← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

ودعا ابن مطيع الناس إلى البيعة لابن الزبير، ولم يسمه، وقال: بايعوا لأمير المؤمنين فكان ممّن بايعه فضالة بن شريك الأسدي، ويقال: ابن همّام السلولي وقال: دعا ابن مطيع للبياع فجئته … إلى بيعة قلبي لها غير عارف فأخرج لي خشناء حيث لمستها … من الخشن ليست من أكفّ الخلائف من الشثنات الكزم أنكرت مسّها … وليست من البيض السباط اللطائف معاودة ضرب الهراوى لقومها … فرورا إذا ما كان يوم التسايف ولم يسم إذ بايعته من خليفتي … ولم يشترط إلاّ اشتراط المجازف قالوا: وخطب ابن مطيع فقال إنّ امير المؤمنين بعثني على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم ولا أحمل شيئا ممّا يفضل عنكم إلاّ أن ترضوا بحمل ذلك، فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا فوق أيدي سفهائكم فوالله لأوقعنّ بالسقيم العاصي، ولأقيمنّ درء (١) الأصعر المرتاب، ولأبالغنّ للمحسن في الإحسان، ولأتّبعنّ سيرة عمر وعثمان، فقال له السائب بن مالك: أمّا سيرة عثمان فكانت هوى وأثره فلا حاجة لنا فيها، وأمّا سيرة عمر فأقلّ السيرتين ضررا علينا لكن عليك بسيرة عليّ بن أبي طالب، فإنّا لا نرضى بما دونها، فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكلّ ما تهوون وتريدون، وكان على شرط ابن مطيع إياس بن مضارب العجلي، وقال له حين ولاّه: عليك بحسن السيرة والشدّة على أهل الريبة.

стр. 2522

قالوا: وبعث ابن مطيع إياسا إلى المختار ليأتيه به فتمارض المختار ودعا بقطيفة وقال: إنّي لأجد قفقفة، وجعل المختار يبعث إلى اصحابه فيجمعهم في الدور حوله، وأراد الوثوب بالكوفة في المحرّم، فجاء رجل من شبام يقال له عبد الرحمن بن شريح إلى وجوه الشيعة فقال لهم: إنّ المختار يريد الخروج بنا ولا ندري لعلّ محمد بن عليّ لم يوجّهه إلينا، فانهضوا بنا إليه لنخبره خبره فإن رخّص لنا في اتّباعه اتبعناه، وإن نهانا عنه اجتنبناه فما ينبغي أن يكون شيء آثر عندنا من أدياننا، فخرج عبد الرحمن بن شريح الشبامي، والأسود بن جراد الكندي، وسعر بن أبي سعر الحنفي في عدّة معهم إلى ابن الحنفيّة، فلما لقوه قال عبد الرحمن: إنّكم أهل بيت قد خصّكم الله بالفضيلة، وشرّفكم بالنبوّة، وعظم حقّكم على الأمّة فلا يجهله إلا غبين الرأي مخسوس الحظّ، وقد أصبتم بحسين ﵀، وأتانا المختار بن أبي عبيد يزعم أنه جاء من تلقائك يطلب بدمه، فمرنا بأمرك، فقال ابن الحنفيّة: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ،﴾ فالحمد لله على ما آتانا وأعطانا، وأمّا المصيبة بحسين فقد خصت أهله، وعمّت المسلمين، وما دعاكم المختار إليه، فوالله لوددت أنّ الله انتصر لنا بمن شاء من خلقه، فقالوا: هذا إذن منه، ورخصة، ولو شاء لقال: لا تفعلوا حتى يبلغ الله أمره، فلم تكن إلاّ زيادة أيّام على الشهر حتى وافوا الكوفة فبدءوا بالمختار، وكان ظنّه ساء، وخاف أن يأتي القوم بأمر يخذّلون به الشيعة عنه، فقال لهم حين قدموا: ارتبتم وتحيّرتم، فما وراءكم؟ قالوا: أذن لنا في نصرتك، فقال: الله أكبر أنا أبو إسحاق، اجمعوا إليّ الشيعة، فاجتمعوا فقال: إنّ نفرا منكم أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى.

стр. 2523

والنجيب المرتضى. وابن خير من جلس ومشى. بعد النبيّ المصطفى. فسألوه عمّا قدمت له. فأنبأهم أني وزيره وظهيره ورسوله، فقام عبد الرحمن بن شريح فقال: إنّا قدمنا على المهدي بن عليّ فأمرنا بمظاهرة المختار ومؤازرته، وإجابة دعوته، فأقبلنا طيّبة أنفسنا منشرحة صدورنا، قد أذهب الله عنّا الشكّ والغلّ والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتال عدوّنا، فليبلغ ذلك شاهدكم غائبكم، وقام الوفد رجلا رجلا فتكلّموا بنحو ما تكلّم به عبد الرحمن، فاستجمعت له الشيعة، وقالوا: إنّ أشراف أهل الكوفة مجمعون على قتالك مع ابن مطيع فإن جاء معنا إبراهيم بن الأشتر على أمرنا رجونا القوّة بإذن الله على عدوّنا، فإنّه فتى بئيس، وابن رجل شريف وله عشيرة ذات عزّ وعدد. فروي عن الشعبي أنّه قال: فخرج إليه وجوه الشيعة، وأنا فيهم فكلموه ودعوه إلى الطلب بدم الحسين، وأهل البيت، وقالوا: إنّ هذا أمر جسيم إن أجبتنا إليه، عادت لك منزلة أبيك في الناس، وأحييت شرفه وما كان مشهورا به من الفضل، ونصرة الحقّ، والغضب لرسول الله ﷺ ، وأهل بيته فقال: قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته على أن تولّوني الأمر. فقالوا: أنت لذلك أهل، ولكنّ المهديّ محمد بن عليّ وجّه المختار إلينا فهو الآمر والمأمور بالقتال، وقد شخص إليه نفر منّا اختبارا لما جاء به فأمرنا بطاعته، ثم إنّ المختار أتاه في جماعة من الشيعة بعد أيّام كثيرة، فأقرأه كتابا من محمد بن علي إليه نسخته: «من محمد المهديّ بن عليّ إلى إبراهيم بن مالك.

стр. 2524

أمّا بعد: فإنّي بعثت إليكم المختار بن أبي عبيد، نصيحي ووزيري، وثقتي وأميني المرضيّ عندي، للطلب بدماء أهل بيتي، فانهض معه بنفسك وعشيرتك وأتباعك ومن أطاعك، فإنك إن نصرتني، وساعدت وزيري، كانت لك عندي بذلك فضيلة، ولك الأعنّة والمنابر، وكل بلد ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام». فقال ابن الأشتر: قد كاتبت محمد بن عليّ، وكاتبني فما رأيته كتب إليّ قط إلا باسمه اسم أبيه، لا يزيد على ذلك، وقد استربت بهذا الكتاب، فقام يزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، وعبد الله بن كامل بن عمرو الهمداني ثم الشاكري، وورقاء بن عازب الأسدي، فشهدوا أنّه كتاب ابن الحنفيّة، فتنحى إبراهيم عن صدر المجلس وأجلس المختار فيه وبايعه. فمكثوا يدبّرون أمرهم حتى أجمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة النصف من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وستّين، ووطّنوا على ذلك شيعتهم ومن معهم، فلما كان عند غروب الشمس ليلة النصف وهي ليلة الميعاد، قام إبراهيم بن الأشتر فصلّى المغرب حين قال القائل: أخوك أم الذئب؟ ثم أتى المختار، قال الشعبي: فأقبلنا معه وعلينا السلاح فلم يمكن في تلك الليلة الخروج، فاتعدوا لليلة الخميس. المدائني في إسناده، قال: كان للمختار مجلس يجلس فيه بالطائف ليلا فرفع رأسه إلى السماء ثم قال متمثّلا:

стр. 2525

ذو مناديح (١) … وذو ملتبط (٢) وركاب حيث وجّهت ذلل لا تذمّن بلدا تكرهه … وإذا زلّت بك النعل فزل قد والله مات يزيد، فما لبثوا أن جاء موته. المدائني في إسناده، قال: ركب المختار يوما مع المغيرة بن شعبة، فمرّ بالسوق فقال المغيرة: أما والله إنّي لأعرف كلمة لو دعا بها أريب لاستمال بها أقواما فصاروا له أنصارا، ثم لا سيّما العجم الذين يقبلون ما يلقى إليهم، قال المختار: وما هي يا عمّ؟ قال: يدعوهم إلى نصرة آل محمد والطلب بدمائهم، فكانت في نفس المختار حتى دعا.

стр. 2526

مقتل إياس بن مضارب وابنه راشد بن إياس قالوا: وبلغ ابن مطيع إجماع المختار بالخروج فأخبر إياسا بذلك وهو على شرطه، فخرج إياس في الشرط، وبعث ابنه راشد إلى الكناسة وأقبل يسير حول السوق في الشرط، وأشار على ابن مطيع أن يبعث إلى كلّ جبّانة عظيمة رجلا من ثقاته في جماعة من أهل الطاعة له، فوجّه ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني إلى جبّانة السبيع فقال: اكفني قومك، وبعث كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جبّانة بشر بن ربيعة الخثعمي، وبعث زحر بن قيس الجعفي إلى جبانة كندة، وبعث شمر بن ذي الجوشن الكلابي إلى جبّانة سالم، وبعث عبد الرحمن بن مخنف إلى جبّانة مراد، وأمر كلّ امرئ منهم أن يتحفّظ ويحكم أمره وما يليه، وبعث شبث بن ربعيّ إلى السبخة، فخرج إبراهيم بن الأشتر إلى المختار ليلة الأربعاء في جماعة عظيمة عليهم الدروع وهم متقلّدو السيوف وقد كفّروا الدروع بالأقبية، وستروا السيوف، وفيهم شراحيل وابنه عامر بن شراحيل الشعبي، وقال الشعبي: كان ابراهيم فتى حدثا شجاعا لا يكره أن يلقى أحدا من أصحاب ابن

стр. 2527

مطيع، فمرّ بدار عمرو بن حريث المخزومي فلقيه إياس بن مضارب في الشرط، فقال: من أنتم؟ قال إبراهيم: أنا إبراهيم بن مالك الأشتر، فقال: ما هذا الجمع لقد رابني أمرك، ولست بتاركك حتى آتي بك الأمير وكان مع إياس رجل همداني يكنى أبا قطن، وفي يده رمح له طويل، وكان صديقا لإبراهيم فاستدناه إبراهيم فدنا منه وهو يظنّ أنّه يكلّمه في مسألة ابن مضارب الإمساك عنه، فكلّمه إبراهيم بشيء، ثم استلب الرمح منه وحمل على إياس فطعنه في ثغرة نحره، فصرعه وأمر رجلا ممّن معه فاحتزّ رأسه، وتفرّق أصحاب ابن مضارب، فبعث ابن مطيع راشد بن إياس بن مضارب مكان أبيه على الشرطة، وصيّر مكان راشد بالكناسة سويد بن عبد الرحمن بن بجير المنقري أبا القعقاع بن سويد، وبعضهم يقول: هو سويد بن عمرو، والأوّل أصحّ، وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلى المختار فقال إنّا اتّعدنا للخروج القابلة، وهي ليلة الخميس وقد حدث أمر لا بدّ لنا معه من الخروج الليلة، وأخبره خبر ابن مضارب وألقى رأسه بين يديه، فقال المختار: بشّرك الله بخير فهذا أوّل الفتح، ثم لبس المختار سلاحه وأمر فنودي: «يا منصور أمت» وأمر أيضا فنودي: «يا لثارات الحسين» وجعل يقول: قد علمت بيضاء حسناء الطلل … واضحة الخدّين عجزاء الكفل أنّي غداة الرّوع مقدام بطل وقال ابن الأشتر: إنّ هؤلاء الذين رتبهم ابن مطيع في المواضع يمنعون إخواننا من المصير إلينا وإتياننا، فالرأي أن آتى قومي في كتيبتي هذه التي جئتك فيها ليجتمعوا، ثم أدور في نواحي الكوفة، وأنادي بشعارنا فيخرج

стр. 2528

إليّ من أراد الخروج، فقال المختار: استخر الله، ففعل ابراهيم، وجعّل كلّما تسرّعت إليه خيل كشفها، ثم عاد يخترق السكك ويجتنب منها سكك الأمراء. وخرج المختار في جماعة أصحابه حتى نزل عند السبخة، ونادى أبو عثمان النهدي في شاكر: ألا إنّ وزير آل محمد قد خرج وبعثني إليكم، فخرجوا من الدور ينادون: «يا لثأرات الحسين» وضاربوا كعب بن أبي كعب الخثعمي وهو بجبانة بشر حتى خلّى لهم الطريق، فأتوا عسكر المختار، وجاء حجّار بن أبجر العجلي فعبأ له المختار أحمر بن شميط الأحمسي، فقاتله وأقبل إليهم ابن الأشتر فلما أحسّ به حجّار هرب وأصحابه، وتوافى إلى المختار من كلّ قبيل المائة والمائتان، وكانوا يحملون على من عرض لهم حتى تتامّ إليه ثلاثة آلاف وثمانمائة رجل، فعبّأهم المختار وكتّبهم، وتوجّه ابن الأشتر إلى راشد بن إياس بن مضارب فلقيه في جبّانة مراد وهو في أربعة آلاف، فاقتتلوا، فقتل خزيمة بن نصر العبسي، أبو نصر بن خزيمة المقتول مع زيد بن عليّ بن الحسين، راشد بن إياس ونادى: قتلت راشدا وربّ الكعبة، وانهزم أصحاب راشد، فقالت أخته ترثيه: لحى الله قوما أسلموا أمس راشدا … بجبّانة الدارين عند مراد فلا ولدت عجليّة بعد راشد … غلاما ولا حلّت بصوب رعاد وجعل إبراهيم يحرّض أصحابه فيقول إنّه ليس مع الحقّ قلّة، ولا مع الباطل كثرة فـ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (١).

стр. 2529

أمر حسان بن فائد وحصار ابن مطيع وهربه قالوا: وأقبل إبراهيم بن الأشتر بعد قتل راشد بن إياس نحو المختار وقدم البشراء بين يديه بقتل راشد، فقويت أنفس أصحابه ودخل ابن مطيع وأصحابه الفشل والوهن، فسرّح ابن مطيع حسّان بن فائد بن بكير بن إساف العبسي في نحو من ألفين فاعترض له إبراهيم ليردّه عمّن بالسبخة من أصحابه، فزحف إبراهيم إليه في أصحابه، فما تطاعنوا برمح ولا تضاربوا بسيف حتى انهزم أصحاب حسّان وظفروا به فكلّم فيه خزيمة بن نصر العبسي إبراهيم وقال: ابن عمّي فحمله إبراهيم على فرس وقال: الحق بأهلك. وقصد إبراهيم بن الأشتر لشبث بن ربعي فاعترضه يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم ليصدّه عنه، فأمر إبراهيم خزيمة بن نصر أن يصمد له، فهزم خزيمة يزيد وكشف إبراهيم شبثا وأصحابه، فانهزموا إلى ابن مطيع وولى ابن مطيع شرطته بعد إياس وابنه سويد بن عبد الرحمن المنقري أبا القعقاع واستخلف على المصر شبث بن ربعيّ، وضمّ إلى مساحق بن عبد الله بن مخرمة القرشي ثم العامري، ويقال إلى ابنه نوفل بن مساحق، خمسة آلاف فاجتمعت مقاتلة ابن مطيع إليه، وقد صار إلى الكناسة، فدلف إليهم ابن الأشتر وقال لأصحابه: انزلوا ولا يهولنّكم آل فلان، وآل فلان، فإنّ هؤلاء الذين ترون لو قد وجدوا وقع السيوف انفرجوا عن ابن مطيع انفراج المعزى، ثم أخذ أسفل قبائه فأدخله في منطقة له حمراء من حواشي البرود، ثم قال لأصحابه: شدّوا عليهم فداكم عمّي وخالي، فما لبثوا أن انهزموا، وركب بعضهم بعضا على أفواه السكك،

стр. 2530

وازدحموا وانتهى ابن الأشتر إلى مساحق، أو ابن مساحق، فرفع عليه بالسيف فقال له: يا بن الأشتر هل بيني وبينك إحنة أو عداوة، أو لك قبلي ثأر تطلبني به؟ فخلّى سبيله، فكان بعد ذلك يشكره. وأتى ابن مطيع القصر، واتّبعه ابن الأشتر وجاء المختار حتى دخل المسجد وولى حصار ابن مطيع في القصر إبراهيم بن الأشتر، وأحمر بن شميط، ويزيد بن أنس الأسدي، فصار كلّ امرئ منهم في ناحية من القصر، ومكث ابن مطيع ثلاثا يرزق أصحابه الدقيق، ومعه أشراف الناس إلاّ عمرو بن حريث، فإنّه دخل القصر معه، ثم كره الحصار فخرج من الكوفة، وأشار شبث بن ربعيّ على ابن مطيع أن يأخذ لنفسه أمانا، ويخرج فأبى ذلك، قال: الأمر مستقيم بالحجاز لأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وبالبصرة، فكيف أرضى بهذه المنزلة؟ فقال: فإذ كرهت هذه فصر إلى بعض من تثق به سرا فاستخف عنده، ثم الحق بأمير المؤمنين، فقال لأسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، وعبد الرحمن بن مخنف، وأشراف أهل الكوفة: ما ترون فيما أشار به شبث؟ قالوا: هو الرأي، قال: ننتظر المساء، واطّلع من القصر رجل فشتم المختار، فرماه عمرو بن مالك النهدي أبو نمر بسهم فعقره ولم يقتله فقال: خذها من ابن مالك … من فاعل كذلك ولما أمسى ابن مطيع جمع الأشراف الذين معه فقال: جزاكم الله عن الطاعة خيرا، أما إني سأعلم أمير المؤمنين بما كان محاماتكم وجدّكم واجتهادكم، فقال شبث: جزاك الله من أمير خيرا، فقد عففت عن أموالنا وأكرمت أشرافنا، ونصحت لإمامك وقضيت الذي عليك وما

стр. 2531

كنّا لنفارقك إلاّ بإذن منك، فقال: ليذهب كل امرئ منكم إلى حيث أحب، ثم احتال للخروج فخرج من ناحية دار الروميّين، حتى أتى آل أبي موسى وخلّى القصر، واستأمن أصحابه فآمنهم ابن الأشتر، وخرجوا فبايعوا المختار. قالوا: ودخل المختار القصر في اليوم الرابع من حصار ابن مطيع فقال: «الحمد لله الذي وعد وليّه النصر. وعدوّه الخسر. وجعله فيه إلى آخر الدهر. وعدا مفعولا. وقضاء مقضيّا. وقد خاب من افترى. إنّه رفعت لنا راية. ومدّت لنا غاية. فقيل لنا في الراية. ارفعوها ولا تضعوها. وفي الغاية اجروا إليها ولا تعتدوها. فسمعنا دعوة الداعي. وإهابة الراعي. فكم من ناع وناعية. لقتيل في الواغية. وبعدا لمن طغى. وكذّب وتولّى. ألا ادخلوا أيّها الناس فبايعوا بيعة هدى. فوالذي جعل السماء سقفا ملفوقا. والأرض فجاجا سبلا. ما بايعتم بعد بيعة أمير المؤمنين عليّ وآل عليّ بيعة أهدى منها»، فبايعه الناس على كتاب الله وسنّة نبيّه، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلّين، والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتله، وسلم من سالمه، والوفاء بعهده وبيعته لا يقيل ولا يستقيلون، فكان الرجل إذا عرض عليه ذلك فقال: نعم، ماسحه، فجاء المنذر بن حسّان بن ضرار الضبّي ليبايع ومعه ابنه فرآهما جماعة من الشيعة، كانوا وقوفا مع سعيد بن منقذ الهمداني، فقالوا: هذا والله من رؤساء الجبّارين فشدّوا عليه وعلى ابنه فقتلوهما، فصاح بهم سعيد: لا تعجلوا، وبلغ ذلك المختار فكرهه حتى استبينت في وجهه كراهته، وبعث المختار إلى ابن مطيع: إنّي قد عرفت مكانك وقد ظننت أنّ بك عجزا عن النهوض، وقد

стр. 2532

بعثت إليك بمائة ألف درهم، فقبلها ابن مطيع وشخص عن الكوفة، وكان المختار قد وجد في بيت مال الكوفة تسعة آلاف ألف درهم، فأعطى أصحابه ومن بايعه، وأحسن المختار مجاورة أهل الكوفة والسيرة فيهم، وأكرم الأشراف، وولّى شرطته عبد الله بن كامل الشاكري، وولّى حرسه كيسان مولى عرينة، ويكنى أبا عمرة، وهو صاحب الكيسانيّة وولّى المختار عمّاله، وولّى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الموصل. وكان عبد الله بن الزبير كتب إلى ابن مطيع في تولية محمد بن الأشعث الموصل فولاّه إيّاه فلما وردها عبد الرحمن بن سعيد انحاز ابن الأشعث إلى تكريت، وكتب بخبره إلى ابن الزبير، فكتب إليه ابن الزبير قد فهمت كتابك ولا عذر لك عندي فيما فعلت، أتخلّي أرض الموصل وخراجها وحصونها من غير جهاد ولا إعذار وقد خرطتك عليها فأنت تأكل منها الكثير وتبعث إليّ بالقليل، فوالله لو لم تقاتل مناصحة لإمامك ولا طلبا لثواب ربّك لكنت حريّا بأن تقاتل عن بلد أنت أميره لك خيره وعليك عيبه فلم تفعل ذلك غضبا ولا محاماة على سلطانك، فلست في أمر دنياك بالحازم القويّ ولا أمر آخرتك بالخائف التقيّ، فقد عجزت عن عدوّك وضيّعت ما ولّيتك والسلام. وأتاه عبد الرحمن بن محمد ابنه فقال له: على ماذا نقيم في غير عزّ ولا منعة ولا انتظار قوّة، ولم يزل به حتى قدم الكوفة ودخل على المختار فسلّم عليه ودعا له وهنّأه وعرض عليه أن يجلس للقضاء فأبى ذلك، فأجلس المختار شريحا للقضاء، ثم إنّه تمارض فقيل للمختار: إنّه عثماني فصيّر على

стр. 2533

القضاء عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم مرض فصيّر مكانه عبد الله بن مالك الطائيّ. وكان ابن همّام السلولي الشاعر عثمانيّا، وكان سمع رجلا من الشيعة نال من عثمان فعنفه فاستخفى حين ظهروا، وقوي أمرهم، ثم قال في المختار شعرا وأتاه وأنشده إيّاه فحمله المختار على فرس وقال لأصحابه إنّه قد أثنى عليكم فأعطاه قيس بن طهفة النهدي فرسا ومطرفا، ووثب به قوم من الشيعة فأجاره ابن الأشعث فامتنعوا منه، وسمع المختار الضوضاء فخرج إليهم فقال: إذا قيل لكم خير فأقبلوا وإذا قدرتم على مكافاة فافعلوا، وإلاّ فتنصّلوا واتّقوا لسان الشاعر فإنّ شرّه حاضر وقوله جارح، ومضى به إبراهيم بن الأشتر إلى منزله فأعطاه ألف درهم وفرسا، وكان ابن همّام حين حصر ابن مطيع في القصر فتدلّى منه مع ناس تدلّوا أيضا فقال: لمّا رأيت القصر أغلق بابه … وتعلّقت همدان بالأسباب ورأيت أفواه الأزقّة حولنا … ملئت بكل هراوة وذياب ورأيت أصحاب الدقيق كأنّهم … حول البيوت ثعالب الأسراب أيقنت أنّ إمارة ابن مضارب … لم تبق منها قيس أثر ذباب وكان عبيد الله بن زياد حين أوقع بالتّوابين بعين الوردة، وحاول الظفر بزفر بن الحارث فلم يمكنه فيه شيء، أقبل نحو الموصل فكتب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني إلى المختار يعلمه أنّ خيل عبيد الله بن زياد قد أشرفت على الموصل، وأنّه ليس معه خيل ولا رجال، وأنّه خائف أن يعجز عنه وانحاز إلى تكريت، فولّى المختار يزيد بن أنس بن كلاب الأسدي الموصل، وأمره أن لا يناظر عدوّه وأن ينتهز الفرصة منه إذا

стр. 2534

أمكنته، وقال له: إني ممدّك بمدد بعد مدد، وإنّ ذلك أشدّ لعضدك، وأعزّ لجندك، وأهدّ لعدوّك، ثم ضمّ إليه ورقاء بن عازب الأسدي وسعر بن أبي سعر الحنفي، وبعث ابن زياد بين يديه ربيعة بن المخارق الغنوي، وعبد الله بن حملة بن عبد الرحمن الخثعمي في ستّة آلاف، هذا في ثلاثة آلاف، وهذا في ثلاثة آلاف، وسبق ربيعة إلى يزيد، فخرج إليه يزيد بالناس وهو مريض لما به وذلك في ذي الحجّة سنة ستّ وستّين، فجعل يحرّض الناس ويأمرهم بالصبر والجدّ والعزم، ثم التقوا من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحاء فهزم المختاريّة ربيعة وأصحابه، وحووا عسكرهم، وقتل ربيعة بن المخارق، قتله عبد الله بن صبرة، ولم يمس يزيد حتى مات فانصرف أصحابه كراهة أن يقيموا بعد أميرهم. فولّى المختار إبراهيم بن الأشتر الموصل وأمره أن يردّ جيش يزيد بن أنس معه إلى الموصل، فلما خرج من الكوفة أرجف أهلها بالمختار وطمعوا فيه، فكتب إلى ابراهيم في الرجوع. وكان أصحاب المختار يسمّون الخشبيّة، لأنّ أكثرهم كانوا يقاتلون بالخشب، ويقال إنّهم سمّوا الخشبيّة لأنّ الذين وجّههم المختار إلى مكة لنصرة ابن الحنفيّة أخذوا بأيديهم الخشب الذي كان ابن الزبير جمعه ليحرق به ابن الحنفيّة وأصحابه فيما زعم، ويقال بل كرهوا دخول الحرم بسيوف مشهورة فدخلوه ومعهم الخشب ولم يسلّوا سيوفهم من أغمادها. وحدثني عبّاس بن هشام عن أبيه قال: أتي يزيد بن أنس الأسدي بأسرى وهو لمابه، فجعل يقول: اقتل اقتل حتى ثقل لسانه فجعل يومئ بيده حتى ثقلت يده، فجعل يومئ بحاجبيه حتى مات على تلك الحال.

стр. 2535

وقال الهيثم بن عديّ: لما وجّه المختار يزيد بن أنس الأسدي توجّه إليه حصين بن نمير، فقدّم أمامه حملة بن عبد الرحمن الخثعمي فالتقوا بباتلّى (١) فقتل حملة وأتي يزيد بستّة آلاف أسير فضرب أعناقهم، وهو يكيد بنفسه ثم مات. وقدم مصعب على البصرة والكوفة في أوّل سنة سبع وستّين فتوقّف عن قتال المختار حينا. يوم جبانة السبيع قالوا: لما سار ابن الأشتر يريد الموصل تواطأ أهل الكوفة على حرب المختار وقالوا: إنما هذا كاهن، فخرج عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني بجبانة السبيع، وخرج زحر بن قيس الجعفي، وإسحاق بن الأشعث في جبّانة كندة، وخرج كعب بن أبي كعب الخثعمي في جبّانة بشر، وخرج عبد الرحمن بن مخنف في الأزد، وخرج شمر بن ذي الجوشن في جبّانة بني سلول وخرج شبث بن ربعيّ بالكناسة في مضر، وخرج حجّار بن أبجر العجلي، ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم في ربيعة بناحية السبخة، وخرج عمرو بن الحجّاج الزبيدي في جبّانة مراد، وبلغ من في جبّانة السبيع أنّ المختار قد عزم على معاجلتهم، فأقسموا على من في النواحي من الأشراف اليمانيّة أن يصيروا بأصحابهم إليهم، فتواقف اليمانيّة جميعا في جبّانة السبيع، ويقال أنّ عمرو بن الحجّاج الزبيدي وحده أقام فيمن معه بجبّانة مراد ولم يأتهم.

стр. 2536

وأقبل إبراهيم بن الأشتر من المدائن مجدا في السير مجذما له حتى قدم الكوفة، ووافى المختار فرأى المختار أنّه إن وجّه إبراهيم لقتال قومه بجبانة السبيع لم يبالغ فيه، فقال له: ازحف أنت إلى شبث بن ربعيّ، فقاتل المضريّة بالكناسة وأمضي أنا إلى جبّانة السبيع، فنفذ إبراهيم لأمره ومضى هو حتى صار في طرف الجبّانة، ووجّه أحمر بن شميط (١)، وعبد الله بن كامل إلى من بها، وأمرهما بقتالهم، وانتهى ابن الأشتر إلى مضر واليمن فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم، ولقي ابن شميط وابن كامل أهل اليمن بجبّانة السبيع، وقد صار إليهم شمر بن ذي الجوشن، ويقال إنه لم يصر إليهم ولكنّه صار إلى مضر فهزم ابن شميط حتى لحق وأصحابه بالمختار، وصبر ابن كامل في جماعة من أصحابه فأمدّه المختار بثلاثمائة رجل مع عبد الله بن قراد الخثعمي ثم ثابت إلى ابن شميط ثائبة من أصحابه، فقاتل وقاتلوا، وبعث المختار بأبي القلوص ومعه جماعة من شبام، فدخلوا الجبّانة، وهم ينادون: يا لثأرات الحسين ونادى أيضا أصحاب ابن شميط وابن كامل يا لثأرات الحسين وحملوا فلم يلبثوا أن هزموا من بجبّانة السبيع فلما هزمت مضر واليمن تفرّقت ربيعة، وكلّ من اعتزى إلى اليمن ومضر، ويقال بل أتى أولئك أصحاب المختار فقاتلوهم أيضا قتالا خفيفا حتى تفرّقوا، وقال قوم: بل قاتل يومئذ بجبّانة السبيع رفاعة بن شدّاد البجلي مع المختار، وهو يقول: أنا ابن شدّاد على دين علي … لست لعثمان بن أروى بولي لأصلينّ اليوم فيمن يصطلي … بحرّ نار الحرب غير ملتوي

стр. 2537

وقال آخرون: أنّه قاتل يومئذ مع أهل الكوفة فقتل، ويقال: إنّه بقي بعد المختار وذلك الثبت (١). حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة أنبأنا عبد الملك بن عمير حدثني رفاعة بن شداد قال: كنت أقوم على رأس المختار، فلما عرفت كذابته هممت وأيم الله أن أضرب عنقه، فذكرت حديثا حدّثنيه عمرو بن الحمق عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أمن رجلا على نفسه فقتله أعطي لواء غدر يوم القيامة» (٢). حدثني أبو أيّوب الرقّي المعلّم عن عيسى بن يونس عن نصير بن أبي نصير عن اسماعيل السدّي عن رفاعة قال: دخلت على المختار وإذا وسادتان ملقاتان فقال: يا فلان أئت فلانا، لرجل دخل، بوسادة، قلت: وما هاتان الوسادتان؟ فقال: قام عن إحداهما جبريل وعن الأخرى ميكائيل (٣)، فوالله إن منعني من أن أضربه بالسيف إلاّ حديث حدّثني به عمرو بن الحمق قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ائتمنه رجل على دمه فقتله فأنا منه بريء ولو كان المقتول كافرا» (٤). وقال الهيثم بن عديّ: كان المختار يقول: العجب كلّ العجب. بين جمادى ورجب، وكان يقول: أحياء وأموات. وجميع وأشتات. والموجبة الواجبة. جبا كذا جبة، فقاتله النعمان بن صهبان يوم جبّانة السبيع فقتل، قال: وقاتل رفاعة بن شدّاد مع أهل الكوفة.

стр. 2538

قالوا: وقتل المختاريّة يوم جبّانة السبيع النعمان بن صهبان الراسبي، وكان ناسكا شيعيّا قدم من البصرة ليقاتل مع الشيعة ويطلب بدم الحسين، فسمع من المختار كلاما أنكره فقاتله مع أهل جبّانة السبيع حتى قتل، والفرات بن زحر وعمرو بن مخنف ومالك بن حزام بن ربيعة، وهو ابن أخي لبيد بن ربيعة الشاعر، ويقال بل قتل مع المضريّة، وقالوا: ولما هزم أهل جبّانة السبيع استخرج من دور الوادعيّين من همدان خمسمائة أسير، فأتي بهم المختار فقتل منهم من كان شهد مقتل الحسين فكانوا مائتين وثمانية وأربعين، ويقال كانوا مائتين وخمسين. وكان سراقة بن مرداس البارقي صنع أشعارا فجعل يقول: امنن عليّ اليوم يا خير معدّ … وخير من لبّى وحيّا وسجد فأمر به فحبس ليلة ثم خلاّه فقال شعرا ذكر فيه أنّه رأى الملائكة تقاتل مع المختار على خيل بلق، فأمره المختار أن يصعد المنبر فيعلم الناس ما رأى ففعل، ثم هرب إلى مصعب بن الزبير وهو بالبصرة وقال: ألا أبلغ أبا إسحاق أنّي … رأيت البلق دهما مصمتات كفرت بوحيكم وجعلت نذرا … عليّ قتالكم حتى الممات أري عينيّ ما لم تبصراه … كلانا عالم بالترّهات وأخذ المختار سحيما مولى عتبة بن فرقد السلّمي، وكان يكثر الكلام فيه فقال له: أنت القائل قاتلوا الكذّاب، وما علّمك أنّي كذّاب، فضرب عنقه. وقال عبيد الله بن همّام السلولي رحمه الله تعالى:

стр. 2539

وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى … ويلهيه عن رؤد (١) الشباب شموع دعا يا لثارات الحسين فأقبلت … كتائب من همدان بعد هزيع ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك … يقود جموعا عبئت لجموع ومن أسد وافى يزيد لنصره … بكلّ فتى ماضي الجنان منيع وزعم بعضهم أنّ شبث بن ربعيّ قتل يومئذ واحتجّ بشعر أعشى همدان حين يقول: جزى الله إبراهيم عن أهل مصره … جزاء امرئ عن وجهه الحقّ ناكب سما بالقنا من أرض ساباط مرقلا … إلى الموت إرقال الجمال المصاعب فصبّ على الأحياء من صوب ودقه … شابيب موت عقّبت بالحرائب فأضحى ابن ربعي قتيلا مجدّلا … كأن لم يقاتل مرّة ويحارب فأمّا أبو إسحاق فانصاع سائرا … إلى عسكر جمّ القنا والكتائب فلمّا التقينا بالسبيع وأنسلوا … إلينا ضربنا هامهم بالقواضب فما راعنا إلاّ شبام تحسّنا … بأسيافها لا أسقيت صوب هاضب أيقتلنا المختار ظلما بكفره … فيا لك دهرا مرصدا بالعجائب ومن نفى قتل شبث يومئذ روى هذا البيت. فأضحى ابن صهبان قتيلا مجدّلا وذلك الثبت والأوّل غلط وإنّما مات شبث حتف أنفه، وكانت وقعة الجبّانة في ذي الحجّة سنة ستّ وستّين، فلما فرغ المختار منها أمر إبراهيم بن الأشتر بالمسير للقاء عبيد الله بن زياد وطلب قتلة الحسين وأهله.

стр. 2540

وجعل يقول في سجعه: أما ومنشئ السحاب. شديد العقاب. سريع الحساب. منزّل الكتاب. العزيز الوهّاب. القدير الغلاّب. لننبشن قبر كثير بن شهاب. المفتري الكذّاب. المعيب المعتاب. المجرم المرتاب. ثم لأبعثنّ الأحزاب. إلى بلاد الأعراب. ثم لأورثنّ دورهم وقصورهم وأموالهم الصابرين الصادقين السامعين المنيبين. وكان يقول: وربّ البلد الأمين. وحرمة طور سينين. لأقتلنّ الشاعر الهجين. أعشى الناعطيين. وسوء برق البارقين. ابن الأمة جلولاء خانقين. الذي مننت عليه فكفر. وتابعني فغدر. وغدا يلقى فينحر. ثم يصير إلى سقر. فيذوق فيها العذاب الأكبر. وويل لابن همّام اللعين. وأخي الأسدّيين. أولئك أولياء الشياطين. وإخوان الكافرين. الذين قرّفوا عليّ الأباطيل. وتقوّلوا عليّ الأقاويل. فسمّوني كذّابا وأنا الصادق المصدوق. وكاهنا وأنا المجيب الفاروق. وطوبى لعبد الله وعبيدة (١). وأخي ليلى الطريدة. ذوي الأخلاق الحميدة. والمقالة السديدة. والأنفس السعيدة. وقال أيضا: أما والذي خلقني بصيرا. ونوّر قلبي تنويرا. لأحرقنّ بالمصر دورا. ولأنبشنّ قبورا. ولأقتلنّ جبّارا كفورا. وقال أيضا: في صفر الأصفار. يقتل كلّ جبّار. على يد المختار.

стр. 2541

وكان يقول: أما وربّ الجبال الشمّ. الشوامخ الصمّ. لأقتلن أزد عمان. بكلّ شيعي يمان. من مذحج وهمدان. ولأبيرنّ عبسا وذبيان وتميما أولياء الشيطان. حاشا النجيب ظبيان (١). وقال: أما وربّ القلم. واللوح ذي الكرم. لتديننّ لي العرب والعجم: ولأتخذنّ من تميم خدم. وقال: أما والسميع العليم. العزيز الكريم. لأعركنّ عمان عرك الأديم. ثم لأتّخذنّ خدما من تميم. وكان يمسح رأس ابنته ثم يقول: صلى الله على عيسى بن مريم، لأنّه فيما يزعمون كان يقول سيتزوجها المسيح بن مريم ﵇.

стр. 2542

مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص ومن شرك في دم الحسين ﵇ حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن عوانة قال: كان لعمر بن سعد بن أبي وقّاص جعبة فيها سياط قد كتب على سوط منها عشرة وعلى آخر عشرين إلى خمسمائة، فغضب على غلام له فضرب بيده إلى الجعبة فخرج سوط المائة فجلده مائة، فأتى الغلام سعد بن أبي وقّاص ﵁ وهو يبكي وقد سال دمه على عقبيه، فقال سعد: اللهم اقتل عمر وأسل دمه على عقبيه، فمات الغلام وقتل المختار عمر بن سعد وكان سعد مستجاب الدعوة. قالوا: ولما هزم الناس يوم جبّانة السبيع خرج أشراف أهل الكوفة فلحقوا بمصعب بن الزبير، وقد قدم البصرة واليا على العراقين، فقال المختار: ليس من ديننا أن ندع قوما قتلوا الحسين يمشون على الأرض. ويقال إنّه بلغه أنّ ابن الحنفية قال: عجبا للمختار يزعم أنّه يطلب بدمائنا وقتلة الحسين جلساؤه وحداثة يحترفون في المصر. فحرّكه ذلك تحريكا

стр. 2543

شديدا، فقال ذات يوم: والله لأقتلن رجلا عظيم القدمين. غائر العينين. مشرف الحاجبين. أسرّ بقتله المؤمنين والملائكة المقرّبين. وكانت هذه صفة عمر بن سعد، فسمعها الهيثم بن الأسود وهو عند المختار فدس ابنه العريان بن الهيثم إلى عمر فأخبره بقول المختار، وقد كان المختار سأل عن ابن سعد فأخبر بأنّه مستخف فكتب له أمانا على نفسه وأهله ولا يؤخذ بحدث كان منه ما لزم مصره ومنزله، فلما أبلغ العريان عمر بن سعد رسالة أبيه همّ عمر بالخروج عن المصر، ثم قيل له إنّ هذا قول باغ فأقام في منزله، فبعث المختار أبا عمرة كيسان مولى عرينة وهو على حرسه إليه سرّا وأمره أن يأتيه برأسه، فدخل أبو عمرة عليه داره، وعنده أهله فضرب عنقه وأتى المختار برأسه، وعند المختار حفص بن عمر بن سعد وهو لا يعرف القصّة، فقال له المختار: يا حفص أتعرف هذا الرأس؟ قال: نعم هذا رأس أبي حفص فقبّح الله العيش بعده، قال: فإنّك لا تعيش بعده، وأمر به فضربت عنقه، ثم بعث برأسيهما إلى ابن الحنفيّة، وقال هذا بالحسين، وهذا بعليّ بن الحسين ولا سواء، فقيل له آمنته على أن لا يحدث حدثا ولم يحدث؟ فقال: سبحان الله ألم يدخل الخلاء مذ آمنته. ثم بعث معاذ بن هانئ الكندي، وأبا عمرة، ومعبد بن سلمة الحضرمي فأحاطوا بدار خوليّ بن يزيد الأصبحي صاحب رأس الحسين فاختبأ في مخرجه فطلبوه فخرجت إليهم امرأته فقالوا لها أين زوجك؟ قالت: لا أدري، وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا عليه فوجدوا على رأسه قوصرّة (١) فأخرجوه وأقبل المختار حين بلغه أخذه فقتله إلى جانب

стр. 2544

منزله، ثم أمر به فأحرق فلم يبرح حتى صار رمادا، وكانت امرأته تسمّى العيوف، وكانت حين أتاها برأس الحسين قد نفرت منه فكانت لا تكتحل ولا تطيّب وقالت: والله لا يرى منّي سرورا أبدا. ولما هزمت مضر يوم الجبّانة خرج شمر بن ذي الجوشن يركض فرسه خارجا من الكوفة، واتبعه غلام للمختار يقال له زربيّ فعطف عليه شمر فقتله ولحق ببعض القرى فنزلها، وكتب إلى المصعب كتابا، ووجّه فيجا فأخذت الفيج مسلحة للمختار، فسألوه عن صاحب الكتاب، فدلّ على القرية التي هو فيها فأنهي الأمر إلى المختار فوجّه إلى شمر خيلا فلم يشعر إلاّ وقد أحاطوا بالقرية فخرج إليهم فقاتلهم وهو يرتجز ويقول: نبّهتم ليث عرين باسلا … لم ير يوما عن عدوّ ناكلا إلاّ كذا مقاتلا أو قاتلا فقيل: قتله عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني طعنه في ثغرة نحره، ونادى يا لثأرات الحسين ثم أوطأه الخيل وبه رمق حتى مات، ثم احتز رأسه وأتى به المختار ونبذت جيفته للكلاب. وكان حكيم بن طفيل الطائي سلب العبّاس بن علي ثيابه ورمى الحسين بسهم، فكان يقول: تعلّق سهمي بسرباله وما ضرّه، فبعث إليه عبد الله بن كامل فأخذه، فاستغاث أهله بعديّ بن حاتم فكلّم فيه ابن كامل فقال: أمره إلى الأمير المختار، وبادر به إلى المختار قبل شفاعة ابن حاتم له إلى المختار فأمر به المختار فعرّي ورمي بالسهام حتى مات. وكان زيد بن رقاد الجنبي يقول رميت فتى من آل الحسين ويده على جبهته فأثبتها في جبهته، وكان ذلك الفتى عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي

стр. 2545

طالب، وكان رماه بسهم فلق قلبه فكان يقول نزعت سهمي من قلبه وهو ميّت ولم أزل أنضنض سهمي الذي رميت به جبهته فيها حتى انتزعته وبقي النصل، فبعث إليه المختار ابن كامل في جماعة فأحاط بداره فخرج مصلتا سيفه فقاتل، فقال ابن كامل: لا تضربوه ولا تطعنوه، ولكن ارموه بالنبل والحجارة ففعلوا ذلك حتى سقط، ودعا له ابن كامل بنار فحرقه بها وبه حياة حتى صار رمادا، ويقال: انّه سلخه وهو حيّ حتى مات. وكان عمر بن صبيح يقول: طعنت فيهم وجرحت وما قتلت أحدا، ويقال: إنه رمى عبد الله بن مسلم بالسهم في جبهته، وأنّ زيد بن رقاد فلق قلبه، فبعث المختار إلى عمرو فأتي به ليلا، فلما أصبح أدخل إليه مقيّدا وحضر الناس فأمر به فعري، ثم طعن بالرماح حتى مات ثم أحرق، ولما نزعت ثيابه جعل يقول: أما والله لو أنّ سيفي معي لعلمتم أنّي بنصل السيف غير رعيش ولا رعديد، وما يسرّني أني إذا كانت منيّتي القتل أنّه قتلني غيركم السحرة الكفرة. وكان مالك بن النسير البدّي الذي ضرب الحسين بن عليّ على رأسه وعليه برنس، فامتلأ دما فألقاه فجاء فأخذه، فبعث المختار إليه مالك بن عمرو النهدي وقد دل عليه، فجاء به فأمر بنار فأجّجت في الرحبة عظيمة ثم أمر فقطعت يده وألقيت في تلك النار، ثم قطعت رجله فألقيت فيها وهو ينظر فلم يزل يفعل ذلك بعضو منه بعد عضو حتى مات. ودلّ المختار أيضا على عبد الله بن أسيد الجهني، وحمل بن مالك المحاربي فجاءه بهما مالك بن عمرو النهدي، فأمر بهما فضربت أعناقهما، ودلّ المختار أيضا على عمران بن خالد العنزي، وعبد الرحمن بن أبي

стр. 2546

خشكارة البجلي، وعبد الله بن قيس الخولاني، وهم أصحاب الحلل والورس وعدّة كانوا أخذوها معهم، فبعث إليهم ابن كامل فأتاه بهم، فلما أدخلوا إليه قال: يا قتلة الصالحين وأبناء النبيّين لقد اقاد الله منكم، ثم قال: اضربوا أعناقهم لقد جاءكم الورس بيوم نحس، فضربت أعناقهم في السوق، وبعث المختار السائب بن مالك الأشعري في خيل فأخذ عبد الله وعبد الرحمن ابني وهب الهمداني وهما ابنا عمّ أعشى همدان فأمر بهما المختار فقتلا في السوق، وطلب حميد بن مسلم فنجا وقال: ألم ترني على دهش … نجوت ولم أكد أنجو رجاء الله أنقذني … ولم أك غيره أرجو ووجّه المختار في طلب عثمان بن خالد الجهني ونسر بن شوط القابضي من همدان، وهما قاتلا عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فظفر بهما فضربت أعناقهما ثم أحرقا، فقال أعشى همدان، وهو عبد الرحمن بن الحارث بن نظام الهمداني: يا عين بكّي فتى الفتيان عثمانا … لا يبعدنّ الفتى من آل دهمانا واذكر فتى ماجدا عفّا شمائله … ما مثله فارس في آل همدانا وبعث المختار إلى مرّة بن منقذ قاتل عليّ بن الحسين ﵉ ابن كامل، فأحاط بداره، وكان منقذ شجاعا، فخرج عليهم وبيده الرمح وهو على فرس جواد، فطعن عبيد الله بن ناجية الشبامي فصرعه ولم يضرّه، وضربه ابن كامل فشلّت يده ونجا فلحق بمصعب. وهرب عمرو بن الحجّاج الزبيدي فمات بواقصة عطشا.

стр. 2547

وحدثني أبو عثمان عمرو بن محمد قال: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: هرب عمرو بن الحجّاج فسقط من العطش، فلحقه أصحاب المختار وبه رمق فذبحوه واحتزّوا رأسه. وهرب سنان بن أنس النخعي الذي كان يدعى قاتل الحسين فلحق. بالبصرة فهدم المختار داره. قالوا: فبينا الحجّاج يخطب ذات يوم إذ قال: ليقم كل ذي بلاء وغناء فيتكلّم، فقام سنان فقال: أنا قاتل الحسين بن عليّ فقال الحجّاج: بلاء لعمر الله حسين، واعتقل لسان سنان، ومات بعد خمس عشرة ليلة. وهرب حرملة الأسدي وعبد الله بن عقبة الغنوي الذي ذكره ابن (أبي) عقب فقال: وعند غني قطرة من دمائنا … وفي أسد أخرى تعدّ وتذكر فيقال إنّهما أدركا فقتلا، ويقال بل ماتا عطشا. وبعث المختار حوشبا اليرسمي إلى محمد بن الأشعث الكندي وقال: ستجده قائما متلدّدا. أو كامنا معتمدا، أو لاهيا متصيّدا، وكان في قرية له عند القادسيّة فهرب ولحق بالبصرة. وكان أسماء بن خارجة مستخفيا فقال المختار ذات يوم وعنده أصحابه: أما ورب الأرض والسماء. والضياء والظلماء. لينزلنّ من السماء. نار دهماء. أو حمراء أو سحماء. فلتحرقنّ دار أسماء، فأتى الخبر أسماء فقال: سجع أبو إسحاق بنا، ليس على هذا مقام، فخرج هاربا حتى أتى البادية فلم يزل بها ينزل مرّة في بني عبس، ومرّة في غيرهم حتى قتل

стр. 2548

المختار وهدم المختار له ثلاثة آدر، فقال عبد الله بن الزبير الأسدي في قصيدة له: تركتم أبا حسان تهدم داره … منبّذة أبوابها وحديدها فلو كان من قحطان أسماء شمّرت … كتائب من قحطان صعر خدودها فأجابه أيّوب بن سعنة النخعي وقال: رمى الله عين ابن الزبير بلقوة … فخلخلها حتى يطول شهودها بكيت على دار لأسماء هدّمت … مساكنها كانت غلولا وشيدها ولم تبك بيت الله إذ دلفت له … أميّة حتى هدّمته جنودها

стр. 2549

أمر الكرسي قالوا: وقال المختار لآل جعدة بن هبيرة، وأمّ جعدة أمّ هانئ بنت أبي طالب: ائتوني بكرسيّ عليّ بن أبي طالب فقالوا: لا والله ما له عندنا كرسي، قال: لا تكونوا حمقى وائتوني به، فظنّ القوم عند ذلك أنّهم لا يأتونه بكرسيّ فيقولون هذا كرسيّ عليّ إلاّ قبله منهم، فجاؤوه بكرسيّ فقالوا: هذا هو، فخرجت شبام وشاكر ورؤوس أصحاب المختار وقد عصّبوه بخرق الحرير والديباج، فكان أوّل من سدن الكرسيّ حين جيء به موسى بن أبي موسى الأشعري، وأمّه ابنة الفضل بن العبّاس بن عبد المطلب، ثم إنّه دفع إلى حوشب اليرسمي، يرسم بن حمير وهم في همدان، فكان خازنه وصاحبه حتى هلك المختار، وكان أصحاب المختار يعكفون عليه ويقولون: هو بمنزلة تابوت موسى فيه السكينة، ويستسقون به يستنصرون، ويقدّمونه أمامهم إذا أرادوا أمرا فقال الشاعر: أبلغ شباما وأبا هانئ … أنّي بكرسيهم كافر وقال أعشى همدان:

стр. 2550

شهدت عليكم أنّكم خشبيّة … وأنّي بكم يا شرطة الكفر عارف وأقسم ما كرسيّكم بسكينة … وإن ظلّ قد لفّت عليه الفائف وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت … شبام (١) حواليه ونهد وخارف وإن شاكر طافت به وتمسّحت … بأعواده أو أدبرت لا يساعف وإنّي امرؤ أحببت آل محمّد … وآثرت وحيا ضمنته الصحائف وكان له عمّ يكنى أبا أمامة، وكان من أصحاب المختار، فكان يأتي مجلس قومه فيقول: أتانا اليوم بوحي ما سمع الناس بمثله. وحدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن جدّه قال: قيل لابن عمر إنّ المختار يعمد إلى كرسيّ عليّ، فيحمله على بغل أشهب ويحفّ به الديباج ويطيف به أصحابه يستسقون به ويستنصرون فقال: فأين جنادبة الأزد عنه لا يعقر به بعضهم؟ قال: وهم جندب بن زهير، وجندب بن كعب من بني ظبيان، وجندب بن عبد الله وهو جندب الخير.

стр. 2551

أمر المثنى بن مخربة العبدي وأمر عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي بالبصرة قالوا: وكان المثنّى لقي المختار عند انصراف من انصرف من التوّابين من عين الوردة بالكوفة، فبايعه فقال له المثنّى: إنّ لنا بالبصرة شيعة فأذن لنا في القدوم عليهم والدعاء لهم، فأذن له في ذلك، فخرج إلى البصرة فلم يزل بها حتى بلغه ظهور المختار، وكان ابن مطيع لما أخذ المائة الألف من المختار ليشخص إلى المدينة استحيا من الرجوع إلى ابن الزبير، فعدل إلى البصرة فأقام بها، وكان المختار خائفا من أن يوجّه إليه ابن الزبير جيشا لما فعل بابن مطيع ولإخراجه إيّاه، فكتب إليه: «أمّا بعد فقد عرفت مناصحتي كانت لك واجتهادي في طاعتك ونصرتك، وما كنت أعطيتني من نفسك، فلما وفيت لك خست لي ولم تعترف لي بما عاهدتني فكان منّي ما كان، فإن تراجعني أراجعك، وإن ترد مناصحتي أنصح لك». فلما قرأ ابن الزبير كتابه دعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: قد ولّيتك الكوفة فسر إليها، فقال: وكيف وبها المختار؟ قال: قد كتب لي أنه سامع مطيع لي، فسار عمر إليها وبلغ المختار خبره، فوجّه

стр. 2552

زائدة بن قدامة الثقفي ومعه مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي في خمسمائة دارع ورامح، ومعه سبعون ألف درهم وقال: إذا لقيته فقل له عنّي: بلغني أنّك قد تكلّفت لسفرك خمسة وثلاثين ألف درهم، وهذه سبعون ألف درهم فخذها وانصرف، فإن أبى ذلك فأره أصحاب مسافر وحذّره إيّاهم، فلما لقيه زائدة أدّى إليه رسالة المختار فقال: ما أنا بقابل مالا ولا بدّ لي من النفوذ لأمر أمير المؤمنين، فدعا زائدة بالخيل وقد كان أكمنها فقال: إنّي محاربك بمن ترى ووراءهم مثلهم ومثلهم، فقال عمر: أمّا الآن فقد وجب العذر، وهذا أجمل بي، فأخذ السبعين الألف فاستحيا من الرجوع إلى مكة فصار إلى البصرة فأقام بها وذلك في إمارة القباع الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وقبل قدوم مصعب بن الزبير البصرة. قالوا: واتّخذ المثنّى بن مخرّبة مسجدا يصلّي فيه بأصحابه، واجتمعت الشيعة فبعث إليهم القباع عبّاد بن الحصين الحبطي في الخيل فبعث المثنّى رجلا من أصحابه فلقيه فهزم عبّاد، فبعث القباع الأحنف على خيل مضر ورجالها، فصاروا إلى عبد القيس، فخرج مالك بن مسمع في بكر بن وائل مانعا لعبد القيس منهم بالربعيّة لأنّه كان يرى رأي المثنّى، وبعثت ربيعة إلى الأزد فأجابوهم، ورئيس الأزد يومئذ زياد بن عمرو العتكي فكانوا يقتتلون قتالا ضعيفا، وكلّهم يهوى الصلح فكان عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعبد الله بن مطيع يختلفان بين الفريقين فقال لهم عمر: يا معشر بكر والأزد ألستم على طاعة ابن الزبير؟ قالوا: بلى غير أنّا نكره أن نسلم إخواننا من عبد القيس، فقال ابن مطيع: قالوا لإخوانكم فليذهبوا حيث شاؤوا فهم آمنون، ولا يدخلنّ بينكم وبين أهل مصركم فرقة، فأتى

стр. 2553

مالك بن مسمع، وزياد بن عمرو: عبد القيس فقالا: إنّ هؤلاء القوم قد دعوا إلى الصلح، وأعطوا النصف، ولم نأتكم حين أتيناكم ونحن نرى رأيكم، ولكنّا حمينا لكم أن تضاموا وتوطأوا، ثم أخذا بيد المثنّى فقالا له: إنّ الذين يرون رأيك قبلنا قليل، فخذ أمانا لنفسك والحق بأصحابك، فقبل ذلك، وجاء ابن مطيع وعمر بن عبد الرحمن فعرضا الصلح فقبله القوم وأجابوا إليه، وأمّا الأحنف فقالا له: إنّ القوم قد أحبّوا الصلح ودعوا إليه، فكأنّ الأحنف كره ذلك وتأرّب (١) فلم يجب إليه، فقال له عمر بن عبد الرحمن: إنّي لأعجب ممّن يزعم أنّكم حليم، قبل القوم الصلح وأجابوا إلى النصف وتأبى إلاّ الفرقة وما تسفك فيه الدماء وتنتهك الحرمة؟ فقال الأحنف: هلمّ يا بن أخي إلى خالك، يعني نفسه، وذلك أنّ أمّ الحارث جدّه من ولد نهشل بن دارم فتميم أخواله، فقال له: إنّ ربيعة والأزد كثير عددهم بالمصر وقد تحالفوا وصاروا يدا علينا، فإن أريناهم الهيبة لهم ركبونا، والله ما هم بأحرص على السلم والصلح منّي، اذهب يا بن أخي فاصنع ما أحببت، فاصطلح القوم ورجع المثنّى وخرج من البصرة. وكتب المختار إلى الأحنف وهو على مضر: «أمّا بعد فويل أم ربيعة ومضر. من أمر سوء قد حضر. وإنّ الأحنف قد أورد قومه سقر. وإنّي لا أملك القدر. وما خطّ في الزبر. ولعمري لئن قاتلتموني وكذبتموني لقد كذّب من كان قبلي وما أنا بخيرهم». وكتب المختار أيضا إلى مالك بن مسمع وزياد بن عمرو: «أمّا بعد فاسمعا وأطيعا وداوما. على أحسن ما أتيتما أوتيكما من الدنيا ما شئتما.

стр. 2554

وأضمن لكما الجنّة إذا توفيتما»، فلما قرأ مالك الكتاب ضحك وقال لزياد: لقد أكثر لنا أخو ثقيف، وأوسع، أعطانا الدنيا والآخرة، فضحك زياد وقال: نحن لا نقاتل بالنسيئة من عجّل لنا النقد قاتلنا معه. وحدثنا عليّ بن محمد المدائني عن أبي إسماعيل الهمداني عن الشعبي قال: جلست يوما إلى الأحنف، فقال رجل من جلسائه يا كوفيّ استنقذناكم من عبيدكم، يعني يوم قتل المختار، قلت قد عفونا عنكم يوم الجمل فلم تشكروا، وأنشدته شعر أعشى همدان: أفخرتم أن قتلتم أعبدا … وكفرتم نعمة الله الأجلّ نحن سقناكم إليهم عنوة … وجمعنا أمركم بعد الفشل فإذا فاخرتمونا فاذكروا … ما فعلنا بكم يوم الجمل فقال: يا كوفيّ أنتم أصحاب أنبياء، يعني المختار، قال: فأجبته بجواب كرهه الأحنف وقلت: تكذبون علينا في أشياء، فقام فجاء بصحيفة صفراء فقال اقرأ آنفا فإذا فيها: «من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف ومن قبله سلم أنتم، أما بعد فويل لربيعة ومضر. وإنّ الأحنف مورد قومه سقر. حين لا يستطيع لهم الصدر. وإنّي لا أملك لكم إلاّ ما خطّ في الزبر، وبلغني أنكم تكذّبوني وقد كذّبت الأنبياء مثلي ولست بخير من كثير» فقال الأحنف: يا شعبي أكوفيّ هذا أم بصريّ؟ ثم ضحك، وقال لأصحابه: أحسنوا مجالسة أخيكم.

стр. 2555

خبر شرحبيل بن ورس المدّعي من حمير وهم في همدان قالوا: لما بلغ المختار إقبال أهل الشام نحو العراق، وعلم أنّه يبدأ به خاف أن يأتيه أهل الشام من شامهم، وأهل البصرة من بصرتهم، فأظهر الميل إلى عبد الله بن الزبير ومداراته وكتب إليه: «بلغني أنّ ابن مروان قد بعث إلى الحجاز جندا فإن أحببت أن أمدّك أمددتك» فكتب إليه ابن الزبير: «إن كنت على طاعتي فبايع لي، وخذ بيعة من قبلك، فإنّه إن جاءتني بيعتك صدّقت مقالتك، وكففت الجنود عن بلادك، وسرّح الجيش الذي أنت باعث به إلى وادي القرى ليلقوا من بها من جند ابن مروان إن شاء الله». فدعا المختار شرحبيل بن ورس المدّعي فسرّحه في ثلاثة آلاف أكثرهم موال ليس فيهم من العرب إلاّ سبعمائة، وقال له: سر حتى تدخل المدينة فإذا دخلتها فاكتب إليّ بذلك، ودبّر أن يدخل شرحبيل المدينة، ثم يبعث إليها عاملا من قبله، ثم يأمره أن يسير إلى مكة فيحاصر ابن الزبير، ووقع في نفس ابن الزبير ما دبّر المختار وظنّ به مكيدته، فبعث عبّاس بن سهل بن سعد الساعدي من مكة في ألفين، وقال له: الق جيش ابن ورس فإن كان

стр. 2556

في طاعتي وإلاّ فحاربهم حتى تهلكهم، وأمره أن يستنفر الأعراب ففعل، وأقبل حتى لقي ابن ورس بالرقم (١)، وقد عبّأ ابن ورس أصحابه وأصحاب عبّاس منقطعون على غير تعبئة، فقال له عبّاس: ألست على طاعة عبد الله بن الزبير؟ قال: نعم، قال فسر بنا إلى عدوّه بوادي القرى، قال: نعم ولكن أريد المدينة أوّلا ثم أرى رأيي، فتركهم ابن سهل حتى نزعوا سلاحهم وشغلوا بأثقالهم، ثم قصد قصد ابن ورس في ألف من كماة أصحابه وشجعانهم، وجعل ابن ورس يقول: يا شرطة الله إليّ قاتلوا الملحدين. أولياء الشياطين. فإنّكم على الحقّ المبين. وقد غدر القوم وفجروا، فانتهى إليه عبّاس بن سهل وهو يقول: أنا ابن سهل فارس غير وكل … أروع مقدام إذا النّكس نكل فلم يطل القتال بينهم حتى قتل ابن ورس في سبعين، ورفع عبّاس راية أمان لأصحابه فأتوها إلاّ نحوا من ثلاثمائة انصرفوا مع سليمان بن حمير الثوري، فظفر ابن سهل منهم بنحو من مائتين فقتلهم، وأفلت الباقون. فلما بلغ المختار خبر شرحبيل بن ورس وأصحابه قال: إنّ الفجّار الأشرار. قتلوا الأخيار الأبرار. ألا وإنّ الفاسق النجس. القذر الرجس. قتل ابن ورس. وكان أمرا مأتيا. وقضاء مقضيّا. وكتب المختار إلى ابن الحنفيّة: «إنّي كنت بعثت جندا ليحووا لك البلاد، ويدوّخوا الأعداء، فلما صاروا بطيبة لقيهم جند الملحد فخدعوهم وغرّوهم فإن رأيت أن ابعث إلى المدينة خيلا وجندا كثيفا وتبعث من قبلك

стр. 2557

رسلا يعلمونهم أنّي في طاعتك وأنّي بعثت من بعثت عن أمرك فافعل فإنّك ستجدهم بحقّك أعرف، وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير الظلمة الملحدين والسلام»، فكتب إليه ابن الحنفيّة: «إنّ أحبّ الأمر إليّ ما أطيع الله فيه فأطعه ما استطعت فيما أعلنت وأسررت، واعلم أني لو أردت القتال وجدت الناس إليّ فيه سراعا، وعليه أعوانا، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين».

стр. 2558

مسير إبراهيم بن مالك الأشتر إلى الموصل ومقتل عبيد الله بن زياد وحصين بن نمير السكوني قالوا: لما فرغ المختار من أمر من خرج من أهل الكوفة وانقضت حربهم بجبانة السبيع والكناسة لم يكن له همّة إلاّ إمضاء جيش إبراهيم بن الأشتر للوجه الذي وجّهه له، فشخص إبراهيم من الكوفة لستّ ليال خلون من ذي الحجّة سنة ستّ وستّين، ويقال: لثمان خلون من ذي الحجّة، وكان معه قيس بن طهفة على ربع أهل المدينة، وعبد الله بن جندب على مذحج وأسد، والأسود بن جراد الكندي على كندة وربيعة وحبيب بن منقذ على تميم وهمدان، فقال شاعرهم: أما وربّ المرسلات عرفا … لنقتلنّ بعد صفّ صفّا وبعد ألف قاسطين ألفا فخرج في زهاء تسعة آلاف، وشيّعه المختار، فلما صار إلى القنطرة إذا أصحاب الكرسيّ قد وقفوا يستنصرون ويدعون فقال ابن الاشتر ربّنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، سنّة بني إسرائيل والذي أنا له.

стр. 2559

وانتهى ابن الاشتر إلى المدائن فلقي من كان انصرف من أصحاب يزيد بن أنس، فردّهم معه، فلما تجاوز الكحيل من أرض الموصل جعل لا يسير الاّ بتعبئة. وسبق ابن زياد إلى الموصل، وبادر دخوله العراق واجتمعا على الخازر إلى جنب قرية تدعى باريتا، بينها وبين مدينة الموصل خمسة فراسخ، فنزل ونزل عبيد الله بن زياد قريبا منه على شاطئ الخازر، وهو نهر قريب من الزابي، فأرسل إليه عمير بن الحباب السلمي: إنّي أريد لقاءك الليلة، وكانت قيس الجزيرة مضطغنة على بني مروان لما كان من مروان إليهم في وقعة مرج راهط، فأتاه ابن الحباب فجرى بينهما كلام كثير وقال: ما أحد أبغض إليّ ظفرا من آل مروان، فاعلم أني منهزم بالناس إذا قامت الحرب، فأراد ابن الأشتر أن يبلو صدق ذلك فقال له أترى أن أخندق على نفسي وأتلوّم يومين أو ثلاثة؟ فقال عمير: لا تفعل فإنّ القوم أضعافكم فإن طاولوك وماطلوك خبروا أمركم واجترأوا عليكم لكثرتهم وقلتكم، وخرج ما في قلوبهم من الهيبة لكم فإنّ في أنفسهم منكم روعة، وهم من لقائكم على وجل، فعاجلهم وناجزهم، فإنّ القليل لا يطيق الكثير على المطاولة، ولا آمن إن شامّوكم يوما بعد يوم، ومرّة بعد مرة أن يقهروكم، فقال ابن الأشتر: الآن علمت أنّك ناصح، كان عمير بن الحباب على ميسرة عبيد الله بن زياد، فأذكى ابن الاشتر تلك الليلة حرسه، ولم يدخل الغمض عينه. فلما كان في السحر عبّأ أصحابه، فجعل سفيان بن يزيد بن المغفّل على ميمنته، وعليّ بن مالك الجشمي على ميسرته، وصلى الغداة بغبش،

стр. 2560

ثم صفّ أصحابه وألحق كلّ صاحب راية برايته، وجلس على تلّ عظيم ووجّه من عرف خبر القوم فقيل له إنّهم على دهش، فأخبره بعض رسله وعيونه أنّه لقي منهم رجلا ما له هجيرا إلاّ: يا شيعة أبي تراب. يا شيعة المختار الكذّاب، وجعل ابن الاشتر يحرض الناس فيقول: يا أنصار الدين، يا شيعة الحقّ، يا شرطة الله هذا قاتل الحسين فما الذي تبقون له جدّكم واجتهادكم بعده، هذا الذي حال بين الحسين وبين ماء الفرات، ومنعه الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله وأهل بيته، فوالله ما كان عمل فرعون ببني إسرائيل إلاّ دون عمل هذا الفاجر، وزحف الشاميّون وعلى ميمنة ابن زياد الحصين بن نمير، وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي، وعلى خيله شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، ومشى ابن زياد في رجاله، فلما تدانى الصفان حمل حصين بن نمير على ميسرة أهل الكوفة فقتل علي بن مالك الجشمي فأخذ الراية ابنه فقتل في رجال من أهل الحفاظ، وانهزمت ميسرة ابن الاشتر فصيّر عليها عبد الله بن ورقاء السلولي فثابت الميسرة إليه، وجعل ابن الاشتر يقول: يا شرطة الله إليّ أنا ابراهيم بن الأشتر، إنّ خير فراركم كراركم وحملت ميمنة ابن الاشتر على عمير بن الحباب وأصحابه فثبتوا، وكان عمير أنف من الفرار فقاتل قتالا شديدا، فلما رأى ابن الاشتر ذلك قال لأصحابه أمّوا السواد الأعظم فإن فضضتموه لم يكن للقوم ثبات بعده، ففعلوا ذلك، وتضاربوا بالسيوف وتطاعنوا بالرماح، فإبراهيم يشدّ بسيفه فلا يضرب أحدا الاّ صرعه والقوم يهربون من بين يديه كأنّهم الغنم، وجعل إذا حمل برايته حمل اصحابه حملة رجل واحد لا يثنيهم شيء، فكانوا
следующие страницы →