← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

فإذا رجل يفري الفريّ، فأقبل حتى فرّق جمعنا عن عبد العزيز ثم طعنه فأرداه ثم نجله برمحه وقال خذها يدا مشكورة أو مكفورة، ثم انصرف فسألت عنه فقيل: هذا خالد بن الحصين الكلابي، وقتل خالد يوم المرج قتله بشر بن مروان وعمرو بن سعيد. وهرب زفر بن الحارث الكلابي إلى قرقيسيا وبها عياض فمنعه من دخولها، فقال له زفر بن الحارث: أوثق لك بالطلاق والعتاق إذا أنا دخلت الحمّام بها أن أخرج منها، فأذن له فدخلها فلم يدخل الحمّام وأقام بها، وأخرج عياضا عنها وتحصّن بها وثابت إليه قيس، وهذا قول من زعم أنّ زفر لم يحضر وقعة المرج. وهرب ناتل بن قيس الجذامي من فلسطين، فلحق بعبد الله بن الزبير بالحجاز. قال الواقدي: لما رأى قوم ناتل قوّة أمر مروان قالوا: إنّه لا طاقة لنا بمروان، فالحق بابن الزبير لتأمن، ونأمن فشخص إلى ابن الزبير. قال الهيثم عن عوانة: قال عبد الله بن صفوان الجمحي لأبي العبّاس الأعمى: أخبرني عن مروان، ويوم المرج؟ فقال: لم أسمع بمثله. وإنّه لكما قال حصين بن الحمام المريّ (١): ترى الموت لا ينحاش عنه تكرّما … وصبرا وإن كان القيام على الجمر حفاظا على ما أورثتنا جدودنا … وصبرا وما في الناس خير من الصبر بذلك أوصانا ابن عوف فلم نزل … على ملك نمضي لا نضجّ من الدهر

стр. 2417

فقال: ما أبصرك بأبي عبد الملك وإن قدر الله لابن الزبير شيئا فهو كائن، وإن أكبر ظنّي أنّه وبنيه سيملكون لأنّ عثمان ضمّ عبد الملك إلى صدره وقال: رأيتني وقد أخذت برنسي فوضعته على رأسه، وقد ولده أبو العاص مرتين. قالوا: وقاتل عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان، وأمه فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، مع الضحّاك يوم المرج، وكان يحمق، فأخذ أسيرا وأتى به عمرو بن سعيد الأشدق فقال له عمرو: يا أبا سليمان نحن نقاتل لنشدّد ملككم، وأنت تقاتل لتضعفه؟ فقال له: اسكت يا لطيم الشيطان. ومن رواية أبي مخنف أيضا: أنّه لما قدم عبيد الله بن زياد من البصرة فنزل الشام وجد بني أميّة بتدمر قد نفاهم ابن الزبير من مكة والمدينة والحجاز كلّه، وألفى الضحّاك بن قيس أميرا على الشام من قبل عبد الله بن الزبير، ووافى مروان وهو يريد الركوب إلى ابن الزبير ليبايعه بالخلافة، ويأخذ منه الأمان لبني أميّة فقال له ابن زياد: أنشدك الله أن تفعل أتنطلق وأنت شيخ قريش إلى أبي خبيب فتبايعه وهو منافق مضطرب الرأي، ولكن ادع اهل تدمر فبايعهم وسر بهم وبمن معك من بني أميّة ومواليهم وأتباعهم إلى الضحّاك حتى تخرجه من الشام، فقال عمرو بن سعيد: صدق والله عبيد الله، ثم قال عمرو: أنت سيّد قريش وفرعها وأنت أحقّ الناس بهذا الأمر، وإنّما ينظر الناس إلى هذا الغلام يعني خالد بن يزيد بن معاوية فتزوّج أمّه فيكون في حجرك، قال: ففعل مروان ذلك، ووعدها أن يولّي ابنها عهده، فتزوّج أم خالد، وهي فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ولقبها حبّة،

стр. 2418

وجمع بني أميّة فبايعوه بالإمرة عليهم، وبايعه مواليهم وأتباعهم، وبايعه أهل تدمر، ثم سار في جمع عظيم إلى الضحّاك، وهو يومئذ بدمشق، فلما بلغه خروج مروان إليه خرج بمن معه من أهل دمشق وغيرهم، وفيهم زفر بن الحارث، فاقتتلوا بمرج راهط أشدّ قتال، فقتل الضحّاك وعامّة أصحابه، وانهزم بقيّتهم وتفرّقوا، ولحق زفر بقرقيسيا فاجتمعت إليه قيس ورأّسوه عليهم فذلك حين يقول زفر بن الحارث. أريني سلاحي لا أبا لك إنّني … أرى الحرب لا تزداد إلاّ تماديا أتاني عن مروان بالغيب أنّه … مقيد دمي أو قاطع من لسانيا ففي العيس لي منجى وفي الأرض مهرب … إذا نحن رفّعنا لهنّ المثانيا فلا تحبسوني إن تغيّبت غافلا … ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا فقد ينبت المرعى على دمن الثّرى … وتبقى حزازات النفوس كما هيأ أتذهب كلب لم تنلها رماحنا … ونترك قتلى راهط وهي ماهيا وكان معه رجلان من سليم فلما حاص يوم المرج تركهما ونجا فلذلك يقول: فلم تر منّي نبوة قبل هذه … فراري وتركي صاحبيّ ورائيا فأجابه جوّاس بن القعطل، واسم القعطل ثابت، وهو أحد بني حصن بن ضمضم بن جناب الكلبي فقال: لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … على زفر داء من الداء باقيا يبكّي على قتلى سليم وعامر … وذبيان معذورا ويبكي البواكيا دعا بسلاح ثم أحجم إذ رأى … سيوف جناب والطوال المذاكيا عليها كأسد الغاب فتيان نجدة … إذا أشرعوا يوم الطعان العواليا

стр. 2419

قال الكلبي: وكان هشام بن عبد الملك في أيّامه عزل حنظلة بن صفوان الكلبي عن إفريقية، ولاّها عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، فأضرّ بمن هناك من كلب وتعصّب عليهم، فقال أبو الخطّار الحسام بن ضرار: أقادت بنو مروان قيسا دماءنا … وفي الله إن لم تعدلوا حكم عدل كأنّكم لم تشهدوا مرج راهط … ولم تعلموا من كان ثمّ له الفضل وقيناكم ورد القنا بنحورنا … وليس لكم خيل سوانا ولا رجل قال الكلبي: وكاد مروان يقتل يوم المرج فاستنقذه محرز بن حزيب بن مسعود أحد بني هزيم بن عديّ بن جناب الكلبي، هو والحراق بن حصين بن غرار أحد بني نوفل بن عديّ بن جناب، فرأى جوّاس بن القعطل من عبد العزيز بن مروان جفوة له وتقديما للحراق فقال له: ألا بئس امرئ من ضرب حصن … أضاع قرابتي وحبا الحراقا يقال في بني فلان ضرب نساء من فلان، وأمّ عبد العزيز كلبيّة من بني حصن. ومحترم على رأي أصيل … إذا ما شدّ حازمه النطاقا أبى لي أن أقرّ الضيم قوم … هم راخوا لمروان الخناقا وإني فاعلمنّ لذو انصراف … إذا ما صاحبي رام الفراقا فإلا تقبل الأمراء عذلي … ونصحي الغيب لا أهب (١) الشقاقا قال: وقتل همّام بن قبيصة فرثته عميرة بنت عامر الجعونيّة فقالت: لقد فجعتني الحادثات بسيّد … كريم نشاه من نمير (٢) بن عامر

стр. 2420

أعزّ إذا ماشى الرجال علاهم … بآباء صدق جدّهم غير عاثر هم يردون الموت إذ طاب ورده … ببيض خفاف في الأكف بواتر فإن كان همّام أتته منيّة … فما كان وقّافا غداة التغاور ولا حائدا عن قرنه إذ تبادرت … فوارس قيس بالرماح الشواجر لقد كر حتى ناله الموت مقدما … وحامى بمسنون الغرارين باتر فإن تك كلب أقصدته فربّما … رمى حيّ كلب بالدواهي الفواقر وغادرهم شتّى عزين فلولهم … على كل عد من مياه قراقر حدثنا خلف بن سالم المخزومي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن أشياخهم قالوا: لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يستخلف اجتمع أهل الأردنّ فبايعوا خالد بن يزيد، وهو يومئذ غلام شابّ، وأمّه أمّ هاشم بنت هاشم بن عتبة، وبايع أهل العراق والحجاز ابن الزبير، وأخرج أهل البصرة عبيد الله بن زياد فألحقوه بالشام، وذاك حيث أخرجه مسعود بن عمرو فيمن أخرجه من الأزد حتى أبلغوه الشام، فقدم ابن زياد الأردن على بني أميّة وقد بايعوا خالدا فقال: إنّكم قد أخطأتم الرأي في بيعة خالد، وقد بايع الناس ابن الزبير وهو ابن حواريّ رسول الله ﷺ ورجل له سنّ وصلاح في دينه وفضل وتبايعون أنتم غلاما حديث السنّ ليست له حنكة وتريدون أن تقارعوا به ابن الزبير؟ قالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن تبايعوا مروان بن الحكم فإنّ له سنا وفقها وفضلا، وتشترطون عليه أن يبايع خالد بن يزيد من بعده ففعلوا، وبعث ابن الزبير الضحّاك بن قيس الفهري فغلب على دمشق وناحية الشام والجزيرة، فحاربه مروان بمرج راهط فقتله.

стр. 2421

حدثني هشام بن عمّار قال: ذكروا أنّ مروان قال عجبت للضحّاك يقاتلني، وإنّما قتل أباه تيس حبلّقيّ (١)، فأدركوه وما به حيص ولا بيص فقتل هذا عبد الرحمن ابنه فنال سوءة. وقال مروان لابن زياد: إيّاك والفرار يا بن زياد فقال ابن زياد: سيعلم مروان ابن فسوة أنّني … إذا التقت الخيلان غير حيود فقال مروان: وأيّ أمّهاتي فسوة إنّه لشديد العضيهة (٢)، رمتني بدائها وانسلت، وأقبل رجل يريد مروان، فقال: يا بن زياد الرجل فشدّ عليه ابن زياد فقتله. وقال حبيب بن كرز: كانت معي راية مروان يوم المرج فدفع بنعل سيفه في ظهري، وقال: ادن بها لا أبا لك فإنّ هؤلاء لو قد وجدوا ألم الجراح انفرجوا. المدائني عن مسلمة بن محارب عن أبيه: أنّ مروان غزا أهل مصر فامتنعوا منه، وتحصّنوا فقاتلهم حتى ظهر عليهم، ثم رجع إلى الأردن فخطب أمّ خالد فدعت ابنها فذكرت له ذلك فنهاها، وقال: والله ما له فيك حاجة وما يريد إلاّ فضيحتي والتقصير بي وإسقاط منزلتي في الناس، فأبت إلاّ أن تزوّجه فلما كانت ليلة البناء وأدخلت عليه جلست معه على فراشه، فأقبل ينظر إلى سقف البيت ويحدث نفسه ولم يكلمها حتى أصبح، فخرج إلى الصلاة وأرسلت إلى صاحب شرطه ألا ترى إلى ما صنع بي صاحبك من الاستخفاف، وقد عصيت الناس فيه فدخل على مروان فذكر له ذلك،

стр. 2422

فقال: صدقت قد فعلت، إنّي كنت وأنا شاب مقبلا على أمر آخرتي، ولا أوثر عليها شيئا، فلما كبرت سنّي واقترب أجلي آثرت دنياي على آخرتي، فليس يعرض لي أمران أحدهما للدنيا إلاّ آثرته، فأتيت بها وأنا في ذلك فشغلني عنها، ثم إنّ مروان استخلف بابنها خالد وأقصاه فدخل عليه يوما فكلمه في شيء فأغلظ له وتجهّمه، فردّ عليه خالد، فقال له مروان: أراك تجيبني يا بن الرطبة. فقال له: أمين مختبر، وخرج الفتى إلى أمّه فأخبرها فقالت: أفعل؟ قال: نعم، قال: فزعم بعض الناس أنّها سقته شربة لبن مسموم فقتلته، وزعم بعضهم أنّها ألقت على وجهه مرفقة حين أخذ مضجعه بعد العشاء الآخرة، ووثبت عليه وهي وجواريها فغممته حتى أتين على نفسه ثم صرخن وقالت: مات فجاءة، وكان بين بيعته وموته سنة وبايع لابنه عبد الملك، ولعبد العزيز من بعده، ونقض بيعة خالد، ولما ولي عبد الملك ولّى أخاه عبد العزيز مصر، فلم يزل عبد العزيز عليها حتى مات بها. المدائني عن خليد بن عجلان، قال: كان من بني طابخة كلب سبعة إخوة جاء كلّ واحد منهم برأس يضعه فيقول: أنا ابن زرارة، فقال مروان: إنّ زرارة كان مخبثا مكثرا فقيل له: أمسك عن هذا وإلاّ لم يقاتل معك أحد. قال الواقدي في بعض روايته: كان ابن زياد قال لمروان حين بويع: إنّي ذاهب إلى الضحّاك بن قيس فمبايعه لابن الزبير ومخبره إنّي قد كرهتكم، فقدم ابن زياد على الضحّاك فبايعه فسر بذلك، وجعل ابن زياد يدبّ في الناس فيفسدهم ويدعوهم إلى مروان، وكان ابن زياد أعطى مروان مالا

стр. 2423

عظيما فأنفقه على جيشه، ولم يزل ابن زياد حتى لطفت الحال بينه وبين الضحاك ووثق به، فقال له: والله العجب لرأيك في بيعتك ابن الزبير وأنت أولى بهذا الأمر منه، أنت شيخ قريش اليوم وسيّدها فادع الناس إلى بيعتك، فلم يزل به حتى خلع ابن الزبير، ودعا إلى نفسه فاختلف عليه جنده، ثم عاد إلى أمره فكتب ابن زياد إلى مروان: إنّي قد صدعت على الرجل أمره وأفسدته، فأقبل مروان حتى نزل مرج راهط، فأراد الضحّاك أن يغلق أبواب مدينة دمشق ويتحّصن فيها، فقال له ابن زياد: ألا تستحي ممّا تريد أن تصنع والناس كلّهم معك، أخرج إليه فقاتله، وأنا معك فأخرجه، فلما التقوا انصرف ابن زياد إلى مروان بمن كان تابعه فقتل الضحّاك وقتلت قيس معه يومئذ قتلا ذريعا، وكانت قيس زبيريّة إلاّ قليلا منهم كانوا مع مروان، فذلك حيث يقول القائل: إن تك قتلى راهط قد تنوسيت … فسقيا لأصداء هناك وهام ودخل مروان دمشق فبايعه أهلها، واستوسقت له الشام والجزيرة وبايعه أهلهما. حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: قتل الوازع بن ذؤالة الكلبي همّام بن قبيصة، فقال وعتب على بعض الأمراء: أتنسى الذي أسديته يوم راهط … وقد ضاق عنك المرج والمرج واسع وأقبل حادي الموت يحدو مشمّرا … بفرسان حرب لم ترعها الروائع عليها قروم من قضاعة سادة … لهم شيم محمودة ودسائع إذا لقحت حرب مرتها سيوفهم … وأيد طوال لم تخنها الأشاجع

стр. 2424

يرون ورود الموت حقا عليهم … إذا حاد عن ورد المنايا المخادع فكم من كريم قد تركنا ملحّبا … وآخر قد سدّت عليه المطالع قال: ورثت همّاما عميرة الجعونيّة فقالت: لعمري لقد قرّت عيون كثيرة … بمصرع همّام وما كان مدبرا لقد صادفت منه المنايا مجرّبا … صبورا على دفع الصوارم قسورا أبيت فلم تلحق بعرضك سبّة … وغامرت في ورد من الموت أحمرا

стр. 2425

مقتل النعمان بن بشير ابن سعد بن ثعلبة من بني الحارث بن الخزرج قالوا: لما بلغ النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله تعالى عنه الهزيمة يوم مرج راهط، ومقتل الضحّاك بن قيس الفهري، وهو على حمص من قبل ابن الزبير خرج ليلا هاربا منها يريد المدينة، ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبي، ومعه ثقله وولده فتحيّر ليلته كلّها، وأصبح أهل حمص فطلبوه وكان الذي جدّ في طلبه رجل من الكلاعيّين يقال له عمرة بن الخليّ قد كان النعمان حدّه في الخمر ومعه غوغاء أهل حمص، فلحقه فقتله، فأقبل برأسه وبنائلة امرأته وولدها فألقى الرأس في حجر أمّ أبان بنت النعمان بن بشير، وهي التي كانت عند الحجّاج بن يوسف بعد فقالت نائلة امرأة النعمان: ألقوا الرأس إليّ فإنّي أحقّ به فألقي الرأس في حجرها، ثم أقبلوا بهم إلى حمص فجاء من بحمص من كلب فأخذوا نائلة وولدها وبعثوا بثقله إلى المدينة، ويقال: انّهم بعثوا بولده وامرأته نائلة إلى المدينة. وكان النعمان رضي الله تعالى عنه أوّل مولود في الإسلام من الأنصار بالمدينة.

стр. 2426

وقال الضحّاك بن فيروز بن الديلمي من أبناء اليمن: أصحوت أم سلبت فؤادك دوسر … أم أنت عن أبيات دوسر أزور زعموا بأنّ أخا التفضّل والندى … قتلته غدرا إذ تعاوت حمير غدروا بنعمان بن سعد غدرة … ولرأس حمير مثلها أو أكثر في أبيات. وقال عبد الرحمن بن الحكم: إن يمكن الله من خاء ومن حكم … ومن جذام نقتّل صاحب الحرم نفري جماجم أقوام على حنق … فريا ينكّل عنّا سائر الأمم وقال عمرو بن مخلّى الكلبي: رددنا لمروان الخلافة بعد ما … جرى للزّبيريّين كلّ بريد وقال أيضا: أصابت رماح القوم بشرا وثابتا … وثورا وكلّ للعشيرة فاجع وأدرك همّاما بأبيض صارم … فتى من بني عمرو صبور مدافع فأجابه زفر: فخرت ابن مخلاة الحمار بمشهد … علاك به بالمرج من قد تدافع علاك به قوم كأنّك بينهم … إذا الحرب شبت ثعلب متضالع وقال ابن طرامة الكلبي: وبادية الجواعر من نمير … تنادي وهي حاسرة النقاب قتلنا منكم ألفين صبرا … وألفا بالتلاع وبالروابي

стр. 2427

فتح مروان مصر قالوا: وخرج مروان بعد ما اجتمع له أمر الناس بالشام إلى مصر وذلك في جمادى سنة خمس وستّين، واستخلف ابنه عبد الملك على دمشق، وكان والي مصر من قبل ابن الزبير عبد الرحمن بن عتبة بن أبي إياس بن الحارث بن عبد أسد بن جحدم بن عمرو بن عابس بن ظرب بن الحارث بن فهر، فوجّه ابن جحدم إلى مروان ثلاثة آلاف فارس عليهم السائب بن هشام بن عمرو بن ربيعة العامري، وكان مروان لما مرّ بفلسطين أشار عليه روح بن زنباع بأخذ ابنين له كانا هناك، ويقال: إنّهما كانا برفح فكانا رهينة عنده، وقال قوم: إنّ الغلامين كانا ابني ابن جحدم، فلما لقي السائب مروان بجمعه دون الفسطاط أمر أن يوقف الغلامان بين الخيلين ويقال له: يقول لك أمير المؤمنين: قد ترى هذين الغلامين، والذي نفسي بيده لتصرفنّ خيلك إلى الفسطاط أو لأضربنّ أعناقهما ولأرمينّ إليك برؤوسهما فانصرف السائب راجعا إلى الفسطاط، فغضب ابن جحدم فقال كريب بن أبرهة الحميري: إنّه لم يبتل بمثل ما ابتلي به السائب أحد إلاّ فعل مثل فعله

стр. 2428

فرضي، ووجّه مروان عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق إلى ابن جحدم في أربعة آلاف، فأخرج إليه ابن جحدم خيلا فاقتلوا فهزم المصريّون وصالح ابن جحدم مروان على أن يخلّي مصر ويلحق بمأمنه، فلحق بابن الزبير وصارت مصر في يد مروان، وكان الذي سفر بين ابن جحدم وعمرو بن سعيد كريب بن أبرهة بن الصبّاح الحميري. وقال الكلبي: قتل عبد الرحمن بن عتبة بن أبي إياس بن جحدم. قال جرير: هلا سألت بهم مصر التي نكثت … وراهطا يوم يحمي الراية البهم (١) ودخل مروان الفسطاط حتى فتحت مصر، وولّى عقبة بن نافع الفهري حربها وصلاتها وجباياتها، فلم يزل واليها حتى مات مروان، فولاّها عبد الملك أخاه عبد العزيز، وكان مروان أوصاه بتوليته إيّاها عند مصير الأمر إليه فيما يقال، وولّى مروان عبد الملك فلسطين حين صار إلى دمشق. قالوا: ولما أقبل راجعا يريد دمشق بلغه أنّ عبد الله بن الزبير قد بعث أخاه مصعبا نحو فلسطين حين بلغه خبر ناتل واقباله إليه هاربا، فوجّه إليه عمرو بن سعيد في جيش لهام، فلقيه عمرو قبل أن يدخل إلى الشام، فقاتله عمرو فهزم أصحابه، فرجع ورجعوا إلى الحجاز ورجع عمرو بن سعيد إلى مروان. المدائني عن مسلمة وغيره: أنّ مروان ولّى عبد الملك فلسطين، وجعل روح بن زنباع خليفة لعبد الملك عليها، وشخص مروان يريد

стр. 2429

دمشق، فلما كان بالصنّبرة (١) من عمل الأردنّ بلغه أنّ مالك بن هبيرة السكوني يقول: شرط لي مروان بالمرج أن يجعل لي ولقومي كورة البلقاء، وكان عمرو يقول: الأمر لي بعد مروان، وذلك أنّ مروان كان يعده ذلك ليستنزل به طاعته ونصيحته، وكان خالد بن يزيد بن معاوية يقول: الأمر لي بعد مروان، فقال مروان لحسّان بن مالك بن بحدل: إنّ قوما يزعمون أنّي اشترطت لهم شروطا ووعدتهم عدات منهم: عطّارة مكحّلة مخضّبة، يعني مالك بن هبيرة، فقال مالك: هذا ولم تفتح تهامة ولم يبلغ الحزام الطبيين (٢)، فقال مروان: يا أبا سليمان إنّما داعبناك، ومنهم عمرو بن سعيد يزعم أنّي جعلت له الخلافة ويطمع نفسه فيها، ومنهم خالد بن يزيد، وقال: إنّي أريد البيعة لعبد الملك ولعبد العزيز من بعده بالعهد فقال حسّان: أنا أكفيك هذا الأمر، فلما اجتمع الناس عند مروان قام ابن بحدل فقال: إنّه يبلغنا أنّ رجالا يتمنّون أمانيّ ويدّعون أباطيل، فقوموا فبايعوا لعبد الملك ابن أمير المؤمنين بالعهد، ولعبد العزيز من بعده، فقام الناس فبايعوا مسارعين من عند آخرهم. وكان مروان قال لحسّان بن مالك بن بحدل: بلغني أنّك تقول: إنّي اشترطت على مروان أن يولّي خالد بن يزيد الخلافة بعده، فحداه ذلك على الجدّ في بيعة ابنيه ليكذب ما أبلغ مروان عنه، ولقي عمرو بن سعيد حسّان بن مالك فقال: ما أسرع ما خرت! فقال: اسكت يا لطيم الشيطان، ثم إنّ مروان عقد لعبيد الله بن زياد بدمشق ووجّهه

стр. 2430

إلى الجزيرة والعراق فقتل بالموصل، قتله ابراهيم بن الأشتر، وسنذكر خبره فيما يستقبل إن شاء الله. وقال الهيثم بن عديّ: خرج مروان إلى مصر فقتل حمام بن أكدر اللخمي، وهلال بن عمرو، وفتحها ثم انصرف، فلما كان بالأردنّ بايع لعبد الملك وعبد العزيز، وخلع خالد بن يزيد، وعمرو بن سعيد (١).

стр. 2431

خبر يوم الربذة قالوا: ووجّه مروان جيشا من فلسطين أو غيرها مع حبيش بن دلجة القيني أحد بني وائل بن جشم إلى ابن الزبير، في ستّة آلاف وأربعمائة فيهم يوسف بن الحكم الثقفي ومعه ابنه الحجّاج بن يوسف، وكانوا يتنزّلون على الناس ولا يعطون أحدا لشيء ثمنا، فلما صاروا إلى وادي القرى هرب عامل عبد الله بن الزبير منها فوضعوا على أهلها ضريبة أدّوها إليهم، ونزلوا بذي المروة فلقي أهلها منهم عنتا. وبلغ أهل المدينة خبر جيش حبيش بن دلجة، فتغيّب بشر من الصالحين، وقيل لسعيد بن المسيّب: لو تغيّبت أو أتيت البادية، فقال: فأين فضل الجماعة، والله لا رآني الله والناس أخوف عندي منه، وهرب عامل ابن الزبير وهو المنذر، ويقال: عبيدة بن الزبير، ويقال: جابر بن الأسود بن عوف، وكان عبد الله بن الزبير لما بلغته حركة هذا الجيش حين أنفذ، كتب إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، والحارث هو القباع، وكان عامله على البصرة، يأمره أن يوجّه إليه جيشا كثيفا، وكتب إلى ابن مطيع وهو عامله

стр. 2432

على الكوفة بمثل ذلك، فوجّه الحارث الحنتف بن السجف التميمي، ثم أحد بني العجيف بن ربيعة بن مالك بن حنظلة في ثلاثة آلاف، ويقال في ألفين، ووجّه ابن مطيع محمد بن الأشعث بن قيس في ألفين من أهل الكوفة، ووجّه ابن الزبير من مكة مسروقا النصري، وقدم حبيش بن دلجة فعسكر بالجرف، وكان مروان امره أن لا يعرض لأهل المدينة، وأن لا يكون صمده وقصده إلاّ لمن يوجّهه ابن الزبير للمحاربة، فالتقى النصري وحبيش بالمنبجس (١)، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان أول الوقعة لابن الزبير ثم صارت الدولة لحبيش وأهل الشام، فقتلوا من أصحاب النصري خلقا، وهزموهم، فأمر ابن دلجة بدفن من قتل من أصحابه وبقي أصحاب النصري بالعراء تأكلهم السباع والطير، وقدم محمد بن الأشعث بن قيس، فلما بلغه خبر الوقعة تداخله وأصحابه رعب وهيبة، فانكفأ منصرفا إلى الكوفة، وكتب ابن الزبير إلى ابن مطيع بتولية محمد بن الأشعث الموصل إذا وافاه، وقد روي: أنّ محمدا كان بالموصل واليها وأنّ القادم بالجيش والمنصرف عن حبيش عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، والله أعلم. قالوا: ودخل حبيش المدينة، فنزل دار مروان وخطب على منبر رسول الله ﷺ ، فقال: يا أهل المدينة نفاقكم قديم بقول الله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٢) كيف رأيتم صنع الله بكم، والله لا يتكلّم

стр. 2433

أحد منكم بكلمة إلا ضربته بسيفي هذا. قال الهيثم بن عديّ: كان حبيش بن دلجة يأكل التمر على منبر رسول الله ﷺ ، ويحذف أهل المدينة بالنوى، ويقول إنّي لأعلم أنّه ليس بأكل تمر، ولكنّني أحببت أن أعلمكم هو انكم عليّ، وقيل له: إنّ بها الأنصار ولهم بك قرابة فقال: إنّهم خذلوا أمير المؤمنين عثمان. وبلغ حبيشا قرب الحنتف بن السجف، فأشير عليه أن يتلقّاه ولا يمهله حتى يصير إلى المدينة فيعينه أهلها ومن حولها، ويأتيه مدد عبد الله بن الزبير، فجمع حبيش أصحابه وقوّاهم بالسلاح والعدّة، وسار ليلقي الحنتف فيحاربه دون يثرب، فسار في أربعة آلاف من أصحابه، وخلّف بالمدينة سائر من معه وولّى أمرهم رجلا من أهل الشام يقال له ثعلبة، وخرج معه من أهل المدينة يزيد بن يزيد أخو السائب بن يزيد الذي يعرف بابن أخت النمر، وهو كندي حليف في قريش، وذكوان مولى مروان، وكعب مولى سعيد بن العاص، وعبيد الله بن إياس بن أبي فاطمة في آخرين، فلما انتهى إلى الربذة وجد الحنتف قد وردها قبله بيوم، فجعل حبيش يدعو إلى طاعة مروان، والحنتف يدعو إلى طاعة عبد الله بن الزبير، ثم إنّهما التقيا في وقت الظهر، وكان للحنتف ألف فارس قد أكمنهم في غيابة من الأرض، أي هبطة، وعليهم رجل من قومه يقال له رباح، فاقتتل البصريّون والشاميّون ساعة والشاميّون ظاهرون، ثم إنّ كمين الحنتف خرج عليهم، فلم يشعروا إلاّ وهم من ورائهم فانهزم أصحاب حبيش في كلّ وجه وقتل حبيش بن دلجة عند حوافر الخيل وتقطّع أصحابه، ويقال: إنّ أصحاب حبيش كرّوا بعد الهزيمة، وثابوا فنادى رجل من أصحاب

стр. 2434

الحنتف: هل من مبارز فبارزه رجل من الشاميّين، فلم يلبث أن قتله البصري وأخذ هميانا معه وجرّده فأغضب ذلك حبيشا فقال: هل من مبارز، فبارزه الرجل الذي قتل الشامي وأخذ هميانه، فضرب حبيشا ضربة أثخنته، ثم ثنى بأخرى فقتله، وانهزم الشاميّون فقتلوا قتلا ذريعا، وأسر منهم خمسمائة، ويقال أكثر، وهرب منهم ثلاثمائة فأتوا المدينة فاستخفوا بها، ثم قدر عليهم فخلطوا بالأسرى، وهرب يوسف بن الحكم وقد أردف الحجّاج ابنه خلفه، فلم يعرّج دون نخل، فكان الحجّاج يقول: ما أقبح الهزيمة، لقد كنت ورجل آخر - يعني أباه - في جيش حبيش بن دلجة فانهزمنا فركضنا ثلاثين ميلا حتى قام الفرس، وإنّه ليخيّل إلينا أنّ رماح القوم في أكتافنا. قالوا: ولم يقتل رجل من أصحاب ابن دلجة إلاّ كان أقلّ ما وجد معه مائة دينار. وقال توسعة من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة: ونجّى يوسف الثقفي ركض … دراك بعد ما سقط اللواء ولو أدركنه لقضين نحبا … به ولكلّ مخطأة وقاء يريد لكلّ نفس مخطأة، وكان مع يوسف لواء، ويقال: أراد أنّه حين قتل حبيش سقط لواء القوم عند الهزيمة. قالوا: وقدم الحنتف بن السجف بالأسارى إلى المدينة، فتطلّع أهل المدينة إلى قدومه وتلقّوه واستبشروا به وجعل قوم يقولون: ليس هو الحنتف إنما هو الحتف، وهرب ثعلبة حليفة حبيش، ويقال طرده أهل المدينة، ويقال إنّ قوما من أهل المدينة وثبوا به فقتل والله أعلم، وبعث عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا لقتل الأسارى لا غير، وقوم يقولون: ولاّه المدينة، فلما قدم

стр. 2435

المدينة قتل أولئك الأسارى، ثم انصرف إلى مكة، وكان جميع من قتل ثمانمائة أسير، وكان قتله إيّاهم بالحرّة في مصارع ابن الغسيل وأصحابه، وجعل مصعب لمن جاء بيوسف بن الحكم وابنه أو أحدهما جعلا فلم يقدر عليهما، وكان يزيد بن يزيد أخو السائب بن يزيد في الأسارى، فدعا به مصعب أوّل الأسارى فقال: أي عدوّ الله ألست الذي صنعت بالحرّة ما صنعت، فلم ترض بذلك حتى عدت الثانية مع ابن دلجة، ألدين طلبت ذلك أم لدنيا، إنّك لصفر منهما، وأمر به فقتل في الموضع الذي قتل فيه مسلم بن عقبة أسراء الحرّة، فكان السائب أخوه يقول: لقد مرّ بنا من صياح من صاح بنا من النساء والصبيان بالشماتة والفرح بمقتل يزيد ما كان أشد علينا من قتله، وقيل لسعيد بن المسيّب ألا تعزي السائب عن أخيه؟ فقال: لا ﵀، والله إنّي لأحسب السائب قد سرّ بقتله، وأخذ في المعركة يوم الربذة ذكوان مولى مروان، وكعب مولى سعيد بن العاص وابن أبي فاطمة، فقال مصعب: السيف أروح لهم، فضربهم بالسياط ضربا شديدا. وقال الواقدي: جعلت المرأة من أهل المدينة تأتي الحنتف فتقبّل رأسه وتقول شفيت النفوس وثأرت لنا بقتلى أهل الحرّة، وكان انصراف الحنتف إلى البصرة مع مصعب حين ولاّه إيّاها أخوه عبد الله بعد. يّام الربذة، ويقال: إنّ ابن الزبير أمره أن ينفذ إلى الشام فيغير على أطرافه، فمات بوادي القرى وأهل المدينة يقولون: أمر ابن الزبير حنتفا أن يقيم بالمدينة ليعاضد عامله فلم يزل مقيما حتى وجّه عبد الملك طارقا مولى عثمان إلى وادي القرى فلقيه

стр. 2436

الحنتف بموضع يقال له شبكة الدوم فقتله طارق، وقال بعضهم: واقعة بوادي القرى والله أعلم. قالوا: وخطب المصعب بالمدينة فقال: يا أهل المدينة احمدوا الله على ما ابلاكم وأولاكم من نفي عدوّكم عن ساحة بلادكم واتقوا الله واسمعوا وأطيعوا فقد غضبنا لما انتهك من حرمتكم حتى أقادكم الله من عدوّكم، فأعينوا رحمكم الله ولاتكم، وليبلغ أمير المؤمنين أصلحه الله ما يحبّ عنكم، وأقام بالمدينة خمسة أيام ثم رجع إلى مكة، وشخص معه الحنتف ثم ولاّه أخوه العراق، فشخص إلى البصرة، وولّى عبد الله بن الزبير المدينة عبد الله بن عبيد الله بن أبي ثور حليف بني عبد مناف، وهو الذي خطب ذات يوم فقال: اتّقوا الله وخافوه فإنّ عقابه شديد، وقد علمتم ما صنع بالقوم الذين عقروا ناقته، وإنما قيمتها خمسمائة درهم فسمّي مقوّم الناقة. وقال الهيثم بن عديّ وغيره: وجّه مروان عبيد الله بن الحكم أخاه مع حبيش، وقال: إنّ حدث بحبيش حدث فأنت على الجيش، فقتله الحنتف يوم الربذة في المعركة. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأبو خيثمة زهير بن حرب قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: بعث ابن الزبير جيشا فلقي ابن دلجة بوادي القرى فهزمه ابن دلجة، وقدم الحنتف بن السجف في ثمانمائة، وابن دلجة في أربعة آلاف، فاقتتلوا بالربذة فقتل حبيش وعامة أصحابه، ولحق باقوهم بالشام. وقال أبو مخنف في بعض رواياته: انتهى ابن دلجة إلى المدينة، وعليها جابر بن الأسود بن عوف الزهري، فهرب جابر، ولما سمع ابن دلجة بمسير

стр. 2437

الحنتف إليه سار من المدينة نحوه ووجّه عبد الله بن الزبير عبّاس بن سهل بن سعد الساعدي إلى المدينة وأمره أن يسير في طلب ابن دلجة ويحاربه إلى قدوم الحنتف وأهل البصرة، فأسرع في إثره وهو متوجّه نحو الربذة، لأنّه أشير على ابن دلجة بأن يتلقّى الحنتف ولا يواقعه بالمدينة، فلحقه بالربذة وقد وافى الحنتف وأهل البصرة، وكان بعض أصحاب ابن دلجة قال له: لا تعجل إلى قتال أهل البصرة، فقال: لا والله لا أنزل حتى أشرب من مقندهم يعني سويقهم، فاقتتلوا فجاء ابن دلجة سهم غرب فقتله، وقتل المنذر بن قيس الجذامي، وتحرّز من الشاميّين في عمود الربذة نحو من خمسمائة، فحصرهم عبّاس بن سهل والحنتف، فعرض عليهم الحنتف أن ينزلوا على حكمه فلم يفعلوا، فقال لهم عبّاس: انزلوا على حكمي، وكانوا له أرجى منهم للحنتف للأنصاريّة وأنّه يماني الأصل، فنزلوا فضربت أعناقهم ورجع الفلّ إلى الشام. وحدثني زهير بن حرب، وخلف بن سالم، وأحمد بن إبراهيم الدورقي قالوا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت المدنيّين تحدّثوا قالوا: لما رجع حصين بن نمير واستوسقت البلاد كلّها لابن الزبير والشام أيضا غير طبريّة مدينة الأردن، بلغ عمرو بن سعيد أنّ الضحّاك بن قيس وهو عامل ابن الزبير ليس بمناصح له، فقال لمروان: ما يمنعك من طلب الخلافة وأنت شيخ قريش وكبيرها وسيّدها، وأحقّ بهذا الأمر من غيرك فقال مروان: ليست لي بالضحّاك طاقة، قال: بلى إن شئت نكحت أمّ خالد بن يزيد فيصير موالي معاوية وأتباعهم معك، قال: فدونك فأتاها عمرو بن سعيد، فقال لها: أما تريدين أن يرجع ملك أهل بيتك؟

стр. 2438

فقالت: بلى، قال: فما الذي يمنعك من شيخ قريش وسيّدها فلم يزل بها حتى فعلت، فقوي أمر مروان، واشتدّ عليه الضحّاك في البيعة لابن الزبير فقال اخرج إلى المرج حتى أشترط عليك على رؤوس الناس أشياء ثم أبايعك، وقد كان مروان أراد أن يبايع لابن الزبير قبل ذلك، فاتّعدوا المرج على أن يغدوا إليه فقال مروان لعمرو: اركب فرسك الفلاني - وكان ذلك الفرس خبيث الخلق لا يمشي إلاّ معترضا ويكدم كلّ دابّة تكون إلى جانبه - ثم سر بيني وبين الضحّاك فإنّي سأتأذى بك وبفرسك فآمرك أن ترجع فتركب غيره، فإذا رجعت فأغلق أبواب المدينة عليك، وخلّ بيني وبين العبد حتى يحكم الله ثم بيني وبينه، وخرج مروان وعمرو والضحّاك فلما جاوز المدينة جعل فرس عمرو يكدم ويعترض ولا يستقيم فقال له مروان: ما هذا الشيطان تحتك؟ ارجع فاركب غيره، فرجع، وكان محبّبا في أهل الشام، فأغلق عليه أبواب دمشق، ومضى مروان وصاحبه وجعل الضحّاك يقول ساعة بعد ساعة: يا مروان أين عمرو؟ فيقول: يلحقنا. حتى نزل المرج، فقال: هلم حتى يلتئم الناس، وينزلوا، فأمر الضحّاك بمنبره فنصب وانخزل مروان فانضمّت إليه كلب وسائر السفيانيّة وقد واطأهم، وبعث إلى الضحّاك: مالك ولهذا الأمر لا أمّ لك، وأنت رجل من محارب بن فهر، وإنّما هذا الأمر في بني عبد مناف، وأنت وإن أظهرت الدعاء لابن الزبير، فإنّه رجل من بني أسد بن عبد العزّى، فتزاحفوا بالمرج، ومع مروان أهل اليمن، ومع الضحّاك قيس، فاقتتلوا فقتل الضحّاك وهزمت قيس، وفي ذلك يقول زفر بن الحارث: لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … لدى المرج صدعا بيننا متباينا

стр. 2439

ووجّه مروان حبيش بن دلجة في جيش إلى ابن الزبير، وبلغ ابن الزبير أنّه قد يسّر له جيش، فكتب إلى عامله على البصرة في توجيه جيش إليه، فوجّه الحنتف التميمي، فقيل لحبيش: قاتله قبل دخوله المدينة، فلقيه بالربذة فقتله الحنتف وقتل الشامييّن. وحدثني أبو خيثمة وأحمد بن إبراهيم عن وهب بن جرير عن جويرية قال: بلغني أن زفر بن الحارث قال ذات يوم: أيّ المصائب أشدّ؟ فقال بعض القوم: المصيبة بالولد، وقال بعضهم: المصيبة بالوالد، وقال بعضهم: المصيبة بالأخ، فقال زفر: ما مصيبة أشدّ من مصيبة في مال، لقد رأيتني عشيّة راهط وانهزمنا ومعي بنون لي أربعة، ولي مع الأكبر مائتا دينار وعطفت علينا الخيل، فقلت للأكبر حين غشيتنا الخيل: ادفع النفقة التي معك إلى أخيك فلان وردّ عنّا الخيل، فدفع الدنانير إلى أخيه وقاتل حتى أصيب، ثم لحقتنا الخيل، فقلت: يا فلان ادفع النفقة إلى أخيك فلان وردّ عنا الخيل، فما زلت أقول هذا القول حتى أصيب الثلاثة، ثم قلت للرابع: ادفع النفقة إلى فلان مولانا ورد عنا الخيل، ففعل وقاتل حتى قتل، وقتل مولانا، فما وجدت على أحد من ولدي كما وجدت على مولاي في ذلك لمكان نفقتي. واجتمع أهل الشام لمروان فعاش ثمانية أشهر ثم هلك، فبلغني أنه كان بينه وبين خالد كلام فقال له مروان: يا بن الرطبة فقال خالد: والله لئن كان أؤتمن فما أدّى الأمانة ولا أحسن، ودخل على أمّه فقال لها ما صنعت بي، قال لي مروان على رؤوس الناس كذا، فقالت: أما والله لا تسمع منه

стр. 2440

شيئا تكرهه أبدا فسقته شرابا فيما يزعمون مسموما فلم يزل يضطرب حتى مات. قال جويرية: وبلغني أنّ مروان قد كان بايع لعبد الملك ولعبد العزيز من بعده، واشترط على عبد الملك أنّ مصر لعبد العزيز حياته ليس لعبد الملك أن يعزله. وحدثني هشام بن عمّار الدمشقي قال: أقصى مروان خالد بن يزيد بن معاوية وجفاه فدخل عليه يوما وهو يتمثّل: وما الناس بالناس الذين عهدتهم … وما الدار بالدار التي كنت تعرف فشتمه مروان وقال: ما الذي تنكر وتعرف يا بن الرطبة؟ وأخبر أمّه بذلك. فقتلته غما. المدائني عن مسلمة بن محارب، وعامر بن حفص عن عبد الحميد، أنّ ناتل بن قيس الجذامي كان من شيعة ابن الزبير فلما مات الحنتف بوادي القرى، أو قتل، وقد وجّهه ابن الزبير إليها وأمره أن يصير منها إلى نواحي الشام، ويقال: بل أمره أن يكون مسلحة بها، بعث ناتلا لما بعث الحنتف له فدخل الشام فلقيه عبد الملك بأجنادين (١) فحاربه فقتل ناتلا، وكان مع ناتل قوم من الرماة وكانت سهامهم تكاد تصل إلى عبد الملك بن مروان، ثم إنّ عبد الملك مضى إلى بطنان حبيب (٢) وهو يريد الجزيرة والعراق، فلم ينفذ

стр. 2441

في مرّته ورجع إلى دمشق لمحاربة عمرو بن سعيد حين أغلقها على نفسه، فقال الشاعر وهو من كلب: قتلنا بأجنادين يا قوم ناتلا … قصاصا بما لاقى حبيش بني القين وقال أيضا: بشّر بني القين وخص وائلا … أنّا أبأنا بحبيش ناتلا غداة نقريه القنا الذوابلا … حتى أذقناه حماما عاجلا ويقال: إنّ مروان لما مات أمر ابن الزبير ناتلا أن يأتي فلسطين فيغلب عليها وقد خرج منها، فغلب ناتل على فلسطين، وبلغ ذلك عبد الملك فسار كلّ امرئ إلى صاحبه فالتقوا بأجنادين ومع عبد الملك عمرو الأشدق، فقتل ناتل وصار عبد الملك إلى بطنان حبيب ومضى فانسلّ عمرو من عسكره، وصار إلى دمشق فأغلق أبوابها، فرجع عبد الملك إليه فقتله. وقال هشام بن محمد الكلبي: كانت ولاية مروان بن الحكم سنة وشهرين، وقال غيره: سنة إلاّ شهرين، وقال بعضهم: سنة، وقال الكلبي: كان سبب وفاته أنّه تزوّج أمّ هاشم بنت (أبي) هاشم بن عتبة بن ربيعة، واسمها فاختة ولقبها لقصرها حبّة، وغدر بابنها خالد بن يزيد بن معاوية فيما وعده من ولاية العهد ودخل عليه خالد على مرحلة من دمشق، فقال له: ما أدخلك عليّ في هذا الوقت يا بن الرطبة؟ فقال خالد: أمين مختبر أبعدها الله وأسحقها، وأتى أمّه فأخبرها بما قال له مروان، فقالت له: لن تسمع منه مثلها أبدا، ودخل مروان على أمّ خالد فتركته حتى نام ثم عمدت إلى مرفقة محشوّة ريشا فجعلتها على وجهه وجلست وجواريها عليها

стр. 2442

حتى مات غما، ثم صرخت وجواريها وولولن وقلن مات أمير المؤمنين فجاءة. وقال عوانة: كان اللبن يعجبه فجاءته بلبن مسموم فقال: ائتوني به إذا أفطرت، فلما أفطر أتوه به فشربه فاعتقل لسانه فصرخت وجواريها وأقبل يشير إلى من اجتمع إليه من ولده وغيرهم إنّها قتلتني، وجعلت تقول: أما ترونه يوصيكم بي ويشير إليكم بحفظي. وقال الهيثم بن عديّ: أخبرني عبد الله بن عياش الهمداني وغيره قالوا: مات مروان في سنة خمس وستّين في شهر رمضان وله ثلاث وستّون سنة، وصلّى عليه ابنه عبد الملك. وقال المدائني: صلى عليه عبد الرحمن بن أمّ الحكم، وكان خليفته بدمشق. وقال الواقدي: قبض النبي ﷺ ومروان ابن ثماني سنين، ومات بدمشق سنة خمس وستّين، وهو ابن ثلاث وستّين سنة، ودفن بمقبرة الباب الصغير وصلّى عليه عبد الملك ابنه وكان حاضره. وقد روى مروان عن عمر، وعن عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنهما، وفي مروان يقول الراجز: مروان نبع (١) … وسعيد خروع مروان يعطي وسعيد يمنع يعني سعيد بن العاص بن سعيد.

стр. 2443

وولد الحكم بن أبي العاص سوى مروان عثمان الأزرق وهو أكبر ولده، وعبد الرحمن، والحارث، وصالح بن الحكم، وأمّ البنين، وزينب، أمّهم آمنة بنت علقمة الكنانيّة، وهي أمّ مروان، وأمّها صفيّة بنت أبي طلحة من بني عبد الدار، وأمّها مارية بنت موهب الكندي وهي الزرقاء التي يعيّرون بها، وعثمان الأصغر، ويحيى ولاّه عبد الملك المدينة، وأبان، وعمر، وحبيبا، وأمّ يحيى، وأمّ سلمة، وأمّ عثمان، أمّهم مليكة بنت أوفى بن الحارث بن عوف المريّة، وأمّها من بني عوف بن أبي حارثة المري وأمّها مليكة بنت قيس بن زحل بن ظالم المرّي، ويوسف، وأمّه أمّ يوسف بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والنعمان، وأوسا، وعمرا، وأمّ الحكم، وأمّ أبان، وأمامة، وسهيلا، أمّهم أمّ النعمان بنت حذيفة ثقفيّة، وعبيد الله، وعبد الله، والحكم، أمّهم أمّ ولد، وخالدا، وعبد الرحمن الأصغر، لأمّ ولد، ومسلما، لأمّ ولد. فتزوّج أمّ البنين سعيد بن العاص، وتزوّج زينب أسيد بن الأخنس الثقفي، وتزوّج أمّ يحيى عروة بن الزبير بن العوّام، وهي أصغر ولد

стр. 2444

الحكم، وتزوّج أمّ أبان عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي، ثم خلف على أختها أمّ الحكم، وتزوج أمامة عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب من بني عامر بن لؤيّ. وأمّا خالد بن الحكم فكان حضر عبد الملك يوم قتل عمرو بن سعيد الأشدق، فانتدب قوم يقاتلون عن عمرو، فبعث عبد الملك إليهم من يقاتلهم فكان خالد عليهم. وأمّا أبان بن الحكم فتزوّج أمّ عثمان بنت خالد بن عقبة بن أبي معيط، فولدت له، فتزوّج سليمان بن عبد الملك من ولده أمّ أبان بنت أبان. وأمّا عبيد الله بن الحكم فقتله الحنتف بن السجف يوم الربذة وأمّا الحارث بن الحكم فتزوج مفدّاة بنت الزبرقان بن بدر، فولدت له، وولّى هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم المدينة فكان مذموم السيرة ولقّب فرقدا. وأمّا عبد العزيز بن الحارث بن الحكم فولد سعيد بن عبد العزيز خدينة، ولاّه مسلمة بن عبد الملك في أيّام يزيد بن عبد الملك خراسان، حين ولي مسلمة العراق، ولقّب خدينة لأنّ بعض دهاقين ما وراء نهر بلخ دخل عليه وعليه معصفرة وقد رجّل شعره فقال: هذا خدينة، وهي الدهقانة والقيّمة بمنزل زوجها بكلامهم، وكان سعيد صهر مسلمة على ابنته، وقدّم خدينة سورة بن أبجر الحنظلي من ولد أبان بن دارم بن مالك بن حنظلة، ثم اتبعه فتوجّه إلى ما وراء نهر بلخ فنزل إشتيخن (١) وقد صارت

стр. 2445

الترك إليها، فحاربهم وهزمهم ومنع الناس من طلبهم جبنا وخوفا من أن تكون لهم كرّة، ثم لقي الترك بعد فهزموه وأكثروا القتل في أصحابه وولّى خدينة نصر بن سيّار طخارستان، وكان يقول سميت خدينة لأنّي لم أطاوع على قتل اليمانيّة فضعّفوني، وقال الشاعر في سعيد بن عبد العزيز خدينة: وسرت إلى الأعداء تلهو بلعبة … وأيرك مشهور وسيفك مغمد ويروى: تسعين ليلة وأيرك. وأنت امرؤ عاديت عرس حفيّة … وأنت علينا كالحسام تجرّد وكلّم خدينة بعض الأسديّين في شيء فقال له: يا ملط، فقال: زعمت خدينة أنّني ملط … ولخدنة المقراض والمشّط ومكاحل ومجامر ولها … من دلّها في خدّها خطّ وشخص قوم من أهل خراسان إلى مسلمة، فشكوا سعيد بن عبد العزيز، خدينة، فعزله وولّى سعيد بن عمرو الحرشي خراسان. وفي أيّام خدينة قتل جهم بن زحر بن قيس الجعفي، سعى به إليه ترفل، وهو عبيد الله بن عبد الحميد بن عبد الكريم بن عامر بن كريز، الذي قتله أبو مسلم بخراسان، وسعى بعدّة معه من اليمانيّة، وقال إنّهم قد ولوا ليزيد بن المهلّب وعندهم أموال قد احتجنوها واختانوها وسمّاهم له، فأرسل إليهم فحبسهم في قهندز مرو فقيل له: إنّهم لا يؤدّون بالحبس دون البسط عليهم، فأمر بإحضار جهم فجيء به على حمار فقام إليه الفيض بن عمران فوجأ انفه فقال له جهم: يا فاسق هلاّ فعلت هذا حين ضربتك في الخمر، فغضب سعيد على جهم وقال أتجترئ علي أن تكلّمه بهذا الكلام بحضرتي، وحمل عليه فضربه مائتي سوط، فكبّر أهل السوق ثم دفع جهما

стр. 2446

وأولئك اليمانية إلى الزبير بن نشيط مولى باهلة ليستأديهم فعذّبهم، فمات جهم في الحبس فقال ثابت قطنة الأزدي، وكان أعور يضع على عينه قطنة: أتذهب أيّامي ولم أسق ترفلا … وأشياعه الكأس التي صبّحوا جهما ولم تقرها السعديّ عمرو بن مالك … فيشعب من حوض المنايا لها قسما وكان خدينة يقول قبح الله الزبير قتل جهما. وولّى عبد الملك عبد الواحد بن الحارث بن الحكم المدينة وفيه يقول القطامي: أهل المدينة لا يحزنك شأنهم … إذا تخطّأ عبد الواحد الأجل وأمّا يحيى بن الحكم فكان واليا على المدينة لعبد الملك، وكان يكنى أبا مروان، وله يقول أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي: تركت بني مروان تندى أكفّهم … وصاحبت يحيى ضلة من ضلاليا لقد كان في ظلّ الخليفة وابنه … وظل ابن ليلى ما يسدّ اختلاليا يعني عبد العزيز بن مروان: أمير إذا ما جئت طالب حاجة … تهيّا لشتمي أو أراد قتاليا فإنك لو أشبهت مروان لم تقل … لقومي هجرا إذ أتوك ولا ليا وقال فيه عمرو بن أحمر بن العمرّد الباهلي: يحيى أيا بن ملوك الناس أحرقنا … ظلم السعاة وباد الماء والشجر إن تنب يا بن أبي العاصي بحاجتنا … فما لحاجتنا ورد ولا صدر وتزوّج زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال عبد الملك أدركوا بيت المال. وولاّه أيضا فلسطين.

стр. 2447

وكان الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم على الموصل فمات وهو عليها فقال أبو ماوية حين دفن: لا رحم الله متوفّاكم ولا أكرم ممشاكم. وكانت أمّ يحيى بن الحكم مرّية. وأمّا عبد الرحمن بن الحكم ويكنى أبا مطرّف، ويقال أبا حرب، فكان شاعرا، وهاجى عبد الرحمن بن حسّان، وهو الذي يقول لمروان بن الحكم. تجبّرت واستكبرت حتى كأنّما … نرى بك فينا قيصرا وابن قيصرا فذا العرش لا يغفر لمروان إنني … أراه بأخلاق المكارم أعسرا (١) وقال في ابنته واسمها زينب: لعمرك ما زنيبة أمّ عمرو … بحمد الله من قزم الجواري ألم تر أنّها كرمت وطابت … وكانت من قريش في النّضار وتزوجها يحيى بن سعيد بن العاص، وكنية زينب هذه أمّ عمرو.

стр. 2448

ولد مروان بن الحكم ولد مروان بن الحكم: عبد الملك، ومعاوية، وأمّ عمرو تزوّجها سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفّان، وأمّهم عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أميّة وأمّها جمحيّة، ومعاوية بن المغيرة وهو الذي جدع أنف حمزة بن عبد المطلّب يوم أحد فقتل على أحد بعد إنصراف قريش بثلاثة أيّام قتله عليّ بن أبي طالب بأمر رسول الله ﷺ ، وذلك أنّه تخلّف بعد مضيّ قريش فظفر به. وعبيد الله، وأبان، وداود أمّهم أمّ أبان بنت عثمان بن عفّان. وعبد العزيز، وعبد الرحمن مات صغيرا، وأم عثمان تزوّجها الوليد بن عثمان بن عفّان، أمّهم ليلى بنت زبّان بن الأصبغ الكلبي، وفيها يقول عبد الرحمن بن الحكم وكان يشبّب بنساء أخيه: ليلى وهل في الناس أنثى كمثلها … إذا ما اسبكرّت (١) بين درع ومجسد

стр. 2449

وعمرو بن مروان، أمّه زينب بنت عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وبشر بن مروان، وأمّه قطيّة بنت بشر بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، ولقطيّة يقول عبد الرحمن بن الحكم: قطيّة كالتمثال أحسن نقشه … وأمّ أبان كالشراب المبرّد ومحمد بن مروان، لأمّ ولد. فأمّا عبد الملك فولي الخلافة وسنذكر أخباره إن شاء الله. وأما معاوية بن مروان: ويكنى أبا المغيرة، فكان من أحمق الناس، طار له بازيّ فأمر بغلق أبواب دمشق، ومرّ بحقل له وقد سمع أهل الشام يقولون: لا يفلح حقل لا يرى است صاحبه، فنزل وأحدث فيه. ثم ركب ومرّ ذات يوم بديرانيّ وهو في غرفة له فصعد إليه فوجده يقرأ كتابا، فقال له: ما تقرأ؟ قال له: إنجيل وجعل الديرانيّ يقول مرّة بعد مرّة: حرّ، فقال له: أفي الإنجيل حرّ؟ قال: لا، ولكنّ حمارا لي يطحن أسفل هذه العليّة وفي عنقه جلجل، فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت أنه قد وقف فأزجره فقال له وما يدريك لعلّه يقف ثم يحرّك رأسه فقال الديرانيّ لو كان له مثل عقل الأمير لفعل هذا. وقال يوما لعبد الملك: يا أمير المؤمنين متى يكون الأضحى في شهر رمضان؟ فغمز عبد الملك أبا الزعيزية فأقامه.

стр. 2450

وقال هشام بن عمّار: بلغني أنّ معاوية بن مروان زوّج امرأة من كلب، فلما رأى أباها قال له: أخذت ابنتك فخجأتها بأير كأنّه عمود المنبر، فملأتني دما، فقال: إنّها من نسوة يحفظن ذاك لأزواجهنّ، ولو كنت عنّينا لما زوّجتك. المدائني: قال له رجل: يا أبا المغيرة أنت ابن مروان، وأمّك عائشة فأنت مقابل مدابر في بني أبي العاص، قال: فأنا كما قال القائل: مردّد في بني اللخناء ترديدا. فولد لمعاوية بن مروان: عبد الملك، والمغيرة، وبشر، وقوم يقولون: كان الوليد بن معاوية بن مروان على دمشق من قبل مروان بن محمد الجعدي فحصره عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس ثم فتح دمشق وقتل الوليد وهدم عبد الله سور مدينة دمشق. وقال ابن الكلبي وأبو اليقظان: ولد معاوية هذا: عبد الملك، والمغيرة، وبشرا فقط، والثبت أنّ صاحب دمشق كان الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان، والأوّل قول قوم لا علم لهم. وقال أبو اليقظان: قال خالد بن يزيد بن معاوية لمعاوية بن مروان: يا أبا المغيرة لا أرى أخاك يولّيك، ولا يعتدّ بك فقال: لو أردت ذلك لولاّني قال فسله أن يولّيك بيت لهيا (١)، فغدا على عبد الملك فقال: يا أمير ألست أخاك؟ قال: بلى وشقيقي، قال: فولني، قال: وما تريد؟ قال بيت لهيا، قال: متى لقيت خالد بن يزيد؟ قال: عشيّة أمس، قال:

стр. 2451

لا تكلّمه، ودخل خالد فقال: كيف أصبحت أبا المغيرة؟ قال: قد نهانا هذا عن كلامك. وقال له خالد بن يزيد يوما: لو كان لك قلب كنت أمير المؤمنين، قال: كيف؟ قال: إذا دخل أمير المؤمنين المقصورة فاسبقه إلى المنبر فاصعده فإنّه إذا رآك على المنبر كنت أمير المؤمنين، ففعل ذلك، فالتفت عبد الملك إلى خالد فقال له: أنت أمرته؟ قال: نعم، قال: قد علمت فلا تعد إلى مثلها. قالوا: وسرق لمعاوية بن مروان برذون فقال لغلام له: انظر من سرقه؟ قال الغلام: لو علمت من سرقه لأتيتك به. وأمّا أبان بن مروان فولي فلسطين لأخيه عبد الملك، وكان الحجاج بن يوسف على شرطه، وهو الذي يقول فيه ابن أقرم النميري، وكان أبان أخذه فأفلت منه: طليق الله لم يمنن عليه … أبو داود وابن أبي كبير ولا جزء ولا ابن أبي شريف … ولا أهل الأمير مع الأمير ولا الحجّاج عينا بنت ماء … تقلّب طرفها حذر الصقور أبو داود يزيد بن هبيرة المحاربي، وابن أبي كبير رجل من ولد أبي كبير المنهب بن عبد (١) بن قصي بن كلاب، وكان الحجّاج أخفش فشبّه عينه بعين طائر ماء.

стр. 2452

وأما داود بن مروان فولد سليمان وكان أعور فتزوج فاطمة بنت عبد الملك بن عبد العزيز بعد زوج كان لها فقيل: نذل أعور. وأما بشر بن مروان فكان يكنى أبا مروان وشهد المرج فقتل خالد بن حصين الكلابي ومعه عمرو بن سعيد، فقال الشاعر يرثيه: ثوى خالد بالمرج غير ملوّم … ولا برم عام الرياح الصوارد لعمري لقد أرداه بشر لحينه … وعمرو فقد نالا كريم المشاهد هلاّ بني العاصي ذكرتم بلاءه … وما شاكر المعروف يوما كجاحد براهط إذ عبد العزيز معفّر … لدى مسند منكم وآخر ساجد فلا صلح أو تزقو لمروان هامة … عليه بأيدينا بواء لخالد وكان خالد صرع عبد العزيز يوم المرج ثم استبقاه، وهو من بني (أبي) بكر بن كلاب. وكان بشر منقطعا إلى عبد العزيز قبل ولاية عبد الملك الخلافة، فلما ولي الخلافة استجفاه بشر فقال: أتجعل صالح الغنوي دوني … ورحلي منك في أقصى الرحال سيغنيني الذي أغناك عنّي … ويفرج كربتي ويربّ مالي إذا أبلغتني وحملت رحلي … إلى عبد العزيز فما أبالي فولاه عبد الملك الكوفة، ثم أضاف إليه البصرة، فكتب إلى عبد العزيز: غنينا فأغنانا غنانا وعاقنا … مآكل عمّا عندكم ومشارب

стр. 2453

فكتب إليه عبد العزيز: هلاّ كتبت بأحسن من هذا، وهو قول عبد العزيز بن زرارة الكلابي: فأصبحت قد ودّعت نجدا وأهله … وما عهد نجد عندنا بذميم فقال بشر: صدق أبو الأصبغ رعاه الله فما عهده بذميم. وكان بشر ليّن الولاية، سهل الحجاب، طلق الوجه كريما، وكان صاحب شراب ينادم عليه. وقال كثيّر يمدح بشرا: أبا مروان أنت فتى قريش … وكهلهم إذا عدوّا الكهولا (١) وقال الأخطل: إذا أتيت أبا مروان تسأله … وجدته حاضنيه المجد والحسب ترى إليه رفاق الناس سائلة … من كلّ أوب على أبوابه عصب لا يبلغ الناس أقصى وادييه ولا … يعطي جواد كما يعطي ولا يهب (٢) وقال أيضا: إنّي دعاني إلى بشر فواضله … والخير قد علم الأقوام متّبع يا بشر لو لم أكن منكم بمنزلة … ألقى عليّ يديه الأزلم الجذع أنتم خيار قريش عند نسبتها … وأهل بطحائها الاثرون والفرع (٣)

стр. 2454

وقال أيضا: إذا وزن الأقوام لم تلق فيهم … كبشر ولا ميزان بشر يعادله أغرّ عليه التاج لا متعبّس … ولا زبرج الدنيا عن الحقّ شاغله إذا انفرج الأبواب عنه رأيته … كصدر اليماني أخلصته صياقله (١) قال الهيثم بن عديّ: وكان الفرزدق هجا خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وأميّة أخاه، فطلبه خالد وهو يتقلّد البصرة قبل بشر فآلى أن يقتله إن ظفر به، ووضع عليه الأرصاد فكان منطمرا لا يظهر، فلما قدم بشر البصرة استبطأه فبلغه أنه وجد عليه ثم إن بني تميم وجهوا معه من أبلغه البصرة فقال: لو أنّني كنت ذا نفسين إن هلكت … إحداهما بقيت أخرى لمن غبرا إذا لجئت على ما كان من حذر … وما رأيت حذارا يغلب القدرا كلّ امرئ آمن للموت آمنه … بشر بن مروان والمذعور من ذعرا تغدو الرياح وتمسي وهي فاترة … وأنت ذو نائل يمسي وما فترا (٢) في قصيدة، فحباه بشر وأكرمه وحمله على فرس رائع وكساه، وكان الفرزدق إذا حمل حمالة أدّاها بشر عنه، وإذا سأل حاجة قضيت له في نفسه ومن شفع له، ويدخل دار بشر فيدعو بشهوته من الطعام فيؤتى بها، حتى قيل إنّه نادم بشرا.

стр. 2455

وقال جرير أو غيره يذكر لين حجابه: بعيد مراد الطرف لم يثن طرفه … حذار الغواشي باب دار ولا ستر ولو شاء بشر حلّ من دون بابه … طماطم سود أو صقالبة حمر ولكنّ بشرا سهّل الباب للّتي … يكون له في غبّها الحمد والأجر (١) أبو الحسن المدائني، قال: اقحط الناس في أيّام بشر فاستسقوا وهو معهم فمطروا فقال سراقة بن مرداس البارقي بالكوفة: دعا الرحمن بشر فاستجابا … لدعوته فأسقانا السحابا وكان دعاء بشر صوب غيث … يعاش به ويحيي من أصابا ومرّ بشر بعد استسقائه بسراقة وقد دخل الماء داره فقال: ما هذا يا سراقة؟ قال: قد نرى أيّها الأمير هذا ولم ترفع يديك بالدعاء، فلو رفعتهما لجاءنا الطوفان فضحك بشر. وقال أعشى بني شيبان: رأينا ما خلا أخويه بشرا … من الفتيان سيّد عبد شمس وسيد من سواهم من قريش … فيصبّح خيرهم أبدا ويمسي إذا خلّى أخوك إلى أخيه … خلافته لسعد غير نحس فأنت الثالث الموصى إليه … وصيّة حازم في غير لبس وله يقول أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي: ركبت من المقطّم في جمادى … إلى بشر بن مروان البريدا فلو أعطاك بشر ألف ألف … رأى حقّا عليه أن يزيدا
следующие страницы →