي كذلك

стр. 2395

إذ خرجت ليلة فرأت الديباجين جميعاً يتعاقبان في أمرها أو أمر غيره في ليلة مقمرة، وكان وجه عبد العزيز إليها فرأت بياضه وطوله فقالت: حسبي به، فتزوجها ودعا محمد بن عبد الله في وليمتها فأكرمه، فلما أكل برك له ثم خرج وهو يقول: بينا أرجي أن أكون وليها … رضيت بعرقٍ من وليمتها سُخن وحدثني الزبير قال: أتى الرماح بن ميادة وهو ابن أبرد، المدينة وعليها عبد الواحد بن ٤، فسمع عبد الواحد يقول: أني لأهم يالتزويج فابغوني أيما، فقال الرماح: أنا أدلك، فقال: على من يا أبا شرحبيل؟ فقال: دخلت مسجدكم فإذا أشبه شيء به وبمن فيه الجنة وأهلها فبينا أنا أمشي إذ قادتني رائحة عطر رجل، فلما وقعت عيني عليه استلهاني حسنه، وتكلم قرأ قرآنا أو زبوراً حتى سكت، فلولا علمي بالأمير لقلت: هو هو، فسألت عنه فأخبرت أنه بين الحيين للخليفتين عثمان وعلي ﵄، وأنه قد نالته ولادة من النبي ﷺ فلها نور ساطع في غرته، فإن اجتمعت وهو على ولد بأن تتزوج ابنته ساد العباد وجاب ذكره البلاد؛ فقلا: ذاك محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان لفاطمة بنت الحسين يا أبا شرحبيل، فقال ابن ميادة: لهم نبرة لم يعطها الله غيرهم … وكل عطاء الله فضل مقسم (١) قال: وكان محمد الأكبر ابن المطرف، وهو الحازوق، يلبس أسرى الحلل، فإذا تعجب الناس من حلة قالوا: كأنها حلة الحازوق، وإذا فخر أحد بحلة قالوا: لو كانت حلة الحازوق ما عدا.

стр. 2396

قال: وقتل أمية بن المطرف بقديد، وكان عبد الواحد بن سليمان قد ولاه على أسد وطيء فجاءه سبعون من فزارة، وذلك في أيام مروان بن محمد فسألوه أن يخرج بهم معه ليغيروا على طيء لثأرٍ كان لهم فيهم، فخرج بهم وتجمع إليهم ناس من أهل المعادن طلباً للغنائم، فلقيه معدان الطائي بالمنتهب (١) في جماعة من طيء فهزموه، وقد كانوا عرضوا عليه أن يرد فزارة ويأتي فيمن أحب لأخذ صدقة أموالهم، وفي ذلك يقول معدان يعتذر إلى عبد الواحد وأهل المدينة ويذكر عرضهم على أمية أن يرد فزارة ويعطوه صدقاتهم: ألا هل أتى المدينة عرضنا … خصالاً من المعروف يعرف حالها على عاملينا والسيوف مصونةٌ … بأغمادها ما زايلتها نصالها أتينا إلى فرتاج (٢) سمعاً وطاعةً … نؤدي الزكاة حين حان عقالها ومن قبل ما صرنا وجاءت وفودنا … إلى فيد (٣) حتى ما يُعد رجالها فقالوا أغر بالناس تعطيك طيءٌ … إذا وطئتها الخيل واجتيح مالها ودون الذي منوا أمية هبوةٌ … من الضرب قدماً لا تجلى ظلالها دعوا بنزارٍ فاعترينا بطيءٍ … هنالك زلت في نزارٍ نعالها وولى يزيد بن الوليد عبد العزيز بن المطرف مكة والطائف.

стр. 2397

مروان بن الحكم ومن بني أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس أيضا مروان بن الحكم بن أبي العاص، وهو ابن عمّ عثمان، ويكنى أبا عبد الملك، وأمّه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أميّة بن المحرّث بن جمل بن شقّ بن رقبة بن مخدج بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة. وكان الحكم أبو مروان مغموصا عليه في إسلامه وكان إظهاره الإسلام في يوم فتح مكة، فكان يمرّ خلف رسول الله ﷺ فيخلج بأنفه ويغمز بعينيه فبقي على ذلك التخليج وأصابته خبلة، فقال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري لمروان: إنّ اللّعين أباك فأرم عظامه … إن ترم ترم مخلّجا مجنونا يضحي خميص البطن من عمل التّقى … ويظلّ من عمل الخبيث بطينا وطلع الحكم ذات يوم على رسول الله ﷺ وهو في بعض حجر نسائه فخرج إليه بعنزة (١) وقال: «من عذيري من هذه الوزغة» (٢)، وكان يفشي

стр. 2398

أحاديث رسول الله ﷺ فلعنه وسيّره إلى الطائف ومعه عثمان الأزرق، والحارث وغيرهما من بنيه وقال لا يساكّني فلم يزالوا طرداء حتى ردّهم عثمان رضي الله تعالى عنه، فكان ذلك ممّا نقم فيه عليه. وقال المدائني عن أشياخه: كان مروان من رجال قريش وكان من أقرأ الناس للقرآن وكان يقول: ما أخللت بالقرآن قطّ، أي لم آت الفواحش والكبائر قط. وروي: أنّ النبي ﷺ قال للحكم: «كأنّي ببنيه يصعدون منبري وينزلون». وكان مروان يكنى أبا القاسم ثم اكتنى أبا عبد الملك. حدثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ حدثنا مسلم بن إبراهيم عن جعفر بن سليمان عن سعيد بن زيد عن عليّ بن الحكم عن أبي الحسن الجزري عن عمرو بن مرة الجهني قال: استأذن الحكم بن أبي العاص على النبي ﷺ فقال: «ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويتّضعون في الآخرة». قال المدائني: نزل الحكم في الجاهلية على حاتم طيّئ فتناوله قوم من رهط أوس بن حارث فغضب حاتم فقال: الآن إذ مطرت سماؤكم دما … ورفعت رأسك مثل رأس الأصيد (١) قالوا: وكان مروان يلقّب خيط باطل لدقّته وطوله، شبه الخيط الأبيض الذي يرى في الشمس، فقال الشاعر، ويقال انّه عبد الرحمن بن الحكم أخوة:

стр. 2399

لعمرك ما أدري وإنّي لسائل … حليلة مضروب القفا كيف يصنع لحى الله قوما أمّروا خيط باطل … على الناس يعطي ما يشاء ويمنع وكان ضرب يوم الدار على قفاه. وكانت أمّ آمنة أمّ مروان وإخوته صفية، ويقال الصعبة، بنت أبي طلحة العبدري، وأمّها مارية بنت موهب كندية، وهي الزرقاء التي يعيّرون بها فيقال بنو الزرقاء وكان موهب قينا. وولى معاوية بن أبي سفيان مروان بن الحكم البحرين وولاه المدينة مرّتين، وهو الذي كان رمى طلحة بن عبيد الله بالبصرة، فمات من رميته. وقال أبو مخنف والواقدي في روايتهما: كان مروان بالمدينة حين مات مسلم بن عقبة المرّي بعد إيقاعه بأهل الحرّة، ثم أشخص إلى الشام فلم يزل بها حتى ولي الخلافة بعد معاوية بن يزيد بن معاوية. وقال المدائني: لم يزل مروان بالمدينة حتى كتب ابن الزبير بعد موت يزيد، وشخوص حصين بن نمير السكوني، إلى ابن مطيع في تسير بني أميّة فسيّره وسيّرهم فورد الشأم ومعاوية بن يزيد قد بويع، وكان مروان لما سيروا اكترى أبعرة ركبها وبنوه وأمر أن يحثّ به وبهم، فقال راجزه: حرّم مروان عليهنّ النّوم … إلا قليلا وتلاهنّ القوم حتى يقلن أو يبتن بالدوم والدوم على مسيرة ليلتين من المدينة، وكان عبد الملك بن مروان عليلا فقال للرسول الذي وكل بإزعاجهم: قل لأبي خبيب: يصنع الله، وفي ذلك يقول أبو قطيفة، واسمه عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وإنّما قيل له

стр. 2400

أبو قطيفة لأنه كان كثير شعر الرأس ثائره عظيم اللحية، وكان ممّن سيّره ابن الزبير إلى الشام. بكى أحد لما تحمّل أهله … فكيف بذي وجد من القوم آلف وقال أيضا، ويقال غيره: ألا هل أتاها والحوادث جمّة … بأنّ قطين الله بعدك سيّرا ولما بنى مروان داره قال له أبو هريرة: ابن شديدا، وأمل بعيدا وعش قليلا وكل خضما (١) والموعد الله. وكان مروان إذا سمع الأذان قال مرحبا بالقائلين عدلا وبالصلاة مرحبا وأهلها، ويروى هذا عن معاوية أيضا. وأمر مروان عبد الملك حين ولاه فلسطين بتقوى الله، وقال له: مر حاجبك أن يخبرك بمن يحضر بابك في كلّ يوم فتأذن أو تحجب، وآنس من يدخل عليك بالحديث يبسطوا إليك، ولا تعجل بالعقوبة إذا اشكل عليك أمر فإنّك على العقوبة إذا أردتها أقدر منك على ارتجاعها إذا أمضيتها، ويقال إنّه اوصى بهذه الوصيّة عبد العزيز حين ولاه مصر، والأوّل أثبت. ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية أبو ليلى، علم ابن الزبير أنّه لم يبق أحد يضاده فولى الضحّاك بن قيس الفهري دمشق، وكان صاغيا إليه وقد كاتبه فبعث إليه بعهده وكتاب إلى من قبله يدعوهم إلى طاعته، وبعث إلى النعمان بعهده على حمص، وكان النعمان مائلا إليه، وولّى ناتل بن قيس بن زيد الجذامي فلسطين وكان لناتل فيه هوى، ويقال: بل كان عنده بمكة فقال

стр. 2401

له: ألا تكفيني قومك فخرج ناتل حتى أتى فلسطين، وكان واليها ووالي الأردنّ من قبل يزيد بن معاوية حسّان بن مالك بن بحدل، فبقيتا في يده وفيهما عمّاله فأرسل إليه ناتل: إما تخرج من بلاد قومي وإمّا أن أدخل عليك فأقاتلك فعرف ابن بحدل أنّه لا قوة له به وبقومه من جذام، فخرج ابن بحدل إلى الأردنّ فنزل طبريّة وبويع لابن الزبير بفلسطين، وضبط له الضحّاك بن قيس دمشق، وأخذ له بيعة أهلها وفرق عمّاله فيها، وأخذ له النعمان بن بشير الأنصاري بيعة أهل حمص فاستقامت لابن الزبير الشام كلّها إلا الأردنّ وهذا الثبت. ويقال: إنّ بعض أهل الأردن قد كانوا مائلين إلى ناتل، ومنحرفين عن حسّان بن مالك بن بحدل وكانت الزبيريّة بالشام تقول: ابن الزبير أولى أهل زمانه بالأمر لأنّه ابن حواري رسول الله ﷺ ، والطالب بدم الخليفة المظلوم عثمان، ورجل له شجاعة وسنّ وفضل، وولّى ابن الزبير مصر عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم الفهري فضبطها له، وأظهر حسّان بن مالك بن بحدل الدعاء لخالد بن يزيد بن معاوية وعزم عليه فسار في كلب حتى نزل الجابية (١) فاجتمع إليه بها الحصين بن نمير السّكوني ومالك بن هبيرة السكوني، وروح بن زنباع الجذامي وزمل بن عمرو العذري وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وعبد الله بن عضاه الأشعري، وأبو كبشة حيويل بن يسار السكسكي، وصار إليه مروان بن الحكم وهو لا يفكر في الخلافة وخالد بن يزيد بن معاوية، وعمرو الأشدق بن سعيد بن العاص وغيرهم من الأمويين ودعا قوما من أهل البلقاء وأذرعات فأجابوه، فقال له ابن عضاه الأشعري:

стр. 2402

أراك تريد هذا الأمر لخالد بن يزيد، وهو حدث السنّ فقال: إنّه معدن الملك ومقر السياسة والرئاسة، فأتى ابن عضاه خالدا في جماعة من نظرائه من الوجوه فوجده نائما متصبحا، فقال: يا قوم أتجعل نحورنا أغراضا للأسنّة والسهوم بهذا الغلام وهو نائم في هذه الساعة، وإنما صاحب هذا الأمر المجدّ المشمّر الحازم المتيقظ، ثم أتى مروان بن الحكم فألفاه في فسطاط له وإذا درعه إلى جانبه والرمح مركون بفنائه وفرسه مربوط إلى جانب فسطاطه، والمصحف بين يديه وهو يقرأ القرآن، فقال ابن عضاة يا قوم هذا صاحبنا الذي يصلح له الأمر وهو ابن عم عثمان أمير المؤمنين وشيخ قريش وسنّها، فرجعوا إلى حسّان بن مالك فأخبروه بخبر خالد ومروان، وأعلموه انّهم مجمعون على مروان لأنّه كبير قريش وشيخها، فقال ابن بحدل: رأيي لرأيكم تبع، إنّما كرهت أن تعدل الخلافة إلى ابن الزبير، وتخرج من أهل هذا البيت، ثم قام حسّان لأنّه كبير قريش وشيخها، فقال ابن بحدل: رأيي لرأيكم تبع، إنّما كرهت أن تعدل الخلافة إلى ابن الزبير، وتخرج من أهل هذا البيت، ثم قام حسّان خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر مروان فقال: هو كبير قريش وسنّها، وابن عمّ الخليفة المظلوم والطالب بدمه قبل الناس أجمعين فبايعوه رحمكم الله فهو أولى بميراث عثمان وأحق بالأمر من الملحد ابن الزبير الذي خلع الخلافة وجاهر الله بالمعصية، فسارعوا إلى بيعته وماسحوه ودعوا له والتفّت إليه بنو أميّة فقالوا: الحمد لله الذي لم يخرجها منا. وقال مروان أحييت ليلة كلّها فلما طلع الفجر صلّيت الغداة ونمت فجاء عمر حين أصبحت، فقال: ما بال مروان لم يحضر الصلاة؟ فقيل له: أحيى ليلته ونام حين صلّى الغداة، فقال: لأن أصلّيهما في جماعة يعني العشاء والغداة أحبّ إليّ من أن أحيي ما يميتهما.

стр. 2403

وقال مروان حين ولي: لقد رأيتني عند عمر في فتية من قريش كلّهم يقرب دوني فما زال إيثاري الحقّ حتى كان يبعثني في مهمّ أمره، ولو لم يبق من أجلي إلا ظمء حمار ثم أخيّر بين أمرين من الدنيا والآخرة لاخترت الآخرة. وكان بين مروان وعمرو بن العاص منازعة فقال عمرو: يا ابن الزرقاء، فقال مروان: إن كانت زرقاء فقد أنجبت وأدّت الشبه إذ لم تؤده النابغة. المدائني، قال: قال مروان لحبيش بن دلجة: إنّي لأظنك أحمق فقال حبيش: أحمق ما يكون الشيخ إذا أعمل ظنّه. المدائني عن مسلمة، قال: كان لمروان بأرضه بذي خشب غلام يقال له جريج، فقال له يوما: يا جريج أدرك شيء من غلاتنا؟ قال: يوشك أن يدرك، وكأنّك بها، فركب مروان إلى أرضه فتلقّته أحمال، فقال: من أين هذه؟ قالوا: من ضيعتك بذي خشب، فأتى الأرض فقال: يا جريج إنّي أظنّك خائنا؟ قال: وأنا والله اظنّك أيّها الأمير عاجزا اشتريتني وأنا في مدرعة صوف، ثم أنا اليوم موسر قد اتّخذت الخدم وابتنيت المنازل والله إني لأخونك، وإنّك لتخون أمير المؤمنين، وإنّ أمير المؤمنين ليخون الله فلعن الله شرّ الثلاثة. المدائني، قال: قيل لمروان وهو بمكة إنّ عمرا الكناني يبيت في دارك فبعث مروان ابن جحش الكناني وأمره أن يحمل كلّ من يجد في الدار، فسار من مكة إلى المدينة على ناقة له يقال لها الزلوج، وكان يقال إن في ظهرها زيادة فقارتين، فورد ليلا فحمل كلّ من وجد في الدار من عيال مروان إلى مكة ودخل الدار وهو يقول:

стр. 2404

يأيّها الخالفة اللجوج … أخرج فقد حان لك الخروج أنا ابن جحش وهي الزّلوج … كأنّ فاها قتب معروج وأتى أعرابيّ مروان فقال: أفرض لي، فقال: قد طوينا الدفتر وفرغنا قال الأعرابيّ أما إنّي الذي أقول: إذا مدح الكريم يزيد خيرا … وإن مدح اللئيم فلا يزيد وقد كان مدح مروان ثم هجاه فقال: أنت هو لا بدّ لك من فرض ففرض له. المدائني قال: قال الجارود بن أبي سبرة: دخلت على مروان فإذا رجل أحمر أزرق كأنّه من رجال خراسان لو أشاء أن أدخل يدي في علابي عنقه لفعلت، وكان ضرب يوم الدار على قفاه وله يقول عبد الرحمن بن الحكم: والله ما أدري وإنّي لسائل … حليلة مضروب القفا كيف يصنع لحى الله قوما أمّروا خيط باطل … على الناس يعطي من يشاء ويمنع وكان على شرطة مروان يحيى بن قيس الغسّاني. المدائني عن أبي مخنف، وعوانة، ومسلمة بن محارب: أنّ مروان قاتل أهل المرج (١) فظفر بهم وقتل الضحاك، ثم قدم دمشق فبايعه الناس بيعة جديدة فقال بعض الأنصار أو غيرهم: الله أعطاك التي لا فوقها … وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلاّ سوقها … إليك حتى قلّدوك طوقها (٢)

стр. 2405

ويقال: ان هذا الشعر قيل في عبد الملك قاله كثير بن عبد الرحمن. قالوا: ودخل زياد الأعجم على مروان بالمدينة فقال له يا أبا أمامة أنشدني فقال له: بألف دينار فأنشده: رأيتك أمس خير بني لؤي … وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غدا تزيد الضعف خيرا … كذاك تكون سادة عبد شمس (١) فأعطاه ألفي دينار، ويقال: إنّه قال هذا في غير مروان. قالوا: وكان عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان لما أخرجه أهل البصرة بعد موت يزيد بن معاوية قدم دمشق فبلغه خبر ابن بحدل ونزوله الجابية، وكان الضحاك بن قيس الفهري بدمشق، قد بايعه الناس لابن الزبير وتابعوه على أمره، فقال له ابن زياد قد بويع صاحبك واستقامت له النواحي وأنت هاهنا قد حصرت نفسك بدمشق فاخرج فعسكر ناحية يأتك الناس من كلّ أوب فإنّك كبير قريش والمنظور إليه منها، فخرج الضحاك إلى مرج راهط فعسكر فما هو الا أن خرج حتى دخلها عمرو بن سعيد الأشدق فأعلقها على نفسه وذلك أنه كانت بلغت عمرا حركة الضحاك، وكتب إليه بها ابن زياد فدنا من دمشق فاستعد لدخولها وأتى ابن زياد مروان وهو بالجابية فقال: إنّي قد أخرجت الضحاك إلى الصحراء وأدخلتها عمرو بن سعيد. وقال عوانة بن الحكم: لما مات يزيد بن معاوية، وأخرج عبيد الله بن زياد من البصرة، قدم دمشق وعليها الضحّاك بن قيس بن خالد الفهري عاملا لعبد الله بن الزبير، وقد ثار زفر بن الحارث الكلابي بقنّسرين

стр. 2406

يبايع لابن الزبير والنعمان بن بشير بحمص على طاعته، وكان حسّان بن مالك بن بحدل عاملا ليزيد بن معاوية على فلسطين، وكان بفلسطين ناتل بن قيس وهو ممالئ لابن الزبير وكان سيّد أهل فلسطين فاستخلف حسّان روح بن زنباع الجذامي على فلسطين وأتى الأردن فوثب ناتل على روح بن زنباع فأخرجه عن فلسطين، واستولى عليها وبايع لابن الزبير لهواه فيه، وقد كان ابن الزبير أمر بنفي بني أميّة عن المدينة فسيّرهم عامله على المدينة إلى الشام وفيهم مروان، وكان الناس فريقين حسّاني وزبيريّ فقال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان: وما الناس إلاّ بحدليّ عن الهوى … وإلاّ زبيريّ عصى فتزبّرا فقام حسّان بالأردنّ فقال: يا أهل الأردن ما تقولون في عبد الله بن الزبير وقتلى أهل الحرّة قالوا: عبد الله منافق وقتلى أهل الحرّة في النار، قال: فما تقولون في يزيد بن معاوية ومن قتل بالحرّة من أهل الشأم؟ قالوا يزيد في الجنّة وقتلانا في الجنة، فقال: لئن كان يزيد يومئذ على حقّ إنّ شيعته على حقّ، ولئن كان ابن الزبير يومئذ على باطل إنّه اليوم لعلى باطل، قالوا: صدقت نبايعك على قتال من خالفك وأطاع ابن الزبير على أن تجنّبنا هذين الغلامين: خالد بن يزيد، وأخيه عبد الله فإنّهما حديثة أسنانهما، ونحن نكره أن يأتي الناس بشيخ ونأتيهم بصبي. وكان الضحاك بدمشق يبايع الناس لابن الزبير سرّا خوفا من بني أمية وكلب، فكتب إليه ابن بحدل كتابا يشتم فيه ابن الزبير، ويعظم له حق بني أمية ويذكره إحسانهم إليه واصطناعهم له وبرهم به، وأنفذ الكتاب إليه مع رجل يقال له ناعصة من ولد تغلب بن وبرة إخوة كلب. ودفع إليه

стр. 2407

نسخته وقال: إن لم يظهر الضحاك هذا الكتاب وكتمه فاقرأه أنت على الناس، فأوصل الكتاب إليه فقرأه ولم يظهره فقرأ ناعصة نسخته فقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فقال: صدق حسّان وكذب ابن الزبير وشتمه، وقام يزيد بن أبي النمس، واسم أبي النمس الأسود بن المعد بن شراحيل الغسّاني، فصدّق مقالة حسان وكتابه وشتم ابن الزبير، وقام سفيان بن الأبرد الكلبي فقال مثل ذلك، ثم قام أبو رجاء عمر بن زيد الحكمي فشتم حسّان بن مالك وكذّبه وأثنى على عبد الله بن الزبير، واضطرب الناس بنعالهم، ثم أمر الضحاك بالوليد بن عتبة ويزيد بن أبي النمس وسفيان فحبسوا، وجال بعض الناس في بعض، ووثبت كلب على عمر بن زيد الحكمي، وقام خالد بن يزيد بن معاوية على مرقاتين من المنبر فتكلم وسكّن الناس، وجاءت كلب فأخرجت سفيان من الحبس، وجاءت غسان أخرجت ابن أبي النمس، فقال الوليد بن عتبة: لو كنت من كلب أو غسّان أخرجت فجاء خالد بن يزيد، وعبد الله بن يزيد ومعهما أخوالهما من كلب فأخرجوا الوليد، فكان أهل الشأم يسمّون هذا اليوم يوم جيرون (١)، وجيرون موضع بدمشق عند المسجد. قال: وخرج الضحاك بن قيس إلى مسجد دمشق فجلس فيه فوقع في يزيد بن معاوية، فقام إليه شاب من كلب بعصا فضربه بها والناس جلوس في الحلق وعليهم سيوفهم، فقام بعضهم إلى بعض فاقتتلوا، وقيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بني أميّة وإلى خالد بن يزيد

стр. 2408

وتتعصب ليزيد بن معاوية، قال: ودخل الضحاك دار الإمارة ولم يخرج لصلاة الفجر وبعث إلى بني أميّة فاعتذر إليهم، وقال: لم يقم منكم قائم، وكتب إليّ هذا الرجل فولاني وذكر حسن بلائهم عنده، وأنّه لا يريد شيئا يكرهونه، وقال: اكتبوا ونكتب إلى حسان حتى يوافي الجابية ونوافيه فنبايع لرجل منكم، فرضيت بنو أميّة بذلك، فكتب الضحاك إلى حسّان وكتبوا، وخرج الناس وبنو أميّة للميعاد، فجاء ثور بن معن بن يزيد السلمي، ويقال معن بن يزيد بن الأخنس نفسه، إلى الضحاك فقال له: عجبا لك دعوتنا إلى طاعة رجل فبايعناك، ثم أنت الآن تسير إلى هذا الأعرابي من كلب ليستخلف إبن اخته خالد بن يزيد وهو صبي غمر قال الضحاك: فما الرأي؟ قال: أن تظهر ما كنا نستره من بيعة ابن الزبير، ونقاتل على طاعته فعرّج الضحاك بمن معه وعطفهم وأقبل حتى نزل مرج راهط، وأظهر بيعة ابن الزبير وخلع بني أمية. وصار بنو أمية إلى الجابية، ووافى حسّان فصلى بهم أربعين ليلة والناس يتشاورون، وكتب الضحّاك إلى النعمان بن بشير وهو بحمص وإلى زفر بن الحارث وهو على قنّسرين، وإلى ناتل وهو بفلسطين فأمدّوه فصار إليه خلق من الخلق بمرج راهط، وكانت الأهواء بالجابية مختلفة: حصين بن نمير يهوى أن يولى مروان، ومالك بن هبيرة يهوي أن يولّى خالد بن يزيد، فقال مالك بن هبيرة للحصين: هلم نبايع خالد بن يزيد فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه، فقال الحصين: لا والله لا يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي، فقال: ما لك ويحك إنّ مروان وآل مروان يحسدونك على سوطك وشراك نعلك، وظلّ شجرة تستظل بها، ومروان أبو عشرة وأخو عشرة، وعم

стр. 2409

عشرة وإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد فقال: مروان شيخ قريش، والطالب بدم الخليفة المظلوم، وهو يدبرنا ويسوسنا ولا يحتاج إلى أن ندبره ونسوسه، وغيره يحتاج إلى أن يدبر ويساس! وذكر بعضهم عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال روح بن زنباع: إنكم تذكرون عبد الله بن عمر وفضله وهو كما ذكرتم إلا أنه ضعيف وليس صاحب أمة محمد بالضعيف، وتذكرون ابن الزبير، وهو والله ابن حواري رسول الله وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وهو بعد كما ذكرتم في قدمه ولكنه منافق خلع خليفتين: يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وسفك الدماء، وشق العصا، وأما مروان فما كان في الإسلام صدع إلاّ كان ممن شعبه وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان يوم الدار، وقاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل، ورمى طلحة فاستقاد منه لعثمان، أفنبايع الصغير وندع الكبير؟! فتم رأيهم على البيعة لمروان وأجمعوا عليها، ثم لخالد من بعده، ثم لعمرو بن سعيد الأشدق من بعد خالد، فبويع مروان، فلم يقع البيعة لغيره، وسار مروان حتى نزل مرج راهط فصار بإزاء الضحاك وحاربه ودعا الناس فاجتمع إليه خلق. وحدثني عمرو بن محمد الناقد والقاسم بن سلام قالا: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي قال: دعاني مروان إلى القتال معه فقال: ألا تخرج فتقاتل معنا؟ قلت: لا لأن أبي وعمي شهدا بدرا مع رسول الله ﷺ وقد عهدا إلي أن لا أقاتل إنسانا يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أتيتني ببراءة من النار قاتلت معك، فقال: انطلق لا حاجة لنا بك فقلت:

стр. 2410

ولست مقاتلا رجلا يصلّي … على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعليّ إثمي … معاذ الله من سفه وطيش أأقتل مسلما في غير ذنب … فليس بنافعي ما عشت عيشي وحدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: سلّم على حسان بن مالك بن بحدل أربعين ليلة بالخلافة، ثم سلّمها إلى مروان وقال: فإلا يكن منّا الخليفة نفسه … فما نالها إلاّ ونحن شهود وقال بعض الكلبيّين: نزلنا لكم عن منبر الملك بعد ما … ظللتم وما إن تستطيعون منبرا

стр. 2411

خبر يوم مرج راهط قال عوانة بن الحكم وغيره: جعل مروان على ميمنته عمرو بن سعيد الأشدق، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وجعل الضحّاك بن قيس على ميمنته زياد بن عمرو بن معاوية العقيلي، وعلى ميسرته زحر بن أبي شمر الهلالي من أهل حمص، وثار يزيد بن أبي النمس بدمشق، فغلب عليها وأخرج عامل الضحّاك منها، وغلب على الخزائن وبيوت الأموال، وبايع بها لمروان، وأمدّه بالأموال والرجال والسلاح، وأقبل عبّاد بن زياد من حوّارين في ألفين من مواليه وغيرهم، وكان الضحّاك في ستّين ألفا، فقاتل مروان الضحّاك بالمرج عشرين ليلة، ثم هزم أهل المرج وقتلوا، وقتل من قيس من لم يقتل مثلهم قطّ وقتل الضحاك، وقتل معه من الأشراف ثمانون كلّهم كان يأخذ القطيفة، كان لكلّ رجل منهم في العطاء ألفان وقطيفة يعطونها مع عطائهم وقتل من أهل الشأم مقتلة عظيمة، وقتل ثور بن معن السلمي، وجاء رجل من كلب برأس الضحّاك فلما رآه مروان قال: الآن حين كبرت سنّي، ودقّ عظمي، وصرت في مثل ظمء الحمار، أقبلت أضرب الكتائب بالكتائب؟!

стр. 2412

قال الهيثم: ولم يحضر عبد الملك يوم المرج تورّعا. وقال ابن مقبل: يا جدع آنف قيس بعد همّام … بعد المذنّب عن أحسابها الحامي (١) يعني همّام بن قبيصة وكان ممّن قتل يوم المرج. وقال الفرزدق: ولولا بنو حسّان أسياف عزكم … لعاد نصاب الملك في آل هاشم ولكن أبى مروان أن يقبل التي … يسبّ أبو العاصي بها في المواسم (٢) ويقال: إنّه قال هذا حين بايع مروان لابنيه عبد الملك وعبد العزيز بالعهد. قال الكلبي: مرّ رجل يوم المرج فقال: وما ضرّهم غير حين النفو … س أيّ رئيسي قريش غلب ويقال: إنّ مروان رأى رجلا يعرفه صريعا فتمثّل بهذا البيت، ويقال: إنّ ابنه عبد العزيز قال له: يا أبه الله الله أن يسمع هذا منك أحد، فقال: صدقت يا بنيّ استرها على أبيك. وقال المدائني: أتي مروان برأس زياد بن عمرو العقيلي، وثور بن معن السلمي، فتمثّل بهذا البيت، وهو لأيمن بن خريم الأسدي. حدثني عبّاس بن يزيد البصري عن عبد العزيز بن عبد الحميد عن عوانة قال: وفد الوازع بن ذؤالة الكلبي على الحجّاج بن يوسف، وكانت عينه أصيبت يوم المرج، فقال له الحجّاج: ما الشجاعة؟ قال: غرائز

стр. 2413

يجعلها الله في الناس، فقد تجد الرجل شجاعا لا رأي له، فتلك الشجاعة الضارّة لصاحبها لأنّها تقدم به في غير حال الإقدام، وتحجم به في غير وقت الإحجام فيهلك ويهلك، وقد تكون الشجاعة نافعة لصاحبها إذا أقدمت به حين الإقدام، وأحجمت به في حين الإحجام، والله أصلح الله الأمير لقد رأيتني يوم مرج راهط وإنّ همّام بن قبيصة النميري لواقف وقد انفضّ عنه أصحابه، وإنّه من شجاعته لواقف لا يدري ما يصنع، لو فرّ لكان الفرار يمكنه، ولكن حمي أنفا فحمل عليّ وحملت عليه فبادرته بضربة على عاتقه فأرديته عن دابته، ثم نزلت إليه لأحتزّ رأسه فتفل في وجهي ثم قال: ألا يا بن ذات النوف أجهز على امرئ … يرى الموت خيرا من فرار وأكرما ولا تتركنّي بالحشاشة إنني … أكرّ إذا ما الناس مثلك أحجما فأخذت رأسه وأتيت به مروان، وقلت: هذا رأس همّام بن قبيصة، قال: أأنت قتلته؟ قلت: نعم، قال: فهل أعانك عليه أحد؟ قلت: نعم الله وانقضاء مدّته، فقال: هو والله كما قال الشاعر: وفارس هيجا لا يقام لبأسه … له صولة يزورّ عنها الفوارس وشدّة ليث ترهب الأسد وقعها … وتذعر منها العاويات العساعس جريء على الإقدام ليس بناكل … ولا يزدهيه الأحوشيّ المغامس قالوا: وقال مروان في حربه يوم المرج: لمّا رأيت الأمر أمرا صعبا … يسّرت غسّان لهم وكلبا ويروى: لمّا رأيت الناس مالوا جنبا … والسكسكيّين الرجال الغلبا والقين تمشي في الحديد نكبا … وطيّئا يأبون إلاّ ضربا

стр. 2414

ومن تنوخ مشمخرا صعبا … لا يأخذون الملك إلا غصبا فإن دنت قيس فقل لا قربا وقال أبو مخنف: جاء عبيد الله بن زياد، وعبد الرحمن بن عبد الله الثقفي، وهو ابن أمّ الحكم أخت معاوية إلى مروان، فقال عبد الرحمن: يا مروان إجمع إليك موالي بني أميّة فأنا أسلّحهم لك أجمعين، وقال عبيد الله بن زياد: وأنا أبذل لك من المال والقوّة على عدوّك ما شئت، واجتمع رؤوس أهل الشام ينظرون من يولّون، فقالوا: ما لكم في تولية الأحداث خير، وهذا مروان شيخ قريش، وسيّد بني أميّة، وهو ذو رأي وحيلة وتجربة للحرب، فقاموا إلى مروان فبايعوه، ثم بعثوا إلى أهل الأردنّ فجلبوهم وأقبلوا بهم يسيرون إلى الضحّاك، وأصحر الضحّاك حتى عسكر بمرج راهط، واستمدّ عمّال ابن الزبير فأمدّوه من الأجناد، فبعث مروان على ميمنته الحصين بن نمير السكوني، وعلى ميسرته عبد الرحمن بن أم الحكم، وعلى الخيل حسّان بن مالك بن بحدل، ومالك بن هبيرة بن خالد السكوني، وعلى الرجالة عبيد الله بن زياد، ثم زحف بهم فاقتتلوا أيّاما، ثم قتل الضحّاك بن قيس. وقال الكلبي والشرقيّ بن القطامي: كان الذي قتل الضحّاك زحنة بن عبد الله الكلبي، من بني تيم الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، وأخذ رأسه عليم بن رقيم التميمي، فقال الشاعر، وهو رويفع البلوي: ويوم لدى الضحّاك حين تألبت … علينا العدى من كل شرق ومغرب حشاه ابن تيم اللات زحنة ثعلبا … طريرا كقبس القابس المتلهّب

стр. 2415

قالوا: وكانت بيعة مروان بالجابية يوم الأربعاء لثلاث ليال خلون من ذي القعدة سنة أربع وستّين، ويقال: في رجب سنة أربع وستّين، وكانت وقعة مرج راهط ومقتل الضحّاك بن قيس الفهري في سنة أربع وستين. وقال ثمامة بن قيس بن حصن أحد بني العبيد من كلب: أشهدكم أنّي لمروان سامع … مطيع وللضّحّاك عاص مخالف قالوا: ولما برز مروان إلى المرج جعل الناس يقولون: أبا أنيس، أعجزا بعد كيس؟ فقال: نعم قد يكون العجز بعد الكيس. قالوا: وكانت مع بشر بن مروان يوم المرج راية يقاتل بها وهو يقول: إن على كلّ رئيس حقّا … أن يخضب الصعدة أو تندقّا ورأى مروان رجلا من محارب يقاتل في قلّة فقال له: لو انضممت إلى الناس فإنّك منفرد في قلّة، فقال: إنّ معنا مددا من السماء، فسرّ مروان وضحك وأمر قوما كانوا حوله أن ينضموا إليه، وقال سهم بن حنظلة: نصر الإله بني أميّة إنّه … من يعطه سيب الخلافة ينصر الوارثين محمّدا سلطانه … وجواز خاتمه وعود المنبر لما لقوا الضحّاك ضلّ ضلاله … في يوم موت للجبان محيّر حطّوا سيوفهم بحبل نخاعه … وفلقن هامته وراء المغفر ألق السلاح أبا خبيب إنّه … عار عليك وخذ وشاحي معصر لو أدركت زفر الضّلالة خيلنا … لتركنه لخوامع ولأنسر وقال ضبثم الكلبي. وقفت مع عبد العزيز بن مروان ومعي راية قومي فقال: إقدم بها يا ضبثم … فالموت قدما أكرم

стр. 2416

فإذا رجل يفري الفريّ، فأقبل حتى فرّق جمعنا عن عبد العزيز ثم طعنه فأرداه ثم نجله برمحه وقال خذها يدا مشكورة أو مكفورة، ثم انصرف فسألت عنه فقيل: هذا خالد بن الحصين الكلابي، وقتل خالد يوم المرج قتله بشر بن مروان وعمرو بن سعيد. وهرب زفر بن الحارث الكلابي إلى قرقيسيا وبها عياض فمنعه من دخولها، فقال له زفر بن الحارث: أوثق لك بالطلاق والعتاق إذا أنا دخلت الحمّام بها أن أخرج منها، فأذن له فدخلها فلم يدخل الحمّام وأقام بها، وأخرج عياضا عنها وتحصّن بها وثابت إليه قيس، وهذا قول من زعم أنّ زفر لم يحضر وقعة المرج. وهرب ناتل بن قيس الجذامي من فلسطين، فلحق بعبد الله بن الزبير بالحجاز. قال الواقدي: لما رأى قوم ناتل قوّة أمر مروان قالوا: إنّه لا طاقة لنا بمروان، فالحق بابن الزبير لتأمن، ونأمن فشخص إلى ابن الزبير. قال الهيثم عن عوانة: قال عبد الله بن صفوان الجمحي لأبي العبّاس الأعمى: أخبرني عن مروان، ويوم المرج؟ فقال: لم أسمع بمثله. وإنّه لكما قال حصين بن الحمام المريّ (١): ترى الموت لا ينحاش عنه تكرّما … وصبرا وإن كان القيام على الجمر حفاظا على ما أورثتنا جدودنا … وصبرا وما في الناس خير من الصبر بذلك أوصانا ابن عوف فلم نزل … على ملك نمضي لا نضجّ من الدهر

стр. 2417

فقال: ما أبصرك بأبي عبد الملك وإن قدر الله لابن الزبير شيئا فهو كائن، وإن أكبر ظنّي أنّه وبنيه سيملكون لأنّ عثمان ضمّ عبد الملك إلى صدره وقال: رأيتني وقد أخذت برنسي فوضعته على رأسه، وقد ولده أبو العاص مرتين. قالوا: وقاتل عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان، وأمه فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، مع الضحّاك يوم المرج، وكان يحمق، فأخذ أسيرا وأتى به عمرو بن سعيد الأشدق فقال له عمرو: يا أبا سليمان نحن نقاتل لنشدّد ملككم، وأنت تقاتل لتضعفه؟ فقال له: اسكت يا لطيم الشيطان. ومن رواية أبي مخنف أيضا: أنّه لما قدم عبيد الله بن زياد من البصرة فنزل الشام وجد بني أميّة بتدمر قد نفاهم ابن الزبير من مكة والمدينة والحجاز كلّه، وألفى الضحّاك بن قيس أميرا على الشام من قبل عبد الله بن الزبير، ووافى مروان وهو يريد الركوب إلى ابن الزبير ليبايعه بالخلافة، ويأخذ منه الأمان لبني أميّة فقال له ابن زياد: أنشدك الله أن تفعل أتنطلق وأنت شيخ قريش إلى أبي خبيب فتبايعه وهو منافق مضطرب الرأي، ولكن ادع اهل تدمر فبايعهم وسر بهم وبمن معك من بني أميّة ومواليهم وأتباعهم إلى الضحّاك حتى تخرجه من الشام، فقال عمرو بن سعيد: صدق والله عبيد الله، ثم قال عمرو: أنت سيّد قريش وفرعها وأنت أحقّ الناس بهذا الأمر، وإنّما ينظر الناس إلى هذا الغلام يعني خالد بن يزيد بن معاوية فتزوّج أمّه فيكون في حجرك، قال: ففعل مروان ذلك، ووعدها أن يولّي ابنها عهده، فتزوّج أم خالد، وهي فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ولقبها حبّة،

стр. 2418

وجمع بني أميّة فبايعوه بالإمرة عليهم، وبايعه مواليهم وأتباعهم، وبايعه أهل تدمر، ثم سار في جمع عظيم إلى الضحّاك، وهو يومئذ بدمشق، فلما بلغه خروج مروان إليه خرج بمن معه من أهل دمشق وغيرهم، وفيهم زفر بن الحارث، فاقتتلوا بمرج راهط أشدّ قتال، فقتل الضحّاك وعامّة أصحابه، وانهزم بقيّتهم وتفرّقوا، ولحق زفر بقرقيسيا فاجتمعت إليه قيس ورأّسوه عليهم فذلك حين يقول زفر بن الحارث. أريني سلاحي لا أبا لك إنّني … أرى الحرب لا تزداد إلاّ تماديا أتاني عن مروان بالغيب أنّه … مقيد دمي أو قاطع من لسانيا ففي العيس لي منجى وفي الأرض مهرب … إذا نحن رفّعنا لهنّ المثانيا فلا تحبسوني إن تغيّبت غافلا … ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا فقد ينبت المرعى على دمن الثّرى … وتبقى حزازات النفوس كما هيأ أتذهب كلب لم تنلها رماحنا … ونترك قتلى راهط وهي ماهيا وكان معه رجلان من سليم فلما حاص يوم المرج تركهما ونجا فلذلك يقول: فلم تر منّي نبوة قبل هذه … فراري وتركي صاحبيّ ورائيا فأجابه جوّاس بن القعطل، واسم القعطل ثابت، وهو أحد بني حصن بن ضمضم بن جناب الكلبي فقال: لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … على زفر داء من الداء باقيا يبكّي على قتلى سليم وعامر … وذبيان معذورا ويبكي البواكيا دعا بسلاح ثم أحجم إذ رأى … سيوف جناب والطوال المذاكيا عليها كأسد الغاب فتيان نجدة … إذا أشرعوا يوم الطعان العواليا

стр. 2419

قال الكلبي: وكان هشام بن عبد الملك في أيّامه عزل حنظلة بن صفوان الكلبي عن إفريقية، ولاّها عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، فأضرّ بمن هناك من كلب وتعصّب عليهم، فقال أبو الخطّار الحسام بن ضرار: أقادت بنو مروان قيسا دماءنا … وفي الله إن لم تعدلوا حكم عدل كأنّكم لم تشهدوا مرج راهط … ولم تعلموا من كان ثمّ له الفضل وقيناكم ورد القنا بنحورنا … وليس لكم خيل سوانا ولا رجل قال الكلبي: وكاد مروان يقتل يوم المرج فاستنقذه محرز بن حزيب بن مسعود أحد بني هزيم بن عديّ بن جناب الكلبي، هو والحراق بن حصين بن غرار أحد بني نوفل بن عديّ بن جناب، فرأى جوّاس بن القعطل من عبد العزيز بن مروان جفوة له وتقديما للحراق فقال له: ألا بئس امرئ من ضرب حصن … أضاع قرابتي وحبا الحراقا يقال في بني فلان ضرب نساء من فلان، وأمّ عبد العزيز كلبيّة من بني حصن. ومحترم على رأي أصيل … إذا ما شدّ حازمه النطاقا أبى لي أن أقرّ الضيم قوم … هم راخوا لمروان الخناقا وإني فاعلمنّ لذو انصراف … إذا ما صاحبي رام الفراقا فإلا تقبل الأمراء عذلي … ونصحي الغيب لا أهب (١) الشقاقا قال: وقتل همّام بن قبيصة فرثته عميرة بنت عامر الجعونيّة فقالت: لقد فجعتني الحادثات بسيّد … كريم نشاه من نمير (٢) بن عامر

стр. 2420

أعزّ إذا ماشى الرجال علاهم … بآباء صدق جدّهم غير عاثر هم يردون الموت إذ طاب ورده … ببيض خفاف في الأكف بواتر فإن كان همّام أتته منيّة … فما كان وقّافا غداة التغاور ولا حائدا عن قرنه إذ تبادرت … فوارس قيس بالرماح الشواجر لقد كر حتى ناله الموت مقدما … وحامى بمسنون الغرارين باتر فإن تك كلب أقصدته فربّما … رمى حيّ كلب بالدواهي الفواقر وغادرهم شتّى عزين فلولهم … على كل عد من مياه قراقر حدثنا خلف بن سالم المخزومي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن أشياخهم قالوا: لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يستخلف اجتمع أهل الأردنّ فبايعوا خالد بن يزيد، وهو يومئذ غلام شابّ، وأمّه أمّ هاشم بنت هاشم بن عتبة، وبايع أهل العراق والحجاز ابن الزبير، وأخرج أهل البصرة عبيد الله بن زياد فألحقوه بالشام، وذاك حيث أخرجه مسعود بن عمرو فيمن أخرجه من الأزد حتى أبلغوه الشام، فقدم ابن زياد الأردن على بني أميّة وقد بايعوا خالدا فقال: إنّكم قد أخطأتم الرأي في بيعة خالد، وقد بايع الناس ابن الزبير وهو ابن حواريّ رسول الله ﷺ ورجل له سنّ وصلاح في دينه وفضل وتبايعون أنتم غلاما حديث السنّ ليست له حنكة وتريدون أن تقارعوا به ابن الزبير؟ قالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن تبايعوا مروان بن الحكم فإنّ له سنا وفقها وفضلا، وتشترطون عليه أن يبايع خالد بن يزيد من بعده ففعلوا، وبعث ابن الزبير الضحّاك بن قيس الفهري فغلب على دمشق وناحية الشام والجزيرة، فحاربه مروان بمرج راهط فقتله.
следующие страницы →