حدثني هشام بن عمار. أنبأنا الوليد عن سعيد بن واقد قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: أي الجهاد أفضل؟ قال: جهاد المرء هواه.
المدائني عن أبي بكر عن رجل عن رجاء بن حيوة قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فكاد المصباح يطفأ فقمت لأصلحه فقال: مه، إن جهلا بالرجل أن يستخدم ضيفه، ثم قام فوجد غلامه نائما فلم يوقظه وتولى إصلاح المصباح ثم عاد فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز وقعدت وأنا عمر بن عبد العزيز.
قالوا: وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز زاهدا خيّرا فقال له:
يا بني لأن تكون في ميزاني أحبّ إلي من أن أكون في ميزانك. فقال: ولأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب.
فلما مات عبد الملك خرج عمر إلى الناس وقد اكتحل فسئل عنه فقال: قد سكن علزه (١) ورجاه أهله، وما كان في حال أحبّ إليّ من حاله، ثم علم بموته فقيل له: قد فعلت ما فعلت وقد مات، فقال: أحببت أن أرغم الشيطان.
وانصرف من جنازته فرأى قوما ينتضلون فقال لبعضهم أخطأت فافعل كذا. فقيل له في ذلك فقال: ليس في موت عبد الملك ما يشغل عن نصيحة المسلم.
وقال أبو اليقظان: كتب إلى عمر عامله على عمان وهو عامر بن عبد الله بن أبي طلحة، يعلمه أن من كان قبله كانوا يستعينون بالجند، وأن قد
стр. 3152
اختار ثلاثين رجلا من أهل عمان فولاّهم الصدقات. ويسأله أن يقفل من قبله من الجند. فكتب إليه: «قد فهمت ما ذكرت فاقفل من قبلك من الجند بعد أن تخيّرهم بين ركوب البحر وسلوك البر، فمن اختار البحر فاكتر له وزوّده من بيت مال المسلمين، ومن اختار البر فاكتر له ظهرا وزوّده ما يقيمه أيضا والسلام».
وقال سحيم بن حفص أبو اليقظان: استعمل عدي بن سعيد بن مسعود المازني على عمان فأخذ رجلا من الأزد يقال له خليد بن سعوة، فضربه مائة سوط في باقة أرادها ابن مسعود، فأتى عمر فشكا ذلك إليه، وأنشده قول كعب الأشعري:
إن كنت تحفظ ما يليك فإنّما … عمّال أرضك بالعراق ذئاب
لم يستقيموا للذي تدعو له … حتى تضرّب بالسيوف رقاب
بأكفّ منصلتين أهل بصائر … في رفعهنّ مواعظ وعقاب
لولا قريش نصرها ودفاعها … أمسيت منقطعا بي الأسباب
فقال عمر: لمن هذا الشعر؟ قال: لرجل من الأزد من أهل عمان يقال له كعب. فقال له: ما كنت أرى أهل عمان يقولون مثل هذا الشعر، وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «إنّ استعمالك سعيد بن مسعود قدر من الله قدره عليك، وبلية ابتلاك بها، فإذا أتاك كتابي فابعث إليه من يعزله، وابعث به إليّ مشدودا موثقا». فعزله واستعمل عبد الرحمن بن قيس، وحمل سعيدا إلى عمر فجعل سعيد يرتجز ويقول:
كيف ترى الشيخ أبا الزبير … يدلّ بعد خطب الأمير
سوق الرّوايا وحدا البعير
стр. 3153
فلما دخل عليه كلمه عمر فقال: أصلحك الله أتكلمني وأنا موثق؟ أطلق عني حتى أتكلم بحجتي، فأطلق عنه وقال للأزدي: اضربه، فقال قمير بن سعيد: أنا الذي ضربته ولم يضربه أبي، قال: فأعطي الأزدي سوطا، وقال عمر: قم فاجلده كما جلدك. فجلد قميرا مائة سوطا، فقال له أبوه: يا قمير اصرر أذنيك إصرار الفرس الجموح، وعضّ على نواجذك، واذكر أحاديث غد، وإياك وذكر الله فإنه معجزة.
وقال أبو اليقظان: قام رجل من بني كلاب إلى عمر وهو على المنبر فأنشد:
إنّ الذين بعثت في أقطارها … نبذوا كتابك واستحلّ المحرم
جلس الذئاب على منابر أرضنا … كلّ بنقص نصيبنا يتكلم
وأردت أن يلي الأمانة منهم … عدل وهيهات الأمين المسلم
فقال عمر: صدقني والله.
حدثني عبد الله بن صالح العجلي قال: سمعت حمزة الزيّات يحدّث أن عمر بن عبد العزيز غضب على رجل غضبا شديدا فأتي به وأمر بالسياط فأحضرت، فقال: لولا شدة غضبي عليك لأوجعتك.
المدائني أن عمر بن عبد العزيز قال: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، وعفو إلى مقدرة. قال: وقال عمر بن عبد العزيز: تعلموا العلم فإنه زين للغني، وعون للفقير، لا أقول أنه يكسب به ولكنه يدعوه إلى القناعة.
حدثني بكر بن الهيثم عن سفيان بن عيينة قال: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز من العراق، فنظر عمر إلى شاب منهم يتهيأ للكلام فقال عمر:
стр. 3154
ليتكلم أكبركم سنا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، ليس الأمر بالسنّ ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنن منك، قال: صدقت. فتكلم فقال: إنّا لم نأتك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فأتتنا في بلادنا ودخلت علينا منازلنا، وأما الرهبة فإنا أمنّاها بعدلك.
قال: فما أنتم؟ قال: نحن وفد الشكر. فنظر محمد بن كعب القرظي إلى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين لا يغلبنّ جهالة القوم بك معرفتك بنفسك، فإنّ من الناس ناسا غرّهم الستر وخدعهم حسن الثناء وأنا أعيذك بالله من أن تكون منهم. فبكى عمر.
حدثني عبد الرحمن بن حزرة أحد ولد جرير بن عطية الخطفى قال:
وفد جرير على عمر بن عبد العزيز فغبر حينا لا يصل إليه، ثم رأى ذات يوم عون بن عبد الله المسعودي يريد الدخول عليه وكان قارئا فقام إليه جرير فقال له:
يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … إني لدى الباب كالمصفود في قرن
فقال له عون: إن أمكنني ذلك فعلت إن شاء الله.
فلما دخل عون على عمر سلم وجلس حتى فرغ من حوائج الناس، ثم أقبل عليه فقال: يا أمير المؤمنين إنّ ببابك جرير بن عطية وهو يطلب الإذن، فقال عمر: أو يمنع أحد من الدخول؟. قال: لا يا أمير المؤمنين لكنه يطلب إذنا خاصا ينشدك فيه. قال: يا غلام أدخل جريرا. فأدخل إليه وعون جالس فأنشد جرير عمر:
стр. 3155
أأذكر الجهد والبلوى التي شملت … أم أكتفي بالذي نبّئت من خبر
كم بالمواسم من شعثاء أرملة … ومن يتيم ضعيف الصوت والنّظر
ممّن ترجّى له من بعد والده … كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر (١)
فبكى عمر حتى بلّت دموعه لحيته، وأمر بصدقات تفرّق على الفقراء في النواحي فقال جرير:
هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر
فقال له: يا جرير أنت من أبناء المهاجرين الأولين؟ قال: لا. قال:
أفمن أبناء الأنصار؟. قال: لا. قال: أفمن أبناء التابعين بإحسان؟.
قال: لا. قال: أفمن فقراء المسلمين أنت فنجريك على ما نجري عليه الفقراء؟ قال: قدرتي فوق ذلك. قال: أفأنت ابن سبيل فنعينك على سفرك؟ قال: قدرتي فوق ذلك. فقال: يا جرير ما أرى لك بين الدفّتين حقا.
فولّى جرير فقال عون: يا أمير المؤمنين إن الخلفاء كانت تعوده الإحسان، وإنّ مثل لسانه يتّقى، فقال عمر: ردّوه فردّ فقال له عمر:
يا جرير إن عندي من مالي عشرين دينارا وأربعة أثواب فأقاسمك ذلك.
فقال: بل توفّر يا أمير المؤمنين وتحمد.
فلما خرج تلقاه الناس فقالوا له: ما وراءك؟ قال: خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني له لحامد. ولم يذكره بسوء. وقال فيه حين مات:
стр. 3156
فالشمس كاسفة ليست بطالعة … تبكي عليك نجوم الليل والقمر (١)
المدائني عن عوانة قال: كتب صالح بن عبد الرحمن وصاحب له إلى عمر بن عبد العزيز وكان يلي الخراج بالعراق: «إنه لا يصلح الناس إلاّ السيف» فغضب عمر وقال: أما تعجبون لربذتين من الربذ (٢)، خبيثين من الخبث يعرّضان لي بدماء المسلمين، ما من الناس أحد إلاّ ودماؤكما أهون عليّ من دمه.
المدائني قال: كتب عمر إلى أهل البصرة كتابا ذكر فيه يزيد بن المهلب فقال: «إنه لم يكن من أئمة الهدى، ولا الأعوان على التقوى».
المدائني قال: أتى رجل من آل قتيبة عمر بن عبد العزيز فوقع في يزيد بن المهلّب عنده وتظلّم وهو ساكت، ثم قذفه فقال عمر: أخرج مما قلت فلم يخرج، فأمر سليمان بن حبيب فحدّه.
المدائني قال: حبس عمر يزيد بن المهلّب فقيل له: إنه شريف له موضع. فقال: إنه صاحب فتك، وليس له خير من السجن.
حدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقة عن مروان بن معاوية عن عيسى بن المغيرة عن مزاحم بن زفر قال: كنا بسمرقند وعليها محمد بن المهلب فخرج علينا شار يوم جمعة وضرب رجلا من بني عجل بالسيف فأخذ. ودعا محمد بن الضّحاك ابن مزاحم صاحب التفسير فسأله عن أمره فقال: أرى أن تحبسه حتى تنظر ما حال المضروب. فحبسه وكتب إلى
стр. 3157
يزيد بن المهلب، فكتب به إلى سليمان بن عبد الملك فوافاه الكتاب وقد مات سليمان، وولي عمر بن عبد العزيز، فكتب عمر: «أما بعد فانظر فان كان المضروب مات من ضربة الحروري فادفعه إلى أوليائه ليقتلوه، وإن كان قد برئ فأقصّه منه ثم احبسه في محبس قريب من أهله حتى يتوب من هواه الخبيث الذي خرج عليه أو يموت».
قالوا: وأشرف سليمان في حجته من عقبة قديد، فنظر إلى عسكره، فأعجبه ما رأى من كثرة سواده، فقال: كيف ترى يا أبا حفص؟. فقال:
أرى دنيا يأكل بعضها بعضا، أنت المبتلى بها والمسؤول عنها.
ونعب غراب فقال: ما تراه يا أبا حفص يقول؟. قال: لا أدري وإن شئت قلت لك.
المدائني قال: مرض عمر بن عبد العزيز فقال مسلمة: آتيك بمائة ألف درهم تتصدق بها؟ قال: أفلا تصنع خيرا من ذلك؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: تردّها إلى حيث أخذتها منه فإنه خير لك.
المدائني قال: قال مسلمة لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أما تملّ الخلّ والزيت؟ قال: إذا مللتها تركتهما حتى اشتهيتهما.
حدثنا هشام بن عمار عن الوليد قال: دخل بعضهم على عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة فقال: من تكن الخلافة زيّنته فإنك زيّنتها، وإنك لكما قال الشاعر:
وتزيدين طيّب الطيّب طيبا … إن تمسّيه أين مثلك أينا
فإذا الدّرّ زان حسن وجوه … كان للدّرّ حسن وجهك زينا
стр. 3158
قال: دعني فأنا أعلم بنفسي وذنوبي، إني إلى عفوالله عني أحوج مني إلى تقريظك إياي.
قال: وقال الوليد: أثنى قوم على عمر فقال لهم: يا هؤلاء دعونا من ثنائكم وأمدّونا بدعائكم.
حدثني أبو بكر الأعين عن السهمي عن أبيه وغيره أن عديّ بن أرطاة كتب إلى عمر بن عبد العزيز يستأذنه في عذاب قوم من عمال الخراج بلحوا (١) في يديه وامتنعوا من أداء ما عليهم، فكتب إليه: «أما بعد فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر، كأني جنّة لك من عذاب الله، أو كأنّ رضائي ينجيك من سخط الله، فمن أعطاك ما قبله عفوا فاقبله، ومن قامت عليه البيّنة فخذه بما ثبت بالبينة عليه، ومن أنكر فاستحلفه، فوالله لأن يلقوا الله بجناياتهم أحبّ إلي من أن ألقاه بعذابهم، والسلام».
وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا سعيد بن عامر عن عون بن المعمّر قال: كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات»، فكتب إليه عمر: «أما بعد فكأنك بالدنيا وكأنها لم تكن، وكأنك بالآخرة وكأنها لم تزل، والسلام».
حدثني أبو أيوب الرقّي المعلّم عن النّفيلي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي: «أما بعد فكأنك بالدنيا وكأنها لم
стр. 3159
تكن، وكأنك بالآخرة وكأنها لم تزل، واعلم أنّ من علم أنّ كلامه من عمله أقلّ كلامه إلا فيما يعنيه وينفعه.
حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن المبارك بن سعيد عن أبي حمزة الثّمالي قال: أطرى ابن الأهتم بني أمية، وأفرط في مدحهم فقال عمر: من سرّه أن ينظر إلى الأفاك الأثيم فلينظر إلى ابن الأهتم.
فلما استخلف قال: لا يدخل علي ابن الأهتم ولا خالد بن عبد الله القسري فإنهما مقولان، وإنّ من البيان ما فيه سحر.
حدثني عبد الله بن صالح عن زهير بن معاوية أن عمر بن عبد العزيز عزل بعض قضاته، فلما قدم عليه قال: يا أمير المؤمنين لم عزلتني؟ قال:
لأنّ كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك.
وقال هشام بن عمار: قال همّام بن مصاد: دخلت على عمر، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فقال: يا بن مصاد إنّ في الجسد مضغة إليها يأوي خيره وشرّه فأصلحوا قلوبكم تصلح أعمالكم.
حدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقة عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله: «أنزل رعيتك بمنزلة ولدك، فوقّر كبيرهم، وارحم صغيرهم، وقوّم ناشئهم».
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي: «أما بعد:
فدع من الحلال ما يكون حاجزا بينك وبين الحرام، فإنّ من استوعب الحلال كله تاقت إلى الحرام نفسه، وعليك بالقصد فإن الإسراف من عمل الشيطان، والسلام».
стр. 3160
حدثني محمد بن الأعرابي عن الأباني قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة الكندي، فقال: قد وليت هذا الأمر وابتليت به فأشيروا علي، فقال سالم: اجعل الناس ثلاثة أصناف أبا، وأخا، وابنا. فبرّ أباك، وصل أخاك، وارحم ابنك. وقال محمد بن كعب: اجعل الدنيا يوما صمته عن لذّاتك، فكأن فطرك عليه الموت. وقال رجاء بن حيوة:
أحبّ للناس ما تحبه لنفسك، وأكره ما تكرهه لنفسك، واعلم أنك أول خليفة يموت.
وحدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي عن يحيى بن يمان عن سفيان قال: بلغنا أن محمد بن يوسف أخا الحجاج ضرب على أهل اليمن خرجا جعله وظيفة أخصبوا أو أجدبوا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إليه عامله يعلمه ذلك فكتب: «ألغ تلك الوظيفة، واقتصر بالناس على عشر ما سقي سيحا أو سقته السماء ونصف عشر ما سقي بالغرب والسواني (١)، فوالله لأن لا يأتيني من اليمن حفنة كتم أحبّ إلي من إقرار هذه الوظيفة».
فلما ولي يزيد بن عبد الملك أمر بردّها.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: لما ولي محمد بن يوسف اليمن أساء السيرة، وظلم الرعية وضرب على أهل اليمن خراجا جعله وظيفة عليهم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله يأمره بإلغاء تلك الوظيفة والاقتصار على العشر والصدقة، وقال: «والله لأن لا يأتيني من
стр. 3161
اليمن حفنة كتم أحبّ إليّ من اقرار هذه الضريبة». فلما ولي يزيد أمر بردّها وكتب إلى عروة بن محمد: إنّ ابن عبد العزيز كان مغرورا منك ومن أشباهك فأعد على أهل اليمن الضريبة التي كان عمر أمر بإسقاطها، ولو صار أهلها حرضا (١).
المدائني قال: دخل على عمر بن عبد العزيز سالم السندي، وكان من خاصته، فقال له: أسرّك ما ولّيت أم ساءك؟ قال: سرني للناس وساءني لك. قال: إني أتخوف أن أكون قد أوبقت نفسي، قال: ما أحسن حالك إن كنت تخاف، إنما أخاف عليك ألا تخاف. قال: عظني. قال: إنّ آدم أخرج من الجنة بخطيئة، فتدبّر أمرك، واحفظ نفسك.
قال: وقال عمر لمحمد بن كعب: عظني. فقال: لا أرضى نفسي لموعظتك لأني لأصلي بين الفقير والغني فأميل إلى الغني، ويدخل الفقير والغني عليّ فأوسع للغني. فقال عمر: فاستغفر الله. وبكى.
المدائني عن سحيم بن سفيان قال: ولّى عمر بن عبد العزيز أيام توليته المدينة للوليد بن عبد الملك رجلا يقال له راشد، ويكنى أبا علي، الربذة فضرب رجلا من بني أسد يقال له بعثر، فركب إلى عمر وأنشأ يقول:
أقول لراشد أمسك كتابي … وخلّ لناقتي عنك السّبيلا
ستجمع بالمدينة وابن ليلى … وحكمته التي تشفي الغليلا
وأتى عمر فشكا إليه فبعث إلى راشد ثم قال لبعثر: اضربه كما ضربك، فضربه ثم أتى راشد بإهاب فلبسه فقال بعثر:
стр. 3162
رأيت أخا الصّفاء أبا عليّ … يعاتبني ويدّرع الإهابا
يقول ظلمتني وأقول كلّ … أصاب إلى أخيه ما أصابا
وحدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عمن سمع عمر بن عبد العزيز يقول: ما كذبت مذ عرفت أن الكذب يضرّ بأهله.
وقال أبو اليقظان: ثنا جويرية بن أسماء عن اسماعيل بن أبي حكيم كاتب عمر بن عبد العزيز، وهو مولى لآل الزبير قال: ما كتبت له قطّ في أكثر من شبر حتى خرج من الدنيا.
وقال أبو اليقظان: لما قدم عمر المدينة واليا عليها، دخلت عليه قريش، فقال أبان بن عثمان بن عفان: قد أتاكم أمير مضطلع بأمره.
وقال أبو اليقظان، ثنا جويرية بن أسماء عن اسماعيل قال: قال عمر: ما تركت من الدنيا شيئا تتوق إليه نفسي إلاّ البراذين فإني كنت أجد لها تحت ذي وطاء لا أجده لغيرها من المراكب.
حدثنا محمد بن مصفّى الحمصي عن أبيه قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إليه سابق البريري أو أنشده:
باسم الذي أنزلت من عنده السّور … والحمد لله أمّا بعد يا عمر
إن كنت تعلم ما تأتي وما تذر … فكن على حذر قد ينفع الحذر
واصبر على القدر المجلوب وارض به … وإن أتاك بما لا تشتهى القدر
فما صفا لامرئ عيش يسرّ به … إلاّ سيتبع يوما صفوه كدر
في أبيات.
стр. 3163
قالوا: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي: إياك والمزاح، فإنه يذهب بالمروءة، وينبت الضغائن. وقال عمر بن عبد العزيز: قال عمر بن الخطاب: الرأي كثير والحزم قليل.
وقال أبو اليقظان عن جويرية: غضب عمر بن عبد العزيز فقال ابنه عبد الملك: أتغضب في قدرك وموضعك الذي وضعك الله به؟ فقال:
أو ما تغضب أنت يا عبد الملك؟ فقال: فما ينفعني سعة جوفي إذا أنا لم أردد الغضب فيه حتى يسكن. فتبسم عمر.
فلما حضرت عبد الملك بن عمر الوفاة قال له عمر: كيف تجدك يا بني؟ قال: أجدني في الموت فاتّق الله يا أبه واصبر. فقال: يا بني ما خلق الله عينا تطرف أحبّ إليّ ولا أعزّ عليّ منك، ولأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك.
فقال: يا أبه. ولأن يكون ما تحب أحبّ إليّ من أن يكون ما أحب.
فمات يوم خميس، فخرج عمر في جنازته وقد اكتحل وسرّح لحيته وقال:
أحببت أن أرغم الشيطان. وقال: الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نتوقعه، فلما أتى لم ننكره.
وقال كثير:
وحضّ الذي ولّى على البرّ والتّقى … ولم يهمم الباقي بأن يتخشّعا
ولو نزلت مثل الذي نزلت به … بركن شديد من أجأ لتصدّعا
فأصبحت كالمبقي له بعض نفسه … عياضا وبعض قد تولّى فودّعا (١)
стр. 3164
فلما كان يوم الجمعة صعد المنبر فقال: الحمد لله على ما أعطى والحمد لله على ما بقّى، والحمد لله على ما أخذ. ثم كتب إلى جميع عمّاله:
عدي بن أرطاة الفزاري وغيره: «إن الله وهب عبد الملك بن عمر فمتّعني به ما شاء أن يمتعني به، ثم قبضه إليه، فأعوذ بالله أن تكون لي مشيئة في غير ما أحبّ الله، فإذا جاءك كتابي هذا فلا أعلمنّ ما بكي عليه قبلك، وأكثر من الاستغفار له إن شاء الله، والسلام».
وقال سحيم بن حفص: قام عمر على قبر ابنه حين دفنه فقال:
رحمك الله إن كنت لتسرني حيا فأنا بك اليوم أسرّ، فرحم الله من قال:
رحمك الله يا عبد الملك.
المدائني عن سحيم أن عبد الملك قال لعمر أبيه: يا أبه لعله يمنعك أن تقوم بالحق مخافة هؤلاء - يعني بني مروان - فوالله لوددت أن القدور تغلي بنا وبهم. فقال: يا بنيّ صبرا فإن الخمر كانت محرّمة عند الله، فأنزل فيها آيتين قبل أن ينزل تحريمها.
وقال أبو اليقظان: بلغ عمر عن ابنه عبد الملك أمر كرهه فكتب إليه: «بلغني عنك بعض ما أكره، ولو كنت تقدمت إليك فيه لأتاك مني ما تكرهه، واذكر أنّ أباك كان عند أبيه مطرحا يفضّل عليه الكبير ويؤثر عليه الصغير، واذكر أن أمك كانت أمة من الأعاجم وليست من خيارهم، فلئن عدت ليأتينّك مني ما لا تحب إن شاء الله».
وقال عمر بن عبد العزيز: إنه لا عمل لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا خشية له، وإنّ أيمن أحدكم وأشأمه لسانه، فمن حفظ لسانه أراح نفسه وسلم المسلمون منه، وإنّ قوما صحبوا سلاطينهم بغير ما يحق عليهم فعاشوا
стр. 3165
بخلافهم وأكلوا بألسنتهم وخلبوا الأمة بالمكر والخيانة والخديعة، ألا إنّ كل ذلك في النار، ألا فلا يقربنا من أولئك أحد لا سيما خالد بن صفوان وخالد بن عبد الله.
المدائني قال: قال عمر بن عبد العزيز لمعلمه: كيف كانت طاعتي لك وأنت تعلمني؟ قال: أحسن طاعة. قال: فقد ينبغي أن تطيعني كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، وخذ من قميصك حتى تبدو عقباك.
حدثني عبد الواحد بن غياث البصري عن جويرية بن أسماء قال:
كتاب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى عمر ثلاثة كتب فأجابه عنها في كتاب واحد إليه: «إن من كان قبلي من أمراء المدينة كانت تجري عليهم أرزاق للشمع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجريها لي فليفعل».
وكتب إليه: «إن مسجد بني عدي بن النجار، أخوال رسول الله ﷺ قد استهدم فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر ببنائه فليفعل».
وكتب إليه إن قوما من الأنصار قد بلغوا أسنانا ولم يبلغ عطاؤهم الشرف فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإثباتهم في شرف العطاء فليفعل».
فافتض عمر كتبه ثم كتب: «أمّا ما ذكرت من أمر الشمع فطالما مشيت في طرق المدينة في الليلة الظلماء، وأنت لا يمشى بين يديك بشمع، ولا يمشي خلفك رجال قريش والأنصار.
وأما مسجد بني عدي فقد كنت أحب أن أخرج من الدنيا ولم أضع لبنة على لبنة ولا آجرّة على آجرّه، فابنه واقتصد في النفقة.
стр. 3166
وأما ما ذكرت من أمر الرجال الذين بلغوا سنا ولم يبلغ عطاؤهم الشرف، فإنما الشرف شرف الآخرة، والسلام».
المدائني عن مسلمة أن عدي بن أرطاة كتب إلى عمر: «إن قوما من أهل الذمة تعوذوا بالإسلام مخافة الجزية، فليكتب إليّ أمير المؤمنين فيهم برأيه»؟ فكتب إليه: «إنّ الله بعث نبيه ﷺ داعيا ولم يبعثه جابيا فمن دخل في المسلمين فله ما لهم وعليه ما عليهم، فانظر من كان من أهل الذمّة فأظهر الإسلام واختتن وقرأ سورا من القرآن، فأسقط الجزية عنه إن شاء الله والسلام».
المدائني وغيره قالوا: كتب عمر إلى عدي: «أما بعد فما بقاء الدين مع وسوسة الشيطان، وجفوة السلطان، فأعط كل ذي حقّ حقه والسلام».
حدثني اسماعيل بن أبي زيد الأنطاكي، أخو ثمامة الكاتب، قال:
حدثني شيخ لنا قال: أصابت الناس زلزلة، فكتب عمر: أما بعد فإن الله ذو قدرة غالبة وعزّ قاهر، يعفو عمّن يشاء، ويؤاخذ من أراد، وإن هذه الرجفة عتاب من الله لخلقه، فاعتبوه بطاعته، وخافوا عقابه، فإنه يقول:
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ)﴾ (١).
стр. 3167
وحدثنا الحسين بن علي الأسود العجلي عن يحيى بن آدم عن فضيل بن عياض قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد فإن الله سبحانه وبحمده إنما جعل الجزية على من رغب عن الإسلام غيّا وخسرانا، فانظر من كان قبلك من أهل الذمة ممن كبرت سنه، وضعفت قوته، وولّت محاسنه فأجر عليه قوته من بيت مال المسلمين والسلام».
حدثني الحسين عن يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: كتب عمر بن عبد العزيز: «من غلب الماء على شيء فهو له» (١).
حدثني الحسين بن علي الأسود، ثنا محمد بن يزيد العقدي عن محمد بن طلحة عن داود بن سليمان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: «أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة، وجور في الأحكام، وسنن سنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين، وصلاح الرعية العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهمّ إليك من نفسك حتى توطنها بطاعة الله، وأنا آمرك أن توظف عليهم خراجهم ولا تحمل خرابا على عامر، ولا عامر على خراب، وخذ من الخراب ما أطاق وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسهيل من غير عنف وإرهاق لأهل الأرض ولا تأخذ في الخراج إلا وزن سبعة ليس فيها آيين (٢)، ولا أجور الصرافين، ولا هدايا النوروز والمهرجان، ولا دراهم
стр. 3168
النكاح، ولا ثمن الصحف، ولا أجر البيوت، ولا أجور الفيوج (١)، ولا خراج من أسلم من أهل الذمة، ولا تعجل دوني بقتل ولا قطع، والسلام».
قالوا: وكتب عمر إلى العمال: «أما بعد: فإنه كان في الناس من أهل هذا الشراب أمر ساءت فيه رعيتهم حتى بلغت بهم إصابة الدم الحرام، والمال الحرام، والفرج الحرام، وهم يقولون: شربنا شرابا لا بأس به، وإنّ شرابا حمل على هذه المحارم لعظيم البلاء كثير الإثم، وقد جعل الله المندوحة والسعة في أشربة ليس في الأنفس منها حاكة (٢)، ولا ريب الماء الفرات واللبن العذب والعسل الماذي والسويق، وفي أشربة كثيرة من نبيذ التمر والزبيب المنبوذ في أسقية الأدم التي لازفت فيها، فإنه بلغني عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن نبيذ الظروف المزفتة وعن الدباء والحنتم، وقيل كل مسكر حرام، فاستغنوا بما أحلّ الله عما حرّم، فإنه من شرب بعد تقدّمنا إليه من هذه الأشربة المكروهة أوجعناه عقوبة، ومن استخفى عنا فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وقد أردت بكتابي إليكم اتخاذ الحجة عليكم في اليوم وما بعده، نسأل الله أن يزيد المهتدي منا ومنكم هدى وأن يقبل بالمسيء منا ومنكم إلى التوبة في يسر منه وعافية، والسلام».
المدائني عن خالد بن يزيد عن أبيه قال: أغلظ رجل لعمر بن عبد العزيز فأمر بتجريده ثم قال: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ)﴾ (٣) خلّوا سبيله.
стр. 3169
المدائني قال: أبلغ رجل عمر كلاما عن رجل غاظه فهمّ بعقوبته ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منه اليوم ما ينال مني في مثله غدا، خلوا سبيله.
المدائني عن المبارك بن فضالة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد فإني كنت كتبت إلى عمرو بن عبد الله أن يقسم ما وجد بعمان من عشور الحب والتمر في فقراء أهلها، ومن سقط إليها من أهل البادية وإضافته إليها أهل الحاجة والمسكنة وانقطاع السّبل، فكتب إليّ أنه سأل عاملك قبله عن ذلك الطعام والتمر فذكر أنه قد باعه وحمل إليك ثمنه، فاردد إلى عمرو ما كان عاملك حمل إليك من ثمن التمر والحب ليضعه في المواضع التي أمرته بوضعه فيها، ويصرفه إليها إن شاء الله، والسلام».
المدائني قال: قدّم يزيد بن المهلب أخاه إلى خراسان فحبس وكيع بن أبي سود، فبكى فقيل له: أتبكي يا أبا مطرف جزعا من الحبس؟ فقال:
وددت أني ويزيد بن المهلّب، وسليمان بن عبد الملك في النار فلعن الله أجزعنا، ولكني أبكي لأني قتلت قتيبة ثم يعزلني ابن العبسية، ويولي يزيد.
فلما ولي عمر بن عبد العزيز بلغه ذلك فقال: لوكيع على جفائه خير من يزيد بن المهلب، على أنه لا خير في واحد منهما.
قال المدائني: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة وولى عدي بن أرطاة الفزاري البصرة أراد أن ينشئ غرفا فوق دار الإمارة، فكتب إليه عمر:
стр. 3170
«هبلتك أمك يا بن أم عدي، أيعجز عنك منزل وسع زيادا وآل زياد»؟.
فأمسك عدي.
حدثنا بسّام الجمّال عن حمّاد بن سلمة عن أيوب أن قتيلا وجد بالبصرة في بني نمير فكتب فيه إلى سليمان بن عبد الملك، فكتب إلى عامله «أن استحلف خمسين رجلا على قاتله، فإن حلفوا فأقده». فلم يفعل حتى ولي عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى عمر في أمره فكتب: «إن شهد على قاتله عدلان فاقتله، وإلا فلا تقتله».
المدائني عن عبيس بن بيهس قال: جاء رجل من بني عزيز بن ثعلبة بن يربوع إلى عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين اسقني سقاك الله. قال: أين؟. قال: بالخرنق (١) فإنه طريق لا يطؤه الناس ولا يتطرقونه.
فكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد: فإن رجلا من بني ثعلبة بن يربوع يقال له فلان استحفرني بالخرنق فاحفره، ومن جاءك من أسود الناس وأبيضهم يستحفرك فأحفره، واشترط أن ابن السبيل أول ريّان، وأنّ حريم البئر طول رشائها، والسلام».
قالوا: وكتب عمر إلى عدي: «أما بعد فاستوص بمن في سجون أرضك خيرا، ولا تصيبنّهم ضيعة، وأقم لهم ما يصلحهم من الطعام والأدام من مال الصدقة إن شاء الله».
стр. 3171
وكتب إلى عدي: «أما بعد فما كان عندك من لقطة فحال عليها الحول فأخرج ما يجب فيها من الصدقة فضعه في أهل المسكنة والحاجة، ما كانت عندك، حتى يجيء لها طالب، وليكن ذلك شأنك وشأنها حتى يبقى منها ما لا تجب فيه الصدقة إن شاء الله، والسلام».
وكتب عمر إلى بعض عماله: «أما بعد فقد بلغني أن كثيرا ممن قبلك من أهل الذمة قد لبسوا العمائم وتشبّهوا بالمسلمين في زيّهم، فامنعهم من ذلك أشدّ المنع، وخذهم بأن يحلقوا أوساط رؤوسهم، إن شاء الله، والسلام».
المدائني قال: وعظ عمر بن عبد العزيز قوما من أهل بيته، فقال مسلمة: جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، فلقد ألنت منّا قلوبا قاسية، وأبكيت عيونا جامدة، وأحييت لنا في الصالحين شرفا وذكرا.
المدائني قال: خطب عمر فقال: أيها الناس أصلحوا من سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، فإنّ امرأ ليس بينه وبين آدم أب حيّ لمعرق له في الموت.
شريح عن اسماعيل بن علية أنّ صالح بن عبد الرحمن بعث توبة العنبري إلى سليمان في أمر فقال: إذا فرغت من أمر سليمان فائت عمر بن عبد العزيز فاعرض عليه الحوائج. فلما أتى قال: عليك بتقوى الله وما يبقى لك عند الله فإن الذي يبقى لك عنده باق عند الناس والذي لا يبقى لك عند الله غير باق لك عند الناس. فأبلغ ذلك صالحا فقال: أسمعتم قطّ بكلام أحسن من هذا؟
стр. 3172
المدائني عن موسى بن يزيد عن عمّه قال: قال هشام لرجاء بن حيوة: ألست صاحب عمر يوم ناجيته في الدار وقد توفي سليمان؟ فقال:
يا أمير المؤمنين، والله ما دعاني ولا ناجاني إلاّ في صرف الخلافة عنه. فقال هشام: رحم الله أبا حفص كان في أمر وكنا في غيره.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال مسلمة بن عبد الملك لعمر:
ألا توصي ببنيك؟ قال: أوصي بهم الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين.
المدائني قال: قال عبد الملك بن مروان يوم احتضر:
إنّ بنيّ صبية صغار … أفلح من كان له كبار
إنّ بنيّ صبية صيفيّون … أفلح من كان له ربعيّون
فقال عمر بن عبد العزيز وكان عنده: ﴿أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى)﴾ (١).
قال: وكتب عمر إلى الناس: «أما بعد فإن صدقة الفطر سنة مؤكدة، فأدّوا صدقة الفطر عن أهليكم: حرّهم ومملوكهم، صغيرهم، وكبيرهم، وليكن ما تؤدون عن كل رأس صاعا من شعير أو تمر، أو نصف صاع من برّ ليقسم عاملكم ذلك في أهل المسكنة والحاجة من الحاضرة دون أهل البادية إن شاء الله، والسلام».
قالوا: وكتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر بن عبد العزيز: «إنّ قوما من أهل الخراج كانوا إذا أرادوا كسر خراجهم جلوا من أرض إلى
стр. 3173
أخرى، وإني أمرت أن تجعل أرض من جلا صافية، وأرجو أن يتركوا بذلك عادتهم إن شاء الله».
فكتب إليه عمر: «أما بعد فقد بلغني كتابك، ولعمري لئن لم تدع رجلا خرج من أرض إلى أرض ومن قرية إلى قرية إلا أخذت أرضه ثم عزلت أم متّ لينقطعنّ صاحب الأرض عنها وتبوء بإثمه، وما يجلو رجل عن أرضه إلاّ بأن يحمّل فوق طاقته، فإياك أن تعمل وعمالك بعمل ابن يوسف وعماله، فإنهم كانوا مفسدين وقد قضى الله بأنه لا يصلح عمل المفسدين، وتألّف أهل الأرض فإن أرضيهم وبلادهم أحبّ إليهم من الجلاء إذا عدل عليهم ورفق بهم إن شاء الله والسلام».
المدائني عن بقيّة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض إخوانه: «أوصيك بتقوى الله الذي ابتدأك بإحسانه واحتج عليك بأنبيائه وبرهانه، فإنك مختبر بما كلّفت، ومرتهن بما عملت، وكأن قد وافيت مضجعك، وطالعت مرجعك، واضمحلّت عنك الدنيا، ثم بعثت يوم النشور، ووقفت بين يدي الملك القدير ليجزيك بما كدحت، ويسألك عما اجترحت. فاعمل بدنك فيما ينجيك، ودع عنك ما لا يعنيك، فإنّ الدنيا قد أدبرت، وإنّ أمورها قد تكدرت، وقد رأيت من تقلّب أحوالها وتصرّف أمورها ما فيه معتبر وموعظة لمن أبصر، أعاننا الله وإياك على تقواه، وألهمنا وإياك رضاه، تعاهدني يا أخي بكتابك فإنّ الكتب من الإخوان تديم الودّ والعهد، وتدعو إلى التواصل والتناصح، ولا قوة إلا بالله». وقال بعضهم: إنّ الرجل كتب إلى عمر بهذا الكتاب.
стр. 3174
وقال محمد بن مصفى الحمصي: كتب عمر إلى الجرّاح الحكمي أو غيره من عماله: «أما بعد، فإذا قدرت على عقوبة العباد، فاذكر قدرة الله عليك، فاعف له ما لم يكن في العفو مفسدة في الدين واستخراج من القوم المذنبين، فإنك بالله تعزّ، وإليه ترجع».
المدائني قال: كتب عمر إلى أبي أمامة الحمصي يعزيه بابن له استشهد: «أما بعد: فالحمد لله على آلائه وقضائه، وقد بلغني الذي ساق الله إلى عبد الله بن أبي أمامة من الشهادة، فقد عاش في الدنيا مأمونا وأفضى إلى الآخرة شهيدا، فقد فاز بما خصّ الله به الشهداء من الفضيلة والكرامة، فليس شيء نعلمه وإن عظم خطره وجلّ ثوابه أعظم عند الله ﵎ وعند عباده الذين أوتوا العلم والفهم من الشهادة، فمن خصّه الله بها فقد أفلح وأنجح وربح، ووسمه الله سمة الأبرار، فهو في جوار الله وتحت عرشه قد انقطعت عنه مرارة الدنيا وعلاجها، وصار إلى عيش الآخرة وحبورها، نسأل الله الذي بيده نواصي العباد أن يرزقنا وإياكم الشهادة والسعادة بقدرته والسلام».
حدثنا عمرو الناقد وأبو عبيد القاسم بن سلام قالا: ثنا محمد بن يزيد الواسطي، أنبأنا سفيان بن حسين أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه فترك نقط سين «بسم الله» وتبيينها، فأشخصه إليه فقال الناس: فيم أشخص فلان؟ فقيل: أشخص في سين، فعلقها الناس.
المدائني عن مسلمة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: «أما بعد فإن الصلاة أحقّ ما تعهدّه المرء من نفسه، ومن ولاّه الله أمره. فأقيموا الصلاة في بيوتكم ومساجدكم لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها، وترتيل
стр. 3175
ما تقرأون من القرآن فيها، فإن الله جعلها ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ١،﴾ وتعهدوا الناس في الزكاة وحضّوهم عليها، فإن من أدّاها أجر، ومن استخف بحقها وبذر كانت حجة عليه، نسأل الله أن يجعلنا مطيعين له مجتهدين في مرضاته، والسلام».
وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد فقد أتاني كتابك تسأل عن القضاء بين الناس، والقضاء بين الناس باتباع ما في كتاب الله، ثم ما جاء عن رسول الله ﷺ ، ثم ما حكم به أئمة الهدى، ثم استشارة ذوي الرأي والعلم، فما أتاك من الحكم فلم تجده في الكتاب نصا، ولا في السّنة رواية، ولا أخبرك به مخبر عن الأئمة الأبرار، فسل عنه أهل العفة والمعرفة، ثم احكم بالعدل، ولا تؤثر أحدا على أحد، إن شاء الله.
وسألت عن ميراث رجل وهب ولاءه أو باعه غير مستكره فإنّ الولاء لمن أعتق، لا يباع ولا يوهب، وقد أوصى رسول الله ﷺ أنّ الولاء لمن أعتق.
وسألت عن الكافر يعتقه المسلم فهو مولى للمسلم، وميراثه راجع الى بيت المال، لأنه لا يتوارث أهل ملّتين، ويعقل عنه إذا جنى من مال الله.
وسألت عن المرأة ترمي الرجل بنفسها أو يوجد معها وليس معهما أحد سواهما، والرجل جاحد وقد اتّهم وأظن، وان الحدود لا تقام إلا بالبينات أو الاعتراف، فاجلد من أخذته على ذلك جلد النكال على غير حدّ، ولا تقم الحدود بالتّهم فإنها تدرأ بالشبهات، وما ستر الله عباده فاسترهم
стр. 3176
به، واعلم أنك متمسك بالعدل ما أزلت الشك بالبيّنة، والشهود والعدول، والسلام».
قالوا: وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «أما بعد: فاحص أهل المسكنة بالبصرة، واكتب إليّ بعدّتهم إن شاء الله». فأحصاهم فبلغوا ثلاثين ألفا وتسعمائة وخمسة عشر إنسانا، فكتب إلى عدي يأمره أن يعطي كل إنسان جريبا في كل شهر من طعام كسكر والسّواد إذا قدم عليه بالطعام».
قال: وجّه عمر جيشا إلى الروم فمشى معهم ثم ودعهم وقال: اتقوا الله وقاتلوا أعداءه ابتغاء ثواب الآخرة، فإنّ الأجر للصابرين ﴿فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ)﴾ (١).
وحدثني أبو عبيد القاسم بن سلام قال: بلغنا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: التّقى مفحم ملجم.
حدثنا سعيد بن سليمان عن المبارك بن فضالة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: «أمت كلّ بدعة، وأحي كل سنّة من سنن الإسلام، وشريعة من شرائعه، ولا تأخذنك في الله لومة لائم».
المدائني عن المبارك بن سلام عن مجالد أنّ عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه يستأذنه في عذاب العمال، والبسط عليهم، ويذكر مقاسمة عمر بن الخطاب عماله، فكتب إليه: «قد فهمت كتابك ولم تعلمني عن مقاسمة عمر عماله شيئا إلا وقد علمته، ولعمري لغير ما استأمرتني فيه من أمر العمال أجمل في عاجل الأمر، وأسرع في درك البغية مما كان ابن يوسف
стр. 3177
وابن أبي مسلم، وصالح بن عبد الرحمن يفعلونه من العذاب بالجوامع، والمحبس الضّنك، وسوء المطعم والمشرب، وغلظ الملبس، وفرّ من ذلك أشد الفرار، وانظر من كان في السجون في وثاق أو في مطعم سوء ومشرب سوء، فنفّس عنهم وأطلقهم، وأحسن أسار من أسرت، وليس رأيي في العمال إلا محاسبتهم فيما ولّوا فمن أدركنا عليه حقا أخذناه به، ومن لم ندركه عليه خلينا سبيله حتى يحكم الله فينا وفيهم بما شاء والسلام».
وقالوا: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: «كتبت تسأل عن الرجل من الموالي يكون له ذوو رحم لهم عدد، وله مال يرثونه دون مواليه فيحدث حدثا، أيكون عقله عليهم دون مواليه، وان الموالي لا يحملون العقل، والموالي ثلاثة: مولى رحم، ومولى عتاقة يورث ولا يرث ومولى عقل لا يرث ولا يورث وميراثه لعصبة رحمه».
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا جرير بن حازم قال: قرأت كتاب عمر إلى عدي: «أما بعد فقد بلغني كتابك تسأل عن شهادة الأربع النسوة المرضيات أتجيزها أم لا، وكتبت تسأل عن العبد يقذف الحر، وذكرت أنه بلغك أني كنت أضربه في عملي على المدينة أربعين جلدة، ثم جلدته في آخر عملي ثمانين، وإنّ جلدي الأول كان رأيا رأيته، وإنّ جلدي الآخر وافق ما في كتاب الله لأنّ الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) لم يسمّ فيها حرا ولا مملوكا، فاجلده ثمانين.
стр. 3178
فأما شهادة النسوة الأربع فإني لم أسمع في الكتاب بشهادة خلصت فيها نساء إلا ومعهنّ رجل فانته من الأمر إلى ما تعرف، ودع ما تنكر، واعلم أنّ أحدا لا يستطيع إنفاذ حقوق الناس بينهم حتى لا يبقى منها شيء، ولا بد من أن تستأخر قضايا كثيرة إلى يوم الحساب، والسلام».
حدثني عمر بن شبه، ثنا عمرو بن عاصم عن حماد بن سلمة عن حميد أن رجلا اختلس طوقا من عنق جارية فارتفعوا إلى عدي بن أرطاة، فسأل عدي الحسن (١) فقال: لا تقطعه. وقال إياس بن معاوية بن قرّة: اقطعه.
فكتب عدي بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب عمر: «إن العرب كانت تسمّي هذا: العادي، فاجلده، واستودعه الحبس».
حدثني خلف بن هشام البزّار، ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النّجود أن عدي بن أرطاة كتب إلى عمر: «إني أخذت رجلا يسبك فهممت بقتله، ورفع إليّ رجل قتل في السوق فاتّهم به فسّاق من فساق أهل البصرة، ولم تقم عليهم البيّنة»؟ فكتب إليه: «أنظر القتيل فده من بيت مال المسلمين، وانظر الفساق فاحبسهم عن المسلمين، وأنفق عليهم من بيت المال، وانظر الذي سبّني فسبّه، وإلا فخلّ سبيله، فوالله لو كنت قتلته لقتلتك به».
حدثني منصور بن مزاحم عن شعيب بن صفوان قال: استبطأ عمر بن عبد العزيز عديا في بعض الأمر، فكتب إليه: «إنك غررتني يا بن أم عدي بعمامتك السوداء».
المدائني عن عبد الله بن سلم أن عدي بن أرطاة خطب فشتم عليا
стр. 3179
ولعنه، فكتب الحسن (١) بذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عدي: «بلغني عنك أنك شتمت عليا ولعنته، ولبئس الرجل أنت، إن فعلت ذلك، وأقدمت عليه، فقبّحك الله وترحك، وأنا أقسم لئن عدت لمثلها لأنهكنّك عقوبة، ثم لأسيئنّ عزلك». فأمسك عدي. فقال الشاعر:
وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف … بريئا ولم تقبل مقالة مجرم
حدثني أبو بكر الأعين عن سعيد بن سليمان عن خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرمّاني قال: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر: «إن الناس أصابوا خصبا وخيرا كادوا يبطرون له»، فكتب إليه عمر: «إن الله رضي من أهل الجنة حين دخلوها بأن قالوا: الحمد لله رب العالمين، فمر من قبلك أن يحمدوا الله على ما آتاهم إن شاء الله والسلام».
المدائني قال: كتب عمر إلى عدي: «أن سل الحسن: ما بال نصارى العرب لا يؤخذ منهم الجزية»؟ فسأله فقال: اكتب إليه: «إنك متّبع ولست بمبتدع، إن عمر رأى في ذلك صلاحا».
حدثني عمرو الناقد، ثنا إسحاق الأزرق عن عوف قال: كتب عمر إلى عدي: «أن سل الحسن: ما منع من مضى من الأئمة أن يحولوا بين المجوس وبين ما يجمعون من النساء»؟ فسأله فأخبره: «إن النبي ﷺ قبل الجزية من مجوس هجر، وأقرهم على مجوسيتهم ومناكحهم، وأقرهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، ﵃».
حدثني محمد بن أبان الطحان، ثنا أبو هلال الراسبي، ثنا شهر بن حوشب أنه استأذن على عدي بن أرطاة فقال الآذن: إنّ الأمير يقول:
стр. 3180
لا تأذن له فإنه سبّني. فقال له قتادة: إنّ خادم البيت يخبرك بما في أنفس أهلها، وإنّ عديا قد أخبرك بما في نفس صاحبه عمر، فلا غفر الله لمن لا يستغفر لهما - يعني عليا وعثمان-.
المدائني عن الفضل بن سويد الضبّي قال: كتب عمر إلى عدي:
«أما بعد فإنه بلغني أن قوما قبلك إذا توضئوا رفعوا الطساس من بين أيديهم واحدا واحدا، وذلك من زي العجم، فلا يرفعنّ طسّ قبلك حتى يمتلئ أو يفرغ من آخر القوم».
المدائني عن يزيد بن ابراهيم، عن أيوب قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: «مروا أهل الصلاح يتذاكروا السّنن في مجالسهم، ومساجدهم، وأسواقهم».
المدائني قال: كتب عدي إلى عمر: «إنه قد ذكرت لي امرأة من أهل البصرة أعجبني دينها وموضعها وجمالها، وقد أحببت يا أمير المؤمنين أن تزوجنيها».
فكتب إليه: «إن كنت أصبت بعدي مالا، فأهلك الذي صبروا على فقرك أحقّ بك. وإلاّ تكن أصبته فإن أجمل بك ألا يكون كما قال ابن دارة:
إنّ الفزاري لا ينفعك. وأستغفر الله».
المدائني عن إسحاق المالكي قال: كتب عدي إلى عمر يستأذنه في تزوج هند بنت أسماء، فكتب إليه عمر: «إن الفزاري لا ينفعك، والسلام».- يريد قول ابن دارة-:
стр. 3181
لا تأمننّ فزاريا خلوت به … على قلوصك واكننها (١) بأسيار
إنّ الفزاريّ لا ينفعك مغتلما … يواصل الدّهر تهدارا بتهدار
عباس بن هشام الكلبي عن أبي مخنف قال: كانت الولاة من بني أمية قبل عمر يشتمون عليا ويلعنونه - فلما ولي عمر بن عبد العزيز أمسك عن ذلك. فقال كثير:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف … بريئا ولم تتبع مقالة مجرم
تكلّمت بالحقّ المبين وإنّما … تبيّن آيات الهدى بالتكلم
فصدّقت معروف الذي قلت بالذي … فعلت فأضحى راضيا كلّ مسلم
ألا إنّما يكفي القنا بعد زيغه … من الأود البادي ثقاف المقوّم (٢)
فقال عمر حين أنشده هذا الشعر: أفلحنا إذا.
المدائني عن أبي هلال الراسبي عن قتادة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي: «أما بعد فإذا أبردت إليّ بريدا فأبرده حسن الاسم حسن المنطق، خفيف اللحية يفهم عني ويفهمني مثل عذام الضبي».
حدثنا عمر بن شبّه، ثنا أبو عاصم النبيل عن سفيان عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر إلى عدي: «أنظر كل قرية ليسوا بأهل عمود، فمرهم أن يجمعوا».
حدثنا هشام بن عمار عن الوليد بن خليد بن دعلج قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله «أن اجعلوا أثمان كبول من تسجنونه من بيت المال، وإيّاكم أن تغرّموهم أثمانها».
стр. 3182
المدائني عن أبي هلال قال: كتب عمر إلى عدي: إذا أشكل عليك أمر فسل عنه الحسن بن أبي الحسن».
المدائني قال: كتب عمر إلى عماله: «إن الله يقول: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)﴾ (١) أي لا تقاتل من لا يقاتلك من النساء والصبيان والرهبان.
حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا أبان بن جمعة، ثنا بكر بن عبد الله قال: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن أم الولد إذا زنت وقد ولدت من سيدها، هل تباع؟.
قال: لا تباع وإن بغت.
حدثنا شيبان بن فروخ، ثنا حماد بن سلمة، ثنا قتادة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطاة: «إنّ امرأة المفقود تعتدّ أربع سنين».
حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا حميد أنّ رجلا كاتب عبده واشترط عليه أنّ له سهما في ميراثه. فسأل عدي إياس بن معاوية، فقال:
السهم في كلاب العرب السّدس، فكتب عدي إلى عمر بن عبد العزيز بذلك، فكتب إليه: «إنّ قضاء الله قبل شرطه. ليس له شيء».
حدثنا عمر بن شبّه عن عفان عن حمّاد بن سلمة عن حميد أن رجلا أسلم على يد عبيدة بن أبي عاصم السلمي وترك عشرين ألفا فكتب عدي إلى عمر في ذلك، فكتب: «إن عبيدة أحقّ بميراثه».
стр. 3183
حدثنا عبد الله بن صالح عن حماد بن سلمة عن حميد أنّ رجلا من موالي بني جشم قتل رجلا خطأ، فسأل عدي الحسن عن ذلك، فقال:
لا تعقل العرب عن الموالي، فكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر: «إنّ مولى القوم من أنفسهم، وهم أحقّ بميراثه، فليعطوا عنه»، فجعل الدية عليهم.
حدثني هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة عن حميد أنّ قتيلا وجد بين بني عبس وبني قشير بالبصرة، فكتب فيه عدي إلى عمر، فكتب فيه عمر:
«إنّ من القضايا قضايا لا يقضى فيها إلى يوم القيامة، وإن هذا منها».
حدثنا عفان عن حماد بن سلمة عن قتادة أن رجلا باع امرأة حرّة من رجل بأربعمائة درهم، وهربا فوجدا، وإذا ثمنها في هميان (١) في حقوها، فكتب فيها عدي إلى عمر، فكتب عمر: «أن عزّرهما، واستودعهما السجن، ولا تقطعهما».
المدائني عن العباس بن محمد عن أبيه أنّ عمر كتب إلى بعض عماله:
«أما بعد فإن الله أكرم بالإسلام أهله، ورفع به عنهم الصّغار والذلّة، فانظر من ادّعى الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله، وأنه يؤمن بالله وملائكته ورسله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ورسوله، إذا كان نصرانيا، وأنّ عزيزا عبد الله إن كان يهوديا، وحفظ عدد الصلاة وأوقاتها، وقرأ من القرآن فاتحة الكتاب فما زاد، وأحسن الوضوء، ووجدته مختتنا فضع عنه الجزية».
стр. 3184
المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: «أما بعد فإن الله أكرم بالإسلام أهله وشرّفهم وأعزّهم، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فلا تولّينّ أمور واحد من المسلمين أحدا من أهل ذمتهم وخراجهم فتنبسط عليهم أيديهم وألسنتهم فتذلّهم بعد أن أعزّهم الله، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله، وتعرّضهم لكيدهم والاستطالة عليهم مع ما لا يؤمن من غشهم إياهم، فإن الله يقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ)﴾ (١).
ويقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ (٢) والسلام».
المدائني عن مسلمة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي في عزل من كان من العمال من أهل الذمة وأن لا يستعين بهم. فعزل ابن رأس البغل، وابن زاذانفروخ بن بيزي، وأقرّ زاد مرد بن الهربذ، فكتب إليه في عزله فعزله.
قال: وكتب عمر في إباحة الأحماء ليرعى الناس فيها، وكتب إلى بعض عماله: «كتبت تسأل عن الأسير أيكتب إلى أهله بوصيته وفيها عتق ووصايا، فأجز وصيته وعتقه إذا علم أنه على دينه لم يغيره، وشهد العدول من المسلمين على وصيته».
стр. 3185
المدائني قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي: «أما بعد فإنه ذكر لي أن رجالا من أهل الجفاء وقلة الفقه يشترون الطعام ثم يبيعونه قبل أن يقبضوه، ولعمري إنّ ذلك من الرّبا الذي لا شك فيه ولا مرّية، فإذا جاءك كتابي هذا فامنع من قبلك منه أشد المنع وحذّرهم العقوبة عليه أبلغ التحذير، ومن كان عنده من ذلك شيء اشتراه من مسلم فليردّه إلى صاحبه، ومن كان منهم على بيع شيء منه فليرفضه، وإن قدرت على أحد منهم فعل ذلك بعد نهيك عنه فأوجعه عقوبة واجعله نكالا لمن رآه وسمع به، إن شاء الله، والسلام».
حدثني عبد الله بن صالح عن سلام بن مسكين قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي وأهل البصرة فنهاهم عن القبالة (١) والصّرف دراهم بدراهم إلا مثلا بمثل، ولبس الحرير والتماثيل وعن الأوعية الأربعة: الدّباء والنّقير والحنتم والمزفّت (٢).
المدائني عن عمرو بن ميمون أنّ عمر كتب إلى عدي - وكان عدي كتب إليه في الرجل يفلس بالمال العظيم، إنه قد كان بعض الفقهاء يرى بيعه-: «قد فهمت كتابك في أمر المفلس فلا يباعنّ حرّ، وإن فلّس».
المدائني قال: كتب عمر إلى عدي: «إنّ رجالا يولون نساءهم الطلاق: فيجعلون أمر نسائهم في أيديهنّ، وإن الله لم يجعل للنساء من
стр. 3186
الطلاق شيئا، فأيّما رجل جعل أمر امرأته بيدها فاختارت نفسها فواحدة وهو أملك بها، وإن ردّت الأمر إليه فليس بشيء».
حدثني عمر بن شبّه عن هارون بن معروف عن ضمرة بن ربيعة عن علي بن أبي حملة قال: رأيت يزيد بن المهلب يطاف به في عسكر عمر بن عبد العزيز في محمل وإلى جنبه رجل من الحرس، وهو يقول: ارفع رأسك يا فاسق.
وقال المدائني: حبس عمر يزيد بن المهلب بما كتب به إلى سليمان بن عبد الملك، وحبس عدي إخوة يزيد بالبصرة.
المدائني عن أبي جزي عن داود بن أبي هند قال: كتب بعض عمال عمر إليه في غلام ابن احدى عشرة سنة افتضّ جارية ابنة تسع، فكتب عمر إليه: «إنّ الحدود والنّكال لا يكون إلا لمن بلغ الحلم وعلم ماذا له في الإسلام، وماذا عليه. والسلام».
وكتب عمر في مسلم أسر فتنصّر: «أن تزوّج امرأته، وتكون في عدّتها من حين يبلغها تنصّره، ولا يتوارثان، وإن مات هي في عدتها».
وكتب عمر: «إنه لا قطع على المختلس ولكنه لا يرثي له من طول حبس».
وكتب عمر إلى بعض عماله: «اجلد القاذف حرا كان أو عبدا ثمانين إذا افتريا، فانّ الله يقول: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً)﴾ (١) ولم يسمّ عبدا ولا حرّا».
стр. 3187
وكتب عمر إلى عدي بن أرطاة: «إنّه بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما نكحت عليه امرأة من صداق فهو لها أو عدّة لأهلها قبل أن تنكح فهو لها، وما كان من حباء لأهلها بعد أن تنكح فهو لهم».
المدائني عن شيخ من أهل الجزيرة قال: كتب عمر إلى بعض عماله:
«أما بعد فلا يغلبنّك جهل الجاهل بك على علمك بنفسك، فإن من الناس ناسا غرّهم الستر وفتنهم حسن الثناء، فأعاذنا الله وإيّاك من أن نكون مغرورين بستر الله مفتونين بمدح الناس، والسلام».
حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي عن سليمان بن حبيب قال: شتم رجل رجلا فادعى شهادة قوم غيب أنّ ما قال كما قال، فلم يشهدوا له، فقال عمر لسليمان: يا سليمان اضرب وفرّق فلا يقع سوط على سوط.
المدائني قال: كتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: «إنه لا يقتل رجل شتم رجلا إلا أن يكون نبيّا».
المدائني قال: دخل أبو مجلز لاحق بن حميد على عمر بن عبد العزيز فلما أخبر بمكانه قال: إني لم أعرفك. قال: فهلا يا أمير المؤمنين إذ لم تعرفني أنكرتني فسألت عني.
حدثني هشام بن عمار قال: قال عمر بن عبد العزيز: إنّ من الغرّة بالله أن يصرّ العبد على المعصية، ويتمنى على الله المغفرة.
المدائني عن أبي عبد الرحمن التميمي عن عبد الله بن يزيد بن جابر قال: قال رجاء بن حيوة: قال لي سليمان بن عبد الملك في مرضه: إلى من ترى أن أعهد، وله بنون رجال قد بلغوا، أمهاتهم أمهات أولاد، فهم
стр. 3188
لا يطمعون في الخلافة، وأولاد من المهائر صغار، قلت: يا أمير المؤمنين قد سمعتك تقول ما ورث خليفة ميراثا أفضل من ولي عهد صالح يعمل في الرعية بالعدل بعده.
وخرجت فقام إليّ عبد الملك بن أرطاة فقال لي: إلى من عهد أمير المؤمنين؟ قلت: لم يعهد بعد وقد شاورني. قال: هل لك في رجل إن ولي الناس لم ير منه خلل ولا زيغ إن شاء الله؟ قلت: من هو؟ قال: عمر بن عبد العزيز المرضيّ المأمون. قلت: كنت أريده وقد قوّى رأيي وعزمي قولك فيه، فدخلت فأشرت به على سليمان فعهد إليه.
فلما مات واستخلف عمر، خطب الناس فقال: أيها الناس. والله ما سألت الله هذا الأمر في سرّ ولا علانية، ولا دسست فيه بكلمة، ولا خطوت فيه خطوة فإن شئتم فبيعتكم مردودة عليكم.
فقال هشام بعد ذلك: لقد ندمت يوم قال بيعتكم مردودة عليكم إذ لم أقل: نعم فأقلناها. فبلغ قوله عمر فقال: لو أن الأحول فعل لفعلت، فكان أول ما قضى به ردّه فدك إلى ما كانت عليه على عهد رسول الله ﷺ .
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: حدثني عوانة قال: مات سليمان واستخلف عمر بن عبد العزيز فخطب الناس فقال: والله ما أردتها ولا تمنيتها، ولا سعيت لها فاتقوا الله وأعطوا الحق من أنفسكم وردّوا المظالم فإني والله ما أصبحت وبي موجدة على أحد من أهل القبلة، إلاّ على ذي سرف حتى يردّه الله إلى قصد، ثم نزل وقد فرشوا له، فترك الفرش وجلس ناحية.
стр. 3189
وكتب إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول، وأذن للناس بالقفول.
المدائني: قالوا: كتب عمر إلى سالم بن عبد الله بن عمر أن يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب، فكتب إليه: إنّ عمر كان في غير زمانك ورجالك فإن قدرت أن تعمل في زمانك عمل عمر كنت أفضل منه.
المدائني عن غياث بن ابراهيم قال: قاد الناس الخيل إلى سليمان بن عبد الملك فمات قبل أن يجريها فاستحيا عمر من الناس فأجرى الخيل التي جمعت، ثم أعطى الناس ولم يخيّب أحدا، ثم لم يجر فرسا حتى مات.
المدائني عن ابن جعدبة قال: ارتد ابن وابصة وأتى الروم، فبعث عمر في فداء من بأيدي الروم من المسلمين رجلا، فمر في طريق من طرقهم فسمع رجلا يغنّي بشعر ابن دارة:
وكائن بالبلاط (١) … إلى المصلّى
إلى أحد إلى ما حاز ريم (٢)
إلى الجمّاء (٣) … من خدّ أسيل
نقيّ اللون ليس به كلوم
يلومك في تذكّرها رجال … ولو بهم كما بك لم يلوموا
فدخل عليه ودعاه إلى الإسلام فأبى. ويقال بل أسلم ورجع إلى المدينة. فروى جويرية بن أسماء عن بعض أصحابه أنه رأى جنازة ابن وابصة بالمدينة (٤).
стр. 3190
المدائني قال: قال أبو عاصم: خناصرة من قنّسرين، وبها مرض عمر ومات بدير سمعان من أرض حمص. وبين خناصرة ودير سمعان ثلاثون أو أربعون ميلا وهو على تخوم قنسرين.
قالوا: واشترى عمر موضع قبره من نصراني بدير سمعان بأربعين درهما وهو مريض، فقال النصراني: وتعطيني قميصك، فأعطاه إياه.
وعند قبر عمر زيتون.
المدائني عن ابن جعدبة قال: كان ليث بن أبي رقية، واسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير كاتبين لعمر بن عبد العزيز فدخلا عليه يوما فقال:
يا معشر العلوج أما يستطيع أحدكم إذا غدا أن يسرح لحيته؟.
المدائني عن خالد بن يزيد بن بشر عن أبيه قال: كان من خاصة عمر: ميمون بن مهران، ورجاء بن حيوة، ورياح الباهلي. وكان دون هؤلاء عنده: عون بن عبد الله بن عتبة، ومحمد بن الزّبير الحنظلي.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: خرج بلال بن أبي بردة، وأخوه عبد الله إلى عمر، يختصمان إليه في الأذان في مسجدهم فارتاب بهما فدسّ إليهما من عرض عليهما ولاية العراق على أن يجعلا له جعلا فقال له بلال: أعطيك مائة ألف درهم، وقال أخوه: أعطيك أكثر من مائة ألف درهم. فأخبر عمر بما بذلا، فقال لهما: الحقا بمصركما.
وكتب إلى عبد الحميد: «لا تولّ بلالا الشرّ، ولا أحدا من ولد أبي موسى شيئا». ويقال إنه كتب: «بليل الشر - صغّره-».