← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وقال المدائني: لما قدم ابن حيّان المدينة واليا دخل دار مروان فقال: هذه المحلال المظعان، ثم قال: مجرّب قد حلبت الدهر أشطره … مجرّس (١) سدّ رأي منه تعليم فقيل له: إن الوليد ثقيل فقال: إن كان أمير المؤمنين ثقيلا، فإن سليمان لأخوه لأبيه وأمه ووليّ عهده، ولقد هدّ ما ذكرتم ركني. وقال هشام ابن الكلبي: ولي الوليد بن عبد الملك في شوال لعشر خلون منه سنة ست وثمانين وولي تسع سنين وتسعة أشهر، وتوفي يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة. المدائني قال: كان القعقاع بن خليد عند الوليد بن عبد الملك، وعنده ابن رأس الجالوت، فقال الوليد: إنكم تزعمون أن في ولد داود علامة يعرفون بها فما هي؟ قال: تنال يد أحدنا ركبته وهو قائم، فقال القعقاع: فيدي تنال ركبتي. فقال الوليد: فافعل، فذهب يفعل فضرط فعيّر بذلك شيبة بن الوليد بن القعقاع فقال الشاعر: يا شيب هل لك في ألف مدرهمة … بضرطة ليس في إرسالها حرج كذاك شيخك إذ هوى بركبته … فحاز فقحته من ضعفها الشّرج

стр. 3117

الخوارج في أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان أمر زياد الأعسم: قال أبو الحسن المدائني عن أصحابه: كان زياد الأعسم من بني عصر بن عوف بن عمر بن عبد القيس من أنفسهم، ويقال كان مولى لهم يرى رأي الأزارقة، وكان يبيع بسوق الزيادي، فلما قدم داود بن النعمان البصرة للتجهز قال لأصحابه: أريد أن أشتري غلالة تكون تحت درعي أجعلها كفنا، فأتى سوق الزيادي فقال: من عنده غلالة رقيقة؟ فقال له زياد الأعسم وهو لا يعرفه، وظن أنه بعض فتيان أهل البصرة، وكان داود جميلا: يا فتى عندي غلالة فإن شئت أن أبيعك إياها أرقّ من دينك فعلت. فلم يكلمه داود ومضى، فقال رجل لزياد: أتعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا داود فاتبعه زياد فاعتذر إليه وواعده مكانا يلقاه فيه، فاتعدا قصر أوس (١)، فالتقيا من غد فكلمه داود فأجاب داود ورجع عن رأيه، وأتى

стр. 3118

المسجد الذي كان يصلي فيه بالأزارقة من أصحابه فأخّذوه، ويقال إنه كان اباضيا. وخرج الأعسم في جماعة، فيقال إن ابن رباط خرج إليهم فقتلهم، وقال زياد الأعسم حين خرج: تعاتبني عرسي على أن أطيعها … وقبل سليمى ما عصيت الغوانيا فكفّي سليمى واتركي اللّوم إنني … أرى فتنة صمّاء تبدي المخازيا وكيف قعودي والشّراة كما أرى … عزين (١) يلاقون البلايا الدّواهيا في قصيدة.

стр. 3119

خبر الهيصم بن جابر وهو أبو بيهس أحد بني سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. وقال أبو الحسن علي بن محمد عن أصحابه: طلب الحجاج أبا بيهس الهيصم بن جابر فهرب إلى المدينة، فطوّل شعره، ولعب بالحمام واختضب، فلم يعرفه بها أحد. وطلبه الحجاج وسأل عنه فأعياه وجوده، وبلغ الوليد بن عبد الملك أنه بالمدينة فكتب إلى عثمان بن حيّان المرّي فيه ووصف له صفته وحلاوة، فقرأ عثمان الكتاب على الناس والهيصم جالس فنظر إليه رجل إلى جنبه فقال: إنك لصاحب الصفة وما أنا بمخلّيك. قال: إنك إن فعلت أثمت، واقترفت ذنبا عظيما، فأخذه وأتى به عثمان فأقّر أنه الهيصم فأعجبه ما رأى منه فحبسه، وكتب إلى الوليد بأخذه إياه. وكان عثمان بن حيان يرسل إليه في كل ليلة فيسامره ويحدثه، وكان معجبا به، فأتاه كتاب الوليد أن اقطع يديه ورجليه واقتله، فقال له عثمان: اعهد عهدك فقد كتب أمير المؤمنين يأمر بقتلك. فقال: أجميعا أم

стр. 3120

متفرقا؟. قال: متفرقا. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال له عثمان: هل لك من حاجة؟ فأوصى ببنية له بالمدينة أن ترد إلى أهله. وأنفذ فيه أمر الوليد، فمر به رجل حين قطعوا يديه ورجليه فشتمه، فقال له أبو بيهس: إن كنت عربيا فإنك من هذيل، فإنهم أسوأ قوم أخلاقا، وإن كنت من العجم فإنك بربري. ومر به عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فقال: اصبر أبا بيهس، فقال: أما إن أمرت بالصبر انك لجميل المزداة (١) عظيم، حسن القدم في الاسلام. وقتله عثمان بن حيان، فقال عويف القوافي أو غيره: إنّ ابن حيّان شفى الصدورا … أصبح في يثرب مستنيرا قد أدرك الله به الثؤورا (٢) … أتبع رأس هيصم مثجورا (٣) لصين كانا عليا فجورا وقال الهيثم: هرب نبراس بن مالك العنزي من الحجاج، وقد طلبه فبينا الحجاج يخطب إذ مثل بين يديه فأنشد شعرا له يظهر فيه التوبة، فقال له الحجاج: الزم بابي ودع الطعن على الولاة، فكان يضرب أعناق الخوارج بين يدي الحجاج.

стр. 3121

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أمر سليمان بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وأمه وأم الوليد ولاّدة بنت العباس بن جزي، ويكنى أبا أيوب، وكان فصيحا، نشأ في أخواله بني عبس، وكان أبيض جعدا، ولي سنة ست وتسعين، وكان جميل المذهب، حسن السيرة، أخرج المحبّسين، وردّ المسيّرين، وأنصف من المظالم. وكان الوليد أخوه ولاه فلسطين، فأحدث مدينة الرّملة وبنى مسجدها، وأتاه نعي الوليد، وكان ولي العهد بعده فخرج من فلسطين الى دمشق، فكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر، ومات بدابق (١)، ودفن بها، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، وذلك في سنة تسع وتسعين، وكان يوم مات ابن خمس وأربعين سنة. فولد سليمان بن عبد الملك: أيوب وأمه أم أبان بنت خالد بن الحكم بن أبي العاص، وأمها أم عثمان بنت خالد بن عقبة بن أبي معيط.

стр. 3122

ويحيى، وعبد الله، أمهما عائشة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان. ويزيد، والقاسم، وسعيدا، أمهم أم يزيد بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية. وعبد الواحد، وعبد العزيز، أمهما أم عمرو بنت عبد الله بن خالد بن أسيد. وداود، ومحمدا، وعمر، وعمرا، وعبد الرحمن، لأمهات أولاد شتى، والحارث لأم ولد. وأم أيوب كانت عند عبد العزيز بن الوليد فهلكت، فجاء عبد العزيز الى سليمان أبيها، فقال له سليمان: أدفنت أم أيوب ثم تأتيني؟. فقال: يا أمير المؤمنين أنا بها أعظم مصيبة منك. قال: وبلغني أنك نازعت الحارث ابن أمير المؤمنين في الصلاة عليها، فقال: ما بلغ بي الجهل أن أفعل ذلك. فأما أيوب بن سليمان، فكان من فتيان قريش عفافا وأدبا، وكان أبوه قد بايع له بالعهد، وكان مؤدبه وحاضنه عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وقال فيه جرير: إنّ الإمام الذي ترجى فواضله … بعد الإمام وليّ العهد أيوب (١) وهلك في حياة أبيه. وقال الفلتان أخو بني عبد الله بن دارم: من يك جارا لقوم لا وفاء لهم … فإنّ جاري وليّ العهد أيّوب ورثاه عبد الله بن عبد الأعلى بقصيدة يقول فيها:

стр. 3123

ولقد عجبت لذي الشماتة إن أري … جزعي ومن يذق الفجيعة يجزع فاشمت فقد قرع الحوادث مروتي … واجذل بمروتك التي لم تقرع إن تبق تفجع بالأحبّة كلّهم … أو تردك الأحداث إن لم تفجع من لا تخرّمه المنيّة لا يرى … منها على خوف لها وتوقّع قد بان أيوب الذي لفراقه … سرّ العدوّ غضاضتي وتخشّعي أيوب كنت تجود عند سؤالهم … وتظلّ منخدعا وإن لم تخدع ولا عقب لأيوب. وحدثني هشام بن عمار الدمشقي، أبو الوليد، عن مسلم بن أبي سليم الحمصي قال: خرج سليمان إلى دابق ليغزي الناس، فأغزاهم وعليهم ابنه أيوب بن سليمان، ومعه مسلمة بن عبد الملك. وكان أيوب ولي عهده، فلما احتضر سليمان قال: ان ابني أيوب بإزاء عدو ولا أدري ما يحدث به فإن أهمل الأمر إلى قدومه ضاع وانتشر ولم تؤمن الفتنة على الناس في جميع الأقطار، ولعل الحدثان أن يكون قد غاله، على أني وليته العهد وأنا أظن أنّ عمري يطول. وهو حدث. فولى عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك من بعده، وأيوب إن كان بعد يزيد، وكره أن يخرجها من ولد عبد الملك فيختلفوا ويحدثوا أحداثا تدعو إلى الفتنة. وصوّب رجاء بن حيوة رأيه في ذلك، وقوّى عزمه. وتوفي أيوب في غزاته وقد أقبل، وذلك حين شارف الثغر خارجا أو داخلا. وقال هشام: وقد تقوّل قوم أن نعي أيوب أتى سليمان يوم مرض ففعل ما فعل.

стр. 3124

وقال المدائني، وأبو اليقظان: مات بالشام. وأما محمد بن سليمان فكان صاحب فتوّة وباطل، وقد أدرك الوليد بن يزيد. وأما عبد الواحد فولاه مروان بن محمد بن مروان مكة والمدينة فصلى بالناس بالموسم، ثم هرب من الإباضية حيث خرجوا عليه، فقال الشاعر: جاء الذين يخالفون بدينهم … دين النبيّ ففرّ عبد الواحد ترك القتال وما به من علّة … إلا الوهون وعرقة من خالد (١) وقتله صالح بن علي بن عبد الله، وأخذ ماله بالشام. وله عقب. ومدحه ابن هرمة فقال: إذا قيل من خير من يرتجى … لمعتر فهر ومحتاجها ومن يعجل الخيل عند الوغى … بإلجامها قبل إسراجها أشارت نساء بني مالك … إليه به قبل أزواجها (٢) وأما عبد الرحمن بن سليمان فهلك وهو شاب. وأما الحارث بن سليمان فكان من رجالاتهم جلدا وذكرا، وأدرك قتل الوليد بن يزيد، وقال فيه الشاعر: كأنّك برد ذو حواش مسهّم … به حرق قد شابه وهو واسع بلوناكم حتى عرفنا خياركم … فخيركم رثّ المروءة واضع

стр. 3125

فقال هشام بن عبد الملك لهذا الشاعر: ويلك عممت بني مروان. فقال: لا ولكني عنيت بني سليمان. وأما يزيد بن سليمان فمات قبل المسوّدة، وقتل ابنه عبد الله بن علي. وأما داود بن سليمان فهو الذي قال له رجل: هلك أبوك بشما (١)، وهلكت أمك بغرا (٢)، وكانت أم داود عطشت في طريق مكة، فشربت فأكثرت فماتت. قالوا: وكان الحجاج بن يوسف وقتيبة بن مسلم أشارا على الوليد بتولية ابنه عبد العزيز العهد مكان سليمان أو بعده، فحقد على قتيبة سليمان، فلما استخلف سليمان قال قتيبة وهو بخراسان: أيها الناس قد وليكم هبنّقة القيسي، وذلك أن سليمان كان يعطي أهل الشرف واليسار والنباهة ولا يرفع خسيسة ولا يصطنع خاملا، وذلك أن هبنّقة كان يخص سمان إبله بالمرعى والعلف ويضرب المهازيل، ويقول: أنا لا أصلح ما أفسد الله، ولا أفسد ما أصلح، فنسب إلى الحمق، وكان ذلك سبب مخالفة قتيبة حتى قتل بخراسان: وفي سليمان يقول الفرزدق: وإلى سليمان الذي سكنت … أروى الهضاب له من الذعر وتراجع الطرداء إذ وثقوا … بالأمن من رتبيل والشحّر (٣)

стр. 3126

كنّا نناجي الله نسأله … في الصبح والأسحار والعصر ألاّ يميتك أو يكون لنا … أنت الإمام ووالي الأمر فأجاب دعوتنا وأنقذنا … بخلافة المهديّ من ضر إنّي لأرجو أن يقيم لنا … سنن الخلائف من بني فهر (١) والقصيدة طويلة. وقال فيه أيضا: وكم أطلقت كفّاك من قيد بائس … ومن عقدة ما كان يرجى انحلالها (٢) المدائني عن عوانه قال: خرج سليمان بن عبد الملك يستسقي فسمع أعرابيا يقول: يا ربنا ربّ العباد مالكا … قد كنت تسقينا فما بدا لكا أنزل علينا الغيث لا أبا لكا فقال سليمان: صدق والله فما لله أب ولا صاحبة ولا ولد. المدائني عن أبي اليمان القرشي قال: خطب سليمان بن عبد الملك فقال: «اتخذوا كتاب الله إماما، وارضوا به حكما، واجعلوه لكم قائدا، فإنه ناسخ لما قبله، ولن ينسخه كتاب بعده». فما سمعت خطبة أوجز منها. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: قال سليمان بن عبد الملك يوما: يا غلام ادع صالحا، فقال بعض الحرس:

стр. 3127

يا صالحا. فقال سليمان: أنقض من صالحك ألف، فقال عمر بن عبد العزيز: وأنت يا أمير المؤمنين فزد في ألفك ألفا. المدائني عن الفضل بن تميم قال: دخل رجل على سليمان فتكلم فأراد أن يسبر عقله فإذا هو مضعوف، فقال سليمان: زيادة منطق على عقله خدعة، وزيادة عقل على منطق هجنة، وأحسن من ذلك ما زان بعضه بعضا. وحدثني حفص بن عمر عن الهيثم عن ابن عياش قال: تقدم أبو السّمال إلى سليمان بن عبد الملك فقال: إنّ أبينا هلك، فوثب أخانا على مالنا فأخذه، فانظر في أمرنا. فقال سليمان: لا رحم الله أباك ولا عافى أخاك، ولا ردّ عليك مالك. نحّوه عني. وقال المدائني: دخل أبو السربال الكلبي على سليمان قبل الخلافة، وهو يتغدى، فدعاه للغداء فقال سليمان: ادن يا أبا السربال. فقال: لا والله أو أعرف من أكلائي، قال: هذا. قال: ومن هذا؟ قال: روح بن زنباع. قال رجل: والله ما اعتركت الأضياف على باب أبيه قط. قال: فمن هذا؟ قال: فلان. قال: إنه لصغير القمّة، ونظر إلى رجل من قريش أحمر أقشر، فقال أبو السربال: أما هذا فلا أسأل عنه، هذا قيصر. فضحك سليمان. وجلس أبو السربال يأكل، وجاؤوا بفالوذجة، فجعل سليمان يأكل بأصابعه كلها فقال: يا أبا السربال دونك فإن هذا يزيد في الدماغ، فقال: أصلح الله الأمير، لو كان هذا كما قلت لكان رأسك مثل رأس البغل.

стр. 3128

حدثني العمري عن الهيثم عن ابن عياش قال: تقدم رجل إلى سليمان وهو بدابق فقال: يا أمير المؤمنين، هلك أبينا، وظلمنا أخينا، فانظر في أمرنا، نظر الله إليك، فقال سليمان: نحّوه لعنه الله. فنحّي. حدثني هشام بن عمار عن الوليد عن أشياخ لهم أن سليمان قال: الحسود لا يسود. المدائني عن عامر بن حفص ومسلمة: أن سليمان بن عبد الملك قال ليزيد بن أبي مسلم: لعن الله رجلا ولاّك فأجرى رسنك (١) واختارك لأمر من أمور المسلمين، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك رأيتني والأمر عنّي مدبر ولو رأيتني وهو علي مقبل عظم عندك ما استصغرت، وحسن ما استقبحت من أمري. فقال: ما تقول في الحجاج؟. فقال: يأتي يوم القيامة بين أبيك وأخيك فضعه حيث شئت. حدثنا عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن الجريري قال: شكا سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان موسى شهوات إلى سليمان بن عبد الملك، وأمه آمنة بنت سعيد بن العاص بن سعيد بن أبي أحيحة، وقال: هجاني، فقال لا أم لك بم هجوته؟ قال: يا أمير المؤمنين إنما فضلت عليه سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وذلك أني عشقت جارية بدمشق فسألته أن يبتاعها لي بمائتي دينار فقال لي: بورك فيك، فقال سليمان: ليس هذا موضع بورك فيك. قال: وأتيت سعيد بن خالد بن عبد الله فدعا بمطرف

стр. 3129

خزّ وأمر جاريته فصرّت في كل زاوية منه مائتي دينار فمدحته. فقال: قل ما شئت بعد هذا واستنشده ما قال فأنشده: عقيل الندى ما عاش يرضى به الندى … فإن مات لم يرض النّدى بعقيد سعيد الندى أعني سعيد بن خالد … أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد ولكنني أعني ابن عائشة الذي … كلا أبويه خالد بن أسيد عائشة بنت عبد الله بن خلف أخت طلحة الطلحات، فقال سعيد بن خالد: إذا كان الأمير عليك خصما … فلا تكثر فقد غلب الأمير وأنشد: ونستعدي الأمير إذا ظلمنا … فمن يعدى إذا ظلم الأمير وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة قال: بعث يزيد بن المهلّب سريعا مولى عمرو بن حريث إلى سليمان. قال سريع: فعلمت أنه سيسألني عن المطر، ولم أكن ارتق بين كلمتين، فأعطيت أعرابيا درهما وقلت: كيف أقول إن سئلت عن المطر؟ فقال: قل جاء مطر غزير درير، فعمد الثرى واخضرّ العمير، واستأصل العرق، ولم أر واديا إلا داريا. فلما دخلت على سليمان سألني عن المطر فقلت هذا الكلام. فقال: هذا كلام لست بأبي عذره فأصدقني. فحدثته فضحك، وضرب برجليه، وقال: لقد أصبت ابن بجدتها. المدائني عن مسلمة قال: زحل أيوب بن سليمان وهو عند أبيه فقال له: مالك يا بني؟ قال: خدرت رجلي. فقال سليمان: يا بني، اذكر أحبّ الناس إليك، فقال: صلى الله على محمد. فقال سليمان: ابني سيد، وإني عنه لفي غفلة، وولاه عهده.

стр. 3130

المدائني قال: كان محمد بن يزيد الأنصاري مع سليمان فوجهه إلى العراق حين ولي، فأطلق أهل السجون، وقسم الأموال، وضيق على يزيد بن أبي مسلم، وحمله إلى سليمان فظفر به يزيد بإفريقية عند المغرب في شهر رمضان، فجعل محمد يقول: اللهم احفظ لي اطلاقي الأسرى وإعطائي الفقراء، فقال له يزيد: أمحمد طال والله ما سألت الله أن يمكنني منك بلا عهد ولا عقد، قال: وأنا والله قد سألته أن يجيرني منك، قال يزيد: فوالله ما أجارك ولا أعاذك ولا أجابك. والله لا أريم مكاني حتى أقتلك. وأقيمت الصلاة فبادر إليها، وكان أهل إفريقية قد أجمعوا على قتله، فضربه رجل منهم بعمود على رأسه فقتله، وقال لمحمد: اذهب حيث شئت. قالوا: وكان سليمان نهما بخيلا على الطعام فمد رجل يده إلى دجاجة كانت بين يديه، فقال له: كل مما بين يديك. فقال: أو ههنا حمى؟! فرمى إليه بالدجاجة وقال: كلها لا بارك الله لك فيها. المدائني قال: قال سليمان ليزيد بن المهلب: أكره منك ثلاثا، خفّك أبيض مثل ثوبك، وطيبك يرى وطيب الرجل يوارى، وأنك تكثر مسّ لحيتك. فغيّر الخفّ والطّيب، ولم يدع مسّ لحيته. وكان يزيد يقول: ما رأيت عاقلا قط إلا ومعوّله إذا فكّر على لحيته. المدائني قال: ضمّ سليمان بن عبد الملك عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود إلى ابنه أيوب، فأتاه فحجبه، فجلس في بيته فتعتّب أيوب عليه

стр. 3131

فعاتبه عون فغضب فشكاه إلى أبيه فلامه فقال: ضممتني إلى رجل إن أتيته حجب، وإن جلست عنه عتب، وإن عاتبته غضب. حدثني أبو مسعود القتّات عن ابن الكلبي أن قوما وفدوا إلى سليمان فقال متكلمهم: إنا والله ما أتيناك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فدخلت علينا منازلنا، وأما الرهبة فآمنناها فضلك وعدلك، ولقد حبّبت إلينا الحياة، وهوّنت علينا الموت، لأنا نثق بإحسانك لأنفسنا، ونرجوك لمن تخلف بعدنا من أعقابنا، فأحسن صلتهم والنظر لهم. قالوا: وكان سليمان أكولا يؤتى في كل يوم من صلاة الغداة بعشر رقاقات وخروفين عظميين، ودجاجتين سمينتين، فيأكل ذلك كله بخلّ فيه الجذان ومرى (١). وقال الواقدي: غزا سليمان الصائفة مسلمة بن عبد الملك وعلى الصائقة أيوب ابنه فلما جاوزوا الدرب مات، ومات سليمان، وقد نفذ مسلمة، فأقفله عمر بن عبد العزيز. المدائني قال: حج سليمان فقال لقيّمه على طعامه: أطعمني من خرفان المدينة، أو قال من جداء المدينة، ودخل الحمام ثم خرج وقد شوي له أربعة وثمانون خروفا أو جديا، فجعل القيّم يأتيه بواحد واحد فيتناول

стр. 3132

جرمازجة (١) ويضرب بها شحم كليته، فأكل أربعة وثمانين جرمازجة بشحم أربعة وثمانين كلية، ثم قال: ادع يا غلام عمر بن عبد العزيز، وأذن الناس. ووضع الغداء فأكل معهم كما أكلوا. وقال المدائني: حج سليمان وأتى الطائف فلقيه ابن أبي زهير الثقفي رجل من أهلها فسأله أن ينزل عليه فقال: إني أخاف أن أبهظك. فقال: قد رزق الله خيرا كثيرا، فنزل عليه فجعل يأتيه من حائطه، وهو فيه، بخمس رمانات خمس رمانات حتى أكل مائة وسبعين رمانة. ثم أتى بخروف، وست دجاجات فأكل ذلك، ثم أتي بمكوك زبيب فأكله، ثم وضع الطعام فأكل وأكل الناس. وفتح ابن أبي زهير أبواب الحيطان فأكل الناس من الفاكهة، فقال سليمان: قد أضررنا بالرجل. وأقام بالطائف سبعا ثم صار إلى مكة وقال لابن أبي زهير: الحقني. فلم يفعل فقيل له: لو لحقته، قال: أقول ماذا؟ أعطني ثمن طعامي؟! وقال المدائني: خرج سليمان من منزله يريد منزل يزيد بن المهلّب فقال يزيد: الغداء يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فأكل أربعين دجاجة جردناج سوى ما أكل سوى ذلك من الطعام. وقال المدائني: أكل سليمان اثنين وثمانين ناهضا (٢)، وفخّارة فيها هريسة.

стр. 3133

قال: وأتاه وهو بدابق رجل من النصارى كان منقطعا إليه من قبل الولاية فقال له: هل أهديت لي شيئا؟. قال: نعم أهديت تينا وبيضا، فأتاه بزبيل مملوء بيضا مطبوخا، وبزبيل مملوء تينا فجعل يقشر البيض ويأكل بيضة بتينة حتى أتى على الزبيلين، ثم أتوه بقصعة مملوءة مخا مخلوطا بسكر فأكل ذلك فأتخم ومرض فمات. المدائني قال: كان حنظلة بن عقال أكولا فأكل عند سليمان وهو يرتجز: أعددت للفم عظيم الفلق … تكاد أطراف الرغيف تلتقي حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن الضحّاك بن زمل أن سليمان أتي بطبق عليه ثلاثمائة عيون البقر (١)، وهو الساهلوج، فأكل جميع ما في الطبق، ثم دعا بالغداء فأمعن كأنه لم يأكل شيئا. وقال الضحاك بن زمل: قال سليمان حين نزل من عقبة أفيق: هل عندكم شيء؟ فأتي بست دجاجات وفرخين وعشرة أرغفة، في كل رغيف رطل فأكل وهو على بعير، إذا رجل يصيح: يا أمير المؤمنين إن عاملك على كذا ظلمني، وهو يقول: كذبت لا أم لك ويأكل، فلما فرغ فهم عنه، فأمر فكتب بإنصافه. قال: وقال الضحاك: قال سليمان وذكر عنده تشقيق الخطب والإسهاب في الكلام: من أكثر القول فأحسن، قدر على أن يقلّ فيحسن، وليس من قصر فأحسن بقادر على أن يطيل فيحسن.

стр. 3134

وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مولى لسليمان قال: كان سليمان يأكل بخمس أصابع، ويجعل له منديل على صدره ومنديل على فخذيه، وكان لا يرفع رأسه إذا أكل حتى يشرب عسّا ضخما فيه عسل، تعترى (١) ربما استعان عليه بركبتيه أحيانا، فإذا شربه تكلم. فقام إليه رجل وهو يأكل فقال: يا أمير المؤمنين إني زوجت ابني وليس عندي ما أجمع به أهله إليه فأسلفني عطائي من بيت المال، فقال: ما يزال عاضّ لبظر أمه يقوم إلينا فيفسد علينا طعامنا، فتنحى الشيخ وجلس، فلما فرغ من طعامه قال: قلت ماذا لله أبوك؟. فردّ عليه مسألته فقال: وكم عطاؤك لله أبوك؟. قال: مائتا دينار. قال: يا قسّامة أعطه مائتي دينار ومائتي دينار ومائتي دينار. وطوّل نفسه حتى انقطع فنظر فإذا جميع ذلك قيمة اثنين وسبعين ألف درهم. ثم قال: أبا زجيّ رضيت؟ قال: نعم فرضي الله عنك يا أمير المؤمنين. قال: يا قسّامة فأضعفها له، فأخذ مائة وأربعة وأربعين ألف درهم. حدثني الحرمازي وأبو مسعود الكوفي قال: قال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: يا أبا عمر اذكر لي حوائجك، فقال: إني لا أسأل في بيت الله غيره. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: انصرف سليمان من صلاة الجمعة فأكل شحم كلى أربعين جديا وصحفة مملوءة مخا وغير ذلك، ثم

стр. 3135

جامع وقام عن الجارية موعوكا فمات بدابق، وكان جميل الوجه، حسن الخلق، يقول: أنا الملك الشاب. قال الحزين: فيا قوم ما بالي وبال ابن نوفل … وبال بكائي نوفل بن مساحق ولكنّها كانت سوابق عبرة … على نوفل من كاذب غير صادق فهلاّ على قبر الوليد سفحتها … وقبر سليمان الذي عند دابق وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده وعوانه قالا: لما مات الحجاج، وكان قد استخلف على حرب العراق يزيد بن أبي كبشة، وعلى خراجها يزيد بن أبي مسلم مولاه فأقرّهما الوليد حتى مات، وأقر عمال الحجاج، وكان الوليد يقول: الحجاج جلدة ما بين عيني، لا بل جلدة وجهي كله. وكان موت الوليد للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، فلما ولي سليمان بن عبد الملك، وهو بالرملة، ولى يزيد بن أبي كبشة صلاة العراق وحربها، وصالح بن عبد الرحمن السجستاني مولى بني مرة بن عبيد خراج العراق، وولى سليمان بعد أربعين يوما من خلافته يزيد بن المهلب حرب العراق وخراجه فاستعفاه من الخراج، فأراد تولية يزيد بن أبي مسلم الخراج، وقد كان ابن المهلب وصفه له بالعفاف، فقال عمر بن عبد العزيز: أتولّي ابن أبي مسلم؟ فقال: نعم إنه عفيف عن الدرهم، فقال عمر: إن الشيطان أيضا عفيف عن الدرهم لم يأخذ درهما قط. فاستشار يزيد بن المهلب فيمن يوليه خراج العراق فأشار عليه بصالح بن

стр. 3136

عبد الرحمن، وكان صالح كاتبا للحجاج بعد زاذانفروخ بن بيزي كاتبه المجوسي. وشخص يزيد بن المهلب إلى العراق وخراسان مضمومة إليه، فلما قدم واسطا وجد الجراح بن عبد الله الحكمي على البصرة من قبل ابن أبي كبشة، فكتب إليه في القدوم عليه، وولى البصرة رجلا من أصحابه، وكتب سليمان إلى يزيد بن المهلب في الشخوص إلى خراسان لإصلاحها، وتسكين الناس بها بعد أن كان من أمر قتيبة ما كان، فاستخلف يزيد بواسط: الجراح بن عبد الله. المدائني: أن يزيد بن المهلب كان عامل سليمان على العراق، فولّى البصرة سفيان بن عمير الكندي فجاءته امرأة بزوجها تطالبه بصداقها فقال: ما لها عندي شيء، قال: فأين صداقها؟ قال: أكله الذئب. قال: فأنت والله ذلك الذئب، أعطها صداقها. المدائني أن سليمان بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز: يا أبا حفص أيكون المؤمن في حال يعتدل فيها سروره ومكروهه؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا يستوي عند أحد السرّاء والضرّاء ولكن معوّل المؤمن الصبر. المدائني قال: قال سليمان بن عبد الملك لمحمد بن مالك الهمداني: قد رأيت ولد المهلب فكلّهم جزل، فأخبرني عن المهلب، فقال: كان لا يستنهض عن عجز ولا يكفكف عن جهل، ولم أر بالعراق مثله. حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: قال سليمان بن عبد الملك: لله كلمة ما قالها إلا حكيم وهي: لا ينفعك رأي من لم ينفعك ظنّه. حدثني أبو الحسن المدائني قال: قال أبو جعفر المنصور: أما الوليد

стр. 3137

فكان مجنونا، وأما سليمان فكان نهما همّه بطنه وفرجه، ورجل القوم هشام. المدائني عن خالد بن يزيد قال: جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب فقال رجل: يا أمير المؤمنين إنّ من حدّث نفسه بطول البقاء لعازب الرأي، فكأنّ ذلك عرف في سليمان. المدائني قال: وقع بين سليمان بن عبد الملك وبين أخيه مروان بن عبد الملك في حياة عبد الملك شرّ، فقال سليمان لمروان: يا بن اللخناء. ففتح فمه ليجيبه وإلى جانبه عمر بن عبد العزيز فأمسك على فمه وقال: أخوك يا أبا عبد الملك، وله السنّ عليك، فقال: يا أبا حفص رددت في جوفي أحرّ من الجمر ومال لجنبه فمات، وكان أخا يزيد بن عبد الملك لأمّه عاتكة بنت يزيد، وفيه يقول جرير: أبا خالد فارقت مروان عن رضى … وكان يزين الأرض أن ينزلا معا فسيروا فلا مروان للحيّ إذ شتوا … ولا الركب إن أمسوا مخيفين جوّعا (١) ونظر إليه عبد الملك وهو يكفّن فقال: الحمد لله الذي رضانا بموت أبنائنا ودفنهم. وكتب إلى عبد الملك بعض ولد الحكم يعزيه بمروان فكتب إليه عبد الملك. كتبت تسأل عن صبري لتعلمه … على الرزيّة بالمأمول مروان فقد صبرت بعون الله محتسبا … لموعد الله من فوز ورضوان

стр. 3138

المدائني قال: الثبت أن أيوب بن سليمان توفي بالشام ولم يكن غازيا، وإنما كان الغازي مسلمة بن عبد الملك، وكان سليمان أراد أن يغزيه على الجيش فمرض. قال: فلما احتضر أيوب دخل عليه وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة، فجعل ينظر في وجهه فتخنقه العبرة فيردّها، ثم نظر إلى عمر فقال: إنه والله ما يملك أحد أن يستبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة والناس في ذلك أصناف: فمنهم من يغلب صبره جزعه، فذلك الجلد الحازم المحتسب، ومنهم من يغلب جزعه صبره، فذلك المغلوب الضعيف، وإني أجد في قلبي لوعة إن أنا لم أبرّدها بعبرة خفت تتصدع كبدي كمدا وأسفا. فأما عمر فنهاه عن البكاء وأمره بالصبر، وأما رجاء فقال: افعل ولا تفرط فإن رسول الله ﷺ لما هلك ابراهيم ابنه قال: «تدمع العين ويفجع القلب، ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون». فلما دفن أيوب وقف سليمان على قبره وقال: وقفت على قبر مقيم بقفرة … متاع قليل من حبيب مفارق ثم قال: عليك السلام يا أيوب. كنت لنا أنسا ففارقتنا، فالعيش من بعدك مر المذاق. ثم ركب دابته وقال: فإن صبرت فلم ألفظك من جزع … وإن جزعت فعلق منفس ذهبا فقال عمر: الصبر يا أمير المؤمنين فإنه أقرب الوسائل إلى الله. قال: وعزى رجل سليمان عن أيوب فقال له: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تجعل آخر أمرك أوله فافعل. فقال سليمان: لقد أوجزت في التعزية وسكّنت من اللوعة، عند الله أحتسب أيوب.

стр. 3139

حدثني الحرمازي الحسن بن علي عن العتبي قال: دخل سليمان بن عبد الملك على طاووس يعوده فلم يعظمه ولم يجبه بما يجاب به الخلفاء، فعوتب طاووس على ذلك فقال: أحببت أن يعلم أن في الناس من يستصغر ما يستعظمه المغرّون مما هو فيه. قالوا: بينا سليمان يمشي في بستان ومعه جماعة يمشون حوله من أهل بيته وغيرهم، ومعهم يزيد بن المهلب فنظر فقال: يا يزيد ارتدف فأنا أكرم ردافة من النعمان. قال: يا أمير المؤمنين بل أمشي. فقيل ليزيد: ما منعك من الإرداف خلف أمير المؤمنين فتسيران والناس جميعا يمشون؟ فقال: ما غبيت عن ذلك ولكني خشيت أن أثب فأقصر عن الركوب، وكرهت أن أدعو من يرفعني، وأن تنال أمير المؤمنين يدي. قالوا: وكان عمير الهجري رواية لخطب الحجاج، فقدم فلسطين ويزيد بها عند سليمان وذلك بعد موت الحجّاج، فجلس إليه عمير فذكر شيئا منها فأمر به يزيد فأقيم ثم قال: احبسوه، ثم قال: خلّوه. فقيل لعمير: ماذا دعاك إلى ما قلت؟ ألم تعلم ما بين يزيد والحجاج؟ قال: لم أعلم أن ههنا أميرين. وحج سليمان فقدم الطائف فارتفعت سحابة فرعدت وبرقت وهو مشرف على عقبة، ثم أمطرت وانجلت فقال سليمان لعمر: يا أبا حفص كاد قلبي ينصدع. فقال: يا أمير المؤمنين كان ما رأيت من قدرة الله مع رحمته، لو كانت مع عذاب؟!

стр. 3140

الخوارج في أيام سليمان بن عبد الملك أمر داود بن عقبة العبدي: قال أبو الحسن المدائني: كان داود بن عقبة العبدي من عبّاد الخوارج والمجتهدين، فطلب بالبصرة، وكان كبيرا فتوارى عند رجل من بني تميم على رأيه، فأمر امرأته أن تتعهده، وخرج لبعض شأنه فغاب أربعين ليلة، وكان داود مخفض الطرف لا ينظر إلى شيء، فقدم التميمي بعد أربعين ليلة فقال لداود: كيف رأيت خدمة الزرقاء؟ فقال داود: والله ما أدري أزرقاء هي أم كحلاء. ثم خرج داود بالبصرة في سنة تسعين ومروان بن المهلب على البصرة خليفة يزيد، فوجه إليه خيلا فقتل وأصحابه بموقوع. وداود الذي يقول: إلى الله أشكو فقد فتيان غارة … شهدتهم يوم النّخيلة والنّهر شهدتهم أسدا إذا الحرب شمّرت … مساميح منهم بالمهنّدة البتر أولئك إخواني منيت بفقدهم … فلهفي عليهم أن يروا آخر الدّهر مضوا سلفا قبلي وأخّرت بعدهم … وحيدا لأقوام تنابلة خزر ويقال إن الذي قتله وأصحابه: زاذويه الأسواري.

стр. 3141

وقال أبو عبيدة: وجه إليهم وهم بموقوع: دبيق الأزدي، ثم أتبعه زاذويه الأسواري في أساورة فرماهم بالبنجكان (١)، وقال للأزدي بالفارسية: أظننت أن القتال أكل الزبد؟ قال: وخرج أيام سليمان خمسة من الخوارج بعسفان التي بناحية البصرة، فوجه إليهم خمسمائة من الشرط فهزمهم الخوارج، فوجه إليهم مروان بن المهلب زاذويه، ويقال ازذويه الأسواري. فلما رآهم خمسة قال لأصحابه: قفوا، وقال لغلامه: ناولني خمس نشابات، ودنا منهم فحملوا عليه فاستطرد لهم ثم عطف فرمى رجلا فصرعه، ثم استطرد، ورمى آخر فصرعه فلم يزل يصنع مثل ذلك حتى قتلهم جميعا، وأمر فاحتزت رؤوسهم. وخرج خوارج فوجه إليهم مسلم بن الشّمردل الباهلي في خيل، فلما التقوا كسروا جفون سيوفهم ونثروا دقيقا كان معهم فقال الباهلي، قد نثرتم الدقيق خار الله لكم. وترك قتالهم وانصرف. فوجه إليهم غيره فقتلهم. المدائني قال: دخل سليمان المدينة، فرأى عبد الله بن عوف بن أبي عوف من آل أبي وداعة السهمي، فتوهّم أنه من قريش فأشار إليه فتقدم، فقال: ممن أنت؟ فأخبره، فجعل يسأله عن دار دار حتى صار إلى دار ابن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال: لمن هذه الدار؟ قال: لابن بديل. قال: ما أعرفك بدور قتلة عثمان، ثم مضى وتركه، فبعث إليه بعد ثالثة فقال:

стр. 3142

يا بن أبي عوف، أبطأ عليك رسولنا حتى ساء ظنك. فقال: القلوب إلى حسن الظنّ بك أميل منها إلى سوء الظن فيك. وإذا رزمة وخريطة فيها خمسمائة دينار ووصيف عليه ثياب بياض. فقال للوصيف: احمل هذه الخريطة والرزمة وانطلق مع سيدك فأنت له وما حملت.

стр. 3143

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أمر عبد العزيز بن مروان بن الحكم وولده ومن ولد مروان بن الحكم: عبد العزيز بن مروان ويكنى أبا الأصبغ وأمه ليلى بنت زبّان بن الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب الكلبي، ولاه مروان أبوه العهد بعد عبد الملك. وكان عبد الملك قد همّ بخلعه وتولية الوليد ابنه العهد، فقال له قبيصة بن ذؤيب الخزاعي: لا تفعل فلعل الله سيكفيكه. فلم يلبث إلاّ يسيرا حتى أتاه خبر موت عبد العزيز، فقال له قبيصة: سلمت من الغدر والنكث وبلغت إرادتك وفي الصبر خير كثير. فولى حينئذ عهده الوليد وسليمان. وكان قبيصة الخزاعي على خاتم عبد الملك وبريده وكان أنسا به قابلا لقوله. وكان عبد العزيز جوادا كريما، وفيه يقول أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي حين ولاه أخوه عبد الملك مصر: بشّر أهل مصر فقد أتاهم … مع النيل الذي في مصر نيل فتى لا يرزأ الخلاّن إلا … مودّتهم ويرزؤه الخليل

стр. 3144

وقال فيه كثير: قليل الألايا حافظ ليمينه … إذا سبقت منه الأليّة برّت (١) وقال ابن قيس الرّقيات: أعني ابن ليلى عبد العزيـ … ـز بباب اليون تأتي جفانه رذما الواهب البخت والوصائف كالغـ … ـزلان والخيل تألك اللّجما (٢) وقال عبد العزيز: أنا أخبركم عن نفسي بغير تزكية لها. ما رجل رغب إلي فوضعت معروفي عنده إلا رأيت أنّ يده عندي مثل يدي عنده. وما رجل استجار بي من خوف فلم أبذل دمي دون دمه إلا رأيتني مقصرا بحبسي ولو لم يدخل على البخلاء من بخلهم إلاّ سوء ظنهم بربّهم في الخلف لكان ذلك عظيما. وقال رجل من خثعم يهجوه: أرى عبد العزيز يصدّ عني … بأنف مثل فيشلة (٣) الحمار فما عبد العزيز لنا بربّ … ولا دار الهوان لنا بدار وقال كثير يرثيه: أبعد ابن ليلى يأمل الخلد واحد … من الناس أم يرجو الثراء مثمّر وقال أبو بكر بن أبي جهم بن حذيفة العدوي:

стр. 3145

أبعدك يا عبد العزيز لحاجة … وبعد أبي الزّبان يستعتب الدهر فلا صلحت مصر لحيّ سواكما … ولا سقيت بالنيل بعدكما مصر ولا زال مجرى النيل بعدك يابسا … يموت به العصفور واستبطئ القطر أبو زبان: الأصبغ بن عبد العزيز. فمن ولد عبد العزيز بن مروان: عمر بن عبد العزيز (١): ويكنى أبا حفص، وأمه أم عاصم (٢) بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، خطبها عبد العزيز من أبويها وحملت إليه، فولدت له: أبا بكر، وعمر ابني عبد العزيز. وتوفيت عنده، فتزوج حفصة بنت عاصم وكانت عند ابراهيم بن نعيم بن عبد الله النّحام من بني عدي بن كعب بن لؤي، فقتل عنها يوم الحرّة، وحملت أيضا إلى عبد العزيز. وكانت أم عاصم حين حملت مرت بأيلة فأهدى إليها مجنون هناك يقال له شرشير هدية فأثابته وكسته. ومرت حفصة فأهدى لها فأغفلته فقال: ليس حفصة من رجال أم عاصم. وحكى بعض البصريين أن حفصة لم تحظ عنده كحظوة أم عاصم فقال: ليست حفصة من رجال أم عاصم، والأول أثبت.

стр. 3146

وقال الكلبي: كان ولد عبد العزيز: عمر، وأبا بكر، وعاصما، ومحمدا أمهم أم عاصم بنت عاصم بن عمر. والأصبغ وهو أبو زبّان لأم ولد. وسهلا وسهيلا وأم الحكم أمهم أم عبد الله بنت عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي. وزبّان وأم البنين أمهما ليلى بنت سهل بن حنظلة بن الطفيل الجعفري. وقالوا: ولى سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز الخلافة، وكتب كتابا سمّاه فيه، ويزيد بن عبد الملك إن كان بعده. فلما مات سليمان بن عبد الملك أخرج رجاء بن حيوة الكتاب وأظهر اسمه وبايعه الناس، فقال لرجاء: ذبحتموني بغير سكين. وكان عمر بن عبد العزيز أشجّ، ضربه حمار وهو بمصر، فلما رآه أخوه الأصبغ قال: هذا والله أشج بني أمية، يملأ الأرض عدلا. وكانت خلافته ثلاثين شهرا، ووفاته وهو ابن تسع وثلاثين سنة. وتوفي في سنة إحدى ومائة، ودفن بدير سمعان (١)، وكان نزوله بخناصرة من عمل جند قنّسرين، وصلى عليه رجاء بن حيوة. ويقال مسلمة بن عبد الملك. حدثني الحسين بن علي بن الأسود العجلي، ثنا اسماعيل بن أبان عن أبي الأحوص عن ضرار بن مرّة الشيباني قال: لما ولي عمر بن عبد

стр. 3147

العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس: يبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ويدلّنا من العدل على ما لم نهتد له، ويؤدي الأمانة إذا حملها، ويعيننا على الخير، ويدع ما لا يعنيه. فمن كان كذلك فحي هلابه، ومن لم يكن كذلك فلا يقربنا». قال أبو سنان: فحجبوا والله دونه، قال: وهذا أول كلام تكلم به حين استخلف. حدثني هشام بن عمار عن أشياخه قالوا: لما ترعرع عمر بن عبد العزيز استأذن أباه في إتيان المدينة وقال: أحبّ أن أكتب العلم، وأحضر قبر رسول الله ﷺ ، ويقرب علي الحج، فأذن له في ذلك، فأتى المدينة. حدثني عبد الله بن صالح عن عبثر أبي زبيد قال: أراد عمر بن عبد العزيز توليه ابن شهاب الزهري الصدقة، فبلغه عنه ما كان منه حين ولي السعاية على الصدقة من قبل رجل كان ضربه، فكره توليته. وولى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وقال الواقدي: أذن له أبوه في إتيان المدينة وقال له: اجتنب آل عبد الرحمن بن عوف، وآل سعيد بن العاص فإنّ ثمّ شرارة وشراسة وسوء أخلاق، فكان يجالس أهل العفة والورع. المدائني عن أبي اليقظان قال: أوصى عبد العزيز لعمر بأربعين ألف دينار، ودفعها إلى رجل من أهل المدينة يقال له ابن رمّانة، وكان مولى لبعضهم، فلما توفي عبد العزيز أتاه بالمال فقبضه ثم ذهب ابن رمّانة فحدث بذلك أبا بكر بن عبد العزيز، فغضب وكتب إلى عمر: إنك أخذت هذا المال دوننا.

стр. 3148

ثم شخص عمر من المدينة فقدم الشام، فلما استخلف الوليد بن عبد الملك - وهو صهره، كانت أم البنين بنت عبد العزيز عنده، فولدت له عبد العزيز بن الوليد، ومروان بن الوليد، وعنبسة، ومحمدا - ولاه الوليد المدينة فأحسن السيرة، إلا أنه كان لبّاسا عطرا، وإنما تقشّف بعد ذلك، فكان يعمل له ثوب الخزّ بمائة دينار فيستخشنه، ثم إنه كان يؤتى بالثوب الخشن بأقل من دينار أو بدينار فيقول: ما أصنع بهذا ائتوني بأخشن منه وأقل ثمنا. وكان ابن رمانة لمغاضبته إياه يرفع على عماله، ويقع فيهم حين عزل عن المدينة، فقال عمر: لو أشاء أن آخذ كتاب الوليد إلى عامل المدينة في ضرب ابن رمانة مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته فعلت، ولكني رأيت متّقى الله منجى. وفي ولاية عمر بن عبد العزيز يقول الأحوص بن محمد الأنصاري: وأرى المدينة إذ وليت أمورها … أمن البريء بها وخاف المذنب (١) وقال أيضا: وأرى المدينة حين كنت أميرها … أمن البريء بها ونام الأعزل وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللسان يقول ما لا يفعل (٢) الكلبي عن عوانة قال: أنشد رجل عمر: أعوذ بربّ الناس من كل نعمة … تقرّ بها عيناي فيها اذاهما فقال عمر: أعاذك الله ورحمك، ما أحسن ما قلت.

стр. 3149

حدثني هشام بن عمار قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز كان يساير سليمان بن عبد الملك، فرعدت السماء وبرقت، فقال عمر: يا أمير المؤمنين، هذه قدرة الله عند الرحمة، فكيف بها عند العذاب. المدائني قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا. لو كنت كذلك ما قلته. قال: وقال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن المهلب: من أعزّ أهل البصرة؟. فقال: نحن وحلفاؤنا من ربيعة، فقال عمر بن عبد العزيز: من تحالفتم عليه أعزّ. المدائني وغيره قالوا: كان جلّ من هرب من الحجاج لجأ إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب الحجاج إلى الوليد إن عمر بن عبد العزيز قد صار كهفا لمنافقي أهل العراق، فما أحد يهرب منهم إلا لجأ إليه. فكان ذلك سبب عزل عمر. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: كان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي من القراء، وكان عمر بن عبد العزيز يكرمه، فدخل عليه يوما، وجرير بن عطية الخطفى بالباب فسأله أن يستأذن على عمر، وكان عون معتما فأذن له فسلم وخرج ولم يقبل عليه عمر، ويقال إنه لم يؤذن له فقال جرير: يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … إني لدى الباب كالمصفود في قرن (١)

стр. 3150

المدائني عن أبي اليقظان قال: جمع عمر بني مروان فقال لهم: يا بني مروان إني أظن نصف جميع مال الأمة عندكم فأدّوا بعض ما عندكم إلى بيت مال المسلمين. فقال هشام: لا يكون والله ذاك حتى تذهب أرواحنا. فغضب عمر وقال: أما والله يا بني مروان إن لله فيكم ذبحا ولولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا المال له لأضرعت (١) خدودكم. حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم، وقال أبو اليقظان أيضا: كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا تحتاج إلى مرمة فكتب إليه: «أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه فحصّن مدينتك بالعدل ونقّها من الظلم، والسلام». المدائني قال: كتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامله على الكوفة: «اجتنب الحاجات عند حضور الصلوات، والسلام». وحدثني منصور بن أبي مزاحم عن شعيب بن صفوان: ولى عمر رجلا من قريش من أخواله القضاء فأتاه خصمان فلم يتجه له الحكم بينهما، فغرّم للمدعي ما ادعى، فكتب إليه: «يا خال إنّا لم نولّك لتغرم»، وعزله، وولى غيره. المدائني قال: ولى عمر رجلا من أخواله عملا فتحاكم إليه رجلان في دينار فلم يحسن القضاء بينهما، وغرم دينارا أصلح به بينهما، فكتب إليه عمر: «إني لم أولك لتغرم»، وولى غيره.

стр. 3151

حدثني هشام بن عمار. أنبأنا الوليد عن سعيد بن واقد قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: أي الجهاد أفضل؟ قال: جهاد المرء هواه. المدائني عن أبي بكر عن رجل عن رجاء بن حيوة قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فكاد المصباح يطفأ فقمت لأصلحه فقال: مه، إن جهلا بالرجل أن يستخدم ضيفه، ثم قام فوجد غلامه نائما فلم يوقظه وتولى إصلاح المصباح ثم عاد فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز وقعدت وأنا عمر بن عبد العزيز. قالوا: وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز زاهدا خيّرا فقال له: يا بني لأن تكون في ميزاني أحبّ إلي من أن أكون في ميزانك. فقال: ولأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب. فلما مات عبد الملك خرج عمر إلى الناس وقد اكتحل فسئل عنه فقال: قد سكن علزه (١) ورجاه أهله، وما كان في حال أحبّ إليّ من حاله، ثم علم بموته فقيل له: قد فعلت ما فعلت وقد مات، فقال: أحببت أن أرغم الشيطان. وانصرف من جنازته فرأى قوما ينتضلون فقال لبعضهم أخطأت فافعل كذا. فقيل له في ذلك فقال: ليس في موت عبد الملك ما يشغل عن نصيحة المسلم. وقال أبو اليقظان: كتب إلى عمر عامله على عمان وهو عامر بن عبد الله بن أبي طلحة، يعلمه أن من كان قبله كانوا يستعينون بالجند، وأن قد

стр. 3152

اختار ثلاثين رجلا من أهل عمان فولاّهم الصدقات. ويسأله أن يقفل من قبله من الجند. فكتب إليه: «قد فهمت ما ذكرت فاقفل من قبلك من الجند بعد أن تخيّرهم بين ركوب البحر وسلوك البر، فمن اختار البحر فاكتر له وزوّده من بيت مال المسلمين، ومن اختار البر فاكتر له ظهرا وزوّده ما يقيمه أيضا والسلام». وقال سحيم بن حفص أبو اليقظان: استعمل عدي بن سعيد بن مسعود المازني على عمان فأخذ رجلا من الأزد يقال له خليد بن سعوة، فضربه مائة سوط في باقة أرادها ابن مسعود، فأتى عمر فشكا ذلك إليه، وأنشده قول كعب الأشعري: إن كنت تحفظ ما يليك فإنّما … عمّال أرضك بالعراق ذئاب لم يستقيموا للذي تدعو له … حتى تضرّب بالسيوف رقاب بأكفّ منصلتين أهل بصائر … في رفعهنّ مواعظ وعقاب لولا قريش نصرها ودفاعها … أمسيت منقطعا بي الأسباب فقال عمر: لمن هذا الشعر؟ قال: لرجل من الأزد من أهل عمان يقال له كعب. فقال له: ما كنت أرى أهل عمان يقولون مثل هذا الشعر، وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «إنّ استعمالك سعيد بن مسعود قدر من الله قدره عليك، وبلية ابتلاك بها، فإذا أتاك كتابي فابعث إليه من يعزله، وابعث به إليّ مشدودا موثقا». فعزله واستعمل عبد الرحمن بن قيس، وحمل سعيدا إلى عمر فجعل سعيد يرتجز ويقول: كيف ترى الشيخ أبا الزبير … يدلّ بعد خطب الأمير سوق الرّوايا وحدا البعير

стр. 3153

فلما دخل عليه كلمه عمر فقال: أصلحك الله أتكلمني وأنا موثق؟ أطلق عني حتى أتكلم بحجتي، فأطلق عنه وقال للأزدي: اضربه، فقال قمير بن سعيد: أنا الذي ضربته ولم يضربه أبي، قال: فأعطي الأزدي سوطا، وقال عمر: قم فاجلده كما جلدك. فجلد قميرا مائة سوطا، فقال له أبوه: يا قمير اصرر أذنيك إصرار الفرس الجموح، وعضّ على نواجذك، واذكر أحاديث غد، وإياك وذكر الله فإنه معجزة. وقال أبو اليقظان: قام رجل من بني كلاب إلى عمر وهو على المنبر فأنشد: إنّ الذين بعثت في أقطارها … نبذوا كتابك واستحلّ المحرم جلس الذئاب على منابر أرضنا … كلّ بنقص نصيبنا يتكلم وأردت أن يلي الأمانة منهم … عدل وهيهات الأمين المسلم فقال عمر: صدقني والله. حدثني عبد الله بن صالح العجلي قال: سمعت حمزة الزيّات يحدّث أن عمر بن عبد العزيز غضب على رجل غضبا شديدا فأتي به وأمر بالسياط فأحضرت، فقال: لولا شدة غضبي عليك لأوجعتك. المدائني أن عمر بن عبد العزيز قال: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، وعفو إلى مقدرة. قال: وقال عمر بن عبد العزيز: تعلموا العلم فإنه زين للغني، وعون للفقير، لا أقول أنه يكسب به ولكنه يدعوه إلى القناعة. حدثني بكر بن الهيثم عن سفيان بن عيينة قال: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز من العراق، فنظر عمر إلى شاب منهم يتهيأ للكلام فقال عمر:

стр. 3154

ليتكلم أكبركم سنا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، ليس الأمر بالسنّ ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنن منك، قال: صدقت. فتكلم فقال: إنّا لم نأتك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فأتتنا في بلادنا ودخلت علينا منازلنا، وأما الرهبة فإنا أمنّاها بعدلك. قال: فما أنتم؟ قال: نحن وفد الشكر. فنظر محمد بن كعب القرظي إلى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين لا يغلبنّ جهالة القوم بك معرفتك بنفسك، فإنّ من الناس ناسا غرّهم الستر وخدعهم حسن الثناء وأنا أعيذك بالله من أن تكون منهم. فبكى عمر. حدثني عبد الرحمن بن حزرة أحد ولد جرير بن عطية الخطفى قال: وفد جرير على عمر بن عبد العزيز فغبر حينا لا يصل إليه، ثم رأى ذات يوم عون بن عبد الله المسعودي يريد الدخول عليه وكان قارئا فقام إليه جرير فقال له: يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … إني لدى الباب كالمصفود في قرن فقال له عون: إن أمكنني ذلك فعلت إن شاء الله. فلما دخل عون على عمر سلم وجلس حتى فرغ من حوائج الناس، ثم أقبل عليه فقال: يا أمير المؤمنين إنّ ببابك جرير بن عطية وهو يطلب الإذن، فقال عمر: أو يمنع أحد من الدخول؟. قال: لا يا أمير المؤمنين لكنه يطلب إذنا خاصا ينشدك فيه. قال: يا غلام أدخل جريرا. فأدخل إليه وعون جالس فأنشد جرير عمر:

стр. 3155

أأذكر الجهد والبلوى التي شملت … أم أكتفي بالذي نبّئت من خبر كم بالمواسم من شعثاء أرملة … ومن يتيم ضعيف الصوت والنّظر ممّن ترجّى له من بعد والده … كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر (١) فبكى عمر حتى بلّت دموعه لحيته، وأمر بصدقات تفرّق على الفقراء في النواحي فقال جرير: هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر فقال له: يا جرير أنت من أبناء المهاجرين الأولين؟ قال: لا. قال: أفمن أبناء الأنصار؟. قال: لا. قال: أفمن أبناء التابعين بإحسان؟. قال: لا. قال: أفمن فقراء المسلمين أنت فنجريك على ما نجري عليه الفقراء؟ قال: قدرتي فوق ذلك. قال: أفأنت ابن سبيل فنعينك على سفرك؟ قال: قدرتي فوق ذلك. فقال: يا جرير ما أرى لك بين الدفّتين حقا. فولّى جرير فقال عون: يا أمير المؤمنين إن الخلفاء كانت تعوده الإحسان، وإنّ مثل لسانه يتّقى، فقال عمر: ردّوه فردّ فقال له عمر: يا جرير إن عندي من مالي عشرين دينارا وأربعة أثواب فأقاسمك ذلك. فقال: بل توفّر يا أمير المؤمنين وتحمد. فلما خرج تلقاه الناس فقالوا له: ما وراءك؟ قال: خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني له لحامد. ولم يذكره بسوء. وقال فيه حين مات:
следующие страницы →