وقال الحكم بن المنذر بن الجارود:
أبا مطر أقررت عين عدونا … وكل إلى ما صرت سوف يصير
أبا مطر لو يدفع الموت بالفدا … لكان رجال مشفقون كثير
أبا مطر لو يدفع الموت بالرشا … لقد كان مال سارح وبدور
وقال الشاعر:
بكر النّعيّ بسيد الأمصار … حامي الذمار وناقص الأوتار
بابن المعلى ذي السماحة والندى … كهف الضعيف وطالب الآثار
عثرت به بعض الجدود وهدّنا … يا للرجال لجدنا العثار
قالوا: وكان غضبان بن القبعثرى محبوسا عند الحجاج فكلم عكرمة بن ربعي روح بن زنباع في أمره فكلم عبد الملك في إيمانه فكتب بذلك إلى الحجاج فدعا به الحجاج فقال له: قد سمنت يا غضبان وصفا لونك؟ قال:
القيد والرتعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن، قال: أنت القائل لابن الجارود: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك؟ قال: ما نفعت من قالها ولا ضرت من قيلت له قال: أتحبني قال: أو فرق خير من حب، قال: ولم لا تحبني؟ قال: لأنك أخذت مالي ووضعت شرفي قال: فإن رددت مالك ورفعت قدرك؟ قال: الرضا مع الاحسان والسخط مع الغضب قال:
لأحملنك على الأدهم قال: مثل الأمير حمل على الأدهم والكميت، قال:
إنه حديد، قال: يكون حديدا خير من أن يكون تليدا فحمل من بين يديه ليطلق من حديده، فلما استقل به من حمله قال: الحمد لله ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١) فضحك الحجاج.
стр. 2872
قالوا: (١) وقتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، وكان شجاعا شديد البطش، حمل بخراسان بدرة بفمه فعبر بها نهرا، فلما بلغ الحجاج خبر مقتله قال: لا أرى أنسا يعين علي، فلما دخل البصرة استصفى مال أنس، فأتاه فلما دخل عليه قال: لا مرحبا ولا أهلا إيها يا خبيث، شيخ ضلالة جوال في الفتن، مرة مع أبي تراب، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الجارود أما والله لأجردنك جرد القضيب، ولأعصبنك عصب السلمة، ولأقلعنك قلع الصمغة، فقال أنس: من يعني الأمير؟ قال إياك أصم الله صداك فرجع أنس فأخبر ولده بما لقيه الحجاج به فأشاروا عليه بأن يكتب بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه كتابا شكا فيه الحجاج وما صنع به وما قال له، فأجابه جوابا لطيفا، وكتب إلى الحجاج:
«أما بعد يا ابن أم الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فعلوت فيها حتى عدوت طورك وتجاوزت قدرك، وأيم الله يا ابن المستفرمة (٢) بعجم الزبيب لأغمزنك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب، ولأخبطنك خبطة تود لها أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك، أما تذكر حال آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومناهلهم، أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروءة والخلق، وقد بلغ المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما، وأظن أنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره، فتعلم إنكاره ذلك أو إغضاءه
стр. 2873
عنه، فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدما، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصك الرجلين، ممسوح الجاعرتين ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتاب من الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك على ظهرك وبطنك حتى يأتي بك أنسا، فيحكم فيك، فأكرم أنسا وأهل بيته، وأعرف له حقه وخدمته رسول الله ﷺ ، ولا تقصر في شيء من حوائجه، ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك ويهتك سترك، ويشمت بك عدوك، والقه في منزله متنصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله، والسلام». وبعث بالكتابين مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك إليه فقرأه، ثم أتى الحجاج بالكتاب إليه، فجعل يقرأه ووجهه يتغير ويتمعر وجبينه يرشح عرقا وهو يقول: يغفر الله لأمير المؤمنين، فما كنت أظنه يبلغ مني هذا كله، ثم قال لإسماعيل: انطلق بنا إلى أنس، قال إسماعيل: فقلت: بل يأتيك، قال: فنعم، فأتى أنسا فاقبلا جميعا حتى دخلا على الحجاج فرحب به الحجاج وأدناه وقال يا أبا حمزة عجلت يرحمك الله باللائمة والشكية إلى أمير المؤمنين قبل أن تعلم كل الذي لك عندي، إن الذي فرط مني إليك عن غير نيّة ولا رضا بما قلت، ولكني أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان أني إذا بلغت منك ما بلغت، كنت إليهم بالغلظة والعقوبة أسرع، فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ مني الجهد، وحتى زعمت أننا الأشرار، وقد سمانا الله جل وعز الأنصار، وزعمت أننا أهل النفاق ونحن الذين تبوّأوا الدار والإيمان وسيحكم الله بيننا وبينك، فهو أقدر علي الغير
стр. 2874
لا يشبه الحق عنده الباطل، ولا الصدق الكذب، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة وسلما إلي مساءة أهل العراق باستحلال ما حرم الله عليك مني، ولم يكن بي عليك قوة، فوكلتك إلى الله ، وإلى أمير المؤمنين فحفظ من حقي ما لم تحفظه، فوالله لو أن النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم المسيح عيسى بن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقه ما لم تعرفه من حقي، وقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، وبعد، فإن رأينا خيرا حمدنا الله وأثنينا به، وإن رأينا غير ذلك صبرنا والله المستعان، فرد الحجاج عليه ما كان قبض من أموالهم.
قالوا: وأتي الحجاج بدينار صاحب حفرة، وكان هدم قصر الحجاج فأخذه ببنائه، فلما بناه ضرب عنقه بين شرفتين منه، ويقال ذبحه بينهما، وقتل زياد بن مقاتل بن مسمع في المعركة، ويقال قتل مع ابن الأشعث فبكته أخته فقالت:
أعيني جودي ولا تجمدي … وبكي زعيم بني جحدر
وقتل الحريش بن هلال، ويقال قتل يوم (دير) الجماجم، وقتل عبد الله بن رزام فقالت فيه امرأة:
على ابن رزام تبكي العيون … ومثل الحريش الفتى الأزهر
وقال بعضهم: قتل أبو رهم بن شقيق بن ثور، والثبت أنه خرج مع ابن الأشعث، فرآه الحجاج في مجلسه، فقال له: أخرجت علي؟ فقال: أتى عفوك علي ذنوبنا، فقال لبعض من معه: ضع هذا المنديل في عنقه وأخرجه فاضرب عنقه.
стр. 2875
قال ابن الكلبي دخل البراء بن قبيصة الثقفي علي عبد الملك، وكان الحجاج يطلبه لخروجه مع ابن الأشعث فأنشده قوله:
أرى كل جار قد وفى بجواره … وجار أمين الله في الأرض يخذل
ويروى: وجار أمير المؤمنين المؤمل.
وفي ابن أبي النمس اليماني بجاره … وروح بن زنباع، وجارك يؤكل
وراح الفتى البكري ينفض عطفه … وذا ابن عمير آمنا ما يزلزل
فما هكذا كنتم إذا ما أجرتم … وما هكذا كانت أمية تفعل
فقال له: صدقت وآمنه، وأمر الحجاج أن يمسك عنه.
стр. 2876
أمر شارزنجي (١) والزنج
الذين خرجوا بفرات البصرة
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ قال: سمعت علي بن نصير الجهضمي يحدث عن جرير بن حازم عن عمه الصعب قال: تجمع الزنج بفرات البصرة في آخر أيام مصعب بن الزبير، ولم يكونوا بالكثير فأفسدوا، وتناولوا الثمار، وولي خالد بن عبد الله بن أسيد البصرة وقد كثروا فشكا الناس ما نالهم منهم، فجمع لهم جيشا كثيفا، فلما بلغهم ذلك تفرقوا، وقدر على بعضهم فقتلوا وصلبوا، فلما كان من أمر عبد الله بن الجارود وخروجه على الحجاج مع وجوه أهل العراق ما كان، وهو برستقاباذ، خرج الزنج أيضا، فاجتمع منهم خلق من الخلق بالفرات وصيروا عليهم رجلا منهم يقال رياح شيرزنجي، ومعنى شارزنجي أسد الزنج فلما فرغ الحجاج من أمر من خرج عليه برستقاباذ وعاد إلى البصرة وجه إليهم فقتلوا،
стр. 2877
وحدثني روح بن عبد المؤمن عن عمه - يعني أبي هشام قال حدثني سحيم بن حفص وغيره أن الزنج خرجوا أيام الحجاج بالفرات وعلى شرطة البصرة زياد بن عمرو العتكي، فوجه إليهم زياد حفصا ابنه في جيش من مقاتلة البصرة، وذلك بأمر الحجاج فواقعهم فقتلوه وهزموا أصحابه، وكان على الأبلة كراز بن مالك السلمي ثم البهزي.
وحدثني روح بن الوليد بن هشام بن قحذم قال: خرج شيرزنجي بالفرات واتبعه خلق من الزنج ومعهم لفيف من أهل الكلاّء (١) وغيرهم بيضان، فغلب على كورة الفرات، وكان على الأبلة والفرات يومئذ كراز السلمي وذلك في أيام خروج الحجاج إلى رستقاباذ، فكتب شيرزنجي إلى كراز السلمي: «من أمير المؤمنين رياح شيرزنجي إلى كراز السلمي، أما بعد: فقد حضرت ولادة سكّة أم المؤمنين، فابعث إليها امرأتك لتقبلها، والسلام». فهرب كراز وأخلى عمله ودخل البصرة، ثم إن زياد بن عمرو العتكي وجه إليه وهو على شرطة البصرة، وخلافة الحجاج بها جيشا عليه ابنه حفص بن زياد، فقاتله أشد قتال، فقتل حفصا وهزم أصحابه، وقوي أمر شيرزنجي، فلما قدم الحجاج البصرة قال: يا أهل البصرة إن عبيدكم وكساحيكم رأوا معصيتكم فتأسوا بكم، وأيم الله لئن لم تخرجوا إلى هؤلاء الكلاب فتكفوني أمرهم لأعقرن نخلكم، ولأنزلن بكم ما أنتم له أهل باستخراجكم وفسادكم، فانتدب الناس من كل خمس من أخماس البصرة،
стр. 2878
ووجه عليهم وعلى جماعة من المقاتلة كراز بن مالك السلمي فلم يزل يقاتل الزنج حتى صاروا إلى صحارى دورق (١)، فواقعهم هناك فقتل شيرزنجي والزنج، فقل من أفلت منهم، قال فلما قال جرير للأخطل:
لا تطلبن خؤولة في تغلب … فالزنج أكرم منهم أخوالا (٢)
انبرى له سنيح بن رياح مولى بني سامة بن لؤي فقال:
إن الفرزدق صخرة عادية … طالت فليس ينالها الأوعالا (٣)
ورميت تغلب وائل في دراهم … فأصبت عند التغلبي نضالا
والزنج لو لاقيتهم في حربهم … لاقيت ثم حجاجا أبطالا
قتلوا ابن عمرو حين رام رماحهم … ورأى رماح الزنج ثم طوالا
هذا ابن عجل قد علمتم منهم … غلب الرجال سماحة وفعالا
وبنو الحباب مطاعم ومطاعن … عند الشتاء إذا تهب شمالا
وبنو زبيبة عنتر وهراسة … وسليك المتحمل الأثقالا
والزنج قد شهد النبي بجودهم … وببأسهم إن حاربوا الأقتالا
يعني بابن عمرو زياد بن عمرو، وبابن عجل عبد الله بن خازم السلمي كانت أمه سوداء يقال لها عجل، وكانت أم عمير بن الحباب سوداء، وكانت أم سليك سلكة سوداء، وقوله: شهد النبي بجودهم، ذهب إلى الحديث الذي روي أن النبي ﷺ قال في السودان: إن فيهم
стр. 2879
لخلتي صدق: السماحة والنجدة»، وروى سفيان بن عيينة وعمرو بن عوسجة مولى ابن عباس قال: ذكر الحبش عند النبي ﷺ فقال: «لا خير في الحبش وإن فيهم لخلتين إطعام الطعام، وبأس عند البأس (١).
وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم ابن عدس وهشام بن الكلبي قالا:
دخل الوليد بن يزيد بن عبد الملك على هشام وعنده ولده، وفيهم مسلمة بن هشام المكني أبا شاكر، فقال الوليد لمسلمة، وكان ظريفا: ما اسمك؟ قال: شيرزنجي يعرض بأنه يكثر شرب النبيذ إكثار الزنج، ويطرب طربهم، وكان شيرزنجي خرج بفرات البصرة في خلق من الزنج فقتل، فلما قام الوليد ليخرج قام معه أبو شاكر فوثب الوليد على فرسه ولم يمس السرج ولا المعرقة، فأعجبه فعله، فقال لأبي شاكر: أيصنع أبوك مثل هذا؟ فقال أبو شاكر: لأبي مائة عبد يصنعون مثل هذا وأكثر منه، فبلغ هشاما ذلك، فقال: ما له قاتله الله وما أظرفه، على أنه قد غلبني مجونا.
стр. 2880
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أمر عبد الرحمن بن محمد
ابن الأشعث بن قيس الكندي
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ، مولى باهلة قال: حدثني عمي عن سحيم بن حفص عن شيخ من كندة قال: كان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس معجبا عظيم الكبر وكان شخص إلى سجستان مع خال له في طلب ميراث، فجعل يختلف إلى بغي يقال لها ماهنوس فأخذ معها، فشهد عليه كردم الفزاري الذي يقول الناس فيه: كل الناس بارك فيه، وكردم لا يبارك فيه، وكان أبو كردم مرثد بن نجبة مع خالد بن الوليد فقتل على سور دمشق، وشهد عليه معه زفر بن عمرو الفزاري، ومحمد بن قرظة، ويزيد بن زهير، فضرب حدا، ولم تذهب الأيام حتى صار هؤلاء النفر في جنده، وقد ولي سجستان فأساء بهم ودس إليهم قوما شهدوا عليهم بالزنا، فحدهم فقال قائلهم:
شهدنا بحق وانتقمت بباطل … فأبنا بأجر واشتملت على وزر
فلما كانوا بدير الجماجم خرج عيينة بن أسماء الفزاري إلى الحجاج وفارق ابن الأشعث، ثم إنه رفع على هؤلاء النفر أنهم كانوا موافقين لابن
стр. 2881
الأشعث، وعلى رأيه، فحبسهم الحجاج وقال: لا تقتلوهم فيقول عدونا أنا نقتل أصحابنا، فأتاهم بعض أصحابه ليلا فقتلهم.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن عمه، أن المهلب بن أبي صفرة لما فرغ من قتال الأزارقة قدم على الحجاج فأكرمه وأجلسه على سريره ووصله وأهل الغناء ممن كان في جيشه، وقال: هؤلاء أهل الفعال والإستحقاق للأموال، هؤلاء غياظ الأعداء وحماة الثغور وولاه خراسان وسجستان، فقال: ألا أدلك على من هو أعلم بسجستان مني؟ قال: بلى قال: عبيد الله بن أبي بكرة، فقد كان وطيء هذا الثغر وعرف أموره، فولى ابن أبي بكرة سجستان.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، وحفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن المجالد بن سعيد قال: بعث الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة إلى عبد الملك، ليطلب له ولاية خراسان وسجستان، وكان على الثغرين أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال عبد الملك: لست بنازع أمية عن الثغرين للحجاج، وكان له محبا، ولكن إن شئت وليتك إياهما، فقال: ما كنت لأخون الحجاج وقد أرسلني ووثق بي، ثم إن عبد الملك استقصر أمية بن خالد وأمره، واستبطأه في جباية الأموال وأتته جبايات الحجاج كثيرة موفرة، فكتب إلى الحجاج بولاية الثغرين، وبعث إليه بعهده عليهما في سنة ثمان وسبعين، فولى الحجاج المهلب خراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة سجستان.
وقال المدائني وغيره لما قدم عبيد الله بن أبي بكرة سجستان منعه رتبيل الإتاوة التي كان يؤتيها، فكتب عبيد الله بذلك إلى الحجاج فكتب الحجاج
стр. 2882
إليه يأمره بغزوه وأن لا يبرح حتي يستبيح أرضه، ويهدم قلاعه، ويقتل مقاتلته، ويسبي حريمه، فغزاه بمن معه من أهل الكوفة والبصرة، وكان على أهل الكوفة شريح بن هانئ الحارثي، فسار ابن أبي بكرة متوغلا في بلاد العدو، فأصاب من الغنيمة ما شاء الله ، فقال له شريح: إن الله قد غنّمنا وسلمنا وأذل عدونا، فارجع بنا من مكاننا ونحن وافرون معافون، فإني أتخوف إن كاثرت رتبيل وأهل بلده، والتمست فتح مدائنهم وقلاعهم في غزوة واحدة أن لا تطيق ذلك فقال له: اصبر أيها الرجل ودع هذا، فقال (ابن) هانئ: إنه ليس لقصير أمر، والله إنك لتعمل في هلاك نفسك وجندك، وسار حتى قرب من كابل، وجعل لا يظهر له أحد، وتفرق أصحابه يطلبون العلف وانتهى بهم إلى شعب فأخذه عليهم الترك ولحقه رتبيل، وليس بالقوم قتال، فبعث ابن أبي بكرة إلى شريح إني مرسل إلى هؤلاء فمصالحهم ومعطيهم مالا على أن يخلوا بيننا وبين الخروج، فقال شريح: إنك لا تصالحهم على شيء إلا حسبه الحجاج عليكم من أعطياتكم فقال ابن أبي بكرة: حرمان العطاء أيسر علينا من الهلاك، وبعث إلى رتبيل يطلب منه الصلح على أن يعطيه خمسمائة ألف درهم، ويقال سبعمائة ألف درهم، وعدة من وجوه من معه وثلاثة من ولده يكونون عنده، وأن لا يغزوهم ما كان واليا، وكان الثلاثة من ولده: نهار، والحجاج، وأبو بكرة، ومعهم العاقب بن سعيد فقال له شريح: اتق الله وقاتل هؤلاء القوم، ولا تشتر الكفر بالإيمان، وزيادة خمسمائة ألف درهم، ويقال سبعمائة ألف، وتدفع قوما من المسلمين إلى المشركين، ثم تشترط لهم أن لا تقاتلهم ولا تجبيهم خراجا هربا من الموت الذي أنت إليه صائر، هذا
стр. 2883
وأنت لا تدري ما يكون من سخط الحجاج، ثم قال شريح: والله لقد فني عمري وذهب، ولقد تعرضت للشهادة في غير موطن، فأبى الله أن يبلغني إرادتي منها ثم قاتل وقاتلت معه جماعة مطوعة من مذحج وهمدان فقتل، وقتل معه من أهل المصرين ومن أهل الشام جماعة، وبعث ابن أبي بكرة إلى رتبيل حين استعد شريح لقتال العدو وزحف لذلك: إني على صلحك وما فارقتك عليه، وهذا رجل واحد من أصحابي عصاني ولست أنصره عليك، فخذله وجرأ رتبيل عليه، وقال شريح وهو يمشي إلى الكفار:
أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا … قد عشت بين المشركين أعصرا
ثمت أدركت النبي المنذرا … وبعده صدّيقه وعمرا
ويوم مهران ويوم تسترا … والجمع في صفينهم والنهرا
هيهات ما أطول هذا عمرا
وكان شريح من شيعة علي.
قالوا: واجتنب بنو عبيد الله بن أبي بكرة ما كان رتبيل يعرضه عليهم من النساء والخمر، فعظموا في عينه وأعين أصحابه.
وخرج ابن أبي بكرة من بلاد العدو، وجعل جنده يؤتون بالطعام فإذا أكلوه ماتوا، ثم إنهم أطعموا السمن فلانت أمعاؤهم، فلم يصلوا إلى بست إلا وهم خمسة آلاف.
стр. 2884
وكان ابن أبي بكرة حين رأى ما الناس فيه من القحط وهم يأكلون دوابهم في بلاد العدو يشتري الطعام ثم يبيعه جيشه حساب القفيز بدرهم، حتى أصاب الناس ضر شديد ومرض، وكان يبعث إلى الحصرم فيضعه في أسواقهم ويبيعهم إياه يقول: هذا صالح لمرضاكم، وباعهم التبن غربالا بدرهم، ففي ذلك يقول عبد الرحمن بن الحارث، وهو أعشى همدان في قصيدة له أولها:
ما بال حزن في الفؤاد مولج … ولدمعك المتحدر المتهيج
أسمعت بالجيش الذين تمزقوا … وأصابهم ريب الزمان الأعوج
حبسوا بكابل يأكلون جيادهم … بأضر منزلة وشر معرج
لم يلق جيش في البلاد كما لقوا … فلمثلهم قل للنوائح تنشج
واسأل عبيد الله كيف رأيتهم … عشرين ألف مجفف ومدجج
بعثا تخيره الأمير جلادة … بعثا من المصرين غير مزلج
وليت شأنهم وكنت أميرهم … فأضعتهم والحرب ذات توهج
ما زلت نازلهم كما زعموا لنا … وتفلهم وتسير سير الأهوج
وتبيعهم فيها القفيز بدرهم … فيظل جيشك بالملامة ينتجي
ومنعتهم أتبانهم وشعيرهم … وتجرت بالعنب الذي لم ينضج
ونهكت ضربا بالسياط جلودهم … ظلما وعدوانا ولم تتحرج
والأرض كافرة تضرم حولكم … حربا بها لقحت ولما تنتج
فتساقطوا جوعا وأنت صفندد (١) … شبعان تصبح كالايد الأفحج
стр. 2885
رخو النّسا والحالبين ملثما … في مثل جحفلة الحمار الديزج (١)
وظننت أنك لم تعاقب فيهم … والله يصبح من أمام المدلج
حتى إذا هلكوا وباد كراعهم … رمت الخروج وأي ساعة مخرج
وأبي شريح أن يسام دنية … حرجا وصحف كتابهم لم تدرج
وبقيت في عدد يسير بعدهم … لو سار وسط مراغة لم يرهج
لا تخبر الأقوام شأنك كله … وإذا سئلت عن الحديث فلجلج
في أبيات.
قالوا: فمات ابن أبي بكرة كمدا، ويقال اشتكى أذنيه فمات، وبلغ الحجاج خبر ابن أبي بكرة وأنه قد استخلف ابنه أبا برذعة، فكتب إلى المهلب أن يوجه إلى سجستان من قبله رجلا فوجه وكيع بن بكر، فقال كعب الأشعري:
ما زال أمرك يا مهلب صالحا … حتى ضربت سرادقا لوكيع
وجعلته ربّا على أربابه … ورفعت منه غير جدّ رفيع
فلما قدم على أبي برذعة أهدى إليه أبو برذعة ثلاثمائة ألف درهم، وهدايا سوى ذلك، وأقام أبو برذعة بسجستان حتى قدم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من وجه الخوارج فولاه الحجاج كرمان.
وقال أبو مخنف وعوانه: لما هلك عبيد الله بن أبي بكرة بسجستان، غم الحجاج مهلكه غما شديدا، وكتب إلى عبد الملك يعلمه ذلك ويستطلع
стр. 2886
رأيه في تولية هذا الفرج رجلا فكتب إليه: «بلغني كتابك بما ذكرت من مصاب المسلمين بسجستان حتى لم ينج منهم إلا الشريد، وجرأة العدو لذلك وقوتهم على أهل الإسلام، فأولئك قوم كتب القتل عليهم فبرزوا إلى مضاجعهم وعلى الله ثوابهم، فأما ما استطلعت فيه الرأي، فإن رأيي أن تمضي ولاية من رأيت توليته موفقا رشيدا.
قالوا: وكان الحجاج مبغضا لعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان عبد الرحمن رجلا معجبا، ذا نخوة وأبهة، وكان الحجاج يقول: ما بالعراق رجل أبغض إلي منه وما رأيته قط ماشيا أو راكبا إلا أحببت قتله، وكان عبد الرحمن يقول: ما رأيت قط أميرا فوقي إلا ظننت أني أحق بإمرته منه، وكان أيضا يقول: لو قد رأيت البياض، وقرأت القرآن، وماتت أم عمران - يعني أمه - لطلبت الغاية التي لا مذهب بعدها.
حدّثني حفص بن عمر عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي قال: إني لعند الحجاج إذ دخل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يتمشى فقال:
انظروا إلى مشية المقيت والله لهممت أن أضرب عنقه، فلما سلم عليه قال:
إنك لمنظراني، قال: ومخبراني أصلح الله الأمير، ثم جعل يقول: أنا منظراني أنا منظراني.
قال الشعبي: فحدثت عبد الرحمن بما قال الحجاج حين رآه يتمشى، فقال: اكتم علي والله لأحاولن إزالة سلطانه إن طال بي وبه عمر.
قالوا: ثم إن الحجاج انتخب اثني عشر ألفا ويقال عشرة آلاف من أهل الجلد والقوة والهيئة، فأعطاهم وجهزهم وقواهم واستعمل عليهم عطارد بن عمير بن عطارد بن حاجب، ويقال بعض ولد ذي الجوشن الضبابي، وسار
стр. 2887
بهم إلى البصرة وانتخب من أهل البصرة مثلهم، وجعل عليهم عطية بن عمرو العنبري الذي يقول فيه أعشى همدان:
فابعث عطية في الخيول … تكبّهنّ عليه كبا
فإذا جعلت دروب فا … رس خلفنا دربا فدربا
فلما تتاموا واجتمعوا سمي ذلك الجيش جيش الطواويس، ويقال ان الناس سموهم بذلك لتكامل أهبتهم وعدتهم ونبلهم وشجاعتهم، وأمر فأمضى ذلك الجيش إلى الأهواز وكتب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بولاية سجستان وضم إليه ذلك الجيش، وكان الحجاج قد وجه عبد الرحمن لقتال الخوارج، فشخص بهم عبد الرحمن حتى قدم سجستان ثم نزل بست، فأتته رسل رتبيل، وأتى اسماعيل بن الأشعث الحجاج فأشار عليه أن لا يولي عبد الرحمن وقال: إني والله أخاف خلافه، والله ما جاز جسر الفرات قط فرأى أن لأحد عليه سلطانا، فقال: ليس هناك إني لست كأولئك هو لي أهيب، وفيما لدي أرغب من أن يخالفني أو يخرج يدا من طاعتي فقدم سجستان في آخر سنة تسع وسبعين.
وقال أبو عبيدة: كان الحجاج وجه هميان بن عدي السدوسي إلى كرمان، وجعله مسلحة بها ليمد عامل سجستان إن احتاج الى ذلك، فعصى بمن معه، فوجه عبد الرحمن بن الأشعث لمحاربته فحاربه فهزمه، وأقام بموضعه، فلما مات ابن أبي بكرة ضم إليه جيشا أنفق عليه ألفي ألف درهم، وكتب إليه في محاربة رتبيل بمن معه وبذلك الجيش.
وقال أبو مخنف: خطب ابن الأشعث الناس حين دخل سجستان فقال: إن الأمير الحجاج ولاني ثغركم، وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح
стр. 2888
بلادكم، وأباد خياركم، ثم عسكروا وأخرجت له الأسواق، وبلغ ذلك رتبيل فكتب إليه: إنه ليست أمة من الأمم أعظم في أنفسنا، ولا أحق بالإجلال والإكرام والتبجيل عندنا منكم، وقد كان من مصاب إخوانكم ما علمتم وما كان ذلك عن هوى مني، ولا إرادة وقد كنا صالحناكم على صلح فيما مضى، ولولا أن ابن أبي بكرة نقض وبدل لجرينا في أمره مجرانا في أمر غيره، ونحن نسألك أن تصالحنا وتقبل منا ما كان غيرك ممن قبلك يقبله، وأهدى إليه خاله العاقب بن سعيد، وكان ابن أبي بكرة رهنه مع ولده، ثم اتبعه جميع الرهن الذين كانوا قبله، فلم يجبه حتى أعد له القاسم بن محمد بن الأشعث أخاه، وكان ورد عليه من طبرستان في خيل عظيمة، وأمره أن يغير عليه بمكانه الذي هو به، وكان مع رتبيل رجل من بني تميم يقال له عبيد بن سبع بن أبي سبع، ويقال عبيد الله بن سبع، وكان يرى رأي الخوارج فيما يقال، وكان مقيما بسجستان في ولاية زياد بن أبي سفيان وبعد ذلك، فقال له: قد جاءك أغدر العرب وأشدهم أبهة وكبرا، فتحوّل من مكانك فإني لا آمن عليك أن يأتيك وأنت غار، فخرج من مكانه مسرعا، وورد القاسم فلم يجد إلا عجائز وشيوخا وقتلى من المسلمين فكفنهم وصلى عليهم ودفنهم ثم لم ينشب أن سار إليه في الجنود.
أبو الحسن المدائني عن أشياخه قالوا: قدم عبد الرحمن سجستان، فأقام حتى استمر الناس وأراحوا، وحضر الغزو فخرج من بابشير (١)، فعرض الناس وخطبهم، وحرضهم، ثم لما كان في أول المفازة عرضهم فلم
стр. 2889
يتخلف عنه أحد منهم، وقطع المفازة ونزل بست (١)، فتلقاه رتبيل واعتذر إليه من مصاب المسلمين وقال كان ذلك على كره مني، وعرض عليه الفدية وسأله أن يقبل منه ما كان يقبله من قبله، وبعث بالرهن وفيهم خاله العاقب بن سعيد، فأخذ الرهن ولم يجبه إلى شيء مما يريد، وقدم القاسم أخاه أمامه ثم سار، وجعل رتبيل يدع البلاد حصنا حصنا طمعا في أن ينال منه ما نال من غيره، وحذر ابن الأشعث فكان لا يأتي حصنا ولا يجاوز عمرانا إلا خلف فيه قائدا في كثف من المسلمين، ورتب الرجال فأنزل القاسم أخاه الرّخّج ونزل هو بست وكره التوغل في البلاد وكتب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه: يا بن الحائك الغادر، كتابك إليّ كتاب رجل يحب الهدنة والموادعة لعدو قليل ذليل، ولعمري يا بن أم عبد الرحمن إنك حين تكف عن ذلك العدو ومعك جندي وحدي لسخي النفس عمن أصيب من المسلمين، إني لم أعدد رأيك مكيدة، ولكني عددته ضعفا وجبنا، والتياث رأي، فأمض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم والهدم لحصونهم، فإنها داركم حتى يفتحها الله عليكم».
فأغضب عبد الرحمن بن محمد ذلك، وقال: يكتب إليّ ابن أبي رغال بمثل هذا الكتاب، وهو والله الجبان، وأبوه من قبله، وعزم على خلع الحجاج، وكان معه سوى جند الكوفة والبصرة الذين جعله الحجاج عليهم بالأهواز، جند قدموا مع الصباح بن محمد، والقاسم بن محمد أخويه، كانوا بطبرستان، فكتب الحجاج في إشخاصهم إليه معهما، وبعث الحجاج
стр. 2890
أيضا إلى عبد الرحمن: إسحاق بن محمد بن الأشعث، في جند آخر، وكتب إليه: «إن توقفت عن المسير في بلاد العدو، وليت إسحق بن محمد بن الأشعث جندك، وصيرتك من تحت يده كبعض أهل المصر.
فأظهر خلع الحجاج وقال أيها الناس إني والله لكم ناصح، ولصلاحكم محب، وفيما يعمكم نفعه ناظر، وقد استشرت ذوي أحلامكم والتجربة منكم، فأشاروا عليّ بما علمتم من ترك التوغل في بلاد العدو، وإن الحجاج كتب إليّ بإنكار ذلك وكراهته إياه، وأمرني أن أتوغل بكم تغريرا لجماعتكم، كما غرر بإخوانكم بالأمس، فقالوا: لا بل نأبى على عدو الله أمره ولا نسمع له ولا نطيع، فإن ابن أبي رغال لا يريد بنا خيرا، وعقد لمن وثق به، وحل ألوية من أبى منهم، وافتعل كتابا من الحجاج في تولية قوم، وعزل آخرين، ليفسد قلوبهم، وكانوا وجوها أشرافا.
قالوا: وكان أول من تكلم عامر بن واثلة الكناني، وكان خطيبا شاعرا: فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أما بعد، فإن الحجاج والله ما يرى لكم إلا ما يرى القائل الأول: احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك، وإن نجا فهو لك، والله ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلادا كثيرة اللهوب والعقارب والأشب، فإن ظفرتم وغنمتم جبى وحاز الأموال، وإن ظفر بكم كنتم الأعداء البغضاء، فاخلعوه وبايعوا أميركم فأني والله أوّل خالع للحجاج عدو الله.
ثم قال عبد المؤمن بن شبث بن ربعي: إنكم إن أطعتم الحجاج جعلها بلادكم ما بقيتم وجمركم تجمير فرعون لجنده، والله ما يبالي أن تهلكوا
стр. 2891
أو تقتلوا، فنادى الناس من كل جانب: خلعنا الحجاج عدو الله ووثبوا إلى عبد الرحمن يبايعونه فيقول لهم: تبايعون على خلع عدو الله الحجاج، وعلى نصرتي، وعلى جهاد عدو الله وعدوي معي حتى ينفيه الله من أرض العراق، فبايعه الناس، ولم يذكروا خلع عبد الملك.
وقال أبو مخنف: كانت بيعته على كتاب الله، وخلع أئمة الضلال، وجهاد المحلّين.
قال: فلما بايعوا ابن الأشعث قالوا: ننصرف إلى العراق فنخرج الحجاج عدو الله من العراق فإن جهاده أولى.
وقال الهيثم بن عدي: أخبرني عمر بن ذر الهمداني أن أباه ذر بن عبد الله بن زرارة كان مع ابن الأشعث، وأنه ضربه وحبسه لانقطاعه إلى أخويه القاسم وإسحق ابني محمد، وضرب، وحبس معه عدة منهم:
عمران بن عبد الرحمن، وقتادة بن قيس، فلما خلع دعا بهم فحملهم وكساهم وأعطاهم، وأقبلوا معه فيمن أقبل، فأما ذر بن عبد الله فكان قاصا خطيبا، فثبت معه وناصحه وأما عمران بن عبد الرحمن فناصحه وثبت معه وأما قتادة ففارقه ولحق بالحجاج.
قالوا: ولما خلع الحجاج عبد الرحمن وأصحابه، وادع رتبيل وكتب بينه وبينه كتابا وعاهده أن لا يرزأ منه شيئا، فإن ظفر بالحجاج لم يسأله خراجا أبدا ما بقي، وإن قوي عليه الحجاج لجأ ومن معه إليه فمنعهم، ثم انصرف ابن الأشعث إلى بست فاستعمل عليها عياض بن عمرو السدوسي، وهو الثبت، ويقال عياض بن همام، وكان عياض قاتل عبد الرحمن حين قدم سجستان فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة. وبعث إلى
стр. 2892
الحجاج برؤوس من قتل وهرب حتى لحق برتبيل فلما بلغه خلعه الحجاج أتاه فبايعه، وولى عبد الله بن عامر التميمي ثم المجاشعي ولقبه البعّار زرنج، وقال ابن الكلبي البعار علقمة بن حوي بن سفيان بن مجاشع.
وأقبل عبد الرحمن بن محمد يريد العراق، فهرب منه إسحق بن محمد، والقاسم، والصباح، والمنذر إخوته، فأما القاسم فانه رأى إسحق يناجي الصباح دونه، فغضب فعاد إلى أخيه، وأما الآخرون فلحقوا بالحجاج، وجعل أعشى همدان يجري على فرس له، وقد خرج عبد الرحمن عن سجستان مقبلا إلى الحجاج وهو يقول:
شطت نوى من داره بالإيوان … إيوان كسرى ذي القرى والريحان
فالبندنيجين إلى طرازاستان (١) … فالجسر فالكوفة فالغريان
من عاشق أمسي بزابلستان … إن ثقيفا منهم الكذابان
كذابها الماضي وكذاب ثان … إنا سمونا للكفور الخوان
حين طغى في الكفر بعد الإيمان … بالسيد الغطريف عبد الرحمن
سار بجمع كالدبا من قحطان … ومن معد قد أتى ابن عدنان
بجحفل جم كثير الأركان … فقل لحجاج ولي الشيطان
أثبت لجمع مذحج وهمدان … والحي من بكر وقيس عيلان
فإنهم ساقوك كاس ذيفان (٢) … أو ملحقوك بقرى ابن مروان
стр. 2893
وقال أبو جلدة اليشكري وكان مع ابن الأشعث:
نحن جلبنا الخيل من زرنجا … ما لك يا حجاج منا منجى
لتبعجن بالرّماح بعجا … أو لتفرن وذاك أنجى
حدثني خلف بن سالم وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير عن ابن عيينة أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث لما خلع كتب إلى المهلب يسأله الخلع معه، فقال المهلب: ما كنت لأغدر بعد سبعين سنة، ثم قال: ما أعجب هذا يدعوني إلى الغدر من بعض ولدي أكبر منه، وقال لرسوله: قل له: اتق الله في دماء المسلمين ولم يجبه عن كتابه، وبعث به إلى الحجاج.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: لما عاهد عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث رتبيل وكتب بينه وبينه كتاب الوثيقة، وثب رجل من همدان يقال له فندش بن حيان الهمداني على رجل من الكفار من أصحاب رتبيل جرى بينه وبينه خلاف في شيء فضربه فندش بعود معه فشجه شجة خفيفة فبعث رتبيل إلى عبد الرحمن بفندش ولم يقتله، فأمر عبد الرحمن بقتله، فقال أعشى همدان، وكان فندش صديقا ونديما له:
تعوذ إذا ما بت من بعد هجعة … من المرء في سلطانه المتفحش
ومن رجل لا تعطف الرحم قلبه … جريء على أخواله متحمش
لجوج شديد بطشه وعقابه … متى يأته ساع بعمياء يبطش
أفي خدشة بالعود لم يدم كلمها … ضربت بمصقول علاوة فندش
وأزهقت في يوم العروبة (١) … نفسه
بغير قتيل صاحيا غير منتش
стр. 2894
أبي رتبيل قتله فقتلته … وأنت على خوارة وسط مفرش
وباكية تبكي على قبر فندش … فقلت لها أذري دموعك واخمشي
وإنا لنجزي الذحل بالذحل مثله … ونضرب خيشوم الأيّل الغطمش
فتى كان مقداما إذا الخيل أجحمت … ضروبا بنصل السيف ليس بمرعش
ويقال أن فندشا والأعشى ورجلا آخر، كانوا على شراب لهم، وهم في عسكر ابن الأشعث فنودي يوما بالسلاح، فمر بهم المنادي فأمرهم باللحاق بالناس، فقال فندش: لا نريم حتى نفرغ من شرابنا، فعلاه المنادي بالسوط، فوثب فندش عليه فضربه بعصا على رأسه فانطلق إلى ابن الأشعث فأعلمه، فأمر بقتل فندش، فقتل، والأول أثبت.
قالوا: وكان مع ابن الأشعث أبو جوالق أحد بني غسل بن عمرو اليربوعي، وقوم يقولون عسل، والأول قول ابن الكلبي، وكان أبو جوالق شجاعا وفيه يقول الشاعر:
سبعون ألفا كلهم مفارق … مثل الحريش وأبي جوالق
يعني الحريش بن هلال القريعي.
قالوا: وأقبل عبد الرحمن يسير بالناس، وسأل عن أبي إسحق السبيعي، فقيل له: ألا تأتيه فقد سأل عنك، فكره أن يأتيه ونزل أبو إسحق بفارس، ولم يدخل في الفتنة حتى انقضت، وأتى عبد الرحمن كرمان فولاها عمرو بن لقيط العبدي ثم أتى فارس فولاها خرشة بن عمرو التميمي.
وحدثني علي بن المغيرة عن أبي عبيدة قال: كتب المهلب إلى ابن الأشعث من خراسان: «يا بن أخي إنك قد وضعت رجليك في ركابين
стр. 2895
طويل غيّهما على أمة محمد ﷺ ، تركت قتال المشركين، وأقبلت لقتال المسلمين، أما تذكر بلاء الحجاج عندك حين جمع لك الجندين جميعا.
قالوا: وقال أعشى همدان:
من مبلغ الحجاج أ … ني قد نبذت (١) إليه حربا
حربا مذكرة عوا … نا تترك الشبان شهبا
وصفقت في كف امرئ … جلد إذا الأمر عبا
لابن الأشج قريع كن … دة لا أبين فيه عتبا
أنت الرئيس بن الرئيس … وأنت أعلى القوم كعبا
في قصيدة.
قال: وتمثل ابن الأشعث حين أقبل يريد الحجاج بشعر مغفر بن حماد البارقي:
سائل مجاور جرم هل جنيت لهم … حربا تزيّل بين الجيرة الخلط
وهل تركت نساء الحي ضاحية … في باحة الدار يستوقدن بالغبط (٢)
وتمثل أيضا:
خلع الملوك وسار تحت لوائه … شجر العرى وعراعر الأقوام
قال: وأخرج ابن الأشعث لأي بن شقيق بن ثور عامل الحجاج عن كرمان، وأخذ ما في بيت مالها وقدم لأي بن شقيق بن ثور على الحجاج فأخبره خبره، فكتب معه إلى عبد الملك يستمده قال: وقالت ابنة سهم بن غالب الهجيمي:
стр. 2896
يا أيها السائل عما قد كان … أبشر أتاك الغوث من سجستان
ابنا نزار وسراة قحطان … وفيهم المنصور عبد الرحمن
يقود جيشا جحفلا ذا أركان … سبعين ألفا لا بسين الأبدان
قد ذهب الملك عن آل مروان … والثقفي زال عنه السلطان
قالوا: فلما صار ابن الأشعث ومن معه بفارس قال بعضهم لبعض:
إذا خلعنا الحجاج، فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى ابن الأشعث فكان أول الناس قال خلعت عبد الملك: تيحان بن أبجر أحد ولد ربيعة بن نزار، ثم أحد بني بكر بن وائل، قام فقال: يا أيها الناس إني قد خلعت أبا ذبان كخلعي قميصي هذا، فخلعه الناس، وكان أبو حزابة وهو الوليد بن حنيفة بن سفيان بن مجاشع بن ربيعة بن وهب بن عبدة بن ربيعة بن حنظلة بن مالك بكرمان، فلما وردها ابن الأشعث تعرض له فقال:
يا بن قريع كندة الأشج … أما تراني فرسي في المرج
وما هنوش ذهبت بسرجي … في فتنة الناس وهذا الهرج
فضحك وقال: افتكوا سرجه قبحه الله، وكان قد رهنه على خمسين درهما عند بغي يقال لها ماهنوش وبات ليلته عندها. والأشج قيس بن معد يكرب، شج في بعض أيامهم.
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي قال: حدثني القاسم بن سهل النوشجاني قال: حدثني عدة من آل المهلب أن المهلب كتب إلى ابن الأشعث حين بلغه خلعه: «إنك يا بن محمد قد وضعت رجلك في غرز طويل الغي، فالله الله يا بن أخي انظر لنفسك ولا تهلكها، واتق الله
стр. 2897
في دماء المسلمين أن تسفكها، والبيعة فلا تنكثها، والجماعة فلا تفارقها، فإن قلت أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه والسلام».
قال: وقالوا: كتب المهلب إلى الحجاج: «أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك وهم مثل السيل المنحط من عل ليس يرده شيء حتى ينتهي إلى قراره، ولأهل العراق شرّة في أول مخرجهم، وبهم صبابه إلى أبنائهم ونسائهم فليس يبلى بردهم دون أهليهم فلا تستقبلهم وخل لهم الطريق حتى يأتوا البصرة فيواقعوا نساءهم ويتنسموا أولادهم، فترق قلوبهم، ويخلدوا إلى المقام في منازلهم، فيتفرقوا عن ابن الأشعث، ثم واقع من حاربك منهم فإن الله ناصرك عليهم»، فلما قرأ الحجاج كتابه قال: ويلي على المزوني والله ما لي نظر ولكن لابن عمه نصح، ثم إنه نظر بعد ذلك في كتابه فقال: رحم الله المهلب، فقد كان ناصحا للإسلام وأهله.
وحدثني عمر بن شبة عن هارون بن معروف عن ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب قال: كتب عمال الحجاج إليه: «إن الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار».
فكتب إلى أهل البصرة وغيرها: «إن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها فخرج الناس فعسكروا وجعلوا يبكون ويقولون: وا محمداه، وجعلوا لا يدرون أين يذهبون، فجعل قراء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنعين فيبكون معهم، وقدم ابن الأشعث على بغتة ذلك فاستبصر أهل البصرة في قتال الحجاج مع ابن الأشعث:
стр. 2898
وقال أبو مخنف وعوانة: ورد على الحجاج أمر ابن الأشعث وهو نازل بلعلع (١) فقال إنها لغليقة من الأمر، وكتب إلي عبد الملك يخبره وسأله إمداده بالجنود، وأتى الحجاج موضع واسط حين فصل من لعلع فابتنى به مسجدا، وقال: هذا مكان واسط، فسميت واسط القصب، ثم بناها بعد ذلك.
قالوا: ولما ورد الكتاب على عبد الملك في أمر ابن الأشعث، نزل عن سريره، وبعث إلى أبي هاشم خالد بن يزيد بن معاوية فأقراه الكتاب، فلما رأى خالد ما به من الجزع والارتياع قال: إنما يخاف الحدث من خراسان، وهذا الحدث من سجستان فلا تخفه، ثم خرج عبد الملك على الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أهل العراق قد استطالوا عمري فاستعجلوا قدري فسلط اللهم عليهم سيوف أهل الشام حتى تبلغ رضاك.
وصار الحجاج إلى البصرة فأقام بها، وعزم على لقاء ابن الأشعث، وكان المهلب كتب إليه يشير عليه أن لا يقاتله حتى يرد الناس منازلهم، فيركنوا إلي الدعة وتمنعهم الرقة على أولادهم وعيالاتهم من المحاربة، وتحدث لهم آراء غير آرائهم وينتقصوا عند التفرق عن أمرهم، ويعظ الرجل أخوه، والرجل قومه، فينفسح عزمه، فلم يلتفت إلى كتابه ومشورته، وكان الحجاج أقدم سفيان بن الأبرد الكلبي من طبرستان، وأخذه بالحساب، فكان محبوسا عنده، فلما حدث هذا الحدث دعا به خاليا فشاوره فيه، فرأى له أن يستقبل ابن الأشعث ويجعله على خيله، وأحب بذلك التخلص من الغرم، فقبل قوله لموافقته هواه، ورفض رأى المهلب، وجعل
стр. 2899
فرسان أهل الشام يأتونه من قبل عبد الملك أرسالا، يأتيه في اليوم المائة والعشرة، وأكثر من ذلك وأقل، فبعضهم يأتي على البريد، وبعضهم على الخيل العتاق المقدحة، وبعضهم على الإبل الناجية، وكانت أخبار ابن الأشعث تأتيه بنزوله مكانا مكانا وسار الحجاج بأهل الشام حتى نزل تستر الأهواز، وقدم بين يديه عبد الله بن زميت الطائي ومظهر بن حيي العكي وجعل ابن زميت من تحت يده.
يوم دجيل وهو يوم تستر
قالوا: وقدم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث محمد بن أبان بن عبد الله الحارثي في ثلاثمائة فوجه إليه مظهر بن حيي العكي عبد الله بن زميت، فهزم ابن أبان وأصحابه حتي اضطرهم إلى دجيل الأهواز، فوجه مظهر مولى له يقال له منقذ إلى الحجاج بالفتح وعظم الأمر، وأخبر أنه لقي مقدمة ابن الأشعث فهزمهم وقتل أكثرهم، ولما رأى ابن الأشعث ما فعل بأصحابه جمع الناس وعبأهم، ثم قال: أعبروا إلى أصحاب الحجاج، فأقحم الناس خيولهم في دجيل حتي صاروا إلي موضع الوقعة ومظهر في سبعة آلاف من أهل الشام، وذلك في يوم ضباب لا يكاد الرجل يتبين فيه صاحبه، فحمل عليهم عطية بن عمرو العنبري فضعضعهم، ثم حمل عليهم جرير بن هاشم بن سعد بن قيس الهمداني، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم أتاهم الحريش بن هلال القريعي من خلفهم، وحمل الناس عليهم من بين أيديهم، فهزموا هزيمة قبيحة، وقتلوا قتلا ذريعا، وركب أصحاب الخيول
стр. 2900
في طلبهم فقتلوهم وأسروهم أنّى شاؤوا، وكان في الأسرى رجل من همدان فقال لابن الأشعث: أصلح الله الأمير أنا أحد أخوالك، فقال: ابدأوا بخالي فقدم وقتل وذلك يوم النحر سنة إحدى وثمانين يوم الجمعة، ويقال عشية عرفة، واستباحوا عسكرهم، وكان الحجاج حين جاءه رسول مظهر صعد المنبر فخطب وقال: احمدوا الله على هلاك عدوكم، فما نزل حتى جاءه بخبر هذه الوقعة عبيد بن سرجس مولاه، فقال: أيها الناس ارتحلوا بنا إلى البصرة، فإن هذا مكان لا يحتمل الجند، وانصرف حتى نزل الزاوية، وبعث إلى طعام التجار بالكلاء فأخذه فحمله إليه، فقال: من كان منهم وليا لنا رددنا عليه، ومن كان عدوا فماله ودمه حلال لنا، وخلى البصرة لأهل العراق وكان عامله عليهم الحكم بن أيوب الثقفي الذي يقول فيه الشاعر:
قد كان عندك صيد لو قنعت به … فيه غنى لك عن دراجة الحكم
وفي عوارض ما تنفكّ تأكلها … لو كان يشفيك أكل اللحم من قرم
وكان الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل هذا أبخل الخلق، وكانت له دراجة يؤتى بها بعد الطعام، وكان استعمل رجلا من بني تميم يقال له العظرت علي بعض الفروض فقدم عليه والدراجة بين يديه، فدعاه إلى الأكل فأكل معه من دراجته، فعزله وقال له الحق بأهلك، والعوارض ما أنكسر فنحر، يقال: أهذا لحم عبيط، أم لحم عارضة؟ وقال الهيثم بن عدي: هزم ابن الأشعث صاحب الحجاج يوم دجيل وقتل من أصحابه ثمانية آلاف، وقال غيره: قتل ألفين.
стр. 2901
قال وجاء ابن الأشعث وأهل العراق حتى دخلوا البصرة فبايعه أهلها على حرب الحجاج وخلع عبد الملك، وسارع إليه القراء والكهول، وكان الحجاج أمر سفيان بن الأبرد الكلبي حين أقبل إلى البصرة أن يكون في أخريات الناس فيهدم القناطر، ويقطع الجسور، وضم إليه جماعة ففعل سفيان ذلك، وكان نزول الحجاج الزاوية يوم الخميس لسبع ليال بقين من ذي الحجة سنة إحدى وثمانين، وكان عياش بن الأسود بن عوف الزهري حين بلغه أمر ابن الأشعث جمع بسوق الأهواز رجالا ثم أتاه ومحمد بن الأسود فكانا معه، وكان أول من دخل البصرة هميان بن عدي السدوسي، وكان شجاعا، وكان الحجاج قد حبس امرأته في قصر المجيزين، وهي أم بكر من ولد شقيق بن ثور السدوسي، وكان معه قوم نصروه فأخرجوها وقوما كانوا محبوسين معها، فقال الشاعر:
فمن للمرهقين إذا استجاروا … ونادى المحصنات أبا جرير
وهي كنية هميان، وعارض سفيان بن الأبرد هميان حين أخرج امرأته من محبسها فقاتله حتى دخل ابن الأشعث والناس.
وقال زادا نفروخ بن تيرى المجوسي كاتب الحجاج: إنك إن منعتهم من دخول البصرة حاربوك بجد واجتهاد لطول غيبتهم عن أوطانهم، وإن أنت تنحيت وتركتهم فرجعوا إلى أهليهم قل من يحاربك منهم.
стр. 2902
يوم الزاوية
قالوا: ودعا ابن الأشعث بعباد بن الحصين وقد كبر وفلج فقال: أشر علي بالرأي فقال:
يا ليتني فيها جذع … أخب فيها وأضع
أرى أن تخندق على المربد وما يليه، ثم تدعهم حتى يخرجوا من معسكرهم بالزاوية فيأتوك معيين كالّين، ويخرج الناس إليهم نشاطي جامين، فقال عبد الله بن عامر بن مسمع، وكان قد صار إليه وكان قبل قدومه على شرطة البصرة، وبشر بن محمد بن الجارود وعبد الحميد بن منذر بن الجارود: أنخندق على تميم ونترك دورنا ودور الأزد، فخندق ناس من الناس على ما يليهم، وخندق ابن الأشعث، ولم يبلغ في الحفر وخندق الحجاج على عسكره، وخرج سورة بن أبجر إلى الحجاج فصار معه، وخرج إلى ابن الأشعث رجل من أهل الشام يقال له نويرة الحميري، وكان شجاعا، فصار معه، وكان قوم من أصحاب الحجاج يخرجون فيناوشون قوما من أصحاب ابن الأشعث، ثم إن الحجاج ضم إليه خيله، وجعلت الرجال تأتيه من عند عبد الملك على البريد والإبل والدواب، وكتب كل واحد منهما ترد على صاحبه في كل يوم، وقال الحريش بن هلال السعدي لعبد الرحمن: علام تدع الحجاج يأتيه كل يوم مدد من أهل الشام، عاجله.
قبل أن يكثر جمعه، فقال ابن الأشعث: إن الله جل وعز قد جمع كلمتكم، وأعز دعوتكم فاخرجوا إليهم فجاهدوهم على اسم الله ، فخرج
стр. 2903
وخرج الناس، فجعل على الميمنة عبد الرحمن بن عوسجة الهمداني وعلى الميسرة الحريش بن هلال السعدي وعلى مجففته (١) طفيل بن عامر بن واثلة وتيحان البكري ثم التميمي، وعلى الرجالة زياد بن مقاتل بن مسمع، وخرج الحجاج إليهم وعلى ميمنته سفيان بن الأبرد الكلبي وعلى ميسرته أيوب بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، فقال الحجاج لأصحابه: يا أهل الشام إنكم على الحق، فاصبروا صبر المحق، فإن الله مع الحق، والناكث المبطل أولى بالفرار، ثم إنهم اقتتلوا قتالا شديدا، فجعل الشاميون يقولون للحجاج: لو صبرت حتى يجيء مدد أمير المؤمنين، فيقول: لو كنت مبطلا انصرفت، وجعل العراقيون يدخلون عسكر الحجاج حتى بلغوا بيت ماله وسجنه، وانهرم عنه أهل بيته ثم رجعوا إليه، وجاء مولى لقيس بن الهيثم السلمي يقال له توبة إلى الحجاج وهو يظنه ابن الأشعث لكثرة من رأى في عسكره من العراقيين. فقال: أقر الله عينك أيها الأمير، الحمد لله الذي أخزى الحجاج، فقال الحجاج: اقتلوه لعنه الله فقتل، ثم إن الحجاج جثا على ركبتيه، وثاب أصحابه إليه، وحمل سفيان على الناس فهزمهم، فقال: زباد بن عمرو العتكي للحجاج: قد هزموا والحمد لله على عونه، وكان معه.
وقتل في المعركة يوم الزاوية على ما ذكر هشام ابن الكلبي: عياش بن الأسود بن عوف الزهري، ويقال بل أسر بهراة من خراسان وأتي به الحجاج
стр. 2904
فقتله وقتل محمد بن الأسود أخوه، وقتل عقبة بن عبد الغافر الأزدي، وقتل عبد الرحمن بن عوسجة أبو سفيان، وقتل عبد الله بن عامر بن مسمع، وقد كان على شرط الحجاج بعد زياد بن عمرو، حين غضب على زياد، فلما أتي الحجاج برأسه قال: والله ما كنت أرى هذا فارقني، وقتل الطفيل بن عامر بن واثلة الكناني، وكان قد قال:
ألا أبلغ الحجاج أن قد أظله … عذاب بأيدي المؤمنين مصيب
فمر به الحجاج، وهو في القتلى، وقد كان بلغه شعره، فقال: تمنيت لنا أمرا كان في العلم أنك أولى به، فعجل الله ذلك لك في الدنيا، وهو معذبك في الآخرة وكان قتالهم يوم الأحد، وكان البراء بن قبيصة بن أبي عقيل مع الحجاج فانهزم مع من انهزم من أهل بيته، وفارقوه في صدر يوم الأحد فرجعوا إليه جميعا، إلا البراء فإنه مضى إلى عبد الملك فعاذ به، فقال الحجاج: والله لا آمنته إلا أن أضربه ضربة بالسيف أخذت ما أخذت، وأبقت ما أبقت، فقال البراء في أبيات:
أخوف بالحجاج يوما ومن يكن … طريدة ليث بالعراقين يفرق
كأن فؤادي بين أظفار طائر … من الخوف في جو السماء محلق
وكان امرأ قد كنت أعلم أنه … متى ما يعد من نفسه الشر يصدق
وصبر آل سعيد بن العاص مع الحجاج، فقال ابن موهب، كاتب الحجاج ومولاه، واسمه عبيد:
لعمري لقد فر البراء وابن عمه … وفرّت قريش غير آل سعيد
يعني مصعب بن عبد الله بن أبي عقيل، وكان عنبسة بن سعيد أيضا جال جولة، ثم رجع إلى الحجاج من ساعته فلم يفقده، وظفر الحجاج
стр. 2905
بأهل الزاوية حين فاء الفيء يوم الأحد، وأقبل إلى البصرة فقاتله الناس قتالا شديدا على أفواه السكك، فقال الحجاج: دعوهم فإنهم منهزمون والآن يتفرقون، وانصرف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، واستخلف عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وقال له: قاتل بالناس فإن عندهم قتالا شديدا، ولهم نشاط، فإني منصرف إلى الكوفة وممدك بالرجال ووثب أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن العباس فبايعوه على الصبر، فقاتل بهم الحجاج، ثم انصرف وكانت تلك الفعلة من ابن الأشعث هزيمة، وكان يقول: إنما انصرفت وفي الناس فضل، وعندهم قتال لأنه بلغني أن مطر بن ناجية الرياحي وثب بالكوفة، فغاظني أن أكون فتحت بابا دخل مطر منه، وأن يكون إنما قدر على الوثوب بي فيكون له صوت معي، فأريد أن ألحقه فأحول بينه وبين إرادته، فأقبل عبد الرحمن نحو الكوفة في ألف من أهلها، وقاتل ابن العباس آخر يوم الأحد، ويوم الاثنين، ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وليلة الخميس وهي ليلة الهرير، وصبر أهل البصرة على قتال الحجاج على أفواه السكك، وفقد ابن الأشعث فأمر الحجاج فرفعت راية أمان وناداهم أصحاب الحجاج بأمره: ثكلتكم أمهاتكم علام تقاتلون وقد ترك صاحبكم القتال ومضى، فدخلوا في الأمان وتفرقوا، وخرج ابن العباس ومن معه من أهل الكوفة والأقوياء من أهل البصرة حتى لحق بابن الأشعث، وجاء الحجاج حتى دخل البصرة، فنادى مناديه: يا أهل الشام لا تنزلوا البصرة، ونزل هو دار المهلب فرأى عندها جماعة نسوة، فقال: إن هؤلاء النسوة لجأن إليّ وخشين أن يدخل عليهن، فليرجعن فنحن أغير عليهن من أزواجهن وقال حميد الأرقط في ابن عبد
стр. 2906
الرحمن بن سمرة، وكان أعور، وذلك في أيام الزاوية.
يا أعور العين فديت العورا … لا تحسبن الخندق المحفورا
يدفع عنك القدر المقدورا … ودائرات الدهر أن تدورا
وصعد الحجاج المنبر فذكر الله بما هو أهله، ثم قال: إن الله لم ينصركم يا أهل الشام على عدوكم، لأنكم أكثر منهم عددا، وأظهر قوة، ولقد كانوا أثرى منكم وأقوى وهم في بلادهم، ومادتهم تأتيهم من مصرهم وبيوتهم، فهم يستندون إلى ذلك ويعتصمون به، ولكنكم كنتم أهل الطاعة، وكانوا أهل المعصية، فنصركم الله بغير حول منكم ولا قوة فاحمدوا الله على نعمه ولا تبغوا ولا تظلموا، وإياكم أن يبلغني أن رجلا منكم دخل بيت امرأة فلا يكون له عندي عقوبة إلا السيف، أنا الغيور ابن الغيور لا أداهن في الريبة، ولا أصبر على الفاحشة.
قالوا: وأصابت الحريش يومئذ جراحة، وكان يقاتل قتالا شديدا ويقول:
أنا الحريش وأبو قدامة … أضرب بالسيف مقيل الهامة
أشجع من ذي لبد ضرغامه
وأتى سفوان (١) فمات من جراحته.
стр. 2907
وقالت حميدة ابنة مقاتل ترثي أخاها زياد بن مقاتل بن مسمع:
يا عين جودي ولا تفتري … وبكي رئيس بني جحدر
ولما تولت جموع العراق … وأسلم من كان في العسكر
وحامى زياد على قومه … وفر محامي بني العنبر
فسمعها البلتع وكان يبيع سمنا له عند بعض بني العنبر فأتزر بكسائه، وجاء حتى قام عندها وهو يقول:
علام تلومين من لم يلم … تطاول ليلك من مقصر
فقد تبطح الخيل تحت العجاج … غير الشهيد ولا المعذر
ونحن منعنا لواء الحريش … وطاح لواء بني جحدر
ورجع إلى أصحابه فقال: قد شفيتكم منها.
وقال عامر بن واثلة، أبو الطفيل يرثي ابنه:
خلى طفيل على الهم فانشعبا … فهد ذلك ركني هدّة عجبا
وابني سهيمة لا أنساهما أبدا … فيمن نسيت وكل كان لي نصبا
وأخطأتني المنايا لا تطالعني … حتى كبرت فلم يتركن لي شذبا
في أبيات.
وولى الحجاج الحكم بن أيوب البصرة في صفر، واتبع ابن الأشعث، وسلك طرق البر وكان زادا نفروخ بن تيرى مستخفيا بالبصرة، فخرج من دار إلى دار فقتله بعض من رآه من أصحاب ابن الأشعث، فاستكتب الحجاج مكانه ابنه مردانشاه.
стр. 2908
أمر مطر بن ناجية الرياحي
قالوا: وكان مطر عامل الحجاج على المدائن وناحيتها، فأتى الكوفة فقال حين نزل من المنبر: ان ابن الأشعث قد هزم أهل الشام، فهلموا نخرج من عندنا منهم، فكثرت تابعته، وجاء حتى أحاط بالقصر، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي، عامل الحجاج على الكوفة، وهو في أربعة آلاف من أهل الشام، ويقال في الفين، فأشرفوا عليه وصالحوه على أن يجلوا ويخلوا القصر والمصر، وكان يونس بن أبي إسحق يحدث أن مطرا لما أراد دخول القصر زحمه بغل فضربه بسيفه فقطع جحفلته، ثم قال: اللهم أخزه زحمني وقد آمنت صاحبه، فأعطاه بغلا مكانه، وأسلف الناس مائتي درهم مائتي درهم، وصحت عنده هزيمة ابن الأشعث، فخطب الناس فقال: إن ابن محمد قد هزم، وأنا لكم مكانه، أقوم مقامه، فبايعه نفر من قومه قليل، وأمسك الناس، فلم يبايعوه، فلما رأى ذلك دخل القصر، ثم خرج بالعشي فقال: أيها الناس إن ابن محمد لقي الحجاج بالزاوية إلى جانب البصرة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم تحاجزوا فنظروا فإذا ابن محمد مفقود، لا يدرى أفي الأحياء هو أم في الأموات، فثار
стр. 2909
الناس عند ذلك إلى عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فعهد العاهد به وقد حصر الحجاج وظهر عليه، فقوموا فبايعوا له، فإنه رجل من قريش ثم من بني هاشم من أهل بيت نبيكم ﷺ ، فقام إليه عبد الرحمن بن أبي ليلى فبايعه، ثم بايعه حمزة بن المغيرة بن شعبة، ثم إنه دخل وأمر مطر بن أبي ليلى أن يبايع الناس ففعل، فقال صدقة وتوبة ابنا عبيد الله بن الحر الجعفي: ما هذه البيعة؟ نحن على بيعتنا الأولى، ويقال إنهما ضربا وجه ابن أبي ليلى بحصى كان معهما وقالا: نحن على بيعتنا التي بايعنا عليها صاحبنا حتى ننظر ما صنع، وقام ناس كثير فقالوا مثل ذلك وصاحوا بابن أبي ليلى أنزل فنزل، وسمع ابن ناجية الصوت فقال: ما هذا؟ قالوا له: قد اختلف الناس، فرجع إليهم فقال: أيها الناس أنا رجل منكم فمن استقمتم له ورضيتم به وبايعتموه بايعته، فسكن الناس، وأقبل ابن الأشعث وسمع الناس بمجيئه، فخرجوا إليه يستقبلونه.
وقال الهيثم بن عدي: أقبل ابن الأشعث من سجستان وقد خلع فنزل الخريبة بالبصرة، فخندق على عسكره، واقتتل هو والحجاج بالزاوية، وبلغ ابن الأشعث أن مطر بن ناجية قد أخذ الكوفة، فدعا خاصته فأعلمهم أنه يريد الكوفة، واستخلف عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة، وسار في نحو من ألف ففقد وقاتل عبد الرحمن بن عباس بالبصرة خمسة أيام، ثم انهزم وقدم ابن الأشعث الكوفة.
وقال ابن الكلبي عن أبي مخنف وغيره: لما خرج الناس لتلقي ابن الأشعث فرأى كثرة من استقبله عدل عن الطريق كراهة أن يروا من معه من
стр. 2910
الجرحى، وجعل أصحابه يقولون: إن الله قد أخزى الحجاج وهزمه وفرق جمعه، وأقبل حتى نزل عند دار فرات بن معاوية وقال: لا والله لا أبرح ولا أدخل منزلي حتى أستنزل مطرا، ثم جلس في أصحاب الخلقان، فرآه رجل من بني أسد يقال له عبد الله فقال: ما أخلق هذا الرجل لأن يخلق امره، وجاء الناس إليه من كل مكان، وسبقت إليه همدان بالناس، وكانوا أخواله وتفرق الناس عن ابن ناجية، وأراد قوم من بني تميم أن يقاتلوا عنه، فلم يطيقوا ذلك، فأمسكوا، وقال ابن الأشعث: كفوا عنه ولا تقتلوه وأتوني به سليما، فدعا الناس بالسلاليم، فوضعت على القصر، وصعدوا فأخذ فأتي به ابن الأشعث، فقال له: استبقني فاني أفضل فرسانك وأعظمهم غناء عنك، فأمر به إلى الحبس ثم دعا به بعد ذلك فبايعه: فقال الأقيشر الأسدي:
ابني تميم ما لمنبر ملككم … لا يستقر فعوده يتمرمر
يبكي إذا مطر علا أعواده … شم الكرام وقال ما قد ينكر
إن المنابر أنكرت أشباهكم … فادعوا خزيمة يستقر المنبر
قوم رأيت الله ينصر دينهم … عند اللقاء ودينكم لا ينصر
خلعوا أمير المؤمنين وبايعوا … أحواك كندة بيعة لا تظفر
بايعتم مطرا وكانت هفوة … خلف لعمرك من أمية أعور (١)
قالوا: ودخل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث القصر، وجاءه الناس من كل أوب، وأتاه أهل البصرة، وتقوضت إليه المسالح، وجاءه