← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

ألا يا في سبيل الله شالت … بداود وإخوته الجذوع مضوا قتلا وتشريدا وصلبا … تظلّ عليهم طير وقوع إذا ما الليل أظلم كابدوه … فأسفر عنهم وهم ركوع يعالون النّحيب إليه شوقا … وإن خفضوا فربّهم سميع (١) قال أبو الحسن: يقال ان داود قتل في أول سنة ست وثمانين قبل موت عبد الملك، ويقال إنه قتل في أيام الوليد بن عبد الملك في سنة سبع وثمانين. وقال أبو الحسن: كان داود بالبصرة فكان يأتي سوق الإبل فينادي: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، إنكم لفي أمر مريح. ثم يقول: مكذبين ورب الكعبة. وطلب فرسا فقيل له: لا تشتره فإن بظهره شامة ولم يكن بظهر فرس شامة إلا قتل فارسه فقال: وكيف لي بالقتل؟ لقد رغبتموني فيه، فاشتراه.

стр. 3082

أمر مطر بن عمران بن شور وهو ابن أخي القعقاع بن شور الذهلي. قال الهيثم بن عدي: خرج على محمد بن مروان، وهو والي الجزيرة والموصل مطر بن عمران بالموصل، فقتلته خيل الموصل، وعليها ثوبان الحضرمي، وقد انحاز إلى باجرمى، فقتل بباجرمى وبعث ثوبان بأسراء من أصحابه إلى الحجاج فقتلهم، وكانوا يكرهون أن يقتلوا خارجيا بالجزيرة والشام مخافة أن تتخذ الخوارج ما هناك دار هجرة. وقال المدائني: خرج مطر قبل خروج صالح بن مسرّح، فقتلته خيل محمد بن مروان بناحية باجرمى أو بدقوقا من أرض الموصل، فبلغ امرأته خبره وكان أهلها منعوها من الخروج فماتت أسفا، فقال الجعد بن أبي ضمام الدوسي: أرى مطرا قد باع لله نفسه … بما ظلّ يعطى للشراة ويوعد فأصبح قد نال الكرامة كلّها … بما كان يسعى في بغاها ويجهد فإن يك قد لاقى مقادير قومه … فقد بان منّا الخاشع المتعبّد (١)

стр. 3083

في قصيدة. وقال محمد بن دثار: على حميد صلوات الأبرار … ومطرا فاغفر له يا غفّار قد كان صوّاما طويل الأسحار قال: وخرج على محمد في أيام عبد الملك خارجي يقال له: سكين المجملي، فوجه إليه قائدا من أهل الجزيرة فحاربه فأسره وأتى به محمدا، فبعث به إلى الحجاج ليقتله. فقال له: أجمعت القرآن؟ فقال: أو كان متفرقا فأجمعه ولكني أقرأه وأحفظه. قال: ما تقول في أمير المؤمنين؟ قال: ومن أمير المؤمنين؟ قال: عبد الملك! قال: لعنة الله عليه وعليك معه. قال: إنك مقتول. قال: إذا ألقى الله بعملي وتلقاه بدمي. فأمر الحجاج به فقتل وصلبه. قال الهيثم: وكان باليمامة رجل يكنى أبا الحريرة من بني حنيفة، وكان متعبدا، فرأى قوما يكلمون امرأة فقال: ما هذا؟ قالوا: إنّا اكتريناها نهارا وليلا. فقال: هبكم اكتريتمونها نهارا للخدمة فما بال الليلة؟ قالوا: ننكحها. ثم عمد إلى سيف له ثم هجم على القوم وهم سبعة عشر رجلا وقال: ﴿إِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ)﴾ (١). فأخذوا سلاحهم وقاتلهم فقتلهم ثم حكّم بسوق حجر فقتل عدة، ثم قتل.

стр. 3084

أمر جوّاز الضّبي قال الهيثم: أتى جواز الضبي الشام، وكان من رؤساء الخوارج، مع من شهد حصار ابن الزبير، وكان هاربا من الحجاج، فنزل بالشام على عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكانوا يضيفون من يعرفون ومن لا يعرفون، وكان عبد الله بن يزيد، وروح بن زنباع، أكرم من بالشام إضافة، وكانا يتعديان مع عبد الملك ويتعشيان، فإذا انصرفا دعوا بطرف ما عندهما فأكلاه مع أضيافهما (١). وكتب الحجاج إلى عبد الملك يعظّم فيه أمر الخلافة، ويذكر أن الخليفة أعظم منزلة عند الله من الملائكة المقربين لأنه جعل آدم خليفته، ثم أمر الملائكة بالسجود له، وجعلهم رسلا إليه. فحسن موقع ذلك من عبد الملك وأعجبه وازدهاه، فقال: وددت أن عندي بعض الخوارج فأخاصمه بكتاب الحجاج، فلما انصرف عبد الله بن

стр. 3085

يزيد حدّث أضيافه بما كان، فقال له جوّاز: توثّق لي منه ثم أعلمني. فراح إليه فتوثق له ثم أعلمه ذلك، فلما أصبح جوّاز اغتسل وتحنّط ولبس ثوبين أبيضين، وأدخله إلى عبد الملك فدعا بكتاب الحجاج فقال: اقرأه. فقال جوّاز: جعلك: مرّة ملكا، ومرة نبيا، ومرة خليفة، فإن كنت ملكا فخبّرنا متى نزلت، وإن كنت نبيا فأعلمنا متى نبّئت، وإن كنت خليفة فأعلمنا أعن ملأ من المسلمين استخلفت أم عن ابتزاز لأمورهم؟ وكان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد حاضرا فقال: هو الله منهم. فقال جواز: يا أمية لو كنت منهم عرفتني يوم أبي فديك حين هزمك. فقال عبد الملك: قد أعطيناك عهدا وموثقا فلا سبيل لنا إلى قتلك، ولكنك والله لا تساكنّي في بلد، إلحق بحيث شئت. قال: فإني أختار مصر، فنزل مصر وأتى المغرب فأفسد أهله، وكان يرى رأي الصّفرية. فلما مات عبد الملك كتب الحجاج إلى الوليد: «إنّ ذمة أمير المؤمنين عبد الملك قد وفت ولا أمان لعدوّ الله جوّاز الضبّي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليّ به»، وكانت بنو أمية لا تقتل خارجيا بالشام والجزيرة لئلا يتّخذ دار هجرة. فكتب الوليد إلى قرّة بن شريك: أن ابعث إليّ بجواز الضبي فبعث به إليه، فلما دخل عليه قال: انطلقا به إلى الحجاج، فقال: إني في أمان أبيك وذمته. قال: لا بدّ من الحجاج، فقال: مثلك والله أخفر أباه، واستخفّ بذمته وأخفرها.

стр. 3086

فلما قدم به على الحجاج قال: بلغ من أمرك يا جواز أن تردّ على أمير المؤمنين؟ قال: ﴿اقض ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا)﴾ (١). وكان صالح بن عبد الرحمن الكاتب السجستاني عدوا ليزيد بن أبي مسلم (كاتب) (٢) الحجاج، وكان جبلة أخو صالح خارجيا، فدعا صالحا فأدخله في رأيه، فأشار على الحجاج أن يأمر صالحا بقتل جواز، فقال له: يا صالح قم فاقتله، قال صالح: فأردت أن أطرح السيف ثم خفت الحجاج أن يسبي بناتي فقتلته، ثم لم يزل خائفا من الخوارج. فلما عذّبه عمر بن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك وطرح على مزبلة على باب دار العذاب وبه رمق، كان وهو على المزبلة يقول: لا حكم إلا الله، استغفر الله من قتل جوّاز، اللهم اغفر لي ولا أراك فاعلا. وقال بعض الخوارج: لا بارك الله في قوم أجاز لهم … حكامهم ان أصابوا المرء جوّازا إن يقتلوه فما فازوا بمقتله … وقد أصاب الذي رجّى وقد فازا (٣) وقال ابن الكلبي: خرج سكين أحد بني محلم بن ذهل بن شيبان بدارا، فأصابته خيل محمد بن مروان، وهو يلي الجزيرة، فبعث به إلى الحجاج، فكلمه كلاما شديدا، فضرب الحجاج عنقه. وقال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم الأعرج وهو بالمدينة يريد الحج:

стр. 3087

ما بالنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب. وقال أبو حازم لسليمان - وقال له لم لا تأتينا؟ -: إن الأمراء كانت تأتي العلماء رغبة فيما عندهم، فقد صار العلماء يأتون الأمراء فسقطوا من أعين الناس. فقال الزهري: إيّاي تعني يا أبا حازم - وذلك أنه كان عند سليمان - فقال: ما تعمّدتك ولكنه ما تسمع. وقال سليمان: يا أبا حازم، أيّ الناس أكرم على الله؟ فقال: أهل المروءة والنّهى، قال: فأيّهم أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودلّ الناس عليها. قال: فكيف نحن يا ليت شعري؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله تعلم ذلك. فبعث سليمان إليه بصلة فلم يقبلها (١).

стр. 3088

أمر الوليد بن عبد الملك بن مروان أم الوليد: ولاّدة بنت العباس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس، وأم ولادة سوداء. قال القعقاع بن خليد بن جزي للعباس: غششت أمير المؤمنين يا عدو الله حين زوّجته ابنة السوداء. وكانت عند الوليد نفيسة بنت زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمها لبابة بنت عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، فتوفيت وهي حامل فجعل ولدها يركض في بطنها. فهمّ الوليد بأن يبقر بطنها، حرصا على أن يكون له منها ولد يبقى بعده، فلم يفعل. وكانت عند الوليد: آمنة بنت سعيد بن العاص، ثم تزوجها خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص. وأم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، وأمها ليلى بنت سهيل بن عامر من بني جعفر بن كلاب. وأم عبد الله بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهي أم عبد الرحمن. وامرأة من بني فزارة وهي أم أبي عبيدة. وعاتكة بنت عبد الله بن مطيع.

стр. 3089

قال المدائني: كان الوليد تزوج في خلافته ثلاثا وستين امرأة، فكان يطلق الثلاث والاثنتين والواحدة، فقالت عاتكة بنت عبد الله بن مطيع لما تزوجها: إنّا اشترطنا على الحمالين الرجعة فما رأيك؟ قال: أقيمي. فصبر عليها أربعة أشهر ثم طلقها، فولد الوليد بن عبد الملك: عبد العزيز، ومروان، وعنبسة، ومحمد، أمهم أم البنين بنت عبد العزيز، وأمها ليلى بنت سهيل بن حنظلة بن طفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب. وعبد الرحمن أمه أم عبد الله بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. والعباس وكان أكبرهم وبه كان يكنى الوليد. ويزيد، وإبراهيم، وروحا، وبشر، ومبشّر، وصدقة، ومسرورا وعمر، ومسلمة، وخالدا، وتمّاما، وجزي، ويحيى، ومنصور لأمهات أولاد شتى. وأبا عبيدة أمه من ولد سيّار الفزاري. وأبا بكر. قال المدائني: كان أبو عبيدة ضعيفا، وكان يقول الشعر، فأرسل إليه هشام بن عبد الملك: لئن بلغني أنك قلت بيتا لأزحمنّك زحمة سوء، ويقال إنه قال لأحلقنّ جمّتك جمّة السوء. وفيه يقول الشاعر: أبو عبيدة سرّاق الفراريج وكان أجمل ولد الوليد، فلما كانت أيام أبي العباس لجأ إلى أخواله من فزارة فأخذ فقتل. وأما إبراهيم بن الوليد فولي شهرا أو شهرين ثم خلع وسنذكر خبره إن شاء الله. وأما يزيد بن الوليد فإنه ولي أشهرا ثم مات وسنذكر خبره أيضا.

стр. 3090

قال المدائني: وأما يحيى بن الوليد فقتل حاجب بن حميضة الكلابي من ولد ملاعب الأسنّة، وكان يشرب عنده فقال له: لم جلد الوليد أباك؟ فسكت، فأعاد عليه فقال له: في أمّك، فأمر به فألقي من فوق البيت. فاستعدى بنو كلاب هشاما، فكتب هشام إلى عامل دمشق: أحلف خمسين رجلا من بني الوليد بالله ما قتلوا ولا علموا قاتلا، فلم يحلفوا وحملوا الدية. قال أبو الحسين: ولم يعقب تمّام، وقال فيه الشاعر: بنو الوليد كرام في أرومتهم … نالوا المكارم قدما غير تمّام وكان مسرور ناسكا، كتب إلى قتادة بن دعامة، فجعل قتادة يقول: كتب إليّ ابن أمير المؤمنين. وكانت عنده ابنة الحجاج. وكان بشر من فتيانهم، وكان روح من غلمانهم، وكان عمر بن الوليد من رجالهم، كتب إلى عمر بن عبد العزيز فأغلظ له، فكتب إليه عمر، فوضع ذلك منه، فقال الفرزدق يمدح عمر بن الوليد: إليك سمت يا بن الوليد ركابنا … وركبانها كانوا أجدّ وأجهدا إلى عمر أقبلت معتمدا به … فنعم مناخ الرّكب حين تعمّدا فلم تجر إلا كنت في الخير سابقا … ولا عدت إلا كنت في العود أحمدا (١) وقال الفرزدق: كفى عمر ما كان يخشى انعتاقه … إذا نزلت بالدّين إحدى البوائق يلين لأهل الدين من لين قبله … لهم وغليظ قلبه للمنافق (٢)

стр. 3091

وكان لعمر بن الوليد ستون ابنا يركبون معه إذا ركب، وكان يقال له: فحل بني مروان. وقال المدائني: كان أبو بكر بن الوليد مائقا، قال يوما لرجل من كلب: ما أحسن الغرة التي في يد فرسك. وكان العباس بن الوليد فارسهم، وله يقول الفرزدق: إن أبا الحارث العباس نأمله … مثل السماك الذي لا يخلف المطرا (١) وله يقول جرير بن عطية: إنّ الندى حالف العباس إنّ له … بيت المكارم ينمي جدّه صعد يعطي الجزيل بلا منّ ولا نكد … يكفي العيون إذا شؤبوبها وقدا إنّ العدوّ إذا راموا قناتكم … لم يلق من رامها وصما ولا أودا (٢) فولد العباس: المؤمّل، والحارث، وأمهما ابنة قطري بن الفجاءة فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة قال: خلّ سبيلها وإلا رجمتك أو تزوجها. فتزوجها، وقد ذكرنا أمرها في خبر قطري. قال: وكان محمد بن الوليد سخيا يقول: إني لا أحبّ أن أسأل. وله عقب. وقال المدائني: كان لبني الوليد غاشية يأتونهم فيعطونهم. قالوا: وكان عبد العزيز سيّد ولد الوليد بن عبد الملك، وأراد الوليد أن يبايع لعبد العزيز بعد سليمان، وزوّجه أم أيوب بنت سليمان، وزوّج بعض بني سليمان بعض بناته وقال له: اهد ابنتك إلى عبد العزيز في داري لتكون

стр. 3092

عندي، وحوّل بيتك إليّ لتضمّ إليهم بناتي استعطافا له، فأبى سليمان عليه إرادته. وقال الراجز: وهو من عذرة للوليد: يا ليتها قد خرجت من فمه … إنّ وليّ عهده ابن أمّه ثمّ ابنه وليّ عهد عمّه … قد رضي الناس به فسمّه خليفة الله ولا تعمّه … أبرز لنا يمينه من كمّه أصبح فيضا يستقى بجمّه … به استقام الأمر في أسطمّه فردّ عليه رجل من الأزد يقال له المثنى: عذريّهم عضّ ببظر أمّه … إذ جعل الدّرص إلى خضمّه فلما ولّي سليمان تلقّاه عبد العزيز فقال: دفنت أم أيوب بنت سليمان ثم جئتني؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن المصيبة بها عليّ أعظم. قال: ونازعت الحارث ابن أمير المؤمنين الصلاة عليها؟ قال: لم يبلغ من سفهي هذا كلّه. وقال سليمان لعبد العزيز بن الوليد: والله لو كنت بايعت لك لقطعت يدك، فلم يزل عبد العزيز طامعا في الخلافة، فلما مات سليمان وهو بالشام عقد ألوية وشخص إلى طبرية ودعا إلى نفسه فقيل له: إنّ خالك قد استخلف، فحلّ ألويته ورجع، فقال له عمر حين بايعه: أيا عبد العزيز أردت أن تشقّ عصا المسلمين. وتضرب بعضهم ببعض، لقد كنت أربأ بك عن هذا الرأي. فقال: يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي استنقذني بك، لولا مكانك ما ملكها عليّ أحد.

стр. 3093

وكان يقال: لو وضع بنو الوليد في كفة ميزان وعبد العزيز في كفة لرجح بهم عبد العزيز، وكان سخيا وكان يقول لخاصّته: والله لا يرمقني رجل ببصره ولا يبسط إليّ لسانه إلا أعطيته فامنعوني أو دعوا. وله يقول الشاعر: وأنت ابن ليلى الخير خير ظعينة … وليلى عديّ لم تلدك الزعانف وليلى عدي، أم عبد العزيز بن مروان: ليلى بنت زبّان بن الأصبغ، وليلى الأخرى: أم أم البنين. وقال المدائني: قال الجرمي عن أبيه: كنا مع عبد العزيز بن الوليد: وهو مريض، فخرج إلى منزل كان ينزله، ومعنا حجر بن عقيل الرّياحي، فأنشده: فما أخرجتنا رغبة عن بلادنا … ولكنّ ما قد قدّر الله كائن لحين نفوس لم تجد متأخّرا … فلا تبعدن تلك النفوس الحوائن فقلت: قطع الله لسانك. فهلك عبد العزيز في وجهه ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك. وكان الوليد بن عبد الملك ضم إلى عبد العزيز أبا عبيدة محمد بن عمار بن ياسر، وكان لعبد العزيز بن الوليد من الولد، عتيق، وعبد الملك، أمهما من ولد أبي بكر الصديق، وكان له قدر. وكان لعبد الملك قدر وكان يكنى أبا مروان. وقال الشاعر: إني رأيت بني أمّ البنين لهم … مجد طويل وفي أعمارهم قصر مات الهمام أبو مروان فاختشعت … كلب وأيّ بلاء يبتلى مضر

стр. 3094

فقال الوليد ليزيد بن الحصين بن نمير السكوني: بايع لعبد العزيز، فقال: أما يميني فبايعت بها لسليمان وإن شئت بايعت لعبد العزيز بشمالي. قالوا: وكان الوليد بن عبد الملك يقول: إذا احتلم الصبي من ولدي فضموا إليه مؤدبا له صلاح وفضل وشرف، وضموا إليه عشرة يجالسونه ويكونون عيونا عليه يحولون بينه وبين من يجالسه من أهل الدناءة والسّخف. وكان يقول: سيدنا عبد العزيز، وفتانا بشر، وعالمنا روح، وفارسنا العباس، وفحلنا عمر. وقال الوليد: من رأى مثل ولدي: عبد العزيز على دمشق، والعباس على حمص، وبشر على قنسرين، وعمر على الأردن. فقال له عباد بن زياد: كان عبيد الله بن زياد على العراق، وأخوه عثمان خليفته على أحد المصرين، وعبّاد على سجستان، وعبد الرحمن على خراسان. فسكت. قالوا: وكان بنو الوليد ثمانية عشر سراة، فكانوا يركبون، فإذا رجعوا مضوا مع أكبرهم إلى منزله، فإذا دخل انصرفوا مع الذي يليه إلى آخرهم. قالوا: وكان على شرط الوليد كعب بن حامد ثم عزله وولى أبا ناتل رياح بن عبدة الغسّاني، ثم عزله وأعاد كعبا. واستقضى سليمان بن حبيب المحاربي، وولى عمر بن عبد العزيز المدينة وأمره أن يبني مسجدها ويجعله مائتي ذراع في مائتي ذراع، وبعث من الفعلة من الشام، وكتب إلى ملك الروم يعلمه أنه قد أمر بهدم مسجد

стр. 3095

رسول الله ﷺ ويسأله أن يعينه في بنائه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهبا وبمائة فاعل، وبأربعين حملا فسافسا، فبنى عمر المسجد وبنى الوليد مسجد دمشق فقال لأصحابه: أقسمت عليكم لمّا أتاني كل واحد منكم بلبنة. فجعل رجل من أهل العراق يأتيه بلبنتين، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال: يا أهل العراق تفرطون في كل شيء حتى في الطاعة. قالوا: وأعطى الوليد المجذمين، وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا. وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ للمصانع، وكان عند أهل الشام أفضل خلفائهم، فلما ولي سليمان كان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يتلاقون في زمن الوليد فيسألون عن البناء والمصانع وما أشبه، ويسألون في زمن سليمان عن التزويج والجواري والطعام. وولي عمر بن العزيز فكان الناس يسألون عن الفقه والقرآن، فيقول هذا: متى ختمت، ويقول هذا: كم تصوم من الشهر. المدائني قال: كتب الوليد إلى بعض عمال أبيه: «أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر ما اختص الله به أمير المؤمنين من خلافته، وأنك بايعت من قبلك فحسنت إجابتهم وسارعوا إلى الطاعة، وأمير المؤمنين يحمد الله على ما أكرمه به واصطنع، ويسأله العون على ذلك، وذكرت أنك بعثت إلى أمير المؤمنين ببيعة من قبلك مع أبان بن سويد وهو في صالحي أهل بلاده، وقد قدم على أمير المؤمنين بكتابك، فأحسن صلته، والسلام. وكتب جناح مولى أمير المؤمنين». وكان جناح على رسائله وهو مولاه.

стр. 3096

المدائني قال: خطب الوليد يوم جمعة فأتت الصلاة فناداه رجل: الصلاة، وجلس فلم يعرف، فقال الوليد: أيها الناس والله ما نعاتبكم على العلانية وإنما نعاتبكم على أن تسروا لنا العداوة. وقال الوليد: أنا أنفق على الكعبة وأكسوها وأطيّبها فعلام يأخذ بنو شيبة هداياها، لأمنعنّهم إياها العام، فبلغهم ذلك فأرمضهم، وخرج الوليد حاجا فخرجوا يتلقّونه فوجدوا الحجاج معه فقالوا له: أنت وإن كنت معزولا عنا، فأنت محمود عندنا ورحمنا وحرمتنا ما لا تنكر، وقد بلغنا كذا وفزعنا إليك، قال: إذا دخلتم على أمير المؤمنين فتحيّنوني عنده، ثم سلموا عليه خالي الوجه ودعوني أكفيكموه ففعلوا، فلما خرجوا قال الحجاج: علام تدع هؤلاء وهدايا الكعبة؟ قال: قد أجمعت على أخذها، قال، إفعل فاني كنت أشرت بهذا على أمير المؤمنين عبد الملك فلم يفعل، فقال: أنا أبرأ إلى الله مما برئ منه أمير المؤمنين عبد الملك. وتركها لهم. المدائني قال: قام رجل من أهل حمص إلى الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إني أتيت ذنبا فاستغفر لي غفر الله لك. فقال بعضهم: مقادي (١) يقوم أمير المؤمنين بنفسه. وقال المدائني: قدم ذبيان بن نعيم بن حصين العليمي من كلب على الوليد فقال: يا أمير المؤمنين: إني قد فرضت لنفسي فسلّم ذلك لي. قال: وفي كم؟. قال: في ستين دينارا. قال: قد أجزناها لك، ثم بعثه إلى عبد

стр. 3097

العزيز بن الوليد، وهو على قنسرين وأوصاه به، فكان يأذن لرجلين من قيس يقال لهما راسب وسعيد قبله فغضب وكتب إلى الوليد فقال: أبلغ أمير المؤمنين ودونه … فراسخ تطوي الطرف وهو حديد بأني لدى عبد العزيز مؤخّر … يقدّم قبلي راسب وسعيد فكتب إلى عبد العزيز إن يقدمه. وقال هشام ابن الكلبي عن أبيه: إنما ضمّه عبد الملك إلى عبد العزيز بن مروان فجفاه، فكتب إلى عبد الملك، فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز ببره وصلته وتقديمه. المدائني أن الوليد قال لعباد بن زياد: أين كان زياد من الحجاج؟ فقال: إنّ الحجاج لمقدام. قال: أين تدبيره من تدبيره قال: قدم زياد العراق على راحلته فضبطه بمداراة ورفق وحسن سياسة، وقدم الحجاج فكسر الخراج وأفسد قلوب الناس ولم يضبطهم بأهل الشام وأهل العراق، ولو رام منهم ما رام زياد لم يفجأك شيء دون قدومه عليك يوجف على قعوده. وقالوا: استعمل الوليد عبد العزيز على بعض الشام فأتاه رجل فقال: نصيحة. قال: إن كانت لك رددناها عليك، وأن كانت لنا فلا حاجة لنا فيها. قال: جار لي أخلّ بمركزه، قال: بئس الجار أنت نحن ناظرون فيما ذكرت فإن كنت صادقا مقتناك وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن أحببت أن نعفيك أعفيناك. قال: اعفني. قال: قد فعلت. وقال المدائني: كان عبد الملك استعمل أخاه محمدا على قنسرين والجزيرة وأرمينية وآذربيجان، فلما ظهر محمد على أرمينية وأذربيجان عزله

стр. 3098

عبد الملك عن قنسرين فلما مات عبد الملك استعمل الوليد على عمل محمد: مسلمة بن عبد الملك، فأضرّ مسلمة بمحمد، فدخل محمد على الوليد ومعه ابنه مروان يتوكأ عليه، فقال: إن أخي عبد الملك كان يصلني ويشركني في سلطانه حتى ذهب لسبيله، وقد بلغت من السن ما ترى وأنا لك بمنزلة الوالد، فطأطأ الوليد ثم تمثل: إن تصبرا فالصّبر خير مغبّة … وإن تجزعا فالأمر ما تريان فقام محمد وهو يتمثل: فإن جزعنا فمثل الشّر أجزعنا … وإن صبرنا فإنّا معشر صبر ثم انصرف إلى الرها (١)، فأقام بها حتى مات. المدائني عن أسامة بن زيد عن سعيد بن إبراهيم قال: قيل لسعيد بن المسيب: إن ابن شهاب حدث الوليد عن قبيصة بن ذؤيب عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ينبغي للخليفة أن يناشد»، فقال ابن المسيب: لعنة الله على ابن شهاب، إن كان حدث بهذا، لقد أعظم الدنيا. أيحدّث الوليد بمثل هذا وهو يعرف الوليد؟. ويحه أما سمع قول أخي بني كعب حين قال: لا همّ إنّي ناشد محمّدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا أفيناشد رسول الله ﷺ ولا يناشد الخليفة؟. المدائني قال: قال أسيلم بن الأخيف للوليد قبل أن يلي: إذا ظننت ظنا فلا تحقّقه، وإذا سألت الرجال فاسألهم عما تعلم، فإنهم إذا رأوا سرعة

стр. 3099

فهمك ظنّوا أنك فيما لا تعلم على حسب ذلك، وأقلّ الكلام يقلّ لحنك. وكان الوليد لحّانا. المدائني عن عامر بن عبد الأعلى قال: حدث الوليد أنه جمع بين هند بنت الحسن الإيادي، ويقال العمليقي وبين جمعة بنت عابس الإيادي، فقيل لجمعة: أيّ الرجال أحب إليك؟. قالت: «الغليظ الكبد، الظاهر الجلد، الشديد الجذب بالمسد». ثم قيل لهند: أيّ الرجال أحبّ إليك؟ قالت: «القريب الأمد، الواسع البلد، الذي يوفد إليه ولا يفد»، فقال الوليد: من هذا الرجل؟ فقال له هاشم بن عبد الأعلى الفزاري: أنت يا أمير المؤمنين. قالوا: وكتب الوليد بن عبد الملك - ويقال سليمان - إلى عثمان بن حيّان المرّي، وهو عامله على المدينة يأمره أن يحصي المخنثين قبله، فصحّف الكاتب فقرأ: اخص المخنثين فخصى عدة منهم فيهم الدلال، فقال: الآن تمّ لي الخنث. المدائني عن شراحيل بن علي قال: أمر الوليد وهو على المنبر بقراءة كتاب جاءه من الحجاج يذكر فيه طاعته ونصيحته ويقول: «إني أرجو بصدق نيتي وخلوصها لأمير المؤمنين شفاعته لي». فقال أبو معتمر الحمصي: مقادي أمير المؤمنين ينجو بنفسه. قالوا: خرج الحجاج من العراق حاجا أو معتمرا، فمر بالمدينة وعليها عمر بن عبد العزيز فقال: كيف أميركم؟ فأثنوا عليه خيرا. فقال: كيف هيبتكم له مع ما تذكرون من حسن سيرته؟ قالوا: ما نقدر أن نملأ عيوننا منه إذا جالسناه. قال: فما عقوبته؟. قالوا: ما بين الخمس عشرة

стр. 3100

ضربة إلى الثلاثين، فقال: أهذه الهيبة مع هذه العقوبة؟ قالوا: نعم. قال: الأمر إلى الله، لقد حذرت أمير المؤمنين إيّاه، وإن الوليد لأهل للنصيحة. فكتب الحجاج إلى الوليد: إنّ أهل المدينة قد اتخذوا عمر بن عبد العزيز كهفا، وقد تحبب إلى أهل المدينة، فما يتقدمه عندهم أحد. فعزل الوليد عمر عن المدينة، وولى عليها عثمان بن حيّان المرّي. وأخبر عمر بن عبد العزيز بلحن الوليد فقال: إنه وإن لحن لأجدّ الجدّين. وقرأ الوليد في الحاقّة: (﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ (١)، فقال سليمان: وأنا والله وددتها، وكان سليمان يسمع الوليد يلحن في خطبته فيقول: الله المستعان. المدائني قال: مرض الوليد بن عبد الملك فرهقته غشية، فمكث عامة يومه عندهم ميتا، فبكي عليه وخرجت البرد بموته، فقدم رسول على الحجاج بمثل ذلك، فاسترجع ثم أمر بحبل فشدّ في يده ثم أوثق إلى أسطوانة وقال: اللهم لا تسلّط عليّ من لا رحمة له. فطالما سألتك أن تميتني قبل أمير المؤمنين، فبينا هو كذلك إذا قدم عليه بريد بإقامته فخر ساجدا وأعتق كل مملوك له. ويقال إنه قال: اللهم إني لم أدعك في موطن أصابني فيه سوء إلا استجبت لي، وقد سألتك أن تقدّم يومي قبل يوم الوليد، فلما جاءه البريد بعافيته خرّ ساجدا، وأعتق كل مملوك له، وتصدق بصدقة كثيرة.

стр. 3101

قالوا: ولما أفاق الوليد قال: ما أحد أسرّ بعافية أمير المؤمنين من الحجاج، فورد كتابه بعد أيام بتهنية الوليد بالعافية، وبعث إليه بأنبجات (١) من انبجات الهند. ثم لم يمت الحجاج حتى ثقل على الوليد، فقال خادم للوليد: إني لأوضّئه يوما لصلاة الغداة إذ مدّ يده فجعلت أصبّ عليها الماء وهو ساه والماء يسيل ولا أقدّر أن أتكلم، ثم نضح الماء في وجهي وقال: أناعس أنت؟ ثم رفع رأسه إليّ فقال: ويلك أتدري ما جاء الليلة؟ قلت: لا. قال: ويلك مات الحجاج. فاسترجعت فقال: اسكت فما يسرّ مولاك أنّ في يده تفاحة يشمّها وأنه لم يمت. المدائني قال: قال الماجشون: لما مات الحجاج أتيت عمر بن عبد العزيز فأخبرته فقال: رغم أنفي لرب لم يقطع مدّتي حتى أراني موت الحجاج، فأتى الوليد فأخبره فترحّم عليه، ثم قال لعمر: أما لقد كان حسن القول فيك يا أبا حفص، وهل كان إلا منّا أهل البيت. وحدثني الحرمازي عن أبي عمرو المديني قال: لما مات الحجاج والوليد بن عبد الملك جعل الإماء والصبيان بالمدينة يقولون: يا مهلك الاثنين أهلك ذاك الإنسان - يعنون عثمان بن حيّان -

стр. 3102

وكان الوليد عزل عمر بن عبد العزيز وولاه المدينة، فلما عزل عثمان قالوا: يا مهلك الإثنين أهلك ذاك الإنسان، ومن ذاك الإنسان، عثمان بن حيّان. المدائني قال: قال سليمان بن يسار للوليد: إن عمر بن الخطاب قال: وددت أني أنجو من الخلافة كفافا لا عليّ ولالي، فقال: كذبت أو قال: كذبت. المدائني عن علي بن إبراهيم قال: قال الوليد: لا تحدثونا عن عمر بن الخطاب فإنّ حديثه طعن علينا. قال: وحجّ الوليد وحج محمد بن يوسف أخو الحجاج من اليمن، وحمل هدايا للوليد، فقالت أم البنين بنت عبد العزيز امرأة الوليد: اجعل لي هدية محمد بن يوسف، فأمر بصرفها إليها، فجاءت رسل أم البنين إلى محمد بن يوسف لقبض الهدايا فأبى وقال: لا أسلّمها حتى يراها أمير المؤمنين، فغضبت ودخلت على الوليد فقالت: لا حاجة لي في هدايا محمد فإنه بلغني أنه أخذها من الناس ظلما وغصبا وسخّرهم لعملها. فلما حملها إلى الوليد قال له: بلغني أنك اغتصبتها الناس وكلّفتهم عملها وظلمتهم. فقال: معاذ الله. فأحلفه خمسين يمينا بين الركن والمقام أنه ما ظلم أحدا ولا أصابها إلا من طيّب فحلف، فقبلها الوليد، وبعث بها إلى أم البنين. ومات محمد بن يوسف باليمن، أصابه داء تقطّع منه. قالوا: وقدم على الوليد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجال من الأنصار، وكان له فضل ودين ورأي، وكان عظيم اللحية طويلها، فقال له الوليد: أما تعمل طول لحيتك فقد غمتني لك، اقبض قبضة ثم

стр. 3103

أخرى، وأمر أن يجزّ منها بعد قبضتين. ففعل وكأنه لم يجزّ شيئا، فاغتمت الأنصار لذلك، وبلغ الوليد اغتمامهم فاعتذر إليهم وقال: ما فعلت هذا استخفافا، وأجازه ووصله. وكان قد أهدى إلى الوليد رطبا كثيرا، يقال إنه بأربعين ألف درهم، فقبله ثم رده عليه وقال: إن في لحيتك له موضعا فاقسم منه ما شئت في أصحابك. قالوا: وأتى الوليد رجل من بني مخزوم يسأله في دية، فقال: نعم إن كنت مستحقا لذلك. قال: يا أمير المؤمنين وكيف لا أكون مستحقا لذلك مع قرابتي؟. قال: أقرأت القرآن؟. قال: لا. قال: ادن، فدنا منه فنزع عمامته بقضيب كان في يده وقرعه بالقضيب قرعات ثم قال لرجل: ضمّ إليك هذا فلا يفارقك حتى يقرأ القرآن. ثم قام إليه بعض ولد خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فقال: يا أمير المؤمنين إن عليّ دينا، فقال: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. فاستقرأه عشر آيات من الأنفال، وعشرا من براءة فقال: نعم نقضي دينكم، ونصل أرحامكم على هذا. وحدثني هشام بن عمار عن الوليد قال: مر الوليد يوما بكتّاب فيه وصيفة فقال للمعلم: ما هذه؟ قال: أعلّمها الكتاب والقرآن. قال: ويحك، ليكن الذي يعلّمها من الغلمان أصغر سنا منها. المدائني قال: كان الوليد يمر بالبقال فيقف عليه فيتناول حزمة من البقل فيقول: بكم هذه؟ فيقال: بفلسين. فيقول: زد فيها فإنك تربح.

стр. 3104

قال المدائني: أتى رجل الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إنك تعيش أربعين سنة خليفة، فقال الوليد: إن أمير المؤمنين لا يرضى بضعف ذلك. المدائني عن عقبة بن رؤبة قال: قال رؤبة: أوفد ابراهيم بن عربي وفدا من اليمامة أنا وأبي وجرير فيهم إلى الوليد، فلما كنا بحوّارين قال أبي: يا بني إنّا قد أتينا هذا الرجل وقد ولدته كريمة من كرائم العرب ولم تذكرها بشيء، فقلت: إلى ابن مروان قريع الإنس … وبنت عباس قريع عبس (١) وقلت أبياتا. فضرب خيشوم راحلتي وقال: أنا أحق بها منك. قال فدعي بنا قبل جرير، ثم خرجنا ومالنا عند جرير ذنب فقال: أما والله يا بني أم العجاج لئن وضعت كلكلي عليكما لأطحننكما طحنا لا يغني معه مقطعاتكما هذه شيئا. ويقال إن هذه الوفادة كانت إلى عبد الملك. المدائني قال: كان عند الوليد رجل من أخواله بني عبس فجعل يقع في بني أسد، فثقل ذلك على الوليد، فقال الوليد لحاجبه: ابغني رجلا من بني أسد ظريفا يكفيني هذا العبسي فأتاه برجل منهم شاعر، وأخبره بأمر العبسي والذي يريده، فقال العبسي: ممن الرجل؟ قال: من بني أسد، فانبرى العبسي يقع في بني أسد، ثم قال: من أيهم أنت؟ قال: من بني الصيداء، قال: أتعرفون قول الشاعر: إذا ما اللّؤم حلّ بدار قوم … هداه إلى بني الصّيداء غاد

стр. 3105

فقال الأسدي: ممن أنت؟ قال: من بني رواحة من عبس، فقال الأسدي: ما أدري ما قال الشاعر ولكني أقول: فإنّ اللؤم لم يضلل ولكن … أذاعته رواحة في البلاد إذا عبسية ولدت غلاما … فبشّرها بلؤم مستعاد حدثنا أبو عدنان البصري عن الهيثم بن عدي أن الوليد قال لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: أزوجت الحجاج ابنتك؟ قال: أبوك زوّجها، لم يقض ديني فزوجتها، وتمثّل: من يك نائبا ويكن أخوه … أبا الضّحاك ينتشج الشّمالا فكتب الوليد إلى الحجاج يأمره بطلاقها، فقال لها الحجاج: إن أمير المؤمنين قد كتب إليّ يأمرني بطلاقك، فقالت: هو والله أبرّ بي ممن زوّجنيك، فطلقها الحجاج فكان يجري عليها في كل شهر ألفي درهم، وبعث إليها بأحمال كسى وعطر. وقال المدائني وغيره: إن الوليد خطب يوما وتحت سريره أعرابي فسمعه يقول: «إن علي بن أبو طالب كان لصا من لصوص صب عليه شؤبوب (١)». فقال الأعرابي: ما يقول صاحبكم هذا؟ وقال الحرمازي: قال الوليد: «إن الزبير كان لصّ من لصوص، وكان علي بن أبو طالب حمار من حمر» فقال أعرابي: ما يقول؟ فقال له صاحبه: يذكر أضغانا كانت بينه وبينهم.

стр. 3106

أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن عبد الملك، مولى قريش، قال: أجرى الوليد يوما الخيل فقال: ردّ الفرسان الصادان عن الميدان، فقال عباد بن زياد: الفرسين الصادّين. قال: وقال رجل لعبد الملك: أفسدت لسان الوليد فقال: ما ذاك إلاّ من حبي له، اشفقت عليه فلم أسترضع له في البادية. وقال الوليد لسالم بن عبد الله بن عمر: ما أدمك؟ قال: الخل والزيت. قال: أفما تأجمهما (١)؟ قال: بلى ولكني إذا أجمتهما تركتهما وأكلت خبزا قفارا حتى أشتهيهما. وقال المدائني: أغزى الوليد جيشا في الشتاء فسلموا وغنموا فقال لعبّاد بن زياد: كيف ترى؟ وكأنه عرّض بقول زياد: جنّبوني عدوّين لا يقاتلان. الشتاء وبطون الأودية. فقال: يا أمير المؤمنين قد سلموا وأخطأت، وما كل عورة تصاب. وقال المدائني: ركب الوليد فحدا به الحادي وهو من عذرة يا أيها البكر لقد أراكا … تحلّ سهل الأرض في ممشاكا ويحك هل تعلم من علاكا … خليفة الله الذي امتطاكا فقدم الوليد مكة وطاف بالبيت ثم استند إلى حائط يلي زمزم، والفضل بن العباس بن أبي لهب يستقي من زمزم ويقول: أيّها السائل عن عليّ … تسأل عن بدر لنا بدريّ مردّد في المجد أبطحيّ … زمزم يا بوركت من طويّ بوركت للساقي وللمسقيّ … اسقي على مأثرة النّبيّ

стр. 3107

ثم أتي الوليد بماء فشربه ومسح منه على وجهه. حدثنا محمد بن الأعرابي قال: قال الأخطل للوليد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين أصلح بين ابني نزار، فقال بيهس بن صهيب الجرمي: لا أصلح الله بينهم. فقال الأخطل: والله ما ادري ما تكره من ذاك؟ فقال: بهيس: وأنا والله ما أدري ما ينفعك من ذاك. وقال كعب بن جعيل يمدح الوليد: أرجو الخليفة إذ رحلت أريده … والنفس تبلغ بالرحيل مناها وإذا علقت عن الوليد بذمة … سكنت إليّ جوانحي وحشاها أنت الإمام ابن الإمام لأمّة … أضحى بكفّك فقرها وغناها وقال رجل من غطفان في الوليد يمدحه: إني وإن قال أقوام تكلّفني … نفسي لأذكر منه فوق ما ذكروا قالوا الفرات وما أرضى به شبها … ولن يوازي جاري سيبه البحر في أبيات، فلم يعطه شيئا فقال: أتيت الوليد فألفيته … كما قد علمت غبيّا بخيلا بطيء العطاء عسير القضاء … لا يفعل الخير إلا قليلا وقال أيضا: أتيت الوليد فألفيته … كما يعلم الناس وخما وبيلا فليت لنا خالدا بالوليد … وعبد العزيز بيحيى بديلا يعني خالد بن يزيد بن معاوية، وعبد العزيز بن مروان، ويحيى بن الحكم. وقال أبو قطيفة للوليد:

стр. 3108

ألا ابلغ أمير المؤمنين رسالة … فغير التي تأتي من الأمر أصوب أفي الله أن ندنى إذا ما فزعتم … ونقصى إذا ما تأمنون ونحجب ويجعل دوني من تودّ لو أنّكم … ضرام بكفّي قابس يتضرّم فها أنتم داويتم الكلم ظاهرا … فمن لقروح في الصدور تخرّب ومدحه الأخطل بشعر يقول فيه: لقد ولدت جذيمة من قريش … فتاها حين تحزبها الأمور وأسرعها إلى الأعداء سيرا … إذا ما استبطئ الفرس الجرور (١) وقال خالد بن خيار: وعند الوليد إن أردنا عطاءه … نوال كثير دونه الباب يقفل إذا ما رجونا أن يجود سحابه … بخير أبت كفّ تضنّ وتبخل المدائني أن أخا الأحوص شهر على أخيه السيف بالمدينة، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد، فكتب إليه الوليد أنّ اقطع يده. فقطع عمر يده فتعلق على عمر بذلك. قال وكتب الوليد إلى عمر أن اضرب خبيبا لأنه كان يقول ملك بني مروان زائل عن قريب، وكانت عنده أحاديث، فضربه عمر لذلك فمرض وبرئ، ثم مرض فمات، فظن أنه مات من ضربه، فأعتق ثلاثين رقبة. ويقال إنه ضربه أربعين سوطا، وصبّ عليه جرّة ماء، فمات فأعتق ثلاثين رقبة. قال: وقال بعضهم: لما قتل عبد الله بن الزبير بايع عبد الله بن خازم السّلمي صاحب خراسان لخبيب بن عبد الله بن الزبير، فكان ذلك في نفس

стр. 3109

عبد الملك والوليد، فلما ولي الوليد أراد فضيحة خبيب، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بضرب خبيب فضربه. قال المدائني: وهذا غلط لأن ابن خازم قتل قبل مقتل ابن الزبير. المدائني قال: أدخل بعض الخوارج على الوليد بن عبد الملك فكلمه فشتمه الخارجي وشتم أباه، فقال الوليد لعمر بن عبد العزيز: ما ترى؟ قال: أظنه مغلوبا على عقله فإن فعلت بما يشبهك ويشبه من أنت منه خلّيته. فقال الوليد لعمر: حروري والله. قال عمر: مجنون والله. فاخترط خالد بن الريان سيفه وهو يرى أن الوليد يأمره بقتل عمر، فقام الوليد مغضبا فدخل على أم البنين أخت عمر فقال: ألا ترين إلى ما قال لي أخوك الحروري الأحمق، قالت: أنت أولى بما قلت له، ما أسقط عمر سقطة مذ كان غلاما. وقال لعبد العزيز ابنها: اخرج إلى خالد بن الريان فاصرفه. وقال عمر لخالد: أكنت قاتلي لو أمرك الوليد؟ قال: أي والله. قال: إنك لجرئ على طاعة المخلوق في معصية الخالق. وأرسلت أم البنين إلى خالد أن اخرج من العسكر، فخرج فكان مع سليمان في عسكره. المدائني قال: خطب الوليد يوم جمعة وكان لحانا فقال أعرابي: لقد خلط بين وبر وصوف - أي أخطأ وأصاب-. وقال الكلبي: كان الوليد وسليمان وليّي عهد عبد الملك، فأراد الوليد حين ولي أن يبايع لابنه عبد العزيز ويخلع سليمان، فأبى سليمان،

стр. 3110

فأراده على أن يجعله بعده، فأبى سليمان أيضا، فبذل له الوليد أموالا عظيمة كثيرة على أن يفعل ذلك. وكتب الوليد إلى عماله أن يبايعوا لعبد العزيز، ودعا الناس إلى ذلك فلم يجيبوا إلا الحجاج وقتيبة بن مسلم، وخواص من أصحابه، فقال له عبّاد بن زياد: إن الناس لا يجيبونك إلى هذا ولو أجابوك لم تأمنهم على الغدر بابنك، فاكتب إلى سليمان فمره بالقدوم عليك فإنّ لك عليه طاعة فإذا قدم فأرده على البيعة لعبد العزيز من بعده، فإنه لن يقدم على الامتناع عليك وهو عندك، فإن أبى كان الناس عليه. فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ وتثاقل، فعزم الوليد على المسير إليه وخلعه فأمر الناس بالتأهب، وأمر بحجره فأخرجت، ومرض الوليد فمات قبل أن يسير. وقال الوليد ليزيد بن حصين بن نمير السكوني: بايع لعبد العزيز، فقال: أما يميني فقد بايعت لسليمان، فإن شئت بايعت لعبد العزيز بشمالي. وقال جرير بن عطية للوليد: إذا قيل من أهل الخلافة بعده … أشارت إلى عبد العزيز الأصابع (١) فوصله عبد العزيز وأمه، فلما قام سليمان خافه فأتاه ممتدحا لأيوب فعفا عنه سليمان وقال كثير: جمعت هوانا يا بن بيضاء حرة … رجا ملكه لما استهلّ القوابل (٢)

стр. 3111

المدائني عن أبي اليقظان عن هشام بن حسان قال: أرسل الوليد إلى رجل من أهل الشام كان ذا فضل وعقل فقال له: ما عطاؤك؟ قال: كذا. فأضعفه له وأمر أن يلحق عياله بشرف العطاء، وقضى دينه ثم قال له: إن أمير المؤمنين قد أحب أن يضمّك إلى ولده ليأخذوا بهديك وينتفعوا بأدبك، فامتنع عليه وقال: لست أفرغ لهم. قال: فيصيرون إليك في الجمعة يوما. قال: لا يمكني. فأسقط رزقه فلقيه رجل من أصحاب الوليد فقال: يا عبد الله ما دعاك إلى الإمتناع مما سألك أمير المؤمنين؟ فقال ونظر إلى دابة ميتة: والله لأن آتي هذه الجيفة غدوة وعشية فأتمعك عليها أحبّ إليّ من أن أجيبه إلى ما سأل. قال: وكم يكفيك في كل شهر؟ قال: خمسون درهما. قال: فهي لك ما بقيت. قال المدائني: وقال في الوليد أبو عدي عبد الله بن عدي بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس: عبد شمس أبوك وهو أبونا … لا نناديك من مكان بعيد والقرابات بيننا واشجات … محكمات القوى بعقد شديد فأنبني ثواب مثلك مثلي … تلقني للثواب غير جحود حدثني الحرمازي عن أبي زبالة وغيره قال: كانت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز عند الوليد، وكان معجبا بها محبا لها، وكانت امرأة برزة عفيفة تحب الشعر فبعثت إلى كثير أن صفني وامدحني فكره ذلك، فقالت له: قل الشعر في غاضر جاريتي فذلك حين يقول: أغاضر لو ترين غداة بنتم … جنود العائدات على وسادي

стр. 3112

قصة وضاح اليمن مع أم البنين بنت عبد العزيز زوج الوليد بن عبد الملك. أو أم البنين بنت المخترم، والأول أصح. وحجت مع الوليد فرأت وضّاح اليمن الشاعر، أحد الأبناء، وهو ينشد، فأعجبها فأرسلت إليه أن اصحبنا، وأمرته فقال فيها شعرا، فبعثت إليه بكسوة وجائزة، فلما صارت إلى الشام وهو معهم جعلت ترسل إليه فيدخل عليها سرا وهي من وراء السّتر فينشدها ويحادثها. وبلغ ذلك الوليد فغمّه فأمر خادما أن يدخل عليها فإن وجد وضاحا عندها قتله، فلما أحست أم البنين بالخادم أدخلت وضاحا صندوقا وأقفلته، فأخذ الخادم الصندوق وحفر حفرة ثم دفن الصندوق فيها. وحدثني الأثرم عن أبي عبيدة عن ابن جعدبة قال: كان وضاح من أبناء اليمن وكان جميلا وهو الذي يقول: مالك وضّاح دائم الغزل … ألست تخشى تقارب الأجل وكانت أم البنين بنت المخترم امرأة جميلة فعشقها وأحبته وكان زوجها من حمير فسمعها تقول: يا وجه وضّاح لقد … أورثت قلبي حزنا وكان وضاح لنفسـ … ـي … ويح قلبي شجنا فطلقها. ولها يقول وضاح: وأنت التي كلّفتني البرد شاتيا … وأوردتنيه فانظري أيّ مورد وحجت أم البنين، فبلغ الوليد أمرها وهو حاج، فبعث فتزوجها وحملها فاتّبعها وضاح.

стр. 3113

قال أبو عبيدة: وحدثني جماعة من أهل العلم أن التي قتل وضاح بسببها أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان. قال: وقال ابن ذئب: أم البنين بنت المخترم امرأة كانت للوليد بن عبد الملك، تزوجها من أهل البادية، وكان وضاح اليمن قدم على الوليد قدوم الشعراء فعلقته أم البنين، وبلغ الوليد أمره ففعل به خادمه ما فعل بأمره. والأول أثبت. ووضاح الذي يقول: مالك وضاح دائم الغزل … ألست تخشى تقارب الأجل وحدثني الحرمازي قال: أم البنين التي قتل الوضاح بسببها ابنة عبد العزيز بن مروان وابنة المخترم غيرها، وهي التي قال فيها عمر بن أبي ربيعة: فلو كنت إذ عبتني في الجمال … كأمّ البنين ابنة المخترم (١) المدائني قال: حج الوليد فنظر إلى عمر بن أبي ربيعة فقال له: من أنت؟ قال: عمر بن أبي ربيعة قال: الشاعر؟ قال: مثلي يا أمير المؤمنين لا ينسب إلى الشعر وإنما إلى بيته وآبائه. قال: فأنشدنا فأنشده، فبرّه. المدائني قال: ناضل الوليد نوفل بن عبد الله فنضله نوفل، فقال الوليد: رمية من غير رام، قال: إنها من رام أكثر. قال: وقدم الوليد بن عبد الملك بيت المقدس فنزل على قوم من غسان فذبحوا له الغنم، والبقر، والدجاج، والفراخ، والأوز، والحجل،

стр. 3114

ونحروا الجزور، فجعلوا يلقون في قدور لهم عظام من كل ما ذبحوا ونحروا ويخلطون ذلك - فسمّي ذلك الطبخ: الغسانية مذ ذاك. وقوم يقولون أن عمر بن الخطاب ﵁ لما قدم الشام أتي بطعام فجعل يخلط بعض الألوان ببعض فسمّي ما خلط الغسانية. والأول أثبت. المدائني عن علي بن سليم قال: كانت ابنة سعيد بن العاص عند الوليد، فمات عبد الملك فلم تبك عليه، فقال لها: ما منعك من البكاء على أمير المؤمنين؟ فقالت: ما أقول له إلا أن أدعو الله أن يحييه ويزيد في سلطانه حتى يقتل أخا لي آخر؟ فقال: أي والله لقد قتلناه وكسرنا ثناياه. قالت: قد علمت من شقّت استه، فقال: الحقي بأهلك. قالت: ألذ من الرفاء والبنين. قالوا: وقال الوليد لبديح غلام عبد الله بن جعفر: يا بديح خذ بنا في التمني فوالله لأغلبنّك، قال: ستعلم. فقال الوليد: ابدأ أنت فتمنى فإني سأتمنى ضعف ما تتمنى. فقال بديح: فإني أتمنى سبعين كفلا من العذاب، وأن يلعنني الله لعنا كثيرا، فقال: غلبتني قبحك الله. قالوا: ودخل على الوليد رجل من العرب يشكو ختنه فقال: إن ختني أخذ مالي وظلمني، قال: ومن ختنك فظنّ أن يسأله عمن أعذره، فلم يجبه. فقال عمر بن عبد العزيز: من ختنك؟ قال: فلان بن فلان. وقال الوليد لرجل دنا منه: قبلك قبلك، يريد: مكانك. حدثني هشام بن عمّار الدمشقي عن مدرك بن حجوة أن قوما دخلوا على الوليد وعنده أخوه مسلمة فشكوا أمرا من أمرهم، فلم يبيّنوا

стр. 3115

ولا أحسنوا العبارة عما في أنفسهم، فتكلم رجل منهم فأفصح وأوضح وعبر عن نفسه وعن القوم، فقال مسلمة: ما شبّهت كلام هذا الرجل في إثر كلام القوم إلا بسحابة لبدت عجاجا. قالوا: ومرض الوليد فذكر له موسى بن نصير طبيبا قدم به من المغرب روميا فأدخله إليه، وعنده ابن رأس البغل، ويقال ابن رأس الحمار، وكان يعالجه، وكان طبيب عبد العزيز بن مروان، وكان من أهل الاسكندرية، فتراطنا بالرومية فقال أحدهما لصاحبه: ما داؤه؟ قال: السّل. قال: صدقت. ودعا له صاحب موسى بفرخ فطبخ وألقي على مرقه دواء وحساه منه جرعا فلم يلبث في جوفه وقاءه، فقال: لا أرى هذا وافقك وعندي ما هو أسهل منه وأنا آتيك به في غد، فخرج من عنده وقال: والله لا يصبح حيا، فمات في السّحر. وتوفي الوليد ويكنى أبا العباس في سنة ست وتسعين وهو ابن تسع وأربعين، وملك تسع سنين، ودفن خارج الباب الصغير بدمشق، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، فرثاه جرير فقال: إنّ الخليفة قد وارت شمائله … غبراء ملحدة في حالها زور أضحى بنوه وقد جلّت مصيبتهم … مثل النّجوم هوى من بينها القمر كانوا جميعا فلم يدفع منيّته … عبد العزيز ولا روح ولا عمر (١)

стр. 3116

وقال المدائني: لما قدم ابن حيّان المدينة واليا دخل دار مروان فقال: هذه المحلال المظعان، ثم قال: مجرّب قد حلبت الدهر أشطره … مجرّس (١) سدّ رأي منه تعليم فقيل له: إن الوليد ثقيل فقال: إن كان أمير المؤمنين ثقيلا، فإن سليمان لأخوه لأبيه وأمه ووليّ عهده، ولقد هدّ ما ذكرتم ركني. وقال هشام ابن الكلبي: ولي الوليد بن عبد الملك في شوال لعشر خلون منه سنة ست وثمانين وولي تسع سنين وتسعة أشهر، وتوفي يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة. المدائني قال: كان القعقاع بن خليد عند الوليد بن عبد الملك، وعنده ابن رأس الجالوت، فقال الوليد: إنكم تزعمون أن في ولد داود علامة يعرفون بها فما هي؟ قال: تنال يد أحدنا ركبته وهو قائم، فقال القعقاع: فيدي تنال ركبتي. فقال الوليد: فافعل، فذهب يفعل فضرط فعيّر بذلك شيبة بن الوليد بن القعقاع فقال الشاعر: يا شيب هل لك في ألف مدرهمة … بضرطة ليس في إرسالها حرج كذاك شيخك إذ هوى بركبته … فحاز فقحته من ضعفها الشّرج

стр. 3117

الخوارج في أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان أمر زياد الأعسم: قال أبو الحسن المدائني عن أصحابه: كان زياد الأعسم من بني عصر بن عوف بن عمر بن عبد القيس من أنفسهم، ويقال كان مولى لهم يرى رأي الأزارقة، وكان يبيع بسوق الزيادي، فلما قدم داود بن النعمان البصرة للتجهز قال لأصحابه: أريد أن أشتري غلالة تكون تحت درعي أجعلها كفنا، فأتى سوق الزيادي فقال: من عنده غلالة رقيقة؟ فقال له زياد الأعسم وهو لا يعرفه، وظن أنه بعض فتيان أهل البصرة، وكان داود جميلا: يا فتى عندي غلالة فإن شئت أن أبيعك إياها أرقّ من دينك فعلت. فلم يكلمه داود ومضى، فقال رجل لزياد: أتعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا داود فاتبعه زياد فاعتذر إليه وواعده مكانا يلقاه فيه، فاتعدا قصر أوس (١)، فالتقيا من غد فكلمه داود فأجاب داود ورجع عن رأيه، وأتى

стр. 3118

المسجد الذي كان يصلي فيه بالأزارقة من أصحابه فأخّذوه، ويقال إنه كان اباضيا. وخرج الأعسم في جماعة، فيقال إن ابن رباط خرج إليهم فقتلهم، وقال زياد الأعسم حين خرج: تعاتبني عرسي على أن أطيعها … وقبل سليمى ما عصيت الغوانيا فكفّي سليمى واتركي اللّوم إنني … أرى فتنة صمّاء تبدي المخازيا وكيف قعودي والشّراة كما أرى … عزين (١) يلاقون البلايا الدّواهيا في قصيدة.

стр. 3119

خبر الهيصم بن جابر وهو أبو بيهس أحد بني سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. وقال أبو الحسن علي بن محمد عن أصحابه: طلب الحجاج أبا بيهس الهيصم بن جابر فهرب إلى المدينة، فطوّل شعره، ولعب بالحمام واختضب، فلم يعرفه بها أحد. وطلبه الحجاج وسأل عنه فأعياه وجوده، وبلغ الوليد بن عبد الملك أنه بالمدينة فكتب إلى عثمان بن حيّان المرّي فيه ووصف له صفته وحلاوة، فقرأ عثمان الكتاب على الناس والهيصم جالس فنظر إليه رجل إلى جنبه فقال: إنك لصاحب الصفة وما أنا بمخلّيك. قال: إنك إن فعلت أثمت، واقترفت ذنبا عظيما، فأخذه وأتى به عثمان فأقّر أنه الهيصم فأعجبه ما رأى منه فحبسه، وكتب إلى الوليد بأخذه إياه. وكان عثمان بن حيان يرسل إليه في كل ليلة فيسامره ويحدثه، وكان معجبا به، فأتاه كتاب الوليد أن اقطع يديه ورجليه واقتله، فقال له عثمان: اعهد عهدك فقد كتب أمير المؤمنين يأمر بقتلك. فقال: أجميعا أم

стр. 3120

متفرقا؟. قال: متفرقا. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال له عثمان: هل لك من حاجة؟ فأوصى ببنية له بالمدينة أن ترد إلى أهله. وأنفذ فيه أمر الوليد، فمر به رجل حين قطعوا يديه ورجليه فشتمه، فقال له أبو بيهس: إن كنت عربيا فإنك من هذيل، فإنهم أسوأ قوم أخلاقا، وإن كنت من العجم فإنك بربري. ومر به عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فقال: اصبر أبا بيهس، فقال: أما إن أمرت بالصبر انك لجميل المزداة (١) عظيم، حسن القدم في الاسلام. وقتله عثمان بن حيان، فقال عويف القوافي أو غيره: إنّ ابن حيّان شفى الصدورا … أصبح في يثرب مستنيرا قد أدرك الله به الثؤورا (٢) … أتبع رأس هيصم مثجورا (٣) لصين كانا عليا فجورا وقال الهيثم: هرب نبراس بن مالك العنزي من الحجاج، وقد طلبه فبينا الحجاج يخطب إذ مثل بين يديه فأنشد شعرا له يظهر فيه التوبة، فقال له الحجاج: الزم بابي ودع الطعن على الولاة، فكان يضرب أعناق الخوارج بين يدي الحجاج.
следующие страницы →