← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

ثم ان بني سعد بن زيد مناة بن تميم قالوا: قد كتب مروان إلى وجوهنا، كما كتب إلى المسور فلا نرضى أن تكون رئيسا. ففارقوه ورأسوا عليهم القاسم بن محمد الثقفي، وتابعهم على ذلك: ضبّة، وعدي، والرّباب. وبلغ ذلك ابن سهيل فوجه إليهم أبا بحر الجذامي في الخيول فلما ناوشهم استطرد لهم حتى باعدهم عن أفواه السكك، ثم كرّ عليهم فهزمهم وقتل منهم. وكان رؤبة بن العجّاج يركب فرسه ويجول في هذه الفتنة ويقول: صبرا بني الكرام يا حماة الأدبار … إنّ الفرار يا بني تميم عار (١) ثم إنهم حكموا عبد الكريم بن سليط الحنفي في أن يجعل الرئاسة لمن يرى فحكم للمسور لبأسه، وكثرة ولده، ومواليه، وفرسانه، وكان الحكم مائلا إلى المسور، فاقتتلوا فهزم ابن سهيل وأصحابه وكشفوا ووقعت العصبية، فنزل أبو الفيض الشامي وأصحابه فصار مع قيس، وكان أحد بني عبد الله بن غطفان، وجعل يرمي أصحاب ابن سهيل وهو يقول: اللهم اخز عدوك. ولم يزالوا يقتتلون حينا. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: اقتتلوا سبعة أشهر. قالوا: وألقى القاسم الحنفي نارا في قصب وأتبان كانت على نهر بني جشم بن سعد فقال حرب بن قطن الهلالي للمسور: وجّه إلى بني حنيفة من يحرقهم. فقال: فيهم قوم براء لا نؤاخذهم بفعلة فاسق سفيه.

стр. 3257

ثم مضى حرب مخالفا له فحرّق على بني حنيفة ليلته حتى أصبح، قالوا: فبيناهم على أمرهم هذا إذ أقبل مروان يريد العراق، والضحاك الشاري قد حصر عبد الله بن عمر في مدينة واسط، ومعه منصور بن جمهور فجنح منصور إلى الضحاك وهذا الثبت، وكلب تقول: لم يجنح إليه، وبايعه ابن عمر وسلم الأمر إليه على شريطة اشترطها. قال أبو عبيدة: ولحق النضر بن عمرو بمروان، ووجه الضحاك إلى البصرة عمارا الحروري في أربعين رجلا فنزلوا ببلاباذ (١) ونادى مناديهم: أيما رجل علق على بابه صوفة حمراء فقد جنح للسلم، وبايعته الأزد، وربيعة، وكانوا شيعة ابن سهيل، وثبتت مضر في مواضعها، فلما رأى ابن سهيل ان ابن عمر قد غلب، وأن مروان قد أقبل هرب ليلا فأصبحت دار الإمارة وليس فيها أحد، وهرب عمار لهرب ابن سهيل، وإنما كان مجيئه للعقد بين ابن عمر والضحاك. وغدا المسور، وكان قد اختضب، فسرّح الحنّاء ولم يغسله، وكان شعره كأنه اللّيف طويلا سبطا وهو على بغلة، فمنعه بنو سعد أن يدخل دار الإمارة حسدا له، فلما رأى ذلك عدل إلى بيضاء ابن زياد فنزلها. وجاءت بنو سعد بعباد بن منصور الناجي فأنزلوه دار الإمارة، فكان يصلي بالناس، واصطلحوا عليه، ثم إن بني قيس بن ثعلبة أحدثوا أحداثا، فسار إليهم المسور فقاتلهم، ثم حرق دورهم وسوقهم التي بالمربد، ولم يزل المسور على هذه الحال حتى قدم سلم بن قتيبة عاملا

стр. 3258

ليزيد بن هبيرة على البصرة، ومات المسور بعد ذلك بقليل، وكان المسور قد خرّب دور آل المهلب لما بلغه قدوم سلم، فلما قدم سلم حال بينه وبين ما بقي من دورهم. وكان عمرو بن سهيل حيا حتى قتله عبد الله بن علي فيمن قتل من بني أمية بالشام. حدثني الحرمازي عن أبي عبيدة قال: قال عمر لابنه عبد الله: ما على خاتمك؟ قال: لكل عمل ثواب. قال عمر: فاستثب ربّ الأرباب. قالوا: وكان عبد الله بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابن سهيل يأمره أن يوفد إليه وفدا فأرسل إليه جماعة يأمرهم بذلك، وأرسل إلى عمرو بن عبيد فامتنع عليه، فأعاد إليه شبيب بن شيبة فقال عمرو لشبيب: قل له أن أول ما يسألني عنه عن سيرتك فما تراني قائلا فيك؟ فكفّ عن عمرو، فخرج في الوفد: شبيب بن شيبة، واسماعيل المكي، وواصل بن عطاء. قال خالد بن صفوان: فدخلوا على عبد الله بن عمر وأنا عنده فتكلموا رجلا رجلا فما بقي فن من فنون الكلام إلا تكلموا فيه، وبقي واصل آخرهم وقد سبق إلى أبواب الفنون، فتكلم رجل ضئيل الصوت، خفي المنطق فلم يزل يعلو صوته ويرتفع، وكأنما جمعت له محاسن الأقوال فهو يتخيرها على بصيرة، فأمر لهم بألفين ألفين فقبلوا إلاّ واصلا، فقال لهم واصل: والله لئن كنتم شخصتم لله فما فيما أعطيتم عوض مما شخصتم له، ولئن كنتم شخصتم للدنيا فما أعطيتم ما تستحقون. وجعل يعطي واصلا ويزيده حتى بلغ مائة ألف درهم، فقال واصل: إني لم آب ما أمرت به، ولا استقلالا له، ولا استزادة لك، ولو

стр. 3259

كنت إنما أتيت لذلك لقد بذلت ما مثله كفى وأقنع، ولكني شخصت لغير ما أعطيت. وقال الأصمعي: قدم ابن هبيرة فأقرّ المسور على الأحداث، وعبّاد بن منصور على القضاء والصلاة، قال غيلان بن حريث الرّبعي: أما ورب الكعبة المفضّله … على البيوت كلّها المؤثّله إنّ بني الاعز أعني حنظلة … وآل عمرو ألحموا في المنزله بمأزق يخاف فيه المقتله … ضنك ترى أبطاله مجدّله تميميون (١) … حول الترجمان قنبله حول أغرّ لم يكن يزمّله من آل سفيان كريم المعدلة … مرتفع الطّرف طويل المحمله يضرب في الغمّا ليوث الغيطلة في أبيات. وقال أيضا: يا مسور بن عمر بن عبّاد … يا سيّد المصرين وابن الأسياد وخير من غاب وخير الشّهاد … كم فيكم أبيض واري الأزناد مقابل العمّ كريم الأجداد … إنك يوم السبت غير حيّاد بالسيف ضراب رؤوس الصّداد وقال رؤبة بن العجاج: إنّ تميما تبتلى بأقوام … ليسوا بأخوال ولا بأعمام لا يتّقون (٢) … لحدود الإسلام من رقّة الدين وبعد الأرحام

стр. 3260

منهم لكيز وهي شر الأصرام … والأزد والأزد صغار الأحلام وقد رأوا في مستهل زمزام … في لجب بحر كأركان الرّام كتيبة للترجمان المقدام … والمسور السامي بغير إحجام منازل تملأ عين المغتام … إذا الكماة استمسكوا بالاعصام (١) في أبيات. وقال أبو عبيدة: لما قام مروان، وقدم يزيد بن عمر العراق شذّب قتادة الخوارج ومن لحق بهم من شيعة يزيد بن الوليد، وطار آل المهلب تحت كل كوكب، وولى يزيد: سلما البصرة. ومن ولد عبد العزيز بن مروان: أبو زبّان، واسمه الأصبغ بن عبد العزيز، وكان عالما ينظر في النجوم والطب، وكان ذا قدر في بني أمية، وهلك بمصر قبل أبيه بخمس عشرة ليلة (٢)

стр. 3261

أمر يزيد بن عبد الملك بن مروان (١) يكنى يزيد أبا خالد، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وإليها ينسب، بويع له بالخلافة سنة إحدى ومائة، وكان سليمان بن عبد الملك ولى عمر بن عبد العزيز العهد في مرضه ويزيد بعده. وقال سليمان: لولا أني أخاف اختلاف بني مروان بعدي ووقوع الفتنة ما وليت يزيد ولاقتصرت على عمر بن عبد العزيز. وقال عمر بن عبد العزيز حين احتضر: لو اخترت للإمامة غير يزيد كان أولى، ولكني أخاف إن أخرجتها من بني عبد الملك أن تقع في ذلك فتنة وفرقة، وأنا أولّي سليمان ما تولّى، والمسلمون أولى بالنظر في أمرهم، فكانت ولاية يزيد بن عبد الملك أربع سنين وشهرا، ودفن بالجولان من سواد الأردن وذلك سنة خمس ومائة، ويقال في أول سنة ست ومائة، وله سبع وثلاثون سنة وأشهر، ويقال ابن اثنتين وأربعين سنة، ويقال مات بالبلقاء من عمل دمشق.

стр. 3262

قالوا: وكان يزيد جميلا، حسن الشعر أهدل (١)، وكان صاحب لهو وطرب وهزل، وهو أول من غالى بالقيان. حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش الهمداني قال: كان يزيد صاحب طرب وفتوة، وهو أول من اشترى حلة بخمسة آلاف دينار. قالوا: وكان نديمه الأحوص بن عبد الله بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، واسمه قيس بن عصمة بن أمية بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكان يرمى بالأبنّة، وكان منفيا، نفاه الوليد بن عبد الملك بشهادة عراك الغفاري إلى دهلك، فلما ولي يزيد بن عبد الملك أقدمه، ونفى عراكا فقال الأحوص: الآن استقرّ الملك في مستقرّه … وعاد لعرف أمره المتنكر طريد تلافاه يزيد برحمة … فلم يمس من نعمائه يتعذّر (٢) حدثني أبو حسن المدائني عن أبي جزي قال: عمد يزيد بن عبد الملك إلى كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز مما لم يوافقه فردّه، ولم يرهب فيه شنعة عاجلة، ولا إثما آجلا. المدائني قال: وظف محمد بن يوسف أخو الحجاج على أهل اليمن وظيفة جعلها عليهم خراجا، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله يأمره بإلغاء تلك الوظيفة والاقتصار على العشر، وقال: لأن لا يأتيني من اليمن حفنة كتم أحبّ إلي من أن تقرّ هذه الوظيفة.

стр. 3263

فلما ولي يزيد بن عبد الملك بعد عمر أمر بردّها، وكتب إلى عروة بن محمد عامله إنّ ابن عبد العزيز كان مغرورا منك ومن أشباهك، فأعد على أهل اليمن الضريبة التي كان عمر أسقطها ولو صاروا حرضا (١). حدثني أبو مسعود عن عوانة قال: أقرّ يزيد عدي بن أرطاة الفزاري عامل عمر بن عبد العزيز على البصرة، وولى عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري المدينة، فشكته فاطمة بنت الحسين بن علي، وهي أم عبد الله بن حسن بن حسن بن علي وإخوته وكتبت إليه كتابا وأرسلت رسولا وقالت إنه يدعوني إلى تزوجه وأنا أمرأة لا حاجة لي في التزوج لأني مشبلة على ولدي ولا آمن من أن يتكذب على ولدي حتى يوقعهم فيما أكره ليغيظني بذلك، وأمير المؤمنين أحقّ من نظر فيّ ودافع عني، فإني ابنة عمه وإحدى نسائه. فكان ذلك سبب غضبه عليه وعزله ومطالبته بمال أخرج عليه، فلما أراد الخروج من المدينة بكى ثم قال: والله ما أبكي جزعا من العزل ولا أسفا على الولاية، ولكني أربأ بهذه الوجوه أن يهينها من لا يعرف لها مثل الذي أعرف، ولا يوجب من حقها ما أوجب. ثم أنشد: فما السجن أضناني ولا القيد شفّني … ولكنني من خشية النار أجزع على أنّ أقواما أخاف عليهم … إذا غبت أن يعطوا الذي كنت أمنع المدائني عن محمد بن خالد قال: كان لسعيد بن خالد بن أسيد قصر بحيال قصر يزيد بن عبد الملك، فكان يزيد إذا ركب إلى الجمعة توافيا في

стр. 3264

موضع واحد، فقال له يزيد في بعض الجمع: أما تخلّ بجمعة واحدة؟ فقال سعيد: إن قصري بحيال قصرك فإذا ركبت ركبت فالتقينا في هذا الموضع، فقال يزيد: فإن لي إليك حاجة. قال: إذا لا تردّ عنها يا أمير المؤمنين. قال: قصرك. قال: هو لك. قال: فلك به خمس حوائج فاذكرها. قال: أولاهن أن ترد القصر علي. قال: قد فعلت فاذكر الأربع فذكرها فقضاها له. حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: قال يزيد: لذة الدنيا في أربع: الغناء، والطّلاء، ومجالسة من تحب، وإعطاء السائل. حدثني محمد بن سعد كاتب الواقدي عن الواقدي عن يزيد بن عياض قال: لما ولى يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس المدينة خطب فاطمة بنت علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فأبت وقالت: ما النكاح من حاجتي أنا مشبلة مقيمة على ولدي، فألح عليها الخطبة فقال: والله لئن لم تفعلي لآخذنّ أكبر ولدك، يعني عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب في شراب، ثم لأضربنه على رؤوس الناس، ولأفعلنّ بعد هذا، ولأفعلن حتى أفضحك، فبعثت إلى يزيد بن عبد الملك رسولا، وكتبت معه كتابا، فذكرت قرابتها ورحمها، وشكت عبد الرحمن وذكرت ما أرادها عليه، وبعثت به إليه وسألته أن يجيرها منه، وقالت: إنما أنا حرمتك واحدى نسائك، والله لو كان التزويج من شأني ما كان لي بكفء، وإن عمر بن الخطاب كان يقول على منبر رسول الله ﷺ : لأمنعنّ ذوات الأحساب إلا من الأكفاء.

стр. 3265

قال وكان ابن هرمز على الديوان بالمدينة، وأراد الخروج، فأرسلت إليه وأخبرته بما تلقى من ابن الضحاك، وسألته أن ينمي ذلك إلى يزيد، فلما دخل على يزيد سأله عن المدينة وأهلها فبينا هو يخبره، إذ أتى حاجب يزيد فأخبره بمكان رسول فاطمة، فذكر ابن هرمز ما حملته وأعلمه أنها أرسلت إليه، فألقت إليه أمرها وأمر ابن الضحاك، فدعا يزيد برسولها وقرأ كتابها فغضب غضبا شديدا، ونزل عن سريره إلى الأرض، وضرب بقضيب كان معه الأرض حتى أثار الغبار، وقال: ابن الضحاك يتزوج امرأة من بني عبد مناف؟ ثم قال: من يسمعني صوت ابن الضحاك بعذابه إيّاه وأنا على فراشي؟ قال ابن هرمز: أنا أدلك عليه. عبد الواحد بن عبد الله النصري، وهو بالطائف، فكتب إليه يزيد كتابا يأمره فيه بالمسير إلى المدينة وولايتها، وأن يغرم عبد الرحمن بن الضحاك أربعين ألف دينار، ويقفه للناس، وأمر لرسول فاطمة بجائزة وصرفه. فمر الرسول الموجه إلى الطائف بابن الضحاك فوقع في نفسه خوف العزل، فأعطاه ألف دينار فأخبره الخبر وأحلفه أن لا يبرح المدينة. وجلس ابن الضحاك على رواحله حتى لحق بمسلمة بن عبد الملك فقال له: يا أبا سعيد كن لي جارا من أمير المؤمنين فإن لي رحما وقرابة، وان خليتني من يديك افتضحت. فلقي مسلمة يزيد في غبش الليل فكلمه فيه فقال يزيد: لا أرينّ وجهه ولا يخرج إلى عسكري حتى يرجع من حيث جاء فينفذ فيه أمري. فرجع من دمشق حتى وافى المدينة فوجد النصري بها فأغرمه أربعين ألف

стр. 3266

دينار، فلم يصل إليها حتى سأل الناس فيها، وكان أخذ هذه الأربعين الألف الدينار من بيت المال ففرقها على نفر من قريش وغيرهم. قال الواقدي: وحدثني عقبة بن سنان قال: لما رجع ابن الضحاك إلى المدينة اتبع الناس فأخذ ذلك المال منهم، فمنهم من وجد عنده ما أعطاه، ومنهم من لم يوجد عنده لأنه فرقه في غرمائه، فكان يطاف به في جبة صوف يسأل فيها: وقال الواقدي: حدثني زفر بن محمد الفهري عن أشياخه قال: لما أحسّ عبد الرحمن بالعزل فرّق هذا المال في قومه فكتب يزيد أن يحتسب ذلك ويغرمه. قالوا: فتنازع محمد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن حسن بن حسن، وزيد بن علي فقال عبد الله بن حسن بن حسن لزيد: يا بن السندية الساحرة، فيقال إنه قال له: يا بن الهندكانية، فانصرف زيد إلى عمته فاطمة بنت علي بن الحسين، وهي أم عبد الله بن حسن فقالت: إن سبّ أمك فسبّني فعاد للخصومة فشتمه فقال له زيد: أتذكر ابن الضحاك حين كانت تبعث إليه أمك معك بالعلك الأخضر والأحمر والأصفر فتقول له: فمك فمك فتطرح ذلك في فمه. فأتاها بنوها فأخبروها فغضبت وقالت: كنتم فتيانا فكنت أدارية فيكم وأمنّيه أن أتزوجه حتى كتبت فيه إلى يزيد فعزله. حدثني محمد بن سعد، والوليد بن صالح قالا: ثنا الواقدي قال: وفد خالد بن المطّرف، والمطرف بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان على يزيد بن عبد الملك، فخطب إليه اخته فقال له: إن عبد الله بن عمرو بن

стр. 3267

عثمان أبي قد سنّ لنسائه عشرين ألف دينار فان أعطيتنيها وإلا لم أزوّجك. فقال له يزيد: أو ما ترانا أكفاء إلاّ بالمال؟ قال: بلى والله إنكم لبنو عمنا وأشراف قومنا، فقال يزيد: إني لأظنك لو خطب إليك رجل من قريش لزوجته بأقل مما ذكرت من المال؟ قال: أي لعمري لأنها تكون عنده مالكة مملّكة، وهي عندك مملوكة مقهورة. وأبى أن يزوجه، فأمر أن يحمل على بعير صعب وينخس به إلى المدينة، وكتب إلى عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري وهو عامله على المدينة أن وكّل بخالد بن عبد الله المطرف من يأخذه بيده كل يوم وينطلق به إلى شيبة بن نصاح المقرئ: ليقرأ عليه القرآن فإنه من الجاهلين. فلما قرأ على شيبة قال حين قرأ: ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن منه، وإن الذي جهّله لأجهل منه. ثم كتب يزيد إلى عامله: بلغني أن خالدا يذهب ويجيء في سكك المدينة، فمر بعض من معك أن يبطش به، فضربوه حتى مرض ومات وله عقب بالمدينة. وحدثني أبو مسعود عن عوانة قال: قال يزيد بن عبد الملك، وهو ابن عاتكة بنت يزيد بن معاوية: كان عمر بن عبد العزيز خيرا لنفسه، وأنا خير للناس. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر الزهري عن عبد الواحد بن أبي عون قال: لما ولي الوليد بن عبد الملك، استعمل عمر بن عبد العزيز على المدينة، ثم عزله وولي عثمان بن حيان المري على المدينة، فاستقضى أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكانت ولاة البلدان تستقضي القضاة من أهل الفضل والمروءة والهيئة والعلم، وكان القاضي

стр. 3268

لا يركب مركبا ولا يذهب لحاجة إلا استأذن أمير البلد لأن يطيب له الرزق، فقال أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لابن حيان بعد العصر مساء عشرين يوما من رمضان، وعند عثمان أيوب بن سلمة المخزومي، فقال أبو بكر: إن رأى الأمير أن يأذن لي غدا فأنام بعد الصبح ولا أجلس للناس لأن أقوى على قيام ليلة احدى وعشرين، فإنه يذكر أنها ليلة القدر. فقال له ابن حيان: نعم. فلما ولى قال أيوب: ألا ترى إلى هذا الذي استأذنك فيما استأذنك فيه؟ فقال ابن حيان: والله ما هو إلاّ رياء، ولست لحيان إن لم أسأل عنه غدوة فإن وجدته نائما ضربته مائة، وحلقت رأسه ولحيته. قال أيوب: فقال أمرا سرني، فلما انصرفنا رجعت إلى منزلي مسرورا، فلما كان في السحر خرجت فإذا سراج في دار مروان فقلت: عجل والله المري فأدخل الدار فإذا أنا بأبي بكر بن حزم وقد جاءته ولايته من قبل سليمان بن عبد الملك وهو جالس على المنبر والشمع بين يديه، وابن حيان جالس بين يديه وابن حزم يقول: صيروا هذه الكبول في رجل ابن حيان، قال أيوب: فنظرت إلى ابن حيان ونظر إلي فقال: جاؤوا على أدبارهم كشفا … والأمر يحدث بعده الأمر فلما صلى وحضر الناس دعا بقوارير كانت في منزل ابن حيان، فقال: ما هذا الشراب؟ قال، شراب أشربه من الطلا. فقال أبو بكر لمن حضره: أنشدكم الله ما تقولون في هذا الشراب؟ قالوا: هو الخمر. قال: أكنت تشرب من هذا الشراب؟ قال: نعم فأمر بتلك القوارير فكسرت وضربه الحد، وجاء عبد الله بن عمرو بن عثمان بالبينة أنه قال له: يا مخنث أو يا منكوح فضربه له حدا آخر. فلما ولي يزيد بن عبد الملك ولى على

стр. 3269

المدينة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، وخرج عثمان بن حيان مع مسلمة بن عبد الملك حين خرج يريد يزيد بن المهلب فحمل رأسه حين قتل يزيد (١) إلى يزيد بن عاتكة (٢) فقال له يزيد: ما تحب أن أصنع بك يا بن حيان؟ قال: تقيدني من ابن حزم، قال: كيف أقيدك من رجل اصطنعه أهل بيتي وله فضل، ولكني أولّيك المدينة فتفعل ما رأيت. قال: إن ضربته في سلطاني قال الناس إنما ضربه في سلطانه. قال: فاكتب إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتابا ننتفع به، فكتب إليه يزيد: «أما بعد فإذا جاءك كتابي فانظر فيما ضرب ابن حزم ابن حيان فيه، فان كان ضربه في أمر بيّن فلا تلتفت إليه، وأمض الحدّ - يعني على ابن حيان - وإن كان في أمر منكر مشكل يختلف فيه فأمض الحدّ أيضا، وإن كان في أمر لا يختلف فيه فأقده منه». فلما قرأ ابن الضحاك الكتاب رمى به من يده وقال: ما ضربك إلاّ في أمر بيّن وما لك في هذا الكتاب منفعة. فقال له عثمان: إنك إن أردت أن تحسن أحسنت. قال: الآن أصبت المطلب. قالوا: فأرسل إلى أبي بكر فلم يسأله عن حرف حتى ضربه حدين في مقام واحد، وانصرف أبو المغرى عثمان بن حيان وهو يقول: والله ما قربت النساء منذ ضربني ابن حزم فاليوم أقربهن. وكان ابن حزم قال: نحن ضربنا الفاسق ابن حيّان … حدّين لمّا يخلطا ببهتان

стр. 3270

فقال ابن حيان: نحن ضربنا الفاسق ابن حزم … حدّين لما يخلطا بإثم قال الواقدي: ولما أغرم عبد الرحمن بن الضحاك أربعين ألف دينار نهى ابن حزم حاشيته ومن معه أن يعرضوا له بشيء يكرهه، وأمر له بجميع ما احتاج إليه، فكان ابن الضحاك يذكر ما صنع به، وما صنع ابن حزم فيعجب ويقول: كان والله خيرا مني. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن رجل من آل الأهتم قال: كتب يزيد بن عبد الملك إلى عمر بن هبيرة، وهو عامله على العراق: «إنه ليست لأمير المؤمنين بأرض العرب خوصة تمر على القطائع، فحز فضولها لأمير المؤمنين، فجعل عمر يأتي القطيعة فيسأل عنها ثم يمسحها حتى وقف على أرض فقال: لمن هذه؟ قال صاحبها: لي. قال: ومن أين صارت لك؟ فقال: ورثناهنّ عن آباء صدق … ونورثها إذا متنا بنينا ثم إن الناس ضجوا من ذلك فأمسك عمر بن هبيرة. قالوا: وبعث يزيد بن عبد الملك رسولا في حمل ابن سريج (١) فلما انتهى إلى أداني مكة سمع رجلا يغني: فلم أر كالتجمير منظر ناظر … ولا كليالي الحج أفتنّ ذا هوى

стр. 3271

وإذا الرجل ابن سريج، فقال الرسول: ما أجهل هؤلاء، بعثوا إلى غير هذا وتركوه، فأتى الوالي فبعث ابن سريج فإذا هو الذي رآه الرسول، فقال: لقد أنكرت أن يكون ابن سريج غيرك. وقال الهيثم بن عدي وغيره: كان المغنون يأتون يزيد فيصلهم، وكان معبد (١) وابن سريج يزورانه فيقيمان عنده زمانا فيجيزهما، وكان الأحوص يزوره من المدينة فيجزل عطيته ويحسن جائزته، وكان ممن يتغنى بين يدي يزيد الغزيّل الشامي، وقد غنى يزيد لنفسه ومن غنائه: أضحى لسلاّمة الزرقاء في كبدي … صدع مقيم طوال الدّهر والأبد وقال ابن الكلبي: هذا الغناء ليزيد والناس ينحلونه معبد والغزيل الشامي. وحدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: قدم عمر بن هبيرة على يزيد وهو عامله على العراق، وأهدى له هدايا كثيرة، وأتاه بغنائم وفيها مسك فأخذ ابن له من ذلك المسك وولى، فقال يزيد: أي بني إنّ هذا غلول، فقال ابن هبيرة: ان رجلا من قراء أهل العراق كان بخراسان كان ينهى عن الغلول، ويغل المسك، فقيل له في ذلك فقال: إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٢) أما والله

стр. 3272

لآتينّ طيب الريح خفيف المحمل. قال يزيد: يا بني أما إذا رخص القرّاء فيه فخذه. وكان يزيد صاحب سلاّمة وحبّابة اللتين ذكرهما أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي الخارجي فقال، وذكره: أقعد سلامة عن يمينه، وحبابة عن يساره، ثم قال: أطير، ألا فطر إلى لعنة الله وحرقه. - وكان من قصة سلامة أنها كانت لرجل من أهل مكة فاشتراها منه سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ويقال إن سهيلا هو رباها وعلمها، ولم يشترها مغنية. والأول أثبت. وكان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار - أحد بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، وقد أصابته منّة من صفوان بن أمية الجمحي - ينزل مكة، وكان فقيها عابدا يسمى القسّ لعبادته واجتهاده، فمر يوما بمنزل مولى سلامة فسمع غناءها فتوقف يسمعه فرآه مولاها فقال له: هل لك أن تدخل فتسمع فأبى ذلك فقال له: هل لك في أن أخرجها إليك؟ فأبى ذلك، فلم يزل حتى أخرجها، فلما رآها وسمع غناءها ظاهره شغف بها، وهويته أيضا، وكان جميلا فكان يأتي مولاها ويغشاه ليسمع غناءها ويراها، فزعموا أنها قالت له يوما على خلوة: أنا والله أحبك. قال: وأنا والله. قالت: وأحب أن أضع بطني على بطنك. قال: وأنا والله أحب ذلك. قالت: فما يمنعك؟ ان موضعنا خال. قال: إني سمعت الله يقول: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ)﴾ (١). وأنا أكره أن تؤول

стр. 3273

خلتنا إلى عدوة. ثم قام فانصرف وعاد إلى عبادته، وقد كان قال فيها شعرا منه: ألم ترها لا يبعد الله دارها … إذا طربت في صوتها كيف تصنع تمدّ نظام القول ثم تردّه … إلى صلصل من صوتها يترجّع ومنه أيضا ما بال قلبك لا يزال يهيجه … ذكر عواقب غيّهنّ سقام باتت تعللنا وتحسب أننا … في ذاك أيقاظ ونحن نيام حتى إذا سطع الصباح لناظر … فإذا وذلك بيننا أحلام قد كنت أعذل في السفاهة أهلها … فاعجب لما تأتي به الأيام فاليوم اعذرهم وأعلم انما … سبل الضّلالة والهدى أقسام ومنه: ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر … وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر ألا ليت أني حيث صارت بها النوى … جليس لسلمى كلّما عجّ مزهر إذا أخذت في الصوت كاد جليسها … يطير إليها قلبه حين ينظر كأنّ حماما راعبيّا معلّما … إذا نطقت من صدرها يتغشمر (١) ومنه: على سلاّمة القلب السلام … تحية من زيارته لمام أحبّ لقاءها وألوم نفسي … كأنّ لقاءها منّي حرام

стр. 3274

إذا ما عج مزهرها وعجت … أصاخ إلى مقالتها الكرام وأصغوا نحوها الآذان حتى … كأنّهم - وما ناموا - نيام ومنه قوله: سلام ويحك هل تحيين من ماتا … أو ترجعين على المحزون ما فاتا ادعي بمزهرك المحنوّ فاحتفلي … ثم امنحي السّمع مني منك أصواتا ومنه: سلاّم هل لي منكم ناصر … أم هل لقلبي عنكم زاجر قد سمع الناس بوجدي بكم … فمنهم اللاّئم والعاذر قال فشهر أمر عبد الرحمن القس حتى نسبها الناس إليه فقالوا: سلامة القس، وفي سلامة يقول عبد الله بن قيس الرّقيّات: لقد فتنت ريّا وسلاّمة القسّا … فلم تتركا للقسّ عقلا ولا نفسا فتاتان أمّا منهما فشبيهة … هلالا وأخرى منهما تشبه الشّمسا يكنّان أبشارا رقاقا وأوجها … عتاقا وأطرافا مخضّبة ملسا (١) وغنى في الشعر مالك بن أبي السّمح. وفيها يقول ابن قيس أيضا: أختان إحداهما كالشمس طالعة … في يوم دجن وأخرى تشبه القمرا (٢) أبو الحسن علي بن محمد المدائني عن ابن جعدبة قال: قدم يزيد بن عبد الملك المدينة في خلافة سليمان أخيه، فتزوج سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان على عشرين ألف دينار وربيحة بنت محمد بن

стр. 3275

عبد الله بن جعفر على مثل ذلك، فلما ولي الخلافة اشترى سلامة القس من سهيل بن عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف دينار، ويقال ان التي تزوج: رقية بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان، وتزوجه سعدة أثبت. وقال المدائني: كانت حبّابة تسمى الغالية، وكانت لرجل من الموالي بالمدينة، فلما قدم يزيد وتزوج ابنة عبد الله بن عمرو وربيحة بنت محمد، اشترى الغالية من مولاها بأربعة آلاف دينار. وبلغ ذلك سليمان فقال: لأحجزنّ على هذا المائق السفيه، فلما بلغه قول سليمان استقال مولى الغالية فأقاله وشخص بها مولاها إلى إفريقية فباع الغالية هناك. فلما استخلف يزيد واشترى سلامة من مولاها، قالت له ابنة عبد الله بن عمرو بن عثمان امرأته: هل بقي لك من الدنيا شيء مما تحبه لم تنله؟ قال: نعم الغالية، وقد بلغني أنها بيعت بإفريقية. فبعثت بعض مواليها إلى إفريقية فاشتراها بأربعة آلاف دينار، وقدم بها فهيأتها ابنة عبد الله بن عمرو وأجلستها في البيت، وقالت ليزيد: إن رأيت الغالية تعرفها؟ قال: نعم لقد رأيتها فما أنساها، فرفعت الستر فرآها فقال: هي هذه. قالت: فهي لك، وأخلتها فسماها حبّابة، وحظيت ابنة عبد الله بن عمرو عنده. وخطب يزيد إلى خالد بن عبد الله بن عمرو وأخي مسعدة، ابنة أخ له فقال: أما يكفيه أن أختي عنده حتى يخطب إليّ بنات أخي؟ فغضب يزيد من ذلك، فقدم خالد يسترضيه فبينا هو في فسطاطه أتته جارية لحبابة في خدمها فقالت: مولاتي تقرأ عليك السلام وتقول: قد كلمت أمير المؤمنين فيك فرضي عنك فارفع إليّ حوائجك، فرفع رأسه إلى من حضر فقال:

стр. 3276

ومن مولاتها؟ فقالوا: حبّابة وحدثوه حديثها فقال للجارية: ارجعي إلى مولاتك فقولي لها إن للرضى عني سببا لست به. فشكت حبابه ذلك إلى يزيد فغضب، وأرسل إلى خالد، أعوانا، ومعهم خدم حبابة فاقتلعوا فسطاطه وقطعوا أطنابه حتى سقط عليه وعلى من معه، فقال: ويلكم ما هذا؟ قالوا: رسل حبابة. فقال: ما لها أخزاها الله؟ ما أشبه رضاها بغضبها. وذكروا أن يزيدا أقبل يوما يريد البيت الذي فيه حبابة، فقام من وراء الستر فسمعها ترنم وتقول: كان لي يا يزيد حبّك حينا … كاد يقضي عليّ يوم التقينا فرفع الستر فوجدها مضطجعة محولة وجهها إلى الحائط، فعلم أنها لم تعلم به ولم ترده بما قالت في ذلك الوقت ليسمعه فألقى نفسه عليها يقبلها وحركت منه. قالوا: وجلس يزيد يوما وحبّابة عن يمينه، وسلاّمة عن يساره، فغنّتا فطرب، ثم قال لحبابة: غنّي صوتا. فغنت: وبين التّراقي واللهاة حرارة … مكان الشّجا (١) ما تطمئنّ فتبرد فقال: أطير. ومدّ يديه. فقالت: كما أنت. إن لنا فيك حاجة. فقال: والله لأطيرنّ. قالت: فعلى من تخلف الخلافة والملك؟ قال: عليك والله.

стр. 3277

المدائني قال: غنت حبابة يوما، فطرب يزيد طربا شديدا، فقال: يا حبيبتي هل رأيت أطرب مني قطّ، قالت: نعم معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار، فكتب إلى عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس عامله على المدينة في إشخاصه إليه، فأشخصه مكرما، فلما بلغه ما أراده له قال: سوءة أعلى كبر السن يستدعى طربي. فلما قدم على يزيد، دعا يزيد لنفسه بطنفسة خزّ ودعا له بمثلها، وأمر فأتي بجامين مملوئين مسكا فوضعت بين يديه واحدة، وبين يدي معاوية واحدة، ثم دعا بحبابة فغنت، فأخذ معاوية وسادة فوضعها على رأسه وجعل يدور في البيت ويصيح: الدّجر (١) بالنّوى، الدجر بالنوى، فأعجب به يزيد، فضحك وأمر له بثمانية آلاف دينار. وحدثني صاحب لي عن الزبير بن بكار الزبيري أن يزيد بن عبد الملك قال لحبّابة وسلاّمة: أيتكما غنتني ما في نفسي فلها حكمها، فغنّته سلاّمة، فلم تصب إرادته، ثم غنته حبابة: خلق من بني كنانة حولي … بفلسطين يسرعون الرّكوبا فأصابت ما في نفسه، فقال: احتكمي. قالت: تهب لي سلاّمة ومالها. قال: اطلبي غيرها، فأبت، فقال: خذيها ومالها ففعلت، فتداخل سلامة من ذلك أمر جليل، فقالت له حبابة: لن ترى مني خيرا، فسألها يزيد أن تبيعها منه بحكمها فقالت: اشهد أنها حرة فاخطبها إليّ حتى أزوجك إياها فأكون قد زوجتك مولاتي، فضحك.

стр. 3278

وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن ابن كناسة أخبره أنّ حبّابة وسلاّمة اختلفتا في صوت لمعبد وهو: ألا حيّ الدّيار بسعد إني … أحبّ لحبّ فاطمة الدّيارا فبعث يزيد إلي معبد، فأتي به فسأله عما بعث له إليه فأخبر، فقال: لأيّتهما المنزلة؟ فقيل: لحبابة. فلما عرضتا الصوت عليه قضى لحبابة فقالت سلامة: والله ما قضى لها إلا لحظوتها، وإنه ليعلم أني المصيبة ولكن ائذن لي يا أمير المؤمنين في صلته فإن له حقا، فأذن لها. قال معبد، فكانت أوصل لي من حبابة. قالوا: ودخلت حبابة ذات يوم على يزيد، وعلى يدها دف وهي تغني: ما أحسن الجيد من مليكة واللّبـ … ـات إذ زانها ترائبها يا ليتني والإله إذ هجع الناس … ونام الكلاب صاحبها في ليلة لا نرى بها أحـ … ـد يخبر عنا إلا كواكبها والغناء لابن سريج، فقام إليها يزيد فقبل يدها، فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك. وقال أبو الحسن المدائني: مرضت حبابة فقعد يزيد عند رأسها، وقال: كيف أنت بأبي؟ فلم تجبه، فبكى. ويقال كان يزيد وحبابة في بستان فضاحكها ومازحها فأخذ حبة من عنب فحذفها بها فدخلت في فمها فأصابها شرق، وكان ذلك سبب مرضها الذي ماتت منه. وقال هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: قال مسلمة بن عبد الملك: خرجت مع يزيد في جنازة حبابة فجعلت أعزيه وأسليه وهو ضارب بذقنه

стр. 3279

على صدره ما يجيبني بكلمة، فلما انصرفنا ودنا من باب القصر قال: فإن تسل عنك النفس أو تدع الصّبا … فباليأس تسلو عنك لا بالتّجلّد (١) ثم دخل قصره فوالله ما خرج منه إلا ميتا لحزنه وكمده عليها. وقال أبو الحسن المدائني: لما دفن يزيد حبابة مرض فمات بعد أربعين ليلة، ويقال بعد خمس عشرة ليلة. وقال رجل من أهل الشام: أتى يزيد من ناحية الأردن، وحبابة معه، فماتت فمكث ثلاثا لا يدفنها حتى أنتنت، وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي، فكلم في أمرها حتى أمر بدفنها، فحملت في نطع وخرج بها وهو معهم حتى أجنّها، ثم أنشد قول كثير: فإن تسل عنك النفس أو تدع الصّبا … فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد فما مكث إلا أياما حتى دفن إلى جانبها. وروى الهيثم بن عدي عن ابن عياش أن يزيد أراد الصلاة على حبابة، فسأله مسلمة بن عبد الملك ألا يفعل وقال: أنا أكفيك الصلاة عليها، فتخلف يزيد، ومضى مسلمة فأمر بعض أصحابه فصلى عليها. وقال بعضهم: نبئت أن يزيد ضعف حين ماتت حبابة، فلم يستطع الركوب من الجزع، وعجز عن المشي فأمر مسلمة فصلى عليها، ثم قال يزيد: إني لم أصلّ عليها فانبشوا عنها وأخرجوها حتى أصلي عليها، فقال له مسلمة: أنشدك الله أن تفعل فأمسك، ولم يزل كئيبا، ولم يأذن للناس عليه إلا مرة واحدة حتى مات، وصلى عليه مسلمة.

стр. 3280

وقال المدائني: جعل يزيد يطوف في داره فيقف على المواضع التي كانت تقعد فيها، فبينا هو كذلك إذ سمع وصيفة كانت لها تنشد: كفى حزنا للهائم الصّبّ أن يرى … منازل من يهوى معطّلة قفرا فبكى. وكان يجلس تلك الوصيفة عنده فيحدثها ويذاكرها أمر حبابة، ويأنس بها حتى مات. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: أراد يزيد أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز في بعض أيامه، فبدا لحبابة هجران منه فأرسلت إلى الأحوص وكان مقيما عنده: أنشد أمير المؤمنين شيئا يدعوه إلى ترك ما أخذ فيه فأنشده: ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا … فقد غلب المحزون أن يتجلّدا بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لا مني … ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا إذا كنت معزافا عن اللهو والهوى … فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا هل العيش إلا ما تلذّ وتشتهي … وإن لام فيه ذو الشّنآن وفنّدا (١) فقام يزيد وهو يقول: «هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي» حتى دخل على حبابة، وعاد الى أمره الأول، ثم ماتت فجزع عليها، وخرج حاملا جنازتها حتى كلمه مسلمة في ذلك، فرجع الى قصره، ومات بعدها بخمسة عشر يوما. وقال المدائني: لم يعلم بموت يزيد بن عبد الملك حتى سمعوا صوت سلامة من فوق القصر وهي تقول:

стр. 3281

قد لعمري بتّ ليلي … كأخي الداء الوجيع ويبيت الحزن منّي … دون من لي من ضجيع كلما أبصرت ربعا … خاليا فاضت دموعي موحشا من سـ … ـيّد كان لنا غير مضيع وا أمير المؤمنيناه قال: والشعر لبعض الأنصار إلا البيت الأخير. وقال بعض الرواة: اشترى يزيد حبّابة وسلاّمة بمائتي ألف دينار، والأول أثبت.

стр. 3282

أمر عمر بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك حدثني جماعة من أهل العلم سقت حديثهم ورددت من بعضه على بعض قالوا: قدم عمر بن هبيرة بن معيّة بن (١) سكين بن حديج بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس من البادية فافترض مع مدد أمدّ به بعض ولاة الحرب. وكان يقول: إني لأرجو أن لا تنقضي الأيام حتى ألي العراق. وكان شخص مع عمرو بن معاوية العقيلي في غزو الروم فأتي عمرو بفرس رائع إلا أنه كان إذا دنا منه من خلفه دان رمح، وإن دنا من بين يديه كدم، فكان لا يستطاع ركوبه، فقال عمرو بن معاوية: من ركبه فهو له، فقام ابن هبيرة فشد عليه ثوبه ثم تنحى عن الفرس وأقبل يحضر حتى إذا كان بحيث تناله رجلا ذلك الفرس إن رمحه وثب فصار في سرجه، وطعنه في

стр. 3283

بعض حروبه طاعن فأذراه (١) عن فرسه فسقط إلى الأرض، ثم إنه وثب فاستوى على ظهر فرسه. ولما خلع مطرّف بن المغيرة بن شعبة الحجاج، وأمر الحجاج عدي بن وتاد الإيادي بالمصير إليه من الريّ لمحاربته، كان عمر بن هبيرة بالريّ معه وهو مغمور يومئذ، فسار في جنده، فلما التقى عدي ومطرف، جنح ابن هبيرة إلى صف مطرف فحكّم وتشبّه بمن معه فآمنه مطرف وأمنه، فلما جال الناس ودخل بعضهم في بعض وثب ابن هبيرة على مطرف فضربه فقتله واحتزّ رأسه، ويقال بل قتله غيره واحتز رأسه ودفنه في خيمته، فلما أجلت الحرب وانهزم من بقي من أصحاب مطرف أتى عديا بالرأس فأعطاه مالا وأوفده بالرأس إلى الحجاج، فأوفده الحجاج إلى عبد الملك، فأجاز عبد الملك ابن هبيرة وأقطعه قطيعة ببرزة (٢). ورجع الى الحجاج فحركه في أمور: وجهه إلى كردم بن مرثد الفزاري وهو على جازر (٣) والمدائن في حمل مال فحمله وكان مبلغه ثمانين ألف درهم، ثم هرب فلحق بعبد الملك فقال: أنا عائذ بالله يا أمير المؤمنين من رجل يطلبني بترة وإحنة، قتلت ابن عمه مطرفا وأتيت أمير المؤمنين برأسه ثم رجعت فأراد قتلي، ولست آمن أن ينسبني إلى أمر يكون فيه هلاكي. فقال: أنت في جواري فأقام.

стр. 3284

وكتب فيه الحجاج يحكي أمره وهربه بالمال ويسأل رده إليه، فكتب عبد الملك: أمسك عن ذكره واله عنه. وزوّج عبد الملك ابنا له ابنة للحجاج، فكان عمر بن هبيرة يلطفها بما يلطف به مثلها، ويشير عليها بالرأي، فكتبت إلى أبيها تثني عليه، فكتب إليه الحجاج كتابا لطيفا وأمره أن ينزل به حاجاته. وروي أيضا ان ابن هبيرة قدم الشام في أيام ابن الأشعث يطلب الفريضة، وهو أعرابي، ففرض له مع خريم بن عمرو المرّي في ثلاثين درهما، ثم زيد عشرة مع من شهد الجماجم فكان في أربعين. وكان يأتي كردما، وصار إليه بفارس، فلم يلق منه خيرا، فمر بالمهلّب بن أبي صفرة فلما سلم عليه وكلمه قال: أرآك الحجاج؟ قال: لا. قال: أما لو رآك لاستغنيت عن كردم وأشباهه، وأمر له بعشرة آلاف درهم. فكان يشكر المهلب على ذلك. وقدم بأسراء آل المهلب على يزيد بن عبد الملك حين قدم بهم، فشفع فيهم، وقيل إن الحجاج وجّه إلى مطرّف قبل عدي بن وتاد علقمة بن عبد الرحمن أو خريم بن عمرو، وكان عمر بن هبيرة معه، وقال بعضهم: قاتل خريم مطرفا فقتله، وبعث برأسه إلى الحجاج مع ابن هبيرة والله أعلم. حدثني علي بن المغيرة عن الأصمعي قال: بعث الحجاج خريما فقتل مطرّفا وبعث برأسه مع ابن هبيرة فزاده الحجاج على رزقه عشرة فصار رزقه خمسين درهما، ثم أوفده الحجاج بالرأس إلى عبد الملك، فزاده في رزقه عشرة تتمة ستين، وأقام بالعراق حتى وليه يزيد بن المهلب فوصله بثلاثة آلاف درهم، دفعها إليه مروان بن المهلب.

стр. 3285

ثم أتى كردما وهو على خراج فارس من قبل الحجاج، والمهلب بإزاء الخوارج بشيراز، فلم يصنع به كردم خيرا فأتى المهلب فلما كلمه قال: أنت والله أحق بالعمل من ابن عمك، وأمر له بعشرة آلاف درهم وذلك قبل صلة يزيد إيّاه بالثلاثة الآلاف بحين. قال: وهمّ ابن عاتكة بسبي نساء آل المهلب، فطلب إليه ابن هبيرة فيهنّ، فكتب كتبا كثيرة حتى كفّ، فكان ذلك مما يعدّ من شكر ابن هبيرة للمهلب ويزيد ابنه. المدائني قال: غلبت حبابة على يزيد بن عبد الملك، وانقطع إليها عمر بن هبيرة، وكان يهدي إليها، فلطفت منزلته من يزيد حتى كان يدخل عليه في أي الأوقات شاء. قال: وحسد قوم من بني أمية مسلمة بن عبد الملك وقدحوا فيه عند يزيد، وقالوا: وليته العراق فإن اقتطع من خراجه شيئا أجللته عن تكشيفه لسنّه وبلائه وحقه، وقد علمت أن أمير المؤمنين عبد الملك لم يطمع أحدا من أهل بيته في ولاية الخراج، فوقع ذلك في نفس يزيد وعزم على عزله. وعمل ابن هبيرة في ولاية العراق من قبل حبابة، فكانت تعمل له في ذلك حتى ولاه إياها يزيد. وقال المدائني والهيثم بن عدي: كان الذي بين عمر بن هبيرة وبين القعقاع بن خليد العبسي سيئا وكانا يتحاسدان فقيل للقعقاع: إن ابن هبيرة قد أشرف على ولاية العراق. قال: ومن يطيق ابن هبيرة. حبابة بالليل وهداياه بالنهار، فلم تزل حبابة تعمل لابن هبيرة حتى ولي العراق. وماتت حبابة فقال القعقاع:

стр. 3286

هلمّ فقد ماتت حبابة سامني … بنفسك تقدمك الذّرا والكواهل أغرّك أن كانت حبابة مرّة … تميحك فانظر كيف ما أنت فاعل فأقسم لولا أنّ فيك نغالة … وبخلا وغدرا سوّدتك القبائل المدائني قال: قاول ابن هبيرة القعقاع فقال لابن هبيرة: يا بن اللخناء. فقال عمر: يا بن الفحواء (١) قدّمتك أعجاز النساء وقدمتني صدور القنا. وأراد مسلمة أن يفد إلى يزيد فقال له الأصمّ عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي: إنك لذو عهد به قريب فأقم، فأبى فقال له عبد العزيز: إن لم تقم فأول من يلقاك عامل على عملك، فلقيه ابن هبيرة مقبلا إلى العراق فأعظم مسلمة وترجل له، فقال له: إلى أين يا بن هبيرة؟ قال بعثني أمير المؤمنين لاصطفاء أموال بني المهلب. فقال: في حفظ الله، فلما خرج قال له الأصم: والله ما هو إلا وال مكانك. وولي العراق وخراسان فقال الفرزدق: راحت بمسلمة البغال مودّعا … فارعى فزارة لا هناك المرتع ولقد علمت إذا فزاره أمّرت … أن سوف تطمع في الإمارة أشجع وأرى البلاد تنكّرت أعلامها … حتى أميّة عن فزارة تنزع نزع ابن بشر وابن عمرو قبله … وأخو هراة لمثلها يتوقّع (٢)

стр. 3287

عبد الملك بن بشر، ومحمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة، وأخو هراة: سعيد بن عبد العزيز خدينة، فعارضه خليفة بن براز الأقطع مولى بني قيس بن ثعلبة فقال: قل للفرزدق ان فزارة ارتعوا … فانهوا قيون مجاشع أن يجزعوا في أبيات. فعرض لخليفة حكم القرد مولى بني الهجيم فقال: إليّ هلمّ دون أبي فراس … فقد لاقيت أشوس ذا مراس قالوا: ولما قدم ابن هبيرة شخص عبد الملك بن بشر، واستخلف على البصرة شريك بن معاوية الباهلي أحد بني قتيبة بن معن، فأقره ابن هبيرة يسيرا ثم عزله، وولى سعيد بن عمرو الحرشي البصرة، فولى شرطه شريك بن معاوية، وكان شريك يلقب: مقابل الريح، وكان أدلم (١) طوالا يقابل الريح فيقول: شمال جنوب، صبا دبور. فقيل مقابل الريح. ثم عزل ابن هبيرة سعيد الحرشي، وولاه خراسان، واستعمل على البصرة حسان بن مسعود بن عبد الرحمن بن مسعود الفزاري، وكان فراس بن مسعود زوج أم ابن هبيرة، وكان ابن هبيرة زوج أم حسان بن مسعود، ثم عزل حسان وولى البصرة فراس بن سمّي الفزاري فولى شرطته محمد بن رباط الفقيمي، فهجا الفرزدق ابن رباط فقال: بكى المنبر الشرقيّ والناس إذ رأوا … عليه فقيميا قصير القوائم أليس عجيبا أن يسود محمد … ألا تلك من إحدى الدواهي العظائم (٢)

стр. 3288

وأرسل فراس بن سميّ يطلب الفرزدق فحذره فهرب، فأرسل إلى النّوار امرأته فحبسها، ولحق الفرزدق بالبادية، ثم لحق بيزيد بن عبد الملك، وقال ليزيد: سبقت إليك الطالبين وإنهم … لخلفي وقدّامي على كلّ مرصد (١) فأجاره ووصله وأحسن الأحوص محضره عنده. قالوا: وعزل ابن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي عن خراسان، وولاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، فلما قدم على سعيد قيده وحمله إلى ابن هبيرة، وكان ابن هبيرة أمره بذلك، فلما أدخل اليه قال له ابن هبيرة: يا بن نسعة فعلت وفعلت. قال: يا بن بسرة لم أفعل، فغضب ابن هبيرة فأمر به فضرب مائة سوط وعذب ثم نفخ في دبره بكير وأمر به فحبس. بسرة بنت الحارث بن عمرو بن حرجة الفزاري. وقال لمعقل بن عروة القشيري: قدمت العراق فوجدت سعيدا صعلوكا خاملا فوليته خراسان، فبعث إليّ ببرذونين أعرجين ودعوته لأعاتبه وقلت له: يا بن نسعة فقال لي: يا بن بسرة، فقال معقل: أو فعل ابن الزانية؟. قال: نعم، فأتاه معقل وهو في السجن فقال له: يا بن نسعة التي اشتريت بثمن عنزة جرباء فكانت رافعة رجلها للصادر والوارد، أجعلتها إلى ابنة الحارث بن عمرو بن حرجة! فلما قدم خالد بن عبد الله واليا على العراق استعداه سعيد على معقل، فضربه له الحدّ، فقال رجل من بني كلاب لمعقل: يا بن عروة

стр. 3289

كيف رأيت عاقبة الظلم، ظلمت ابن عمك فضربك حدا، وتركك لا تقبل لك شهادة أبدا. فقال معقل: فهل لك أن ألتحك (١) بمثلها وتحدّني؟. قال: لا والله وما حاجتي إلى ذلك؟. وقال سعيد لمعقل: والله لولا ما أوهى مني ابن هبيرة لثقبت عن جوفك بخمسة أسواط. وكان يقول: أوهى ابن هبيرة فعل الله به وفعل مني بصرا حديدا، وساعدا شديدا. وقال عمر بن هبيرة لجلسائه: من رجل قيس الذي يقوم بأمرها إن اضطرب الحبل؟ قالوا: الأمير، قال: ما صنعتم شيئا. أما الذي تلقي إليه قيس مقاليدها فالأحمر الذي لو تورى ناره أتاه عشرون ألفا لا يسألونه لم دعوتنا، الهذيل بن زفر بن الحارث. وأما فارسها فهذا الحمار المحبوس - يعني سعيد بن عمرو الحرشي، ولقد هممت بقتله، وأما لسانها فالأصمّ عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، وأما داهيتها فعثمان بن حيان المرىّ، وأما أعطف قيس عليها وأبرّها بها، فعسيت أن أكونه. فقال له أعرابي من بني فزارة: ما أنت أيها الأمير كما وصفت. قال: وكيف ويحك؟ قال: لأنك لو كنت أبرّها لم تحبس فارسها، ثم تهمّ بقتله. قالوا: وولى ابن هبيرة مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة ثم عزله فقال له: أعزلتني عن خيانة أو تقصير في جباية؟. فقال: لا، فارجع إلى عملك. فقال: ما كنت لألي إلاّ أجلّ منه. فولاه أصبهان، ثم فعل به

стр. 3290

مثل ذلك فقال له هذا القول حتى ولاه خراسان وقال له: لا تتخذنّ في عملك ضيعة فيصغر قدرك عند أهله، ولا تتجرنّ في عملك فتغشّ رعيتك، وإن اشتكي إليك عامل فاعزله. قال المدائني: لقي رجل رجلا من فزارة فقال له: من أين أقبلت؟. فقال: من عند ابن عمنا عمر بن هبيرة، فوالله لقد كلمته في سيد قيس سعيد بن عمرو، وكلمته في سيد الموالي جبلة بن عبد الرحمن فوالله ما شفعني، ولقد حملني ووصلني بعشرة آلاف درهم، وإني لذامّ له. المدائني قال: سأل رجل من عبس ابن هبيرة فمنعه، فلما كان الغد أتاه فسأله وقال: أنا العبسي الذي سألك أمس. قال: وأنا الفزاري الذي منعك أمس، فقال: والله ما ظننتك إلا ابن هبيرة المحاربي. قال: فقال: والله أهون لك عليّ يموت مثله من قومك فلا تعلم بموته، وينشأ مثلي في قومك فلا تعرفه. وولى عمر بن هبيرة أعرابيا من فزارة عملا فلما رأى الناس يهدون في يوم النوروز أهدى إلى ابن هبيرة ضبّا وقال: حبا الجام عمال الخراج وحبوتي … محذّفة الأذناب صفر الشّواكل رعين الرّبا والهجل (١) … حتى كأنما كساهنّ سلطاني ثياب المراجل سيحل بمهديه لعمري فضيلة … على كلّ حاف من معدّ وناعل

стр. 3291

وولى ابن هبيرة رجلا همذان فأتى ما سبذان، فأخذ عاملها فقيده، فقال له العامل ووجوه أهل البلد: انظر في عهدك فنظر فإذا هو همذان فقال: خذوا عاملكم لا بارك الله لكم فيه. وأتى همذان، فعمد إلى رجل عليه خراج فنصبه ثم رماه بسهم فقتله، فأعطوه خراجهم مبادرين، ولم يلتووا عليه في درهم فما فوقه. المدائني قال: ألقى ابن هبيرة إلى مثجور بن غيلان بن خرشة الضبّي فصّا أزرق، فقال له: اجعله في خاتمك فإنه حسن - يريد قول الشاعر: لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر … كما كلّ ضبّي من اللؤم أزرق فشدّ مثجور على الفص سيرا ثم ردّه عليه - يريد قول سالم بن دارة: لا تأمننّ فزاريا خلوت به … على قلوصك واكننها بأسيار فقال ابن هبيرة: خرج منها. قالوا: وتنبّى في ولاية ابن هبيرة رجلان: ضبيّ يقال له الأخطل، ورجل من الموالي يقال له سعيد، فكتب إلى يزيد في أمرهما، فكتب: اقتلهما، فقتلهما. العمري عن الهيثم بن عدي عن عطاء قال: دخلت امرأة جميلة على عمر بن هبيرة، فشكت زوجها وهو شيخ كبير فقال الشيخ: والله إنهم ليعلمون أني أقضي حقوقها وأقوم بنوائبها. فقال للمرأة: يا عدوة الله أحين أدبر غزيره وأقبل هزيره (١)، إن دخل ذل وإن خرج ظن نشزت عنه تريدين البدل منه؟. خذ عدوة الله فأدخلها أضيق بيوتك ثم أوجعها ضربا.

стр. 3292

المدائني عن المفضل بن فضالة قال: بعث ابن هبيرة إلى الحسن والشعبي، فاجتمعا عنده، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك عبد من عباد الله أخذ عهده لهم وأعطوه عهودهم أن يسمعوا له ويطيعوا، وإنه يأتيني منه أمور لا أجد من إنفاذها بدّا، والحسن ساكت، فقال له: ما تقول يا أبا سعيد؟. قال: إنّ الله مانعك من يزيد، وإن يزيدا غير مانعك من الله، وإنه يوشك أن ينزل بك أمر من السماء فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فلا يوسعه إلا عملك، يا بن هبيرة إني أنهاك عن الله أن تتعرّض له، فإن الله إنما جعل السلطان ناصرا لدين الله وعباده، فلا تركبوا عباد الله بسلطان الله فتذلوهم، وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق. المدائني قال، أتي ابن هبيرة بقوم فأراد ضربهم فقال له عامر الشعبي: أصلح الله الأمير إن أول من وضع الحبس كان حليما فمر بحبسهم إلى أن تنظر في أمرهم، فقال: صدقت، وحبسهم. المدائني: لما ولي عمر بن هبيرة العراق أراد الخيانة فخاف وكان صالح بن عبد الرحمن عند يزيد بن عبد الملك، فقال لكاتبه ابن عبدة العنبري: هل إلى صالح سبيل؟. قال: لا والله وكيف وهو أعفّ الناس إلا أن تظلمه، قال: فكيف لي بظلمه؟. قال: إنه كان دفع إلى يزيد بن المهلب ستمائة ألف درهم ولم يأخذ بها منه براءة، فكتب ابن هبيرة إلى يزيد بن عبد الملك، إنّ لي إلى صالح حاجة فإن رأى أمير المؤمنين أن يوجهه إلي فعل، قال: فدعا يزيد صالحا فأخبره فقال: والله ما به إلي حاجة ولقد تركت العراق ولو أتاه أكمه أبكم عرف ما فيه، فكتب ابن هبيرة يذكر ما قبله

стр. 3293

من المال، فدعاه يزيد فأعلمه ذلك فانتفى منه وقال: والله ما بقي عليّ درهم، قال: فانطلق إليه ليحاسبك ثم تعود. فانحدر إلى العراق فأمر به ابن هبيرة فعذّب، فكان كلما عذّب بنوع من العذاب قال: هذا القصاص قد كنت أعذب الناس بمثل هذا. حتى عذب بنوع من العذاب يدعى الفزاري فقال: هذا مما لم أعذّب به. وكان إياس بن معاوية المرّي دلّ ابن هبيرة على ذلك، فلما ألح ابن هبيرة على صالح بالعذاب جاء جبلة بن عبد الرحمن أخو صالح، وجيهان بن محرز، والنعمان الكسكري فضمنوا صالحا وما عليه فقال الكاتب: أحضروا المال، قالوا: أقبل الليل، فأعلم الكاتب ابن هبيرة ذلك فلم يخرج إليهم حتى أمسوا وانصرفوا، وأصبح صالح ميتا على مزبلة ألقي عليها ليلا وبه رمق حتى مات. وقال أبو عبيدة: كان محمد بن سعد، كاتب يزيد بن عبد الملك، هو الذي عمل في حدر صالح إلى ابن هبيرة، وذلك أن يزيد بن عبد الملك كان ولى صالحا خراج العراق، وخاف مسلمة على إقطاعه، فقال ابن سعد لصالح: احمل إلي مائتي ألف درهم. فقال: ومن أين أحملها فوالله ما في مالي سعة لها، وما كنت لأخون أمير المؤمنين. فلما أفضى ابن سعد إلى صالح بذلك وجل منه، فعمل فيه حتى حدّره إلى ابن هبيرة، وكان ابن سعد هذا مولى لبعض اليمانية وكان قد ولي قسمة أرزاق أهل اليمامة فأتاه جرير فحرمه، فقال جرير: تظلّ عيالي لا فواكه عندهم … وعند ابن سعد سكّر وزبيب وقد كان ظنّي بابن سعد سعادة … وما الظنّ إلاّ مخطئ ومصيب

стр. 3294

فإن ترجعوا رزقي إليّ فإنّه … متاع ليال والأداء قريب (١) قالوا: وكان ابن هبيرة أول عمال العراق اختان، فقال يوما لإياس بن معاوية: ما يقول الناس فيّ؟ قال: خيرا أيها الأمير، قال: أسألك بالله لما صدقتني. قال إياس: فقلت في نفسي: والله لأؤثرنّ الله عليك، فقلت له: يزعم الناس أن ثم أمير يصانع بالمال، فإذا أتي به جاءت فلانة جاريته فاحتملته. فقال ابن هبيرة: ما يخفى على الناس شيء. ولم يعزل يزيد ابن هبيرة حتى عزله هشام حين استخلف، وولى العراق خالد بن عبد الله القسري. المدائني قال: أتى ابن سيرين واسطا فسأله ابن هبيرة عن البصرة فقال: تركت العلم بها فاشيا. فغضب ابن هبيرة، وأبو الزناد عنده فجعل يقول إنه شيخ، ثم عرض شيء تكلم فيه فضحك ابن هبيرة، وأمر لابن سيرين بمال فلم يقبله، فقال إياس بن معاوية: ألا تقبل صلة الأمير؟ فقال: إن كان صدقة فلا حاجة لي فيها وإن كان لما علّمني الله فلست آخذ عليه أجرا، فأعجب به ابن هبيرة. المدائني قال: التقى عمرو بن مسلم وجبلة بن عبد الرحمن في طريق ضيقة من طرق واسط، لا يجوز فيها فارسان، فقال عمرو لجبلة: ارجع، فقال: بل ارجع أنت فإنك أقرب إلى السعة مني، فقال: ارجع وإلا وضعت السوط بين أذنيك، ثم ضرب رأس بغلة عمرو حتى رجعت، وتحدث أهل واسط بذلك وأرادوا الإيقاع به، فاستجار بالقصابين فحموه،

стр. 3295

وقدم ابن هبيرة فحبسه، ثم دعا به فلما كلمه أعجب به وقال: قبّح الله من ضيّع مثلك، وأنشد: أكمّثرى يزيد الحلق لينا … أحبّ إليّ أم تين نضيج يعرّض له بولاية نهاوند أو كرمان. فقال: تين نضيج، فأطلقه وعقد له على كرمان، وعقد يومئذ لمسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي على خراسان، فقال جبلة: كان هذا يتبعني طمعا في أن أولّى عملا أوليّه بعضه قرية أو قريتين، ثم هو اليوم يعقد له على خراسان، ويعقد لي على كرمان. وقال أبو عبيدة: أخرج جبلة إلى ابن هبيرة مقيدا فقال ابن هبيرة: ولقد جريت لما ترى من غاية … فاصبر لما جرمت يمينك حار فقال جبلة: لعمرك ما جنيت على سليم … بأشعاري فيهجوني الشّريد وأودع ابن هبيرة قوما أموالا، فأخذ سيرا فلواه على عود ثم كتب عليه: عند فلان كذا وعند فلان كذا، فلما نشره ورمى بالعود جاء الكتاب مفرّق الحروف لا تجتمع لقارئها، فكان يلوي ذلك السير على عود فتجتمع (١).
следующие страницы →