امرأته فقال: ما تعرف من الشرّ شيئا. فقال عمر: معرفتها بالشر جنّبتها إياه.
وقال سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز وهما بطريق مكة، وأراد أن يذكر له شيئا، فسأله: هل علينا من عين؟ قال: نعم عليك من الله عين بصيرة وأذن سميعة.
قال العتبي: قرأ قارئ عند عمر بن عبد العزيز آية فلحن، فقال مسلمة: لحن والله يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أو ما شغلك معناها عن لحنه.
حدثني عمر بن شبة، ثنا أبو عاصم، أنبأ عثمان بن خالد بن دينار عن أبيه عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: لا تأتينّ سلطانا وإن أمرته بمعروف، ولا تخلونّ بامرأة وإن قرأت عليها القرآن، ولا تصحبنّ عاقّا فإنه لن يصلك، وقد عقّ والديه.
المدائني عن عيسى بن يزيد قال: لما احتضر عمر بن عبد العزيز قيل له: اكتب إلى يزيد وأوصه بالأمّة فقال: وبماذا أوصيه، إني لأعلم أنه من بني مروان.
ثم كتب إليه: «أما بعد: فاتّق الله يا يزيد الصّرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك، والسلام».
حدثني عباس عن أبيه عن عوانة قال: أنشد عمر بن عبد العزيز قول الأحوص بن محمد الأنصاري:
стр. 3222
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا … سريرة حبّ يوم تبلى السّرائر (١)
فبكى عمر وقال: ويحه ما أغفله عن قول الله ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾.
﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ)﴾ (٢).
وقالوا: كان على شرطة عمر روح بن يزيد بن يستر السكسكي.
حدثني عمرو بن محمد عن الحجاج الرصافي عن أشياخهم قال: عزّى رجل عمر بن عبد العزيز عن ابنه عبد الملك فقال:
تعزّ أمير المؤمنين فإنّه … لما قد ترى يغذى الصغير ويولد
هل ابنك إلاّ من سلالة آدم … وكلّ له حوض المنيّة مورد
قالوا: ومرض عمر بن عبد العزيز، فقيل له: لو تداويت. فقال:
لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها، نعم المذهوب إليه ربي.
وحدثني محمد بن خالد الطحان عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم: «أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، وحديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتبه، فإني قد خفت دروس العلم، وذهاب أهله».
قال الواقدي: قال عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة.
وحدثني عمرو بن محمد عن الحجاج قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز في صحته عسلا يؤتى به من قرية على فراسخ، فقيل له: توجّه رسولا على
стр. 3223
دابّة من دواب البريد ليأتيك به، فقال: معاذ الله، لا يراني الله شاغلا جناحا من أجنحة المسلمين في شهوة اشتهيتها.
حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن عمر أنه قال لمحمد بن كعب: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن فيك جرأة، وجبنا، وكيسا، وعجزا، فداو بعض ما فيك ببعض، وعليك بأهل الدين والعقل فإنهم يكفونك أنفسهم ويعينونك على غيرهم، وإيّاك ومن مودته لك بقدر حاجته إليك فإذا انقطعت حاجته ذهبت مودته.
وإذا اصطنعت صنيعة فأحسن ربّها وغذاءها. فقال عمر: أحسن الله جزاءك.
وحدثني هشام بن عمار قال: بلغني أن رجلا تكلم عند عمر بن عبد العزيز فرفع صوته فقال عمر: بحسب الرجل أن يسمع جليسه، لو أدرك شيء خيرا بشدّة صوت لأدركته الحمير.
حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن حماد بن عمرو قال: سمع عمر بن عبد العزيز باكية في جنازة أبيها وهي تقول: يا أبتاه، كان يقصر المجلس إذا أتاه. فقال: ما أحسن ما وصفت أباها.
هشام عن بقية قال: تزوج رجل يقال له سليمان بن عثمة امرأتين فقال بعض الشعراء:
ليهن ابن عثمان ما عنده … فلست وإن حسدوا حاسدا
مهاتان لونهما واحد … يذيقانه ثغبا باردا
فبورك فيه وفي أهله … وفي ماله ونما صاعدا
فشكاه إلى عمر فقال: ما أرى هجاء، ولكنه شهره، فأدّبه.
стр. 3224
وكتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: «اعلم أن كل ذي عادة مقتض ما سننت له».
حدثني محمد بن سعد عن محمد بن عمر الواقدي عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يقوم قال: إذا شئتم. وكان مالك يفعل ذلك، وكان قبيصة إذا أراد أن يقوم يتناول نعله.
حدثني داود بن عبد الحميد قال: كان مشايخنا يحدثون أن عمر بن عبد العزيز كان صديقا لعدي بن أرطاة قبل الخلافة، وكان يقول: ما رأيت أشبه بمن مضى في مذهبه وعفافه من عدي. فلما استخلف ولاه البصرة.
حدثنا عفان، ثنا أبو هلال قال: كان عدي يخطب فإذا خطب جلس في الخطبة الأولى، ثم يقوم فيخطب الثانية حتى إذا فرغ مدّ يده يدعو.
قالوا: وحفر عدي نهره، وخرج الناس ينظرون إليه، والحسن يمشي خلف حمار عدي، فالتفت عدي فرآه فنزل عن الحمار، وحمل عليه الحسن، وجعل يمشي بحيث كان الحسن يمشي من الحمار، والحسن راكب.
قالوا: وكتب عمر إلى عدي: «أن يجري على من كبرت سنه، وضعفت قوته، وذهبت مكاسبه من أهل الذمة، من بيت مال المسلمين، وقال إن عمر بن الخطاب رأى شيخا من أهل الذمة يقوم على أبواب الناس يسألهم فقال: ما أنصفناك. أخذنا منك الخراج شابا، فلما كبرت سنك خذلناك. فأجرى عليه قوته من بيت المال».
стр. 3225
المدائني قال: عاد عدي وكيع بن أبي سود فقال له عدي: كيف تجدك؟ قال: وثّابا على العتب، أكالا للعصب، قال: فما بلغ عدي منزله حتى نعي له.
قال أبو عبيدة: وبعث عدي إليه رجلا يعوده فقال له: الأمير يقرئك السلام. فقال: أنا والله الأمير ولكني مظلوم، ثم قال: يقول لك كيف تجدك؟ قال: أجدني قفّازا على العتب فلم يبلغ الرسول حتى سمع الواعية عليه.
وروي عن أبي شور القليبي قال: أشرف عدي على وكيع من دار الإمارة وهو مريض في داره فقال وكيع لبنيه: ارفعوا صدري. فقال له عدي: أبا مطرف كيف تجدك؟ قال: صالحا من رجل يجد أرواح طعامك ولا يأتيه منه شيء. قال: وكيف تراك لو رأيت منه شيئا؟. قال: أكون قفازا على العتب غشوما. فقال عدي: أطيلوا الحائط بيني وبينه فلا أراه ولا يراني.
وأتى وكيع الحسن فقام فناوله نعليه فقيل له: أتقوم إلى وكيع مع جفائه؟ فقال: بلغني أن في جسده كذا وكذا طعنة وضربة في سبيل الله، وأنا أكرمه لذلك.
وقالوا: أرسل عدي إلى محمد بن سيرين رجلا وقال له: قل له عن نفسك إني رأيت أني حلبت ناقة فامتككتها حتى حلبتها دما. فقال ابن سيرين: لم تر أنت هذه الرؤيا، وإنما رآها عدي فارجع إليه فقل له: اتق الله فإنك قد جاوزت في حلبك وجبايتك ما أحلّ الله لك إلى ما حرّمه عليك.
стр. 3226
قالوا: ولما قدم عدي البصرة قال لإياس بن معاوية بن قرّة المزني:
أنت من أهل البلد وأعلم به مني فدلني على قوم من القراء استعملهم.
فقال: إن القراء ضربان: ضرب يقرأون لله فلا حاجة لهم في عملك، وضرب يقرأون للدنيا، فإذا استعملتهم أمكنتهم مما أرادوا.
قال: فأشر عليّ بقوم من أهل البيوتات، فإنهم عسى أن يستحيوا لأحسابهم ويرعوا على أنفسهم ويتصنعوا لطول الولاية.
ثم شاور مالك بن دينار فقال له: أما أهل الدين فقد استغنوا عنك بما عندهم، وأما أهل الدنيا فمنهم تهرب. قال: فمن بقي؟ قال: عليك بأهل الشرف فإنهم يحامون على قديمهم، ويربون حديثهم.
قال أبو داود الطيالسي: حدثني من سمع عديا يخطب على منبر البصرة وهو يقول: ما أنا وهذه الشهادات، ما أنا وهذه الخصومات. فتحت لكم بابي وأجلست فيكم إياسا ولا أراكم تزدادون إلا كثرة، لقد كنت أرى القاضي من قضاة المسلمين وما عنده أحد، ولقد أتيت شريحا فقلت: يا أبا أمية أين أنت؟. قال: بينك وبين الحائط. قلت: إني تزوجت امرأة، قال: بالرفاء والبنين. قلت: ولدت غلاما. قال: ليهنك الفارس.
قلت: وشرطت لها دارها ثم بدا لي أن أحولها إلى الشام. قال: أنت أحقّ بأهلك. قلت: فاقض. قال: قد فعلت.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن صالح بن حسان قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته وذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هناك شرفا وفضلا ونسكا واحتمالا.
стр. 3227
الواقدي قال: كان من سراة الموالي أبو كثير مولى أسلم، وهو من سبي فارس، وكان يقال له زاد الرّكب. فبعث معه عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى عمر بن عبد العزيز فنسيها في دار عبد العزيز ومضى فأتى عبد العزيز بالألف، فلما قدم أبو كثير المدينة دفع إلى عمر ألف دينار من ماله، واكتتب منه البراءة، فلما قدم مصر أتى به عبد العزيز وكان تاجرا يتجر إلى مصر فقال له: ما فعلت الألف دينار؟ قال: دفعتها إلى عمر وأحضر البراءة، فقال: كيف دفعتها وهي عندنا؟ قال: نسيتها ولم أدر أين هي فكرهت أن أسرّ عدوا فأشمته، أو أكبت صديقا فأغمّه، وخفت أن لا أصدّق، وعليّ فضل من الله فاحتملتها. فقال عبد العزيز: ألك حاجة؟. قال: نعم، توضع عني العشور إذا دخلت مصر بتجارتي.
فقال: نعم. ووضعها عنه. وكان عبد العزيز يقول: من آمن من ابن أبي كثير؟! ودفع إليه الألف دينار.
حدثني ابن القتات عن شيخ من الشاميين قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: قيدوا العلم بالكتاب وقيدوا النّعم بالشكر.
حدثني داود بن عبد الحميد حدثني أبي عن جدي أن عمر بن عبد العزيز أتي بسكران فقال: ألقوا رداءه في أردية فألقي. وقال: انظروا فإن لم يعرفه ولم يخلّصه من الأردية فحدّوه.
стр. 3228
الخوارج في أيام عمر بن عبد العزيز ﵁
خبر بسطام بن مريّ اليشكري ولقبه شوذب (١).
قال أبو الحسن المدائني. خرج بسطام بن مريّ أيام عمر بن عبد العزيز بن مروان، فقال لأصحابه: يا أخلائي إنكم قد باينتم قومكم في ولاية هذا الرجل، وهو يأمر بالعدل ويظهره ويعمل به فاعذروا فيما بينكم وبينه، وادعوه إلى أمركم. فكتبوا إليه فعظّموا طاعة الله وأمره، وعابوا الظلم وأهله، وأكفروا أهل الكبائر، وبرئوا منهم، ودعوه إلى رأيهم وإلى البراءة من علي وعثمان وردّ أحكام عثمان، وما حكم به عليّ بعد الحكمين، واستأذنوه في أن يوجهوا من يناظره ويحاجّه على أن يؤمّنه، فكتب عمر إليهم: «إلى العصابة الذين خرجوا بزعمهم التماس الحق، أما بعد ذلك:
فان الله لم يلبس على العباد أمورهم، ولم يتركهم سدى، ولم يجعلهم في عمياء، فبعث إليهم النّذر وأنزل عليهم الكتب، فبعث محمدا ﷺ رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وأنزل عليه كتابا حفيظا ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾
стр. 3229
﴿وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) فيه علم ما يأتون وما يتقون، فأوصيكم بتقوى الله، وشكر نعمته، والاعتصام بحبله، والتوكل عليه، فإنه ﴿مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (٢)، وقد بلغني كتابكم، وما دعوتم إليه، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ﴾ (٣) وقد خاب من دعي إلى الحق ولم يجب.
وذكرتم ما اعتقد الله في عباده، وأمرهم به من الطاعة ﴿فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾ (٤). وسألتموني أن أحكم بالعدل، وأقوم بالقسط، وفي الحق مقنع وفوز ونجاة لمن عمل به، ﴿ولِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ (٥) فلكم التي سألتم وبالله التوفيق.
وسألتموني ردّ ما حكم به من كان في صدر هذه الأمة من الأئمة إلا ما كان من حكم أبي بكر وعمر وعلي قبل الحكمين، وهم ومن كان بعدهم من الأئمة كانوا أقرب عهدا برسول الله صلى الله عليه سلم وأصحابه، والله يشهد على أحكامهم ويعلمها.
وسألتموني الإذن لكم في قدوم طائفة منكم عليّ، فمن أحبّ ذلك منكم فليقدم آمنا لا أحجبه ولا أبسط إليه يدا، وإني أدعوكم إلى الله ورسوله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإنابة إلى أمر الله، وأذكركم
стр. 3230
الله أن تخالفوا كتاب الله وسنة نبيه، فقد بين لكم الهدى وأراكم البينات، فاقبلوا أمر الله، وإيّاكم والبدع والغلوّ في الدين، والسؤال عما قد كفيتموه، فقد سبق فيه من الله ما قد سمعتم من قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تسألوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) ف (﴿هذِهِ سَبِيلِي أدعو إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ (٢) فإن تقبلوا يقبل الله منكم، وإن تعرضوا فإن الله أمامكم ومن ورائكم، فمن ذا يعجز الله و (﴿شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ)﴾ (٣).
وقلتم لا حكم إلا لله العلي القدير، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»)﴾ (٤).
وبعث بكتابه إليهم مع عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ومحمد بن الزبير الحنظلي وقال لهما: إن هؤلاء القوم قد خرجوا علينا بأسيافهم، فإذا قدمتم عليهم فادعوهم إلى الحقّ والجماعة فإن دعونا من كتاب الله إلى ما لم أعمل به فاضمنا عني العمل به، وإن دعونا من كتاب الله إلى ما قد علمناه وجهلوه فحاجّوهم به حتى يرجعوا إليه.
قال: فقد ما عليهم، فقال عون: أيتها العصابة إنا قد أقمنا من كتاب الله ما قد حفظنا وعملنا بما علمنا فهل عندكم من علم فتخرجوه لنا، أم أمنتم على أنفسكم ما خفتم على قومكم، أم رجوتم شيئا لأنفسكم يئستم منه لقومكم، أم تقولون ذنوب قومكم شرك وذنوبكم ذنوب؟
стр. 3231
قالوا: نترك الذنوب كفرا لقول الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)﴾ (١) قال: أخطأتم التأويل، من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا له فهو كافر فأما حاكم وقع حدا قد رآه عن صاحبه وهو مقرّ بالآية فلا يكون كافرا لأن الله ﵎ قال: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٢) وقال الله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ (٣) وهؤلاء يؤمنون بالبعث، وأمير المؤمنين مجتهد لنفسه في الحكم بالعدل، وإحياء ما قد أميت منه، فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم.
قالوا: فإن عمال صاحبك يظلمون. قال: فتولوا أعماله. قالوا:
لا نعمل له. قال: فكونوا أمناء على عماله، فأي عامل منهم عمل بغير الحق فاعزلوه. قالوا: ولا هذا، وقرأوا كتاب عمر فقالوا: نوجه رجلين يكلمانه فإن أجابنا فذاك، وإن أبى كان الله من ورائه، فأرسلوا مولى لبني شيبان يقال له عاصم، ورجلا من بني يشكر من أنفسهم، فقدموا جميعا على عمر وهو بخناصرة، فصعد إليه عون، ومحمد بن الزبير، وهو في غرفة، وعنده ابنه عبد الملك بن عمر، وكاتبه مزاحم فأخبراه بمكان الرجلين فقال:
فتشوهما لعل معهما حديدا، ثم أدخلوهما ففعلا، فلما دخلا قالا: السلام عليكم. وجلسا فقال عمر: ما أخرجكم هذا المخرج، وما الذي نقمتم؟ فقال عاصم وكان حبشيا: ما نقمنا سيرتك لتحري العدل والإحسان فأخبرنا
стр. 3232
عن قيامك بهذا الأمر أعن رضى من المسلمين ومشورة كان أم ابتززتم إمرتهم؟ قال: ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم على مشيئتهم، وعهد إلي رجل عهدا لم أسأله الله قط لا في سر ولا علانية، فقمت به ولم ينكره عليّ أحد، ولم يكرهه غيركم، وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس فانزلوني ذلك الرجل، فإن خالفت الحق، وزغت عنه فلا طاعة لي عليكم.
قالا: بيننا وبينك أمر واحد. قال: وما هو؟ قالوا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم وسلكت غير طريقهم فإن كنت على هدى وهم على ضلالة فالعنهم وابرأ منهم، فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلبا للدنيا ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها، إن الله لم يبعث رسوله ﷺ لعّانا، وقال إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) وقال الله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢) وقد سميتم أعمالهم ظلما وكفى بذلك لهم ذمّا ونقصا، فابلوا الله حسنا فيما آتاكم ودعوا ما فاتكم، فليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بدّ منها، فإن قلتم إنها فريضة فاخبرني أيها المتكلم متى لعنت فرعون؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال:
أفيسعك ألا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرهم، ولا يسعني إلا لعن أهل بيتي وهم مصلّون؟ قال: أو ما هم كفار بظلمهم؟ قال: لا لأن رسول الله ﷺ دعا الناس فكان من أقرّ بالإيمان وشرائعه قبل منه، فإن أحدث حدثا أقيم عليه
стр. 3233
الحد، فقال الخارجي: إن رسول الله ﷺ دعا الناس الى التوحيد بالله والإقرار بما نزل من عنده والعمل بما سنّ من سنّته، ولو قالوا نؤمن بما جاء من عند الله ونخالف سنّتك ما قبل ذلك منهم.
فقال عمر: فليس أحد يقول لا أعمل بسنّة رسول الله ﷺ ، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علم منهم بأن الذي أتوا محرّم عليهم، ولكن غلب عليهم الشقاء.
قال: فابرأ مما خالف عمالك وردّ أحكامهم. قال: أخبرني عن أبي بكر وعمر أليسا من أسلافكم؟ قال: بلى. قال: فهل تعلمون أن أبا بكر حين قبض النبي ﷺ وارتدّت العرب قاتلهم وسبى الذراري وأخذ الأموال؟ قالا: نعم. قال: أفتعلمون أن عمر ردّ السبايا بعده الى عشائرهم بفدية فدوهم بها؟. قالا: نعم. قال: فهل برئ عمر من أبي بكر؟ قالا:
لا. قال: أفتبرؤن أنتم من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: فأخبروني عن أهل النهر وهم من أسلافكم، هل تعلمون أنّ أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دما ولم يأخذوا مالا، وأنّ من خرج إليهم من أهل البصرة اعترضوه، وقتلوا عبد الله بن خبّاب وجاريته؟. قالا: نعم. قال: فهل برئ من لم يقتل ممن قتل واستعرض؟ قالا: لا. قال أفتبرؤن أنتم من إحدى الطائفتين؟. قالا: لا. قال: أفوسعكم أن توليتم أبا بكر وعمر وأهل البصرة وأهل الكوفة وقد علمتم اختلاف أعمالهم في الفروج والأعمال، ولا يسعني إلا البراءة من أهل بيتي والدين واحد، فاتقوا الله فإنكم جهال تقبلون من الناس ما ردّ عليهم رسول الله ﷺ ، وتردون عليهم ما قبل، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، ويخاف
стр. 3234
عندكم من شهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا عبده ورسوله، وكان من فعل ذلك عند رسول الله ﷺ آمنا، وحقن دمه، وأحرز ماله ووجبت حرمته، وأنتم تقتلونه ولا تقتلون سائر أهل الأديان فتحرمون دماءهم ويأمنون عندكم. قال اليشكري: أرأيت رجلا ولي قوما وأموالهم فعدل فيها، ثم صيّرها بعده إلى رجل غير مأمون، أتراه أدى الحق الذي يلزمه، أو تراه قد سلم؟ قال: لا. قال: أفتسلّم هذا ليزيد من بعدك وأنت تعرف أنه لا يقوم فيه بالحق؟ قال: إنما ولاّه غيري والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي. قال: أفترى ما صنع من ولاّه حقا؟ فبكى عمر، ثم خرجا فقال مولى بني شيبان: لقد رأيت رجلا يتحرى الخير، وما سمعت حجة أبين ولا مأخذ أقرب من قوله فارجع بنا إليه، فرجعا فقال عاصم الحبشي: أما أنا فأشهد أنك على الحق. فقال عمر لصاحبه اليشكري: ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما قلت وما وصفت ولكني لا أفتات على المسلمين بأمر حتى أعرض عليهم ما قلت وأعلم ما حجتهم.
فمضى الرجلان وسرح عمر معهما رجلا يعلم خبر القوم فأخبرهم اليشكري بما جرى بينه وبين عمر، فأقاموا وقالوا: كفّوا عنه ما ترككم.
فقال لهم رسول عمر: فهو يكف عنكم ما لم تفسدوا، فرجع إلى عمر، ونزل بسطام وأصحابه حزّة (١) من الموصل، وأقام عاصم الحبشي عند عمر فأمر
стр. 3235
له بعطاء، فمات بعد خمسة عشر يوما. وكان عمر يقول: أهلكني أمر يزيد وخصموني فيه فاستغفر الله.
وكتب عمر إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بما كان بينه وبين الخوارج من القول والكتاب، ويأمره أن يكفّ عنهم ما كفّوا وأن يجاهدهم إن قاتلوه، فبعث عبد الحميد إليهم: محمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين، وبعث عمر: هلال بن أحوز في ألف، وكان بسطام في ثلاثمائة ويقال في ستمائة، فكان ابن جرير وهلال بإزائهم لم يقاتلوهم حتى مات عمر، فقال رجل من الخوارج لهلال.
خرجت إلى الشراة وأنت حرب … لقد غررت يا بن أبي هلال
وإنّا معشر قتلوا عليّا … وعبّاد بن أخضر في الضّلال
وإنّ بصيرتي لمّا تبدّل … وإنّ الدين دين أبي بلال
وانّصرف هلال وأصحابه بعد موت عمر وولاية يزيد بن عبد الملك، وتوجه بسطام إلى الموصل فقتل عاملها، فقاتله محمد بن جرير، فهزمه بسطام، وهرب أصحابه، وكان بمحمد طعنة ولم تكن له ولمن معه ناهية دون الكوفة.
وتشاغلوا بخروج يزيد بن المهلب على بسطام، فأرسل يزيد بن المهلب حبيب بن خدرة أو غيره ممن هو على رأيه يدعو إلى نصره، فضرب بسطام رسوله عشرين سوطا، وقال: لولا مكانك من الدين لقتلتك.
فلما قتل يزيد بن المهلب، وجّه مسلمة، أو عامل الجزيرة، إلى بسطام وهو بالموصل السّحاح بن وداع الأزدي فقتل وانهزم أصحابه، ومضى بسطام يريد الجزيرة، فانتدب له تميم بن الحباب أخو عمير بن الحباب
стр. 3236
السّلمي وقال: إن قتلنا بسطاما أغرنا على ربيعة، فعقد له عامل الجزيرة على ثلاثة آلاف فواقع بسطاما، فقتل تميم ومالك بن عمير وهو ابن أخيه، وكانت الحرب بينهما بتامرّا (١) وقتل من الخوارج عدة فقال الشاعر:
لقد أسلمت قيس تميما ومالكا … كما أسلم السّحاح قبلك تائبه
تركنا تميم بن الحباب ملحّبا (٢) … تبكي عليه عرسه وقرائبه
وأقبل من حرّان يحمل راية … يغالب أمر الله والله غالبه
في قصيدة.
وقال آخر:
تركنا تميم بن الحباب مجدّلا … بغيضة تامرّا قليلا عوائده
ينادي سليما وهي صمّ سموعها … وقد أسلمته إذ دعاها حواشده
وأتى بسطام جوخى (٣) فوجه إليه مسلمة بن عبد الملك من الكوفة سعيد بن عمرو الحرشي وقال بعضهم: وجه يزيد بن عبد الملك نفسه في أربعة آلاف فلقيه بسطام بجوخى فانهزم سعيد ثم كرّ فقتل بسطام وأصحابه وانهزم من بقي وقتل أكثر أصحاب سعيد، وقتل مع بسطام الريّان بن عبد الله اليشكري، فقال حسان وهو أحد الخوارج:
يا عين أذري دموعا منك تسجاما … وابكي صحابة بسطام وبسطاما
في أبيات.
стр. 3237
وقد قال قوم: إن عمر وجّه مسلمة إلى الحرورية فظفر بهم، وكان عبد الحميد وجه إليهم من واقعهم تقربا إلى يزيد، فهزمه الخوارج.
قالوا: ولما مات سليمان بدابق، وبلغ عبد العزيز بن الوليد موته، عقد ألوية وصار إلى طبرية وهو لا يعلم من ولي بعده، ودعا إلى نفسه، فلما بلغه أن عمر الوالي وصحّ ذلك عنده حلّ ألويته، وأتاه فبايعه، فقال له عمر: أردت أن تشق عصا المسلمين وتفتنهم؟ فقال: يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي استنقذني بك، والله لو يليها غيرك ما ملكها عليّ.
стр. 3238
فولد عمر بن عبد العزيز ﵁
عبد الله الأكبر، وأم عمار، أمهما لميس بنت علي من بني الحارث بن كعب. وإبراهيم، ومروان، أمهما أم شعيب بن زبّان الكلبيّة: وإسحاق، ويعقوب، وموسى، أمهم فاطمة بنت عبد الملك بن مروان. وعبد الملك الناسك، وعبد الله الأصغر، وعاصم، والوليد، وعبد العزيز، وزبّان، ومحمد الأصغر، لأمهات أولاد شتى.
فأما عبد الله الأكبر،
فكان شجاعا، جوادا ولي العراقين ليزيد بن الوليد بن عبد الملك خلافته كلها، وهي ستة أشهر، فلما مات يزيد أقام واليا على العراقين فأراد أهل العراق أن يبايعوا له بالخلافة لمكان أبيه وقالوا:
هذا ابن الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز، فقال في ذلك يحيى بن منصور الذهلي:
خلافتكم حلوة عذبة … وتدعى على اسمك أحلى لها
فدونكها يا بن عبد العزيـ … ـز سربلك الله سربالها
وقال بعض الشعراء:
стр. 3239
لعبد الله عبد الله تجري … صحائفنا أمير المؤمنينا
لمن زادته إمرته اتّضاعا … فذلك سنّة المتخشّعينا
وهو احتفر نهر ابن عمر، ونسب إليه، وساوم عبد الله بن عمر رجلا بشيء فقال له الرجل: ما أشدّ مكابتك. فوجم عبد الله ثم قال: ويحك إياك أن تغضب قريشا فإنّ القرشي إذا غضب لم يكن له بقية.
وخرج في أيام ولايته عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقد كتبنا خبره.
حدثني جماعة من أهل العلم منهم عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، وقد ذكر ذلك المدائني، قالوا: لما ولي يزيد الناقص، بعد قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وجّه منصور بن جمهور إلى العراق واليا عليها وأمره أن يحمل يوسف بن عمر إليه، فنفذ منصور إلى العراق في خمسة آلاف ويقال إنه لم يولّه العراق، ولكنه أمره بحمل يوسف بن عمر، فوافى منصور العراق، وقد هرب يوسف منه إلى منزل له بالبلقاء من عمل دمشق، وأقام منصور بالعراق أشهرا ثم ولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وهو الناقص، عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وقال له: أن أهل العراق يحبونك فأحسن السيرة فيهم، فلما قدمها قال لمنصور بن جمهور: أنت أحد أخوالي، والخال والد فلا يتلعبنّ بك فتيان قريش وأقم معي.
وقال الهيثم بن علي: دخل منصور بن جمهور الكوفة، لأيام خلت من رجب، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العطاء والأرزاق، وأطلق من في السجون التي ليوسف من العمال وأهل الخراج، وأقام بالكوفة نحوا من
стр. 3240
شهرين وخليفته عليها عبيد الله بن العباس بن يزيد الكندي. واستعمل على البصرة جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي.
فلما قوي أمر يزيد بن الوليد وجاءته البيعة من الآفاق، ولى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فقدم على منصور فسمع له منصور وأطاع، وكذلك جميع قواد الشام، وقد كان خاف ألاّ يسلم له منصور.
قالوا: وأجرى عبد الله بن عمر على منصور في الشهر مع نزله ثمانية آلاف درهم، وكان يقاتل معه، وولى عبد الله: المسيح بن الحواري بن زياد بن عمرو العتكي أزدشير خرّة من كور فارس، وسليمان بن حبيب بن المهلّب الأهواز، وأقر نصر بن سيّار الليثي على خراسان، وأعطى الناس أعطياتهم وأرزاقهم، فنازعه قواد الشام وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا وهم عدونا؟ فقال عبد الله لأهل العراق: إني قد أرد فيئكم فيكم، وعلمت أنكم أحقّ فنازعني هؤلاء وأنكروا علي، فخرج أهل الكوفة إلى الجبّانة وتجمعوا، فأرسل إليهم قواد أهل الشام يعتذرون ويحلفون أنهم لم يقولوا شيئا مما بلغهم.
وثار غوغاء الناس وسرعانهم من الفريقين فتناوشوا، وأصيب منهم رهط لم يعرفوا، وعبد الله بن عمر حينئذ بالحيرة، وعبيد الله بن العباس الكندي بالكوفة، وكان منصور استخلفه عليها فأراد أهل الكوفة إخراجه من القصر، فأرسل عبيد الله بن العباس إلى عمر بن الغضبان بن القبعثري فأتاه فنحى الناس عنه، وزجر السفهاء، حتى تحاجزوا من بعضهم بعضا، فبلغ ذلك ابن عمر فأرسل إلى ابن الغضبان وكساه وحمله وأعظم جائزته، وولاه
стр. 3241
شرطه وخراج السواد، وأمر أن يفرض لقومه من بني شيبان، ففرض لهم في ستين وفي سبعين.
وولى عبد الله بن عمر صلاة الكوفة: عاصم بن عمر أخاه، وقدم عبد الله والحسن ويزيد بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على عبد الله بن عمر، فنزلوا في النّخع في دار مولاهم الوليد بن سعيد، فأكرمهم ابن عمر وأجازهم وأجرى عليهم في كل يوم ثلاثمائة درهم، فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد، ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقدمت بيعتهما على ابن عمر وهو بالكوفة، فبايع الناس لهما وزادهم في العطاء مائة مائة، وكتب ببيعتهما إلى الآفاق فجاءته البيعة، فبينا هو كذلك إذ أتاه الخبر بأن مروان بن محمد بن مروان قد سار في أهل الجزيرة إلى إبراهيم، وأنه امتنع من البيعة له، فاحتبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده، وزاد في البرّ، وفي ما كان يجري عليه، وأعدّه ليبايع له إن ظفر مروان بابراهيم، ويقاتل مروان معه.
فماج الناس في أمرهم وقرب مروان من الشام، وخرج إليه إبراهيم فقاتله فهزمه مروان وظفر بعساكره، ومضى إبراهيم هاربا، وثبت عبد العزيز بن الحجاج، فقاتل حتى قتل.
وأقبل اسماعيل بن عبد الله القسري أخو خالد هاربا حتى قدم الكوفة، وكان في عسكر ابراهيم فقاتل معه، فافتعل اسماعيل كتابا على لسان ابراهيم بولاية الكوفة، وأرسل إلى اليمانية فأعلمهم أن ابراهيم ولاه العراق،
стр. 3242
ووعدهم الإحسان والتفضيل، وقال: إني لا امن ان يعترض عليّ ابن عمر. فتقبّلوا ذلك منه.
وبلغ الخبر ابن عمر فباكره مع صلاة الغداة فقاتله ومعه عمر بن الغضبان، فلما رأى اسماعيل ذلك، ولا عهد معه، وأنّ صاحبه الذي افتعل العهد على لسانه وقد هزم وهرب، وخاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل، قال لأصحابه: إني كاره لسفك الدماء، ولم أظن أنّ الأمر يبلغ هذا، فكفّوا أيديكم. فتفرقوا عنه، ثم قال لأهل بيته: إنّ إبراهيم قد هزم وهرب ودخل مروان دمشق، فتحدث بذلك أهل بيته، واشتهر الخبر، واشرأبّت الفتنة، ووقعت العصبية بين الناس.
وكان سبب الفتنة أن عبد الله بن عمر أعطى مضر وربيعة عطايا عظاما، ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذّهلي، وعثمان بن الخيبري أحد بني تيم اللاّت بن ثعلبة شيئا، ولم يسوّهما بنظرائهما، فدخلا عليه فكلماه كلاما غليظا، فغضب ابن عمر وأمر بهما أن ينحّيا فدفعهما عبد الملك الطائي، وكان يقوم على رأسه فخرجا مغضبين.
وكان ثمامة بن حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني حاضرا، فغضب لصاحبيه، فخرجوا جميعا إلى الكوفة وابن عمر حينئذ بالحيرة، فلما دخلوا الكوفة نادوا: يا ربيعة، فاجتمعت إليهم ربيعة واجتمعوا وائتمروا وبلغ الخبر ابن عمر، فبعث إليهم أخاه عاصما، فأتاهم وهم بدير هند، فاجتمعوا وحشدوا، فألقى نفسه بينهم وقال: هذه يدي لكم فاحكموا، فاستحيوا منه وتشكروا له، وأقبلوا على صاحبيهم فسكنوهما فسكنا وكفّا.
стр. 3243
فلما أمسى ابن عمر بعث من تحت ليلته إلى عمر بن الغضبان بمائة ألف فقسمها في قومه، وأرسل إلى جعفر بن نافع بن القعقاع بعشرة آلاف درهم، وإلى عثمان بن الخيبري بعشرين ألفا، فلما رأت الشيعة ضعف ابن عمر أغمزوا فيه واجترأوا عليه وطمعوا فيه، ودعوا إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان الذي ولي ذلك هلال بن أبي الورد مولى بني عجل، فثاروا في غوغاء الناس حتى أتوا المسجد فاجتمعوا فيه، وهلال القائم بالأمر، فبايعه ناس من الشيعة لعبد الله بن معاوية، ثم مضوا من فورهم إلى عبد الله بن معاوية فأخرجوه من دار الوليد بن سعيد حتى أدخلوه القصر، وحالوا بين عاصم بن عمر وبين القصر، فلحق بأخيه عبد الله بالحيرة.
وجاء ابن معاوية الكوفيون فبايعوه وفيهم عمر بن الغضبان بن القبعثري ومنصور بن جمهور، واسماعيل بن عبد الله القسري، ومن كان من أهل الشام له بالكوفة أصل وأهل.
وأقام ابن معاوية بالكوفة أياما، فبايعه الناس، وأتته الشيعة من المدائن، وفم النيل، واجتمع له الناس، فخرج يريد عبد الله بن عمر بالحيرة.
وبرز له ابن عمر بمن كان معه من أهل الشام، فخرج رجل من أهل الشام يسأل البراز فبرز له القاسم بن عبد الغفار العجلي، فقال له الشامي:
لقد دعوت حين دعوت وما أظن أنه يخرج إلي إلاّ رجل مكره، إني والله ما أريد قتالك ولكني أحببت أن ألقي إليك ما انتهى إليّ. أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن: منصور، ولا اسماعيل، ولا غيرهما إلاّ وقد
стр. 3244
كاتب ابن عمر، وقد كاتبته مضر وندموا على ما كان منهم، ولم أر لكم معشر ربيعة كتابا ولا رسولا، وليسوا مواقعيكم يومكم حتى تصبحوا فيواقعوكم، فإن استطعتم ألاّ تكون بكم الحرّة (١) دون اليمن ومضر فافعلوا، فإني رجل من قيس، وسنكون غدا بإزائكم فإن أردتم الكتاب إلى صاحبنا أبلغته إياه، وإن أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد أعلمتكم حال الناس، فدعا القاسم بن عبد الغفار رجالا من قومه فأعلمهم ما قال له القيسي وأن من مع ابن عمر من مضر وربيعة سيقفوا بإزاء ميسرته وفيها ربيعة، فقال ابن معاوية: إن هذه علامة ستظهر لنا إذا أصبحنا فإن أحب عمر بن الغضبان فليأتني الليلة، وإن منعه شغل بما فيه فهو في عذر، وإني لأظن القيسي قد كذب. وأرسل إليه بذلك فأتى الرسول عمر بن الغضبان فرده إليه بكتاب يقول فيه: إن رسولي هذا بمنزلتي عنده فتأمره أن يتوثّق من منصور واسماعيل، فأبى ابن معاوية أن يفعل، وأصبح الناس غادين على القتال وقد جعل ابن معاوية أهل اليمن في الميمنة ومضر وربيعة في الميسرة، ونادى مناديه: من جاء برأس فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا، والمال عند عمر بن الغضبان.
والتقى فاقتتلوا، وحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى اسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة، وزحمت غوغاء الناس أهل اليمن فقتلوا منهم أكثر من ثلاثين رجلا، وقتل الهاشمي وهو العباس بن عبيد الله بن عبد الله زوج بنت الملاءة، أصابه سهم. وقتل
стр. 3245
مكبّر بن الحواري بن زياد في غيرهم، ثم انكشفوا وفيهم عبد الله بن معاوية حتى دخلوا القصر بالكوفة، وبقيت الميسرة من مضر وربيعة ومن بإزائهم من أهل الشام، وحمل أهل القلب من أهل الشام على الزيدية فانكشفوا حتى دخلوا الكوفة وبقيت الميسرة وهم نحو من خمسمائة.
قالوا: كانت عاتكة بنت الملاءة تزوجت أزواجا منهم: العباس بن عبيد الله بن عبد الله - ببّة - بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فقتل أيام عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في العصبية بالعراق، قالوا: وهو أخو عبد الله بن معاوية بن معاوية لأمّه أمهما بنت عون بن العباس بن ربيعة بن الحارث.
وأقبل عامر بن ضبارة: ونباتة بن حنظلة، وعطية بن عبد الرحمن التغلبي، والنضر بن سعيد بن عمر الحرشي، حتى وقفوا على ربيعة فقالوا لعمر بن الغضبان: أما نحن يا معشر ربيعة فما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بأهل اليمن، ونتخوف عليكم مثلها فانصرفوا، فقال عمر: ما كنت ببارح أبدا حتى أموت. فقال: إن هذا غير مغن عنك ولا عن أصحابك شيئا. فأخذوا بعنان دابته حتى أدخلوه بيوت الكوفة.
قال أبو عبيدة: دخل ابن معاوية وأخاه القصر، فلما أمسوا قال لعمر بن الغضبان وأصحابه: يا معشر ربيعة: قد رأيتم ما صنع الناس بنا، فإن كنتم مقاتلين معنا قاتلنا معكم، وإن كنتم ترون الناس خاذلينا وإياكم، فخذوا لنا ولكم أمانا، فقد رضينا لأنفسنا ما رضيتم به لأنفسكم، فقال عمر: ما نحن بتاركيكم من إحدى الخلتين. إما أن نقاتل معكم، أو نأخذ لكم أمانا. كما نأخذه لأنفسنا فطيبوا نفسا. فأقاموا في
стр. 3246
القصر والزيدية على أفواه السكك يغدوا عليهم أهل الشام ويروحون يقاتلونهم أياما، ثم إن ربيعة أخذت لأنفسها وللزيدية ولعبد الله بن معاوية أمانا ألاّ يتبعوهم، وأن يذهبوا حيث شاؤوا.
وأرسل ابن عمر إلى عمر بن الغضبان يأمره بنزول القصر، وإخراج عبد الله بن معاوية، فأرسل إليه ابن الغضبان فرحّله ومن معه من شيعته ومن تبعه من: أهل المدائن، وأهل السواد، وأهل الكوفة، فسارت بهم رسل ابن عمر حتى أخرجوهم من الجسر، ونزل ابن عمر القصر.
وكانت أم عبد الله بن معاوية ابنة عون بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فقال الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب:
لقد أنكرت أن تأتي بخير … وأمّك أخت يعقوب بن عون
قال أبو عبيدة: وكان وفاة يزيد بن الوليد بدمشق لانسلاخ ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن ست وأربعين سنة، فكانت ولايته ستة أشهر وليلتين، وبويع إبراهيم، وأمه أم ولد، بدمشق فلم يلبث إلا شهرا أو نحوه حتى أقبل مروان من الجزيرة، فدخل دمشق لثلاث خلون من صفر، فهرب ابراهيم وخلع، وبايع الناس مروان بن محمد، وأمه أم ولد، ويكنى أبا عبد الملك.
قال أبو عبيدة: فلما ظهر مروان، واستقام أمره، كتب إلى النّضر بن سعيد بن عمرو الحرشي بولاية العراق، وإلى من معه من النزارية يأمرهم بالسمع والطاعة له، والنضر يومئذ مع عبد الله بن عمر مقيم بالحيرة، فقال من مع النضر من المضرية الشاميين: إنه لا طاقة لنا بمن مع ابن عمر من
стр. 3247
اليمانية إلاّ أن يأتيك مدد من قبل مروان يعلم به هؤلاء صحة أمرك وتولية مروان إيّاك، وغلبة مروان على الشام، واتساق الأمر له، فكتب النضر بذلك إلى مروان، وبلغ ذلك ابن عمر فبادر فأخرج النضر من الحيرة، فأتى الكوفة، فانطوت عليه ربيعة، وأنزلوه دار مصقلة بن هبيرة الشيباني، وتقوّضت إليه مضر الشام فأتوه بالكوفة فأنزل عامر بن ضبارة دار المسور بن عطاء في بني شيبان، وأنزل أبان النميري إخوته دار حوشب بن يزيد بن رويم، وأنزل نباتة ومن معه دار عتبة بن النّهاس العجلي، وفرّق بقية أصحابه في دور بكر بن وائل.
ولما بلغ كتاب النضر مروان وجه إليه خالد بن الغزيّل الكلابي، أحد بني خويلد بن نفيل، في ثلاثمائة فارس، وأبان بن معاوية النميري ثلاثمائة، وبلغ ابن عمر مسيرهما فبادر إلى النضر ليقتله أو يخرجه من العراق قبل قدوم المدد، ووجه رجلا من بني تميم إلى الغزيل وقد قرب من الكوفة فقال له:
أنا رسول النضر بن سعيد إليك وهو يقول لك: إنّا قد توادعنا هذين اليومين لننظر في أمرنا، فأقم في مكانك وأجم خيلك، فإذا مضى اليومان فأقبل فإن ابن عمر قد وعدنا أن يصير إلى طاعة أمير المؤمنين مروان.
وأراد ابن عمر أن يربّثه ليخلو به فيقتله، أو يخرجه من الكوفة، فظن ابن الغزيّل أن الخبر حق، فاستراح إلى المقام، فأقام، وأقبل ابن عمر إلى النضر فيمن معه من اليمانية والنزارية، وأتاه النضر في النزارية من أهل العراق والشام، وكانوا قليلا، فلم يقم لهم النضر، وأقبل منهزما حتى دخل الكوفة، وبقي أخوه مسلمة بن سعيد، وأبو أمية بن المغيرة الثقفي يحمون الناس على أفواه السكك.
стр. 3248
وحلف ابن عمر ليحرقن دور بكر بن وائل، وبلغ ابن الغزيّل الخبر وهو بموضعه، فعلم أنه مكر به فأقبل مغذّا في سرعان خيله حتى دخل الكوفة، فحمل ابن عمر وأصحابه، وحمل مسلمة بن سعيد عليهم أيضا فهزموهم حتى أدخلوهم الحيرة، ثم إن حنظلة بن نباتة، وعامر بن ضبارة، والريّان بن سلمة اجتمعوا فقالوا: إنما نطلب هذا الأمر لأهله من بني مروان، وأي رجل منهم ظفر بالملك فغير خارج منهم، فعلام تقتلون أنفسكم؟ فانصرفوا إلى عساكرهم، وبعث ابن عمر في جوف الليل إلى ابن الغزيّل مائة ألف، ووعده إن غلب عدات أرغب له فيها، فتثاقل عن نصرة الحرشي، وخرج أيوب بن حوشب بن يزيد في رهط من أصحابه في طلب الحرشي، وكان قد صار إلى دير الأعور، فردّه من ليلته، وأصبح في منزله.
ثم تغادوا للقتال وجعلوا يغدون ويروحون للقتال حتى بلغهم إقبال الضّحاك بن قيس الخارجي في ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف من الحرورية إلى العراق.
وقال الهيثم بن عدي: كتب مروان إلى النّضر بن سعيد بولايته على العراق، فامتنع عليه ابن عمر، فصار الناس فرقتين: أهل اليمن، وخصائص من قريش مع ابن عمر، ومضر كلها من أهل العراق وأهل الشام مع النضر بن سعيد في طاعة مروان.
وتحول النضر: إلى دار مصقلة بن هبيرة الشيباني، وتحولت إليه المضرية كلها، وابن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان، والحكم بن عبد الملك، وآل بشر بن مروان، فنهض إليهم ابن عمر يوم جمعة فهزمهم حتى دخلوا البيوت، ثم انصرف، فلما كانت ليلة السبت قدم ابن الغزيّل من
стр. 3249
قبل مروان في أربعة آلاف من أهل الجزيرة وقنّسرين، فدخلوا الكوفة ليلة السبت، ثم غدوا بغلس فأخذوا في أطراف الكوفة حتى انتهوا إلى الغريين.
وخرج ابن عمر في اليمانية إلى غربي الحيرة وكردس الكراديس، وكان منصور بن جمهور معه، وكان يومئذ على الميمنة، وأقبل الحرشي في القيسيّة حتى حمل على ابن عمر في اليمانية، فانكشفوا حتى بلغوا أدنى بيوت الحيرة، وانحدر منصور إلى غربي بيوت الحيرة، ثم أخذ على النجف حتى ظهر على الطريق الغربية من حيث تجري الخيل فصار من وراء القيسية، ثم حمل عليهم وهو في نحو من أربعمائة وهيأ له الحرشي جلد أصحابه: ابن الغزيّل ومن معه.
قال الهيثم: فأزالهم منصور قدر غلوة، ثم ثبتوا له في الخصاصات (١)، ثم حمل عليهم منصور مرة أخرى فقتل منهم نحوا من سبعين فانكفأوا حتى لجأوا إلى مصلى خالد بن عبد الله، ثم حمل عليهم فأدخلهم البيوت، ثم غدوا يوم الأحد فسألهم الحرشي الموادعة إلى أجل سماه.
وأقبل الضّحاك بن قيس الحروري، فلما بلغ ابن عمر والنّضر بن عمرو الحرشي إقباله اجتمعت كلمة ابن عمر والنضر على قتاله، ودخل ابن عمر قصر الكوفة، وتحولت اليمانية، فنزلت في عشائرها بالكوفة، وذلك في رجب سنة سبع وعشرين ومائة، وأقبل الضحاك حتى نزل النخيلة، وخندق
стр. 3250
ابن عمر خندقا في أطراف الكوفة، وسنكتب أخبار الضحاك فيما بعد إن شاء الله.
وقال ابن الكلبي: لما ظهر مروان دعا عبد الله بن عمر إلى نفسه، وقال: أنا عين بن عين بن عين، أقتل ميم بن ميم بن ميم، فأظهر أهل العراق الرغبة فيه إذ كان ابن عمر بن عبد العزيز، وقالوا: هذا ابن الرجل الصالح، وهو أولى بالأمر من الجعدي، فقال فيه يحيى بن منصور الذهلي:
عليك بها يا بن عبد العزيـ … ـز سربلك الله سربالها
وولى عبد الله بن عمر: عمرو بن سهيل بن عبد العزيز البصرة، وهو كليجة.
ثم إن الضحاك بن قيس الشيباني الحروري أقبل من ناحية الموصل مما يلي شهرزور فيمن معه من الخوارج، فلما بلغ ابن عمر إقباله إليه وهو بالحيرة استعد له وتحول إلى قصر الكوفة، فنزل الضحاك بإزائه فواقعه فهزمه الضحاك، وقتل ممن معه: عاصم بن عمر أخوه، قتله البرذون بن مورّق الشيباني أو غيره وجعفر بن العباس الكندي أخو عبيد الله بن العباس، قتله عبد الملك بن علقمة العبدي. وكان جعفر على شرطة ابن عمر، وكانت المعركة بين الكوفة والحيرة، ومضى عبد الله بن عمر نحو واسط، وسار النضر بن سعيد الحرشي يريد مدينة واسط، فلم يدخلها لمنع عامل ابن عمر إياه من دخولها ودفعه له عنها، وهو شبيب بن مالك الغساني، وكان شبيب لما بلغه قرب النضر من واسط أغلق أبواب المدينة وتحصّن، وبدر ابن عمر فدخلها وتحصن بها، واتبعه الضحاك فحصره بها أشهرا حتى أظهر الجنوح إليه وصالحه على أربعة آلاف ألف درهم، وعلى أن يسير الضحاك إلى مروان
стр. 3251
فيحاربه، فإن هو ظفر بمروان سمع وأطاع له، وإلا فلا بيعة له عليه إن غلبه مروان. وتعاقدا على محاربة مروان وأصحابه.
وغلب الضحاك على الكوفة وسوادها، وتوجه الضحاك يريد مروان، وسار مروان يريد العراق لقتال الضحاك، فلما بلغه وهو بقرب قرقيساء أنّ سليمان بن هشام بن عبد الملك قد خرج عليه انصرف إليه فلقيه بخساف (١) أو قربها، فاستباح عسكره، وكان سليمان خليفة ابراهيم على عسكره، ثم أمّنه مروان، ثم خرج أيضا عليه، وانصرف مروان إلى الرقة وأتى حران وكان سليمان في موال لهشام، فلقي الضحاك فصار معه وصلى خلفه، فقال بعض الخوارج:
ألم تر أنّ الله أنزل نصره … وصلّت قريش خلف بكر بن وائل
ويقال إن ذلك قيل في ابن عمر، حين جنح إلى السلم.
وبلغ مروان انتقاض أهل حمص عليه، فأتاها وأقام عليها حتى فتحها، وهدم حائطها، ثم إن الضحاك أتى الجزيرة فحاصر نصيبين فلم يظفر بها، فأتى حرّان ومنزل مروان بها فواقعه مروان ثلاثة أيام ثم قتل.
وولى مروان يزيد بن عمر بن هبيرة العراق فسار إلى واسط وعبد الله بن عمر بها وقد تهيأ للحصار، وانضم إليه قوم من الخوارج من قبل الضحاك، وعزم على قتال ابن هبيرة، ثم تفرقت الخوارج عنه، فتجمعت مضر ممن كان بواسط فردموا باب القصر على ابن عمر، وبعثوا العلاء بن مزروع إلى
стр. 3252
ابن هبيرة يخبرونه أنهم قد حصروه فأقبل لا يلوي على شيء وحصره ثم أعطاه الأمان على حكم مروان، وكتب إلى مروان بذلك فكتب إليه مروان اقتله ولا تناظره. فراجعه في أمره فكتب إليه أن احمله إليّ فقال: أنا ابن عمر بن عبد العزيز وأرجو ألا يقدم عليّ مروان.
فحمله ابن هبيرة فحبسه مروان، ثم بعث إليه من اغتاله بشربة سقيها، ويقال ديس بطنه، ويقال غمّ حتى مات.
وقتل ابن عمر وكان لابن عمر ابن يقال له بشر كان في صحابة المهدي أمير المؤمنين.
وأما منصور بن جمهور الذي قيل له، منصور بن جمهور أمير غير مأمور، فإنه خلع مروان وأقام بالجبل يجبي خراجه، ومال إلى شيبان خليفة الضحاك وولي عهده.
ثم مضى إلى السند فغلب عليها حتى قدم عليه مغلس العبدي واليا على السند من قبل أبي مسلم فحاربه حتى قتله وهزم جنده، فلما بلغ أبا مسلم قتل عامله عقد لموسى بن كعب التميمي على السند فقدمها وواقع منصورا فهزمه وجيشه وقتل أخاه منظور بن جمهور، وخرج منصور مفلولا هاربا حتى ورد الهل (١) فمات عطشا.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: قتل مع ابن عمر: عاصم أخوه فدفنه إلى جانب الأشعث، قال: وقتل جعفر بن العباس بن يزيد الكندي مع ابن عمر حين قاتل الضحاك والخوارج بين
стр. 3253
الكوفة والحيرة، وكان عبيد الله بن العباس بن يزيد يقاتل مع أخيه، ثم جنح إلى الخوارج. فقال أبو عطاء السندي.
فقل لعبيد الله لو كان جعفر … هو الحيّ لم يجنح وأنت قتيل
جنحت وقد ردّوا أخاك وأكفروا … أباك فماذا بعد ذاك تقول
فقال: أقول أعضّك الله ببظر أمك.
وولي عبيد الله لأبي العباس أمير المؤمنين قنسّرين، وللمنصور أرمينية.
وبها مات.
وقال امرأة من الصفرية:
نحن قتلنا عاصما وجعفرا … والفارس الضّبيّ حين أصحرا
ونحن جبنا الخندق المقعّرا
- ومن ولد عبد العزيز بن مروان:
أبو بكر،
وكان من خيار ولده وكان يقدّر فيه إذا أفضت الخلافة إليه أن يوليه عهده، وله عقب. وعاصم بن عبد العزيز.
وكان من ولده: الأصبغ بن سفيان بن عاصم، وكان الأصبغ مخنثا وأمه ابنة عمر بن عبد العزيز.
ومن ولد عبد العزيز: الأصبغ بن عبد العزيز، وأمه أم ولد. وكان من ولده: دحية بن مصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز، خرج أيام موسى أمير المؤمنين بمصر، فقتله عامله عليها بعد قتال، وهو الفضل بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، وبعث برأسه، فنصب ببغداد على الجسر، ويقال ان الذي حاربه وبعث برأسه علي بن سليمان بن علي.
стр. 3254
فتنة ابن سهيل:
ومن ولد عبد العزيز بن مروان:
سهيل بن عبد العزيز،
وكان ابنه عمرو بن سهيل بن عبد العزيز يدعى كيلجة لقصره، من رجال قريش، ولاه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز البصرة. وكان الذي يلي شرط البصرة قبله المسور بن عبّاد بن عمرو بن الحصين الحبطي من بني تميم، فاستعمل عمرو بن سهيل رجلا من بني سدوس، فحقد ذلك المسور عليه وجانبته تميم غضبا للمسور. وقتل عبد الله بن علي عمرو بن سهيل فيمن قتل وصلبه فيمن صلب من بني أمية.
المدائني وغيره قالوا: اجتمع الناس على يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فاستعمل على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فكتب عبد الله إلى عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بولاية البصرة، ولم يكن معه جند فضعف أمره، وكان أهل البصرة قد تراضوا به حتى قتل الوليد، وهرب عامل يوسف بن عمر عنها.
وقدم سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي داعية لمروان بن محمد، فنزل عند أبي العسكر المسمعي مستخفيا، ودسّ إلى وجوه أهل البصرة يدعوهم إلى الدخول في طاعة مروان، وجعل يعدهم الأموال ويمنّيهم أن تأتيهم من قبل مروان. فلما تأخر ذلك ولم يروا لقوله مصداقا جعل الصبيان يقولون في السكك: من يبايع بنسيّة ابن جعدة الشّقيّة. ظنوا أن جعدة امرأة.
وبلغ ابن عمر بن عبد العزيز وهن أمر عبد الله بن أبي عثمان، فولى البصرة عمرو بن سهيل، ووجه معه جندا من النجارية من أهل الشام فيهم
стр. 3255
أبو بحر الجذامي، فهرب ابن جعدة، واستعمل عمرو على شرطه محمد بن وكيع بن أبي سود.
ومات يزيد بن الوليد الناقص في آخر ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وكتب مروان إلى المسور بن عمر بن عباد، ووجوه بني تميم، يدعوهم إلى طاعته والوثوب بابن سهيل. ويقال بل كتب المسور إلى مروان مبتدئا ببيعته وطاعته واستأذنه في الوثوب بابن سهيل، وجعل المسور يبايع الناس لمروان ويدعوهم إليه حتى فشا ذلك والمسور في داره بالحبطات.
وبلغ ابن سهيل خبره فناهضه، ومعه الأزد، وربيعة، وقريش والنجارية ومن معه من أهل الشام، وكان مع ابن سهيل سفيان بن معاوية، وداود بن حاتم، وكان المسور في: بني تميم، وباهلة، وبني عامر بن صعصعة، فكان يتقاتلان ثم يتحاجزان، ويصير المسور إلى داره.
فلامه حرب بن قطن الهلالي على مصيره إلى منزله وحذّره أن يطرقه ابن سهيل ليلا، وقال: أخاف ألا يأتيك غياثك حتى يقضي القوم أربهم منك. فتحوّل إلى بني العنبر، وتحول من كان منزله نائيا عن بني تميم مثل: الحكم بن يزيد الأسيدي، والترجمان بن هريم بن أبي طحمة المجاشعي، والمغيرة بن الفزع، فكان يقاتلهم.
واتهم ابن سهيل محمد بن وكيع فعزله عن شرطته، وولاها المنهال بن حاتم بن سويد بن منجوف.
وخندق المسور على أبواب السكك لما رأى من احتفال الأزد، وربيعة مع ابن سهيل واختذال نجاريته ومن معه من الشاميين. وكان مع المسور عمرو بن قتيبة، فكانوا يقتتلون خلف الخنادق ويخرجون فيقتتلون.
стр. 3256
ثم ان بني سعد بن زيد مناة بن تميم قالوا: قد كتب مروان إلى وجوهنا، كما كتب إلى المسور فلا نرضى أن تكون رئيسا. ففارقوه ورأسوا عليهم القاسم بن محمد الثقفي، وتابعهم على ذلك: ضبّة، وعدي، والرّباب.
وبلغ ذلك ابن سهيل فوجه إليهم أبا بحر الجذامي في الخيول فلما ناوشهم استطرد لهم حتى باعدهم عن أفواه السكك، ثم كرّ عليهم فهزمهم وقتل منهم.
وكان رؤبة بن العجّاج يركب فرسه ويجول في هذه الفتنة ويقول:
صبرا بني الكرام يا حماة الأدبار … إنّ الفرار يا بني تميم عار (١)
ثم إنهم حكموا عبد الكريم بن سليط الحنفي في أن يجعل الرئاسة لمن يرى فحكم للمسور لبأسه، وكثرة ولده، ومواليه، وفرسانه، وكان الحكم مائلا إلى المسور، فاقتتلوا فهزم ابن سهيل وأصحابه وكشفوا ووقعت العصبية، فنزل أبو الفيض الشامي وأصحابه فصار مع قيس، وكان أحد بني عبد الله بن غطفان، وجعل يرمي أصحاب ابن سهيل وهو يقول: اللهم اخز عدوك. ولم يزالوا يقتتلون حينا.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: اقتتلوا سبعة أشهر.
قالوا: وألقى القاسم الحنفي نارا في قصب وأتبان كانت على نهر بني جشم بن سعد فقال حرب بن قطن الهلالي للمسور: وجّه إلى بني حنيفة من يحرقهم. فقال: فيهم قوم براء لا نؤاخذهم بفعلة فاسق سفيه.
стр. 3257
ثم مضى حرب مخالفا له فحرّق على بني حنيفة ليلته حتى أصبح، قالوا:
فبيناهم على أمرهم هذا إذ أقبل مروان يريد العراق، والضحاك الشاري قد حصر عبد الله بن عمر في مدينة واسط، ومعه منصور بن جمهور فجنح منصور إلى الضحاك وهذا الثبت، وكلب تقول: لم يجنح إليه، وبايعه ابن عمر وسلم الأمر إليه على شريطة اشترطها.
قال أبو عبيدة: ولحق النضر بن عمرو بمروان، ووجه الضحاك إلى البصرة عمارا الحروري في أربعين رجلا فنزلوا ببلاباذ (١) ونادى مناديهم: أيما رجل علق على بابه صوفة حمراء فقد جنح للسلم، وبايعته الأزد، وربيعة، وكانوا شيعة ابن سهيل، وثبتت مضر في مواضعها، فلما رأى ابن سهيل ان ابن عمر قد غلب، وأن مروان قد أقبل هرب ليلا فأصبحت دار الإمارة وليس فيها أحد، وهرب عمار لهرب ابن سهيل، وإنما كان مجيئه للعقد بين ابن عمر والضحاك.
وغدا المسور، وكان قد اختضب، فسرّح الحنّاء ولم يغسله، وكان شعره كأنه اللّيف طويلا سبطا وهو على بغلة، فمنعه بنو سعد أن يدخل دار الإمارة حسدا له، فلما رأى ذلك عدل إلى بيضاء ابن زياد فنزلها.
وجاءت بنو سعد بعباد بن منصور الناجي فأنزلوه دار الإمارة، فكان يصلي بالناس، واصطلحوا عليه، ثم إن بني قيس بن ثعلبة أحدثوا أحداثا، فسار إليهم المسور فقاتلهم، ثم حرق دورهم وسوقهم التي بالمربد، ولم يزل المسور على هذه الحال حتى قدم سلم بن قتيبة عاملا
стр. 3258
ليزيد بن هبيرة على البصرة، ومات المسور بعد ذلك بقليل، وكان المسور قد خرّب دور آل المهلب لما بلغه قدوم سلم، فلما قدم سلم حال بينه وبين ما بقي من دورهم. وكان عمرو بن سهيل حيا حتى قتله عبد الله بن علي فيمن قتل من بني أمية بالشام.
حدثني الحرمازي عن أبي عبيدة قال: قال عمر لابنه عبد الله: ما على خاتمك؟ قال: لكل عمل ثواب. قال عمر: فاستثب ربّ الأرباب.
قالوا: وكان عبد الله بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابن سهيل يأمره أن يوفد إليه وفدا فأرسل إليه جماعة يأمرهم بذلك، وأرسل إلى عمرو بن عبيد فامتنع عليه، فأعاد إليه شبيب بن شيبة فقال عمرو لشبيب: قل له أن أول ما يسألني عنه عن سيرتك فما تراني قائلا فيك؟ فكفّ عن عمرو، فخرج في الوفد: شبيب بن شيبة، واسماعيل المكي، وواصل بن عطاء.
قال خالد بن صفوان: فدخلوا على عبد الله بن عمر وأنا عنده فتكلموا رجلا رجلا فما بقي فن من فنون الكلام إلا تكلموا فيه، وبقي واصل آخرهم وقد سبق إلى أبواب الفنون، فتكلم رجل ضئيل الصوت، خفي المنطق فلم يزل يعلو صوته ويرتفع، وكأنما جمعت له محاسن الأقوال فهو يتخيرها على بصيرة، فأمر لهم بألفين ألفين فقبلوا إلاّ واصلا، فقال لهم واصل: والله لئن كنتم شخصتم لله فما فيما أعطيتم عوض مما شخصتم له، ولئن كنتم شخصتم للدنيا فما أعطيتم ما تستحقون.
وجعل يعطي واصلا ويزيده حتى بلغ مائة ألف درهم، فقال واصل: إني لم آب ما أمرت به، ولا استقلالا له، ولا استزادة لك، ولو
стр. 3259
كنت إنما أتيت لذلك لقد بذلت ما مثله كفى وأقنع، ولكني شخصت لغير ما أعطيت.
وقال الأصمعي: قدم ابن هبيرة فأقرّ المسور على الأحداث، وعبّاد بن منصور على القضاء والصلاة، قال غيلان بن حريث الرّبعي:
أما ورب الكعبة المفضّله … على البيوت كلّها المؤثّله
إنّ بني الاعز أعني حنظلة … وآل عمرو ألحموا في المنزله
بمأزق يخاف فيه المقتله … ضنك ترى أبطاله مجدّله
تميميون (١) … حول الترجمان قنبله
حول أغرّ لم يكن يزمّله
من آل سفيان كريم المعدلة … مرتفع الطّرف طويل المحمله
يضرب في الغمّا ليوث الغيطلة
في أبيات. وقال أيضا:
يا مسور بن عمر بن عبّاد … يا سيّد المصرين وابن الأسياد
وخير من غاب وخير الشّهاد … كم فيكم أبيض واري الأزناد
مقابل العمّ كريم الأجداد … إنك يوم السبت غير حيّاد
بالسيف ضراب رؤوس الصّداد
وقال رؤبة بن العجاج:
إنّ تميما تبتلى بأقوام … ليسوا بأخوال ولا بأعمام
لا يتّقون (٢) … لحدود الإسلام
من رقّة الدين وبعد الأرحام
стр. 3260
منهم لكيز وهي شر الأصرام … والأزد والأزد صغار الأحلام
وقد رأوا في مستهل زمزام … في لجب بحر كأركان الرّام
كتيبة للترجمان المقدام … والمسور السامي بغير إحجام
منازل تملأ عين المغتام … إذا الكماة استمسكوا بالاعصام (١)
في أبيات.
وقال أبو عبيدة: لما قام مروان، وقدم يزيد بن عمر العراق شذّب قتادة الخوارج ومن لحق بهم من شيعة يزيد بن الوليد، وطار آل المهلب تحت كل كوكب، وولى يزيد: سلما البصرة.
ومن ولد عبد العزيز بن مروان: أبو زبّان، واسمه الأصبغ بن عبد العزيز، وكان عالما ينظر في النجوم والطب، وكان ذا قدر في بني أمية، وهلك بمصر قبل أبيه بخمس عشرة ليلة (٢)