← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

المدائني عن أبي اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: قام رجل من أهل اليمن إلى عبد الملك وهو يخطب، فقال: إنّ محمد بن يوسف - يعني أخا الحجّاج، وكان على اليمن - يسفك الدّم الحرام، ويأخذ المال الحرام، فقال: اجلس فجلس، ثمّ قام فقال مثل مقالته، فقال له: ويحك اجلس فجلس، ثمّ قام فقال مثل مقالته فقال له عبد الملك: لقد هممت أن أقتلك، قال: ما قمت هذا المقام إلا وبطن الأرض أحبّ إليّ من ظهرها إني سمعت أنّه تكون نبوّة، ثم خلافة ورحمة، ثمّ ملك وجبرية، فقد ذهبت النبوة والخلافة، وهذه الجبرية. المدائني قال: قال عبد الملك بن مروان لأميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد: مالك ولابن حرثان؟ قال: إنّه أتى حدّا فأقمته عليه، قال: أفلا درأت عنه بالشبهة؟ قال: كان الأمر أظهر من ذلك، قال: أما والله لقد أوجعك ولوددت أنّك كنت سلمت منه، وما سرّني أنّي هجيت، وأنّ لي مثل كل شيء أصبحت أملكه، وكان الذي قال فيه ابن حرثان: أضاع أمير المؤمنين ثغورنا … وأطمع فينا المشركين ابن خالد وبات على حور الحشايا (١) … ممهدا يعانق أمثال المها في المجاسد وبتنا قياما في الحديد وتارة … سجودا نناجي ربّنا في المساجد إذا هتف العصفور ريع فؤاده … وليث حديد الضرس عند الثرائد وقال أبو اليقظان: حدثنا جويرية بن أسماء قال: كان لعبد الملك بيت مال لا يدخله إلا مال طيب لم يظلم فيه مسلم ولا معاهد وقد عرف وجوهه،

стр. 2802

فكان يشتري منه الإماء اللاتي يتخذهنّ أمهات أولاد ويتزوج منه، ويقول لا أستحل إلا طيبا فإنّ ذلك في الأولاد. المدائني قال: كان عبد الملك يلبس جبّة ورداء، ويجلس للنّاس، وينظر في أمورهم، ويقف على بنيه في الكتاب فيقول للمعلم: أحسن تأديبهم ويكلمهم، قال: وقال عبد الملك لإسماعيل بن مهاجر، مؤدب مسلمة، ويزيد، وعنبسة: علم بنيّ القرآن، وخذهم بمكارم الأخلاق، وحثهم على صلة الأرحام، ووقّرهم في الملإ، وأخفهم في السر، فإن الأدب أملك بالغلام من الحسب، وتهددهم بي، وأدبهم دوني ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يفهموه فإنّ ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم. المدائني عن بكر بن عبد العزيز قال: قال عبد الملك لإسماعيل (١) مؤدب بنيه: علم بنيّ الصدق حتى إن قتل أحدهم قتيلا اعترف به على نفسه، والصق بابن عاتكة - يعني - يزيد فإنّ مهر أمه من عرق جبيني. قال: وكان مع سعيد بن عبد الملك معبد الجهني. المدائني عن علي بن حماد قال: قام رجل إلى عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين قطعت إليك القفر لأمر ضاق به الصدر، قال: وما هو؟ قال: ابني بثغر كذا، وقد اشتد إليه شوقي، وطال توقي، قال: فكتب في رده فأقفل. المدائني عن عبد الحليم الأشج عن أبي قرة أن عبد الملك خطب زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقالت: والله لا يتزوجني أبو الذّبّان،

стр. 2803

فتزوجها يحيى بن الحكم، فقال عبد الملك: لقد تزوجته أسود أفوه، فقال يحيى أما إنّها أحبت مني ما كرهت منه. حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش وأبي جناب قال: رأى الغضبان بن القبعثرى صبيّا يلعب عند عبد الملك بن مروان، فقال: من هذا الصبيّ يا أمير المؤمنين؟ قال: ابني من عائشة بنت موسى بن طلحة، قال: سيناله السّخاء بولادة طلحة له، فقال له: ويحك أو بخيل أنا؟ قال: أي والله الذي لا إله إلا هو لا أستثني، فضحك. وقال ابن عياش: كان عبد الملك أول خليفة بخل. المدائني عن محمد بن عيسى قال: سأل رجل عبد الملك فألح عليه، وألحف في المسألة، فقال عبد الملك: قد ألحفت في المسألة؟ فقال إنك والله يا أمير المؤمنين لتردّ السائل الملح بالمنع المصرح. أراد عبد الملك أن يتزوج زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فتزوجها يحيى بن الحكم فغضب، واصطفى كلّ شيء له فقال يحيى: كعكة وزينب، فلما رأى عمر بن عبد الرحمن بن عوف أسف عبد الملك عليها، قال له: أدلك على أجمل منها بنت إسماعيل بن هشام، وهو عندك، فخطبها فتزوجها. الكلبي عن عوانة قال: دخل مسلمة بن زيد بن وهب الفهمي على عبد الملك فقال له: أي الزمان أدركت أفضل وأيّ من أدركت من الملوك أكمل؟ قال: أما الملوك فلم أر منهم أحدا إلا وله ذام ومادح، وأمّا الزمان فرأيته يرفع أقواما ويضع آخرين، وكلّ الناس إذا صدق نفسه ذمّ الزمان، لأنّه يبلي الجديد ويهرم الصغير، وكل ما فيه منقطع إلا الأمل، فإنّه أبدا

стр. 2804

جديد، قال: فأخبرني عن فهم، قال: هم كما قال القائل: درج الليل والنهار على فه … م بن عمرو فأصبحوا كالرّميم وخلت دارهم فصارت يبابا … بعد عز وثروة ونعيم وكذاك الزمان يذهب بالنّا … س وتبقي ديارهم كالرسوم قال فمن الذي يقول: رأيت النّاس قد خلقوا جميعا … يحبون الغني من الرجال وإن كان الغني قليل خير … بخيلا بالقليل من النّوال فما أدري علام وفيم هذا … وماذا يرتجون من البخال قال الكلبي: فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان، وكان الحارث أخو فهم عدا عليه فقتله فسمي عدوان. المدائني عن سفيان الثوري قال: قدم الحجّاج على عبد الملك وافدا، ومعه معاوية بن قرة أبو إياس، فسأله عبد الملك عن الحجّاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله ، فنظر إليه الحجّاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له يا حجّاج فغربه إلى السّند. المدائني عن سحيم بن حفص قال: كان الحجّاج يقول سألت قبل أن أقدم العراق عن وجوه رجاله، فذكروا زياد بن عمرو العتكيّ، فما كان أحد أثقل عليّ منه، فقدمت على عبد الملك وهو معي في ناس من الأشراف، فأثنوا عليّ فما كان أحد منهم أحسن صفة لي منه، ولا قام أحد منهم مثل مقامه. قال: يا أمير المؤمنين إنّ الحجّاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه في أمرك لومة لائم، فلقد رأيتني وما أحد من الخلق بعد ذلك اليوم يعدله عندي.

стр. 2805

هشام بن عمّار والمدائني عن أشياخهم قالوا: كان عبد الملك يشتو بالصّنّبرة من الأردن، فإذا انسلخ الشتاء نزل الجابية، وأمر لأصحابه بأنزال ويفرق أغناما على قدر منازلهم، فإذا مضت أيّام من آذار دخل دمشق فنزل دير مرّان (١)، حتى إذا جاءت حمّارة القيظ أتى بعلبكّ فأقام بها حتى تهيج رياح الشتاء، فيرجع إلى دمشق فإذا اشتدّ البرد خرج إلى الصنبرة. قال المدائني: وبها مات يوم مات. المدائني قال تغدي شبّة بن عقال يوما عند عبد الملك فأتي بخزيرة (٢)، فضحك شبّة، فغضب عبد الملك وقال: ما أضحكك؟ قال: تعيير جرير مجاشعا بالخزيرة، وهي مائدة أمير المؤمنين، وإنما ضحك من السخينة التي تعيّر بها قريش. المدائني قال: دعا عبد الملك عبيد الله بن زياد بن ظبيان أو غيره إلى الغداء فأكل معه، فجعل يتناول مما بين يديه فقال له عبد الملك - ويقال بعض من كان على رأسه: كل مما بين يديك، فقال: أو في مائدة أمير المؤمنين حمى؟ فقال عبد الملك: لا كل من أيها شئت. حدثني بعض الشاميين قال: خطب عبد الملك بن مروان وأعرابي يسمع خطبته، فقال له رجل من قريش: كيف ما تسمع؟ فقال لو كان كلام يؤتدم به لكان هذا.

стр. 2806

وقال الهيثم بن عدي: تكلم عبد الملك بن عمير عند عبد الملك وأعرابي حاضر فقال: لو أنّ كلاما يؤتدم به لكان هذا الكلام. المدائني وغيره قالوا: كتب عبيد الله بن زياد بن ظبيان إلى عبد الملك: إنه قد كان من بلائي ما قد رأيت ولم يكن من جزائك لي إلا ما علمت فأنا كما قال الجعدي: كفينا بني كعب فلم نر عندهم … لما كان إلا ما جزى الله جازيا (١) قالوا: وبلغ عبد الملك قول عبيد الله بن زياد بن ظبيان، حين قال لمّا خرّ عبد الملك ساجدا، حين أتاه برأس مصعب: هممت بضرب راسه، فأكون قد قتلت ملكي العرب، فحجبه، ثمّ أذن له، فقال: يا أمير المؤمنين إنّا والله ما نكره سخط من رضاه الجور، فإن يكن لك علينا طاعة فيما أحببت، فإنّ لنا عليك العدل فيما وليت، فلست مستكملا طاعتنا إلا بعدلك، فآثر طاعة الله فينا تسلم لك نصائحنا، وتخلص نياتنا، ولا تبغ الفساد في الأرض، إنّ الله بصير بعملك وإليه مصيرك، فغضب عبد الملك غضبا شديدا وقال: لولا أنّ خير الأمور مغبّة، وأكرمها عاقبة، كريم العفو بعد القدرة لأعلمت هذا الجلف أي مورد تورده الجهالة والاستطالة، فقال الوليد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، ولم تستبقي مثله، ولم ير لك هيبة الخلافة، وجلالة السلطان، وواجب الطاعة وإن كان ذا غناء ودالة ولم يوقرك توقير المسلمين إياك، فقال عبد الملك: ما كلّ شيء تعلمه، وأنشد عبد الملك:

стр. 2807

ترى الناس أخلاطا جميعا وإنهم … على ذاك شتى والهوى يتفرق ترى المرء إن جالسته ذا صناعة … وسائر ما فيه سوى ذاك أخرق وتلقى أصيل اللب ليس لسانه … بمخرج ما في قلبه حين ينطق أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري: أنّ عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز القشيري من بجيلة، دخل على عبد الملك ومعه ابنه خالد بن عبد الله، فقال له عبد الملك: هذا ابنك؟ قال: نعم، قال ما أشبهه بك. قال: ذاك أحبّ إليّ، وأبرأ لساحة أمه. المدائني قال: قدم الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم الشاعر على عبد الملك فلم يصله ويقال إنّه أقام ببابه شهرا لا يأذن له فانصرف وهو يقول: تبعتك إذ عيني عليها غشاوة … فلما انجلت قطعت نفسي الومها فما بي إن أقصيتني من ضراعة … ولا افتقرت نفسي إلى من يسومها عطفت عليك النفس حتى كأنما … بكفيك بؤسي أو لديك نعيمها فبلغه ذلك، فأرسل إليه فردّه، فقال: يا حارث أترى على نفسك غضاضة في وقوفك ببابي؟ فقال: لا والله، ولكن طالت غيبتي، وانكسرت ضيعتي، ووجدت فضلا من قول فقلت، وعليّ دين فقال: وكم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا، قال: أقضاء دينك أحبّ إليك، أم ولاية مكة؟ قال: ولاية مكة، فولاه إياها فبعثت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن الحارث وهي بمكة، وقد أقيمت ذات يوم الصلاة، وهي تطوف: إني لم أقض طوافي، فتوقف بالناس حتى فرغت من طوافها، ثم صلى، فبلغ ذلك عبد الملك فعزله، وقال: إني لم استعملك لتنتظر بالناس في صلاتهم طواف عائشة.

стр. 2808

قالوا: وكان الحارث يحب عائشة، وكانت تحبه، فخطبها فلم تتزوجه، فقيل لها أحبك رجل وأحببتيه عشرين سنة، ثمّ خطبك فلم تتزوجيه؟ فقالت: كان في عيب ما يسرني أنّ لي طلاع الأرض، وأنّه اطلع عليه، فكان يظنّ أنه سوء الخلق. حدثني الحرمازي عن الحسن بن علي العتبي عن أبيه عن أبي المقدام عن رجل من أهل مكة قال: قدمت المدينة فإذا غلمان بيض، عليهم ثياب بياض يدعون الناس إلى الغداء، وكانت بي إليه حاجة فدخلت، فإذا عائشة بنت طلحة على السرير، وإذا الناس يطعمون، قال: فلما أكلت، قالت لي: كأنك غريب؟ قلت: نعم، قالت: فمن أين بك؟ قلت: من مكة، قالت: كيف تركت الأعرابي قلت بخير، فلما خرجت قلت: عن من سألتني؟ قالوا: عن الحارث بن خالد، فلما قدمت مكة أخبرته فأنشأ يقول: من كان يسأل عنا أين منزلنا … فالأقحوانة منا منزل قمن إذ نجعل العيش صفوا ما يكدره … طول الحياة ولا ينبو بنا الزمن قال الحرمازي: وبناحية من الشام موضع يعرف بالأقحوانة (١) أيضا. المدائني عن عبد الله بن سلم وغيره قالوا: قدم عمر بن علي بن أبي طالب على عبد الملك، فسأله أن يصير إليه صدقة علي بن أبي طالب، فتمثل عبد الملك قول ابن الحقيق اليهودي: إنا إذا مالت دواعي الهوى … وأنصت السامع للقائل واعتلج القوم بآرائهم … نقضي بحكم عادل فاضل

стр. 2809

ولا نجعل الباطل حقا ولا … نلظ (١) دون الحق بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا … فنخمل الدهر مع الخامل لا لعمري لا أخرجها من ولد الحسين إليك، ووصله عبد الملك ورجع من عنده. المدائني قال: قال عبد الملك للهيثم بن الأسود: ما مالك؟ قال: قوام من عيش وغنى عن الناس، فقيل له: لو أخبرته، فقال لو أعلمته مالي لحسدني إن كان كثيرا، أو حقرني إن كان قليلا، وقوم يقولون أن الهيثم قال هذا لمعاوية، والثبت أنه قاله لعبد الملك. وقال الهيثم: كان يقال لا تخبروا قريشا بمالكم، فإن كان كثيرا حسدوكم، وإن كان قليلا حقروكم. المدائني عن أبي محمد المقرئ قال: قال عبد الملك لرجل من ثقيف: ما المروءة فيكم؟ قال: إصلاح المال والمعاش والفقه في الدين، وسخاء النفس، وصلة الرحم، فقال: كذلك هي فينا. قالوا: وتزوج بكر بن حصين من بني عامر بن لؤي رقية بنت سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فتقدمت إلى عبد الملك بن مروان حين حج وهو بالمدينة، فتكلمت في أمر زوجها، فقال ومن زوجك؟ قالت: بكر بن حصين، قال: انسبي لي أبا آخر فإن عهدي بالقوم بعيد، قالت: ابن أويس، قال: ويحك أو تنكح المرأة عبدها؟ فقالت: يا أمير المؤمنين:

стр. 2810

إن القبور تنكح الأيامى … النسوة الأرامل اليتامى المرء لا تبقى له السلامي المدائني قال: قال عبد الملك: رأيت الفجور في بني الروميات، ورأيت الفارسيات أذلق (١) النساء، وأمنع جانبا، ورأيت بني الهنديات أصبر لصدور العوالي. ودخل جرير علي عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي (٢)، ولم يكن جرير رآه قبلها، فقال له عبد الملك: يا جرير أتعرف هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، فمن هو؟ قال: رجل من عامله، قال: يا أمير المؤمنين هذا من الذين قال الله : ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ٣؟﴾ قال: لا ويلك، فأنشأ جرير يقول: ويقصر باع العاملي عن العلى … ولكن أير العاملي طويل (٤) فقال ابن الرقاع: أأمك يا ذا أخبرتك بطوله … أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول (٥) فقال: بل لم أدر كيف أقول.

стр. 2811

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان أن عبد الملك كتب إلى الحجاج جنبني دماء آل أبي طالب فإن بني حرب لما قتلوا حسينا نزع الملك منهم. المدائني عن يزيد بن عياض (١) قال: أراد عبد الله بن جعفر أن يفد إلى عبد الملك بن مروان، وعلى المدينة أبان بن عثمان بن عفان، فأرسل إليه بديحا يستأذنه، فقال أبان: قل له: فليبعث إلي جاريته فلانة، فرجع فأخبره بقوله فقال ابن جعفر: لا، ولا كرامة، وقال له: ارجع إلى بقيع - وكان أبان أبرص أبقع - فقل له: أما الجارية فلا، قال: فليبعث إلى بغلامه الزامر، فبعث به إليه، وقال: هو شبيهه، ثم أذن له، فوفد على عبد الملك. المدائني عن محمد بن إبراهيم قال: دخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك فحثه علي صلة ابن أبي عتيق، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وذكر له خلته، فدخل ابن أبي عتيق على عبد الملك فقال له: يا بن أبي عتيق، أخبرني عنك عبد الله بضيق من الحال؟ قال: كذب يا أمير المؤمنين، ما بي من حاجة وما أنا في ضيقة، فدخل ابن جعفر على عبد الملك فأخبره بقول ابن أبي عتيق، فلقيه ابن أبي عتيق، فقال له ابن جعفر: ويحك اتركت حظك من أمير المؤمنين وقد عطفته عليك، وحثثته علي برك؟ فقال: إني دخلت عليه وعنده جارية له، ما رأيت شيئا

стр. 2812

قط أحسن منها، فأخبرني بقولك وهي تسمع وتنظر إلي، أفكنت ترى لي يا بن أم أن أقر بالفقر بين يديها؟! المدائني وغيره قالوا: نذر عبد الملك دم ابن قيس الرقيات لقوله: إنما مصعب شهاب من الل … هـ تجلت عن وجهه الظلماء (١) قال ابن قيس: فسألت عن من أستعين به عليه، فقيل لي روح بن زنباع، فأتيت روحا فقال: ما ذاك عندي، فأتيت عبد الله بن جعفر، فاستجرت به، فقال: لي أقم، فإن لي في كل ليلة رجلا أدخله معي إلى أمير المؤمنين فكن ذلك الرجل، فلما كان الليل أدخلني، وأمرني أن أجيد الأكل وآخذ ما بين يديه، وبين يدي عبد الملك، فنظر إلي، فقال: من هذا؟ قال ابن جعفر هذا القائل ما نقموا من بني أمية إلا … أنهم يحلمون إن غضبوا وإنهم سادة الملوك فما … تصلح إلا عليهم العرب (٢) فقال عبد الملك: ابن قيس؟ قال: نعم: فقال أما دمه فقد حقنه الله ، وأما العطاء فلا عطاء له عندي، فقال ابن جعفر لابن قيس: اللهم غفرا، إذا خرج العطاء فلك عندي عطاؤك. وقال كثير يمدح عبد الملك: يحيّون بسامين طورا، وتارة … يحيون عباسين شوس الحواجب من النفر البيض الذين إذا انتجوا … أقرت لنجواهم لؤي بن غالب

стр. 2813

كريم يؤول الراغبون ببابه … إلى واسع المعروف جزل المواهب إمام هدى قد سدد الله رأيه … وقد أحكمته ماضيات التجارب (١) وقال فيه أيضا: قضى نحبه مروان ثم وليتنا … فكن يا بن مروان تجود وتدفع (٢) وقال كعب بن جعيل: أمير المؤمنين هدى ونور … كاجلى دجى الظلم النهار قريع بني أمية من قريش … هم السر المهذب والنضار وقال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط: نبئت أن ابن القلمس عابني … ومن ذا من الناس الصحيح المسلم فأبصر سبل الرشد سيد قومه … وقد يبصر الرشد الرئيس المعمم فمن أنتم ها خبّرونا من أنتم … فقد جعلت أشياء تبدو وتكتم فقال له عبد الملك: ما كنت أرى أن مثلنا يقال لهم من أنتم؟ أما والله لولا ما تعلم، لقلت قولا يلحقكم بأصلكم الجلائب، ولضربتك حتى تموت. وقال أعشى بني شيبان: عرفت أمية كلها … لبني أبي العاص الإمارة لأبرّها وأحقها … عند المشورة بالإشارة المانعين لما ولوا … والنافعين ذوي الضرارة وهم أحقهم بها … عند الحلاوة والمرارة

стр. 2814

وقال المدائني: قال قبيصة بن ذؤيب ووشى به قوم إلى عبد الملك، فجفاه وكانت له منزلة عنده: إن مسيري في المسير ومنزلي … لبالمنزل الأقصى إذا لم أقرب وما أنا إن قربت يوما ببائع … خلاقي وديني لابتغاء التحبب ولكن أرى حق الإمام ونصحه … وطاعته حقا كما هي للأب وهذا باطل وقد نسبنا الشعر إلى صاحبه الذي قاله، وذكرنا حديثه فيما مضى من أحاديث عبد الملك. المدائني قال: أمر عبد الملك مسلم بن ربيعة أبا إسحق بن مسلم أن يقتل رجلا من قيس فأبى فحبسه فقال: ألا أبلغ سراة الحي قيسا … شآميهم ومن هو بالعراق بأني بالرهاء بها مقيم … قصير الخطو مشدود الوثاق وما كانت عقوبتهم بسجني … لمعصية وما خافوا شقاقي ولكني كرهت دماء قومي … وما لي بعد قومي من تلاق ويقال أن محمد بن مروان أمره بذلك. المدائني عن علي بن حماد قال: قال الأخطل لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين زعم ابن المراغة أنه يبلغ مدحك في ثلاثة أيام وقد أفنيت في مدحك حولا بقصيدة قلتها فما بلغت كل الذي أردته، فقال عبد الملك: فأنشدني قصيدتك فأنشده: خف القطين فراحوا عنك أو بكروا … وأزعجتهم نوى في صرفها غير (١)

стр. 2815

فجعل عبد الملك يتطاول، ثم قال: ويحك يا أخطل أتريد أن أكتب إلى الآفاق بأنك أشعر العرب؟ قال: أنا أكتفي بقولك يا أمير المؤمنين، فأمر له بقصعة مملوءة دنانير ودراهم، وألقى عليه خلعته وخرج به مولى لعبد الملك وهو يقول: هذا شاعر أمير المؤمنين. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال سعيد بن المسيب لعبد الملك: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء؟ قال: والدماء يا أبا محمد فنستغفر الله. المدائني عن عبد الله بن مسلم الفهري قال: دخل الأخطل على عبد الملك وهو سكران فقال له: يا أبا مالك مالك؟ قال: إن أبا نسطور وضع في جمجمتي ثلاثا وأنشد: إذا شرب الفتى منها ثلاثا … بغير الماء حاول أن يطولا مشي قرشية لا عيب فيها … وأرخى من مآزره ذيولا (١) المدائني قال: دخل على عبد الملك رجل فتكلم فأحسن حتى سكت، فأراد أن يسبر عقله ليعرف ما عنده، فإذا هو مضعوف فقال: زيادة منطق على عقل خدعة، وزياد عقل على منطق هجنة، وأحسن ذلك ما زين بعضه بعضا، وبعضهم يروي هذا عن سليمان بن عبد الملك، وهو عن عبد الملك أثبت. وقال: وذكر تشقيق الخطب والإسهاب عند عبد الملك فقال: من أكثر فأحسن قدر على أن يقل فيحسن.

стр. 2816

حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد فإنه بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما ينفق أمير المؤمنين في الجمعة، وتنفق في الجمعة ما ينفق أمير المؤمنين في الشهر، وتنفق في الشهر ما ينفق أمير المؤمنين في السنة، وهذا ما لا قوام معه يا حجاج. عليك بتقوى الله في كل حالة … وكن لوعيد الله ربك تخشع ووفر خراج المسلمين وفيئهم … وكن لهم حصنا يذود ويمنع فكتب إليه الحجاج: أتتني كتب للخليفة ضمنت … قراطيس تطوى كي تصان وتطبع ومنها كتاب فيه لين وشدة … وذكر وفي الذكرى لذي اللب منفع وكانت بلادا جئتها ذات فتنة … بها كل نيران الحوادث تلمع فما زلت فيها أعمل الحزم جاهدا … فاعطي على حين العطاء وأمنع فلا تتهمني إنني لك ناصح … ولست مع النصح المبين أضيع فرد عبد الملك عليه كتابه، وكتب في حاشيته: «صدقت يا أبا محمد وبررت. المدائني قال: قال عبد الملك: أي الشعراء أشجع شعرا؟ قالوا: عمرو بن معد يكرب، قال وكيف وهو يقول: وجاشت إلي النفس أوّل مرة … فردت على مكروهها فاستقرت (١) فقيل ابن الإطنابة؟ فقال وكيف وهو القائل: أقول لها وقد جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي

стр. 2817

فقالوا عنترة؟ فقال: وكيف وهو يقول: إذ يتقون بي الأسنة لم أخم … عنها ولكني تضايق مقدمي (١) قيل: فعامر بن الطفيل؟ فقال: وكيف وقد قال: أقول لنفس لا يجاد بمثلها … أقلي مراحا إنني غير مدبر (٢) ولكن أشجع الناس شعرا المزني الذي يقول: وإني لدى الحرب العوان موكل … بتقديم نفس لا أحب بقاءها وعبّاس بن مرداس حين يقول: أقاتل في الكتيبة لا أبالي … أحتفي كان فيها أم سواها المدائني عن عوانة قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج في أمر استشاره فيه واستكتمه إياه فانتشر وبلغ عبد الملك ذلك، فكتب إليه كتابا عاتبه فيه، وتمثل بهذين البيتين في كتابه: ألم تر أن وشاة الرجا … ل لا يتركون أديما صحيحا فلا تفش سرك إلا إليك … فإن لكل نصيح نصيحا العمري عن الهيثم عن ابن عياش قال: قال عبد الملك للشعبي: لله در ابن قميئة حيث يقول: كأني وقد خلفت تسعين حجة … خلعت بها عني عذار لجام رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى … فكيف بمن يرمى وليس برام فلو أنها نبل إذا لا تقيتها … ولكنني أرمى بغير سهام

стр. 2818

فقال الشعبي: وقد أحسن لبيد أيضا حين يقول: كأني وقد خلفت تسعين حجة … خلعت بها عن منكبي ردائيا (١) قال: ففكر عبد الملك ثم أنشد: إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله … كفى قاتلا سلخي للشهور واهلالي قال: ولما قتل مصعب واستقام الأمر لعبد الملك دخل عليه عمر بن عبيد الله بن معمر، وسويد بن منجوف، ونعيم بن مسعود التميمي، وقيس بن الهيثم السلمي بعد أن حبسهم على بابه حينا، فقال عبد الملك: إنكم سعيتم مع الشيطان فكنتم حزبه، فلما نكص نكصتم، ولم يبق أحد ممن شب نار الفتنة وسعى في الفرقة، وشتت الألفة إلا أحدث من جرمه توبة، وظهرت منه إنابة غير قتادة فكففنا عنه العقوبة أفما ترضون أن تكونوا إسوة من أبصر بعد العمى، وعرف بعد الجهل واستحق بالإنابة العفو؟ فتكلم سويد بن منجوف فقال: إنا كنا وزراء فأصبحنا أعجازا، فخذ بالتي هي أحسن ذكرا، وأبقى جمالا. ثم قال عمر بن عبيد الله: والله ما نعتذر إليك من معصية، ولا نتوسل إليك بطاعة، ولقد ولينا لعدوك الأعمال، وكسبنا الأموال، وقتلنا الرجال ولأن نكون كنا على ضلال، فأصبحنا على هدى، خير من أن نكون على هدى ثم نصبح على ضلال فإن تصطنعنا نكن لك كما كنا لمن كان قبلك.

стр. 2819

ثم تكلم نعيم بن مسعود فقال يا أمير المؤمنين إنا كنا أمس زبيريين فقد أصبحنا مروانيين، فأقلل العتاب، وأكرم الغلبة، وأقل بعفوك العثرة. ثم تكلم قيس بن الهيثم فقال: إنا لسنا بالحلو المأكول، ولا بالمر الملفوظ، ولا عفوك بمنكر، ولا عقابك بحتم، قد والله يا أمير المؤمنين قارعناك عن الدين والدنيا جميعا، فليسعنا ما لم يضق عن غيرنا من عفوك، فمثلنا أسديت إليه العارفة فشكرها، واتخذت عنده الصنيعة فعرفها قال: فرضى عنهم وأسني جوائزهم. المدائني قال: أنشد عبد الله بن الزبير قول أنس بن زنيم في مصعب حين تزوج عائشة: بضع الفتاة بألف ألف كامل … ويبيت أرباب الجيوش جياعا لو أنني عمرا أقول مقالتي … وأبثه ما قد أرى لارتاعا فقال عبد الله: صدق إن مصعب قدم أيره وأخر خيره، فبلغ عبد الملك قوله فقال: لكنه أخر أيره وخيره. المدائني عن علي بن حماد قال: أجرى عبد الملك الخيل فحمل مسلمة على فرس، وكانت أمه أم ولد فجاء سابقا، فقال لمصقلة بن رقبة العبدي: إن صاحبكم لقليل المعرفة بأولاد أمهات الأولاد حين يقول: نهيتكم أن تحملوا هجناءكم … على خيلكم يوم الرهان فتدركوا وما يستوي المرآن هذا ابن حرة … وهذا ابن أخرى بطنها متشرك ترعد كفاه ويسقط سوطه … وتفتر فخذاه فلا يتحرك وتدركه أعراق سوء ذميمة … ألا إن عرق السوء لا بد مدرك

стр. 2820

قال يا أمير المؤمنين: إن من الإماء ذوات شرف فيمن هنّ منه، وليس أولئك عنى، وقد يشتري الرجل الجارية فيعتقها ويحصنها فتكون كالحرة، وإنما عنى جمهور الإماء اللواتي لا مواضع لهن ولا هيئات. أخبرني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: سقى عبد الملك رجلا من كلب شرابا يزيد في الباه، ثم انصرف من عنده فأصابه شبق شديد، فلم يصل إلى منزله حتى أتبعه بجارية وقال لرسوله: قل له: إنا سقيناك شرابا تحتاج معه إلى ما بعثنا به إليك، وقد كفيت اشتراءها (١) فدونكها. المدائني عن بكر بن حبيب السهمي قال: ولد لعبد الملك ابن فقال له روح بن زنباع: يا أمير المؤمنين اسقه لبن الإبل، فاشترى عبد الملك لظئر الصبي لقحة، فكانت تحلب وتشرب الظئر لبنها وقال الحالب: كيف أحلبها أخنفا، أم مصرا، أم فطرا، والخنف ضم اليد على الضرع، والفطر أن يحلب كما يعقد ثلاثين والمصر بأطراف الأصابع؟ فقال بل أحلبها مصرا، ويقال الخنف باليد كلها والفطر أن يحلب يعقد ثلاثين، والمصر أن لا يقبض على الضرع. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن عوانة قال: توفي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بالصنبرة من الأردن، ومات خالد بن يزيد بن معاوية، وروح بن زنباع في عام واحد، فكان يسمى عام الملوك، فأرسل عبد الملك فأحصى أضياف أمية، فوجدهم خمسمائة فوصلهم عبد الملك.

стр. 2821

وكان أمية لما قدم الشام قال الناس: قدم أمية أخو خالد فقال عبد الملك: أراك ببلد لا تعرف فيه إلا بخالد، وأنت أعز من بها، فجعل له حاجتين في كل يوم، فأصبح الناس على بابه يسألونه الحوائج إلى عبد الملك ولما مات هؤلاء الثلاثة رثاهم عبد الملك: لعمرك لا أنسى أمية أظلمت … عليّ به أرضي معا وسمائيا ومن يوم روح قد علتني كآبة … وبل دموعي بالرشاش ردائيا وقد كاد ينسينيهما يوم خالد … أبي هاشم إذ كدت أنسى حيائيا ألاك الأخلاء المصافون ما بقوا … وكنت لهم ما صاحبوني مصافيا فقد أوحشت أوطانهم وبلادهم … وأوحش منهم مجلسي وفنائيا أشد بهم ركني سريري وموكبي … فكيف بصبري بعدهم وعزائيا المدائني قال: مرّ عبد الملك على قبر معاوية، ومعه عمر بن عبيد الله بن معمر، وابن بحدل الكلبي فقال: هذا قبر رجل كان يسكته الحلم، وينطقه العلم، هذا قبر أمير المؤمنين معاوية ثم أنشد: وما الدهر والأيام إلا كما أرى … رزية مال أو فراق حبيب المدائني عن مسلمة بن محارب قال: دخل علي بن عبد الله بن عباس على عبد الملك في يوم شديد البرد وقد حال بينه وبينه دخان العود فقال: يا أمير المؤمنين أحمد الله على ما أنت فيه من الدفء، مع ما الناس فيه من البرد، ودعا له بالبقاء، فقال له: يا أبا محمد أبعد ابن هند - وكان أميرا عشرين سنة وخليفة مثلها - أصبحت تهز على قبره ينبوته ما هو إلا كما قال الشاعر:

стр. 2822

وما الدهر والأيام إلا كما أرى … رزية مال أو فراق حبيب وإن امرأ قد جرب الدهر لم يخف … تقلب عصريه لغير أريب المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: ركب عبد الملك فتلقاه محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، فمرا يتسايران حتى إذا بلغا المقابر، عدل عبد الملك فوقف، ومحمد بن جبير معه على قبر معاوية، وإذا عليه ثمامة أو عوسجة تهتز، فقال عبد الملك يرحمك الله أبا عبد الرحمن والتفت الى محمد بن جبير فقال: يا أبا سعيد ما كان علمك به قال: كان علمي به والله أنه كان ممن ينطقه العلم، ويسكته الحلم، قال عبد الملك: كذلك والله كان ثم ولى وهو يقول: وما الدهر والأيام إلا كما أرى … رزية مال أو فراق حبيب ابن الكلبي عن عوانة قال: لمّا أنشد عبد الملك قول خريم بن فاتك الأسدي: لقيت من الغانيات العجابا … ليالي أدركن مني شبابا علام يكحلن حور العيون … ويحدثن بعد خضاب خضابا ويبرقن إلا لما تعلمون … فلا تحرموا الغانيات الضرابا فقال عبد الملك: نعم الشفيع لهن خريم. المدائني عن سحيم بن حفص، وعلي بن مجاهد قالا: مات عمر بن عبيد الله بن معمر بضمير (١) وهي قرية من قرى دمشق، فخرج عبد الملك فصلى عليه وقعد على قبره، فقالت امرأة: يا سيد العرب، تعني عمر،

стр. 2823

فقال لها رجل من أهل الشام: اسكتي تقولين هذا وأمير المؤمنين حاضر؟ فقال عبد الملك: مه دعها فقد صدقت وقال: ألا ذهب العرف والنائل … ومن كان يعتمد السائل ومن كان يطعم (١) … في سيبه غني العشيرة والعائل ثم قام عبد الملك على قبر عمر فقال: رحمك الله أبا حفص، فقد كنت لا تحسد غنينا ولا تحقر فقيرنا. المدائني عن سحيم بن حفص قال: أخذ ابراهيم بن عربي إبلا للبعيث المجاشعي، فخرج إلى عبد الملك فقال: من تحب أن نأمره بجمع إبلك وردها عليك؟ فقال: حصين بن خليد العبسي، وكان على بادية قيس، فأمره بجمعها، وردها فقال البعيث: إني لأبواب الملوك قروع وقال أبو الحسن المدائني: ويقال ان البعيث أتى شبة بن عقال، فأدخله على عبد الملك، فدخل رجل أحمر أزرق فسلم سلاما جافيا، فقال عبد الملك: أهو هو؟ فقال: إي والله لأنا هو، قد قلت وقيل لي وأنا الذي أقول: إذا شئت عاطتني الزلال خريدة … من البيض شنباء اللثاث شموع سمت بجدود في العرانين وانتمت … بحيث تنمى حاجب ووكيع قال: فما فرغ من كلامه حتى سرني، وإني لأستحيي من رثاثة هيئته ومحمد بن عمير جالس، فقال عبد الملك: يا أبا عمرو زوجتموه؟ قال: نعم امرأة شبيهة به وهي ابنة خاله.

стр. 2824

المدائني عن محمد بن عدي بن النهاس بن قهم قال أصابت الناس قحمة، أو قال حطمة، فخرجوا الى الشام يطلبون الريف، فصارت جارية من العرب إلى بيت من يهود تخدمهم، فوقع عليها رجل منهم غصبها نفسها، فضرب عبد الملك عنق اليهودي، وأخذ ماله فأعطاه أهل الجارية، ويقال إنه صلب اليهودي حين قتله. المدائني عن عبد الرحمن بن معاوية الزيادي قال: حج عبد الملك فجعل يطوف بالبيت ومعه الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فلما كان في الطواف السابع دنا من البيت ليلتزمه فجذبه الحارث فقال: مالك يا حار؟ قال: أتدري أول من فعل هذا؟ قال: لا، قال: عجوز من قومك على غير سنّة، فمضى ولم يلتزمه. المدائني عن محمد بن صالح عن موسى بن عقبة أن عبد الملك حج فلقيه رجل من ولد عمر، قد نالته ولادة من أبي بكر، فسأله فحرمه، وقال متمثلا: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم فقال الرجل: إذا ذدت عن حوضك ابن الفاروق، وابن الصديق فمن تورده؟ قال: بني عبد مناف. المدائني عن حباب بن موسى عن الشعبي قال: سمعت عبد الملك يدعو: اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلت، وهي صغيرة يسيرة في جنب عفوك فاغفرها لي برحمتك، فحسدته. المدائني عن أبي إسحاق بن ربيعة قال: قال عبد الملك لموسى بن طلحة: يا أبا عيسى ما بقي من ظنك؟ قال: يا أمير المؤمنين ما زالت قريش

стр. 2825

تزنّني وإياك بذلك ونحن غلمان، فضحك عبد الملك. المدائني عن بشر بن أبي عيسى قال: قال عبد الملك للأبرش الكلبي - واسمه سعيد بن الوليد بن عبد عمرو - وهو يتغدى معه: يا أبرش إن أكلك لأكل معدّي. قال: تأبى ذلك قضاعة. حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: أصحب عبد الملك بن مروان ذبيان بن نعيم بن حصين بن سعدانة الكلبي، أخاه عبد العزيز، حين شخص إلى مصر، فرأى منه جفوة فكتب إلى عبد الملك. أبلغ أمير المؤمنين ودونه … فراسخ تطوي الطرف وهو حديد بأني أرى عبد العزيز مؤخرا … يقدم قبلي راسب وسعيد وقد كنت أدنى في القرابة منهما … وأشرف إن كنت الشريف تريد فكتب إليه عبد الملك في أمره، فبره وسهل أذنه وأدنى مجلسه. الهيثم عن ابن عياش عن أبيه قال: سمعت عبد الملك يقول لعبد الله بن مسعدة الفزاري: إن أفضل النساء السواحر اللاتي يقول أهل الرجل: قد سحرنه، وغلبن على عقله. المدائني قال: بينا بنو عبد الملك عنده إذ مد الوليد رجله في حجر أخيه عبد الله بن عبد الملك، فنبذها وقال: اقبض رجلك، فقال الوليد: يا أمير المؤمنين ألا ترى إلى ابن البربرية؟ فقال عبد الله: أجل والله، إني لابن البربرية، وإنها لابنة أملاك كرام، وليست كأمك ابنة الأعرابي الجلف البائل على عقبيه، فقال الوليد: يا أمير المؤمنين ألا تسمع؟ فقال عبد الملك: إيها الآن اعرضا عن هذا، فكفا.

стр. 2826

وعبد الله القائل حين احتضر وجاءه مال من مصر: ما لي وله، ليته والله كان بعرا حائلا بنجد. المدائني قال: رأى عبد الملك كأنه بال في الكعبة، فبعث إلى سعيد بن المسيب من سأله عن ذلك، وقال له: لا تخبره من صاحب الرؤيا، فقال له الرجل: رأيت كذا، فقال له سعيد مثلك لا يرى هذه الرؤيا، فرجع إلى عبد الملك فأخبره فقال: ارجع إليه فأخبره أنّي رأيتها فرجع إليه فأخبره فقال: يخرج من صلبه من يلي الخلافة. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن حبيب بن قنيع قال: جلست إلى سعيد بن المسيب يوما والمسجد خال، فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد رأيت في النوم كأني أخذت عبد الملك بن مروان فوتدت في ظهره أربعة أوتاد، وتدا بعد وتد، فقال: ما أنت رأيت هذه الرؤيا فأخبرني من رآها؟ قال: أرسلني إليك ابن الزبير بهذه الرؤيا لتعبرها، فقال: إن صدقت الرؤيا قتل عبد الملك عبد الله بن الزبير، وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة، قال: فرحلت إلى عبد الملك فدخلت عليه وهو في الخضراء بدمشق فأخبرته الخبر، فسره وسألني عن سعيد وحاله، وسألني عن ديني فقلت: أربعمائة دينار، فأمر لي بها من ساعته ومائة دينار أخرى، وحملني طعاما وزيتا وكسيا، فانصرفت راجعا إلى المدينة. المدائني عن أبي عبد الرحمن الطائي قال: قال عبد الملك لعمرو بن حريث: إني أراك ظاهر الدم لين البشرة، فليت شعري مم ذاك؟ فقال طعامي لباب البر، وصغار المعز، ولباسي الكتان، ودهني البنفسج.

стр. 2827

المدائني عن عبد الله بن سلم عن أبيه قال: قال عبد الملك للعجاج: أتحسن الهجاء؟ فقال يا أمير المؤمنين هل رأيت صانعا إلا وهو على الإفساد أقدر منه على الإصلاح، قال فما يمنعك من الهجاء؟ قال إن الله أعطانا عزا منعنا من الظلم وحلما منعنا من أن نظلم، فقال عبد الملك: الهجاء أشد من المديح وحرك رأسه. هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: قال عبد الملك: أي النساء يا بن مسعدة أفضل؟ قال: الساحرة، يعني قول الرجل: قد سحرتني فقال صدقت. المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال عبد الملك بن مروان: إن من وثائق الحزم أن تحمل الناس بالمال فإنهم أتباعه. قال: وقال عبد الملك: الحلم يحيا بحياة السؤدد. حدثني أبو مسعود الكوفي قال: دخل كثير بن الرحمن على عبد الملك، فقال: أنشدك يا أمير المؤمنين؟ قال بكم؟ قال كثير. بطرف ومذعان وألف وحلة … وسيف عتيق من جياد الصفائح (١) فقال: يا غلام عجل بجميع ما قال الساعة، فأتي بفرس رائع، وناقة مذعان، وحلة وسيف، ثم أنشده شعره الذي مدحه به فأمر له بمال. المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال عبد الملك لأسيلم بن الأخيف (٢)، أبي اليقظان، وكان مضموما إلى الوليد: أخبرني عن الوليد؟

стр. 2828

قال: أعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتقولن قال يلحن لحنا فاحشا يعرفه من لا يبصر العربية، ويظن ظنا سيئا أخاف أن يوبقه (١) ويوثقه ويستحيي أن يسأل فيعلّم، فقال عبد الملك للوليد: بلغني أنك تلحن لحنا فاحشا وتسيء الظن وتستحيي أن تسأل فتعلم، فقال: أما السؤال فما أدعه للحياء منه، ولكني لا أرى أحدا أهلا لأن أسأله عن شيء، وأما سوء الظن فمن ذا ينبغي له أن يحسن الظن بالناس بعد قتل مروان، وأما اللحن فمر الفصحاء بتقويم لساني. المدائني قال: قال عبد الملك لربيعة بن الغاز: إني أحب الوليد، وأريد توليته؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن وليته الجباية فاستقصى ذمّ، وإن قصر عجّز، ولكن ولّه الصوائف فيكون ذلك له شرفا وذكرا. قالوا: وقال عبد الملك لأسيلم بن الأخيف: كيف ترى الوليد: فقال: إنه ليلحن لحنا قبيحا، قال: إنه كان أحب ولدي إلي، فلم تطب نفسي بمفارقته فأسترضع له بالبادية، كما استرضعت لسليمان. المدائني قال: قال عبد الملك لخالد بن يزيد بن معاوية: ألا تقيمون لسان عبد الله بن يزيد؟ فقال: يا أمير المؤمنين صعب علينا من تقويم لسانه ما صعب عليكم من تقويم لسان الوليد، قال: وكان الوليد رديء اللسان، قال يوما: يا غلام رد الفرسان الصادان عن الميدان.

стр. 2829

المدائني عن أبي معاوية بن عامر قال: تكلم عبد الله بن يزيد بن معاوية عند عبد الملك فلحن، فقال عبد الملك: اللحن من الشريف أقبح من الجدري في الوجه الحسن. المدائني قال: قال عبد الملك بن مروان: إن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ليفخم اللحن كما يفخم نافع بن جبير الإعراب. وكان المغيرة يلحن ويتشدق. المدائني عن علي بن إبراهيم قال: قال عبد الملك: اللحن هجنة في الشريف والعجب آفة للرأي والخرس خير من البيان بالكذب، لأن الكذب فساد كل شيء. المدائني عن سحيم بن حفص قال: صحف عبد الملك بن مروان فقال لقوم من كندة: من كان الميل منكم؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين هو المثل بن معاوية الأكرمين. وقال المدائني: لما أنشد الأخطل عبد الملك قوله: فإلا تغيرها قريش بملكها … يكن عن قريش مستمال ومرحل (١) فقال له عبد الملك: إلى أين يا بن اللخناء؟ قال: إلى النار. قال: لو قلت غيرها قطعت لسانك.

стр. 2830

المدائني عن الوليد بن مسلم قال: كان الحارث الأشعري قاضي عبد الملك، فأخبر عبد الملك أن امرأته كلمته في رجل فقضى له بقضية وأن الرجل أهدى الى امرأة الأشعري هدية، فقال عبد الملك: إذا رشوة من باب بيت تقحمت … لتسكن فيه والأمانة فيه سعت هربا منه وولت كأنها … حليم تولى عن جوار سفيه

стр. 2831

بيعة الوليد وسليمان قالوا: كان مروان بايع لعبد الملك ولعبد العزيز من بعده، وولى عبد العزيز مصر، فأراد عبد الملك أن يخلع عبد العزيز ويبايع لابنه الوليد، فكتب إلى عبد العزيز: «إن رأيت أن تصير هذا الأمر لابن أخيك وولدك»، فأبى فكتب إليه يسأله أن يجعلها للوليد من بعده ويقول له: لولا أن الوليد أعز الخلق علي أمير المؤمنين لم يسألك هذا له، فكتب إليه: «إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز، مثل الذي ترى في الوليد». فقال عبد الملك: اللهم إنه قد قطعني فاقطعه، وكتب إليه: «احمل إلي خراج مصر»، فكتب إليه عبد العزيز: «يا أمير المؤمنين إنا قد بلغنا سنا لم يبلغها أحد من أهل بيتك، إلا كان بقاؤه بعدها قليلا، وإنا لا ندري أينا يأتيه الموت أولا، فإن رأيت أن لا تغثث علي بقية عمري فافعل»، فرق له عبد الملك وقال: لعمري لا فعلت ذاك ولا سؤت أخي، وقال لبنيه إن يرد الله أن يعطيكم إياها لا يقدر أحد من العباد على ردها عنكم، وقال لابنيه الوليد وسليمان: هل قارفتما حراما قط؟ قالا: لا والله، قال: الله أكبر وليتماها ورب الكعبة.

стр. 2832

قالوا: وشاور عبد الملك قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، فقال: لا تعجل، فلعل الله سيكفيك، ولم تظهر غدرا ولم يسؤ عنك السماع، وكان يلي السكة والخاتم، فلم يشعر ذات يوم إلا وقد كتب بنعي عبد العزيز، فأدخل الكتاب علي عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، قد جاءك ما كنت أردت، ولم تقطع رحم عبد العزيز ولم تأت أمرا يعاب. وقال أعشى بني أبي ربيعة شعرا يحث فيه عبد الملك على بيعة الوليد وخلع أخيه عبد العزيز: ابنك أولى بملك والده … وعمه إن عصاك مطرح ورثت عثمان وابن حرب ومر … وان وكل لله قد نصحوا فعش حميدا واعمل بسنتهم … تكن بخير وأكدح كما كدحوا في قصيدة. وأراد عبد الملك البيعة للوليد قبل أمر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكتب الحجاج إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد، وأوفد وفدا فيهم عمران بن عصام العنزي من بني هميم بن عبد العزى بن ربيعة بن تيم بن يقدم بن عنزة بن أسد بن ربيعة الشاعر، وقد قتله الحجاج بدير الجماجم بعد، فقال عمران: أمير المؤمنين إليك نهدي … على النأي التحية والسلاما أجبني في بنيك يكن جوابي … لهم أكرومة ولنا قواما فلو أن الوليد أطاع فيه … جعلت له الخلافة والزماما شبيهك حول قبّته قريش … به يستمطر الناس الغماما ومثلك في التقى لم يصب يوما … لدن خلع القلائد والخداما

стр. 2833

فإن تؤثر أخاك بها فإنا … وجدك ما نطيق لها اتهاما ولكنا نحاذر من بنيه … بني العلات إن نسقي السّماما ونخشى إن جعلت الملك فيهم … سحابا أن يكون لها جهاما في أبيات. فقال عبد الملك: إنه عبد العزيز يا عمران، فقال احتل له يا أمير المؤمنين. قالوا: وكان الحجاج كتب إلى عبد الملك يشير عليه باستكتاب محمد بن يزيد الأنصاري، وكتب إليه: إن أردت رجلا عاقلا فاضلا وديعا مأمونا مسلما كتوما للسر، تتخذه لنفسك، وتضع عنده سرك، وما لا تحب أن يظهر من أمرك، فاستكتب محمد بن يزيد، فكتب عبد الملك: أن احمله إلي، فحمله إليه فاستكتبه. قال محمد: فلم يكن يأتيه كتاب إلا دفعه إلي، فإني لجالس يوما نصف النهار إذا أنا ببريد قد قدم من مصر، فقال: الإذن، قلت: ليست هذه ساعة إذن فأعلمني ما الذي قدمت له، فأبى فقلت: هل معك كتاب؟ فقال: لا، فدخل بعض من حضرني على عبد الملك فأخبره، فأذن للرجل، وصرت إليه فقال حين دخل: آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبد العزيز، فاسترجع وبكى، ووجم ساعة وقال: رحم الله عبد العزيز، فقد مضى لسبيله، ولا بد للناس من علم يسكنون إليه، وقائم يقوم بالأمر من بعدي، فما ترى؟ قلت: يا أمير المؤمنين سيد الناس، وأرضاهم عندهم، وأفضلهم الوليد بن أمير المؤمنين، قال: صدقت وفقك الله، فمن ترى أن يكون بعده؟ قلت: يا أمير المؤمنين أين تعدل عن سليمان فتى العرب؟! قال:

стр. 2834

صدقت والله ووفقت، أما إنا لو تركنا الوليد وإياها جعلها لبنيه، اكتب عهدا للوليد ولسليمان من بعده، قال: فغضب الوليد علي حين أشرت بسليمان بعده، وكان أول من تجبر من الخلفاء، قال وصير عبد الملك مع ابنيه حين بايع لهما عبيدة بن قيس العقيلي. المدائني عن ابن جعدبة قال: كتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل المخزومي، وهو بالمدينة، يأمره أن يدعو الناس إلى بيعة الوليد وسليمان، فبايعوا غير سعيد بن المسيب، فإنه قال: لا أبايع لأحد وعبد الملك حي، فضربه هشام ضربا مبرحا، وألبسه المسوح، وحمله إلى ثنية بالمدينة كانوا يقتلون عندها ويصلبون، فظن أنهم يريدون قتله، فلما انتهوا إليها ردوه، فقال: لو ظننت أنهم لا يصلبوني ما لبست سراويل مسوح، ولكن قلت يسترني. وبلغ عبد الملك خبر سعيد فقال: قبح الله هشاما، إنما كان ينبغي له إذ أبي أن يضرب عنقه، وكتب إلى هشام يلومه ويقول: إن سعيدا لم يكن ممن تخافه، وقد كان ينبغي لك أن تدعه. المدائني قال أبو المقدام: مروا بسعيد بن المسيب علينا، وإنا في الكتاب، وعليه تبان شعر. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: ضرب هشام بن اسماعيل في سنة ست وثمانين سعيد بن المسيب ستين سوطا، وطاف به في ثياب من شعر حتى بلغ به رأس الثنية، فلما كروا به قال: إلى أين تكرون بي؟ قالوا: إلى السجن، قال: والله لولا إني ظننته الصلب ما لبست هذا التبان أبدا، فرده إلى السجن، وحبسه، وكتب إلى عبد الملك بخلافه وتركه البيعة للوليد وسليمان من بعده وذلك حين مات عبد العزيز بن مروان بمصر، فكتب عبد

стр. 2835

الملك إليه يلومه فيما صنع ويقول: كان سعيد والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم أنه ما عند سعيد شقاق ولا خلاف. قال الواقدي: وكان الذي دخل بالكتاب إلى عبد الملك في ضرب سعيد قبيصة بن ذؤيب، وكان على السكة والخاتم، فقال: يا أمير المؤمنين كيف يفتات عليك هشام بمثل هذا، ويضرب ابن المسيب، ويطوف به والله لا يكون أبدا أمحك ولا ألج منه حين فعل به ما فعل، أو سعيد ممن يخاف فتفه وغوائله؟ قال عبد الملك: قد كتبت إليه أعلمه بكراهتي لما صنع به، وكتبت إلى سعيد أعتذر إليه، فلما قرأ سعيد كتاب عبد الملك قال: حكم الله بيني وبين من ظلمني، قال: وصنعت لسعيد ابنته طعاما كثيرا حين حبس، وبعثت به إليه، فأرسل إليها لا تعودي لمثل هذا، فإني لا أدري ما قدر حبسي، وإنما غاية هشام بن إسماعيل أن يذهب بمالي فلا تزيديني علي القوت الذي كنت آكله في بيتي، وكان يصوم الدهر، وكان الوليد سيئ الرأي في هشام، فلما ولي عزله عن المدينة، وأمر أن يوقف للناس، فدعا سعيد ولده ومواليه فقال: إن هذا الرجل قد كان أساء إلينا، فلا يذكرنه أحد منكم بسوء، ولا يعرضنّ له ولا يؤذينه بكلمة، فقد تركنا مجازاته لله والرحم، وإن كان ما علمته سيئ النظر لنفسه، فأما كلامه فلا أكلمه أبدا. قال: وأرسل هشام إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أكفني أمر ابن المسيّب فإنه رجل عند الناس كما علمت، فقال: لا بأس عليك منه، فقال: إنّه حقود قال: أما ما صنعت به فلن يخرج من قلبه، ولكنك لن ترى منه سوءا.

стр. 2836

وقال محمد بن سعيد لأبيه: خل بيننا وبينه، فقال سعيد: لا يعرض له، فإنك إن فعلت لم أكلمك بكلمة أبدا، وحجّ الوليد، فدخل مسجد المدينة، فأخرج النّاس ولم يجترئ أحد على إخراج سعيد، وقيل له هذا أمير المؤمنين، فقال: لا والله لا قمت إلا في الوقت الذي كنت أقوم فيه، وجعل عمر بن عبد العزيز يعدل بالوليد عنه، وإنّ عليه لريطتين (١) ما تساويان خمسة دراهم، وذلك لكراهة عمر أن يراه فينكر جلوسه، وحانت من الوليد التفاتة، فقال: من الجالس؟ قيل: سعيد بن المسيب، ولو علم بمكان أمير المؤمنين لقام إليه، فقال الوليد: قد عرفت حاله، ونحن نأتيه، فنسلم عليه، فجاء الوليد حتى وقف على رأسه وقال: كيف أنت أيها الشيخ وهو جالس فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين، وكيف حاله؟ فقال الوليد: خير حال والحمد لله، فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس، فكان عمر إذا حلف يقول: لا والذي صرف عن سعيد شرّ الوليد ما كان كذا، ولأفعلن كذا، وحدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن جده قال: لمّا ضرب سعيد بن المسيب لامتناعه من بيعة الوليد، أقيم للنّاس، فمرت به أمة لبعض أهل المدينة فقالت له: يا شيخ لقد أقمت مقام خزي فقال لها: من مقام الخزي فررت. ولمّا مات عبد العزيز قال الشاميّون: رد على أمير المؤمنين أمره، فدعا عليه فاستجيب له، لقول عبد الملك: إنّه قطعني فاقطعه.

стр. 2837

المدائني وغيره أنّ عبد الملك قال لأسماء بن خارجة الفزاري: بلغني عنك خصال كريمة، فأخبرني بها، فقال وصفها من غيري أحسن، فقال: لتقولنّ، قال: أما إذ أبيت يا أمير المؤمنين إلا أن أخبرك فإني لم أمدّ رجلي بين يدي جليس لي قط كراهة أن يظنّ أني أرى أنّ لي عليه طولا، ولا دعوت رجلا قطّ إلى طعام فأجابني إلا لم أزل أعرف له الفضل عليّ ولا سألني رجل حاجة قطّ فرأيت أنّ شيئا من الدنيا عوض من بذل وجهه إليّ فيها واختياره إيّاي لها، فقال عبد الملك: يحقّ لك أن تكون سيدا. وقال الوليد: يا أمير المؤمنين بلغني أنّه أتاه الأخطل في ناس من قومه يسألونه دية، فلقيهم ببشر وطلاقة، وأمر لهم بثلاث بدر فقال: بدرة لممشاكم، وبدرة لإيثاركم إيّاي علي غيري، وبدرة لصاحبكم، ثم قال لابنيه: مرا للقوم من مالكما بما أحببتما فأمرا لهم بعشرين ألف درهم فقال الأخطل: إذا مات ابن خارجة بن حصن … فلا مطرت على الأرض السماء ولا رجع البشير بغنم جيش … ولا حملت على الطهر النساء فيوم منك خير من رجال … كثير حولهم نعم وشاء فبورك في بنيك وفي أبيهم … إذا ذكروا ونحن لك الفداء (١) فأعجب عبد الملك حديث الوليد له، وروايته ما روى من شعر الأخطل وقال له: معرفتك بفضل أهل الفضل فضيلة يا بني.

стр. 2838

حدثني ابن أبي شيخ الكوفيّ عن عبيد الله بن موسى قال: بلغني أن عبد الملك بن مروان قال للحجّاج: إنه ليس أحد إلا وهو يعرف عيبه، فعزمت عليك لما خبرتني بما فيك من العيوب، فقال: أنا حسود حقود لجوج قال: حسبك فما في الشيطان إلا دون هذه الخلال. المدائنيّ عن علي بن مجاهد قال: حبس عبد الملك يحيى بن سعيد بن أبي العاص بعد قتل أخيه أربعين يوما، ثمّ دعا به فاستشار من حضره في أمره، فقال بعضهم: أقتله، وقال بعضهم منّ عليه، وقال له عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزاري: يا أمير المؤمنين إن له رحما وقرابة والعفو أقرب للتقوى، فمنّ عليه وسيره إلى عدوّك فلعل الله يكفيك إيّاه بخيل من خيلك، فلحق بعبد الله بن الزبير، فقال له: إنّ أخاك كان سيئ البلاء عندي فالحق بمصعب، فلحق بالعراق فولده بالكوفة وواسط. حدّثني عليّ بن حماد عن الحزامي عن عبد الله بن نافع قال: وفد عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان، وأهدى إليه من ألطاف المدينة فبعث إليه عبد الملك بألطاف وكسي وفرس عبد الله بن الزبير الذي يقال له اليعسوب، وكان قتل عنه، فقبل الهدايا، وردّ الفرس، فبعث إليه عبد الملك يعزم عليه ليخبرنه لم ردّ الفرس، فقال عبد الله: ما كنت لا قدم على قومي بأسلابهم. قالوا: وقال عبد الملك لأسماء بن خارجة: زدني من صفة مذاهبك وأخلاقك، قال: ما شتمت رجلا قط، ولا شتمني إلا حلمت عنه إن كان كريما، فأنا أولى من غفر زلّته، وإن كان لئيما لم أجعل عرضي خطرا له، فقال: أحسنت والله ما شئت.

стр. 2839

المدائني قال: دخل تميم بن الحباب السلمي أخو عمير بن الحباب على عبد الملك فقال: أنشدني بعض مارثيت به أخاك عميرا، فأنشده: وذي ميعة لا يستطاع قياده … مع الخيل إلا ممسكا بلجام وزعت به الغارات حتى تركته … حزوز (١) الضحى من نهكة وسآم فكم من دم يوما هرقت ومن دم … حقنت ومن وفد حبوت كرام فقال عبد الملك: ما كان كما وصفت يا بن الحباب، فقال: بلى والله، وإن رغم الراغمون. المدائني عن عوانة قال: قدم على عبد الملك قادم من العراق، فقال له: كيف تركت بشرا - يعني أخاه؟ قال: تركته لينا في غير ضعف، قويّا في غير عنف، يعرف موضع العقوبة فيعاقب على قدر الذنب، قال: ذاك ابن حنتمة - يعني عمر بن الخطاب ﵁. وقال عبد الملك لأعرابي: إنك لحسن الكدنة، فقال: ذاك عنوان نعمة الله عليّ، إني أدفئ رجلي في الشتاء، وآكل عند الشهوة وأذود غاشية الهم يعني بالشراب. قالوا: وبعث عبد الملك روح بن زنباع إلى أم البنين، وهي عاتكة بنت يزيد يسألها أن تجعل مالها لابنيها يزيد ومروان الأصغر، فقد أدركا، فقالت: عليّ بشهود عدول فلمّا دخلوا عليها قالت: اشهدوا أني قد تصدقت بمالي علي فقراء آل أبي سفيان صدقة بتة بتلة، وقالت لروح: يا أبا زرعة أتراني أخاف على ولديّ العيلة وهما ابنا أمير المؤمنين؟! فأتى عبد الملك فأخبره،

стр. 2840

فغضب فقال له روح: لا تغضب يا أمير المؤمنين فإنّها لم تخط فيما صنعت، ولا في الإتكال على من اتكلت عليه. وقال الواقدي: كان الناس يصلون ركعات بعد الظهر، وكان عبد الملك أول من مد الصلاة من الظهر إلى العصر، وكان أول خليفة بخل. المدائني عن عامر بن أبي محمد قال: تنبأ رجل يقال له خالد أيام عبد الملك، فأمر به فصلب حيا، فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ (١) فطعنه رجل فانثنت الحربة، فسجد أصحابه، فنكت عبد الملك في الأرض، ثم تلا: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) يا أبا زرعة اطعن في الجانب الأيسر فإن الشيطان يدفع عن الجانب الأيمن، فطعنه تحت الخاصرة فأخرج السنان من ظهره، فقال عبد الملك: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ (٣). المدائني قال: قال عبد الملك: السياسة هيبة الخاصة مع صدق مودتها، واقتياد قلوب العامة وانصافها، والاحسان إليها. المدائني عن عمر بن الحباب قال دخل زفر بن الحارث على عبد الملك بعد الصلح، فقال له: يا أبا الهذيل ما بقي من حبك الضحاك بن قيس؟ قال: ما لا ينفعه، ولا يضرك، قال: لشد ما أحببتموه معاشر قيس، قال: أحببناه، ولم نواسه ولو كنا فعلنا لأدركنا ما فاتنا منه، قال: ما منعك من مواساته يوم المرج؟ قال: ما منعك من مواساة عثمان يوم الدار.
следующие страницы →