← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

ما رابني منهم إلاّ ارتفاعهم … إلى الخبيص عن الصحناة والبصل وما غلام على أرض مسالمة … كمن غزا دستبى غير مجتمل يجبى إليه خراج الأرض متّكئا … مستهزئا بغناء القينة الفضل والوالبيّ الذي مهران أمّره … فزال مهران مذموما ولم يزل مهران مولى زياد، كان شفع في هذا الرجل، فصار في عداد العمّال، والرجل سعيد بن حرملة بن الكاهل الوالبي، ويقال: هو أبو هيّاج عمرو بن مالك الوالبي: ودونك ابن أبي عشّ وصاحبه … قبل السبيع فقد أجرى على مهل ابن أبي عشّ همذانيّ قدم الكوفة، فقال من سيّد قومي؟ فقالوا: الحجّاج بن عمرو الزبيدي فقال: أنا لا أقيم ببلدة يسود فيها زبيديّ، وكان على الدينور، وصاحبه عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني لا تجعلن بيت مال الله مأكلة … لكلّ أزرق من همدان مكتحل والدارميّ يطيف البهرمان (١) … به في شارب بدّلت من رعية الإبل الدارمي لبيد بن عطارد، ويقال مسعود بن قيس بن عطارد. ومنقذ بن طريف من بني أسد … أنبئت عاملهم قد راح ذا ثقل يعني منقذ بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، وأخبر أنّ عاملهم، وهو رجل منهم، قد حسنت حاله للخيانة، وقال ابن الكلبي: وكان عاملهم نعيم بن دجّاجة وكان على أسفل الفرات.

стр. 2487

وما أخينس جعفي يمانعه … من المتاع قيام الليل بالطول يعني زحر بن قيس، ويقال محمد بن أبي سبرة كان على جوخى وآخران من العمّال عندهما … بعض المنالة إن ترفق بها تنل محمّد بن عمير والذي كذبت … بكر عليه غداة الروع والوهل محمد بن عمير بن عطارد ويزيد بن رويم حين أمر به عمرو بن حريث. وما فرات وإن قيل امرؤ ورع … إن نال شيئا بذاك الخائف الوجل فرات بن زحر قتله المختار يوم جبّانة السبيع. والحارثيّ سيرضى أن تقاسمه … إذا تجاوزت عن أعماله الأول الحارثي السريّ بن وقّاص وكان على نهاوند وادع الأقارع فاقرعهم بداهية … واحمل خيانة مسعود على جمل مسعود من بني أسد كانوا أتونا رجالا لا ركاب لهم … فأصبحوا اليوم أهل الخيل والإبل لن يعتبوك ولمّا يعل هامهم … ضرب السياط وشدّ بعد في الحجل جمع حجل. إنّ السياط إذا عضّت غواربهم … أبدوا ذخائر من مال ومن حلّل وحدثني المدائني عن سحيم بن حفص عن أشياخه قالوا: كان ابن الزبير يكنى أبا بكر وأبا خبيب، وكان شديد القلب واللسان، وهو أوّل مولود بالمدينة في الإسلام، وكان بخيلا فقال فيه الشاعر: رأيت أبا بكر وربّك غالب … على أمره يبغي الخلافة بالتمر وقتل وهو ابن ثلاث وسبعين، ويقال: اثنتين وسبعين وأشهر.

стр. 2488

وقال لعامله على وادي القرى: أكلت تمري وعصيت أمري، وجعل يضربه. وقال لأعراب أتوه: إنّ سلاحكم لرث، وإن حديثكم لغثّ، وإنّكم لعيال في الجدب، وأعداء في الخصب. وأتاه أعرابيّ يستفرضه فقال: افرضوا له، فقال: أعطني، قال: قاتل أوّلا، فقال الأعرابيّ: دمي نقد ودراهمك نسيئة. قالوا: ولما طال الحصار على ابن الزبير حبس الطعام وقال إن أخرجته فني ولكنّكم تنظرون اليه فتقوى قلوبكم وتطيب أنفسكم، ومتى أكلتموه نفد، ولا يأتيكم ميرة فتلقون بأيديكم. قالوا: وشكت امرأة من أهل مكة إلى ابن الزبير فقالت: غررت سفهاءنا وأخذت رباعنا، فأقل سفهاءنا واردد رباعنا، فقال: ما تقول هذه الهرة الثرماء (١). قالوا: وقال صحير بن أبي الجهم: دخلت على ابن مطيع وهو عاتب على ابن الزبير، وعليّ سيفي، فقال ضع سيفك وأرح نفسك فما عند ابن الزبير خير لدين ولا دنيا، قال: فأتيت الحجّاج فأعطاني الأمان. المدائني عن عوانة، قال: نادى أهل الشام يا بن الزبير يا بن الحواريّ فقال لمولى له: أجبهم فقال: هل تعيبون من حواريّ رسول الله ﷺ شيئا؟ قالوا: يا بن ذات النطاقين فقال أتعيبونها بالنطاق التي كانت تحمل به الطعام إلى رسول الله ﷺ وإلى الصدّيق أم بالنطاق الذي تنطّق به المرأة الحرّة

стр. 2489

في بيتها وقد قال لها رسول الله ﷺ : «لك نطاقان في الجنة» فقالوا: يا بن الزبير يا مشؤوم فسكت، فقال له ابن الزبير، أجبهم، قال: كيف أجيبهم وقد صدقوا. المدائني عن المثنّى بن عبد الله عن عوف، قال: قال ابن عمر: كنت أتمنى ألاّ اموت حتى أعلم إلى ما يصير أمر ابن الزبير، فيرحم الله أبا بكر طلب دراهم العراق، ورحم الله مروان طلب دراهم الشام. المدائني عن عبد الله بن فائد، قال: نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فقال: إنّي لأبغضهم فقال سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان: تبغضهم لأنّهم قتلوا أباك؟ قال: صدقت قتل أبي علوج الشام وجفاته، وقتل جدّك المهاجرون والأنصار. المدائني عن عليّ بن حمّاد، قال: قال مصعب بن الزبير لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن أنسيت حقّ الله عليك في هذا الأمر؟ قال: نعم كتبت إلى عبد الملك آمره بتقوى الله وأن يكفّ نفسه، فكتب إليّ: أنا أخرج نفسي إن أخرج ابن الزبير نفسه ويجعل الأمر شورى، وكتبت إلى أخيك فكتب إليّ: إنّك لست من هذا الأمر في شيء. المدائني، قال: قال ابن أبي مليكة: ما رأيت أحدا أحسن مناجاة لربّه في عقب الصدر من عبد الله بن الزبير. المدائني قال: كان مصعب بن الزبير جوادا، فكتب إلى أخيه عبد الله: من سألك شيئا فاكتب إليّ له فإن أعطيته كان حمده لك، وإن منعته كان ذمّه عليّ، فلم يكتب لأحد إليه إلاّ أعطاه، فأمسك عن الكتاب لأحد إليه.

стр. 2490

قال: وقال عليّ بن زيد: كان عبد الله طويل الصلاة، كثير الصيام، شديد البأس، كريم الجدّات والأمهّات والخالات، وكانت فيه خلال مباينة لما حاول من الخلافة: بخل وضيق وسوء خلق، ولجاج. المدائني عن أبي زكريّاء العجلاني عن ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إن هذا الأمر بدأ بنبوّة ورحمة، وخلافة، وإنّه اليوم ملك عقيم، فمن سمع مقالتي فليهرب من بني أميّة وآل الزبير فإنّهم يدعون إلى النار. المدائني عن سفيان عن عمرو بن دينار: انّ ابن الزبير أقاد من لطمة. المدائني عن أبي هلال الراسبي: إنّ الحسن (١) كتب إلى ابن الزبير: إنّ لأهل الخير علامات يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، فمنها الصبر على البلاء، والرضى بالقضاء، وإنّما الإمام سوق فما نفق فيها حمل إليها فانظر أيّ سوق سوقك. المدائني عن ابن المبارك قال: قال أبو برزة الأسلمي: إنّكم معشر العرب كنتم على الحال التي علمتم من القلّة والذلّة والضلالة، وإن الله رفعكم بالإسلام وبمحمد ﵇ حتى بلغتم ما ترون، وإنّ هذه الدنيا قد أفسدت ما بينكم، أمّا الذي بالشام - يعني مروان - فإنّما يقاتل عن الدنيا، وكذلك الذي بمكّة - يعني ابن الزبير - وما يقاتل الذين تدعونهم قرّاءكم إلاّ على الدنيا، وما نرى خير الناس إلاّ عصابة لابدة خماص البطون من أموال الناس، خفاف الظهور من دمائهم.

стр. 2491

حدثني هدبة حدثنا حمّاد بن سلمة عن أبي حمزة قال: قلت لابن عبّاس: إنّي بايعت ابن الزبير فأعطاني وحملني على فرس، أفأقاتل معه؟ قال: لا تقاتل معه، وردّ عليه ما أعطاك واشتر بغلا أو بغلين، وغلاما واغز المشركين، فإن قتلت على ذلك كنت شهيدا إن شاء الله تعالى، قال: فرددت على ابن الزبير ما أخذت منه. المدائني عن قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى عن عطاء، قال: أتي ابن الزبير برجل فأمر بضرب عنقه فقال امرأته طالق ثلاثا فورّثها منه. المدائني، قال: بعث يزيد بن معاوية الضحاك بن قيس ليأخذ بيعة ابن الزبير فأبى أن يبايع فقال الضحّاك إنّك إن لم تبايع طائعا بايعت كارها، فقال ابن الزبير: إنّك يا ثعلبة بن ثعلبة تيس بحيرة تبيع الصربة (١) بالقبضة، أردت الحقحقة فأخطأت استك الحفرة. المدائني، قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: هذه خيلنا، قال: أيّة خيل؟ قال: خيل ابن الزبير، قال: ما هي لنا بخيل، وجاءه آخر فقال: بايعت ابن الزبير على كتاب الله وسنّة نبيّه، فأبى ذلك، فقال: صدق ولو أعطاك ذلك لم يف لك به، قال: وجاءه آخر فقال: بماذا تأمر يا أبا عبد الرحمن؟ قال: بطاعة الله، والجماعة وأنهاك عن الفرقة، قال: ثم بماذا؟ قال: إن كانت لك ضيعة فالحق بضيعتك. المدائني عن عبد الله بن فائد، قال: كان ابن الزبير لا يتكلم يوم الجمعة إلاّ بالمواعظ، إلاّ أنّه كان يشتم ثقيفا فيقول قصار الخدود. لئام الجدود. سود الجلود. بقيّة ثمود.

стр. 2492

المدائني عن يزيد بن زريع عن حبيب بن الشهيد: أنّ عبد الله بن جعفر لقي ابن الزبير فقال له ابن الزبير: أتذكر يوم لقينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وأحد ابني فاطمة؟ فقال: نعم، فحملنا وتركك، فسكت ولو علم ابن الزبير أنه يقول حملنا وتركك ما سأله. المدائني عن ابن فائد، قال: سمع معاوية رجلا من كلب يقول: ومن رقاش ماجد سميدع … يأبى فيعطي عن يد ويمنع فقال ذاك منّا، ذاك عبد الله بن الزبير. المدائني عن مسلمة وغيره: انّ فضالة بن شريك الأسدي أتى عبد الله بن الزبير فقال له: إنّي جشمت إليك سفرا بعيدا، أتعبت فيه نفسي وأنفدت نفقتي، وأنقبت فيه راحلتي، فقال ارقعها بسبت، واخصفها بهلب، وأنجد بها العصرين يبرد خفّها، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال: إنّ وراكبها، وانصرف ولم يصله فقال: أقول لغلمتي أدنوا ركابي … أفارق بطن مكّة في سواد فما لي حين أقطع ذات عرق … إلى ابن الكاهليّة من معاد سيبعد بيننا حثّ المطايا … وتعليق الأداوى والمزاد أرى الحاجات عند أبي خبيب … نكدن ولا أميّة بالبلاد وكيف بأن يسوس الأمر منهم … أغرّ مقابل واري الزناد من الأعياص أو من آل حرب … أغرّ كغرّة الفرس الجواد فلما بلغ ابن الزبير الشعر فمرّ به قوله إلى ابن الكاهليّة قال: لو علم أنّ لي جدّة ألأم من عمّته لسبّني بها، وكانت أمّ خويلد بن أسد بن عبد العزّى،

стр. 2493

جدّة العوام بن خويلد، زهرة بنت عمرو بن حنثر (١)، من بني كاهل بن أسد بن خزيمة. وقال بعض قضاعة: عدمت قريشا أن رضوا بك سيّدا … وأنت بخيل الكفّ غير جواد فقال عبد الله بن الحجّاج: أتطلب شأو ابن الزبير ولم تكن … لتدركه ما حجّ لله راكب تكلّفت أمرا لم تكن لتناله … طوال الليالي أو تنال الكواكب فمهلا بني مروان لستم بذادة … إذا ما التقت يوم اللقاء الكتائب إذا التقت الأبطال كنتم ثعالبا … وأسد الشرى في السلم عند الكواعب المدائني، قال: قال وهب بن منبّه: استعمل ابن الزبير على اليمن رجلا دميما، وكان يلقّب عجوز اليمن، فكتب إليه ابن الزبير يأمره بالجباية، فقال: لي أرضيكم مجرودة فانطلقوا إلى أمير المؤمنين، فادفعوا عن أنفسكم، فقدمت في وفد، ودخلت عليه وعنده عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال لي: كيف عجوز اليمن؟ فقلت: ﴿أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢) ولكن ما فعلت عجوز قريش أمّ حبل حمالة الحطب؟ فضحك ابن الزبير وقال لابن خالد: أسأت المسألة وأحسن الجواب. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جدّه قال: أهدى أبو حمل - أحد بني حصين بن سعدانة بن حارثة الكلبي - إلى عبد الله بن الزبير

стр. 2494

فطرا فأتاه به وعنده زفر بن الحارث الكلابي، فقال زفر يحرّض ابن الزبير على صلته: ألا أبلغ أبا حمل رسولا … فقد أهديت فطرك من بعيد فأنت المرء يعطى كلّ خير … ويحبى بالولائد والعبيد فقال ابن الكلبي: قال خالد بن سعيد: فوالله ما أثابه عليه شيئا، وقد أتاه به من السماوة، فلقيه زفر بن الحارث بعد ذلك فقال له: يا أبا الكوثر، أو: يا أبا الهذيل، والله ما أعطاني قيمة الفطر، فكيف يحبوني بالولائد والعبيد. وقال هشام ابن الكلبي: أخبرني خالد بن سعيد عن أبيه قال: حمل بن سعدانة الذي يقول: لبّث قليلا يلحق الهيجا حمل وكان حمل بن سعدانة بن حارثة العليمي وفد إلى النبيّ ﷺ وعقد له لواء. وقال أبو دهبل واسمه وهب بن وهب بن زمعة الجمحي: أتاركة عليا قريش سراتها … وساداتها عند المقام تذبّح هم عوذ بالله جيران بيته … به يعصمون أن يباحوا ويفضحوا وقال ابن الزبير: لا تزال قريش تعرف العزّ وإنكار الضيم ما رأتني حيّا. المدائني قال: بعث الزبير ابنه عبد الله إلى خاله العبّاس بن عبد المطلّب فوافقه يتغدّى فقال: ادن يا بن أختي فأكل أكلا ضعيفا ثم أتي

стр. 2495

بقعب من لبن فقال اشرب فشرب شربا ضعيفا فقال يا بن اختي أضواك (١) آل أبي بكر. حدثني أبو مسلم الأحمري عن هشام ابن الكلبي عن أبيه وعوانة قالا: خطب النوار بنت أعين بن ضبيعة بن ناجية بن عقال رجل من بني مجاشع بن دارم بن مالك فقالت للفرزدق بن غالب بن صعصعة بن ناجية: أنت وليّي واشهدت له برضاها بما صنع في تزويجها، فلما خرج الشهود قال لهم: حفظتم الشهادة؟ قالوا: نعم، قال: واشهدوا أنّي قد تزوّجتها على خمسة آلاف وبلغها الخبر فلم ترض، وأتت ناجية بن عقال، فأعانوها على الفرزدق، وحوّلوها إلى بني عاصم من بني منقر بن عبيد واكتروا لها كريّا من بني عديّ بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة أحد بني ملكان بن عديّ، ومعه أجير له خراسانيّ يقال له زهير، وخرجت إلى ابن الزبير مستغيثة به، ويقال: إنّهم حوّلوها إلى بني عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع فقال الفرزدق: ولولا أن يقول بنو عديّ … أليست أمّ حنظلة النوار أمّ حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، النوار بنت جلّ بن عديّ بن عبد مناة، فيقول لولا أن يقولوا أليست جدتّكم منّا إذا لأتى بني ملكان منّي … بضائع لا يقسّمها التجار (٢) ملكان بن عديّ بن عبد مناة أخو جلّ بن عديّ، وقال:

стр. 2496

لقد أهدت وليدتنا إليكم … عزائز لا يقسّمها التجار لبئس العبء يحمله زهير … على أعجاز صرمته نوار وقال أيضا: ولولا أنّ أمّي من عديّ … وأنّي كاره سخط الرباب لصلت على بني ملكان منّى … بجيش غير منتظر الإياب (١) وقال يهجو بني قيس بن عاصم: بني عاصم إن تلجئوها فإنّكم … ملاجئ للنسوان دسم العمائم بني عاصم لو كان حيّا لديكم … للام بنيه الشيخ قيس بن عاصم (٢) فقالوا للفرزدق: والله لئن زدت على هذين البيتين لنقتلنّك، وخرج الفرزدق إلى ابن الزبير، فنزلت النوار بنت أعين على أمّ هاشم بنت منظور بن زبّان، ونزل الفرزدق على بني عبد الله بن الزبير وسألهم أن يشفعوا له، وشفعت أمّ هاشم للنوار فشفّعها، فقال الفرزدق: أمّا بنوه فلم يقبل شفاعتهم … وشفّعت بنت منظور بن زبّانا ليس النجيّ الذي يأتيك مؤتزرا … مثل النجيّ الذي يأتيك عريانا (٣) فقال ابن الزبير للنوار: إن شئت فرقت بينكما وقتلته فلا يهجونا، وإن شئت سيّرته إلى بلاد العدوّ؟ فقالت: ما أريد واحدة منهما، قال: فإنّه ابن عمّك، وهو راغب فيك فأزوجك إيّاه؟ فقالت: نعم فزوّجها إيّاه،

стр. 2497

فكان الفرزدق يقول: خرجنا متباغضين ورجعنا متحابّين والله يفعل ما يشاء. وقال قوم: نزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله بن الزبير وقال: اليوم قد نزلت بحمزة حاجتي … إنّ المنوّه باسمه الموثوق بأبي عمارة خير من وطيء الحصا … ونمت به في الصالحين عروق بين الحواريّ الأغرّ وهاشم … ثمّ الخليفة بعده الصدّيق (١) وقال أيضا: يا حمز هل لك في ذي حاجة عرضت … أنضاؤه بمكان غير معمور وأنت أحرى قريش أن تقوم بها … وأنت بين أبي بكر ومنظور (٢) وكانت أمّة قهطم بنت منظور، وقال بعضهم: تماضر بنت منظور. حدثني بعض النوفليّين من ولد عبد الله بن الحارث ببّة قال: وقع بين ببّة وبين عبد الله بن الزبير كلام فعيّره بلقبه، وقال: ألست ببّة وما ببّة، فقال له عبد الله بن الحارث: ألست الضبابيّ وكان ابن الزبير في صغره جلس على حجر ضبّ ففسا حتى خرج الضبّ، فكان يعيّر بذلك ويقال له الضبابيّ، فترضّى ابن الزبير ببة عندها وصالحه. حدثني أبو محمد التوزيّ النحوي عن أبي زيد الأنصاري عن أبي عمرو بن العلاء قال: خطب ابن الزبير يوما، فتكلّم رجل من ناحية المسجد، فقال ابن الزبير: من المتكلّم؟ فسكت، فقال ابن الزبير: ما له قاتله الله ضبح ضباح الثعلب، وقبع قباع القنفذ.

стр. 2498

قالوا: وكان ابن الزبير يقول عالجت لحيتي لتكثر فلما بلغت سنين يئست منها وكان معصوبا خفيف اللحم، فكان الزبير يقول: عبد الله يشبه أبا بكر، فهو ابنه ومنعني ابني. وقال الحارث بن ضبّ العتكي في ابن الزبير، ويقال إنّها قيلت في مصعب، وذلك الثبت: فردّ الخلافة يا بن الزبير … إلى أهلها قبل أن تخلع أخاف عليك زياد العراق … وأخشى عليك بني مسمع ولا تأمن المكر من حارث … فثمّ امرؤ سمّه ينقع ذكرت لك المعشر الأكرمين … ذوي المجد والحسب الأرفع الحارث بن قيس الجهضمي، وزياد بن عمرو العتكي، ومالك بن مسمع وإخوته. المدائني عن عبد الله بن فائد: أنّ عبد الله بن الزبير أتى الطائف واستخلف ابنه عبّاد بن عبد الله، فأتي عبّاد بخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد وقد شرب وشهد عليه بأنّه يعانق النساء في الطواف، فأمر بضربه الحدّ، فجلد فأتى بنو مخزوم أباه فكلموه فقال: ما أصنع به، وكان يتحدّث عند امرأة من قريش، فقيل لابن الزبير فحبسه وقيّده فقال: تذكار ليلي ليس يق … صر مدّة طول النهار فلئن خطاي تقاربت … رسف المقيّد في الحصار لبما أمشّي بالأبا … طح يقتفي أثري إزاري في أبيات، ثم أخرجه وسيّره إلى الشام، فتزوّج ابنة النعمان بن بشير فنازعها يوما فقال:

стр. 2499

لظباء بين الحطيم إلى الحثمة … في مظلمات ليل وشرق قاطنات الحجون أشهى إلى القلب … من الساكنات دور دمشق فقالت: كهول دمشق وشبّانها … أحبّ إلينا من الجاليه إذا ما أتى وافد منهم … كنسنا له داره الخالية لقمل يدبّ دبيب الدبى … أكاريس أعيت على الغالية وريحهم مثل ريح التيو … س عفّت على البان والغالية فبلغ عبد الملك الشعر فقال: يا خالد جعلتك من الجالية؟ قال: وأنت يا أمير المؤمنين أيضا من الجالية، فأقام بالشأم فانكسرت فخذه، فقيل لعبد الملك: فقال: لا جبرها الله، ومات من وجعه فقيل لعبد الملك فقال: لا ﵀. وقال ابن الكلبي: كان خالد بن المهاجر مع ابن الحنفيّة بالشعب، فعلّق عليه ابن الزبير زكرة (١) خمر، ثم ضربه الحدّ. ورثته هند ابنة النعمان فقالت: ألا يا بن المهاجر قد … دهاني طارق طرقا دعاك فما أبيت ولا … سددنا دونك الغلقا ألا عينيّ جودا بالدّ … موع عليه واستبقا أعيناني بفيضكما … ومجّا الدمع والعلقا

стр. 2500

وقال عقبة الأسدي حين ضرب خالد بن المهاجر: ما زلت مذ حجج بمكّة ملحدا … في حيث يأمن قاطن وحمام أبنو المغيرة مثل آل خويلد … يال الرجال لخفّة الأحلام فلينهضنّ لخالد من قومه … مثل الأغرّ الحارث بن هشام المشترين الحمد من أموالهم … في كلّ صامتة وكلّ سوام ولتنهرنّ العيس تنفح في البرى … تجتاب عرض مكارم الأعلام بالدارعين عليهم أبدانهم … لتجاب دعوة واصل صرّام المدائني، قال: قال عبد الله بن الزبير: لقد أعظم الناس ولادة صفيّة بنت عبد المطلّب لنا حتى لقد هممت أن اطلّق بنت الحسين، فبلغ ذلك عبد الملك فقال: الكلب أضنّ بالشحمة. قالوا: وذكر مروان طلحة فأثنى عليه وذكر الزبير فلم يقل فيه شيئا وكان عبد الله بن الزبير حاضرا فقال إنّ أبا محمد أهل لما ذكرته لكنّي أعرف من لم يذكر بخير قطّ، قال: ومن هو؟ قال: أبوك، فوثب اليه مروان فاضطربا حتى حجز موسى بن طلحة بينهما فقال له: دعني أصكّ عين ابن لعين رسول الله ﷺ .

стр. 2501

أمر التوابين وخبرهم بعين الوردة وهي رأس العين من الجزيرة. حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن جدّه، وأبي مخنف قالوا: لما فرغ مروان من مرج راهط قصد قصد مصر ومرّ بفلسطين وقد هرب منها ناتل، فولاّها مروان روح بن زنباع، ثم سار نحو مصر فغلب عليها، ثم قدم الشام فإذا زفر بن الحارث الكلابي قد غلب على قرقيسيا وتحصّن بها، وبلغه خبر مصعب بن الزبير، وأنّه يريد الشام فوجّه مروان: عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة والعراق، فسار في ستين ألفا فيهم الحصين بن نمير، وابن ذي الكلاع الحميري، وعمير بن الحباب السلمي، وكان عمير قد بايع مروان وصار في حيّزه، فسار ابن زياد حتى أوقع بالتوّابين بعين الوردة، ثم أتى قرقيسيا فرام زفر فلم يقدر عليه، فسار يريد العراق فقتل على الخازر وهو نهر بأرض الموصل، وكانت وفاة مروان من قبل نفوذ ابن زياد إلى الجزيرة، فكتب إليه عبد الملك بوفاته، وأخذ البيعة له، ولعبد العزيز بن مروان من بعده، وأن يتولّى من أمر الجيش ما كان وليه.

стр. 2502

حدثني عبّاس عن أبيه عن أبي مخنف وغيره قالوا: لما قتل الحسين بن علي ﵉ ودخل عبيد الله بن زياد من معسكره بالنخيلة إلى الكوفة تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندّم، ففزعوا إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة وهم: سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة، والمسيّب بن نجبة الفزاري، وكان من خيار أصحاب عليّ، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن وال التيمي، ورفاعة بن شدّاد البجلي ثم القتباني، فاجتمع هؤلاء الخمسة النفر في منزل سليمان بن صرد، ومعهم ناس من وجوه الشيعة، فابتدأ المسيب بن نجبة الكلام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فإنّا قد ابتلينا بطول العمر فنرغب إلى ربّنا في أن لا يجعلنا ممّن يقول له غدا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (١) وقد بلا الله أخبارنا فوجدنا كاذبين في أمر ابن ابنة نبيّنا، وقد بلغتنا كتبه، وقد أتتنا رسله، وسألنا نصره عودا وبدءا، وعلانية وسرّا، فبخلنا عليه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا، فلا نحن نصرناه بأيدينا ولا خذّلنا عنه ألسنتنا، ولا قوّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة من عشائرنا، فما عذرنا عند ربّنا لا عذر والله أو نقتل قاتليه والموالين عليه، وإنّه لا بدّ لكم من أمير تفزعون إليه، وترجعون إلى أمره، وراية تحفون بها معه. ثم تكلّم رفاعة بن شدّاد البجلي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: دعوت إلى جهاد الفاسقين، والتوبة من الذنب العظيم، فمسموع ذلك عنك، ومقبول منك، وقلت: ولّوا أمركم رجلا تفزعون اليه وتطيفون برايته

стр. 2503

وتطيعون له، فإن تكن ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا متنصّحا، وإن رأيت ورأى أصحابنا ولّينا هذا الأمر شيخ الشيعة، وصاحب رسول الله ﷺ ، وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد، المحمود في دينه وبأسه، الموثوق برأيه وتدبيره. ثم تكلّم عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد بن نفيل بنحو من كلام رفاعة بن شدّاد، وذكرا المسيّب بن نجبة وفضله، وذكرا سليمان بن صرد لسابقته ورضاهما به، فقال المسيّب: أصبتم ووفقتم، وأنا أرى مثل الذي رأيتم، فولّوا سليمان أمركم. فولّوه عليهم، وقلّدوه رئاستهم، فخطب سليمان بن صرد فقال: إنّي أخاف ألاّ نكون أخّرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزيّة لما هو خير لنا، نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيّنا، ونعدهم نصرنا، ونحثّهم على المصير إلينا فلما قدموا علينا ونينا وعجزنا وداهنّا وتربّصنا، حتى قتل ولد نبيّنا وسلالته وبضعة من لحمه، فاتّخذه الفاسقون غرضا للنبل ودريّة للرماح، فلا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله عنكم بأن تناجزوا من قتله وتبيروه، ألا ولا تهابوا الموت، فوالله ما هابه أحد قطّ إلاّ ذل، وكونوا كتوّابي بني إسرائيل إذ قال لهم نبيّهم ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ١،﴾ فما فعل القوم جثوا والله للركب، ومدّوا الأعناق، ورضوا بالقضاء حين

стр. 2504

علموا أنّه لا ينجيهم من عظم الذنب إلاّ الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه، اشحذوا السيوف، وركّبوا الأسنّة وأعدّوا لعدوّكم ما استطعتم من قوة. وقال عبد الله بن سعد بن نفيل، أو أخوه خالد: أشهد الله ومن حضر من المسلمين أنّي قد جعلت مالي الذي أصبحت أملكه، سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوّي، صدقة على المسلمين أقويّهم به على قتال القاسطين، وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني فقال: وأنا أشهدكم على مثل ذلك، وتصدّق حجر بن عوضة الكندي بماله عليهم أيضا، وتصدّق الأسود بن ربيعة بن مالك بن ذي العينين الكندي بماله عليهم أيضا. وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة يدعوه ومن قبله إلى التوبة، والطلب بدم الحسين، فأجابوه إلى ذلك، وهم شيعة بالمدائن، وكانوا انتقلوا إليها من الكوفة، وقال لهم سعد بن حذيفة: إنّكم كنتم على نصرة الحسين لولا أنّ خبر قتله ومعاجلة القوم إيّاه أتاكم، فانهضوا لقتال قتلته. وكتب سليمان بن صرد إلى المثنّى بن مخرّبة العبدي، ومن قبله من شيعة البصرة، بمثل ذلك، فأجابوه إلى النهوض معه. وكان ابتداء أمر التوّابين في آخر سنة إحدى وستّين، فكانوا يتداعون ويستعدون ويرتأون، وكان مهلك يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين وكان أجل الشيعة الذي ضربوه لمن كتبوا إليه في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستّين، على أن يتوافوا ويجتمعوا بالنخيلة.

стр. 2505

وكان عبيد الله حين أتاه موت يزيد بالبصرة وثب به أهلها حتى استخفى، ثم لحق بالشام، فلم يزل مع مروان بن الحكم إلى أن عقد له مروان على ما غلب عليه وفتحه من أرض الجزيرة والعراق، ووثب أهل الكوفة بعامله عمرو بن حريث أيضا فأخرجوه واصطلحوا على عامر بن مسعود الجمحي دحروجة الجعل، فكان يصلّي بهم ويدعو لابن الزبير حتى عزله ابن الزبير، وولّى عبد الله بن يزيد الخطمي، فقدمها ابن يزيد لثماني بقين من شهر رمضان سنة أربع وستّين، ويقال: بعد ذلك بأشهر. وقدم المختار بن أبي عبيد الكوفة بعد عبد الله بن يزيد بثمانية أيّام، فكان المختار إذا دعا الشيعة إلى نفسه، وإلى الطلب بدم الحسين قالوا: هذا سليمان بن صرّد شيخ الشيعة وقد أطاعته الشيعة وانقادت له وولّته أمرها، فيقول: إنّ سليمان رجل لا علم له بالحروب وسياسة الرجال، وقد جئتكم من قبل المهديّ محمد - يعني ابن الحنفية - مؤتمنا منتجبا ووزيرا مناصحا، فلم يزل حتى انشعبت إليه طائفة منهم، وعظمهم مع ابن صرد، فكان سليمان أثقل الناس على المختار. واتى يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني عبد الله بن يزيد الخطمي فأخبره بخبر سليمان بن صرد والمختار بن أبي عبيد وما يدعوان إليه من الطلب بدم الحسين بن عليّ، وأنّه لا يأمن أن تولّيه الشيعة، فخطب الناس فقال: إنّ قوما اجتمعوا للطلب بدم الحسين، فرحم الله الحسين، ورحم هؤلاء القوم، والله لقد دللت على أماكنهم وعليهم، فأبيت أن أهيجهم، والله ما قتلت الحسين، ولا مالأت على قتله وما أحببته، فلعن الله قتلته، فليظهر هؤلاء القوم آمنين، ثم ليسيروا إلى قاتل الحسين وقاتل خياركم وأماثلكم،

стр. 2506

فقد أقبل إليكم فإنّ عهد العاهد به على مسيرة ليلة من منبج فقتاله والاستعداد له أحزم وأرشد من أن تجعلوا بأسكم بينكم، وكان عامل ابن الزبير على الخراج دون عبد الله بن يزيد: إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، فقام حين فرغ ابن يزيد من كلامه فقال: لا يغرّنّكم مقالة هذا المداهن، فوالله لئن خرج علينا خارج لنقتلنّه، أو كما قال، فقطع عليه المسيّب بن نجبة كلامه فقال: أأنت تتهدّدنا بالقتل إنّك لأذلّ من ذلك، وأمّا أنت أيّها الأمير فجزاك الله خيرا، فقد قلت قولا سديدا، وكلّم القوم إبراهيم بكلام شديد غليظ، وقالوا لابن يزيد خيرا، ثم إنّ أصحاب سليمان بن صرد انتشروا يشترون السلاح، ويتجهّزون ظاهرين لا يخافون أحدا (١). فلما أهلّ هلال شهر ربيع الآخر سنة خمس وستّين، خرج سليمان إلى النخيلة في أصحابه فعسكر بها، وبعث حكيم بن منقذ والوليد بن غضين بن مسلم الكناني ثم الغفاري في خيل فناديا بالكوفة: يا لثأرات الحسين فتلاحق به بعد النداء قوم، وكان مبلغ من أثبت في ديوانه ستّة عشر ألفا، ويقال: اثنا عشر ألفا، فعرض أصحابه ومن اجتمع إليه من أهل الكوفة فوجدهم أربعة آلاف، فقال: يا سبحان الله أما وافاني من ستة عشر ألفا إلاّ أربعة آلاف؟ ويقال إنه قال أما وافاني من اثني عشر ألفا إلاّ أربعة آلاف؟! فقيل له إنّ المختار ثبط الناس عنك، وقد صار معه ألفان فقال: سبحان الله أما تذكّر هؤلاء الله وما أعطونا من الميثاق.

стр. 2507

وكان مقامه بالنخيلة ثلاثا، ثم بعث إلى من تخلّف عنه يذكرهم الله وما أعطوه من العهود، فخرج إليه منهم ألف أو نحو ألف، فقام إليه المسيّب بن نجبة، فقال: يرحمك الله إنّه لا ينفعك المكره، ولا يقاتل معك إلاّ من أخرجته النيّة والحسبة، ومن فرّ إلى ربّه من ذنبه، فقال سليمان: أيّها الناس إنّا والله ما نطلب من الغنيمة إلاّ رضوان الله، وما معنا من ذهب ولا فضّة ولا خز ولا حرير، وما هي إلاّ سيوفنا على عواتقنا، ورماحنا بأيدينا وزاد قدر البلغة إلى لقاء عدونا، فمن لم يرض بهذا فلا يصحبنا، فنادى الناس من كلّ جانب: إنّا لا نطلب الدنيا، وليس لها خرجنا. وأجمع سليمان المسير فأشار عليه عبد الله بن سعد بن نفيل بأن يطلب بدم الحسين عمر بن سعد بن أبي وقّاص، ومن بالمصر فإنّهم الذين شركوا في دمه وتولّوا أمره، فقال سليمان: إنّ هذا لكما قلت، ولكنّ ابن زياد هو الذي سرّب إليه عمر بن سعد والجنود، وعبّأهم عليه، وقال: لا أمان له عندي، فسيروا إليه فإنّكم إن رزقتم الظفر به فأمر من دونه أهل مصركم أيسر من أمره. وعرض عليه عبد الله بن يزيد الخطمي أن ينظر إلى قدوم ابن زياد ليكون أمرهم وأمره في محاربته واحدا، فكره ذلك، فعرض عليه أن يوجّه معه جيشا، وقال: إنّكم أعلام أهل مصركم فإن أصبتم اختلّ مصركم فحاجزه، وأجمع على الشخوص واستقبال ابن زياد. ووعظ سليمان الناس، ثم سار من النخيلة، فلما صار إلى دير الأعور عرض أصحابه فإذا قد تخلّف منهم نحو من ألف، فقال لأصحابه: ما أحبّ من تخلّف عنكم معكم ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاّ خبالا، ولما

стр. 2508

انتهى سليمان وأصحابه إلى قبر الحسين صرخوا صرخة واحدة، وبكوا وقال سليمان: اللهمّ ارحم الشهيد بن الشهيد ونادوا: يا لثأرات الحسين، وأظهروا التوبة من خذلانه، ثم إنّ سليمان سار فأخذ على الجصّاصة، ثم على الأنبار، ثم صندوداء قرية الأنصار ثم على القيارة وبعث سليمان على مقدّمته كريب بن مرثد الحميري. فلما انتهى إلى قرقيسيا أخرج إليهم زفر بن الحارث الكلابي أنزالا وسوقا وأهدى إلى وجوههم الجزر، ونحر لسائر أهل العسكر، وأمر ابنه الهذيل بن زفر فأقام لهم كل ما احتاجوا إليه، وزوّدهم، وقال لهم: إنّ عبيد الله بن زياد قد أقبل ومعه حصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، وأدهم بن محرز الباهلي وربيعة بن المخارق الغنوي، وحملة بن عبد الله الخثعمي، وهم في الشوك والشجر، وقد وردوا الرقّة فسيروا إلى عين الوردة فاجعلوها في ظهوركم فيكون الماء والمادّة في أيديكم، وما بيني وبينكم فأنتم له آمنون، وعرض عليهم أن يقيموا عنده فيقاتل معهم، وقال: إنّه يريدني فلا تبرحوا حتى يكون أمرنا واحدا، فلم يفعلوا، فقال: أما والله لو أنّ خيلي كرجالي لأمددتكم. فأغذّوا السير وانتهوا إلى قول زفر بن الحارث ورأيه وساروا إلى الشمسانية وإلى السكير، ثم إلى التنينيرين وساعا، ثم إنّ سليمان عبّأ الكتائب ووجّه إلى أوّل عسكر أهل الشام، وقد فصلوا من الرقّة، وعسكر ابن ذي الكلاع أربعمائة عليهم المسيّب بن نجبة، فقاتلوهم قتالا شديدا فنالوا منهم وهزموهم وغنموا غنيمة حسنة، فبلغ الخبر ابن زياد فسرّح إليهم الحصين بن نمير في اثني عشر ألفا، فخرج إليهم سليمان في التعبئة، فلما

стр. 2509

تواقفوا دعاهم الحصين إلى طاعة عبد الملك، وكان مروان قد هلك، ودعاهم سليمان إلى أن يسلموا إليهم عبيد الله بن زياد ويخلعوا عبد الملك، ويخرج عمّال عبد الله بن الزبير، ويسلم الأمر إلى أهل بيت رسول الله ﷺ ، فاقتتلوا أشدّ قتال سمع به، فهزم أهل الشام يومهم، وحجز الليل بينهم، ثم قاتلوهم من الغد وقد أمدّ ابن زياد الحصين بابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف فاقتتلوا قتالا لم ير مثله، ثم تحاجزوا وقد فشت في الفريقين الجراح، ووافاهم أدهم بن محرز الباهلي في عشرة آلاف فالتقوا فقتل سليمان بن صرد الخزاعي، رماه يزيد بن الحصين بسهم، ثم أخذ الراية بعده المسيّب بن نجبة الفزاري فقتل، ثم أخذها عبد الله بن سعد بن نفيل وهو يقول: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (١) رحمكما الله فقد صدقتما ووفيتما وقاتل فحمل وحمل عليه ربيعة بن المخارق ابن جأوان الغنوي فاختلف هو وعبد الله بن سعد بن نفيل ضربتين فلم يصنع سيفاهما شيئا، وطعن ابن أخي ربيعة بن المخارق عبد الله بن سعد بن نفيل في ثغره نحره فقتله، وأخذ الراية عبد الله بن وال التيمي فقتل، ويقال: بل دعي ابن وال حين قتل عبد الله بن سعد لتدفع الراية إليه فوجدوه قد استلحم فحمل رفاعة بن شدّاد، فكشف الناس عنه ثم إنّه أقبل إلى الراية وقد أمسكها عبد الله بن حازم الكبيري من بني كبير من الأزد، فقال لابن وال: خذ رايتك فأخذها وقاتل ابن وال حتى قتل، وقتل ابن حازم إلى جنب ابن وال. وجاء الليل فنظر رفاعة إلى كلّ جريح، فدفعه إلى قومه، وسار بالناس حتى أصبح بالتنينيرين فعبر الخابور، ثم مضى لا يمرّ بمعبر إلاّ قطعه،

стр. 2510

ودلف أهل الشام لمحاربتهم حين أصبحوا فوجدوهم قد مضوا فلم يتبعوهم، وسار رفاعة بالناس فأسرع وخلف وراءهم أبا الجويرية العبدي في سبعين فارسا لحمل من سقط من الرجال، وقبض ما وجد من المتاع وحفظه على أهله وتعريفه، فلما مرّوا بزفر بن الحارث بقرقيسيا بعث إليهم من الطعام والعلف بمثل الذي كان بعث به في بدأتهم، وأرسل إليهم الأطبّاء والأدوية، وقال: أقيموا عندنا إن أحببتم فإن لكم الكرامة والمواساة، فأقاموا ثلاثا، ثم زوّدهم وساروا فأقبل ابن زياد يريد زفر بن الحارث. وجاء سعد بن حذيفة بن اليمان من المدائن حتى انتهى إلى هيت، فاستقبله الأعراب فأخبروه بما لقي الناس فانصرف، ولقي سعد المثنّى بن مخرّبة بصندوداء فأخبره الخبر، فأقاما فيمن معهما حتى قيل لهما إنّ رفاعة قد أظلّكما فاستقبلوه فبكى بعضهم إلى بعض، وانصرف سعد بن حذيفة بمن معه إلى المدائن، وانصرف أهل الكوفة إلى الكوفة، وانصرف ابن مخربّة إلى البصرة. وقوم يزعمون: إنّ سعد بن حذيفة كان وجّه إلى أهل عين الوردة ابن الحصل يبشّرهم بإقبالهم إليهم ليقووا منّتهم وتطيب أنفسهم، وأنّ ابن مخربّة وافاهم بقبر الحسين ﵇ في بدأتهم وشهد حربهم والله أعلم. وقال هشام ابن الكلبي عن أبيه: قتل بعين الوردة حجر بن عوضة بن حجر بن مالك بن ذي العينين، واسم ذي العينين معاوية بن مالك بن الحارث بن بدّاء الكندي، وبعض الرواة يقول عوضة وذلك خطأ. وقال الهيثم بن عديّ: بعث حصين بن نمير إلى سليمان بن صرد حين التقوا إنّي أعرف لك حقّك وسنّك وقرابتك، وأنا اكره قتالك، فبعث إليه

стр. 2511

والله ما خرجت وأنا أحب الحياة، فوجّه إليه سليمان بن عبد الرحمن الكلاعي في خمسة آلاف فقتل ابن صرد، ثم أخذ الراية ابن نجبة فقتل، ثم ابن سعد بن نفيل فقتل. قالوا: وأتى أدهم بن محرز عبد الملك ببشارة الفتح، فصعد عبد الملك المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فإنّ الله قد أهلك من أهل العراق ملقح الفتنة، ورأس الضلالة سليمان بن صرد، ألا وإنّ السيوف تركت رأس ابن نجبة خذاريف. ألا وقد قتل الله منهم رجلين ضاليّن مضلّين: عبد الله بن سعد أخا الأزد، وابن وال أخا بكر بن وائل، فلم يبق بعد هؤلاء أحد عنده دفاع ولا امتناع ثم نزل. ولما قدم رفاعة بن شدّاد وأصحابه الكوفة، كانوا يقولون إذا ذكر لهم أصحابهم: صبروا والله، وفررنا، وخفنا أن نلقي بأيدينا إلى التهلكة، وأن نؤكل أهل الشام لحومنا، وقلنا لعلّ الأيّام تبقي لهم منّا شرّا. وكان عمر بن سعد بن أبي وقّاص، وشبث بن ربعيّ الرياحي، ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم يقولون لعبد الله بن يزيد الخطمي، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله عاملي ابن الزبير على الكوفة، بعد خروج ابن صرد: إنّ المختار بن أبي عبيد أشدّ عليكم من ابن صرد، وهو يقول إذا ذكر ابن صرد: إنّه عشمة من العشم وحفش من الأحفاش بال، ليس بذي تجربة للأمور، ولا علم بالحروب وأنا رجل أعمل على مثال مثّل لي، وأمر تقدّم فيه إليّ، ويدلّ بنفسه غير إدلال ابن صرد، وليس البلد والمختار فيه لكم ببلد، فأودعوه الحبس حتى يجتمع الناس على رجل، فأخذاه فحبساه مقيّدا.

стр. 2512

وقدم رفاعة وأصحابه الكوفة من عين الوردة، وهو محبوس، فكتب إليهم: أمّا بعد فمرحبا بالعصبة الذين حكم الله لهم بالأجر حين رحلوا، ورضي انصرافهم حين أقبلوا، إنّ سليمان بن صرد رحمه الله تعالى قضى ما عليه وتوفّاه الله إليه، فجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي تنتظرون، ولكنّي الآمر والمأمور وقاتل الجبّارين فأعدّوا واستعدّوا فإنّي أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفة وجهاد المحلّين فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: إن شئت أخرجناك من محبسك، فقال: أنا أخرج في أيّامي هذه، وكانت صفية بنت أبي عبيد أخته امرأة عبد الله بن عمر بن الخطّاب، فكتب إلى عبد الله بن عمر يعلمه أنّ ابن يزيد وابن محمد بن طلحة حبساه لغير جناية، فكتب إليهما يسألهما إخراجه، فأخرجاه، فكان من أمره ما كان (١).

стр. 2513

أمر المختار بن أبي عبيد الثقفي وقصصه قالوا: ولد المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن قسي - وهو ثقيف - بن منبّه بن بكر بن هوازن في السنة التي هاجر فيها رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وتزوّج أبوه دومة بنت عمرو بن وهب بن معتّب، وكان قبل تزوّجه إيّاها يختار نساء قومه فرأى في منامه قائلا يقول له: تزوّج دومه. فإنّها عظيمة الحومه. لا يسمع فيها من لائم لومه، فتزوّجها فلما اشتملت على المختار رأت في منامها قائلا يقول لها: أبشري بولد. أشدّ من الأسد. إذا الرجال في كبد. يتغالبون على بلد. له فيه الحظّ الأسدّ، فلما ولد قيل لها إنّ ابنك قبل أن يتسعسع (١). وبعد أن يترعرع. كثير التبع. قليل الهلع. خنشليل (٢) غير ورع. يدان بما صنع.

стр. 2514

وكان مع أبيه أبي عبيد بن مسعود حين وجّهه عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه إلى العراق في الثقل، وكان له يوم قتل أبوه ثلاث عشرة سنة، وكان يقول: والله لأعلونّ منبرا بعد منبر. ولأفلّنّ عسكرا بعد عسكر ولأخيفنّ أهل الحرمين. ولأذعرنّ أهل المشرقين والمغربين. وإنّ خبري لفي زبر الأوّلين. وكان المختار مع عمّه بالمدائن حين جرح الحسن بن عليّ في مظلم ساباط أشار على عمّه بدفعه إلى معاوية، والتقرّب إليه به، طلبه قوم من الشيعة منهم الحارث الأعور، وظبيان بن عمارة التميمي ليقتلوه، فكلّم عمّه الحسن فسألهم الإمساك عنه فأمسكوا وكان المختار عند الشيعة عثمانيّا. فلما بعث الحسين بن عليّ مسلم بن عقيل نزل دار المختار، فبايعه المختار فيمن بايعه سرا، وخرج ابن عقيل يوم خرج والمختار في ضيعة له بخطرنيه (١)، ولم يكن خروج مسلم عن مواعدة لأصحابه، إنّما خرج بداهة حين كان من أمر هانئ ما كان وقدم المختار الكوفة مسرعا، فوقف على باب المسجد الذي يعرف بباب الفيل في جماعة، فمرّ به هانئ بن أبي حيّة الوادعي فقال له يا بن أبي عبيد لا أنت في منزلك ولا مع القوم - يعني أهل الكوفة من أصحاب ابن زياد - فقال: أمسى رأيي مرتجنا عليّ لعظيم خطبكم، فأتى هانئ عمرو بن حريث، وهو خليفة ابن زياد فأخبره بقول المختار فأرسل إليه عمرو بن حريث رسولا وقال له: استنهه عن نفسه، وحذّره أن يجعل عليها سبيلا، فقام زائدة بن قدامة الثقفي فقال: آتيك به على أنّه

стр. 2515

آمن وإن رقي إلى الأمير عبيد الله فيه شيء قمت بشأنه عنده؟ فقال عمرو بن حريث: أمّا مني فهو آمن، وأمّا الأمير فإن بلغه عنه شيء ءأقمت له بمحضره الشهادة وشفعت عنده أحسن الشفاعة، فأبلغ المختار رسالة عمرو بن حريث فأتى حتى جلس تحت رايته وبات ليلته، ثم إنّ ابن زياد جلس للناس وفتح بابه فدخل المختار عليه فلما رآه قال له: أنت المقبل في الجموع لنصر ابن عقيل؟ فقال: والله ما بتّ إلاّ تحت راية عمرو، فرفع ابن زياد قضيبا كان في يده فاعترض به وجه المختار فشتر عينه، وشهد له عمرو على ما قال، فقال ابن زياد لولا شهادة عمرو لك لضربت عنقك، وأمر به فحبس فلم يزل محبوسا حتى قتل الحسين. ثم إنّ المختار سأل زائدة بن قدامة الثقفي أن يسير إلى عبد الله بن عمر فيسأله الكتاب إلى يزيد بن معاوية في استيهابه منه، وكانت صفيّة بنت أبي عبيد أخت المختار عند عبد الله بن عمر، فسار ابن قدامة إلى ابن عمر فكتب إلى يزيد بما سأل المختار، فكتب يزيد إلى ابن زياد بتخلية سبيل المختار فخلاّه وأجّله في المقام بالكوفة ثلاثا، فخرج في اليوم الثالث إلى الحجاز، فلقيه ابن الغرق من وراء واقصة، فلما رأى شتر عينه استرجع فقال المختار: شتر عيني ابن الزانية بالقضيب، قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأباجله وأعضاءه إربا إربا، فاحفظ هذا الكلام عنّي، ثم ذكر ابن الزبير فقال: إن سمع منّي وقبل عنّي كفيته أمر الناس، وإلاّ فلست بدون رجل من العرب، إنّ الفتنة قد برقت ورعدت، وكأن قد انبعثت فوطئت في خطامها، فروي عن ابن الغرق أنّه قال: حدّثت بهذا الحديث الحجّاج بن يوسف، وضحك وذكر سجع المختار فقال: كان يقول: ورافعة ذيلها. وصائحة ويلها.

стр. 2516

بدجلة أو حولها. فوالله ما أدري ما كان يقول، إلاّ أنّه كان رجلا ديّنا، ومقارع أعداء، ومسعر حرب. قال: وقدم المختار على عبد الله بن الزبير، فرّحب به وأوسع له ثم قال له: ما حال العراق يا أبا إسحاق؟ قال: هم لسلطانهم في العلانية أولياء، وفي السرّ أعداء، فقال ابن الزبير: هذه صفة عبيد السوء إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم، وإذا غابوا عنهم شتموهم وعابوهم، وعرض على ابن الزبير أن يقلّده أمره ويستكفيه إيّاه فلم يفعل، فقام عنه ولحق بالطائف فتصرّف في أموره وغاب عن ابن الزبير سنة، وجعل يقول: أنا مبير الجبّارين، فبلغ ذلك ابن الزبير فقال: إن يهلك الله الجبّارين يكن المختار أحدهم، قاتله الله كذّابا متهكّما. وأقبل المختار بعد سنة حتى دخل المسجد وابن الزبير في ذكره فقال ابن الزبير: إذكر غائبا تره، وأقبل المختار فطاف بالبيت وصلّى عند الحجر ركعتين، ثم جلس واجتمع إليه قوم يسلّمون عليه، واستبطأه ابن الزبير فقال له بعضهم: قم إليه فقد استبطأك؟ فقال أتيته عاما أوّل فعرضت عليه نفسي فرأيته منحرفا عنّي، والله إنّه إليّ لأحوج منّي إليه، فقال له عبّاس بن سهل بن سعد الساعدي: إنّك أتيته نهارا، وهذا أمر تضرب عليه الستور، فأته ليلا، فقال: أنا فاعل، فلما كان الليل أتاه عبّاس، فمضيا جميعا حتى دخلا على ابن الزبير فسلّم عليه ابن الزبير وصافحه، فابتدأ المختار القول فقال: إنّه لا خير في الإكثار من المنطق، ولا حظّ في التقصير عن الحاجة، وقد جئتك لأبايعك على أن لا تقضي أمرا دوني، وعلى أن أكون أوّل من تأذن له، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك؟ فقال ابن

стр. 2517

الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيّه؟ فقال المختار: لو أتاك شرّ غلماني لبايعته هذه المبايعة العامة، والله لا أبايعك إلاّ على هذه الخصال، فبسط ابن الزبير يده فبايعه. ومكث المختار معه حتى شهد حصار ابن الزبير الأوّل، وهو حصار حصين بن نمير السكوني، وقاتل في جماعة معه أشدّ القتال وأغنى أعظم الغناء، ولما كان آخر يوم قاتل فيه الحصين بن نمير ابن الزبير نادى: يا أهل الشام أنا المختار بن أبي عبيد، أنا الكرّار غير الفرّار، أنا المقدم غير المحجم إليّ يا أهل الحفاظ وحماة الأدبار، وكان آخر أيّامهم في القتال اليوم الذي علم أهل الشام فيه بموت يزيد، وكان عبد الرحمن بن بحدج بن ربيعة أحد بني عامر بن حنيفة في عصابة من الخوارج من أهل اليمامة يقاتل مدافعة عن البيت، لا غضبا لابن الزبير. وأقام المختار مع ابن الزبير حتى انصرف عنه الحصين بن نمير وأهل الشام إلى الشام، فلما رأى أنّ ابن الزبير لا يولّيه شيئا أقبل يسأل الناس عن خبر الكوفة وأهلها، فيقال له إنّهم أخرجوا عمرو بن حريث عامل ابن زياد واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف، فيقول: أنا أبو إسحاق، أنا لها إذ ليس لها أحد غيري، أنا راعيها إذا أظلّ راعيها، ثم ركب رواحله وأتى الكوفة، فلما صار بنهر الحيرة اغتسل وادّهن، ولبس ثيابه، واعتمّ وتقلّد بسيفه وركب راحلته فمرّ بمسجد السكون، وجبّانة كندة، وجعل لا يمرّ بمسجد إلاّ سلّم على أهله حتى مرّ ببني بداء من كندة، فسلّم على عبيدة بن عمرو البدّي، وقال: يا أبا عمرو أبشر بالنصر واليسر والفرج إنّك على رأي تستر معه العيوب، وتغفر الذنوب، وكان عبيدة من

стр. 2518

أشدّ الناس تشيّعا وحبا لعليّ، وكان شجاعا، فقال للمختار: بشّرك الله بخير، قال: القني رحمك الله وأهل مسجدك، ودار على الشيعة من همدان وغيرها يبشرهم ويبلّغهم السلام عن ابن الحنفيّة. فيقال: إنه لما أراد الشخوص إلى الكوفة أتى ابن الحنفيّة فقال له إنّي على الشخوص للطلب بدمائكم، والإنتصار لكم، فسكت ابن الحنفيّة فلم يأمره ولم ينهه فقال إنّ سكوته عنّي إذن لي وودّعه، فقال له ابن الحنفيّة: عليك بتقوى الله ما استطعت، ويقال: إنّه لما قال له: إنّي على الشخوص للطلب بدمائكم والإنتصار لكم قال: إنّي لأحبّ أن ينصرنا ربّنا ويهلك من سفك دماءنا ولست آمر بحرب ولا إراقة دم، فإنّه كفى بالله لنا ناصرا، ولحقّنا آخذا وبدمائنا طالبا. وحدثني عبيد الله بن صالح بن مسلم العجلي، حدثنا اسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أنّه قال - وسئل هل كان أمر المختار عن رأي محمد ابن الحنفيّة - فقال: كان لذلك سبب، إلاّ أنّه أمره بما لم يعمل به. وقال أبو مخنف في روايته: لما اجتمعت الشيعة إلى المختار حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فإنّ المهديّ ابن الوصيّ محمد بن عليّ بعثني إليكم أمينا ووزيرا ومنتجبا وأميرا، وأمرني بقتال المحلّين والطلب بدماء أهل بيته الطيّبين، فكان أوّل من بايعه عبيدة بن عمرو، وقد كانت الشيعة مجتمعة لسليمان بن صرد الخزاعي، فجعل يثبطها عنه ويقول هذا رجل عشمة هامة اليوم أو غد، وإنما يريد أن يقتلكم ونفسه، فإنّه لا علم له بالحروب وسياسة الأمور حتى مال إليه كثير منهم، وكان ابن الزبير قد جعل مكان عامر بن مسعود على صلاة الكوفة وحربها عبد الله بن يزيد الأنصاري،

стр. 2519

ثم أحد بني خطمه، وعلى الخراج إبراهيم الأعرج بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فأتاهما عمر بن سعد بن أبي وقّاص ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني، وشبث بن ربعيّ الرياحي فقالوا لهما: إن سليمان بن صرد يريد قتال أعدائكما، وإنّ المختار يريد الوثوب بكما في مصركما والإفساد عليكما، فأخذاه فحبساه وقيّداه. فكان يقول في السجن: أما وربّ البحار. والنخل والأشجار. والمهامه والقفار. والملائكة الأبرار. والمصطفين الأخيار. لأقتلنّ كلّ جبّار. بكلّ لدن خطّار. ومهنّد بتّار. في جموع من الأنصار. ليسوا بميل أغمار. ولا عزل أشرار. حتى إذا أقمت عمود الدين. ورأبت صدع المسلمين. وشفيت غليل صدور المؤمنين. وأدركت ثأر أبناء النبيّين. لم يكبر عليّ فراق الدنيا ولم أحفل بالموت إذا أتى. وكان يسجّع بعد خروج ابن صرد إلى الجزيرة فيقول: عدوا لغزيكم أكثر من عشر. وأقلّ من شهر. فليأتينّكم نبأ هتر. وطعن نتر. وضرب هبر. وقتل جمّ. وأمر قد حمّ. فمن لها يومئذ، أنا لها. وكتب من الحبس إلى عبد الله بن عمر: «أمّا بعد فقد حبست مظلوما، وظنّ بي ولاة المصر ظنونا، وحملت عني أكاذيب، فاكتب رحمك الله إلى هذين الواليين الظالمين في أمري لعلّ الله يتخلّصني ببركتك»، فكتب ابن عمر إليهما: «أمّا بعد فقد علمتما الذي بيني وبين المختار بن أبي عبيد من الصهر، وما أنا عليه لكما من الودّ فأقسمت عليكما بما بيني وبينكما لمّا خلّيتما سبيله»، فلما أتى الكتاب عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد دعوا المختار وقالوا: هات بكفلاء يضمنونك فضمنه زائدة بن قدامة الثقفي، وعبد

стр. 2520

الرحمن بن أبي عمير الثقفي، والسائب بن مالك الأشعري وقيس بن طهفة النهدي، وعبد الله بن كامل الشاكري من همدان، ويزيد بن أنس الأسدي، وأحمر بن شميط البجلي ثم الأحمسي، وعبد الله بن شدّاد الجشمي ورفاعة بن شدّاد البجلي، وسليم بن يزيد الكندي ثم الجوني، وسعيد بن منقذ الهمداني ثم الثوري أخو حبيب بن منقذ، ومسافر بن سعيد بن عمران الناعطي وسعر بن أبي سعر الحنفي، فلما ضمنوه دعا به عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد فأحلفاه ألا يبغيهما غائلة ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فلما خرج من عندهما قال: أما حلفي لهما بالله فإنّه ينبغي لي أن اكفّر يميني فإنّ خروجي عليهما خير، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أتى الذي هو خير وكفّر عن يمينه، وأمّا حلفي بعتق مماليكي فوددت أنّي نلت الذي أريد وأنّي لا أملك مملوكا أبدا وأمّا هدي ألف بدنة فذلك أهون عليّ من بصقة. ثم إنّه صار إلى داره فتداكّت عليه الشيع يبايعونه، فلم يزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد وولّى عبد الله بن مطيع بن الأسود الكوفة، فقدمها في شهر رمضان سنة خمس وستّين وبعث ابن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وهو القباع، على البصرة، وخرج إبراهيم بن محمد إلى المدينة وكسر الخراج على ابن الزبير، وقال: إنّها كانت فتنة، وقبل خروجه حبسه ابن مطيع، فكتب إليه اسماعيل بن طلحة: «والله لتطلقنّه أو لتعلمنّ أنّي لك بئس الشعار وأنّها لك بئس الدار»، فأطلقه.

стр. 2521

ودعا ابن مطيع الناس إلى البيعة لابن الزبير، ولم يسمه، وقال: بايعوا لأمير المؤمنين فكان ممّن بايعه فضالة بن شريك الأسدي، ويقال: ابن همّام السلولي وقال: دعا ابن مطيع للبياع فجئته … إلى بيعة قلبي لها غير عارف فأخرج لي خشناء حيث لمستها … من الخشن ليست من أكفّ الخلائف من الشثنات الكزم أنكرت مسّها … وليست من البيض السباط اللطائف معاودة ضرب الهراوى لقومها … فرورا إذا ما كان يوم التسايف ولم يسم إذ بايعته من خليفتي … ولم يشترط إلاّ اشتراط المجازف قالوا: وخطب ابن مطيع فقال إنّ امير المؤمنين بعثني على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم ولا أحمل شيئا ممّا يفضل عنكم إلاّ أن ترضوا بحمل ذلك، فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا فوق أيدي سفهائكم فوالله لأوقعنّ بالسقيم العاصي، ولأقيمنّ درء (١) الأصعر المرتاب، ولأبالغنّ للمحسن في الإحسان، ولأتّبعنّ سيرة عمر وعثمان، فقال له السائب بن مالك: أمّا سيرة عثمان فكانت هوى وأثره فلا حاجة لنا فيها، وأمّا سيرة عمر فأقلّ السيرتين ضررا علينا لكن عليك بسيرة عليّ بن أبي طالب، فإنّا لا نرضى بما دونها، فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكلّ ما تهوون وتريدون، وكان على شرط ابن مطيع إياس بن مضارب العجلي، وقال له حين ولاّه: عليك بحسن السيرة والشدّة على أهل الريبة.

стр. 2522

قالوا: وبعث ابن مطيع إياسا إلى المختار ليأتيه به فتمارض المختار ودعا بقطيفة وقال: إنّي لأجد قفقفة، وجعل المختار يبعث إلى اصحابه فيجمعهم في الدور حوله، وأراد الوثوب بالكوفة في المحرّم، فجاء رجل من شبام يقال له عبد الرحمن بن شريح إلى وجوه الشيعة فقال لهم: إنّ المختار يريد الخروج بنا ولا ندري لعلّ محمد بن عليّ لم يوجّهه إلينا، فانهضوا بنا إليه لنخبره خبره فإن رخّص لنا في اتّباعه اتبعناه، وإن نهانا عنه اجتنبناه فما ينبغي أن يكون شيء آثر عندنا من أدياننا، فخرج عبد الرحمن بن شريح الشبامي، والأسود بن جراد الكندي، وسعر بن أبي سعر الحنفي في عدّة معهم إلى ابن الحنفيّة، فلما لقوه قال عبد الرحمن: إنّكم أهل بيت قد خصّكم الله بالفضيلة، وشرّفكم بالنبوّة، وعظم حقّكم على الأمّة فلا يجهله إلا غبين الرأي مخسوس الحظّ، وقد أصبتم بحسين ﵀، وأتانا المختار بن أبي عبيد يزعم أنه جاء من تلقائك يطلب بدمه، فمرنا بأمرك، فقال ابن الحنفيّة: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ،﴾ فالحمد لله على ما آتانا وأعطانا، وأمّا المصيبة بحسين فقد خصت أهله، وعمّت المسلمين، وما دعاكم المختار إليه، فوالله لوددت أنّ الله انتصر لنا بمن شاء من خلقه، فقالوا: هذا إذن منه، ورخصة، ولو شاء لقال: لا تفعلوا حتى يبلغ الله أمره، فلم تكن إلاّ زيادة أيّام على الشهر حتى وافوا الكوفة فبدءوا بالمختار، وكان ظنّه ساء، وخاف أن يأتي القوم بأمر يخذّلون به الشيعة عنه، فقال لهم حين قدموا: ارتبتم وتحيّرتم، فما وراءكم؟ قالوا: أذن لنا في نصرتك، فقال: الله أكبر أنا أبو إسحاق، اجمعوا إليّ الشيعة، فاجتمعوا فقال: إنّ نفرا منكم أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى.

стр. 2523

والنجيب المرتضى. وابن خير من جلس ومشى. بعد النبيّ المصطفى. فسألوه عمّا قدمت له. فأنبأهم أني وزيره وظهيره ورسوله، فقام عبد الرحمن بن شريح فقال: إنّا قدمنا على المهدي بن عليّ فأمرنا بمظاهرة المختار ومؤازرته، وإجابة دعوته، فأقبلنا طيّبة أنفسنا منشرحة صدورنا، قد أذهب الله عنّا الشكّ والغلّ والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتال عدوّنا، فليبلغ ذلك شاهدكم غائبكم، وقام الوفد رجلا رجلا فتكلّموا بنحو ما تكلّم به عبد الرحمن، فاستجمعت له الشيعة، وقالوا: إنّ أشراف أهل الكوفة مجمعون على قتالك مع ابن مطيع فإن جاء معنا إبراهيم بن الأشتر على أمرنا رجونا القوّة بإذن الله على عدوّنا، فإنّه فتى بئيس، وابن رجل شريف وله عشيرة ذات عزّ وعدد. فروي عن الشعبي أنّه قال: فخرج إليه وجوه الشيعة، وأنا فيهم فكلموه ودعوه إلى الطلب بدم الحسين، وأهل البيت، وقالوا: إنّ هذا أمر جسيم إن أجبتنا إليه، عادت لك منزلة أبيك في الناس، وأحييت شرفه وما كان مشهورا به من الفضل، ونصرة الحقّ، والغضب لرسول الله ﷺ ، وأهل بيته فقال: قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته على أن تولّوني الأمر. فقالوا: أنت لذلك أهل، ولكنّ المهديّ محمد بن عليّ وجّه المختار إلينا فهو الآمر والمأمور بالقتال، وقد شخص إليه نفر منّا اختبارا لما جاء به فأمرنا بطاعته، ثم إنّ المختار أتاه في جماعة من الشيعة بعد أيّام كثيرة، فأقرأه كتابا من محمد بن علي إليه نسخته: «من محمد المهديّ بن عليّ إلى إبراهيم بن مالك.

стр. 2524

أمّا بعد: فإنّي بعثت إليكم المختار بن أبي عبيد، نصيحي ووزيري، وثقتي وأميني المرضيّ عندي، للطلب بدماء أهل بيتي، فانهض معه بنفسك وعشيرتك وأتباعك ومن أطاعك، فإنك إن نصرتني، وساعدت وزيري، كانت لك عندي بذلك فضيلة، ولك الأعنّة والمنابر، وكل بلد ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام». فقال ابن الأشتر: قد كاتبت محمد بن عليّ، وكاتبني فما رأيته كتب إليّ قط إلا باسمه اسم أبيه، لا يزيد على ذلك، وقد استربت بهذا الكتاب، فقام يزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، وعبد الله بن كامل بن عمرو الهمداني ثم الشاكري، وورقاء بن عازب الأسدي، فشهدوا أنّه كتاب ابن الحنفيّة، فتنحى إبراهيم عن صدر المجلس وأجلس المختار فيه وبايعه. فمكثوا يدبّرون أمرهم حتى أجمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة النصف من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وستّين، ووطّنوا على ذلك شيعتهم ومن معهم، فلما كان عند غروب الشمس ليلة النصف وهي ليلة الميعاد، قام إبراهيم بن الأشتر فصلّى المغرب حين قال القائل: أخوك أم الذئب؟ ثم أتى المختار، قال الشعبي: فأقبلنا معه وعلينا السلاح فلم يمكن في تلك الليلة الخروج، فاتعدوا لليلة الخميس. المدائني في إسناده، قال: كان للمختار مجلس يجلس فيه بالطائف ليلا فرفع رأسه إلى السماء ثم قال متمثّلا:

стр. 2525

ذو مناديح (١) … وذو ملتبط (٢) وركاب حيث وجّهت ذلل لا تذمّن بلدا تكرهه … وإذا زلّت بك النعل فزل قد والله مات يزيد، فما لبثوا أن جاء موته. المدائني في إسناده، قال: ركب المختار يوما مع المغيرة بن شعبة، فمرّ بالسوق فقال المغيرة: أما والله إنّي لأعرف كلمة لو دعا بها أريب لاستمال بها أقواما فصاروا له أنصارا، ثم لا سيّما العجم الذين يقبلون ما يلقى إليهم، قال المختار: وما هي يا عمّ؟ قال: يدعوهم إلى نصرة آل محمد والطلب بدمائهم، فكانت في نفس المختار حتى دعا.
следующие страницы →