وولى ابن هبيرة رجلا همذان فأتى ما سبذان، فأخذ عاملها فقيده، فقال له العامل ووجوه أهل البلد: انظر في عهدك فنظر فإذا هو همذان فقال: خذوا عاملكم لا بارك الله لكم فيه.
وأتى همذان، فعمد إلى رجل عليه خراج فنصبه ثم رماه بسهم فقتله، فأعطوه خراجهم مبادرين، ولم يلتووا عليه في درهم فما فوقه.
المدائني قال: ألقى ابن هبيرة إلى مثجور بن غيلان بن خرشة الضبّي فصّا أزرق، فقال له: اجعله في خاتمك فإنه حسن - يريد قول الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر … كما كلّ ضبّي من اللؤم أزرق
فشدّ مثجور على الفص سيرا ثم ردّه عليه - يريد قول سالم بن دارة:
لا تأمننّ فزاريا خلوت به … على قلوصك واكننها بأسيار
فقال ابن هبيرة: خرج منها.
قالوا: وتنبّى في ولاية ابن هبيرة رجلان: ضبيّ يقال له الأخطل، ورجل من الموالي يقال له سعيد، فكتب إلى يزيد في أمرهما، فكتب:
اقتلهما، فقتلهما.
العمري عن الهيثم بن عدي عن عطاء قال: دخلت امرأة جميلة على عمر بن هبيرة، فشكت زوجها وهو شيخ كبير فقال الشيخ: والله إنهم ليعلمون أني أقضي حقوقها وأقوم بنوائبها. فقال للمرأة: يا عدوة الله أحين أدبر غزيره وأقبل هزيره (١)، إن دخل ذل وإن خرج ظن نشزت عنه تريدين البدل منه؟. خذ عدوة الله فأدخلها أضيق بيوتك ثم أوجعها ضربا.
стр. 3292
المدائني عن المفضل بن فضالة قال: بعث ابن هبيرة إلى الحسن والشعبي، فاجتمعا عنده، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك عبد من عباد الله أخذ عهده لهم وأعطوه عهودهم أن يسمعوا له ويطيعوا، وإنه يأتيني منه أمور لا أجد من إنفاذها بدّا، والحسن ساكت، فقال له: ما تقول يا أبا سعيد؟. قال: إنّ الله مانعك من يزيد، وإن يزيدا غير مانعك من الله، وإنه يوشك أن ينزل بك أمر من السماء فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فلا يوسعه إلا عملك، يا بن هبيرة إني أنهاك عن الله أن تتعرّض له، فإن الله إنما جعل السلطان ناصرا لدين الله وعباده، فلا تركبوا عباد الله بسلطان الله فتذلوهم، وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق.
المدائني قال، أتي ابن هبيرة بقوم فأراد ضربهم فقال له عامر الشعبي:
أصلح الله الأمير إن أول من وضع الحبس كان حليما فمر بحبسهم إلى أن تنظر في أمرهم، فقال: صدقت، وحبسهم.
المدائني: لما ولي عمر بن هبيرة العراق أراد الخيانة فخاف وكان صالح بن عبد الرحمن عند يزيد بن عبد الملك، فقال لكاتبه ابن عبدة العنبري: هل إلى صالح سبيل؟. قال: لا والله وكيف وهو أعفّ الناس إلا أن تظلمه، قال: فكيف لي بظلمه؟. قال: إنه كان دفع إلى يزيد بن المهلب ستمائة ألف درهم ولم يأخذ بها منه براءة، فكتب ابن هبيرة إلى يزيد بن عبد الملك، إنّ لي إلى صالح حاجة فإن رأى أمير المؤمنين أن يوجهه إلي فعل، قال: فدعا يزيد صالحا فأخبره فقال: والله ما به إلي حاجة ولقد تركت العراق ولو أتاه أكمه أبكم عرف ما فيه، فكتب ابن هبيرة يذكر ما قبله
стр. 3293
من المال، فدعاه يزيد فأعلمه ذلك فانتفى منه وقال: والله ما بقي عليّ درهم، قال: فانطلق إليه ليحاسبك ثم تعود.
فانحدر إلى العراق فأمر به ابن هبيرة فعذّب، فكان كلما عذّب بنوع من العذاب قال: هذا القصاص قد كنت أعذب الناس بمثل هذا. حتى عذب بنوع من العذاب يدعى الفزاري فقال: هذا مما لم أعذّب به.
وكان إياس بن معاوية المرّي دلّ ابن هبيرة على ذلك، فلما ألح ابن هبيرة على صالح بالعذاب جاء جبلة بن عبد الرحمن أخو صالح، وجيهان بن محرز، والنعمان الكسكري فضمنوا صالحا وما عليه فقال الكاتب: أحضروا المال، قالوا: أقبل الليل، فأعلم الكاتب ابن هبيرة ذلك فلم يخرج إليهم حتى أمسوا وانصرفوا، وأصبح صالح ميتا على مزبلة ألقي عليها ليلا وبه رمق حتى مات.
وقال أبو عبيدة: كان محمد بن سعد، كاتب يزيد بن عبد الملك، هو الذي عمل في حدر صالح إلى ابن هبيرة، وذلك أن يزيد بن عبد الملك كان ولى صالحا خراج العراق، وخاف مسلمة على إقطاعه، فقال ابن سعد لصالح: احمل إلي مائتي ألف درهم. فقال: ومن أين أحملها فوالله ما في مالي سعة لها، وما كنت لأخون أمير المؤمنين.
فلما أفضى ابن سعد إلى صالح بذلك وجل منه، فعمل فيه حتى حدّره إلى ابن هبيرة، وكان ابن سعد هذا مولى لبعض اليمانية وكان قد ولي قسمة أرزاق أهل اليمامة فأتاه جرير فحرمه، فقال جرير:
تظلّ عيالي لا فواكه عندهم … وعند ابن سعد سكّر وزبيب
وقد كان ظنّي بابن سعد سعادة … وما الظنّ إلاّ مخطئ ومصيب
стр. 3294
فإن ترجعوا رزقي إليّ فإنّه … متاع ليال والأداء قريب (١)
قالوا: وكان ابن هبيرة أول عمال العراق اختان، فقال يوما لإياس بن معاوية: ما يقول الناس فيّ؟ قال: خيرا أيها الأمير، قال: أسألك بالله لما صدقتني. قال إياس: فقلت في نفسي: والله لأؤثرنّ الله عليك، فقلت له: يزعم الناس أن ثم أمير يصانع بالمال، فإذا أتي به جاءت فلانة جاريته فاحتملته. فقال ابن هبيرة: ما يخفى على الناس شيء. ولم يعزل يزيد ابن هبيرة حتى عزله هشام حين استخلف، وولى العراق خالد بن عبد الله القسري.
المدائني قال: أتى ابن سيرين واسطا فسأله ابن هبيرة عن البصرة فقال: تركت العلم بها فاشيا. فغضب ابن هبيرة، وأبو الزناد عنده فجعل يقول إنه شيخ، ثم عرض شيء تكلم فيه فضحك ابن هبيرة، وأمر لابن سيرين بمال فلم يقبله، فقال إياس بن معاوية: ألا تقبل صلة الأمير؟ فقال: إن كان صدقة فلا حاجة لي فيها وإن كان لما علّمني الله فلست آخذ عليه أجرا، فأعجب به ابن هبيرة.
المدائني قال: التقى عمرو بن مسلم وجبلة بن عبد الرحمن في طريق ضيقة من طرق واسط، لا يجوز فيها فارسان، فقال عمرو لجبلة: ارجع، فقال: بل ارجع أنت فإنك أقرب إلى السعة مني، فقال: ارجع وإلا وضعت السوط بين أذنيك، ثم ضرب رأس بغلة عمرو حتى رجعت، وتحدث أهل واسط بذلك وأرادوا الإيقاع به، فاستجار بالقصابين فحموه،
стр. 3295
وقدم ابن هبيرة فحبسه، ثم دعا به فلما كلمه أعجب به وقال: قبّح الله من ضيّع مثلك، وأنشد:
أكمّثرى يزيد الحلق لينا … أحبّ إليّ أم تين نضيج
يعرّض له بولاية نهاوند أو كرمان. فقال: تين نضيج، فأطلقه وعقد له على كرمان، وعقد يومئذ لمسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي على خراسان، فقال جبلة: كان هذا يتبعني طمعا في أن أولّى عملا أوليّه بعضه قرية أو قريتين، ثم هو اليوم يعقد له على خراسان، ويعقد لي على كرمان.
وقال أبو عبيدة: أخرج جبلة إلى ابن هبيرة مقيدا فقال ابن هبيرة:
ولقد جريت لما ترى من غاية … فاصبر لما جرمت يمينك حار
فقال جبلة:
لعمرك ما جنيت على سليم … بأشعاري فيهجوني الشّريد
وأودع ابن هبيرة قوما أموالا، فأخذ سيرا فلواه على عود ثم كتب عليه: عند فلان كذا وعند فلان كذا، فلما نشره ورمى بالعود جاء الكتاب مفرّق الحروف لا تجتمع لقارئها، فكان يلوي ذلك السير على عود فتجتمع (١).
стр. 3296
أمر يزيد بن المهلّب وقصته قبل ولاية يزيد بن عبد الملك وفي
أيامه
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف، وقال المدائني عن أشياخه وغيرهما قالوا: ولى الحجاج المهلب خراسان.
قال المدائني: وبعض ولد المهلب يقول: ولاه إياها عبد الملك بن مروان.
فمات المهلب بزاعول وهي قرية بمرو الرّوذ، وأوصى حبيب بن المهلب أن يسير بجيشه حتى يسلمه إلى يزيد ابنه وكان بمرو. وقال: يزيد خليفتي على خراسان، فتولى يزيد بن المهلب أمر خراسان بعد أبيه، وكان متجبرا متكبرا فبلغ الحجاج عنه ما يكرهه.
ويكتب المفضل بن المهلب وهو أخوه لأمه بهلّة بخبره فيلقيه إليه، فكتب الحجاج إلى حبيب بن المهلب بعد سنة من ولاية يزيد يأمره بالقدوم عليه، فقدم فولاه كرمان، وكتب إلى يزيد أن ابعث إليّ أوثق من قبلك في نفسك، فبعث إليه الخيار بن سبرة المجاشعي، وكان من رجال المهلب وخاصته، فقال له الحجاج: أخبرني عن يزيد، فقال: أخبر سرا أم أخبر علانية؟ قال: بل أخبر سرا، واستدناه فقال: لقد رأيت رجلا إن أقررته
стр. 3297
ولم تهجه فبالحري أن يفي لك، وإن رمت عزله فلا أحسبه والله يعطيك طاعة أبدا. فقال الحجاج: صدقت، فاحتبسه الحجاج عنده ولم يزعجه للرجوع وولاه عمان وأوصاه بإذلال من بها من أهل بيت المهلب وقال: إن الخيار قدم عليّ فرأيت رجلا جزلا ذا عقل فاحتجت إليه لولاية عمان فوليته إياها. ثم إنه كتب إلى يزيد بعد أشهر يعلمه حاجته إلى مشافهته بأمر لا يحتمله الكتاب، ولا تحمله الرسل، فكتب إليه يعتلّ بالعدوّ وبشدة شوكته وانتشاره، فكتب إليه إنه لا بد لك من القدوم، فاستخلف المفضّل أخاك على عملك واقدم عليّ منبسط الأمل، واثقا برأي أمير المؤمنين فيك.
فأشار عليه حضين بن المنذر الرقاشي بالمقام والمدافعة، وأشار عليه المفضّل بالقدوم على الحجاج وقال له: إن شيخنا أوصانا بالطاعة التي هي عزّنا وبها كان نباتنا، وإليها تؤول أمورنا. فقال له: ويحك، لئن طمّعك في ولاية خراسان فولاّك إياها لم يقرّك بعدي إلا يسيرا.
وفكر يزيد فقال: إنّا قوم شرفنا بالطاعة وبورك لنا فيها، فإن خلعنا أيدينا منها غيّرنا ما بنا، والله يقول: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) وأرجو أن لا يقدم الحجاج عليّ بسوء مع رأي أمير المؤمنين عبد الملك في المهلب وولده وحفظه ما كان من آثاره وبلائه، فاستخلف يزيد المفضل، وسار إلى الحجاج حتى إذا صار إلى اصطخر لقيه موت عبد الملك وقيام الوليد بن عبد الملك، فقال: الآن هلكنا. فلما قدم على الحجاج أظهر إكرامه وإعظامه وجعل يسايره إذا ركب ولا يحجب عنه.
стр. 3298
ثم كتب إلى حبيب بن المهلب، وهو الحرون، وكان قتيبة بن مسلم على الريّ ودستبى فكتب إليه بولاية خراسان، وأن يحمل المفضل بن المهلب إلى ما قبله، فقدّم قتيبة عبد الرحمن بن مسلم أخاه خليفة له، وأمره بأخذ المفضل وعماله وكتّابه والاستيثاق منهم إلى قدومه، فلم يشعر المفضل به حتى ورد عليه، فاستوثق منه ومن أصحابه، وقدم قتيبة خراسان فحمله إلى الحجاج فلما توافى عنده: يزيد، وحبيب، والمفضل، وعبد الملك وكان على شرطة البصرة حبسهم أربعتهم، وحبس أبا عيينة بن المهلب، وكان اتهمه بأن لهم أموالا عنده، وكان أبو عيينة هو الذي زوّجه هند بنت المهلب فلم يعبأ بذلك.
وذكروا أنّ يزيد بن المهلب كان يهوى امرأة رجل كان معه من عبد القيس يقال له عليب، فدعاه إلى الشخوص إلى الحجاج فاعتلّ عليه، فدسّ إليه من سقاه شربة فقتله، وحوّل أهله وولده إليه، فكان يأتي المرأة، وبلغ الحجاج ذلك، فلما أراد حبسه بدأ بضربه حدّا وقال له: أتزني وأنت والي خراسان؟ فقال الشاعر:
أيور الناس من عصب ولحم … وأيرك يا بن دحمة من عظام
وأيرك يا يزيد على المخازي … جريء حين يختلط اللّطام
وقال أيضا:
أباح يزيد أيره عرس جاره … وكان يزيد لا يخاف المخازيا
قالوا: وتحركت الأكراد بجبال الأهواز، فسار الحجاج حتى نزل رستقاباذ، وبنو المهلب معه، فعسكر بها وخندق على عسكره، وحبس بني المهلب في حظيرة من قصب بالقرب منه، وأمر فحفر حولها خندق وضربت
стр. 3299
عليهم فساطيط ووكل بهم حرس من أهل الشام، وأمر بعذابهم والبسط عليهم.
وكانت مع الحجاج امرأته هند بنت المهلب فسمعت أصواتهم فصرخت وولولت، فقال الحجاج: يا عدوة الله أتصيحين بحضرتي؟ فقالت له: لا حاجة لي فيك، فطلقها وبعث إليها بمائة ألف درهم فلم تقبلها. ثم إن يزيد بن المهلب بعث إلى يزيد بن أبي مسلم، وكان على خراجه واستخراجه بمال فلم يقبله، وكان صحيحا، وقال: لقد لجأت إلي فوالله لأعملنّ في أمرك عملا، لو كنت قبلت هذا المال منك ما زدت عليه، فكلم الحجاج في أن يكفل ولد المهلب ويوظف عليهم وظيفة جرما يؤدونها، فأجابه إلى ذلك، وسأل يزيد بأن يخرج عبد الملك بن المهلب ليسعى في أمرهم ويبيع خيلهم وغيرها، وأن يوجه حبيبا إلى البصرة ليلقى قوما من صنائعهم وأهل ودائعهم في إعداد ما لهم عندهم وليبيع عقدهم، وجعل يكتب إلى عرفاء الأزد ليأتوه ويجتمعوا عنده فكان كالمناظر لهم في أمر كفالته، وكان يهيئ لهم وللحراس الموكلين بهم طعاما فيعشّيهم، فتعشوا ذات ليلة وقد أظلموا، وأمر فاتخذت له لحية بيضاء مثل لحية طباخه، وللمفضّل لحية صفراء كبعض لحى عرفاء الأزد. فلما تعشى الناس وأزعج الحرس من عند يزيد للانصراف لبس ثيابا مثل ثياب طباخه وربط اللحية، ووضع على رأسه جونة من جون الطعام، ووضع الخباز على رأسه قدرا أو طنجيرا فلم يؤبه لذلك، وخرج المفضل وقد اعتمّ ولحيته صفراء فبادر مع الناس، فخرجا، واحتال عبد الملك بحيلة حتى تخلص من أيدي الموكلين به الذين كانوا
стр. 3300
يدورون معه فاجتمعوا في موضع اتّعدوا للاجتماع فيه، وواعدوا من يقوم بأمرهم وخدمتهم أن يعدوا لهم خيلا من الخيل التي كانوا يظهرون أنهم يريدون بيعها وأداء قيمتها فيما ألزمهم الحجاج إياه، وكان الذي ألزمهم ستة آلاف ألف درهم فساروا ليلتهم حتى صاروا إلى زورق قد أعدّ لهم بجوخى الأهواز، وانتهوا إلى مفتح دجيل الأهواز فركبوا سفينة أعدت لهم أخرى، ثم خرجوا إلى البطيحة، وتوجهوا إلى موضع كان فيه مروان بن المهلب وقد أعدّ لهم نجائب فركبوها وساروا إلى الشام، ودليلهم رجل من كلب يقال له عمارة، واستخفى حبيب بن المهلب بالبصرة في بني راسب، وانغمس مروان وبقي أبو عبيدة في يد الحجاج وطلب القوم فلم يقدر عليهم.
وكان المتوجهون إلى الشام: يزيد، والمفضل، وعبد الملك، وقيل إن مروان كان معهم. وصار هؤلاء إلى فلسطين، وبها سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان واليا عليها من قبل أخيه الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان ولي العهد بعده، فكتبوا إلى رجاء بن حيوة الكندي بخبرهم، وشرحوا له أمرهم، وكان أثيرا عند سليمان جريئا عليه آنسا به، فقال له: إن يزيد بن المهلب قد أتاك مستجيرا بك، فامتعض من ذلك، فقال له رجاء بن حيوة: من ذا يرجوك وأنت ولي عهد وقد استجار بك مثله فلم تجره، ولم يزل به حتى أجاره، ودعا به وبأخويه فأمّنهم، وكتب إلى الوليد يعلمه ذلك، فكتب الوليد إليه فيه كتابا غليظا يعجّزه فيه في أمرهم ويقول: لهممت أن ألزمك ما يطالب به يزيد، وكان كتاب الحجاج قد سبق إليه بخبرهم.
стр. 3301
وكتب الوليد إلى سليمان يعزم عليه أن يحملهم إليه مستوثقا منهم فوجّه بيزيد ومعه ابنه أيوب، وقال له: إذا دخلت على أمير المؤمنين فكن أنت وهو في سلسلة. فلما رآه الوليد قال: إنّا لله، لقد شققنا على سليمان. فحطّ عن آل المهلب ثلاثة آلاف ألف درهم من الستة الآلاف الألف وألزمهم دمشق، فيقال إن سليمان غرمها عنهم، ثم كتب يسأل ردهم إليه ففعل الوليد ذلك.
ويقال إن الوليد نجّمها عليهم، فجمع لهم زمل بن عمرو السّكسكي من أهل دمشق نجما، وجمع لهم يزيد بن حصين بن نمير السّكوني نجما آخر، وسار عبد الملك إلى الشام فجمع لهم مالا عظيما فأدّوا الأنجم.
ثم كتب سليمان إلى الوليد يسأله رد يزيد بن المهلب وأخويه إليه فردّهم، فأقام يزيد عند سليمان مكرّما يؤنسه ويخصّه حتى مات الوليد، وولي سليمان الخلافة.
وقال حضين بن المنذر في مخالفة يزيد إياه حين أمره بترك القدوم على الحجاج:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني … فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
وخاف أن يبلغ الحجاج بيته هذا فزاد فيه:
فما أنا بالباكي عليك صبابة … وما أنا بالداعي لترجع سالما
وقال نهار بن توسعة التيمي من ربيعة، ويقال ابن سحبان الباهلي حين شخص يزيد من خراسان ثم حبس ومعه المفضّل:
أبنيّ بهلة إنّما أخزاكما … ربّي غداة غدا الهمام الأزهر
أغدرتما بأخيكما فوقعتما … في قعر مظلمة أخوها المغور
стр. 3302
عوذا بتوبة مخلصين فإنّما … يأبى ويأنف أن يتوب الأخسر
لله درّ الغافلين لقد عدا … فيهم ندى جمّ وملك قسور
وتبدّلت مرو به لخرابها … والدّهر يتعس بالجدّود ويعثر
عوران باهلة الألى في ملكهم … مات الندى فمضى وعاش المنكر
شتّان من بالصّنج أدرك والذي … بالسيف أدرك والحروب تسعّر
كان مسلم بن عمرو يضرب عند يزيد بن معاوية بالصنج. وقال الفرزدق:
أبا خالد ضاعت خراسان بعدكم … وقال ذوو الحاجات أين يزيد
فلا أمطر المروان بعدك قطرة … ولا اخضرّ بالمروين بعدك عود (١)
وقال الفرزدق حين هرب يزيد وإخوته من حبس الحجاج وأجارهم سليمان بن عبد الملك:
لم أر كالقوم الذين تتابعوا … على الجسر والحراس غير نيام
مضوا وهم مستيقنون بأنّهم … إلى أجل يلقونه وحمام
فساروا إلى أوفى قريش لجاره … وخيرهم من أيمن وشآم (٢)
وقال عمارة الكلبي دليلهم:
وناس من أبناء الملوك هديتهم … بلا علم باد ولا ضوء كوكب
ولا قمر إلا ضئيل كأنّه … سوار حناه صانع السّور مذهب
ألا جعل الله الخلائق كلّهم … فداء على ما كان لابن المهلّب
стр. 3303
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن لوط بن يحيى وعوانة بن الحكم أنّ سليمان كتب إلى الوليد في أمر يزيد بن المهلب: «أما بعد يا أمير المؤمنين فقد كنت أظن أني لو أجرت عدوا منابذا لأجرته ولم تخفر ذمتي، فكيف وإنما أجرت سامعا مطيعا له شرف وسلف، ولأبيه بلاؤه وآثاره، وله نصيحته ومكانفته، وقد بعثت به إليك، وأنا أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من اجترار قطيعتي، وترك برّي وصلتي بإخفار ذمتي وحلّ عقدي، فوالله ما تدري ما بقاؤنا، ومتى يفرّق الموت بيننا، فإن رأى أمير المؤمنين أن لا يأتي علينا أجل الوفاة إلا وهو لي واصل، ولحقي راع، وعن مساءتي نازع، فليفعل وليصفح لي عن يزيد، وكل ما طالبه به الحجاج فإنه عليّ، فعل إن شاء الله، والسلام».
وقام يزيد حين دخل على الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إنّ بلاءكم عندنا أهل البيت أحسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا بناسيه، ومن يكفر فلسنا بكافريه، وقد كان من آثارنا في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم ما المنّة علينا فيه عظيمة. فقال له الوليد: إجلس يا يزيد إجلس، وأمّنه وكتب إلى الحجاج: «إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب وإخوته مع أخي سليمان فاكفف عن آل المهلب جميعا، ولا أعلمنّ ما راجعتني فيهم». فكف الحجاج عنهم وخلّى سبيل أبي عيينة، وظهر مستخفوهم فلحقوا بالشام.
وحج المفضل وعبد الملك، فولى الوليد يزيد بن أبي كبشة السكسكي - وكان صديق الحجاج - حرب العراق، وأقر يزيد بن أبي مسلم على الخراج.
стр. 3304
قالوا: ولما استخلف سليمان بن عبد الملك تتبع من كان بالشام وغير الشام من آل أبي عقيل (١) فدفعهم إلى يزيد، وكان يزيد أول من عزاه بالوليد وسلم عليه بالخلافة، وأمره أن يستأديهم ويبسط عليهم، فولى أمرهم أخاه عبد الملك بن المهلب، فعذب الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف حتى قتله بأمر سليمان.
وألح عبد الملك على يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود وغضب عليه يوما فرماه بسفرجلة فشتر عينه، وكان عبد الملك يوكل به من يحفظه وهو يطوف في غرمه، فدفعه يوما إلى الحارث بن الجهضمي، فخرج يطوف به، وكان الحارث مغفّلا فقال له يوسف: أريد دخول هذه الدار فإن فيها عمة لي أسألها في غرمي شيئا، فتركه فدخل الدار ولها بابان فخرج من الباب الآخر فهرب.
وبعث يزيد بن المهلب إلى البلقاء من عمل دمشق، وبها خزائن الحجاج بن يوسف وعياله فنقلهم وما معهم إليه، وكان فيمن أتى به أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل، وهي بنت أخي الحجاج بن يوسف وكانت امرأة يزيد بن عبد الملك بن مروان، وأم الوليد بن يزيد بن عبد الملك المقتول، فكان عبد الملك يعذبها بأمر أخيه يزيد بن المهلب في منزله، فكلمه فيها فأبى أن يشفعه فيها، فقال: الذي وظفتم عليها عليّ، فأبى قبول ذلك فقال يزيد: أما والله لئن وليت من الأمر
стр. 3305
شيئا لأقطعنّ منك طابقا، فقال يزيد بن المهلب: وأنا والله - فلئن كان ذلك - لأرمينّك بمائة ألف عنان.
وقال قوم: لم يفعل ذلك بأم الحجاج بنت محمد، وإنما فعله بأختها، فجرى هذا القول بينه وبين يزيد بسببها.
وقال أبو الحسن المدائني: زعم قوم أن يزيد بن عبد الملك حمل المال عنها، وكان مائة ألف، ويقال أكثر من ذلك.
قال: ولما مضت لسليمان بن عبد الملك أربعون ليلة من خلافته، ولى يزيد بن المهلب حرب العراق وخراجه فاستقال من الخراج، فأراد أن يولي الخراج يزيد بن أبي مسلم، وكان يزيد بن المهلب وصفه له بالعفاف لتسهيله أمره، فقال عمر بن عبد العزيز: أتولي يزيد بن أبي مسلم؟ فقال يزيد: هو عفيف عن الدراهم، فقال عمر: إن الشيطان أيضا عفيف عن الدراهم لم يأخذ درهما قط.
واستشار سليمان يزيد بن المهلب فيمن يوليه الخراج غير ابن أبي مسلم، فأشار عليه بصالح بن عبد الرحمن وكان صالح مع زاذانفروخ بن بيزى كاتب الحجاج، فلما قتل في أيام ابن الأشعث استكتب ابن زاذانفرّوخ، ثم استكتب صالحا وهو من سبي سجستان، مولى لبني تميم، وقوم يزعمون أنه مولى لباهلة.
وأمر يزيد وهو على العراق باتخاذ ألف خوان ليطعم عليها، فقال له صالح: بيت المال لا يقوم لهذا، ومنعه إياه.
وشخص يزيد بن المهلب إلى العراق وخراسان مضمومة إليه، وتخلف المفضّل وعبد الملك عند سليمان، وكان بهما معجبا، فلما قدم يزيد واسطا
стр. 3306
وجد الجراح بن عبد الله الحكمي على البصرة من قبل يزيد بن أبي كبشة، فكتب إليه في المصير إليه، وولى البصرة رجلا يقال له مروان بن المهلب، وولى سجستان مدرك بن المهلب، وولى عمان زياد بن المهلب، وأمره بقتل الخيار بن سبرة المجاشعي، فقتله فقال الفرزدق:
فلو كنت مثلي يا خيار تعسّفت … بك البيد ضرب العوهجيّ وداعر
ترى إبلا ما لم تحرّك رؤوسها … وهنّ إذا حرّكن غير الأباعر (١)
في أبيات. وولى السند حبيب بن المهلب، وكان قتيبة بن مسلم مباينا لسليمان فخافه حين مات الوليد فخلعه، وذكر عمال خراسان وقبائل من قبائل العرب فعابهم وذمّهم، فاجتمعوا عليه فقتلوه، وقلدوا أمرهم وكيع بن أبي سود التميمي.
وحدثني علي الأثرم عن أبي عبيدة قال: أمر سليمان يزيد ان كان قتيبة لم يخلع أن يقتل وكيعا، وان كان خلع فلا. وبلغت قتيبة ولاية يزيد بن المهلب العراق وخراسان فقال:
رماني سليمان بأمر أظنّه … سيحمله مني على شرّ مركب
رماني بجبّار العراق ومن له … على كل حيّ حدّ ناب ومخلب
فأصبحت للعبد المزونيّ خائفا … وكان أبي قدما على دين مصعب
فقال حضين بن المنذر يرد عليه:
أقتيب قد كسبت يداك خطيئة … فاهرب قتيبة أين منه المهرب
فلأنت أحقر والذي أنا عنده … في عينه من بقّة تتذبذب
стр. 3307
وكتب سليمان إلى يزيد بن المهلب في الشخوص إلى خراسان لإصلاحها، وتسكين الناس بها، ولمّ ما انتشر من أمرها، فاستخلف الجرّاح على العراق، وأتى جرجان ففتحها، وفتح دهستان، وكتب إلى سليمان بفتحهما، وأن قد غنم غنائم عظيمة، فأدّى إلى كل ذي حق حقه وبقي بعد ذلك عنده ستة آلاف ألف درهم، ويقال أربعة آلاف ألف درهم، فلم يصل الكتاب إلى سليمان حتى مات، وكان وروده على عمر بن عبد العزيز، وقد استخلف بعد سليمان، فكتب إليه عمر: «أما بعد فإن سليمان كان عبدا من عبيد الله قبضه إليه بعد نفاد أكله وانقضاء أجله، ثم وليت الأمر بتصييره إليّ، ويزيد بن عبد الملك إن كان من بعدي، وليس الذي ولاني الله من ذلك بهيّن عليّ، ولو كانت رغبتي في اتخاذ الأزواج واعتقاد الأموال كنت قد بلغت من ذلك أفضل ما يبلغه أحد، وقد بايع من قبلنا، فبايع من قبلك، إن شاء الله».
فلما قرأ يزيد الكتاب قال: الرجل عازلنا لا محالة، وكان عمر رأى يزيد يوما، وقد دخل على سليمان مختالا، فقال: إني لأحسب في رأسه غدرة. فقال سليمان: لا تقل هذا يا أبا حفص، وإن يزيد رجل منا، فأغلظ له يزيد، فلما أتى منزله قال: ماذا لقينا من لطيم الحمار.
ثم أتاه يزيد فاعتذر إليه، ولم يلبث يزيد أن كتب إليه عمر يأمره أن يستخلف رجلا ويقدم إلى ما قبله، فاستخلف ابنه مخلد بن يزيد وخرج ومعه وجوه أهل خراسان، وفيهم وكيع بن أبي سود وكان محبوسا قبله فحمله، وكان معه عبد الله بن هلال الهجري الذي يعرف بصديق إبليس،
стр. 3308
فيزعمون أنه قال له: والله لا تدخل البصرة أميرا أبدا، فانتهى إلى واسط وهو أمير.
وقال معمر بن المثنّى أبو عبيدة: قدم يزيد واسطا قبل موت سليمان، وكان مسيره على طريق الرّيّ وحلوان، فكتب إلى سليمان يسأله أن يأذن له في دخول البصرة فأذن له فانحدر وهو لا يعلم بموت سليمان، وقدم عدي بن أرطاة حين قدم واسطا بعد موت سليمان وهو أمير، ثم شخص إلى البصرة فلما دخل نهر معقل وأشرفت له البصرة ورأى الجنيدة التي تسمى الشهارطاق قال: أين ابن هلال قبّحه الله وقبّح علمه الذي يدّعيه، ثم نظر فإذا سفينة كثيرة الجذّافين ليس فيها وطاء، وفيها عدي بن أرطاة الفزاري، وقد ولاه عمر بن عبد العزيز العراق، فقدم واسطا بعد خروج يزيد منها ببعض يوم فاستعجل ليلحقه، فلما لحقه عدي خرج إليه فصار معه في السفينة، ودفع إليه كتاب عمر فقال: سمعا وطاعة، ثم خرجا عند الجسر، وقدمت إلى يزيد الدواب فركب، وأمر فقدمت لعدي ومن معه دواب فركبها.
وحشدت الأزد ليزيد وضربوا قباب الآس، وهم يرون أنه الأمير، وصار عدي إلى دار الإمارة ويزيد معه حتى دخلها، ثم دعا بيزيد فدخل، وكان صالح بن عبد الرحمن مع عدي فقال: قيّده أصلح الله الأمير، فقيّده عدي، فلم يزل محبوسا عنده حتى كتب عمر إليه بحمله.
وقال أبو عبيدة: بل كان في عهده أن يقيّده ويحمله، قالوا: فحمله عدي إلى عمر مع موسى بن الوجيه الحميري، وكان يزيد أخذ موسى بتطليق امرأته، وهي أخت أم الفضل بنت غيلان بن خرشة الضّبي، امرأة يزيد بن المهلب، وقال: لا أرضى بمسالفتك، وضربه حتى طلقها تحت السياط،
стр. 3309
وذلك في أيام سليمان بن عبد الملك، فكان موسى يشتمه في طريقه ويزيد يقول له: يا دعيّ فقال له: يا بن المزونية، وأيّ دعيّ أبين دعوة منك، ألست مولى عثمان بن العاص الثقفي، أو لم يقل الشاعر:
نحن قطعنا من أبي صفرة … قلفة من قد خالف الفطرة
لمّا رأى عثمان غرموله (١) … أنحى له عثمان بالشّفرة
ألم يكن أبو صفرة مجوسيا اسمه … بسفروخ فقلتم أبو صفرة
وحدثني عمر بن شبّه، ثنا أبو عاصم النبيل قال: لما احتبس سليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلّب عنده، ثم ولاه العراق، عزل خراسان عنه، فلم يولّه إياها، وولى خراسان قتيبة بن مسلم، وكتب عهده عليها وبعث به إليه، فلما خلع وقتل ولاها يزيد بن المهلب.
قالوا: ولما وافى يزيد بن المهلب عمر بن عبد العزيز قال له: هذا كتابك وهذا خاتمك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، كتبته استعطافا لسليمان عليّ، وعلمت أنه لا يأخذني مع رأيه فيّ بالمال. قال: فنحن آخذوك بإقرارك.
وولى عمر الجرّاح بن عبد الله خراسان، وحبس يزيد بن المهلب، فزعموا أنه مرض في محبسه فأمر عمر بقيوده ففكت عنه، وقدم بمخلد بن يزيد فأتي به عمر فلما دخل عليه وعليه كمّة لاطيّة، وقد شمر ثيابه، قال عمر: ما هذا الزيّ؟ قال: شمّرتم فشمّرنا، ثم قال: يا أمير المؤمنين ليسعنا ما وسع الناس من عدلك، ولا نكن أشقى هذه الأمة بك، فقال:
стр. 3310
إن أباك قد أقر بهذا الكتاب. قال: فأنا أضمن المال الذي فيه، قال: أنت وذاك. قال: فصالحني على بعضه قال: لا، لا. أنا أرى أن آخذه به كله أو أعلم أنه لا شيء عنده فأنظره إلى الميسرة.
فقال: يا أمير المؤمنين، انما أراد استعطاف سليمان بما كتب إليه به، وهو يحلف، ثم أتى أباه فقال: أتحلف على ما قلت وادعيت؟. فقال:
لا والله لا تتحدث العرب بأني صيرت يميني على مال أبدا، فلم يزل محبوسا حتى مرض عمر، فخاف أن يلي يزيد بن عبد الملك فيناله بمعرّة لما في نفسه عليه.
وكان يزيد بن المهلب في غرفة أسفلها بيت فاحتيل له - وقد تشاغلت الأحراس عنه - ويقال رشوا وصونعوا فملئ البيت تبنا، ثم نقب السقف وألقى نفسه ونكّر لحيته ولباسه، وأعد له إخوته إبلا ناجية، فركب وركبوا معه، ومضى يؤمّ العراق، وكان عمر كلّم في يزيد فقال: هو رجل سوء قتّال، والحبس خير له.
وقال علي بن محمد المدائني: حمل الجرّاح بن عبد الله الحكمي مخلد بن يزيد من خراسان على البريد في سلسلة، فقدم به الكوفة ليحمل منها على البريد إلى عمر، فسأله قوم فوصلهم، فقال الناس: ما رأينا أسيرا أكرم من هذا، ما فعل كرام الأمراء إلا دون ما فعل.
وأتاه حمزة بن بيض الحنفي في حمالة فأمر له بها، وله يقول:
أتيناك في حاجة فاقضها … وقل مرحبا تجب المرحب
ولا تكلنا إلى معشر … متى يعدوا عدة يكذبوا
стр. 3311
وهمّك فيها جسام الأمـ … ـور وهمّ لداتك (١) أن يلعبوا
بلغت لعشر مضت من سنّيـ … ـك ما يبلغ السيّد الأشيب
ثم حمل على البريد من الكوفة حتى ورد على عمر فدخل عليه فجرى بينهما ما ذكرناه، وشخص حمزة بن بيض إلى يزيد بن المهلب فمدحه فقال:
أصبح في قيدك السّماحة والجـ … ـود وحمل الديات والحسب
لا فرح إن تظاهرت نعم … وصابر في البلاء محتسب
برزت سبق الجواد في مهل … وقصّرت دون شأوك العرب
فكتب له بخمسمائة دينار، وكتب له إلى وكيله بمال.
وقال الهيثم بن عدي: حبس عمر بن عبد العزيز يزيد بن المهلب في حصن حلب، فلما مرض عمر وهو بدير سمعان، وبلغ ذلك يزيد بن المهلب، دس إلى عامل حلب مالا وإلى الأحراس، وقال: قد ثقل عمر فليس يرجى فلا تشيطوا بدمي، فإنّ يزيد إن ولي لم ينظرني فواقا (٢)، فأخرجوه فهرب وهم معه قد أعدّوا له الدواب فركبها وأمّ البصرة، وكتب إلى عمر كتابا وقال: إن برئ فليدفع إليه. وكان فيه: «إني والله لو وثقت بحياتك ولم أخف وفاتك لم أخرج من محبسك، ولكني لم آمن أن تهلك ويلي يزيد فيقتلني شر قتلة».
فورد الكتاب وبه رمق فقال: اللهم إن كان يريد بالمسلمين سوءا فأحقه به وهضه، فقد هاضني.
стр. 3312
قالوا: وتوفي عمر بن عبد العزيز بدير سمعان يوم الجمعة لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وذلك قول الواقدي.
وقال ابو نعيم الفضل بن دكين عن سفيان الثوري: كان عمر حين توفي ابن أربعين سنة، ويقال ابن تسع وثلاثين.
وقال سفيان بن عيينة: قال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: مات عمر ابن تسع وثلاثين سنة، قلت: ابن تسع وثلاثين؟ قال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)﴾ (١).
وولي يزيد بن عبد الملك، فلم يكن له همة إلا يزيد بن المهلب، فأخبر بهربه، وقد كان أشير عليه أن يأتي مسلمة وكان بالناعورة وهي من عمل حلب فيستجير به فلفته عن ذلك معاوية ابنه، وكان دليلهم يعدل بهم حتى كادوا يموتون عطشا.
ووجه يزيد في طلب يزيد بن المهلب الكوثر بن زفر بن الحارث، ويقال الهذيل بن زفر، ويقال الوثيق بن زفر، ويقال تميم بن عمير بن الحباب، ويقال عبد الرحمن بن سليم الكلبي في جماعة، ويقال إنه وجّه كل واحد من هؤلاء في وجه، فلم يلحق، ولم يوقع له على أثر.
وكتب يزيد إلى عدي بن أرطاة وهو مقرّ على البصرة، وإلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو مقرّ على الكوفة، يخبرهما بموت عمر، وبهرب يزيد، ويحذّرهما إياه، ويأمرهما بطلبه ويأمر عديا
стр. 3313
بحبس من قبله من آل المهلب والاستيثاق منهم، ففعل عدي ذلك، وأشار عليه وكيع بن أبي سود بقتلهم جميعا للذي كان في نفسه على يزيد بن المهلب، فقال عدي: ما كنت لأفعل ذلك ولم يجلوا بأنفسهم، قال:
فأهدم دورهم فلا يجد يزيد ما يؤوي، فأبى، قال: فافتح بيت المال واعط الناس يقاتلوا عنك، قال: لم يؤذن لي في ذلك، قال: كأني بك وقد أخذت برقبتك. ومات وكيع في أيامه.
وقال بعضهم: كان الوثيق بن زفر قد كاد يظفر بيزيد فقيل له: إنك أمسكت عنه ولم تجادّه، فقال: أجل، قلت إن أدركته فقتلته قتلت رجلا واحدا، وإن بلغ أهله انقادوا له، ورجوت أن يخلع، فيقتله الله وأهل بيته، فإن في رأسه نزوة.
وقال أبو مخنف: أقبل يزيد بن المهلب حتى ارتفع فوق القطقطانية، فبعث عبد الحميد بن عبد الرحمن: هشام بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة - أحد بني عامر بن لؤي - في شرطة الكوفة وأهل القوة منهم فقال هشام:
أصلح الله الأمير أآتيك به أسيرا، أم آتيك برأسه؟ فضحك عبد الحميد ثم قال: ذاك إليك، فسار ابن مخرمة حتى نزل العذيب، ومرّ يزيد قريبا منه فأخبر هشام بذلك فركب فحاد عنه متعمدا، ومضى نحو البصرة.
وقال أبو عبيدة: بعث عبد الحميد: سليمان بن سليم بن كيسان الكلبي لتلقّي يزيد وأخذه، فلم يقدر عليه، وقيل إنه غيّب عنه.
وقال الهيثم بن عدي: أدرك يزيد بن المهلب الطلب، ورأسه في حجر جاريته فهابته أن توقظه، فرمت غلاما له بحصاة وأومأت إليه أن نواصي الخيل قد طلعت فأيقظه غلامه، فقال: اطرد بغلتي في وجوههم فإذا
стр. 3314
سألوك: لمن هذه؟ فقل ليزيد، فإن قالوا: فأين هو؟ فقل هو ذا فإنهم إذا علموا بموضعي أحجموا، وإن هجموا عليّ استقلّوا من معي فلم يرجعوا.
ففعل الغلام ذلك وسألوه فأخبرهم: فأقاموا ولم يقدموا عليه، وجاءه وصيف بالمصلّى، والإبريق فتوضأ وما معه إلاّ برذون أدهم أبيض الأذنين، وعجلان وأبو فديك ومولى له آخر ومن على ثقله.
وقال المدائني: مرّ يزيد يحدث الرفاق، وهناك منزل الهذيل بن زفر، وكان يزيد خائفا من الهذيل، فلم يشعر إلا وقد دخل يزيد عليه، ثم دعا بلبن فشربه فاستحيا منه الهذيل وعرض عليه خيله وغيرها فلم يأخذ منه شيئا، ثم أتى الرصافة (١) وسار في البرّ حتى أتى القادسية، فوجّه عبد الحميد في طلبه فأعجزه حتى دخل البصرة.
المدائني عن بشر بن عيسى أن يزيد بن المهلب دخل البصرة ليلة البدر من شهر رمضان سنة إحدى ومائة، وعليه درع وهو معتمّ، فمرّ بالحرس الذين في الأزد ليلا وعليهم بدل بن نعيم من بني ثعلبة بن يربوع، وكان عدي بن أرطاة صيّره هناك في جماعة من بني تميم، فقالوا: من هذا؟ قالوا: الأمير أبو خالد، قالوا: قدمتم خير مقدم ادخلوا بسلام.
فأتى يزيد دار المهلب فاستفتح، فقالوا: حتى يأتي المنهال بن أبي عيينة، وكان عدي صيّر أمر الدار إليه ليعلمه قدوم يزيد، فبسط له في الرحبة فجلس، وجاء المنهال فقال: افتحوا للأمير، ففتحوا له الباب فلم يدخل، وبعثت اليه هند بنت المهلب بطعام فلم يأكله ولم يقبله، ثم دخل
стр. 3315
الدار بعد، وجاء بدل بن نعيم إلى عدي فقال له: قدم يزيد الساعة فسرّح معي خيلا حتى آخذه قبل أن يقوى أمره، فأبى عدي ذلك وتفرقت المسالح التي في الأزد.
وكتب يزيد من ليلته إلى يزيد بن عبد الملك يسأله الأمان وبعث إليه بكتابه مع خالد ابنه، وحميد بن عبد الملك بن المهلب، والمثنى بن عبد الملك بن الرّبعة. ويقال بعث به مع حميد ويزيد بن جديع والمثنى بن عبد الله، ويقال: بعثه مع حميد، ويزيد بن جديع، والمثنى بن عبد الله.
وبعث إلى عدي بن أرطاة: القاسم بن عبد الرحمن الهلالي، وأمه فاطمة بنت أبي صفرة، يسأله أن يخلي سبيل إخوته، وقال: أقره السلام وقل له: إني لم أخلع ولم أرد شقاقا، وقد كتبت إلى أمير المؤمنين أسأله أن يؤمّنّا، فخل سبيل إخوتي لنخرج عن المصر، فإن أتى كتاب أمير المؤمنين بما نحب فذاك وإلا كنت قد سلمت منا وسلمنا منك.
فأبلغ القاسم بن عبد الرحمن عديا رسالته، فقال عدي للقاسم:
ما ترى؟. قال: أرى أن تشدّ يدك بهم حتى يضع يزيد يده في يدك، ثم ترى من رأيك.
ورجع القاسم إلى يزيد فقال: قد أبى إلا أن تضع يدك في يده، فبعث يزيد إلى الأزد وربيعة فجاءت الأزد وأبطأت ربيعة، ثم جاؤوا فقال يزيد: لو كنا ندعوكم إلى معصية إن كان ليجب عليكم أن تجيبونا وأنتم إخواننا، فكيف وإنما ندعوكم إلى حق، علام يحبس هذا الرجل إخوتي بغير جرم.
стр. 3316
وأمر يزيد العرفاء أن يفرضوا للناس ففرضوا، وجعل يعطيهم قطع الفضة يقطعها لهم غلمان رجل من الصيارفة يقال له حريث، وأتى يزيد قوم من القرّاء والقصّاص، وأرسل يزيد إلى الأسواق فحوّلها أو أكثرها إلى الأزد، واشترى السلاح واعتزل فنزل مقبرة بني يشكر. وكانت اليمانية والربعية تختلف إليه، وكانت مضر تأتي عديا، وكان سبرة بن نخف بن أبي صفرة يختلف إلى عدي معتصما بالطاعة، فبعث إليه يزيد: يا أبا عمرو إنك تأتي هذا الرجل ولا آمن أن يغتالك بعض المضرية فيذهب دمك، فترك عديا ولزم بيته.
وكان البختريّ بن معن بن المغيرة بن أبي صفرة يرى الطاعة أيضا ويكره ما صنع يزيد فخرج الى الشام وأتى يزيد بن عبد الملك فقيل له: إنه عين ليزيد بن المهلب. فحبسه، فقال قصيدته التي يقول فيها:
فإن أكن مفردا بالشام مغتربا … دوني رتاج له قفل وإقليد
وأصبحت بعد قرب الدار نازحة … أمّ الخليل بأرض دونها البيد
وحدثني روح بن عبد المؤمن عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه أن عديا حبس من بني الملهب: حبيبا الحرون، ومروان، والمفضل، وعبد الملك، واستخفى محمد بن المهلب في الحدان، وتغيب بقية ولد المهلب في قبائل الأزد، فلم يقدر عدي عليهم، وكانوا امتنعوا من المصير إليه، فبعث إليهم من وجوه أهل المصر قوم ناشدهم وقالوا: لا تخافوا أميركم فقالوا: قد مات عمر بن عبد العزيز ولا ندري ما فعله بنا، فلم يزالوا بهم حتى أتوا عديا فلما أتوه حبسهم.
стр. 3317
وحدثني روح بن عبد المؤمن، حدثني على بن نصر الجهضمي عن مشايخهم أن عديا بعث الحسن بن أبي الحسن إلى ولد المهلب في عدة منهم:
عبد الله، وخالد ابنا عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد فناشدوهم أن يأتوا أميرهم ولا يؤثروا على الطاعة شيئا، فقال عبد الملك بن المهلب: انكم واطأتم عديا على هلاكنا وليست طاعته بواجبة علينا، فقال له الحسن:
كذبت. فغضب عبد الملك وقال للحسن: أتكذّبني يا بن اللخناء، وأخذ بقائم سيفه وقال: والله لولا أن أعيّر بقتلك وأنت في منزلي لضربت عنقك، فأنك عبد تريد استذلال أهل المصر بتخاشعك، وقد حمّقت نفسك وعدوت طورك وقدرك، فلم يزل المفضل أخوه يقسم عليه ويسكّنه حتى سكن، ولم يجبه الحسن بشيء.
ثم قال له: يا حسن ألم تطمر نفسك من الحجاج حينا، وليس هذا سلطان بني أمية، وذلك سلطانهم، ولسنا نأتي عديا على هذه الحالة لأنّا لا نأمنه على دمائنا كما لم تأمن الحجاج على دمك. قال الحسن: فإن عديا أمنكم من كل ما تكرهون، وأمرني أن أعقد لكم أمانا، وأضمن لكم عنه الوفاء.
فوثق المفضّل بقوله ولم يزل بعبد الملك حتى مضى معه إلى عدي، وتخلف الآخرون. فلما دخلا على عدي أخفر الحسن وحبسهما مع حبيب ومروان، ثم بعث فأتي بأبي عيينة ومدرك فحبسهما فصاروا ستة فقيدهم جميعا.
فلما حبس بني المهلب صعد المنبر فنعى عمر وأخبر بقيام يزيد بن عاتكة، وكان المغيرة بن عبد الله الباهلي في خمسمائة فارس بالطّف، قد
стр. 3318
جعلهم عدي هناك ليمنع يزيد من دخول البصرة، فلما دنا منه انهزم وأصحابه من غير قتال، فلما انتهى إلى محرس بني تميم قالوا: من هذا؟ قيل الأمير يزيد، فسلموا عليه بالإمرة ودعوا له ثم انصرفوا إلى عدي فأخبروه بمقدم يزيد، فغضب عليهم وشتمهم وقال: تركتموه حتى دخل، ثم جئتموني تخبروني عنه. قالوا: فعاجله الساعة قبل أن يغلظ أمره وتشتد شوكته فإنه إن أصبح لم تصل إليه.
وسأل يزيد عن إخوته الذين حبسهم عدي مع حبيب ومدرك فقال:
هب هذين ولّيا، فما بال الآخرين؟ وكان مدرك ولي ليزيد سجستان وولي حبيب السند، فلما عزلهما عدي حبسهما.
ولم يعط عدي الناس من بيت المال شيئا، وجعل يعطيهم في اليوم درهمين درهمين سلفا من مال يقترضه ويقول: خذوا هذا حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين يزيد، فقد كتبت إليه أن يطلق لي إعطاءكم من بيت المال، وإن أقدمت على إعطائكم من بيت المال لم آمن لائمته وأن لا يحسب ما تأخذونه لي، فقال الفرزدق:
أظنّ رجال الدّرهمين تقودهم … إلى الموت آجال لهم ومصارع
وأحزمهم من كان في قعر بيته … وأيقن أنّ الغرم لا بدّ واقع (١)
حدثني أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو عاصم النبيل عن أبي عامر الخزاز قال: فرض عدي لأصحابه درهمين درهمين، فرأيت رجلا من أصحاب
стр. 3319
الحرس وقد طعن فخرج تربه (١) وإنه ليقال له: قل لا إله إلا الله فيقول هاتوا الدرهمين. حتى خرجت نفسه.
حدثني عمر بن شبّه عن أبي عاصم عن أبي عامر الخزاز بمثله.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف قال: جمع عدي لقدوم يزيد، أهل البصرة وخندق عليها، فبعث على خمس الأزد المغيرة بن زياد بن عمرو العتكي، وعلى خمس تميم محرز بن حمران السعدي أو جيهان ابنه، ويقال عبيد الله بن مضارب الدارمي، وعلى بكر بن وائل عمران بن عامر بن مسمع ويقال نوح بن شيبان المسمعي. والثبت أن رجلا من بني قيس بن ثعلبة يقال له أبو منقذ قال: إن الراية لا تصلح إلا في بني مالك بن مسمع، فدعا عدي بن شيبان بن مالك بن مسمع فعقد له على بكر بن وائل، وعقد لمالك بن المنذر بن الجارود على عبد القيس، وعقد لعبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز على أهل العالية. وقال غير أبي مخنف: عقد لعبد الأعلى بن الفرات الأسدي على أهل العالية.
وأقبل يزيد لا يمر بخيل من خيلهم ولا قبيل من قبائلهم إلا تنحوا له عن الطريق حتى يمضي.
وحدثني روح بن عبد المؤمن عن علي بن نصر الجهضمي عن محمد بن أبي عيينة قال: غضب عمران بن عامر بن مسمع فمال إلى يزيد.
وقال أبو الحسن المدائني وأبو عبيدة: كان بالأهواز رجل من أهل الشام من السكاسك يكنى أبا السكن، واسمه عبد الله بن هارون، فلما بلغه
стр. 3320
أمر يزيد أقبل لينصر عدي بن أرطاة، فخاف عدي أن يعرض له يزيد، فبعث لمسور بن عمر بن عباد بن الحصين والزِّرد بن عبد الله السعدي ليمنعاه ممن أراده، فبعث يزيد إليه محمد بن المهلب - أخاه - والمهلب بن العلاء بن أبي صفرة، فالتقوا عند الجسر، ففر الزّرد والتقى محمد والمسور فضرب محمد المسور فأصاب أنف البيضة، فجرحه على أنفه، وضرب المسور محمدا فتناول محمد السيف من المسور وجذبه فحزّ في أصابع محمد، والتقى ابن العلاء وأبو السّكن فطعنه ابن العلاء ففقأ عينه وتحاجز القوم، فقال الشاعر:
وأفلت في يوم الخميس بنفسه … وكاد يلاقي الموت زرد بني سعد
حززنا بحدّ السيف كفّ محمد … ولم نبتئس إن فرّ زرد بني سعد
وقال قوم من الأزد: كانت ليزيد رمكة بالأهواز فوجه المهلب بن العلاء ليقدم بها، وبلغ ذلك عديا فسرح المسور لذلك، وأرسل يزيد أخاه ليمنع منه فالتقوا بصهر تاج (١) ووافاهم أبو السكن على تلك الحال فقاتل مع مسور ففقئت عين أبي السكن وجرح مسور على أنفه، وانهزموا.
وقال المدائني: ولى يزيد بكير الفراهيدي من الأزد الجسر، فأقام هناك، ونظم عدي ما بين دار الإمارة والمربد بالخيل والرجال.
قالوا: وسار يزيد لمحاربة عدي، وعدي في دار الإمارة، فأمر بظلال السوق فأحرقت وهدمت الدكاكين، فقال هريم بن أبي طحمة، واسمه
стр. 3321
عدي بن حارثة بن الشريد بن مرة بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وهو أبو الترجمان بن هريم، والمسور بن عمر بن عباد بن الحصين الحبطي، من بني تميم لعدي: ما تناظر من هذا المزوني وأنت أعز منه وأعدّ، فأمرهما أن يسيرا إلى المربد، وبث خيله في النواحي واستعد للحرب، وكتب إلى يزيد بن عبد الملك يعلمه خلع يزيد بن المهلب، وخرج هريم بن أبي طحمة في جمع كثيف من بني تميم ومن قيس إلى المربد، ووقف هو في القلب في حنظلة وسعد، فوجه يزيد إليهم محمد بن المهلب والمشمعلّ الشيباني، ودارس مولى حبيب بن المهلب فقاتل دارس وأصحابه بني تميم من أصحاب عدي، وكانوا في إحدى المجنبتين وهو يقول:
أنا غلام الأزد واسمي دارس … إنّ تميما سماء ما تمارس
إذا دعونا فارسا لفارس
وقال الفرزدق
تفرّقت الجعراء أن صاح دارس … ولم يصبروا عند السيوف الصوارم
جزى الله قيسا عن عديّ ملامة … ألا صبروا حتى تكون ملاحم (١)
وقاتل محمد بن المهلب قيسا وهم في المجنبة الأخرى فهزمهم، وانكشف أصحاب عدي جميعا، وأعان بشر بن حاتم بن سويد بن منجوف أصحاب يزيد، وقاتل فأبلى، وأتاه محمد بن المهلب شاكرا له، وبعث إليه يزيد بصلة سنية مع عثمان بن المفضل بن المهلب، فزعموا أنه قيل لابن سيرين: أن بكرا أعانت الأزد فتمثل:
стр. 3322
إذا كانت الأنصار بكر بن وائل … فذلك دين ناقص غير زائد
وكان فيمن قاتل يومئذ سالم المنتوف فقال بعضهم:
إنّ تميما ساء ما تمارس … ويل لها من سالم ودارس
وقال الفرزدق:
والأزد قد نظمت بالمربدين وقد … حلّوا بأرعن مثل الطّود جرّار (١)
وإنما كره محمد ودارس أن يصير أصحاب عدي إليه فيقوى بهم، وكره أصحاب عدي أن يولّوا فيكبّ محمد ودارس عليهم.
قالوا: ولما كان من الغد بعث عدي هريم بن أبي طحمة المجاشعي إلى المسجد المعروف بمسجد الأنصار في خيل، فأرسل يزيد أخاه محمدا وهو ابن الطالقانية، فشد على هريم فاحتضنه وأخذ بمنطقته فقال هريم: عمك يا بن أخي، فتركه.
وقال أبو مخنف في بعض روايته: التقوا عند مسجد الأنصار ليلا، فأهوى محمد لمنطقة هريم ليحمله فيقتلعه من السرج، فانقطعت منطقته فتركه، وأقبل مسور بربذ (٢) فضربه محمد على أنفه وانهزم أصحاب عدي.
وقال أبو عبيدة: ضرب محمد بن المهلب مسورا، ضربة على أنفه، فقال خلف بن خليفة الأقطع:
كسروا راية ابن أمّ هريم … وحذوا مسورا على الخرطوم
ووجه يزيد عثمان بن المفضل بن المهلب نحو عدي، وقد برز عدي إلى رحبة القصّابين، فلقى عثمان خيل عدي فهزمهم وأسر منهم رجلين
стр. 3323
أطلقهما يزيد، وأبلى عثمان يومئذ بلاء مذكورا فزوجه يزيد ابنته الفاضلة بنت يزيد.
وهزم أصحاب عدي في كل ناحية، وقتل خالد بن واقد العقيلي وغيره، وهرب عدي فدخل الدار.
وأخذ دينار السجستاني مولى آل المهلب في العطّارين، ثم صار إلى الوزّانين، فرمي بصخرة من سطح فأصابت ظهره فمات واحتز رأسه رجل من بني تميم فأتى به عديا، وقال: هذا رأس بعض بني المهلب، فبعث به عدي إلى المحبّسين الذين عنده من ولد المهلب، فقالوا هذا رأس دينار مولانا.
وكان محمد بن المهلب ودارس ومن معهما مواقفين لهريم ومسور وأصحابها لا يقدم بعضهم على بعض، وذلك عند مسجد الأنصار حيث كانت وقعتهم، فلم يزالوا على تلك الحال حتى ظهر يزيد على عدي.
قالوا: والتقى عثمان بن المفضل وأصحاب عدي في الرحبة التي عند دار الإمارة فاقتتلوا، فصرع جيهان بن محرّز السعدي، فحماه معاوية بن أبي سفيان بن زياد، فقال الفرزدق:
دعا ابن أبي سفيان والخيل دونه … تثير عجاجا بالسنابك ساطع
فكرّ عليه مثل ما كرّ مخدر … من الأسد يحمي واردات المشارع (١)
وأم معاوية هذا أم أبان بنت حكيم بن قيس بن عاصم التّميمي.
ودنا الناس إلى عدي وهو في دار الإمارة، وألصقوا بالدار، فجعلت نبالهم تقع في الدار، فقال عدي لحبيب بن المهلب: أجرني. قال: لا،
стр. 3324
ولا كرامة. فقال لأبي عينية وعبد الملك: أجيراني. فقالا: نعم. وكانت الأصوات إذا خفيت دنا بنو المهلب إلى عدي كأنهم يتعوذون به، وإذا علت دنا عدي منهم متعوذا بهم.
وجاء عبد الله بن دينار مولى بني عامر وكان على حرس عدي منهزما، فدق الباب، وقال: افتحوا فقد أخزى الله ابن المهلب فلم يفتح له حتى أسر، ودعا عثمان بن المفضل بسلم فوضعه على بيت المال أو دار الديوان فصعد الناس ثم انحازوا وخرجوا إلى دار الإمارة فأخذوا عديا، وفتحوا الباب، وأرسل عثمان إلى يزيد رجلا أعلمه الخبر، فأقبل يزيد حتى وقف على باب الدار وأخرج إليه إخوته، فأمر باطلاق قيودهم فأطلقت، ولم يدخل الدار ليكون الأمر - زعم - شورى ونادى مناديه: الناس آمنون إلا عديا وموسى بن وجيه الحميري، فقتل موسى، قتله رجل عطار، وقام أخو جرير بن حازم واسمه مخلد فاعتنق ابن وجيه وقال: اقتلوني وموسى فأصابه السيف، فحمل وهو مثقل فمات بعد أيام.
ويقال إن شقران مولى العتيك شد على موسى فعانقه، وقال: اقتلوني وموسى. وارتثّ شقران فحمل إلى العتيك فعاش أياما ثم مات.
وأمر يزيد فحوّل إليه عدي بن أرطاة وابنه، وحاضر بن أبي حاضر الأسدي ويقال أبو حاضر نفسه، وابن السّمط بن شرحبيل بن السمط الكندي، وزياد بن الربيع الحارثي وغيرهم ممن أخذ من أصحاب عدي فقيدوا جميعا فقال له عدي: لا تغرنّك نفسك يا يزيد فقد رأيت جنود الله من أهل الشام وبلاءه عندهم فتدارك أمرك قبل أن يشخصوا إليك، واعلم أن بقائي أبقى لك، ولئن طلبت الإقالة فهو خير لك.
стр. 3325
وقال الفرزدق:
أعطى عديّ باسته واست أمّه … أبا خالد والخيل تدمى نحورها (١)
وأجمع قوم على الخروج من البصرة منهم: هريم بن أبي طحمة، والمسور، وعمر بن يزيد بن عمير الأسدي، ومحمد بن رباط الفقيمي، وهداب بن مسعود المازني، ومالك بن المنذر بن الجارود، والحواري بن زياد بن عمرو العتكي، فمضوا إلى الكوفة، فأكرمهم عبد الحميد بن عبد الرحمن الأعرج عامل الكوفة من قبل يزيد بن عبد الملك، وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز، فأقره يزيد على الكوفة وأدنى مالك بن المنذر، فحسده عمر بن يزيد فسعى به وقال: هو عين ليزيد عليك. وقال السرادق الباهلي:
غاب العرانين من قيس ولو شهدوا … يوم ابن أرطاة ما سبّت به مضر
قالوا: ولما ظهر يزيد على عدي أقام يومه ذاك في دار بحيال المسجد الجامع، فلما أصبح أمر فنودي في الناس فحضروا المسجد وحشدوا، فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «يا أيها الناس إنّا غضبنا لكم فانظروا لأنفسكم رجلا يحكم فيكم بالعدل، ويقسم فيكم بالسّوية، ويقيم فيكم الكتاب والسنّة، ويسير بسيرة الخلفاء الراشدين».
فقال الحسن بن أبي الحسن البصري: يا عجبا من يزيد إنه بالأمس يضرب أعناق هؤلاء الذين اتبعوه تقرّبا إلى بني مروان، حتى إذا منعوه شيئا من دنياهم، وأخذوه بحق الله عليه غضب فعقد خرقا على قصب ثم نعق
стр. 3326
بأعلاج فاتبعوه، وقال: إني قد خالفت هؤلاء فخالفوهم، ثم يدعوهم إلى كتاب الله وسيرة الخلفاء الراشدين، ألا وإن من سيرة الخلفاء الراشدين أن يوضع في رجله قيد ويردّ إلى محبس عمر، فقال رجل للحسن: كأنك راض عن أهل الشام؟ فقال: قبّح الله أهل الشام وترحهم. أليسوا الذين أحلّوا حرم رسول الله ﷺ ثلاثة أيام. وأباحوه أنباطهم وأقباطهم، لا يتناهون عن سيئة ولا انتهاك حرمة، ثم نصبوا المجانيق يرمون بيت الله، فلم يهج يزيد الحسن وكفّ عنه.
وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة عن الحسن أنه قال في فتنة يزيد بن المهلب: كلما نعر لهم ناعر اتبعوه، هذا عدو الله ابن المهلب.
وحدثني عبد الواحد بن غياث عن جويرية بن أسماء قال: ذكر ابن المهلب عند الحسن فقال: فاسق قاتل الناس مع هؤلاء على غير هدى، ثم غضب غضبة، فعقد خرقا على قصب، ثم نعق بأعلاج وطغام فاتبعوه، فهو يزعم أنه يدعوهم إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وسيرة الخلفاء الراشدين الا وإنّ من سيرة الخلفاء الراشدين أن يوضع في رجله قيد ويردّ إلى حبس عمر.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا عمر بن يزيد قال: سمعت الحسن أيام ابن المهلب يقول: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا لم يلبثوا أن يفرّج الله عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيكلهم الله إليه، فوالله ما جاء الجازع إلى السيف بيوم خير قط.
стр. 3327
قالوا: وبايع الناس يزيد بن المهلب على كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، وتحول إلى دار الإمارة، ووجد في بيت المال عشرة آلاف ألف درهم، وخندق على البصرة، وولى شرطته عثمان بن أبي الحكم الهنائي من الأزد، واستعمل محمد بن المهلب على فارس، وهلال بن عيّاض الهنائي على الأهواز، وزياد بن المهلب على عمان، والمهلب بن أبي عيينة على جزيرة ابن كاوان، والأشعث بن عبد الله بن الجارود أو مهزم بن القرن العبدي على البحرين، وولى مدرك بن المهلب خراسان، وولى وداع بن حميد اليحمدي من الأزد قندابيل، فقال له حبيب بن المهلب: لا تولّه فإن في رأسه وعينيه غدرة، فكان من أمره أنه أغلقها دونهم، فقال المفضل: رحم الله أبا بسطام - يعني حبيبا - لأنه كان يرى أمر وداع، ويقال إن وداعا كان قتل قبل هربهم إلى قندابيل.
قالوا: ولما كان يوم الفطر خرج يزيد بن المهلب إلى المصلّى فخلع يزيد بن عبد الملك، وشتم بني مروان، ودعا إلى الرضا من بني هاشم، وذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن فقال: وهذه الضّبعة العرجاء مضطجعا بالكوفة، فأخذ الناس عليه قوله: الضبعة، وإنما هي الضّبع والذكر ضبعان.
وأصاب الناس يومئذ مطر شديد، فانصرفوا وانصرف يزيد عن المصلى إلى الأزد وصحبه ناس قليل فغدّاهم وكساهم وأعطاهم مالا قسم بينهم، ثم رجع إلى دار الإمارة.
ووجه يزيد بن المهلب إلى بسطام بن مرّي المعروف بشوذب الشاري السميدع، ويقال حبيب بن خدرة يدعوه إلى نصرته، فقال شوذب للذي
стр. 3328
أرسله يزيد من هذين الرجلين: لولا مكانك من الدين لقتلتك. أتدعوني إلى نصر يزيد؟ وضربه عشرين سوطا. وكان السميدع وحبيب صفريّين.
قالوا: وقدم عبد الملك ومالك ابنا مسمع بن مالك بن مسمع من السند، فكرها ان يقاتلا يزيد، فدعوا بني بكر إلى نصرة عدي، وكتبا إلى يزيد بن عبد الملك كتابا في أمر يزيد بن المهلب، فصار الكتاب إلى ابن المهلب فقال: أراهما يعينان عليّ ويبغياني الغوائل فحبسهما مع عدي وأصحابه.
قالوا: وكان قتادة بن دعامة السدوسي الفقيه ينتقص يزيد بن المهلب وينال منه، فبلغ ذلك يزيدا فأرسل يزيد إليه، وهو في الأزد، فلما دخل عليه شتمه، فأغلظ له قتادة فقال السميدع: دعني أبعج بطن هذا الأعمى، أعمى الله قلبه كما أنه أعمى البصر والقلب، فقال يزيد: أنا أراقب قومه، وأمر به فوجئ في عنقه ووضع فيها حبل وبعث به إلى الأهواز فحبس فيها.
وخرج قتادة وهو يبكي فقال له رجل: أتبكي يا أبا الخطاب؟ قال: نعم مما أرى. فلم يزل محبوسا حتى قتل يزيد فأخرجه صاحب السجن وكان من بني عجل.
وكتب ابن المهلب إلى زياد بن المهلب، وهو بعمان، أن يفرض ففرض لثلاثة آلاف رجل من أهل عمان، واستعمل عليهم المشماس بن عمرو الأزدي ثم الجديدي، فقدموا على يزيد، قالوا: وكان بالبصرة قاض يقال له زيد (١). فشاور الحسن في صحبة يزيد فنهاه فصحبه، فأخبر يزيد
стр. 3329
بقول الحسن فقال: يا قوم مالي وللحسن يخذّل الناس عني، إني لأخاف والله نفسي عليه، فكان الحسن يقول: يأتينا أقوام فينتصحونا فننتصح لهم فيسيئون بنا. زيدل، وما زيدل. لعن الله زيدلا.
وقال يزيد وذكر الحسن: والله ما أدري ما استبقائي إياه فإنه شيخ جاهل، لهممت أن أضربه حتى يموت، فقال المفضّل: أصلح الله الأمير.
إن له قدما وفضلا وقدرا بالمصر، فكفّه ذلك عنه.
وقال الشاعر:
لبئس ما أبلت تميم أمس … عند ابن أرطاة وعند البأس
لم يصلحوا إلا للقم دحس … وفلق البرنيّ (١) والتّحسيّ
ولّت تميم بظهور قعس … وأسلمت أدبارها للنّخس
وقال يحيى بن أبي حفصة:
لو نال عقدا عدي من حبالهم … ما حلّ بالسّجن في قيد وأصفاد
إن يقتلوك فإنّ الله قاتلهم … ودون قتلك يوم شرّه باد
آل المهلّب قوم خانة غدر … لن يهدي الله كيد الخائن العادي
وحدثت عن مرحوم العطار عن أبيه قال: لما كانت فتنة يزيد اختلف الناس في أمره، فانطلقت ورجل آخر إلى محمد بن سيرين فقلنا: ما ترى يا أبا بكر؟ قال: انظروا حين قتل عثمان ما صنع ابن عمر فاقتدوا به، فإن عبد الله بن عمر كفّ يده.
стр. 3330
حدثني أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد عن كلثوم بن جبر قال.
قلت للحسن: إن أكرهني يزيد بن المهلب على الخروج معه فحمل عليّ رجل؟ قال: تناشده. قلت: فإن أبى؟ قال: فكن عبد الله المقتول.
قال: فخرجت إلى مكة فسألت مجاهدا فقال لي مثل قول الحسن.
ودعا يزيد للفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم وبايعه فتوارى، وهرب عبد الواحد من ولد ابن عامر بن كريز، وخالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم المنقري الخطيب وجماعة من بني تميم وغيرهم. قالوا: ولما ورد حميد بن عبد الملك بن المهلب، وخالد بن يزيد بن المهلب على يزيد بن عبد الملك بكتاب ابن المهلب إليه في طلب الأمان استشار الناس في أمانه، فقالت المضرية:
لا تؤمنه فإنه أحمق غدار، وقالت اليمانية تؤمنه فتحقن الدماء ويستصلحه قومه. فأمر فكتب له أمان على أن يقيم ببلده، وأنفذه مع خالد بن عبد الله القسري، وعمر بن يزيد الحكمي، وصرف حميدا وخالدا معه، فتقدم خالد بن يزيد إلى أبيه بالبشارة.
وكان يزيد بن عبد الملك قد ولى عبد الرحمن بن سليم الكلبي خراسان، فلما كان ببعض الطريق مما يلي الكوفة بلغه ما صنع يزيد بن المهلب بعده، فأقام بمكانه، وورد خالد بن عبد الله القسري، وعمر بن يزيد الحكمي ومعهما حميد بن عبد الملك بن المهلب فلقيهم الحواري بن زياد بن عمرو العتكي، وكان قد صار إلى عبد الحميد فحمله من الكوفة على البريد إلى يزيد بن عبد الملك فأخبرهم بما فعل يزيد بن المهلب وقال: تركت عديا محبوسا مقيدا فقال حميد: إن هذا عدو لنا فهو يشنّع علينا.