← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وقال محمد بن سعيد لأبيه: خل بيننا وبينه، فقال سعيد: لا يعرض له، فإنك إن فعلت لم أكلمك بكلمة أبدا، وحجّ الوليد، فدخل مسجد المدينة، فأخرج النّاس ولم يجترئ أحد على إخراج سعيد، وقيل له هذا أمير المؤمنين، فقال: لا والله لا قمت إلا في الوقت الذي كنت أقوم فيه، وجعل عمر بن عبد العزيز يعدل بالوليد عنه، وإنّ عليه لريطتين (١) ما تساويان خمسة دراهم، وذلك لكراهة عمر أن يراه فينكر جلوسه، وحانت من الوليد التفاتة، فقال: من الجالس؟ قيل: سعيد بن المسيب، ولو علم بمكان أمير المؤمنين لقام إليه، فقال الوليد: قد عرفت حاله، ونحن نأتيه، فنسلم عليه، فجاء الوليد حتى وقف على رأسه وقال: كيف أنت أيها الشيخ وهو جالس فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين، وكيف حاله؟ فقال الوليد: خير حال والحمد لله، فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس، فكان عمر إذا حلف يقول: لا والذي صرف عن سعيد شرّ الوليد ما كان كذا، ولأفعلن كذا، وحدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن جده قال: لمّا ضرب سعيد بن المسيب لامتناعه من بيعة الوليد، أقيم للنّاس، فمرت به أمة لبعض أهل المدينة فقالت له: يا شيخ لقد أقمت مقام خزي فقال لها: من مقام الخزي فررت. ولمّا مات عبد العزيز قال الشاميّون: رد على أمير المؤمنين أمره، فدعا عليه فاستجيب له، لقول عبد الملك: إنّه قطعني فاقطعه.

стр. 2837

المدائني وغيره أنّ عبد الملك قال لأسماء بن خارجة الفزاري: بلغني عنك خصال كريمة، فأخبرني بها، فقال وصفها من غيري أحسن، فقال: لتقولنّ، قال: أما إذ أبيت يا أمير المؤمنين إلا أن أخبرك فإني لم أمدّ رجلي بين يدي جليس لي قط كراهة أن يظنّ أني أرى أنّ لي عليه طولا، ولا دعوت رجلا قطّ إلى طعام فأجابني إلا لم أزل أعرف له الفضل عليّ ولا سألني رجل حاجة قطّ فرأيت أنّ شيئا من الدنيا عوض من بذل وجهه إليّ فيها واختياره إيّاي لها، فقال عبد الملك: يحقّ لك أن تكون سيدا. وقال الوليد: يا أمير المؤمنين بلغني أنّه أتاه الأخطل في ناس من قومه يسألونه دية، فلقيهم ببشر وطلاقة، وأمر لهم بثلاث بدر فقال: بدرة لممشاكم، وبدرة لإيثاركم إيّاي علي غيري، وبدرة لصاحبكم، ثم قال لابنيه: مرا للقوم من مالكما بما أحببتما فأمرا لهم بعشرين ألف درهم فقال الأخطل: إذا مات ابن خارجة بن حصن … فلا مطرت على الأرض السماء ولا رجع البشير بغنم جيش … ولا حملت على الطهر النساء فيوم منك خير من رجال … كثير حولهم نعم وشاء فبورك في بنيك وفي أبيهم … إذا ذكروا ونحن لك الفداء (١) فأعجب عبد الملك حديث الوليد له، وروايته ما روى من شعر الأخطل وقال له: معرفتك بفضل أهل الفضل فضيلة يا بني.

стр. 2838

حدثني ابن أبي شيخ الكوفيّ عن عبيد الله بن موسى قال: بلغني أن عبد الملك بن مروان قال للحجّاج: إنه ليس أحد إلا وهو يعرف عيبه، فعزمت عليك لما خبرتني بما فيك من العيوب، فقال: أنا حسود حقود لجوج قال: حسبك فما في الشيطان إلا دون هذه الخلال. المدائنيّ عن علي بن مجاهد قال: حبس عبد الملك يحيى بن سعيد بن أبي العاص بعد قتل أخيه أربعين يوما، ثمّ دعا به فاستشار من حضره في أمره، فقال بعضهم: أقتله، وقال بعضهم منّ عليه، وقال له عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزاري: يا أمير المؤمنين إن له رحما وقرابة والعفو أقرب للتقوى، فمنّ عليه وسيره إلى عدوّك فلعل الله يكفيك إيّاه بخيل من خيلك، فلحق بعبد الله بن الزبير، فقال له: إنّ أخاك كان سيئ البلاء عندي فالحق بمصعب، فلحق بالعراق فولده بالكوفة وواسط. حدّثني عليّ بن حماد عن الحزامي عن عبد الله بن نافع قال: وفد عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان، وأهدى إليه من ألطاف المدينة فبعث إليه عبد الملك بألطاف وكسي وفرس عبد الله بن الزبير الذي يقال له اليعسوب، وكان قتل عنه، فقبل الهدايا، وردّ الفرس، فبعث إليه عبد الملك يعزم عليه ليخبرنه لم ردّ الفرس، فقال عبد الله: ما كنت لا قدم على قومي بأسلابهم. قالوا: وقال عبد الملك لأسماء بن خارجة: زدني من صفة مذاهبك وأخلاقك، قال: ما شتمت رجلا قط، ولا شتمني إلا حلمت عنه إن كان كريما، فأنا أولى من غفر زلّته، وإن كان لئيما لم أجعل عرضي خطرا له، فقال: أحسنت والله ما شئت.

стр. 2839

المدائني قال: دخل تميم بن الحباب السلمي أخو عمير بن الحباب على عبد الملك فقال: أنشدني بعض مارثيت به أخاك عميرا، فأنشده: وذي ميعة لا يستطاع قياده … مع الخيل إلا ممسكا بلجام وزعت به الغارات حتى تركته … حزوز (١) الضحى من نهكة وسآم فكم من دم يوما هرقت ومن دم … حقنت ومن وفد حبوت كرام فقال عبد الملك: ما كان كما وصفت يا بن الحباب، فقال: بلى والله، وإن رغم الراغمون. المدائني عن عوانة قال: قدم على عبد الملك قادم من العراق، فقال له: كيف تركت بشرا - يعني أخاه؟ قال: تركته لينا في غير ضعف، قويّا في غير عنف، يعرف موضع العقوبة فيعاقب على قدر الذنب، قال: ذاك ابن حنتمة - يعني عمر بن الخطاب ﵁. وقال عبد الملك لأعرابي: إنك لحسن الكدنة، فقال: ذاك عنوان نعمة الله عليّ، إني أدفئ رجلي في الشتاء، وآكل عند الشهوة وأذود غاشية الهم يعني بالشراب. قالوا: وبعث عبد الملك روح بن زنباع إلى أم البنين، وهي عاتكة بنت يزيد يسألها أن تجعل مالها لابنيها يزيد ومروان الأصغر، فقد أدركا، فقالت: عليّ بشهود عدول فلمّا دخلوا عليها قالت: اشهدوا أني قد تصدقت بمالي علي فقراء آل أبي سفيان صدقة بتة بتلة، وقالت لروح: يا أبا زرعة أتراني أخاف على ولديّ العيلة وهما ابنا أمير المؤمنين؟! فأتى عبد الملك فأخبره،

стр. 2840

فغضب فقال له روح: لا تغضب يا أمير المؤمنين فإنّها لم تخط فيما صنعت، ولا في الإتكال على من اتكلت عليه. وقال الواقدي: كان الناس يصلون ركعات بعد الظهر، وكان عبد الملك أول من مد الصلاة من الظهر إلى العصر، وكان أول خليفة بخل. المدائني عن عامر بن أبي محمد قال: تنبأ رجل يقال له خالد أيام عبد الملك، فأمر به فصلب حيا، فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ (١) فطعنه رجل فانثنت الحربة، فسجد أصحابه، فنكت عبد الملك في الأرض، ثم تلا: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) يا أبا زرعة اطعن في الجانب الأيسر فإن الشيطان يدفع عن الجانب الأيمن، فطعنه تحت الخاصرة فأخرج السنان من ظهره، فقال عبد الملك: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ (٣). المدائني قال: قال عبد الملك: السياسة هيبة الخاصة مع صدق مودتها، واقتياد قلوب العامة وانصافها، والاحسان إليها. المدائني عن عمر بن الحباب قال دخل زفر بن الحارث على عبد الملك بعد الصلح، فقال له: يا أبا الهذيل ما بقي من حبك الضحاك بن قيس؟ قال: ما لا ينفعه، ولا يضرك، قال: لشد ما أحببتموه معاشر قيس، قال: أحببناه، ولم نواسه ولو كنا فعلنا لأدركنا ما فاتنا منه، قال: ما منعك من مواساته يوم المرج؟ قال: ما منعك من مواساة عثمان يوم الدار.

стр. 2841

وقال عبد الملك لزفر: بلغني أنك من كندة قال: وما خير من لا ينفى حسدا ولا يدّعى رغبة. المدائني قال: دخل علي بن عبد الله بن عباس على عبد الملك فتغديا جميعا ثمّ دعا بشراب فأتي به في عس، فبدا بعلي فسقاه ثم شرب، وقال عبد الملك اللحن هجنة الشريف والعجب آفة، والكذب فساد كل شيء والخرس خير من الكذب. المدائني عن أبي خالد التميمي عن أبي لؤلؤة المازني أنّ عياش بن الزبرقان دخل على عبد الملك، وعنده روح بن زنباع، وأبو الزعيزعة مولى بني مروان فقال عبد الملك: يا عياش أما ترى هذا اليماني - يعني روحا - يفخر بملوك اليمن؟ فقال عياش: يا أمير المؤمنين نحن بنو إسماعيل بن ابراهيم فملك إخوتنا بني إسحاق بن ابراهيم أعظم من ملكهم، ملك سليمان بن داود مع النبوة، ونحن بنو إسماعيل ففينا النبوة والملك، فملكنا وملك إخوتنا أعظم من ملكهم، والله يا أمير المؤمنين لو متّ ولم أدع وارثا، لكان أبو الزعيزعة أولى بي من روح فقام أبو الزعيزعة فقبل رأس عياش وألقى عليه مطرفه فأسكت روح. قالوا: وقاد عياش بن الزبرقان إلى عبد الملك خمسة وعشرين فرسا، فلما نظر إلى الخيل نسب كلّ فرس منها إلى أبيه، وحلف على كل فرس منها بيمين غير اليمين التي حلف بها على الفرس الآخر، فقال عبد الملك: ما أعجب من نسبته للخيل ولكن أعجب من حلفه على كل فرس بيمين غير الاخرى.

стр. 2842

المدائني قال: دخل أسيلم بن الأخيف الأسدي على عبد الملك فأدناه، ثمّ قال له: أنشدني بعض ما قيل فيك، فامتنع فعزم عليه فأنشده شعرا: ألا أيها الركب المجدون هل لكم … بسيد أهل الشام تحبوا وترجعوا أسيلم ذاكم ليس يخفى مكانه … على مقلة ترنو وأذن تسمع جلا المسك والحمام والبيض كالدمى … وفرق المذاري (١) رأسه فهو أنزع فضحك عبد الملك، ثم قال: ما قال قيس بن الأسلت خير مما قلته، قال: وقد حصبت البيضة (٢) رأسي فما أطعم نوما غير تهجاع. وزعموا أن رجلا من الأعراب أهدى إلى عبد الملك شيئا، فقال: كيف أقبل هديتك وأنا أظنك لا تحسن أن تطاف (٣)، فقال: مهلا يا أمير المؤمنين، فوالله لأطيل المشي حتى أتوارى كراهة أن أرى، وأستقبل الريح، واشتم النسيم، وأقدم رجلا وأؤخر أخرى، وأخوي تخوية الظليم، وأمسح بالحجر، وأجتنب المدر، فضحك منه وقبل هديته، ووهب له. حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن مالك بن أنس قال: قال عبد الملك بن مروان لسعيد بن المسيب: يا أبا محمد صرت أعمل الخير فلا أسر به، وأفعل الشر فلا أسله، قال: الآن تكامل فيك موت القلب. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن مسلم بن حماد عن عمر بن حفص عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة قال: كنا في خلافة معاوية في آخرها نجتمع في حلقة في مسجد بالليل أناو مصعب بن الزبير،

стр. 2843

وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الملك بن مروان، وعبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وكنت أنا آتي زيد بن ثابت حتى مات، وكان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة ﵂، وكانت أعلم الناس. المدائني قال: قال عبد الله بن الزبير وسمع رجلا يشتم الحكم بن أبي العاص: لا تسب الحكم فإنه كان رجلا وديعا، ولكن سب مروان وابن مروان، ثم قال: أيخوفني عبد الملك بالحرب، وأنا ابن الحرب وأخوها، فيها ولدت، وفيها غذيت. حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي أخبرني الثقة عن مجالد عن الشعبي قال: دخلت على عبد الملك فصعّد فيّ بصره وصوبه ثم قال: يا شعبي إنك لضئيل، فقلت: زوحمت في الرحم يا أمير المؤمنين، وكان توأما، قال: ثم أنشأت أقول متمثلا: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده … فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وكأين ترى من صامت لك معجب … زيادته أو نقصه في التكلم قال وكان الأخطل حاضرا فقال: لا يعجبنك من جليس خطبة … حتى يكون مع المقال أصيلا إن الكلام من الفؤاد وإنما … جعل الكلام على العقول دليلا (١)

стр. 2844

قال الشعبي: فأنشدته في هذا المعنى غير شعر، فقال الأخطل: أنا أفرغ من وعاء واحد وأنت تفرغ من أوعية كثيرة. المدائني عن ثور بن يزيد قال: ذكرت خطباء أهل الشام الخلافة فعظموها، ثم أطروا عبد الملك، فالتفت إلى عبد الرحمن بن زرعة الحميري فقال: يا بن زرعة ما منزلتي عند الله ؟ قال: أما ترضى أن تكون منزلتك منزلة داود النبي ﷺ قال الله : ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى﴾ (١) الآية قال: فهذا قول الله لنبيه، فكيف بك، فأطرق عبد الملك فلم يتكلم. المدائني قال: دخل رجل من بني تميم على عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين إن لي بلاء، أصيبت عيني يوم الدار فوصله. وكان لرجل من جلساء عبد الملك وأحبائه ابن أعور فقال له: إني مدخلك على أمير المؤمنين فقل له كما قال فلان التميمي وأراد أن يضحك عبد الملك منه، فأدخله عليه فقال كما قال الرجل الأول، فقال: ومن يعلم صدقك؟ قال: هذا - يعني ابن عمه-. قال: كذب والله يا أمير المؤمنين ما أصيبت عينه إلا يوم المرج مع الضحاك بن قيس فطرده عبد الملك، فقال الرجل الذي أدخله: يا أمير المؤمنين هذه ورطة قد وقعت فيها، قال عبد الملك: وكيف؟ قال: إن له أربع بنين كالأسود ما آمنهم أن يفتكوا بي فأمر له عبد الملك بمال، وقال كفهم عن نفسك بهذا، فلما خرج من عند عبد

стр. 2845

الملك تلقاه بنو الرجل فقالوا: غررت أبانا وغررت به، قال: لا تعجلوا فالذي صنعت خير هذه صلة أمير المؤمنين، فدفعها إلى أبيهم فكفوا عنه. المدائني قال: قال عبد الملك لأبي الزعيزية مولاهم: هل اتخمت قط؟ قال: لا، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنا إذا طبخنا أنضجنا، وإذا مضغنا أدققنا ولا نكد المعد ولا نخليها. المدائني قال: لما بلغ عبد الملك خروج ابن الأشعث، قال لمحمد بن عمير بن عطارد، وهو عنده: من بالعراق ممن إن دعا أجيب؟ قال: لا أعلمه إلا أن يكون عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. المدائني قال عبد الملك: اللحن في الرجل الشريف كالجدري في الوجه الحسن. وقال عبد الملك لابن له لحن بين يديه: اخز من اللحن كما تخزى من الفاحشة يعلمها الناس. قال: وقال عبد الملك لعبد العزيز أخيه حين أمره بقتل عمرو بن سعيد الأشدق، فلم يفعل: لقد أشبهت أمك الأعرابية البائلة على عقبيها، فحلف عبد العزيز أن لا يعطي شاعرا يمدحه حتى يذكر أمه في مديحه، فقال ابن قيس الرقيات: أمك بيضاء من قضاعة في ال … بيت الذي يستظل في طنبه وأنت في الجوهر المهذب من … عبد مناف يداك في سببه (١) المدائني عن عبد الله بن فائد قال: كان يقال: معاوية أحلم وعبد الملك أحزم.

стр. 2846

المدائني عن جويرية بن أسماء قال: كتب مروان إلى معاوية يسأله أن يصير إلى عبد الملك ديوان المدينة فصيره، فلم يزل عليه حتى كانت الفتنة. المدائني قال عبد الملك: ما رأيت هذا البربط الأقنى الذي يذكرونه قط، فقال بعضهم: صدق لم يرتفع إلي البربط إنما رأى الطنبور وقال آخر: كذب والله إني لأراه يضرب به. المدائني عن عبد الله بن سلم قال: فرش لعبد الملك على سطح وهو يشتكي فمه، فلما استلقى على فراشه قال: يا دنيا ما أطيبك مع العافية، وكان يصيح حتى يسمع صياحه من خارج القصر: يا أهل العافية لا تستقلوها. المدائني قال: ركب عبد الملك في يوم شديد البرد، وعليه جباب خز مظاهرة، فلقيه علي بن عبد الله بن عباس فقال: يا أبا محمد تدق أم دفر (١) دقا، يعني الدنيا، فما أتت عليه جمعة حتى مات. المدائني عن سحيم بن حفص قال: أوصى عبد الملك بنيه في مرضه الذي مات فيه فقال: أوصيكم بتقوى الله فإنها أزين حلية، وأحصن كهف، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه نابكم الذي عنه تفترون، ومجنكم الذي عنه ترمون، وأكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم المنابر، ودوخ لكم البلاد، وأذل الأعداء، وكونوا بني أم بررة لا تدب بينكم العقارب، وكونوا في الحرب أحرارا، فإن القتال لا يقرب منيه قبل وقتها، وكونوا للمعروف

стр. 2847

منازل فإن المعروف شيء يبقى آخره وذخره وذكره، وضعوا معروفكم عند ذوي الأحساب، فإنهم أصون له، وأشكر لما يؤتى إليهم منه، وتغمدوا ذنوب أهل الذنوب، فإن استقالوا فأقيلوا، وإن عادوا فانتقموا. المدائني عن أبي إسحق الزيادي قال: قال بعض أطباء عبد الملك: إن شرب الماء مات، فاشتد عطشه فقال: يا وليد اسقني قال: لا أعين عليك، فقال: يا فاطمة اسقيني، فقامت لتسقيه فمنعها الوليد فقال له عبد الملك لتدعنها أو لأخلعنك، فقال: لم يبق بعد هذا شيء فسقته فخمد. المدائني قال: جعل عبد الملك يقول حين احتضر (١) إن بني صبية صيفيون … أفلح من كان له ربعيون إن بني صبية صغار … أفلح من كان له كبار فقال عمر بن عبد العزيز وهو عنده: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (٢) قالوا: ودخل الوليد على عبد الملك وعند رأسه فاطمة ابنته وهي تبكي، فقال: كيف أمير المؤمنين؟ قالوا: هو صالح، فلما خرج قال عبد الملك: ومستخبر عنا يريد أخا الردى … ومستخبرات والدموع سواجم قالوا: وكان عبد الملك يقول: أخاف الموت في شهر رمضان، فيه ولدت، وفيه فطمت، وفيه جمعت القرآن، وفيه بايع لي الناس، فمات

стр. 2848

للنصف من شوال حين أمن الموت في نفسه، وكان موته في سنة ست وثمانين، وهو ابن ثلاث وستين، بدمشق، وكانت ولايته بعد مقتل ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وخمسة عشر يوما، ودفن خارج باب الجابية بدمشق، وصلى عليه الوليد فتمثل هشام أو سليمان: فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدما فقال له الوليد: اسكت فإنك تتكلم بلسان شيطان ألا قلت كما قال أوس بن حجر: إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابه … تمخط منا ناب آخر مقرم (١) وقيل إن سليمان المتمثل بالبيت الأول، لأن هشاما كان يوم مات أبوه ابن أربع عشرة سنة، ولد عام قتل مصعب. قالوا: ولما أخرج عبد الملك احتزم الوليد ومشى بين يدي سريره، وكان في طريقهم إلى المقابر دار إذا هدمت كان الطريق أقرب إلى المقابر، فأمر الوليد بهدم الدار قبل أن تخرج الجنازة، فهدمت (٢). وخطب الوليد حين رجع من الجنازة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: لم أر مثلها مصيبة، ولم أر مثله ثوابا، فإن لله وإنا إليه راجعون لعظم المصيبة، والحمد لله على حسن العطية، إني قد كفيت ما كانت الخلفاء قبلي تتكلم به، فمن كان في قلبه شك فليمت بدائه، من أمال أذنه أملنا أذنيه.

стр. 2849

قال الشاعر يرثى عبد الملك: سقاك ابن مروان من الغيث مسيل … أحشّ شمالي يجود ويهطل فما في حياة بعد موتك رغبة … لحرّ وإن كنا الوليد نؤمل ورثاه كثير وغيره.

стр. 2850

خبر رستقاباذ في أيام عبد الملك وولاية الحجاج ابن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل العراق حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن لوط بن يحيى، وعن عوانة: أن بشر بن مروان هلك بالبصرة وهو على الكوفة والبصرة واستخلف خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص على البصرة، فمكث نحوا من شهرين، ثم ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف العراق كله، غير خراسان وسجستان، فإنه كان عليهما أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فأقره عبد الملك سنتين بعد قدوم الحجاج من الحجاز، وأبى عبد الملك أن يقر خالدا على عمله، وكلم في ذلك فلم يجب إليه، وقال: أساء التدبير، وعجز عن العراق، وضعف عن أهل المصر، فقدم الحجاج من الحجاز، وكان واليا عليه، فاقبل حتى دخل الكوفة متلثما فقصد إلى المنبر، فصعده، ثم جلس ساعة لا يتكلم، فقال محمد بن عمير بن عطارد للهيثم بن الأسود: ما له - ترحه الله - لا يتكلم؟ ما أعياه وأشناه وأدمّه! والله إني لأظن خبره أسوأ من مرآته، ثم أخذ كفا من حصى ليحصبه، فلم يفعل حتى قام الحجاج، فحسر نقابه ثم قال:

стр. 2851

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها. قد شمرت عن ساقها فشمري … ليس هذا أوان عشّك فادرجي هذا أوان الشد فاشتدي زيم … قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم … ولا بجزار على ظهر وضم قد لفها الليل بعصلبي … مهاجر ليس بأعرابي إني والله يا أهل العراق لا أحلق إلا فريت ولا أعد إلا وفيت، والله إني لأحمل الشر بثقله وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله. إن الله ضرب ﴿مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١). فأنتم أولئك، أو أشباه أولئك، فاستوسقوا واستقيموا ولا تميلوا، فقد بين الصبح لذي عينين، والله لأمرينكم بالهوان حتى تدوروا، ولأعصبنكم عصب السلمة حتي تذلوا، ولأقرعنكم قرع المروة حتى تلينوا، ولأضربنكم، ضرب غريبات الإبل حتي تنقادوا، إنه والله ما يقعقع لي بالشنان، ولا أغمر تغماز التين، ولا أجلس على الدّبر، إني امرؤ فررت عن ذكاء، وجريت إلى الغاية وانتضيت عن تجربة، إن أمير المؤمنين عبد الملك نكت كنانته، ونثلها

стр. 2852

بين يديه، وعجم عيدانها، فوجدني أمرها معجما، وأشدها مكسرا، فوجهني إليكم، ورمى بي في نحوركم، فأنتم أهل بغي وخلاف، وشقاق ونفاق، طالما أوضعتم في الضلال، وسننتم سنن الغي تسائلون ماذا قال أميركم؟ وماذا يقول؟ وها، وها. وإياي وهذه الزرافات والجماعات، وكان ويكون، وما أنتم وذاك؟ إني أرى الدماء بين العمائم واللحى، والذي نفس الحجاج بيده لتسلكنّ طريق الحق، ولتستقيمن عليه، أو لأجعلن لكل امرئ منكم شغلا في جسده، فاقبلوا الإنصاف، ودعوا الإرجاف، وقول القائل منكم: أخبرني فلان عن فلان، قبل أن أوقع بكم إيقاعا يترك النساء أيامى، والولدان يتامى، فتقلعوا وقد جنيتم العافية، وغنمتم حظوظكم من السلامة، الا ولا يركبن رجل إلا وحده، ولا يحفظن إلا نفسه. فقال محمد بن عمير: لله أبوه! لقد كدنا نقع منه في شر، وجعل الحصا يتناثر من بين أصابعه. وقال المدائني في اسناده: قدم الحجاج في سنة خمس وسبعين في رجب، فبدأ بالكوفة، فخطب أهلها وتوعدهم، وأرسل إلى وجوههم، وإلى كثير من العامة، فقال: أخبروني عن الولاة قبلي، ما كانوا يعاقبون به العصاة؟ قالوا: الضرب والحبس، قال: لكني لا أعاقبهم إلا بالسيف، إن المعصية لو ساغت لأهلها ما قتل عدو، ولا جبي فيء، ولا عز دين، ولو لم يغز المسلمون المشركين، لغزاهم المشركون. وقد أجلتكم ثلاثا، فمن وجدته بعد ثالثة من جيش ابن مخنف، فبرئت منه الذمة. وقال ليزيد بن علاقة السكسكي صاحب شرطه: اجعل سيفك سوطا، فمن وجدته بعد ثالثة عاصيا فاقتله.

стр. 2853

وقيل إن الحجاج قال في خطبته: جاءت به والقلص الأعلاط (١) … تهوي هوي سائق الغطاط (٢) ليس هذا أوان عشك فادرجي. وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة الأسدي، قال: حدثنا أشياخنا قالوا: قدم الحجاج الكوفة، فخطب خطبته التي توعد الناس فيها، ثم قال: إياي وهذه الجماعات والزرافات والإخبار والاستخبار وسوء الأراجيف، لا يركبن أحد منكم إلا وحده ولا يخافن إلا ذنبه، إنه لو ساغت لأهل المعصية معصيتهم، ما جبي فيء، ولا قوتل عدو، ولعطلت الثغور، وأهملت الأمور، ولولا أنكم تغزون كرها ما غزوتم طوعا، وقد بلغني رفضكم المهلب، وإقبالكم إلى مصركم، عصاة مخالفين، وأقسم بالله: لا أجد أحدا بعد ثالثة ممن أخل بمركزه، إلا ضربت عنقه، ثم دعا بالعرفاء فقال لهم: ألحقوا الناس بالمهلب، وأتوني بكتبه بموافاتهم ولا أستبطئكم فأضرب أعناقكم. فلما كان اليوم الثالث من مقدمه، سمع في السوق تكبيرا عاليا، فصعد المنبر، فقال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب، ولكنه تكبير يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قاصف، أيا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأبناء الأيامى، إلاّ يربع أحدكم على ظلعه، ويحسن حمل

стр. 2854

رأسه ويحقن دمه، ويبصر موضع قدمه، فأقسم بالله ليوشك أن أوقع بكم، وقعة تكونون بها نكالا لما قبلها، وأدبا لمن بعدها. فقام عمير بن ضابئ التميمي ثم البرجمي، فسأله أن يقبل منه بديلا، وكان وطيء على بطن عثمان وهو مقتول فضرب عنقه. قالوا: ولقي رجل أعرابيا من بني تميم، فقال ما الخبر؟ قال: قدم الكوفة رجل من شر أحياء العرب، من هذا الحي من ثمود، حمش الساقين (١)، ممسوح الجاعرتين (٢)، أخفش العينين (٣)، فقدم سيد هذا الحي، فضرب عنقه. وقال ابن الزبير لإبراهيم بن عامر الأسدي: أقول لإبراهيم لما لقيته … أرى الأمر أمسى منهبا متشعبا تحرز فأسرع والحق الجيش لا أرى … سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا تخير فإما أن تزور ابن ضابئ … عميرا، وإما أن تزور المهلبا هما خطتا سوء، نجاؤك منهما … ركوبك حوليا من الثلج أشهبا فأمسى ولو كانت خراسان دونه … رآها مكان السوق أو هي أقربا قالوا: وأتي الحجاج بعاص من بني سعد، فقال أما سمعت جريرا يقول: إذا ظفرت يداه بحبل عاص … رأى العاصي من الأجل اقترابا (٤)

стр. 2855

ثم أمر به فضربت عنقه. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان الحجاج يفرض في ثلاثمائة، ففرض للحرنفش - أحد بني ثعلبة بن سلامان وكان يأخذ من فرض له بفرس جواد، وسلاح شاك فقال الحرنفش: يكلفني الحجاج درعا ومغفرا … وطرفا كميتا رائعا بثلاث وستين سهما صنعة يثربية … وقوسا طروح النبل غير لباث ففي أي هذا أجعلن دراهمي … فربي من هذا الحديث غياثي المدائني عن سحيم بن حفص قال: كان قدوم الحجاج الكوفة يوم جمعة فخطب ونزل فصلى، وقرأ: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (١). وقال في خطبته: أقسم بالله لتقبلن الإنصاف ولتتركن الإرجاف، وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، والهبر والهبر لأهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى، والولدان يتامى، وحتى تمشوا السمهى (٢)، وتقلعوا عن ها، وها، وإياي وهذه الزرافات والجماعات. وقال أبو مخنف: لما خطب الحجاج خطبته، أمر مناديه فنادى: أن برئت الذمة من عاص مخل بمركزه، وجدناه بالكوفة بعد ثلاث، فألحقوا ببعث المهلب، وبمكاتبكم (٣) من الثغور، ومغازيكم للخوارج.

стр. 2856

وجاءه عمير بن ضابئ بن الحارث بن أرطاة البرجمي، من بني تميم، فقال: أصلح الله الأمير إني شيخ كبير عليل، وهذا ابني حنظلة وليس في بني تميم رجل أشد منه ظهرا وبطشا، فإن رأيت أن تخرجه مكاني بديلا فافعل. فقال الحجاج: والله لهذا خير لنا من أبيه، فقال له عنبسة بن سعيد، أخو عمرو بن سعيد الأشدق، وكان أليف الحجاج وجليسه: إن هذا الذي فعل بعثمان كذا، وقال كذا، وحدثه حديث ضابئ، وأنشده شعره، وقد كتبناه في مقتل عثمان، فقال الحجاج: أفهلا بعثت حين أردت غزو عثمان بديلا. أضربوا عنقه. فضربوا عنقه، فلما ضربت عنق عمير، تطايرت عصاة الجيوش إلى مكاتبهم التي رفضوها. ولم يبق من أصحاب المهلب أحد إلا لحق به، وكان بإزاء الخوارج برا مهرمز من الأهواز، فركب العرّاض حين عرفوا حضورهم وعرضوهم، ولحق كل مخل بثغره ومركزه، فقال عبد الله بن الزبير الأسدي شعره المقدم ذكره وهو: تخير فإما أن تزور ابن ضابئ … عميرا وإما أن تزور المهلبا هما خطتا سوء نجاؤك منهما … ركوبك حوليا من الثلج أشهبا فجاء ولو كانت خراسان دونه … رآها مكان السوق أو هي أقربا وكان الحجاج أول من ضرب أعناق العصاة. ثم خرج إلى البصرة فولاها الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، وخطب فقال: إن العوان لا تعلم الخمرة، فالزموا الطاعة، تحسن لكم بها العائدة، ومن كان بالبصرة من جيش المهلب، فليلحق به فإني إن وجدت منهم أحدا بعد ثالثة ضربت عنقه، فأتاه شريك بن عمرو اليشكري، وكان

стр. 2857

به فتق، وكان أعور يضع علي عينه قطنة، فسمي ذا الكرسف، فقال له: أصلح الله الأمير إني عرضت على بشر بن مروان، فأمر العراض أن يوقعوا على اسمي «زمنا» وأعطوني، فهذا عطائي قد جئتك به، لترده إلى بيت المال، فقال الحجاج: إن لها لسائقا عشنزرا (١) … على نواحيها مزخا (٢) … مزجرا إذا ونين ونية تغشمرا ثم أمر به فضربت عنقه لاستعفائه، وكان عريفا، فلم يبق بالبصرة عاص إلا لحق بالمهلب وبمكتبه، وقيل أن الحجاج أنشد هذه الأبيات: «إن لها لسائقا» بالكوفة في خطبته بها. وقال الفرزدق ويقال كعب الأشعري: لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة … تقرقر منها بطن كل عريف (٣) وبلغ المهلب خبر الحجاج، فقال: لقد أتى القوم وال ذكر. المدائني قال: كان الحجاج يغدي الناس، إذ أتى قوم من بني سليم برجل فقالوا: هذا عاص فقال: والله ما شهدت عسكرا قط، ولا أثبت لي اسم قط في ديوان، وإنما نساج، فضرب عنقه فأمسك الناس عن الطعام، فقال الحجاج ما لي أراكم قد اصفرت وجوهكم، وخلت أيديكم من قتل

стр. 2858

رجل واحد؟ كلا والله، إن الذئب يكنى أبا جعدة، وإنه من لا يذد عن حوضه يهدم (١). وخرج الحجاج إلى رستقاباذ ومعه أهل الكوفة وأهل البصرة وبين رستقاباذ والأهواز ثمانية فراسخ، وبينها وبين المهلب يومئذ ثمانية عشر فرسخا، وإنما أراد أن يشد ظهره وظهور أصحابه بمكانه وأن لا يبرح حتى يهلك الله الخوارج. وبعث بالعراض إلى المهلب برامهرمز، فقال الشاعر: قل للمهلب قد أتتك معاشر … حشروا إليك كحشر أهل البرزخ طاروا إليك برأس كل طمرّة … جرداء تحمل كل قرم أبلخ إني أرى الحجاج يقطع أذرعا … بأكفها ورؤوس قوم تشدخ أخذ البريء بما جناه غيره … إن السعيد هناك من لم يلطخ أودى عمير والقتال سبيله … قل للعصاة تحرزي أو دربخي (٢) وقال سوار بن المضرّب أحد بني ربيعة بن كعب بن سعد، وكان عاصيا: أقاتلي الحجاج إن لم أزر له … دراب وأترك عند هند فؤاديا يريد درأبجرد (٣) إذا جاوزت قصر المجيزين ناقتي … فباست أبي الحجاج لما ثنائيا

стр. 2859

فإن كنت لا يرضيك حتى تردني … إلى قطري ما إن اخالك راضيا أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي … ودوني تميم والفلاة أماميا قال: المجيزون كانوا يحفظون الطريق ويجيزون السابلة، ولهم قصر بسفوان البصرة، يعرف بهم، كانوا ينزلونه. قالوا: وقام الحجاج برستقاباذ حين نزلها خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل المصرين، هذا المكان والله مكانكم، جمعة بعد جمعة، وشهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى يهلك الله هؤلاء الخوارج المطلين عليكم. فقال له الناس: ولم تحبسنا أصلح الله الأمير بهذا المكان، سر بنا إلى هؤلاء الكلاب فما هم إذا اجتمع أهل المصرين عليهم بشيء. ودخل عليه الوجوه ذات يوم فرأى الهذيل بن عمران بن الفضيل البرجمي، وكان من أشراف أهل البصرة، وكان ينادم بشر بن مروان، وكانت له منه منزلة، وهو يجر ثوبه، فقال: يا هذيل ارفع ثوبك، فقال: إن مثلي أيها الأمير لا يقال له هذا القول فقال الحجاج: بلى والله، وتضرب عنقه، فخرج الهذيل وهو يقول: قاتله الله جذيّا (١) ما أتيهه في نفسه وفي الهذيل يقول الشاعر: يا أيها السائل في الرفاق … إن الهذيل سيد العراق ثم إن الحجاج خطب يوما فقال: إن الزيادة التي زادكم إياها ابن الزبير، إنما هي زيادة ملحد منافق فاسق، ولسنا نجيزها. وكان مصعب قد زاد الناس مائة مائة في العطاء، فقال له عبد الله بن الجارود، واسم

стр. 2860

الجارود بشر بن عمرو بن حنش بن المعلى العبدي: أيها الأمير، ليست بزيادة ابن الزبير، إنما هي زيادة أمير المؤمنين عبد الملك، إذ أنفذها وأجازها، وجرت لنا على يد بشر بن مروان. فقال له الحجاج: ما أنت والكلام لتحسن حمل رأسك أو لأسلبنك إياه. فقال: ولم؟ والله إني لك لناصح، وإن قولي هذا لقول من ورائي فنزل الحجاج، ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة، ثم أعاد القول فيها، فرد عليه ابن الجارود مثل رده الأوّل، فقام مصقله بن كرب بن رقبة بن خوتعة العبدي، وهو أبو رقبة بن مصقلة، الذي يتحدّث عنه (١)، فقال: إنه ليس للرعية أن ترد على راعيها، وقد سمعنا ما قال الأمير، فسمعا وطاعة، فيما أحببنا وكرهنا، فقال له عبد الله بن الجارود: يا بن الجرمقانية، وما أنت وما هاهنا؟ ومتى كان مثلك يتكلم وينطق في مثل هذا؟ وأتى الوجوه عبد الله بن الجارود، فصوبوا قوله ورأيه، في رده على الحجاج، وإبائه ما أتى به، وقال له الهذيل بن عمران البرجمي، وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعي، وغيرهم: نحن معك ويدك وأعوانك، إن هذا الرجل غير كاف أو ينقصنا هذه الزيادة، فهلم نبايعك على إخراجه من العراق، ثم نكتب إلى عبد الملك نسأله أن يولي علينا غيره، فإن أبى خلعناه، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج، فبايعه الناس سرا، وأعطوه المواثيق على الوفاء، وأخذ بعضهم على بعض العهود، وبلغ الحجاج ما هم فيه، ففرق بين أخماس أهل البصرة، وأرباع أهل الكوفة، وجعل بينهم طرقا، وصير فيها حرسا،

стр. 2861

وأحرز بيت المال، والناس في أمرهم. فلما أستتب لهم أمرهم أظهروه، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين، وأتى عبد الله بن الجارود عبد القيس، فأخرجهم على راياتهم، وخرج الناس معه حتى بقي الحجاج وليس معه إلا خاصته وأهل بيته. وقال المدائني: كان خروجهم قبل الظهر فقال رجل من بني عجل لعبد الله بن الجارود: أخلق بعبد الله ان يسوسا … وأن يقود جحفلا خميسا أهل العراقين الكرام الشوسا … ويخلعوا الخليفة المتعوسا إذ قلدوا أمرهم الرئيسا … أكرم به من قائد قدموسا نحن قتلنا مصعبا وعيسى … وكم قتلنا منهم بئيسا وقطع ابن الجارود ومن معه الجسر، وكانت خزائن الحجاج من ورائه، وغلبوا على السلاح، وأرسل الحجاج أعين صاحب حمام أعين وهو في قول الكلبي مولى بشر بن مروان، وفي قول أبي اليقظان مولى سعد بن أبي وقاص إلى عبد الله بن الجارود، فأتى الصف، فرد، فقال: إنما أنا رسول، فأذن له، فقال: أجب الأمير، فقال ابن الجارود: ومن الأمير ولا نعمة عين لابن أبي رغال؟ ولكن ليخرج عنا مذموما مدحورا، وإلا قاتلناه. فقال أعين: أما إذ لم تجبه فأنه أمرني أن أقول لك: أتطيب نفسا بقتلك

стр. 2862

وقتل أهل بيتك وعشيرتك، والذي نفس الحجاج بيده لئن لم تأتني لأدعن قومك عامة، وأهل بيتك خاصة كأمة قد بادت، وحديثا للغابرين. وكان الحجاج قد حمل أعين هذه الرسالة، وقال له: إن لم يأتني فأوردها إليه، فقال ابن الجارود لأعين: والله يا بن الخبيثة لولا أنك رسول لضربت عنقك، وأمر فوجئ في عنقه، وأخرجوه. قالوا: واجتمع الناس لابن الجارود، فأقبل بهم زحفا نحو الحجاج، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه، فلما صاروا إليه انتهبوا ما في فسطاطه وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابه، وجاء أهل اليمن حتى احتملوا امرأته، ابنة النعمان بن بشير الأنصاري، وجاءت مضر فاحتملوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهل بن عمرو القرشي أخي سهيل فحصنوها مخافة السفهاء. وقال ابن الكلبي وأبو اليقظان: هي أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهل بن سهيل بن عمرو، وكانت عند الحجاج، ثم خلف عليها الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك. ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه، وأتاه قوم من أهل المصرين، فصاروا معه، مستوحشين من محاربة السلطان ومخالفته، فجعل الغضبان بن القبعثرى الشيباني يقول لعبد الله بن الجارود: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك أما ترى من قد أتاه منكم؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره وليضعفن مدتكم. فقال: قد قرب المساء، ولكنا نعاجله بالغداة. وكان مع الحجاج عثمان بن قطن بن عبد الله الحارثي، وزياد بن عمرو العتكي، وكان زياد على شرطه بالبصرة، فقال لهما: ما تريان؟ فقال زياد: أرى أن

стр. 2863

آخذ لك من القوم أمانا، وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين، فقد أرفض جمهور الناس عنك، ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك، ولا أحب لك أن تضيع نفسك وتهلكها، فقال عثمان بن قطن: لكني لا أرى ذلك، إن أمير المؤمنين قد أشركك في أمره، وخلطك بنفسه، واستنصحك وسلطك وملكك، فسرت إلى ابن الزبير، وهو أعظم الناس خطرا فقتلته، فولاك الله شرف ذلك، وسناه وذخره وأجره، وولاك أمير المؤمنين الحجاز، ثم رفعك إلى ولاية العراقين. أفالآن حين جريت إلى المدى، وأصبت الغرض الأقصى وهابتك العرب، تخرج على قعود تدأدى (١) يوجف بك إلى الشام والله لئن فعلتها لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من السلطان أبدا، وليتضعن شأنك، ولتسقطن عنده، ولتهونن على كل عدو، ولكني أرى أن نمشي بسيوفنا معك، فنضارب هؤلاء القوم، حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما. فقال له الحجاج: قرعتني بما في قلبي قرعا، الرأي ما رأيت. فحفظ هذه لعثمان بن قطن، واحتمل تلك على زياد بن عمرو. وقال المدائني عن أبي اليقظان: إن عثمان أشار عليه بالقتال، وان عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي، وكان على شرطه، قال له: إنما نحن في عصبة وقد حيل بيننا وبين السلاح. فقال له: إن القليل الطيب خير من الكثير الخبيث وكثيرا ما ينصر الله القليل على الكثير.

стр. 2864

قالوا: وأتى الحجاج مالك بن مسمع فقال إني قد أخذت لك من الناس أمانا فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس فيقول: والله لا أو منهم أبدا حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم فإنهما سعرا هذه الفتنة، ودعا الحجاج ابن الغرق مولاه فقال له: ائت عبيد بن كعب النميري فقل له وكان على خمس أهل العالية: هلم إلي فامنعني فقال: قل له: إن أتيتني منعتك، فقال: لا والله ولا كرامة. وبعثه إلى محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس فقال له مثل ذلك، فقال ابن عمير: إن أتاني منعته، فقال: إنه لا يأتيك ولكنك تأتيه في قومك، فقال: لا ناقة لي في هذا الأمر ولا جمل، ثم أرسل إلى عبد الله بن حكيم المجاشعي، وهو رأس تميم، يسأله النصر فقال مثل قول أصحابه: يأتيني. وقال له سحيم بن شعيب الحنفي: إن شئت أخذت لك أمانا ولحقت بصاحبك فلم يجبه الحجاج بشيء، وقال: إن تكلم أو تحرك فاضربوا عنقه، ثم تكلم الحجاج رافعا صوته فقال: إن هؤلاء القوم أرسلوا إلي يطلبون مني الأمان، ولا والله لا أؤمنهم فلم ينطق الحنفي وجلس. قالوا: ومر عباد بن الحصين الحبطي بابن الجارود والهذيل بن عمران وعبد الله بن حكيم وهم يتناجون فقال: أشركونا في نجواكم، فقالوا: هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من بني الحبط، فغضب وصار إلى الحجاج في مائة، فقال له الحجاج: أعلي أم لي؟ فقال: لك أيها الأمير، فقال الحجاج: ما أبالي من تخلف بعدك، وتخاذل الناس وسعى قتيبة بن مسلم في أعصر وقال: والله لا أدع قيسيا على الحجاج يقتل وينتهب ماله وأظاهر ابن الجارود عليه، فأقبل في نحو من ثلاثين فسلم على الحجاج بالإمرة، فقال:

стр. 2865

أقتيبة بن مسلم؟ فقال: نعم، قال: تقدم، وكان الحجاج قد يئس من الحياة فلما جاءه هؤلاء اطمأن وقد كان هم باللحاق بعبد الملك على كل حال، ثم أتاه سبرة بن علي الكلابي فسلم وانتسب، فقال له خيرا، ثم جاء سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي فسلم عليه، فقال: هاهنا ادن مني، وأتاه جعفر بن عبد الرحمن الأزدي فسلم ثم انتسب، فقال له: قف مكانك أما والله لنعم القوم قومك، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع إن شئت أتيتك، وإن شئت أقمت فثبطت الناس عنك، فبعث إليه: أن أقم فثبطهم. فلما رأى الحجاج إنه قد اجتمع إليه عدد يمتنع بمثله خرج إليهم، فكتبهم وعبأهم، وجعل لهم حرسا، وتحارس الآخرون أيضا، وتلاحق الناس بالحجاج فلما أصبح وطلعت الشمس نظر فإذا حوله نحو من ستة الاف وذلك الثبت، وقوم يقولون ألف وستمائة، وقال عبد الله بن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك وقد ذهب الرأي وبقي الصبر فدعا ابن الجارود بدرع فلبسها مقلوبة فتطير، وحرض الحجاج أصحابه وقال: لا يهولنكم ما ترون من كثرة عدد عدوكم فإنه ليس بكم بحمد الله قلة ولا ذلة، فشدوا عليهم يتطايروا تطاير الأجم (١) المنفر، إنهم أخور من اليراع وإن صدقتموهم الضرب سألوكم الأمان، فتزاحف القوم وعلى ميمنة ابن الجارود الهذيل بن عمران، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ظبيان

стр. 2866

وعلى ميمنة الحجاج قتيبة بن مسلم ويقال عباد بن الحصين وعلى ميسرته سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، وحمل ابن الجارود وأقدم أصحابه حتى جاز أصحاب الحجاج، وعطف عليه الحجاج بأصحابه فاقتتلوا ساعة، ثم إن سهم غرب جاء يهوي حتى أصاب عبد الله بن الجارود وإنه لكالظاهر على الحجاج فوقع ميتا، ويقال إنه لما خرج دخل ديرا قريبا منه ومعه قوم من الهجريين، فأحرق الدير عليهم، فخرجوا فقتل ابن الجارود والهجريون، ونادى منادي الحجاج بإيمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر أن لا يتبعوا، وقال الأتباع لهم من سوء الغلبة. ولما هلك ابن الجارود قال عبد الله بن فضالة الأزدي لعكرمة بن ربعي من بني تيم الله بن ثعلبة، ولابن ظبيان: قد هلك هذا الرجل، وما أرى لي إلا اللحاق بخراسان، فقال عكرمة: أما أنا فلاحق بالشام فقد كان لي عند عبد الملك بلاء هو راع له، وقال ابن ظبيان: وأنا سأمضي إلى بعض النواحي، فحملوا حتى إذا اختلط الناس وثار الغبار أخذ كل واحد منهم نحو الوجه الذي أراده، فأتى عكرمة يزيد بن أبي النمس الغساني واستجار به فكلم فيه عبد الملك وذكر له بلاءه، وقال: هفا وزل، فآمنه عبد الملك، وكان ابن أبي النمس أثيرا عند عبد الملك سمعه يوما يقول هممت أن أقطع كل حبلة بالشام، فقال: يا أمير المؤمنين من أحب أن يعصى عصي فضحك عبد الملك. وأتى ابن ظبيان سعيد بن عباد بن زيد بن عبد بن الجلندى الأزدي بعمان، فقيل لسعيد: إنه رجل فاتك فأحذره، فلما جاء البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة قد سمها وقال لرسوله: قل له: هذا أول شيء رأيناه من

стр. 2867

البطيخ العام، فأكلت نصف بطيخة، وبعثت إليك بنصفها فأكل عبيد الله بن زياد بن ظبيان نصف البطيخة فقتلته، ولما أحس بالسم قال: أردت أن أقتله فقتلني. وخرج عبد الله بن فضالة إلى أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد إلى خراسان، فكان عنده، ثم أخذه حبيب بن المهلب فبعث به إلى الحجاج فخرجت امرأته فكلمت امرأة عبد الملك فيه، فكلمته فكتب إلى الحجاج في أمره فآمنه، وكلم عكرمة بن ربعي روح بن زنباع في الغضبان بن القبعثري، فسأل عبد الملك أن يؤمنه فآمنه. وأتي الحجاج برأس عبد الله بن الجارود فقال اغسلوه ثم عمموه، ففعلوا ذلك به فقال: هو هو. وقال عباد بن الحصين، وسعيد بن أسلم بن زرعة، وقتيبة بن مسلم للهذيل بن عمران، وعبد الله بن حكيم: نحن نكلم الحجاج فيكما فعجلا إلى الحجاج فأتياه وهما يجران مطرفيهما فلما نظر إليهما قال: اضربوا عدوي الله، اقتلوهما، فمشى عبيدة مولى الحجاج إلى عبد الله بن حكيم، فقال عبد الله بن حكيم: علي عهد ذي القرنين كانت مجاشع … حتوفا على الأعداء لدا خصومها فضربه بالسيف فعثر في مطرفه وقال: إن الراحة منكم لراحة، ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً ١،﴾ وقتل سريع مولى الحجاج الهذيل بن عمران، ثم أمر الحجاج بصلبهم فصلب ابن الجارود بين ابن حكيم

стр. 2868

والهذيل، وبعث برأس ابن الجارود ورؤوس هذين ورؤوس سواها إلى عسكر المهلب، مع حاتم بن سويد بن منجوف لييأس الخوارج مما بلغهم من فساد أمر الحجاج، ويقوى متن المهلب وأصحابه. ونادى الحجاج في الناس أن يلحقوا بأمصارهم ففرقهم، وأقبل حتى دخل البصرة، فقتل أشيم بن شقيق بن ثور الهذلي، ويقال إنه دخل في أمانه من آمن، فرآه في مجلسه فقال له: يا أشيم أخرجت مع ابن الجارود؟ قال: نعم وقد أتى عفوك على ذلك، وكان مع الحجاج كراز بن كراز العبدي، وهو صاحب لواء ابن الجارود، وراشد بن عوف العبدي، ومسلم مولى مالك بن مسمع، وعبيد الله بن كعب النميري، والغضبان بن القبعثرى الشيباني، أخذهم برستقاباذ، فحبسهم عنده، ثم حبسهم بالبصرة أيضا، ثم قال لعبيد بن كعب: أنت القائل قل للحجاج يأتيني فإني لا آتيه؟ ومن أنت يا بن اللخناء، هل أنت إلا عبد من أهل هجر وحبسه وعذبه حتى مات، وقال لمحمد بن عمير بن عطارد بن دهمان: أنت القائل لا ناقتي في هذا ولا جملي؟ لا كانت لك في مثلها ناقة ولا جمل ولا رحل وأنشد: ثعالب في السنين إذا أحصّت … وأسد حين تمتلئ الوطاب وكان يقال: أن عميرا أباه كان صدر عن عكاظ، فمر ببني دهمان فعرضوا لامرأته فأخذوها، ثم ردوها حاملا. وحدثني المدائني عن سحيم وغيره قالوا: رأى أبو جابر العبدي وكان جسيما ابن الجارود مصلوبا بين الهذيل وبين حكيم وكان عبد الله بن الجارود

стр. 2869

قصيرا يسمى لقصره بظير العناق فقال: ليتني كنت بينهما فقد فضحنا هذا بقصره. قالوا: وكتب الحجاج إلى عبد الملك: «أما بعد فالحمد لله الذي حفظ أمير المؤمنين، إني لما نزلت منزلي من رستقاباذ وثب علي أهل العراق فخالفوني ونابذوني، ودخل فسطاطي، وانتهبت أموالي، وقالوا اخرج من بلادنا إلى من بعثك إلينا، ففارقني البعيد، وأسلمني القريب، ويئس مني الشفيق، فشددت عليهم بسيفي، ولقيتهم بشيعتي، وقلت الموت قبل البراح، فوالله ما رمت العرصة حتى جعل الله لأمير المؤمنين منهم أنصارا، فضربت بمقبلهم مدبرهم وبمطيعهم عاصيهم، فقتل الله طاغية القوم عدو الله ابن الجارود، وثمانية عشر من رؤوسهم، وضرب الله وجوههم، فأخذوا شرقا وغربا، ثم إني آمنت الناس غائبهم وشاهدهم، فتراجعوا واجتمعوا وألحقت الناس بأمصارهم، ولله الحمد كثيرا، والسلام». فكتب إليه عبد الملك: «أما بعد فقد بلغني كتابك، وأنت الناصح النجيب الأمين بالغيب القليل العيب، فإذا رابك من أهل العراق ريب فاقتل أدناهم، يرعب منك أقصاهم والسلام». وقال المدائني: أتي الحجاج بخليفة بن خالد بن الهرماس وقد ضرب على وجهه، فقال له الحجاج: من أنت؟ قال: أحد الكفرة الفجرة، قال: خلوا سبيله، فقال له سويد بن صامت العجلي هذا الذي يقول: فلله حجاج بن يوسف حاكما … أراق دماء المسلمين بلا جرم فأمر بخليفة فقتل.

стр. 2870

قالوا: وبعث عبد الملك عبد الرحمن بن مسعود الفزاري إلى الحجاج، وأهل العراق لينظر في مظالمهم، وما يشكون من الحجاج، وأمر بإطلاق كراز وقد كان قد كلم فيه، فبلغ الحجاج ذلك فعجل على كراز وراشد بن عوف، ومسلم مولى مالك بن مسمع فقطع أيديهم وأرجلهم، فدخل ابن مسعود ودماؤهم تشخب، ولما قدم ابن مسعود على الحجاج صعد الحجاج المنبر، وصعد ابن مسعود درجتين أو ثلاثا، ثم قال: ألا من كان يطلب الحجاج بمظلمة فليقم، فقال الحجاج: مه، فقال: لا والله ما من مه، ثم قال: يا أهل العراق جمع الله لكم خير الدنيا والآخرة فإياكم والشقاق والفتنة، إني قد تركت ورائي خيلا من حديد وقوما لهم دين وليست لهم دنيا، فإياكم أن تجمعوا دنياكم إلى دينهم، ثم إنه انصرف إلى عبد الملك فأخبره بسوء سيرة الحجاج وظلمه وعذابه الناس، فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عبد الملك: «إن ابن مسعود امرؤ ظنين علي، قد بلغني أنه أساء علي الثناء، وإن شيعة ابن الزبير لن تحبني أبدا، وهو من شرارها وفجارها، وليس مثله قرّب ولا صدق، والسلام»، فكتب إليه عبد الملك: «أما بعد فقد بلغني كتابك في ابن مسعود، وليس مثله اتهم، ولا ظن به ظن السوء، والسلام». وكان ابن مسعود صديقا لحضين بن المنذر، فلقيه فسلم عليه فقال الحضين: ومن أنت عافاك الله؟ فأعلم الحجاج ذلك، فقال الحجاج: يا حضين أتعرف هذا، قال: لا، قال: كذبت ولكنك خفت أن يبلغني أنك سلمت عليه فأظن بك أنك تبلغه الأخبار قال: صدق الأمير وبرّ، قال: فلا تخف، فسلم عليه حضين وكلمه.

стр. 2871

وقال الحكم بن المنذر بن الجارود: أبا مطر أقررت عين عدونا … وكل إلى ما صرت سوف يصير أبا مطر لو يدفع الموت بالفدا … لكان رجال مشفقون كثير أبا مطر لو يدفع الموت بالرشا … لقد كان مال سارح وبدور وقال الشاعر: بكر النّعيّ بسيد الأمصار … حامي الذمار وناقص الأوتار بابن المعلى ذي السماحة والندى … كهف الضعيف وطالب الآثار عثرت به بعض الجدود وهدّنا … يا للرجال لجدنا العثار قالوا: وكان غضبان بن القبعثرى محبوسا عند الحجاج فكلم عكرمة بن ربعي روح بن زنباع في أمره فكلم عبد الملك في إيمانه فكتب بذلك إلى الحجاج فدعا به الحجاج فقال له: قد سمنت يا غضبان وصفا لونك؟ قال: القيد والرتعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن، قال: أنت القائل لابن الجارود: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك؟ قال: ما نفعت من قالها ولا ضرت من قيلت له قال: أتحبني قال: أو فرق خير من حب، قال: ولم لا تحبني؟ قال: لأنك أخذت مالي ووضعت شرفي قال: فإن رددت مالك ورفعت قدرك؟ قال: الرضا مع الاحسان والسخط مع الغضب قال: لأحملنك على الأدهم قال: مثل الأمير حمل على الأدهم والكميت، قال: إنه حديد، قال: يكون حديدا خير من أن يكون تليدا فحمل من بين يديه ليطلق من حديده، فلما استقل به من حمله قال: الحمد لله ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١) فضحك الحجاج.

стр. 2872

قالوا: (١) وقتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، وكان شجاعا شديد البطش، حمل بخراسان بدرة بفمه فعبر بها نهرا، فلما بلغ الحجاج خبر مقتله قال: لا أرى أنسا يعين علي، فلما دخل البصرة استصفى مال أنس، فأتاه فلما دخل عليه قال: لا مرحبا ولا أهلا إيها يا خبيث، شيخ ضلالة جوال في الفتن، مرة مع أبي تراب، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الجارود أما والله لأجردنك جرد القضيب، ولأعصبنك عصب السلمة، ولأقلعنك قلع الصمغة، فقال أنس: من يعني الأمير؟ قال إياك أصم الله صداك فرجع أنس فأخبر ولده بما لقيه الحجاج به فأشاروا عليه بأن يكتب بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه كتابا شكا فيه الحجاج وما صنع به وما قال له، فأجابه جوابا لطيفا، وكتب إلى الحجاج: «أما بعد يا ابن أم الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فعلوت فيها حتى عدوت طورك وتجاوزت قدرك، وأيم الله يا ابن المستفرمة (٢) بعجم الزبيب لأغمزنك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب، ولأخبطنك خبطة تود لها أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك، أما تذكر حال آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومناهلهم، أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروءة والخلق، وقد بلغ المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما، وأظن أنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره، فتعلم إنكاره ذلك أو إغضاءه

стр. 2873

عنه، فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدما، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصك الرجلين، ممسوح الجاعرتين ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتاب من الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك على ظهرك وبطنك حتى يأتي بك أنسا، فيحكم فيك، فأكرم أنسا وأهل بيته، وأعرف له حقه وخدمته رسول الله ﷺ ، ولا تقصر في شيء من حوائجه، ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك ويهتك سترك، ويشمت بك عدوك، والقه في منزله متنصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله، والسلام». وبعث بالكتابين مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك إليه فقرأه، ثم أتى الحجاج بالكتاب إليه، فجعل يقرأه ووجهه يتغير ويتمعر وجبينه يرشح عرقا وهو يقول: يغفر الله لأمير المؤمنين، فما كنت أظنه يبلغ مني هذا كله، ثم قال لإسماعيل: انطلق بنا إلى أنس، قال إسماعيل: فقلت: بل يأتيك، قال: فنعم، فأتى أنسا فاقبلا جميعا حتى دخلا على الحجاج فرحب به الحجاج وأدناه وقال يا أبا حمزة عجلت يرحمك الله باللائمة والشكية إلى أمير المؤمنين قبل أن تعلم كل الذي لك عندي، إن الذي فرط مني إليك عن غير نيّة ولا رضا بما قلت، ولكني أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان أني إذا بلغت منك ما بلغت، كنت إليهم بالغلظة والعقوبة أسرع، فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ مني الجهد، وحتى زعمت أننا الأشرار، وقد سمانا الله جل وعز الأنصار، وزعمت أننا أهل النفاق ونحن الذين تبوّأوا الدار والإيمان وسيحكم الله بيننا وبينك، فهو أقدر علي الغير

стр. 2874

لا يشبه الحق عنده الباطل، ولا الصدق الكذب، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة وسلما إلي مساءة أهل العراق باستحلال ما حرم الله عليك مني، ولم يكن بي عليك قوة، فوكلتك إلى الله ، وإلى أمير المؤمنين فحفظ من حقي ما لم تحفظه، فوالله لو أن النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم المسيح عيسى بن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقه ما لم تعرفه من حقي، وقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، وبعد، فإن رأينا خيرا حمدنا الله وأثنينا به، وإن رأينا غير ذلك صبرنا والله المستعان، فرد الحجاج عليه ما كان قبض من أموالهم. قالوا: وأتي الحجاج بدينار صاحب حفرة، وكان هدم قصر الحجاج فأخذه ببنائه، فلما بناه ضرب عنقه بين شرفتين منه، ويقال ذبحه بينهما، وقتل زياد بن مقاتل بن مسمع في المعركة، ويقال قتل مع ابن الأشعث فبكته أخته فقالت: أعيني جودي ولا تجمدي … وبكي زعيم بني جحدر وقتل الحريش بن هلال، ويقال قتل يوم (دير) الجماجم، وقتل عبد الله بن رزام فقالت فيه امرأة: على ابن رزام تبكي العيون … ومثل الحريش الفتى الأزهر وقال بعضهم: قتل أبو رهم بن شقيق بن ثور، والثبت أنه خرج مع ابن الأشعث، فرآه الحجاج في مجلسه، فقال له: أخرجت علي؟ فقال: أتى عفوك علي ذنوبنا، فقال لبعض من معه: ضع هذا المنديل في عنقه وأخرجه فاضرب عنقه.

стр. 2875

قال ابن الكلبي دخل البراء بن قبيصة الثقفي علي عبد الملك، وكان الحجاج يطلبه لخروجه مع ابن الأشعث فأنشده قوله: أرى كل جار قد وفى بجواره … وجار أمين الله في الأرض يخذل ويروى: وجار أمير المؤمنين المؤمل. وفي ابن أبي النمس اليماني بجاره … وروح بن زنباع، وجارك يؤكل وراح الفتى البكري ينفض عطفه … وذا ابن عمير آمنا ما يزلزل فما هكذا كنتم إذا ما أجرتم … وما هكذا كانت أمية تفعل فقال له: صدقت وآمنه، وأمر الحجاج أن يمسك عنه.
следующие страницы →