← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

في طاعتي وإلاّ فحاربهم حتى تهلكهم، وأمره أن يستنفر الأعراب ففعل، وأقبل حتى لقي ابن ورس بالرقم (١)، وقد عبّأ ابن ورس أصحابه وأصحاب عبّاس منقطعون على غير تعبئة، فقال له عبّاس: ألست على طاعة عبد الله بن الزبير؟ قال: نعم، قال فسر بنا إلى عدوّه بوادي القرى، قال: نعم ولكن أريد المدينة أوّلا ثم أرى رأيي، فتركهم ابن سهل حتى نزعوا سلاحهم وشغلوا بأثقالهم، ثم قصد قصد ابن ورس في ألف من كماة أصحابه وشجعانهم، وجعل ابن ورس يقول: يا شرطة الله إليّ قاتلوا الملحدين. أولياء الشياطين. فإنّكم على الحقّ المبين. وقد غدر القوم وفجروا، فانتهى إليه عبّاس بن سهل وهو يقول: أنا ابن سهل فارس غير وكل … أروع مقدام إذا النّكس نكل فلم يطل القتال بينهم حتى قتل ابن ورس في سبعين، ورفع عبّاس راية أمان لأصحابه فأتوها إلاّ نحوا من ثلاثمائة انصرفوا مع سليمان بن حمير الثوري، فظفر ابن سهل منهم بنحو من مائتين فقتلهم، وأفلت الباقون. فلما بلغ المختار خبر شرحبيل بن ورس وأصحابه قال: إنّ الفجّار الأشرار. قتلوا الأخيار الأبرار. ألا وإنّ الفاسق النجس. القذر الرجس. قتل ابن ورس. وكان أمرا مأتيا. وقضاء مقضيّا. وكتب المختار إلى ابن الحنفيّة: «إنّي كنت بعثت جندا ليحووا لك البلاد، ويدوّخوا الأعداء، فلما صاروا بطيبة لقيهم جند الملحد فخدعوهم وغرّوهم فإن رأيت أن ابعث إلى المدينة خيلا وجندا كثيفا وتبعث من قبلك

стр. 2557

رسلا يعلمونهم أنّي في طاعتك وأنّي بعثت من بعثت عن أمرك فافعل فإنّك ستجدهم بحقّك أعرف، وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير الظلمة الملحدين والسلام»، فكتب إليه ابن الحنفيّة: «إنّ أحبّ الأمر إليّ ما أطيع الله فيه فأطعه ما استطعت فيما أعلنت وأسررت، واعلم أني لو أردت القتال وجدت الناس إليّ فيه سراعا، وعليه أعوانا، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين».

стр. 2558

مسير إبراهيم بن مالك الأشتر إلى الموصل ومقتل عبيد الله بن زياد وحصين بن نمير السكوني قالوا: لما فرغ المختار من أمر من خرج من أهل الكوفة وانقضت حربهم بجبانة السبيع والكناسة لم يكن له همّة إلاّ إمضاء جيش إبراهيم بن الأشتر للوجه الذي وجّهه له، فشخص إبراهيم من الكوفة لستّ ليال خلون من ذي الحجّة سنة ستّ وستّين، ويقال: لثمان خلون من ذي الحجّة، وكان معه قيس بن طهفة على ربع أهل المدينة، وعبد الله بن جندب على مذحج وأسد، والأسود بن جراد الكندي على كندة وربيعة وحبيب بن منقذ على تميم وهمدان، فقال شاعرهم: أما وربّ المرسلات عرفا … لنقتلنّ بعد صفّ صفّا وبعد ألف قاسطين ألفا فخرج في زهاء تسعة آلاف، وشيّعه المختار، فلما صار إلى القنطرة إذا أصحاب الكرسيّ قد وقفوا يستنصرون ويدعون فقال ابن الاشتر ربّنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، سنّة بني إسرائيل والذي أنا له.

стр. 2559

وانتهى ابن الاشتر إلى المدائن فلقي من كان انصرف من أصحاب يزيد بن أنس، فردّهم معه، فلما تجاوز الكحيل من أرض الموصل جعل لا يسير الاّ بتعبئة. وسبق ابن زياد إلى الموصل، وبادر دخوله العراق واجتمعا على الخازر إلى جنب قرية تدعى باريتا، بينها وبين مدينة الموصل خمسة فراسخ، فنزل ونزل عبيد الله بن زياد قريبا منه على شاطئ الخازر، وهو نهر قريب من الزابي، فأرسل إليه عمير بن الحباب السلمي: إنّي أريد لقاءك الليلة، وكانت قيس الجزيرة مضطغنة على بني مروان لما كان من مروان إليهم في وقعة مرج راهط، فأتاه ابن الحباب فجرى بينهما كلام كثير وقال: ما أحد أبغض إليّ ظفرا من آل مروان، فاعلم أني منهزم بالناس إذا قامت الحرب، فأراد ابن الأشتر أن يبلو صدق ذلك فقال له أترى أن أخندق على نفسي وأتلوّم يومين أو ثلاثة؟ فقال عمير: لا تفعل فإنّ القوم أضعافكم فإن طاولوك وماطلوك خبروا أمركم واجترأوا عليكم لكثرتهم وقلتكم، وخرج ما في قلوبهم من الهيبة لكم فإنّ في أنفسهم منكم روعة، وهم من لقائكم على وجل، فعاجلهم وناجزهم، فإنّ القليل لا يطيق الكثير على المطاولة، ولا آمن إن شامّوكم يوما بعد يوم، ومرّة بعد مرة أن يقهروكم، فقال ابن الأشتر: الآن علمت أنّك ناصح، كان عمير بن الحباب على ميسرة عبيد الله بن زياد، فأذكى ابن الاشتر تلك الليلة حرسه، ولم يدخل الغمض عينه. فلما كان في السحر عبّأ أصحابه، فجعل سفيان بن يزيد بن المغفّل على ميمنته، وعليّ بن مالك الجشمي على ميسرته، وصلى الغداة بغبش،

стр. 2560

ثم صفّ أصحابه وألحق كلّ صاحب راية برايته، وجلس على تلّ عظيم ووجّه من عرف خبر القوم فقيل له إنّهم على دهش، فأخبره بعض رسله وعيونه أنّه لقي منهم رجلا ما له هجيرا إلاّ: يا شيعة أبي تراب. يا شيعة المختار الكذّاب، وجعل ابن الاشتر يحرض الناس فيقول: يا أنصار الدين، يا شيعة الحقّ، يا شرطة الله هذا قاتل الحسين فما الذي تبقون له جدّكم واجتهادكم بعده، هذا الذي حال بين الحسين وبين ماء الفرات، ومنعه الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله وأهل بيته، فوالله ما كان عمل فرعون ببني إسرائيل إلاّ دون عمل هذا الفاجر، وزحف الشاميّون وعلى ميمنة ابن زياد الحصين بن نمير، وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي، وعلى خيله شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، ومشى ابن زياد في رجاله، فلما تدانى الصفان حمل حصين بن نمير على ميسرة أهل الكوفة فقتل علي بن مالك الجشمي فأخذ الراية ابنه فقتل في رجال من أهل الحفاظ، وانهزمت ميسرة ابن الاشتر فصيّر عليها عبد الله بن ورقاء السلولي فثابت الميسرة إليه، وجعل ابن الاشتر يقول: يا شرطة الله إليّ أنا ابراهيم بن الأشتر، إنّ خير فراركم كراركم وحملت ميمنة ابن الاشتر على عمير بن الحباب وأصحابه فثبتوا، وكان عمير أنف من الفرار فقاتل قتالا شديدا، فلما رأى ابن الاشتر ذلك قال لأصحابه أمّوا السواد الأعظم فإن فضضتموه لم يكن للقوم ثبات بعده، ففعلوا ذلك، وتضاربوا بالسيوف وتطاعنوا بالرماح، فإبراهيم يشدّ بسيفه فلا يضرب أحدا الاّ صرعه والقوم يهربون من بين يديه كأنّهم الغنم، وجعل إذا حمل برايته حمل اصحابه حملة رجل واحد لا يثنيهم شيء، فكانوا

стр. 2561

على ذلك، ثم إنّ أهل الشام انهزموا بعد قتال شديد وقتلى بين الفريقين كثيرة، ويقال إنّ عميرا أوّل من انهزم بالقوم بعد تعذير منه. ووصل إبراهيم إلى عبيد الله بن زياد فقتله وهو لا يثبته فقال: يا قوم لقد قتلت رجلا وجدت منه رائحة المسك شرّقت يداه وغرّبت رجلاه، فطلب فإذا هو ابن زياد، فأمر برأسه فأخذ وأحرقت جثّته بالنار، وحمل شريك بن جرير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني وهو يظنه ابن زياد فقتله، وقتل شرحبيل بن ذي الكلاع، فادّعى قتله سفيان بن يزيد بن المغفّل الأزدي وورقاء بن عازب الأسدي وعبد الله بن زهير السلولي، ولما هزموهم اتبعوهم فكان من غرق منهم أكثر ممن قتل، واحتووا على عسكرهم. وأرجف الناس بالكوفة بمقتل ابن الاشتر فخرج المختار إلى المدائن فلما صار بها تلقّته البشارات بقتل عبيد الله بن زياد وفضّ عسكره، وقال عامر الشعبي: كنت في عسكر المختار بالمدائن، فكان يحرّضنا ويحضّنا ويقول إنّ شيعة الله يقتلونهم بنصيبين أو قرب نصيبين، فقال لي بعض الهمدانيّين حين جاء قتل ابن زياد: يا شعبي ألا تبوء وتقرّ للمختار؟ قلت: بما أبوء له أقول إنّه يعلم الغيب والله ما يعلم الغيب إلاّ الله، قال: ألم يقل إنّهم يهزمون؟ قلت: إنّه قال: بنصيبين أو قرب نصيبين، وإنّما كانت الوقعة بالخازر، فقال لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم. حدثنا خلف بن سالم وأبو خيثمة قالا: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه حدثني إبراهيم بن الأشتر قال: مرّ بي ابن زياد يوم الخازر فسطع منه المسك وأنا لا أعرفه فظننت أنه رجل له منزلة في القوم وحال، فقصدت له فضربته

стр. 2562

على رأسه بالسيف فخرّ بين قوائم برذونه يخور كخوار الثور، فنظرت فإذا هو ابن زياد. وانصرف المختار إلى الكوفة، ومضى إبراهيم بن الأشتر إلى الموصل، وبعث عمّاله عليها وعلى نصيبين، وسنجار ودارا، وما والاها من أرض الجزيرة. وقال الهيثم بن عديّ: ولّى ابن الأشتر زفر بن الحارث قرقيسيا، وحاتم بين النعمان الباهلي حران والرها، وسميساط وناحيتها، وعمير بن الحباب كفرتوثا وطور عبدين، وليس ذلك بثبت عند الكلبي. وقال عمير بن الحباب حين قتل ابن زياد: ما كان جيش يجمع الخمر والزنا … محلاّ إذا لاقى العدوّ لينصرا وقال ابن المفرّغ حين قتل ابن زياد: إنّ المنايا إذا ما زرن طاغية … هتكن أستار حجّاب وأبواب أقول بعدا وسحقا عند مصرعه … لابن الخبيثة وابن الكودن الكابي لا أنت زاحمت عن ملك فتمنعه … ولا متتّ إلى قوم بأسباب لا من نزار ولا من جذم ذي يمن … جلمودة ألقيت من بين ألهاب لا تقبل الأرض موتاهم إذا قبروا … وكيف تقبل رجسا بين أثواب (١) قالوا: ولحق جميع من كان هرب من المختار من أهل الكوفة أو أكثرهم بمصعب بن الزبير بالبصرة، وقد قدمها واليا على المصرين، فقدم شبث بن ربعي التميمي على بغلة قد قطع ذنبها وطرفي أذنيها وشقّ قباءه،

стр. 2563

ووقف ينادي وا غوثاه، وا غوثاه، فدخل على المصعب فأخبره بما لقي الناس من المختار، وهذا أصحّ من قول من قال إنّ شبثا قتل بالكوفة، وأخبره أيضا وجوه أهل الكوفة بما نالهم وسألوه نصرتهم والمسير معهم، وقدم عليه محمد بن الأشعث ولم يكن شهد وقعة الكوفة، فاستحثّ المصعب بالشخوص إلى الكوفة، فقال: لست فاعلا حتى يقدم المهلّب علي، وكان بفارس، فكتب إليه يأمره بالقدوم، فاعتلّ بالخراج، فقال محمد بن الأشعث: وجهني إليه آتك به، فسار محمد حتى قدم فارس فلما رآه المهلّب قال: يا محمد أما وجد المصعب بريدا غيرك؟ فقال: يا أبا سعيد والله ما أنا إلاّ بريد نسائنا وأبنائنا، فأقبل المهلّب معه في جموع وهيئة وعلاج ليس لأحد مثلها حتى قدم البصرة، وكان المهلّب أتى عبد الله بن الزبير فكتب له عهده على خراسان فلما صار إلى البصرة، طلب إليه أهلها أن يقاتل الخوارج وكانوا قد ظهروا وأبزوا (١) عليهم، فأقام لقتالهم فاتبعهم إلى فارس، فكان يحاربهم، وقدم المصعب فولاّه فارس خراجها وحربها. وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن صعب بن زيد، وصعب عمّ جرير بن حازم قال: قدم المهلّب بعهده على خراسان من قبل عبد الله بن الزبير، وقد نزلت الحروريّة بين الجسرين بالبصرة فقتلوا وحرقوا، وغلبوا على كور الأهواز، وشاطئ دجلة فأتى الأحنف وأشراف أهل البصرة المهلّب فسألوه أن يتولّى قتال الأزارقة، فقال: لست أقدر على ذلك هذا عهد أمير المؤمنين إليّ على خراسان،

стр. 2564

قالوا: فإنّا نخرج إلى أمير المؤمنين فنسأله أن يعفيك من خراسان ويولّيك قتال الأزارقة، قال: فرأيكم. فخرج من خرج منهم فجاؤوا بكتاب ابن الزبير بتوليته قتال الأزارقة، وقال بعض الناس: افتعلوه على لسان ابن الزبير، وقال آخرون: بل خرج ناس فجاؤوا بكتابه، فنفى الخوارج إلى الأهواز. قال جرير بن حازم: ثم صاروا إلى فارس فاتبعهم، وكتب عبد الله إلى مصعب بن الزبير بتوليته فارس، وكان قدوم المصعب البصرة واليا عليها بعد القباع في سنة سبع وستّين. خبر يوم المذار ومقتل أحمر بن شميط وابن كامل قالوا: قدم المهلّب بن أبي صفرة من فارس، واستخلف المغيرة ابنه، ويقال غيره، وقال بعضهم: قسم فارس بين أصحابه وأمرهم أن يجتمعوا على قتال الخوارج مع صاحب الناحية التي تكون فيها، فلما دخل على مصعب أمره بالعسكرة عند الجسر الأكبر، ولم ير المصعب أحدا إعظامه له، ودعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له: ائت الكوفة مستخفيا حتى تخرج إليّ من استطعت إخراجه وخذل الناس عن المختار، فمضى حتى نزل منزله سرّا فلم يظهر، وخرج مصعب بن الزبير، وقد جعل المهلّب على ميسرته، وعمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته وقدم عبّاد بن الحصين التميمي أمامه على مقدّمته، وكان مالك بن مسمع على جيش بكر بن وائل، ومالك بن المنذر بن الجارود على جيش عبد القيس، والأحنف بن قيس على جيش العالية، وبلغ المختار ذلك، فقال لأصحابه: يا أهل الدين وأعوان الحقّ،

стр. 2565

وأنصار الضعيف، وشيعة الرسول وآل الرسول وشرطة الله إنّ هؤلاء الذين هربوا من أسيافكم أتوا أشباها لهم من أهل البصرة من الفاسقين فاستنفروهم ليمات الحقّ وينعش الباطل، ويدال أولياء الله في الأرض فانتدبوا يرحمكم الله مع أحمر بن شميط الأحمسي. فعسكر ابن شميط بحمّام أعين، وضمّ إليه المختار الناس، وبعث على مقدّمته عبد الله بن كامل الشاكري من همدان فسار أحمر بن شميط حتى ورد المذار، وأقبل مصعب فنزل قريبا منه وعبّأ كل واحد منهما جنده، فجعل ابن شميط ابن كامل على ميمنته وعبد الله بن أنس بن وهب بن نضلة الجشمي على ميسرته، وجعل على الخيل رزين بن عبد السلولي وعلى الرجال كثير بن اسماعيل بن كثير الكندي، وجعل أبا عمرة على الموالي، وأقرّ المصعب المهلّب على ميسرته، وعبيد الله على ميمنته، وجعل على الرجال مقاتل بن مسمع، وعلى الخيل عبّاد بن الحصين، فالتقوا وحمل عبّاد على ابن شميط وأصحابه، فلم يزل منهم رجل عن موقفه، وحمل ابن كامل على المهلّب فلم يزالوا كذلك يحمل بعضهم على بعض، ثم حمل أهل البصرة جميعا على ابن شميط حملة واحدة فقاتل حتى قتل، وتنادى أهل الكوفة: يا معشر بجيلة وخثعم الصبر الصبر، فنادى بهم المهلّب: الفرار الفرار على ما تقاتلون أضلّ الله سعيكم، ثم مالت الخيل على رجالة ابن شميط فاصطلموا، وقتل عبد الله بن كامل. وسرّح المصعب محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من أهل الكوفة ممّن هرب من المختار ومن بعث به عبد الرحمن بن مخنف، وقال دونكم الطلب

стр. 2566

بثأركم، فكانوا أشدّ عليهم من أهل البصرة لا يتركون رجلا إلاّ قتلوه فلم ينج من ذلك الجند إلاّ شرذمة قليلة من أصحاب الخيل. وروي عن معاوية بن قرة المزني أبي إياس بن معاوية أنّه قال: انتهيت إلى رجل منهم فأدخلت سنان الرمح في عينه وجعلت أخضخضه، فقيل له: أو فعلت ذلك؟ قال: نعم والله إنّهم كانوا أحلّ عندنا من الترك والديلم، وكان معاوية قاضيا بين أهل البصرة، وقال أعشى همدان: أما نبّئت والأنباء تنمي … بما لاقت بجيلة بالمذار أتيح لهم بها ضرب طلخف (١) … وطعن صائب وجه النهار فبشّر شيعة المختار إمّا … مررت على الكويفة بالصغار وما إن سرّني إهلاك قومي … وإن كانوا وجدّك في خسار ولكنّي أسرّ بما يلاقي … أبو إسحاق من خزي وعار وكان على البصرة حين شخص المصعب إلى المذار عبيد الله بن عبيد الله بن معمر التيمي ولاّه إيّاها المصعب، وهو كان عليها أيضا (حين) خرج لقتال المختار، والثبت أنّه كان خليفة أخيه عمر بن عبيد الله لأنّ أمرها كان إلى عمر، وكان عمر خليفة المصعب عليها في ظعنه ومقامه. وبلغ المختار ومن معه خبر ابن شميط وابن كامل ووجوه رجاله وحماته، فقال من كان بالكوفة من الأعاجم كلاما بالفارسيّة تفسيره: لم يصدق أبو إسحاق المرة.

стр. 2567

وقال بعض الشعراء فيما ذكر المدائني: ونحن قتلنا أحمرا وجموعه … وقد كان قتّال الكماة مظفّرا غداة علا الإسكاف بالسيف رأسه … فخرّ صريعا لليدين معفّرا قال: والإسكاف محمد بن عبد الرحمن الإسكاف. حدثنا خلف بن سالم وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا جويرية حدثني الصقعب بن ثابت عن أبيه قال: سمعت المختار بالمدائن وهو يقول: والذي كرّم وجه أبي القاسم ليدخلنّ ابن شميط البصرة في عافية صافية. قضاء مقضيّا. وقد خاب من افترى، وقد بعثت معه براية ما غزلتها يد ولا نسجها نسّاج، وكان أدرجها ولف عليها خرقة ثم ختمها، وقال: لا تفتحها حتى تبلغ ساعة كذا من النهار، ثم انشرها فانّ القوم إذا نظروا إليها انهزموا. وحدثاني قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن الأزرق قال: بعث المختار ابن شميط فدفع إليه سفطا مختوما، وقال إنّ فيه راية لم ينسجها إنس ولا جنّ فأخرجها فإنّك تظفّر عليهم، وإيّاك أن تخرجها من أوّل النهار فقتل، ومضى مصعب إلى الكوفة فانحاز المختار إلى داره فحصره فيها، فخرج ليلا فعرفه الناس فقتلوه وقتل أصحابه وقد نزلوا على حكمه، وهم سبعة آلاف.

стр. 2568

خبر قدوم المصعب بن الزبير الكوفة ويوم حروراء ومقتل المختار بن أبي عبيد حدثني محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي، حدثني عمّي كثير بن محمد عن عبد الله بن عياش المنتوف عن مجالد عن الشعبي قال: ولّي عبيد الله بن معمر المسمى القباع، وإنّما سمّي القباع لأنّه رأي مكيالا لأهل البصرة فقال ما هذا القباع؟ يعني الأجوف، فلقّبوه قباعا، وهو الذي يقول فيه أبو الأسود الديلي لعبد الله بن الزبير. أبا بكر جزاك الله خيرا … أرحنا من قباع بني المغيرة (١) فعزله ابن الزبير، وولّى البصرة والكوفة جميعا مصعب بن الزبير أخاه، فقدم البصرة وكان المختار بالكوفة وقد أخرج عنها ابن مطيع عامل ابن الزبير. فلما قدم أصحاب المختار المذار ليغلبوا على البصرة فيما دبّروا زحف إليهم المصعب بوجوه أهل البصرة، واستخلف عمر بن عبيد الله عليها عبيد الله بن عبيد الله بن معمر أخاه ويكنى أبا معاذ بكنية أبيه، فقتل المصعب ابن شميط وأصحاب المختار وفضّ عسكره، ثم إنّ عمر بن عبيد الله استخلف أيضا على البصرة أخاه بأمر المصعب، وسار المصعب إلى الكوفة فقتل المختار.

стр. 2569

وولّى عبد الله بن الزبير حمزة ابنه البصرة بعد أشهر، وذلك بمشورة رجل شخص إليه من أهل العراق مولى لبني عجل، يقال له إبراهيم بن حيّان فأخبره أن أهل البصرة يحبّون ولايته، وكتب إلى مصعب في ضمّ من قبله من رجال البصرة إلى حمزة، فغضب مصعب وشخص إلى مكّة وحمل معه مالا من مال الكوفة واستخلف عليها القباع. وقدم حمزة البصرة في سننه فكان جوادا إلاّ أنّه كان أحمق، شخص إلى الأهواز فدعا بدهقانها واسمه مردانشاه فأمره أن يحمل الخراج فاستأجله، فشدّ عليه فضرب عنقه وعنده الأحنف فقال له إنّ سيف الأمير لحادّ، ونظر حمزة إلى جبل الأهواز فقال كأنّه قعيقعان يعني جبلا بمكّة، فسمّوه قعيقعان، وسمّوا الجبل أيضا قعيقعان. ولما ورد مصعب على عبد الله أخيه قال له: من استخلفت على الكوفة؟ قال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وقال له: ما رأيت في حمزة ابنك حتى عزلتني وولّيته؟ قال: ما رأى عثمان في ابن عامر حين عزل أبا موسى وولاّه ولم أعزلك تفضيلا له عليك، وردّه على المصرين جميعا، فأقرّ القباع بالكوفة على خلافته، وأقرّ عمر بن عبيد الله على أمر البصرة، ثم ولاه فارس. وقال ابن عيّاش: كان حمزة يعطي الكثير من لا يستحقّه، ويمنع القليل من يستحقّ الكثير، وكان يعطي مائة ألف ويمنع شسعا، ورأى فيض البصرة فقال: إنّ هذا غدير إن رفق به أهله كفاهم ضيعتهم، وركب إلى فيض البصرة في الجزر، فقال: لو اقتصدوا فيه لم ينقص هذا النقصان.

стр. 2570

ومدحه موسى شهوات فقال: حمزة المبتاع حمدا باللهى … ويرى في بيعه أن قد غبن وإذا أعطى عطاء فاضلا … ذا إخاء لم يكدّره بمنّ وإذا ما سنة مجدبة … برت المال كبري بالسفن إنجلت عنه نقيّا ثوبه … وتولّت ومحيّاه حسن نور صدق نيّر في وجهه … لم يصب أثوابه لون الدرن ولجأ الفرزدق إليه وهو بالحجاز في امرأته، وقد كتبنا قصّته في خبر ابن الزبير. قالوا: ولما صنع حمزة ما صنع بدهقان الأهواز كتب الأحنف ووجوه أهل البصرة في عزله وإعادة مصعب، فعزله واحتمل حمزة مالا من مال البصرة فعرض له مالك بن مسمع وقال: لا ندعك تخرج بأعطياتنا فضمن له عبيد الله بن عبيد الله بن معمر العطاء كاملا فكفّ وقد كان عسكر في ربيعة، وتخلّص حمزة بالمال فترك أباه وأتى المدينة فأودع المال رجالا فذهبوا به إلاّ يهوديّا وفى له، وقال أبوه: أبعده الله أردت أن أباهي به بني مروان فنكص. قالوا: وكان حمزة محبا لابن سريج المغنّي، وهو غنّى في قول موسى شهوات. حمزة المبتاع حمدا باللهى وكان حمزة لا يخالفه، فسأله رجل أن يكلّمه في إسلافه ألف دينار، ففعل وأسلف الرجل ألفا وأعطى ابن سريج ألفا.

стр. 2571

وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي عن وهب بن جرير عن أبيه عن صعب بن زيد قال: بعث ابن الزبير ابنه حمزة وكان فيه ضعف وحمق، فخرج إلى الأهواز فلما رأى جبلها قال إنّ هذا الجبل لشبيه بقعيقان فسمّي لذلك قعيقعان، قال صعب: وفرغنا يوما من الخوارج ونحن بالأهواز فخرج على فرسه مطلقا برحات قبائه فكأنّي انظر إلى تكة سراويله قد بدت على قربوس سرجه وهو يركض فكان وجهه إلى البصرة ولم يلق قتالا، وكان خليفته بالبصرة عبيد الله بن عبيد الله بن معمر وأقام بالبصرة سنة، وكان عمر بن عبيد الله على فارس. قالوا: ولما انقضى أمر يوم المذار أقبل المصعب نحو واسط القصب، ولم تكن يومئذ إنّما كان أحدثها الحجّاج بعد، فأخذ في كسكر وحمل الضعفاء في السفن فخرجوا في نهر يقال له قوسان منه إلى الفرات، فكان أهل البصرة يخرجون فيجرّون سفينهم ويقولون: عوّدنا المصعب جرّ القلس … بالزنبريّات (١) الطوال الملس ويقال: إنّهم قالوا ذلك حين شخص إلى الكوفة ثم إلى مسكن. قالوا: وبلغ المختار مسيرهم فخرج حتى نزل السيلحون بالكوفة وسكر الفرات على نهر السيلحون، ونهر يوسف، وجعل يذكر ابن شميط وأصحابه فيقول: حبّذا مصارع الكرام، وبقيت سفن البصريّين تجرّ على الطين، فلما رأوا ذلك وجّهوا خيلا إلى السكر فكسروه وصمدوا صمد الكوفة، فلما رأى المختار ذلك أقبل حتى نزل حروراء وحال بينهم وبين

стр. 2572

الكوفة، وقد كان حصّن القصر والمسجد واستخلف بالكوفة عبد الله بن شدّاد الجشمي، وجعل المختار يومئذ على ميمنته سليمان بن يزيد الكندي وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني، وكان على شرطته يومئذ عبد الله بن قراد الخثعمي، وكان على ميمنة المصعب المهلّب بن أبي صفرة، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله بن معمر، وعلى الخيل عبّاد بن الحصين، وعلى الرجال مقاتل بن مسمع، وعلى أهل الكوفة محمد بن الأشعث بن قيس، وعلى بكر بن وائل مالك بن مسمع. فلما رأى المختار ذلك وجّه إلى كل خمس من أخماس أهل البصرة رجلا، فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ صاحب ميسرته وإلى عبد القيس وعليهم مالك بن المنذر بن الجارود عبد الرحمن بن شريح الشبامي من همدان، وكان على بيت ماله، وبعث إلى أهل العالية وعليهم قيس بن الهيثم السلمي عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي، وبعث إلى الأزد وعليهم زياد بن عمرو العتكي سليمان بن يزيد الكندي، وكان على ميمنته، وبعث إلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك الأشعري، ووقف في بقيّة أصحابه، وكان المهلّب في خمسين كثيري العدد والفرسان، وهم الأزد، وتميم، وكان الأحنف حاضرا، ولم يحبّ أن يشهر نفسه فحمل بعض القوم على بعض، والمهلّب واقف فقيل له: ألا تحمل؟ فقال: ما كنت لأجزر الأزد وتميما خشبيّة أهل الكوفة حتى أرى فرصتي، وحمل ابن جعدة على أهل العالية فكشفهم حتى ألحقهم بمصعب، فجثا المصعب عندها على ركبتيه ورمى سهمه فرمى الناس سهامهم، وبعث إلى المهلّب: ما تنتظر لا أبا

стр. 2573

لغيرك احمل على من يليك، فحمل بخمسمائة على أصحاب المختار فحطموهم، وحمل الناس بأجمعهم فانهزم أصحاب المختار. وقال عمرو بن عبد الله النهدي: اللهم إنّي أبرأ إليك من فعل هؤلاء، يعني أصحابه حين انهزموا، وأبرأ إليك من هؤلاء، يعني أصحاب مصعب، اللهمّ إنّي على ما كنت عليه بصفّين، ثم قاتل حتى قتل، وقال مالك بن عمرو النهدي وكان على الرجالة وأتي بفرسه ليركبه: والله لا فعلت ولأن أقتل في أهل الصبر أحبّ إلي من أن أقتل في بيتي، أين أهل الصبر اليوم؟ فثاب إليه خمسون رجلا، فشدّ وشدوا على محمد بن الأشعث بن قيس وأصحابه، وكان بالقرب منه، فقتل محمد بن الأشعث، فبنو نهد يدّعون قتله يقولون قتله مالك، وكندة تقول قتله عبد الملك بن أشاءة الكندي، وخثعم تقول قتله ابن قراد الخثعمي، ويقال إن المختار مرّ في أصحابه على ابن الأشعث فقال لهم: يا شرطة الله كرّوا على الثعالب الروّاغة، فحملوا فقتل محمد بن الأشعث فقال أعشى همدان: وما عذر عين على ابن الأش … ج في أن يفتّر تقطارها فلا تبعدنّ أبا قاسم … فقد تبلغ النّفس مقدارها بشطّ حرورا إذا استجمعت … عليك ثقيف وسحّارها وقتل سعيد بن منقذ في سبعين راكبا من قومه، وقتل سليمان بن يزيد الكندي في تسعين، ونزل المختار على فم سكّة شبث بن ربعيّ فقاتل عامّة ليلته وقتل معه بشر من همدان وغيرها، وانصرف البصريّون عن المختار فعمد إلى قصر فنزله، وكان وقعتهم يوم الأربعاء، وكان عبد الله بن ثوب لما خرج يريد حروراء جعل يقول: اليوم يوم الأربعاء. تربّعت السماء. ونزل

стр. 2574

القضاء. بهزيمة الأعداء، فلما كانت الوقعة ضرب على وجهه فقيل له أين ما كنت تقول؟ قال: ﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (١) ويقال: إنّ المختار قال ذلك، وكان عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب مع المصعب فقتل يومئذ، ويقال: انّه قتل يوم المذار فقال المصعب للمهلّب: يا أبا سعيد أعلمت انّهم قتلوا عبيد الله بن عليّ وهم يعرفونه ويزعمون أنّهم شيعة أبيه؟ فقال المهلّب للمصعب: أصلح الله الأمير أي فتح لو لم يكن محمد بن الأشعث قتل؟ فقال: نعم، فرحم الله محمدا. قالوا: وسار مصعب يوم الخميس بمن معه فأتى السبخة فقطع عن المختار المادّة، وبعث عبد الرحمن بن الأشعث وزحر بن قيس إلى جبّانة مراد، وبعث عبيد الله بن الحرّ الجعفي إلى جبّانة الصائدييّن من همدان، وبعث عبّاد بن الحصين إلى جبّانة كندة، فكانوا كلّهم يقطعون عنه المادّة، وأمر المصعب المهلّب أن يتّخذ على الكوفة دروبا ففعل فلم يقدر المختار على الماء، فجعل يشرب وأصحابه من ماء البئر ويعطيهم من عسل عنده فيديفونه به ليطيب الماء، واقترب مصعب وأصحابه من القصر ورتّبهم في مواضع وقفهم بها، وأقبل أحداث يصيحون يا بن دومة، فأشرف عليهم فقال: إنّ الذي تعيّرونه ابن رجل من القريتين (٢) عظيم، وكانت أمّ المختار دومة بنت وهب بن معتّب بن وهب بن كعب الثقفي، ثم خرج المختار في مائتين فحمل على أصحاب مصعب فقاتلهم وضرب يحيى بن ضمضم وكان

стр. 2575

فارسا شجاعا إذا ركب خطّت الأرض رجله، فأطار قحف رأسه فخرّ ميّتا، ثم تتابع الناس عليه وكثروه، فلم يكن له بهم طاقة، فدخل القصر واشتدّ عليه الحصار، فقال لأصحابه: انزلوا بنا نقاتل حتى نقتل كراما، والله ما أنا بآيس إن صدقتم أن تنصروا، فضعف أصحابه وعجزوا، فقال: أما والله لا أعطي بيدي ولا أحكم في نفسي، فلما رأى عبد الله بن جعدة ما يريد المختار تدلّى من القصر فلحق بناس من إخوانه فاستخفى عندهم. ثم إنّ المختار ارسل إلى امرأته أمّ ثابت بنت سمرة بن جندب فبعثت إليه بطيب فاغتسل، وتحنّط، ووضع الطيب في رأسه ولحيته، ثم خرج في تسعة وعشرين رجلا من أصحابه فيهم السائب بن مالك الأشعري، فقال للسائب: ما ترى؟ قال السائب: أنا أرى أم أنت؟ قال المختار: بل الله يرى، أنت ويحك أحمق، إنّما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير انتزى على الحجاز، ومروان على الشام، ونجدة على اليمامة، فلم أكن دون أحدهم فقاتل على حسبك، فقال السائب: وما كنت أصنع بالقتال على حسبي، وتمثّل المختار بقول ابن الزبعري: كلّ بؤس ونعيم زائل … وسواء قبر مثر ومقلّ (١) ثم قال لأصحابه لما رأى ما بهم من الروع والفشل، والامتناع من أن يتابعوه على الخروج والقتال معه: إنّي والله إن قتلت لم تزدادوا إلاّ ضعفا وذلاّ. ثم إن أخذتم ذبحتم كما يذبح الغنم يقولون: هذا قاتل أبي، وهذا قاتل أخي، وإن قاتلتم صابرين فقتلتم متّم كراما.

стр. 2576

ثم خرج فقاتل وهو يقول: إن يقتلوني يجدوا لي جزرا … محمّدا قتلته وعمرا والأبرص الجاهل لمّا أدبرا فقتل السائب بن مالك، ثم قتل المختار عند الزيّاتين قتله أخوان من عنزة يقال لهما طرفة وطريفة، وبنو تميم يدّعون أنّ مولى لبني عطارد يقال له محمد بن عبد الرحمن قتل المختار. وقال أبو اليقظان: قتله فيما تقول ربيعة: طرّاف بن يزيد الحنفي. ونزل الباقون من أصحابه على الحكم، فجعل عبّاد بن الحصين ينزلهم مكتفين وكان فيهم عبد الله بن قراد فمرّوا به على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وهو يقول: ما كنت أخشى أن أرى أسيرا … إنّ الذين خالفوا الأميرا قد خسروا وتبرّوا تتبيرا فقال عبد الرحمن: ائتوني به فقدّموه إليه، فقال له ابن قراد: أما إنّي على دين جدّك الذي آمن به ثم كفر، يعني الأشعث إن لم أكن الذي ضربت أباك بسيفي حتى فاضت نفسه، فدنا منه فقتله، فغضب عبّاد بن الحصين من قتله إيّاه دون أمر مصعب. وأتي مصعب برجل من بني مسلية فقال: الحمد لله الذي ابتلانا بالأمير وابتلاه بنا، إنّ من عفا عفا الله عنه، ومن عاقب لم يأمن القصاص، يا بن الزبير نحن أهل قبلتكم وعلى ملّتكم ونحن قومكم لسنا بروم ولا ديلم، لم نعد أن خالفنا إخواننا من أهل مصرنا، فإمّا أن نكون أصبنا وأخطأوا، أو أصابوا وأخطأنا فاقتتلنا بيننا كما اقتتل أهل الشام بينهم وكما

стр. 2577

اقتتل أهل البصرة بينهم، فقد افترقوا ثم اجتمعوا، وقد ملكتم فأسجحوا، وقدرتم فاعفوا، فرّق له مصعب وللأسرى، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال: أيّها الأمير اخترنا عليهم أو اخترهم علينا، وقام محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني فقال: قد قتل أبي وأشرافنا وخمسمائة أو أكثر منّا وتخلّي سبيلهم ودماؤنا ترقرق في أثوابهم، اخترنا أو اخترهم فأمر بهم أن يقتلوا، فقال بعضهم: قد أمرنا المختار أن لا نموت هذه الميتة الدنيّة فأبينا، وكان من أخرج من القصر نحوا من ستّة آلاف. حدثني أبو مسعود عن عليّ بن مجاهد قال: لما ظفر مصعب بأصحاب المختار، بعثت إليه عائشة بنت طلحة في أمرهم الحارث بن خالد المخزومي فوجدهم قد قتلوا. وقال مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي: ما تقول يا بن الزبير غدا وقد قتلت أمة من المسلمين حكّموك في أنفسهم ودمائهم صبرا وإنّ فينا لرجالا ما شهدوا حربنا وحربكم إلاّ اليوم؟! فقتل وقتل القوم. حدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن الهيثم عن عوانة قال: لما أراد المصعب قتل أصحاب المختار ونزلوا على حكمه شاور الأحنف بن قيس فيهم، فقال: أرى أن تعفو عنهم فإنّ العفو أقرب للتقوى (١)، فقال أشراف أهل الكوفة: اقتلهم وضجّوا فلما قتلوا، قال الأحنف: ما أدركتم بقتلهم ثأرا فليته لا يكون في الآخرة وبالا.

стр. 2578

وكان المصعب قال: اقتلوا الموالي واعفوا عمّن كان صليبة مع المختار، فقام ابن الأصبهاني وابن الإسكاف، صاحب الدار بالبصرة فقالا: ما هذا بحكم الإسلام، فقتل الجميع. قالوا: وبعث المصعب إلى أمّ ثابت بنت سمرة بن جندب الفزاري، وعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري، امرأتي المختار، فأحضرتا فقال لهما ما تقولان في المختار؟ فأمّا أمّ ثابت فقالت: ما عسينا أن نقول فيه إلاّ مثل ما تقولون من الكذب وادّعاء الباطل فخلّى سبيلها، وقالت عمرة: ما علمته ﵀ إلاّ مسلما من عباد الله الصالحين، فحبسها المصعب في السجن، وكتب إلى عبد الله بن الزبير: «إنّها تزعم أنّه نبي» فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها، فأخرجها إلى ما بين الحيرة والكوفة بعد العشاء الآخرة، فأمر بها رجلا من الشرط يقال له مطر، فضربها بالسيف ثلاث ضربات، وهي تقول: يا أبتاه، يا أهلاه، يا عشيرتاه، فرفع رجل يده فلطم مطرا وقال: يا بن الزانية عذّبتها فقطعت نفسها ثم تشحّطت وماتت، وتعلّق مطر بالرجل فأتى به مصعبا فقال: خلّوه رأى أمرا عظيما فظيعا، وكان لقب مطر هذا تابعه. فقال عبد الله بن الزبير الأسدي، ويقال عمر بن أبي ربيعة: إنّ من أعجب العجائب عندي … قتل بيضاء حرّة عطبول قتلوها ظلما على غير ذنب … إنّ لله درّها من قتيل كتب القتل والقتال علينا … وعلى المحصنات جرّ الذيول (١)

стр. 2579

وقال الأحوص، ويقال غيره: ألم تعجب الأقوام من قتل حرّة … من الجامعات العقل والدين والحسب من العاقلات المؤمنات بريّة … من الشك والبهتان والإثم والريب كأنّهم إذ أبرزوها فقطّعت … بأسيافهم فازوا بمملكة العرب (١) وكان مقتل المختار في شهر رمضان سنة تسع وستّين. وبعث المصعب برأسه ورؤوس وجوه أصحابه إلى عبد الله بن الزبير بمكة، وسمر المصعب يد المختار على حائط المسجد الجامع، فلم تزل مسمورة حتى قدم الحجّاج الكوفة فأمر بها فانتزعت ثم دفنت. ولما قتل المصعب المختار أنفذ عمر بن عبيد الله بن معمر إلى البصرة وأقام بالكوفة لإصلاح أمرها، فكان يوم الجفرة بالبصرة في أيام عمر بن عبيد الله هذه، ثم لحق به مصعب وقد ذكرنا ذلك فيما تقدّم من نسب بني أبي العيص. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن عوانة وغيره قالوا: وفد مصعب على أخيه عبد الله ثلاث مرّات أولاهنّ من الكوفة حين قتل المختار ومعه إبراهيم بن الأشتر، والثانية من البصرة بمال العراق حين عزله وولّى حمزة بن عبد الله البصرة فقدمها غلام معجب حريص، فقصّر بالأشراف وبسط يده ففزعوا إلى مالك بن مسمع فأمر بحمل سرادقة فضرب على الجسر، ثم أرسل إلى حمزة يا بن أخي الحق بأبيك فأخرجه عن البصرة، فقال العديل بن فرخ العجلي:

стр. 2580

إذا ما خشينا من أمير ظلامة … دعونا أبا غسّان يوما فعسكرا فما في معد كلّها مثل مالك … أغرّ إذا سامى وأهيب منظرا بني مسمع لولا الإله وأنتم … بني مسمع لم ينكر الناس منكرا بني مسمع أنتم ذؤابة وائل … وأكرمها في أوّل الدهر جوهرا فرد عبد الله مصعبا على الكوفة والبصرة، ثم إنّه احتاج إلى مشافهة أخيه عبد الله بشيء في أمر عبد الملك حين بلغه عزمه على إتيان العراق فشخص إليه فلم يقم قبله إلاّ يوما، ثم ركب رواحله إلى البصرة. وحدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف وعن عوانة قالا: لما قدم مصعب على أخيه بعد قتل المختار، قال له ابن عمر: أأنت الذي قتلت ستّة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة على دم؟ فقال: إنّهم كانوا سحرة كفرة، فقال له: والله لو كانوا غنما من تراث الزبير لقد كان ما أتيت عظيما. قالوا: وقال عبد الله بن الزبير لابن عبّاس - وأخبره بأمر المختار - فرأى منه توجّعا وإكبارا لقتله أتتوجع لابن (أبي) عبيد وتكره أن تسمّيه كذّابا؟ فقال له: ما جزاؤه ذلك منا، قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا وشفى غليل صدورنا. قالوا: ومرّ عروة بن الزبير على ابن عبّاس فقال يا أبا عبّاس إنّ ربّك قتل المختار الكذّاب وهذا رأسه قد جيء به، فقال ابن عبّاس قد بقيت لكم عقبة إن صعدتموها فأنتم أنتم يعني، عبد الملك وأهل الشام. حدثني عمر بن شبّة عن موسى بن اسماعيل عن أبي هلال عن أبي يزيد المدني قال: ذكر ابن عمر الدّجالين والكذّابين فقال ومنهم ذو صهري هذا، قال: قلت: ومن ذو صهرك؟ قال: المختار.

стр. 2581

وحدثني عمر، حدثنا أبو داود، حدثنا قيس عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب قال: قيل لابن الزبير إنّ المختار يزعم انه يوحى إليه قال صدق ثم قرأ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ. تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (١). حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه قال: قال هشام بن عروة: قيل لابن عبّاس إنّ المختار يزعم أنّه يوحى إليه. فقال: صدق إنّهما وحيان وحي الله إلى محمد ﷺ ، ووحي الشياطين، وقرأ: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ (٢). وحدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن جدّه عن أبي صالح قال: كان ابن عبّاس يقول في المختار: طلب بثأرنا، وقتل قتلتنا، فنهاه محمد بن الحنفية وقال: نحن أعلم به فلا تقل فيه من الخير شيئا. وقد روي عن ابن عبّاس إنّه ذكر عنده المختار، فقال: صلّى عليه الكرام الكاتبون. حدثنا بسّام الحمّال وغيره قالوا: حدثنا حمّاد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن أبيه: إنّ المختار لما دعا الناس لبيعته، رأيت الحارث بن سويد يذهب مرقلا، فقلت: إلى أين تذهب، أما تدري ما هذه البيعة؟ قال: بلى ولكنّي سمعت ابن مسعود يقول ما كلام أتكلم به يردّ عنّي ضربتين بسوط إلاّ كنت متكلّما.

стр. 2582

المدائني قال: وجد المختار في بيت مال الكوفة تسعة آلاف ألف درهم، ويقال: ألف ألف وتسعمائة ألف. المدائني، قال: كتب المختار إلى ابن الزبير، إنّ ابن مطيع خالفك، وكاتب عبد الملك، وأنت أحبّ إلينا من عبد الملك، فوجّه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث فما كره المختار وقد كتبنا خبره. قال: وكتب المختار إلى ابن الزبير إنّي اتخذت الكوفة دارا، فإن سوّغتني ذلك وأمرت بألف ألف درهم سرت إلى الشام وكفيتك أمره، فقال ابن الزبير: إلى متى أماكر كذّاب ثقيف ويماكرني ثم تمثّل: عاري الجواعر من ثمود أصله … عبد ويزعم أنّه من يقدم وكتب إليه: لا والله ولا درهما، وقال: ولا أمتري بالهون حتى يدرّني … وإنّي لآبى الخسف ما دمت أسمع فجاهره المختار عندها ونصب له. وقال المدائني: أعظمت ربيعة قتل إياس وابنه، وقالوا: نقتل بهما إبراهيم بن الأشتر، فقال سراقة البارقي: أتوعدنا ربيعة في إياس … وما تدري ربيعة ما تقول ولولا رفعنا عنهم لكانوا … كمن غالته في الأيّام غول لإبراهيم أمنع من سهيل … إذا طارت من الفزع العقول وأمنع جانبا من ليث غاب … جريء دونه أجم وغيل وأصدق عدوة منه إذا ما … تدمّى من فريسته التليل حدثني روح بن عبد المؤمن عن غندر عن شعبة عن الحكم قال: صلّيت خلف أبي عبد الله الجدلي، زمن الكذّاب، وكان الكذّاب استخلفه

стр. 2583

فقرأ بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيمِ فلما قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ قال: كفى بالله هاديا ونصيرا، ثم قال بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيمِ. المدائني، قال: قال المختار: من جاءنا من عبد فهو حرّ، فبلغ ذلك ابن الزبير فقال: قد كان يقول إنّي لأعرف كلمة لو قلتها كثر تبعي، وهي هذه، ليكثرنّ تبعه. قال أبو الحسن المدائني: أتى عبّاد بن زياد دومة الجندل بعد مرج راهط طالبا للعزلة وهاربا من الفتنة، فوجّه المختار إليه شرحبيل بن ورس الهمداني في أربعة آلاف، فأرسل إليه عبّاد إنّي إنّما هربت إلى دومة الجندل بديني واعتزلت الفتنة، فقال له أصحابه: هو رأس الفتنة وأوّلها وآخرها فلا يبرح حتى يسفك دمه، فعزم ابن ورس على قتاله، فقال عبّاد لأصحابه، وهم سبعمائة من عبيده ومواليه وأتباعه: اخرجوا بنا إلى هؤلاء القوم فإنّه لم يحصر قوم قطّ إلاّ وهنوا وذلّوا فقاتلهم، فقتل من أصحاب ابن ورس أكثر من ألف ولم يقتل من أصحاب عبّاد إلاّ الوليد بن قيس مولى عبيد الله بن زياد، وانهزم ابن ورس فوثب الأعاريب عليه فانتهبوه وقتلوا جماعة من أصحابه، فصار فيمن بقي معه إلى بلاد طيّئ، فجمع له معدان الطائي، وهو معدان بن سلمة بن حنظلة، فقاتله ابن ورس وهو يقول: أنا ابن ورس فارس غير وكل … أروع مقدام إذا النكس نكل وأعتلي رأس الطرمّاح البطل … بالسيف يوم الروع حتى ينجدل وجعل معدان يقول: إيه بني معن ذوي العديد … فجرّدوا البيض من الحديد ولا تعيدوهنّ في الغمود … وانتزعوا سرادق العبيد

стр. 2584

فقتلوا منهم سبعمائة ودخل ابن ورس الكوفة. فقال الأخطل: وأنت يا بن زياد عندنا حسن … منك البلاء وأنت الناصح الشفق المستقلّ أمورا ليس يحملها … غمر من القوم رعديد ولا خرق (١) وقال المدائني: مال عمير بن الحباب يوم الخازر وقال: يا لثأرات المرج فقتل: ابن زياد وحصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع. وقال أبو الحسن المدائني: أقام عبيد الله بن زياد حين وجّهه مروان على قرقيساء سنة فلم يقدر على شيء، فتوجّه يريد العراق فلقي التوّابين، ثم سار يريد العراق فقتل بالخازر وقال عمير بن الحباب: جزيناهم بيوم المرج يوما … كسوف الشمس أسود ذا ظلال فلم ينفكّ أعظم سكسكي … أمام الجسر ما اختلف الليالي وقال الفرزدق: ألا ربّ من يدعى الفتى ليس بالفتى … ولكنّما كان الفتى ابن زياد (٢) وقال المدائني: بعث المختار برأس ابن زياد إلى عبد الله بن الزبير، فبعث به عبد الله إلى ابن الحنفيّة فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ (٣) قال: ويقال إنّه بعث برأس ابن زياد إلى ابن الحنفيّة، ويقال: إنّ مصعبا بعث برأس المختار الى ابن الزبير فبعث به ابن الزبير إلى ابن الحنفيّة فتلا ابن الحنفيّة الآية، وذلك أشبه بالحقّ.

стр. 2585

وقال المدائني: قتل المختار عبد الله بن شدّاد الجهني، وأبا عثمان بن خالد بن أسيد، وزيد بن رقاد الحيني، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي فقد فمات عطشا، وهرب مساكين بن عامر الدارمي، وكان ممّن قاتل قبل المختار بالكوفة، ولحق بمحمد بن عمير بن عطارد بآذربيجان وقال في أبيات له: لهف نفسي على قريع قريش … يوم يؤتى برأسه المختار ليتنا قبل ذلك اليوم متنا … أو فعلنا ما يفعل الأحرار (١) وقال المدائني: هرب أسماء بن خارجة إلى البادية، فنزل على رجل من بني عبس وكان للعبسي كلب يقال له وقّاع فقال العبسي: إنّي أخاف على كلبي، فقال أسماء: أنا له ضامن، فكان يأمر بإطعامه حتى تناهى سمنه، ثم رحل أسماء فنزل بلاد كلب ونزل بالعبسي رجل من بني ثعلبة بن سعد يكنى أبا حيّان، فجاء الكلب والطعام موضوع فرماه أبو حيّان بسهم فقتله، وأمن أسماء فرجع ونزل بالعبسي فقال: ما فعل وقّاع؟ فأخبره فقال: قد كنت ضمنته، قال: فاحتكم فقال: ألف درهم، فأعطاه أربعة آلاف درهم. حدثني عمر بن شبّة حدثني حيّان بن بشر عن يحيى بن آدم عن عليّ بن هشام عن أبي الجحاف قال: قال لي معاوية بن ثعلبة: لما خرج المختار كرهت الخروج معه، فأتيت محمد ابن الحنفيّة فسألته فقال إنّي آمرك بما آمر به نفسي لا تخرج معه، فإنّا أهل البيت لا نبتزّ هذه الأمّة أمرها، وإنّ عليّا لم يقاتل حتى كانت له بيعة.

стр. 2586

وذكر الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: أراد ابن الحنفيّة أن يقدم الكوفة، فقال المختار إنّ في المهديّ علامة وهي أن يضربه رجل بالسيف ضربة فلا تضرّ فبلغ ابن الحنفيّة ذلك فأقام. وقال نصر بن عاصم الليثي: فارقت نجدة والذين تزرّقوا … وابن الزبير وشيعة الكذّاب والصفّر الاذان حين تخيّروا … دينا بلا فقه ولا بكتاب حدثنا سعيد بن سليمان سعدويه وعمرو بن محمد الناقد قالا: حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم قال: ما كانوا يقرأون خلف الإمام حتى كان المختار فاتّهموه، فقرأوا خلفه، وكان يصلّي بهم صلاة النهار، ولا يصلّي بهم صلاة الليل. حدثني عبد الله بن صالح حدثنا أشياخنا: أن الشعبي كان يقول للخشبيّة: يا شرطة الله قعي وطيري. حدثني عمرو بن محمد الناقد عن حفص بن غياث عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال: كانت هدايا المختار تأتي ابن عمر وابن عبّاس، وابن الحنفيّة فيقبلونها. حدثني هدبة بن خالد عن وهيب عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر: أنّه ما ردّ على أحد من الولاة هديّته - أو قال: صلته - إلاّ المختار، فإنّه بعث إليه بمائة ألف درهم فردّها. حدثني عمر بن شبّة حدثنا الوليد بن هشام عن وهيب بن خالد عن ابن عون عن نافع قال: ما ردّ ابن عمر على أحد من الولاة صلته إلاّ المختار فإنّه بعث إليه بمائة ألف درهم فردّها.

стр. 2587

حدثني المدائني قال: قدم محمد بن الأشعث البصرة وهو ينادي: وا غوثاه تركنا السيوف تنطف وقلف العبيد في الأحراح، وكان على البصرة القباع، فقدم المصعب على بقيّة ذاك. وقال ابن قيس الرقيّات يمدح مصعبا: والذي نغّص ابن دومة ما يو … حي الشياطين والسيوف ظماء فأباح العراق يضربهم بالسي … ف صلتا وفي الضراب جلاء ملكه ملك رحمة ليس فيه … جبروت منه ولا كبرياء (١) وقال ابن الكلبي: بعث مصعب إلى عبد الرحمن بن حجر بن عدي وعبد رب بن حجر، وعمران بن حذيفة بن اليمان، فقتلهم صبرا. وكانوا خرجوا مع المختار. حدثني يوسف بن موسى القطّان عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: قتل عبيد الله بن عليّ مع مصعب يوم المختار. وحدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن عوانة عن أبيه قال: لما وفد مصعب على أخيه بعد قتل المختار قال لابن عمر: ما تقول في قوم خلعوا ربقة الطاعة، وسفكوا الدماء وقاتلوا فقوتلوا، حتى إذا غلبوا دخلوا حصنا فسألوا الأمان على الحكم، فأعطوا ذلك ثم أخرجوا فقتلوا؟ قال: وكم العدّة؟ قال: خمسة آلاف، قال فسبّح ابن عمر، ثم قال: عمّرك الله يا بن الزبير، لو أنّ رجلا أتى ماشية لآل الزبير فذبح منها خمسة آلاف ألم تكن تراه مسرفا؟ قال: فسكت فلم يجبه، فقال: ألم يكن فيهم من ترجى له التوبة، ألم يكن فيهم مستكره.

стр. 2588

حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه حدثني أبو بكر بن عياش حدثني أبو إسحاق السبيعي قال: ما زال شراب أهل الكوفة الزبيب حتى كان زياد فشربوا التمر. قال وحدثنا أبو بكر قال: أوّل ما قرئ خلف الإمام في زمن المختار، لأنّهم اتّهموه. حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن صعب بن زيد قال: كان عبد الله بن الزبير استعمل مصعبا على البصرة ثم عزله، واستعمل ابنه حمزة وذلك بعد قتل المختار، فلما رأى أهل البصرة ضعف حمزة طلبوا إلى ابن الزبير أن يردّ إليهم المصعب، وكان المصعب رجلا له نجدة وشجاعة وسخاء وبصر بما يأتي ويذر، فلما قدم البصرة جبى خراج الأهواز، وشاطئ دجلة، وجعل يعطي الناس العطاء في كل سنة مرّتين في أولها وآخرها، فلم يزل المصعب بالبصرة إلى أن خرج إلى مسكن. حدثنا أبو خيثمة (و) أحمد بن إسرائيل (قالا): حدثنا وهب بن جرير عن أبيه قال: استعمل عبد الله بن الزبير عبد الله بن مطيع العدوي على الكوفة، فقال المختار لابن الزبير وهو يومئذ عنده إنّي لأعلم قوما لو أنّ لهم رجلا له رفق وعلم بما يأتي ويذر، لاستخرج لك منهم جندا تقاتل بهم أهل الشام، قال: من هم؟ قال: شيعة علي وبني هاشم بالكوفة، قال: فكن أنت ذلك الرجل، فبعثه إلى الكوفة فنزل ناحية منها، وجعل يبكي على الحسين، ويذكر مصابه حتى ألفوه وأحبّوه فنقلوه إلى وسط الكوفة، وأتاه منهم بشر كثير، فلما غلظ أمره وقوي شأنه سار إلى ابن مطيع فأخرجه من الدار.

стр. 2589

وحدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا وهب عن أبيه عن عدّة حدّثوه: أنّ المختار لما غلب على الكوفة ابتنى لنفسه من بيت المال دارا أنفق عليها مالا عظيما، واتّخذ بستانا من بيت المال، وأعطى عطايا كثيرة وأنفق نفقات وكتب إلى ابن الزبير: إن سوّغتني ما أنفقت من بيت المال فإنّي في طاعتك وإنما حملني على إخراج ابن مطيع ما رأيت من وهنه وضعفه وأنّه لم يكن صاحب ما هو فيه، فأبى ابن الزبير أن يفعل فخلعه المختار، وكتب إلى عليّ بن الحسين بن عليّ يريده على أن يبايع له، وبعث إليه بمال فأبى أن يقبله وأن يجبيه، وخرج إلى المسجد فشتمه وعابه وذكر كذبه، فكتب المختار الى ابن الحنفيّة يريده على ذلك، فأتاه عليّ بن الحسين فأشار عليه أن لا يقبل، وأن يخرج إلى الناس فيتبرأ منه ويعيبه ويذكر كذبه، فأتاه ابن عبّاس فقال: لا تفعل فإنّك لا تدري على ما أنت من ابن الزبير، فأطاع ابن عبّاس، وسكت عن عيب المختار، وغلظ أمر المختار بالكوفة، وكثرت خشبيّته، فجعل يخبرهم أنّ جبريل يأتيه وتتبع قتلة الحسين فقتلهم، وكان ممّن قتل عمر بن سعد بن أبي وقّاص، وهو الذي كان لقي الحسين فقتله، فازداد أهل الكوفة إعظاما له وحبّا وطاعة، فخرج النعمان بن صهبان الراسبي من البصرة، وكان يرى رأي الشيعة، حتى قدم الكوفة فدخل على المختار ذات يوم، فقال له المختار: هنا مجلس جبريل قام عنه آنفا، فخرج النعمان وأصحابه فقاتلوه فقتلوا اجمعين. حدثنا أبو خيثمة حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي ومحمد بن أبي عيينة: أن المختار وجّه أحمر بن شميط ليأخذ البصرة فخرج في أربعين ألفا فنزل المذار واستنفر المصعب الناس، وخرج إليه بالبصرة، وقد كان

стр. 2590

مصعب لما قدم العراق كتب إلى المهلّب حين قتل ابن الماحوز الخارجي أن يصير إليه، فأتاه فسار المصعب بالناس حتى نزل بإزاء ابن أبي صفرة بالمذار، واستعمل على ميمنة الناس المهلّب بن أبي صفرة، وعلى ميسرتهم عمر بن عبيد الله بن معمر وكانت في الميمنة تميم والأزد، وفي الميسرة ربيعة، وكان المصعب في القلب ومعه أهل العالية من أخلاط الناس، فلما زحف بعض الناس إلى بعض حمل عمر بن عبيد الله على ميمنتهم فهزمهم، وقتل ابن شميط وأصحابه.

стр. 2591

عمال ابن الزبير قال عليّ بن محمد أبو الحسن المدائني وغيره: اصطلح أهل الكوفة بعد موت يزيد، وهرب ابن زياد على عامر بن مسعود، فأقرّه عبد الله بن الزبير أشهرا ثم عزله وولّى الحرب والصلاة عبد الله بن يزيد الخطمي، وولّى الخراج إبراهيم بن محمد بن طلحة. فحدثني عمر بن شبّة حدثنا أبو داود حدثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق قال: خرج عبد الله بن يزيد (١) يستسقي، وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم، وخرجت معهم يومئذ فخطب على رجليه على غير منبر، فاستغفر الله واستسقى وصلّى بنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة ونحن خلفه، ولم يؤذن يومئذ ولم يقم. وحدثني الحسين بن عليّ بن الأسود حدثنا يحيى بن آدم عن إسرائيل عن عبد الله بن يزيد: أنّه دفن ميّتا فسلّه من قبل رجليه.

стр. 2592

حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا أبو أحمد الزبيري عن مسعر عن ثابت بن عبيد قال: رأيت على عبد الله بن يزيد خاتما من ذهب وطيلسانا مدبّجا. وحدثني الحسين بن علي عن يحيى بن آدم عن إسرائيل عن الأشعث بن سليم عن عبد الله بن يزيد الأنصاري: أنّه كان على الناس، فقام من العشّي قبل العيد فقال: إنّا خارجون وإنّا مصلّون قبل الخطبة. حدثنا عفّان حدثنا حمّاد بن سلمة حدثنا أبو جعفر الخطمي أنبأنا محمد بن كعب قال: دعي عبد الله بن يزيد إلى طعام فلما جاء وجد البيت منجّدا فقعد خارجا يبكي، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: كان النبيّ ﷺ إذا شيّع جيشا فبلغ عقبة الوادي قال: «أستودع الله دينكم وخواتم أعمالكم» فرأى ذات يوم رجلا قد رفع بردة له بقطعة فرو فقال «أأنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت قصعة، وغدا أحدكم في حلّة وراح في حلّة، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة». وقال المدائني وغيره: وعزل ابن الزبير عبد الله وصاحبه، وولّى الكوفة عبد الله بن مطيع، فأخرجه المختار منها، ثم ولّى أخاه مصعبا البصرة والكوفة، وقال له: إذا فتحت الكوفة فأنت أميرها وأمير ثغورها، فقتل المختار بالكوفة سنة تسع وستّين، ثم استخلف على الكوفة القباع وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وولّى المهلّب بن أبي صفرة الموصل والجزيرة وأرمينية، وقال له: إنما ولّيتك لتكون بيني وبين عبد الملك وجيوشه لثقتي بحزمك، ووجّه إلى البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر، ولم يزل خليفته عليها، ثم ولاّه فارس بعد مصير والي الكوفة إليها.

стр. 2593

وقال بعضهم: إنّ مصعبا استخلف القباع، وأمره أن يجعل عمرو بن حريث خليفته وعزل عبد الله بن الزبير أخاه بعد سنة من مقتل المختار، أو أقلّ، عن البصرة، وولّى البصرة ابنه حمزة، وأمر مصعبا أن يلحق بمن معه من رجال البصرة، فعزل المهلّب عن الموصل ونواحيها فلحق بحمزة بالبصرة، وخرج المصعب إلى أخيه فردّه على البصرة والكوفة، فكانت ولاية حمزة نحوا من سنة، وأقرّ حمزة عمر بن عبيد الله على فارس، وكلّم في توجيه المهلّب لقتال الأزارقة ففعل. قالوا: وولّى القباع شرطه بالكوفة شبث بن ربعي الرياحي. فذكر عبد الله بن المبارك عن مسعر عن عبيد الله بن القبطي: أنّ الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة القباع فاتته الركعتان قبل الفجر فأعتق رقبة. وحدثني عمر بن شبّة عن أبي داود عن شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن ابن أبي ربيعة: أنّه أجّل العنين سنة. وروي أنّ الشعبي قال يؤجل تسعة أشهر. وحدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا أبو أحمد الزبيري عن سفيان عن حمّاد عن الشعبي قال: ماتت أمّ الحارث بن أبي ربيعة، وهي نصرانيّة فشهدها معه قوم من أصحاب محمد ﷺ . وقال المدائني: كانت أمّه نصرانيّة سوداء، وكانت أكلت حمامة من حمام مكة، فكان يعيّر بذلك. المدائني قال: تقدّم شبث بن ربعيّ ليصلّي على جنازة رجل من بني حميريّ بن رياح، وهو على شرط القباع بالكوفة فمنعوه، فوثب ابنه عبد

стр. 2594

السلام على رجل فقطع أذنه فدفعه شبث إليهم ليقطعوا أذنه فقالوا: هو ابن أمة وصاحبنا ابن مهيرة، فدفع إليهم ابنه عبد المؤمن فأبوه، فدفع إليهم عبد القدّوس فقطعوا اذنه، فعزله القباع وقال هذا أعرابيّ، وولّى شرطته سويد بن عبد الرحمن المنقري، فقال شبث: أبعد القباع آمن الدهر صاحبا … على سوءه إنّي إذا لغبين وأمك سوداء الجواعر جعدة … لها شبه في منخريك مبين وقال الهيثم بن عديّ والمدائني: أتى بني تميم محمد بن عمير بن عطارد في حمالة فقال: يقسم على بني عمرو كذا، وعلى حنظلة كذا، وعلى بني سعيد كذا، فقال شبث: بل كلّها عليّ، فقال ابن عمير: نعم العون على المروءة المال. قال: وكان شبث علويا والهيثم بن الأسود أبو العريان عثمانيّا، وكانا متصافيين، فقال الهيثم لشبث: إني أخاف عليك من يوم صفّين، قال العريان بن الهيثم بن الأسود: فمرض شبث فأتيته فقلت له: يقول لك أبي كيف تجدك؟ قال: أنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة فأخبر أباك أنّي لم أندم على قتال معاوية يوم صفّين، وتمثّل قول لبيد: تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما … وهل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر (١) ولم يلبث شبث أن مات، فلم أبلغ إلى أبي حتى سمعت الصياح، فقال أبي يرثي شبثا:

стр. 2595

إنّني اليوم وإن أمّلتني … لقليل المكث من بعد شبث عاش تسعين خريفا همّه … جمع ما يملك من غير خبث لم يخلف في تميم سبّة … ينكس الرأس ولا عهدا نكث في أبيات. وجاءت الخوارج تريد الكوفة فخطب (القباع) فقال: إنّ أوّل القتال السباب، ثم الرميّا، ثم الطعان، ثم السلّة، فقالوا: ما أحسن صفة الأمير، وسار من الكوفة إلى باجوّا (١) شهرا فقال الشاعر: سار بنا القباع سيرا نكرا … يسير يوما ويقيم شهرا وزعم قوم أنّ حمزة بن عبد الله ولي البصرة والكوفة فعزل المهلّب عن البصرة ونواحيها، وأنّه ولّى القباع الكوفة وليس ذلك بثبت، والثبت أنّه ولي البصرة فقط، وأنّ مصعبا عزل المهلّب عن عمله ذلك، وألحقه بحمزة كما أمره أخوه، وولّى عمل الموصل ونواحيها إبراهيم بن الأشتر، فكان عليها حتى قدم المصعب وواليا على البصرة، وبعد ذلك إلى أن أحضره قتال عبد الملك. وقال قوم: استخلف مكان المهلّب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان إبراهيم بن الأشتر بالكوفة مشرفا على القباع. وقال المدائني: ولّى عبد الله بن الزبير البصرة بعد ابنه عمر بن عبيد الله، فكان سخيّا شجاعا ممدّحا، وقال المهلّب ما رأيت مثل أحمر قريش في شجاعته، ما لقينا خيلا قطّ إلاّ وكان في سرعان خيلنا، ولما ولاّه مصعب فارس، بلغه ذلك، فقال: رماها بحجرها، لقد ولاّها شريفا شجاعا.
следующие страницы →