بأعلاج فاتبعوه، وقال: إني قد خالفت هؤلاء فخالفوهم، ثم يدعوهم إلى كتاب الله وسيرة الخلفاء الراشدين، ألا وإن من سيرة الخلفاء الراشدين أن يوضع في رجله قيد ويردّ إلى محبس عمر، فقال رجل للحسن: كأنك راض عن أهل الشام؟ فقال: قبّح الله أهل الشام وترحهم. أليسوا الذين أحلّوا حرم رسول الله ﷺ ثلاثة أيام. وأباحوه أنباطهم وأقباطهم، لا يتناهون عن سيئة ولا انتهاك حرمة، ثم نصبوا المجانيق يرمون بيت الله، فلم يهج يزيد الحسن وكفّ عنه.
وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة عن الحسن أنه قال في فتنة يزيد بن المهلب: كلما نعر لهم ناعر اتبعوه، هذا عدو الله ابن المهلب.
وحدثني عبد الواحد بن غياث عن جويرية بن أسماء قال: ذكر ابن المهلب عند الحسن فقال: فاسق قاتل الناس مع هؤلاء على غير هدى، ثم غضب غضبة، فعقد خرقا على قصب، ثم نعق بأعلاج وطغام فاتبعوه، فهو يزعم أنه يدعوهم إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وسيرة الخلفاء الراشدين الا وإنّ من سيرة الخلفاء الراشدين أن يوضع في رجله قيد ويردّ إلى حبس عمر.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا عمر بن يزيد قال: سمعت الحسن أيام ابن المهلب يقول: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا لم يلبثوا أن يفرّج الله عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيكلهم الله إليه، فوالله ما جاء الجازع إلى السيف بيوم خير قط.
стр. 3327
قالوا: وبايع الناس يزيد بن المهلب على كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، وتحول إلى دار الإمارة، ووجد في بيت المال عشرة آلاف ألف درهم، وخندق على البصرة، وولى شرطته عثمان بن أبي الحكم الهنائي من الأزد، واستعمل محمد بن المهلب على فارس، وهلال بن عيّاض الهنائي على الأهواز، وزياد بن المهلب على عمان، والمهلب بن أبي عيينة على جزيرة ابن كاوان، والأشعث بن عبد الله بن الجارود أو مهزم بن القرن العبدي على البحرين، وولى مدرك بن المهلب خراسان، وولى وداع بن حميد اليحمدي من الأزد قندابيل، فقال له حبيب بن المهلب: لا تولّه فإن في رأسه وعينيه غدرة، فكان من أمره أنه أغلقها دونهم، فقال المفضل: رحم الله أبا بسطام - يعني حبيبا - لأنه كان يرى أمر وداع، ويقال إن وداعا كان قتل قبل هربهم إلى قندابيل.
قالوا: ولما كان يوم الفطر خرج يزيد بن المهلب إلى المصلّى فخلع يزيد بن عبد الملك، وشتم بني مروان، ودعا إلى الرضا من بني هاشم، وذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن فقال: وهذه الضّبعة العرجاء مضطجعا بالكوفة، فأخذ الناس عليه قوله: الضبعة، وإنما هي الضّبع والذكر ضبعان.
وأصاب الناس يومئذ مطر شديد، فانصرفوا وانصرف يزيد عن المصلى إلى الأزد وصحبه ناس قليل فغدّاهم وكساهم وأعطاهم مالا قسم بينهم، ثم رجع إلى دار الإمارة.
ووجه يزيد بن المهلب إلى بسطام بن مرّي المعروف بشوذب الشاري السميدع، ويقال حبيب بن خدرة يدعوه إلى نصرته، فقال شوذب للذي
стр. 3328
أرسله يزيد من هذين الرجلين: لولا مكانك من الدين لقتلتك. أتدعوني إلى نصر يزيد؟ وضربه عشرين سوطا. وكان السميدع وحبيب صفريّين.
قالوا: وقدم عبد الملك ومالك ابنا مسمع بن مالك بن مسمع من السند، فكرها ان يقاتلا يزيد، فدعوا بني بكر إلى نصرة عدي، وكتبا إلى يزيد بن عبد الملك كتابا في أمر يزيد بن المهلب، فصار الكتاب إلى ابن المهلب فقال: أراهما يعينان عليّ ويبغياني الغوائل فحبسهما مع عدي وأصحابه.
قالوا: وكان قتادة بن دعامة السدوسي الفقيه ينتقص يزيد بن المهلب وينال منه، فبلغ ذلك يزيدا فأرسل يزيد إليه، وهو في الأزد، فلما دخل عليه شتمه، فأغلظ له قتادة فقال السميدع: دعني أبعج بطن هذا الأعمى، أعمى الله قلبه كما أنه أعمى البصر والقلب، فقال يزيد: أنا أراقب قومه، وأمر به فوجئ في عنقه ووضع فيها حبل وبعث به إلى الأهواز فحبس فيها.
وخرج قتادة وهو يبكي فقال له رجل: أتبكي يا أبا الخطاب؟ قال: نعم مما أرى. فلم يزل محبوسا حتى قتل يزيد فأخرجه صاحب السجن وكان من بني عجل.
وكتب ابن المهلب إلى زياد بن المهلب، وهو بعمان، أن يفرض ففرض لثلاثة آلاف رجل من أهل عمان، واستعمل عليهم المشماس بن عمرو الأزدي ثم الجديدي، فقدموا على يزيد، قالوا: وكان بالبصرة قاض يقال له زيد (١). فشاور الحسن في صحبة يزيد فنهاه فصحبه، فأخبر يزيد
стр. 3329
بقول الحسن فقال: يا قوم مالي وللحسن يخذّل الناس عني، إني لأخاف والله نفسي عليه، فكان الحسن يقول: يأتينا أقوام فينتصحونا فننتصح لهم فيسيئون بنا. زيدل، وما زيدل. لعن الله زيدلا.
وقال يزيد وذكر الحسن: والله ما أدري ما استبقائي إياه فإنه شيخ جاهل، لهممت أن أضربه حتى يموت، فقال المفضّل: أصلح الله الأمير.
إن له قدما وفضلا وقدرا بالمصر، فكفّه ذلك عنه.
وقال الشاعر:
لبئس ما أبلت تميم أمس … عند ابن أرطاة وعند البأس
لم يصلحوا إلا للقم دحس … وفلق البرنيّ (١) والتّحسيّ
ولّت تميم بظهور قعس … وأسلمت أدبارها للنّخس
وقال يحيى بن أبي حفصة:
لو نال عقدا عدي من حبالهم … ما حلّ بالسّجن في قيد وأصفاد
إن يقتلوك فإنّ الله قاتلهم … ودون قتلك يوم شرّه باد
آل المهلّب قوم خانة غدر … لن يهدي الله كيد الخائن العادي
وحدثت عن مرحوم العطار عن أبيه قال: لما كانت فتنة يزيد اختلف الناس في أمره، فانطلقت ورجل آخر إلى محمد بن سيرين فقلنا: ما ترى يا أبا بكر؟ قال: انظروا حين قتل عثمان ما صنع ابن عمر فاقتدوا به، فإن عبد الله بن عمر كفّ يده.
стр. 3330
حدثني أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد عن كلثوم بن جبر قال.
قلت للحسن: إن أكرهني يزيد بن المهلب على الخروج معه فحمل عليّ رجل؟ قال: تناشده. قلت: فإن أبى؟ قال: فكن عبد الله المقتول.
قال: فخرجت إلى مكة فسألت مجاهدا فقال لي مثل قول الحسن.
ودعا يزيد للفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم وبايعه فتوارى، وهرب عبد الواحد من ولد ابن عامر بن كريز، وخالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم المنقري الخطيب وجماعة من بني تميم وغيرهم. قالوا: ولما ورد حميد بن عبد الملك بن المهلب، وخالد بن يزيد بن المهلب على يزيد بن عبد الملك بكتاب ابن المهلب إليه في طلب الأمان استشار الناس في أمانه، فقالت المضرية:
لا تؤمنه فإنه أحمق غدار، وقالت اليمانية تؤمنه فتحقن الدماء ويستصلحه قومه. فأمر فكتب له أمان على أن يقيم ببلده، وأنفذه مع خالد بن عبد الله القسري، وعمر بن يزيد الحكمي، وصرف حميدا وخالدا معه، فتقدم خالد بن يزيد إلى أبيه بالبشارة.
وكان يزيد بن عبد الملك قد ولى عبد الرحمن بن سليم الكلبي خراسان، فلما كان ببعض الطريق مما يلي الكوفة بلغه ما صنع يزيد بن المهلب بعده، فأقام بمكانه، وورد خالد بن عبد الله القسري، وعمر بن يزيد الحكمي ومعهما حميد بن عبد الملك بن المهلب فلقيهم الحواري بن زياد بن عمرو العتكي، وكان قد صار إلى عبد الحميد فحمله من الكوفة على البريد إلى يزيد بن عبد الملك فأخبرهم بما فعل يزيد بن المهلب وقال: تركت عديا محبوسا مقيدا فقال حميد: إن هذا عدو لنا فهو يشنّع علينا.
стр. 3331
وساروا حتى بلغوا الموضع الذي به عبد الرحمن بن سليم بقرب الكوفة فشدّ عبد الرحمن على حميد بن عبد الملك فاستوثق منه، وأخبر عبد الرحمن بن خالد بن عبد الله والحكمي بما فعل يزيد بن المهلب وقال:
لا تنفذا إليه.
وقال أبو مخنف: ولى يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن سليم الكلبي خراسان، فلما كان بقرب الكوفة، بلغه ما كان من ابن المهلب، فأقام وكتب إلى يزيد بن عبد الملك: إنّ جهاد من خالفك أحبّ إليّ من ولاية خراسان فاجعلني ممن تنهضه لقتال ابن المهلب، فقد عصا وخلع وحبس عديا.
وورد عليه خالد بن عبد الله، وعمر بن يزيد بالموضع الذي أقام به، ومعهما حميد فقال لهما: لا تنفذا، وشد عبد الرحمن على حميد فبعث به إلى يزيد بن عبد الملك فحبسه.
ووثب عبد الحميد بن عبد الرحمن على خالد بن يزيد بن المهلب حين قدم الكوفة يريد أباه ليبشره - زعم - بالأمان، فبعث به إلى يزيد أيضا فحبسه، فلم يفارق حميد وخالد الحبس حتى هلكا فيه بالطاعون ويقال بل قتلا فيه، ويقال إن ابن جهم بن زحر كان معه فحبسه عبد الحميد.
وورد الحواري على يزيد بن عبد الملك فصدقه عن خبر ابن المهلب فعندها أمر بتوجيه الجنود إليه، وبعث يزيد إلى أهل الكوفة رجالا من أهل الشام يسكنونهم ويثنون عليهم بطاعتهم، ويعدونهم الزيادة في أعطياتهم، وفيهم القطاميّ بن جمّال الكلبي واسم القطامي حصين.
وكان القطامي في حين بلغه أمر يزيد بن المهلب قال:
стр. 3332
لعلّ عيني أن ترى يزيدا … يقود جيشا جحفلا رشيدا
نسمع للأرض به وئيدا … لا برما جبسا ولا حسودا
ولا جبانا في الوغى رعديدا
ثم إنه بعد ذلك سار مع مسلمة بن عبد الملك فحارب يزيد بن المهلب، فقال يزيد: ما أبعد شعر القطامي بن جمّال من فعله.
وحدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال: مرّ يزيد بن المهلب بفرقد السّبخي، ومع يزيد إخوته: عبد الملك، والمفضّل، وأبو عيينة، فوقف على فرقد وعليه جبة صوف وعلى عاتقه منجل، فقال له:
يا أبا يعقوب إن بني أمية ابتزوا الناس أمورهم فلو خرجت سارع الناس إليك، فقال: هيه، اذهب عنا. فقال إخوته: من هذا؟ قال: فرقد السبخي. فقال المفضل: إنا لله وإنا إليه راجعون، بعد الأحنف بن قيس والمهلب، ومالك بن مسمع صرنا إلى فرقد السبخي؟ هلكنا ورب الكعبة.
قالوا: ووجه يزيد بن عبد الملك - وهو يزيد بن عاتكة - مسلمة بن عبد الملك، والعباس بن الوليد بن عبد الملك في جمع عظيم من أهل الشام والجزيرة يقال إن مبلغه سبعون ألفا، ويقال ثمانون ألفا.
وكان يزيد حين خلع قال: إني لأرجو أن أهدم مدينة دمشق حجرا حجرا. فقال الفرزدق:
تخبّرك الكهّان أنك ناقض … دمشق التي قد كانت الجنّ جزّت
لها من جبال الثلج صخرا كأنه … قناعيس (١) حتى أشرفت واشمخرّت
стр. 3333
أتتك خيول الشام تخطر بالقنا … لها خرق كالطّير لما استعلّت
يقود نواصيها إليك مبارك … إذا ما تصدّى للكتيبة ولّت
من آل أبي العاصي حوالي لوائه … ثمانون ألفا كلّها قد أظلّت (١)
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن أشياخه قال: نزل مسلمة والعباس النّخيلة بالكوفة، فقال مسلمة: ليت هذا المزوني لا يكلفنا اتباعه في هذا البرد، فقال حسان النّبطي: أنا أضمن لك أن يزيد لا يبره الأرصة - يريد: أنا أضمن لك أن يزيد لا يبرح العرصة - فقال العباس: لا أم لك أنت بالنبطية أبصر منك بهذا، فقال حسان له: نبّط الله وجهك أشقر أحمر أزرق ليس اليه طابئ الخلافة - يريد أشقر أحمر ليس عليه طابع الخلافة، فقال مسلمة: يا أبا سفيان، لا يهولنّك قول العباس. قال: إنه أهمق لا يأرف - يريد أحمق لا يعرف-.
قالوا: وقد كان جرى بين العباس ومسلمة اختلاف، فبلغ ذلك يزيد بن عاتكة، فوجّه عثمان بن حيّان المرّي ليصلح بينهما، وضمن له يزيد بن عاتكة إن فعل أن يفكّ عنه حدّين كان حدّه إياهما أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وهو يومئذ عامل سليمان بن عبد الملك على المدينة، أحدهما لرجل من قريش قال له: يا مخنث، أو يا منكوح، والآخر في شراب.
فلما أصلح بينهما واستقام أمرهما عزل يزيد ابن حزم، وكان عامله بعد سليمان وعمر أيضا، فاقتصّ عثمان منه الحدّين. وكان شاعر الأنصار قال:
стр. 3334
نحن ضربنا الفاسق ابن حيّان … حدّين لم نخلطهما ببهتان
فقال شاعر قيس:
نحن ضربنا الفاسق ابن حزم … حدين لم نخلطهما بإثم
قالوا: ولما بلغ يزيد بن المهلب إقبال مسلمة والعباس في جند أهل الشام والجزيرة، كتب إلى محمد بن المهلب في القدوم من فارس، فقدم عليه وقيل له: ائت فارس فإن بها قلاعا منيعة فإن أعطيت ما تريد، وإلا أتيت خراسان، فقال: أمع الوعول بفارس؟ فقال محمد: أقم فقاتل بأهل مصرك. فقال حبيب: لا تخدعن فإن أهل مصرك غير مقاتلين معك، ولكن احمل هذا المال واخرج إلى الموصل فادع عشيرتك بها، فقال: يا أبا بسطام أردت أن تقربني من عدوي فيقاتلني في بلاده؟ لا ولكني آت واسطا ثم أقرب من الكوفة وأرتاد مكانا فيه مجال للخيل، وأرجو أن ينضم إليّ من أهل الكوفة مثل من معي من أهل البصرة.
فعسكر بالبصرة عند الجسر، وأمر مروان بن المهلب أن يستنفر الناس، وكان الحسن البصري يثبط الناس عنه ويحذرهم الفتنة، فأخذ مروان ناسا من أصحاب الحسن فحبسهم فكف عند ذلك فخلاهم مروان.
ثم وجه يزيد عبد الملك بن المهلب في أربعة آلاف إلى واسط فأتاها، وخرج يزيد من البصرة يؤمّ واسطا، واستخلف على البصرة مروان بن المهلب، فأتي مروان بمرتدّ فاستشار فيه الحسن فقال: قال رسول الله ﷺ :
«من بدّل دينه فاقتلوه»، فقتله.
وقدم يزيد واسطا في ستة عشر ألفا، وشخص معه بعديّ بن أرطاة ومن حبسه معه، وتكلم الناس فعظموا أمر أهل الشام، فخطبهم فقال:
стр. 3335
رأيت ارتجاس هذا العسكر بقولهم جاء مسلمة، وجاء العباس، وجاء أهل الشام. وما أهل الشام هل هم إلا تسعة أسياف سبعة منها لي وسيفان علي؟ وما مسلمة؟ جرادة صفراء. وما العباس؟ نسطوس بن نسطوس أتاكم في برابرة وجرامقة وجراجمة وأنباط وأبناء فلاحين وأوباش أخلاط كاسلاء اللحم وأقباط. أليس لكم جنن (١) كجننهم، أوليسوا بشرا يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، فأعيروني سواعدكم ساعة تصفعون بها خراطيمهم.
وكان خالد بن صفوان هرب من البصرة فلقيه يزيد بواسط وكانت بوجهه بثرة عليها دواء فاستأذنه وقال إنه وصف لي شرب التيادر (٢) بطوس، فأذن له، فتنحى.
وقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص أو غيره:
أبا خالد قد هجت حربا فلا تقم … وقد شمّرت حرب عوان فشمّر
فقال يزيد حين بلغه هذا البيت: قد كان ذاك.
وإنّ بني مروان قد زال ملكهم … فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر
فعش ملكا أو مت كريما وإن تمت … وسيفك مشهور بكفّك تعذر
فقال يزيد: أما هذا فنعم.
وقال عطية بن السّائب الشّنّي
أبا خالد إنّ المنايا مطلّة … فمت صابرا قدما كما مات مصعب
ولا تقبلن خسفا فما من سعادة … لمن عاش مذموما يلام ويقضب
стр. 3336
فلما سمع يزيد قوله: كما مات مصعب. قال: صدق فوك.
ووجه يزيد إخوته يرتادون له موضعا للمعسكر فاختاروه بالعقر، فخلف على واسط ابنه معاوية بن يزيد، وخلف عدي بن أرطاة ومن حبس معه عنده، وسار يزيد حتى نزل معسكره بالعقر بين المدائن والكوفة وهو من سوراء (١)، وأتاه ناس من أهل الكوفة يعينونه.
ونزل عبد الحميد بن عبد الرحمن النّخيلة وبثق الأنهار لئلا يصل أحد إلى الكوفة، وبعث مع سند بن هانئ الهمداني جيشا إلى مسلمة ليقاتلوا ابن المهلب معه، وقال الفرزدق:
هلاّ زجرت الطير إن كنت زاجرا … غداة نزلت العقر إنك تعقر (٢)
ولما قرب أهل الشام منه وجه أخاه محمدا، وكان يسمى المشؤوم، وابنه المعارك، في جمع كثيف فلقوا العباس بن الوليد بسوراء وهو في أربعة آلاف سوى من صار إليه من أهل البصرة مخالفين ليزيد، فالتقوا فانكشف أهل الشام، وصبر هريم بن أبي طحمة وأهل البصرة، فناداهم هريم:
يا أهل الشام لا تسلمونا. فعطفوا، وأقدم هريم وهو يقول:
لما رأوني في الكتيبة معلما … أغشى الكريهة مثل ضوء الكوكب
فاستيقنوا منّي بضرب صادق … ليست عداوتنا كبرق خلّب
فهزموا أصحاب يزيد حين بلغوا إليه، فقال الفرزدق:
أحلّ هريم يوم سوراء بالقنا … نذور نساء من تميم فحلّت (٣)
стр. 3337
وقال محمد بن المهلب ليزيد: لو وجهت إليهم خيلا فحركتهم. فعقد يزيد لعبد الله بن حيّان العبدي على أربعة آلاف، وضم إليه فضيل بن هناد الأزدي ثم الفراصي في خيل، وضم إليه سالما المنتوف في خيل، وصيّره على خيل بكر بن وائل فعبروا الصّراة. ووجه إليهم مسلمة سعيد بن عمرو بن أسود بن مالك بن كعب بن وقدان بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة في أربعة آلاف، وكان لأهل الشام كمين فاقتتلوا فقتل عبد الله بن حيان، وفارس من أصحاب فضيل بن هناد، وجال أهل العراق وخرج كمين أهل الشام عليهم عند جولتهم فكانت الهزيمة فلم يلووا على أحد حتى أتوا يزيد، وعثر بسالم المنتوف فرسه فصرع فأخذوه أسيرا فقال لمسلمة: استبقني لقتال الروم، فقال: يا بن اللخناء طالما كفيناك قتال الروم وكفاناهم الله قبلك، وأمر به فقتل. فقال موسى بن حكيم السّعدي:
وبالمنتوف عبدكم فخرتم … فهلاّ بالصّراة حمى الذّمارا
ثم عبر مسلمة الصراة، وخلّف الأثقال، وخندق خندقين، فقال المهلب بن العلاء بن أبي صفرة: إن هؤلاء قد خندقوا خندقا بعد خندق ولا آمن من يصلوا بخندقهم إلى خندقنا فعاجلهم، فضحك يزيد وقال: إن وصلوا فمه. فما أظن العسكرين ضمّا رجلا أضعف قلبا منك، فقال حبيب بن المهلب: أما والله إنك لتعرفه بغير الجبن وقد أشار عليك بالرأي ورماك به فبيّتهم وعاجلهم.
فهمّ يزيد بذلك فقال بعض من معه من القراء: لا يحل لنا أن نبيتهم حتى ندعوهم، فأقاموا أياما ثم التقوا.
стр. 3338
قالوا: ولما كان اليوم الذي قتل فيه يزيد، وهو يوم الجمعة، لأربع عشرة ليلة خلت من صفر، سنة اثنتين ومائة، خرج منسر لأهل الشام ومنسر لأهل العراق فتهايجوا، فسمع يزيد ضجة فقال: ما هذا؟ فقيل:
الناس يقتتلون. فدعا يزيد بدرعه وثيابه فلبسها وخرج ووضع له كرسي على باب خندقه، ووضع لمحمد كرسي آخر وجعلا يتحدثان، وقد كانت أصابت يزيد خلفة (١) قبل ذلك فضعف، فأمر الناس فتقدموا وعلى ميمنته حبيب بن المهلب، وعلى الميسرة المفضّل بن المهلب، والراية مع المهلب بن العلاء، وركب محمد فرسه فلحق بهم فصار ومن معه على حاميتهم.
وزحف أهل الشام، وفي ميمنتهم الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، وفي الميسرة القعقاع بن خليل بن جزي العبسي، ويقال الوليد بن تليد العبسي، والوضاح البربري مولى عبد الملك في الوضاحية. ولوضاح هذا يقول جرير بن عطية:
لقد جاهد الوضّاح بالحقّ معلما … فأورث مجدا باقيا أهل بربرا (٢)
فاقتتلوا وصبر الناس، فقال مسلمة للوضاح: انطلق إلى جسر الصرّاة فأحرقه وأحرق السفن التي في الصراة. فأحرق الجسر وبعض السفن فلما رأوا النار اضطرب عسكر يزيد فقال يزيد ما للناس؟ قيل: انهزموا.
قال: ولم؟ قيل: أحرق الجسر. فقال: لعنهم الله رعاج (٣) نفخ فطار، بئس حشو الكتيبة والعسكر، كأنهم غنم شدّ في ناحيتها ذئب.
стр. 3339
وصبر أهل الحفاظ، وفقئت عين المفضل، وجاء محمد وقد ضرب على جبهته بعمود فقال له يزيد: من ضربك؟ قال: لا أدري إلا أنه قال حين ضربني: أنا الغلام الحرشي فظننته سعيد بن عمرو الحرشي.
وكان يزيد جالسا على كرسيه ينقل من مكان إلى مكان، ووضع على نشز من الأرض فنظر فإذا فرس حبيب بن المهلب قد جاء غائرا. فقال:
هذا والله فرس أبي بسطام ولا أحسبه إلاّ قد قتل، وقال له بعض من معه:
إني لأظنه كما قلت وأنت تشم التفاح، وكان معه تفاحة يشمها لضعفه.
فدعا يزيد بفرسه الأشقر ثم ذكر قول القائل في الأشقر: إن تقدم نحر وإن تأخر عقر، فتطير وقال: ائتوني بفرسي الأشهب فأتي به فركبه وحمل فلما توسط المعركة لقيه القحل (١) بن عياش بن حسان بن سمير بن شراحيل بن عزين من ولد زهير بن جناب الكلبي، فاختلفا ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه، وله يقول المسيّب بن رفل بن حارثة بن جناب بن قيس بن أبي جابر بن زهير بن جناب الكلبي:
قتلنا يزيد بن المهلب بعد ما … تمنّيتم أن يغلب الحقّ باطله
وما كان في أهل العراق منافق … عن الدين إلا من قضاعة قاتله
تخلّله فحل بأبيض صارم … حسام جلا عن شفرتيه صياقله
وقال أبو مخنف: جلس مسلمة على تل وحوله حماة أهل الشام، وقصد أصحاب يزيد التل فلما رآهم مقبلين انحدر، وركب يزيد فرسا له أشهب وقاتل فصدم أهل الشام أهل العراق صدمة منكرة واختلط الناس،
стр. 3340
وفقد يزيد فقال المهلب بن العلاء: ويحكم اطلبوا محمد بن المهلب فإن فيه خلفا من يزيد إن كان يزيد قتل، فطلب يزيد فلم يوجد فألقى ابن العلاء اللواء وخنس في الناس.
ودخل أهل الشام عسكر يزيد فأسروا ثلاثمائة فسمي ذلك اليوم يوم التل، ويوم العقر لأن مسلمة كان على تل، فلما أقبل الناس نحوه نزل عنه.
وقتل في المعركة يزيد بن المهلب، وحبيب، ومحمد بنو المهلب، وعبد ربه، والحجاج بنو يزيد بن المهلب، وحرب بن محمد.
وقال قوم من قيس: قتل يزيد الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، وقيل للهذيل: انزل فاحتز رأسه فأنف وقال: أنا أنزل فأحتز رأسه؟ - استنكافا-.
وقدم فلّ يزيد بن المهلب واسطا على معاوية بن يزيد بن المهلب، فقدّم عدي بن أرطاة ومن في الحبس معه فقتلهم، وأراد قتل نساء آل المهلب لئلا يؤسرون فأغلقن الباب دونه، فقال: أولى، أما والله لو ظفرت بكنّ ما أبقيت منكنّ واحدة، والله أولى بالعذر.
ومضى معاوية إلى البصرة، وتحمل منها ففي ذلك يقول ثابت قطنة.
وما سرّني قتل الفزاريّ وابنه … عدي ولا أحببت قتل ابن مسمع
ولكنها كانت معاوي زلّة … وضعت بها أمرا على غير موضع
وكان الذين قتل معاوية بن يزيد بن المهلب: عدي بن أرطاة، وعبد الله بن عروة النصري، وابني مسمع.
стр. 3341
وقال أبو الحسن المدائني: لما قتل يزيد جاء قوم يقولون: جاء الفتح، ثم جاءت حقيقة الخبر، فقتل معاوية بن يزيد وهو على واسط عديا، وجميع من كان معه، وكان عدي قال ليزيد: استبقني فهو خير لك، فقال له: اني لخليق أن أشدك بالحديد وأضعك بيني وبين أهل الشام. فقال: إذا لا يمنعهم ذلك من الإغراق في النزع.
قال: وأسر من أصحاب يزيد في المعركة ألفان وثمانمائة، فبعث بهم مسلمة بن عبد الملك من العقر إلى ذي الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية وكان عامله على الكوفة.
وحدثني حفص بن عمر المعروف بالعمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش، وأخبرني الأثرم عن أبي عبيدة وقرأت على المدائني قالوا: لما قتل يزيد وأتى برأسه ورؤوس أصحابه إلى مسلمة أرسل بها مسلمة والعباس بن الوليد مع عذام بن شتير الضبي إلى يزيد بن عبد الملك وافدا وبشيرا، وبعث برأس يزيد خاصة مع محمد بن عمر المخزومي، فلما وردت الرؤوس على يزيد بن عبد الملك سجد ودعا بحجام فأخذ من ناصيته ونواصي من حضره، وكان ابن شهاب الزهري فيمن حضره، وكان أصلع شديد الصلع، فأخذ الحجام شعرات من قفاه.
وأقطع يزيد بن عبد الملك محمد بن عمر المخزومي مهلبان (١)، وأقطع عذام بن شتير أرض زياد بن المهلب. وقال الفرزدق.
стр. 3342
لولا دفاعك يوم العقر ضاحية … عن العراق ونار الحرب تلتهب
لولا دفاعك عنهم عارضا لجبا … لأصبحوا عن جديد الأرض قد ذهبوا
لما التقوا وجنود الشام فاجتلدوا … بالمشرفيّة فيها الموت والحرب
خلّوا يزيد فتى المصرين منجدلا … بالعقر منهم ومن ساداتهم عصب
حامى سنان عليه في كتيبته … وأسلمته هناك العجم والعرب
(١) سنان مولى بني مسمع، كان صبر في أربعمائة من القراء.
قالوا: وكان سعيد بن عمرو الحرشي قال قبل القتال لمسلمة بن عبد الملك: ان محمدا كان لي ودّا، فلو أذنت لي فلقيته فأعطيته أمانا، لعله يصرف يزيد عن رأيه، قال: فسر إليه فأعطهم جميعا الأمان، فدنا سعيد بن عمرو من عسكرهم ونوّه بمحمد فأتاه فقال: يا أبا حرب أعن رأي ملئكم كان هذا؟ قال: إن يزيد خاف على نفسه، ففعل ما ترى، فأمنه، فأبى يزيد قبول الأمان.
وقال أبو الحسن المدائني: نظر الحسن بن أبي الحسن إلى النضر بن أنس بن مالك، أو موسى بن أنس، وهو يقول: أيها الناس ما تنقمون من أن يقام لكم كتاب الله، فقال الحسن: وهذا ابن أنس قد شمر، قاتل الله ابن المهلب، اطرقي وميّشي، خرقاء وجدت صوفا (٢).
стр. 3343
الطرق: الضرب ومنه قيل مطرقة الصانع، ومطرقة النجار وهي عوده. والميش: خلط الشعر بالصوف. ميّشت، أميّش، ميشا. وهذا مثل سائر.
ومن رواية أبي مخنف أن يزيد قام فحرض الناس على القتال فقال: ان هؤلاء قوم لن يردعهم عن غيّهم إلا الطعن في أعينهم، والضرب على هامهم، إنه ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء - يعني مسلمة - وعاقر الناقة نسطوس بن نسطوس - يعني العباس - الذي كان سليمان بن عبد الملك عزم على نفيه فكلمته فيه حتى أقره على نسبه، ليس يهمهما إلاّ تشريدي في الأرض ولو جاؤوا بأهل الأرض جميعا ما برحت العرصة حتى تكون لي أو لهم. فقيل له: إنا نخاف أن تصنع كما صنع ابن الأشعث. قال: أن ابن الأشعث فضح الذمار وفضح حسبه، هل كان يخاف أن يفوت أجله.
المدائني عن رجل عن ابن عياش عن جعفر بن سليمان الأزدي قال:
لما انتهى يزيد إلى سوراء من أرض بابل نزل العقر فقال: ما اسم هذا المنزل؟ قيل: العقر. قال: انا لله وانا إليه راجعون. وتطيّر ثم دعا بدرعه فصبّها عليه وتقلد بسيفه، ثم دعا بقباء محشو فلبسه، ثم دعا اسماعيل بن عطارد فقال: حدثني عن ابن الأشعث. قال: هزم من الزاوية، فأتى دير الجماجم فهزم، فأتى المدائن فهزم، فأتى مسكن وهي عند دجيل الأهواز فهزم، فأتى جنديسابور فهزم، فأتى سابور. فقال يزيد: سوءة له، أما استطاع أن ينغمس في الموت ثم يغمض إغماضه، فوالله ما هي إلا رقدة إلى يوم القيامة، فعلم أنه وطّن نفسه على أنه لا يبرح حتى يموت - وتمثل بقول الشاعر:
стр. 3344
باست امرئ لم يطب نفسا بميتته … إنّ الكرام على ما نابهم صبر
فلما التقوا أغمض كما قال حتى قتل.
قال: ولما لبس سلاحه، دخلت عليه جاريته بسّامة، وكانت من أحبّ الناس إليه، وقد تهيأت وتلبست فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فكرة ذلك كراهة شديدة، وتبسم وقال:
رويدك حتى تنظري عمّ تنجلي … غمامة هذا العارض المتألّق
ثم خرج فقال لدارس: كن قريبا، ثم أطاف على رايات أهل الشام يسأل عن راية راية منها، فقال: أوّه، يقاتلني بقومي من لا قوم له.
وقال أبو مخنف: لما قتل يزيد وانهزم الناس كان المفضل يقاتل أهل الشام، وهو لا يعرف خبر يزيد، ولا أنه قد قتل وأن الناس انهزموا، وإنه لعلى برذون له سمند (١) قريب من الأرض، وأمامه مجفّفة كلما حمل عليهم انكشفوا فيحمل ثم يرجع، حتى يكون من وراء أصحابه، وكان لا يلتفت من أصحابه أحد إلا قال له: لا تلتفت وأقبل بوجهك على عدوّك.
وجعل عامر بن العميثل الأزدي يضرب بسيفه ويقول:
قد علمت أم الصبيّ المولود … أنّي بنصل السّيف غير رعديد
وانكشف جلّ ربيعة، فناداهم المفضل: الكرّة، الكرّة يا معشر ربيعة، نفسي لكم الفداء، اصبروا ساعة فما كنتم بكشف ولا لئام وما الفرار لكم بعادة ولا يؤتينّ أهل العراق من قبلكم.
стр. 3345
فبينا هو كذلك إذ قيل له: ما تصنع ههنا وقد قتل يزيد، وحبيب، ومحمد، وانهزم الناس؟. فتفرق من مع المفضل، وأخذ المفضل الطريق إلى واسط، وجاء أهل الشام إلى عسكر يزيد بن المهلب.
وقال أبو الحسن المدائني: قال أبو اليقظان: لما قتل يزيد أقبل عبد الملك إلى المفضل فكره أن يخبره بقتل يزيد فيستقتل، وقال: إن الأمير قد انحدر إلى واسط، فانحدر المفضل بمن بقي من ولد المهلب إلى واسط، فلما علم بقتل يزيد حلف ألا يكلم عبد الملك أبدا، فما كلمه حتى قتل بقندابيل.
قال: وكانت عين المفضل فقئت في الحرب فقال: فضحني عبد الملك آخر الزمن، وما عذري عند الناس إذا نظروا إلى شيخ أعور مهزوم، ألا صدقتني فقتلت كريما؟.
وقال المفضل:
لا خير في طعن الصناديد بالقنا … ولا في لقاء الحرب بعد يزيد
وقال هشام بن محمد الكلبي عن أبيه محمد بن السائب: قتل يزيد بن المهلب يوم التل القحل بن عياش، واسم القحل عمرو، وقتله يزيد أيضا ضرب كل واحد منهما صاحبه.
وقال المدائني: يقال إن الهذيل بن زفر قتل يزيد، وأن القحل احتزّ رأسه، وجاء به إلى مسلمة. والخبر الأول أثبت.
المدائني عن سحيم بن حفص: أن يزيد بن عبد الملك لما قدم عليه برأس يزيد بن المهلب، ورؤوس من قتل معه من أهل بيته أمر أن يطاف بها
стр. 3346
في أجناد الشام، وكان الذي عرّفهم الرؤوس: الحواري بن زياد بن عمرو العتكي.
وبادر العباس بن الوليد فوجّه بالبشارة إلى يزيد بن عاتكة عذام بن شتير، قبل أن يوجه بها مسلمة أحدا.
وقال الهيثم بن عدي: قال ابن عياش وعوانة: نزل يزيد العقر من سوراء ومعه ثلاثة آلاف من الاباضية عليهم جعفر بن شيمان الأزدي فقال يزيد. يا دارس كن مني قريبا.
وتقدم محمد بن المهلب فأنشب الحرب، وكان مشئوما فقتل أهل الشام من الاباضية نحوا من ألفين، وعطفوا على يزيد فقاتل فقتل، وطلبه أصحابه فلم يقدروا عليه، وأصيب دارس مقتولا، ونظروا فإذا في وجه يزيد وصدره نحو من عشرين ضربه وطعنة، واحتزوا رأسه.
وعمد معاوية بن يزيد بن المهلّب، وهو على واسط، فقتل عديا، ومن حبس معه من الأسارى فقال ثابت بن قطنة الأزدي:
ما سرّني قتل الفزاري وابنه … عدي ولا أحببت قتل ابن مسمع
ولكنها كانت معاوي زلة … وضعت بها أمرا على غير موضع
وأسر من أصحاب يزيد في المعركة، وممن كان في عسكره، ألفان وثمانمائة رجل، فبعث بهم مسلمة من العقر إلى ذي الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عامله على الكوفة، وعلى شرطه بالكوفة العريان بن الهيثم. فقال ذو الشامة للعريان: لست من هؤلاء في شيء فشأنك بهم. فميّزهم فقال: يا أهل اليمن أنتم الشعار دون الدثار، وأنتم معشر ربيعة الإخوة والحلفاء، وأما هؤلاء - يعني بني تميم-
стр. 3347
فأعدى الأعداء. فكان يخرج في كل يوم عشرين من بني تميم فيضرب أعناقهم حتى قتل منهم ثمانين ومائة، ويقال قتل منهم خمسين ومائة، ويقال قتل عشرين ومائة. فقال حاجب بن ذبيان المازني:
رأيت المعيطيين خاضوا دماءنا … بغير دم حتى انتهى بهم الوحل
فما حمل الأقوام أثقل من دم … حرام ولا ذحل إذا اتّبع الذّحل
حقنتم دماء المصلتين عليكم … وحرّ (١) على فرسان غيرهم القتل
وقى بهم العريان فتيان قومه … فيا عجبا أين الأمانة والعدل
في أبيات.
وكان قتل يزيد في سنة اثنتين ومائة.
وقال أبو مخنف: أسر من عسكر يزيد بن المهلب ثلاثمائة رجل، فسرّح بهم مسلمة إلى محمد بن عمرو بالكوفة، وجاء كتاب يزيد بن عاتكة إلى مسلمة بقتل الأسارى، فأمر محمد بن عمرو بذلك، فقال للعريان:
أخرجهم عشرين عشرين. فقام قوم من بني تميم فقالوا: نحن انهزمنا بالناس فابدأوا بنا قبل الناس، فما هو إلا أن فرغ من قتلهم حتى جاء كتاب مسلمة بالكف عن قتلهم، فكان العريان يقول: والله ما أردتهم حتى قالوا: ابدأوا بنا.
وقال المدائني: كانت هزيمة أصحاب يزيد من قبل الوضّاحية، والوضّاح مولى عبد الملك بن مروان، كانت معه خيل مفرّدة.
стр. 3348
قالوا: ولما وصل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك بعث به إلى امرأته أم الحجاج بنت محمد بن يوسف التي عذبها، وكلمه يزيد بن عبد الملك فيها فلم يجبه إلى ما سأله في أمرها، فبصقت في وجهه وقالت: أراك شيخا أحمق تطلب الباطل، فقال يزيد بن عبد الملك، والله ما أشبهت أم الحجاج أمي عاتكة بنت يزيد حين أتيت برأس الحسين بن علي فأراد الرسول أن يضعه على الأرض فشتمته ودعت بوسادة فوضع عليها، ثم غسلته وطيّبته.
وقال المدائني وغيره: خرج مروان بن المهلب من البصرة هاربا وخلاّها فوثب عليها شبيب بن الحارث المازني فأخذها، ودعا ليزيد بن عبد الملك، وصلى بالناس حتى قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي من قبل مسلمة.
وكان جيهان بن محرز نازع شبيبا فيها فقهره شبيب ببني مازن، وكان جيهان قاتل مع عدي بن أرطاة.
وقام عطاء مولى بني شقرة - واسم شقرة معاوية بن الحارث بن تميم - وكان عطاء أعور فجعل يقول: جاءكم الأمان. فقال الشاعر:
أليس عجيبا بحقّ الإله … قيام عطاء على المنبر
يخبّر عنهم بأخبارهم … وما خبر الكاذب الأعور
المدائني عن الربيع بن صبيح قال: جاءتنا هزيمة يزيد بن المهلب ومقتله فلما كان نصف النهار قال أبو نضرة: من يصلي بالناس؟ وخرج شبيب بن الحارث إلى الأبلة، وأمر الحسن أن يصلي بالناس فقال أنس: إني عليل. فغضب أبو نضرة وقال: يا سبحان الله تأتي جمعة لا يصلى فيها بمصر
стр. 3349
من أمصار المسلمين، ودخل على الحسن فقال له: إن الناس لا يصلون حتى تخرج، فإذا الحسن قد جاء معتمدا على رجل، فقام على الأرض فخطب وقرأ في خطبته: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)﴾ (١) ولم يقعد في الخطبة ثم أقام المؤذنون فقرأ: الجمعة، وسبّح اسم ربك الأعلى.
قالوا: وصلب مسلمة بن عبد الملك جثة يزيد بن المهلب، وعلق معه خنزيرا ومرديا (٢) وزقّ خمر وسمكة.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا الحكم بن عطية قال: سمعت الحسن سئل عن قول الله: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً)﴾ (٣) فقال: ألم تروا إلى عدو الله ابن المهلب يدعو إلى كتاب الله وسنّة نبيه وقد نبذهما وراء ظهره.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن أبي بكر الهذلي قال: كنا عند الحسن فذكر يزيد فقال: عجبا لهذا الحمار النّهاق يدعو - زعم - إلى كتاب الله وسنة نبيه وقد نبذهما وراء ظهره، اللهم اصرع ابن المهلب صرعة تجعله بها نكالا لما بين يديه وما خلفه وموعظة للمتقين. وا عجبا لهذا الحمار النهاق بينا هو يضرب أعناقنا بالأمس تقربا إلى بني أمية، إذ رأى منهم نبوة واصابته جفوة فنصب قصبا عليها خرق، ثم قال: أدعوكم إلى السنّة، ألا وإن من السنة أن تجعل رجلاه في قيد، ويجعل حيث جعله عمر بالأمس.
стр. 3350
خبر آل المهلب بقندابيل (١)
قالوا: وهرب آل المهلب بعيالاتهم إلى قندابيل، فحرقت منازلهم بالبصرة وهدمت، وأراد مسلمة أن يوجه تميم بن زيد القيني ليتيع فلّ يزيد وولد المهلب ثم قال له: لوجّهت رجلا من بني تميم كان أبلغ فيما تريد، فوجّه هلال بن أحوز المازني، وهو هلال بن أحوز بن أربد بن محرز بن لأي بن سمير بن صباري بن حجية بن كايبة بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن غنم من بني تميم، فعقد له على اثني عشر إلفا من أهل الشام وأهل العراق، فسار وعلى مقدمته الحارث بن سليمان التجيبي فأتى قندابيل، فنصب هلال رايته ونادى مناديه: من هرب فهو آمن، ومن أتى هذه الراية فهو آمن إلاّ أن يكون من ولد المهلب، فتسارع الناس إليه.
المدائني عن جهم بن حسان السليطي قال: التقى هلال بن أحوز وبنو المهلب بقندابيل وقد عبأ هلال ميمنة وميسرة، فخرج مدرك بن المهلب يطلب المبارزة، فخرج إليه سلم بن أحوز فقيل له: أنت أخو الأمير وليس
стр. 3351
ينبغي أن تبارزه فرجع، فلامه أخوه هلال وشتمه فخرج فبارز مدركا فقتله سلم.
وكان لمدرك سيف قاطع فجعل ينبو فقال: إن هذا لأمر يراد، الله المستعان، خذلتنا سيوفنا أيضا.
ويقال إن هلالا آمن الناس إلا معاوية بن يزيد لقتله عديا وأبا حاضر الأسيدي، أو حاضر بن أبي حاضر، وإنما قتلهم وهم أسراء في يده، فانتدب معاوية بن يزيد فقال: أنا قاتل أبي حاضر الأسيدي، أو قال: قاتل حاضر بن أبي حاضر، وعدي وابنه، فحمل عليه رجل من أهل الشام فقتله، ويقال قتله رجل من بني كعب بن عمرو بن تميم كأنه سفود من شدة سواده.
وكان أمير آل المهلب بقندابيل المفضل بن المهلب وهو أعور، أصيبت عينه يوم العقر، وكان لواؤهم مع عمرو بن قبيصة بن المهلب.
ونادى هلال: من جاء برأس فله ألف درهم حتى أتي برأس المفضل فقيل له: هذا رأس المفضل رئيس القوم، فقال: ما عهدي به أعور، فقالوا: فقئت عينه يوم العقر، فنزل حتى جلس على بساط، وأسر عثمان بن المفضل وأتى به هلال فكان الذي يخبره عن رؤوس آل المهلب فحبسه وسهّل عليه فهرب من الحبس.
ولما قتل ولد المهلب وكّل هلال بالحرم من يحفظهم، وفر عثمان بن المفضل، وأبو عينية بن المهلب، وعمر بن يزيد بن المهلب. ونادى منادي هلال: ألا برئت الذمة ممن اتبع مولّيا. وأمر أن لا يعرض أحد للنساء وما في أيديهن وقال: من رفع سترا أو دخل على امرأة فلا ذمة له.
стр. 3352
وشكت امرأة من آل المهلب أن رجلا دخل منزلها فضرب عنقه، وكان نساء آل المهلب يقلن: لو أن المهلب ولينا ما فعل بنا إلا دون ما فعل هلال بن أحوز. وأتته ميسون بنت المغيرة فسألته أن يأذن لها في دفن جثث رجالها فأذن لها.
وقال المدائني عن بشر بن عيسى عن أبي صفوان قال: أخذت امرأة من آل المهلب صحيفة فأعطتها مولى لها فكتب قتل فلان، ثم فلان، ثم فلان. للميراث.
وحدثني خلف بن سالم المخزومي وأبو خيثمة عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه، ومحمد بن أبي عينية قالا: وجه مسلمة: عبد الرحمن بن سليم الكلبي فهدم دور آل المهلب، وولى على شرطته عمر بن يزيد الأسيدي.
قالوا: وفي عبد الرحمن بن سليم يقول الفرزدق:
أرى ابن سليم يعصم الله دينه … به وأثافي الحرب تغلي قدورها
هو الحجر الرامي به الله من بغى … إذا الحرب بالناس اقشعرّت ظهورها (١)
في قصيدة.
ثم عزل مسلمة: الكلبي عن البصرة، وولاه عمان، واستعمل على البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، ووجه مسلمة مدرك بن ضب في اتّباع فلّ آل المهلب، فلما انتهى إلى كرمان لقي بها مدرك بن المهلب مقبلا
стр. 3353
من خراسان وقد انضم إليه بعض فل يزيد من أهل الكوفة وغيرهم فاقتتلوا.
وقال أبو مخنف وغيره: لقي مدرك بن ضب: مدرك بن المهلب، ومعه النعمان، ومالك ابنا ابراهيم بن الاشتر، ومحمد، وعثمان ابنا إسحاق بن محمد بن الأشعث، وصول مولى يزيد بن المهلب، فاقتتلوا فقتل يومئذ النعمان بن ابراهيم ومحمد بن إسحاق، وجرح عثمان بن إسحاق جراحة فمضى متحاملا حتى انتهى إلى حلوان، فدلّ عليه فقتل، وبعث برأسه إلى مسلمة.
ومضى مالك بن ابراهيم بن الأشتر إلى الكوفة فطلب الأمان من مسلمة فأمنه، وأسر صول فبعث به ابن ضب إلى مسلمة فقال: أنت الذي كتبت على سهمك: صول يدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه؟ وأمر به فضربت عنقه، وتخلص مدرك فقتل بقندابيل.
حدثني علي الأثرم عن أبي عبيدة عن يونس النحوي عن أم ولد معاوية بن يزيد بن المهلب قالت: كنا بقندابيل فما راعنا الا خيل هلال بن أحوز، وإن معاوية لجالس يأكل شهدانج وسمسما، فقام متعجلا فلبس سلاحه، ثم خرج فقتل هو وأهل بيته، وقتل المفضل وهو أميرهم، وعبد الملك أخوه لأمه بهلة، وزياد وكان - قيل - على عمان، ومروان وكان على البصرة، والمنهال بن أبي عيينة وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة بن المهلب، وحملت رؤوسهم وفي آذانهم الرقاع بأسمائهم.
стр. 3354
وقال الهيثم بن عدي: أسر من آل المهلب ثلاثة عشر رجلا، فقدم بهم على مسلمة، وهو بواسط فوجههم إلى يزيد بن عاتكة وعنده كثير بن عزة فأنشده:
حليم إذا ما نال عاقب مجملا … أشدّ عقاب أو عفا لم يثرّب
فعفو أمير المؤمنين وحسبة … فما تأته من صالح لك يكتب
أساؤوا فإنّ تعفو فإنك قادر … وأفضل حلم حسبة حلم مغضب (١)
فقال يزيد: يا أبا صخر هيهات، أطّت بك الرحم. لا سبيل إلى ذاك، إن الله أقاد منهم بأعمالهم الخبيثة. ثم قال: من يطلب آل المهلب بدم فليقم، فقام يزيد بن أرطاة فقال: يا أمير المؤمنين قتلوا أخي، وابن أخي.
فقال: خذ منهم رجلين فاقتلهما ففعل.
وقام ابن لعبد الله بن عروة البصري فقال: يا أمير المؤمنين قتلوا أبي، فقال: اقتل منهم رجلا. ثم أمر ببقيتهم فقتلوا حتى كان آخرهم غلام، فقالوا: هذا غلام صغير. فقال: اقتلوني فما أنا بصغير، فقيل: انظروا أنبت؟ فقال: أنا أعلم بنفسي قد شوكت ووطئت النساء فقال يزيد:
اضربوا عنقه، فقتل.
وقال يزيد لرجل من اليمانية: كيف كانت غزاتكم بالعراق؟ قال:
قتلنا أشرافنا وجئناك فقال: أما يزيد فقد طلب عظيما ومات كريما.
وكتب يزيد في قبض آل المهلب وهدم دورهم ولم يكن ليزيد دار، إنما كان ينزل دار المهلب، وكان يزيد يقول: داري السجن أو دار الإمارة.
стр. 3355
قالوا: وبعث هلال بن أحوز إلى أم الفضل بنت غيلان بن خرشة، وهي أم مخلد بن يزيد أن اختاري من يخرج معك فاختارت قوما من مواليهم يخرجون معها ومع نساء آل المهلب، وبعث معهم بمشيخة من أهل الشام، وبعث بالرؤوس إلى مسلمة بن عبد الملك فورد العراق وقد عزل مسلمة بن عبد الملك، وولي عمر بن هبيرة، فأخذ ما كان في أثقالهن وبسط عليهن حتى استنطف ما كان عندهن فأخذ الرقيق لنفسه، وخاف أن يخرج النساء إلى الشام فيخبرن بما صار إليه فكتب إلى يزيد يستعفيه لهن من الشخوص فأعفاهن.
وقال أبو عبيدة: لما طيف برأس يزيد والرؤوس التي كانت مع رأسه بالشام، ردت إلى البصرة فنصبت بها.
قالوا: وأقام مسلمة بعد يزيد على العراق ثمانية أشهر، ويقال ستة أشهر، فقدح فيه عند يزيد بن عبد الملك، وقيل إنه غير مأمون على الخراج، وليس هو ممن يكشف عنه. فعزله وولى العراق عمر بن هبيرة.
قالوا: وجعلت طوائف من الأزد تقول بعد قتل يزيد إنه حي. فلما تزوج عمر بن يزيد امرأته عاتكة بنت الملاءة قال الفرزدق:
لقد بيّنت بنت الملاءة من نعى … لأزد عمان جيفة ابن المهلّب (١)
قال المدائني: ولم يزل هلال على السند وقندابيل حتى قدم ابن هبيرة العراق، وقدم نساء المهلب فقال لأم مالك بنت زياد بن المهلب: قد علمت أني الوالي وأني أقدر على مضرتكم ونفعكم، وقد قتل هلال رجالكم فلم
стр. 3356
يبق، وأنا كاتب في هلال أذكر خيانته فصدقيني. وكتب إلى يزيد بن عبد الملك بذلك، وبعث بأم مالك وقرظها في كتابه إلى يزيد فكذبته، وأثنت على هلال وقالت: أحسن ولايتنا بعد أن بالغ في أمرك ولم يبق غاية في طاعتك، فكتب يزيد إلى ابن هبيرة يعنفه.
وقد قيل إن النساء أشخصن إلى يزيد أشخصهنّ ابن هبيرة فخلى سبيلهن.
قالوا: وبقي عيينة بن المهلب، وعثمان بن المفضل بن المهلب، وعمر بن يزيد بن المهلب، عند رتبيل بسجستان، فبعثت هند بنت المهلب إلى يزيد في طلب الأمان لأبي عيينة فأمنه فقدم العراق وبقي عمر بن يزيد، وعثمان بن المفضل عنده حتى قدم أسد بن عبد الله القسري أميرا على خراسان، فكتب إليهما بأمانهما فقدما خراسان.
وقال بعض الرواة: كان الأسراء الذين قدم بهم على يزيد بن عبد الملك فأمر بقتلهم: المعارك، وعبد الله، والمغيرة، بني يزيد بن المهلب، ودريد، والحجاج ابني حبيب بن المهلب، وغسان، وشبيب والفضل بني المفضل بن المهلب، والمفضل بن قبيصة بن المهلب، والفضل، والمنجاب ابني يزيد بن المهلب.
وقال الفرزدق حين قتل يزيد بن المهلب:
إذا ما المزونيّات أصبحن حسّرا … يبكّين أشلاء على عقر بابل
فكن طالبا بنت الملاءة إنها … تذكّر ريعان الشباب المزايل (١)
стр. 3357
المدائني قال: أتى الحسن يزيد بن المهلب في حاجة قبل محاربته عديا، فقام يزيد فأخذ بركابه فحدث بذلك سوار بن عبد الله، فقال: إن هذا الخبر صدق. في يزيد إعظامه أهل الدين والعلم.
وقال أبو الحسن المدائني: وجه يزيد بن عبد الملك على البصرة رجلا من أهل الشام يقال له سفيان بن عمير الكندي، وهو الذي خطب فقال:
إن المرأة لا تجوز ذبيحتها، وقال: العارية تردّ والمنحة تردّ والعمرى لمن أعمرها.
حدثني هدبة بن خالد عن أبي هلال الراسبي عن قتادة قال: قلت لسفيان بن عمير وقال لي: ما تقول في امرأة زعمت أن زوجها لا يأتيها.
قلت: تستحلف بالله. فقال الحسن: ما تقول أنت. قال: يجرّب بغيرها. فقال: أما إنّ قتادة قال بقول أهل الشام.
وقالوا: أتى سعيد بن عمرو الحرشي يزيد بن المهلب وهو محبوس، فأمر له بخمسين ألفا فقال عدي بن الرقاع العاملي:
لم أر محبوسا من الناس واحدا … حبا زائرا في السجن غير يزيد
سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازه … بخمسين ألفا عجّلت لسعيد (١)
وقال أبو الحسن المدائني عن مسلمة بن محارب. مات هلال بن أحوز عند هشام فصلى عليه فقال له جميري أخوه: يا أمير المؤمنين لو دعوت له بالمغفرة. فقال رجل من أهل الشام: أو لم يغفر الله له وقد صلى عليه أمير المؤمنين؟
стр. 3358
وقال الفرزدق:
لعمرك ما أنسى ابن أحوز ما جرى … الرياح وما ناح الحمام وغردا (١)
وقال معن بن عمرو:
وباكية هبّت بليل فراعني … تحوّبها تبكي على ابن المهلب
فقلت لها لما سمعت نحيبها … ألا فاندبي البهلول غير المجدّب
أعفّ وأحيا من فتاة حييّة … وأجرأ من ليث بخفّان أغلب
الهيثم عن الضحاك بن زمل قال: لما قدم على يزيد بأسرى آل المهلب الذين بعث بهم مسلمة، شاور من حضره فقال: ما تقولون في هؤلاء؟ قال: بعض من حضر: قد قدرت يا أمير المؤمنين فاعف، فقام عثمان بن حيّان المرّي فقال: والله ﴿لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ (٢) فقال رجاء بن حيوة: بل نقول كما قال الله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (٣) وكان يلعن يزيد بعد خلعه.
وقال رجاء لعثمان: ما دعاك إلى ما قلت؟ قال: أبا المقدام. إن الله خلق للنار أهلا فجعلني منهم، وخلق للجنة أهلا فجعلك منهم، فقال رجاء: ما أنا عند نفسي من أهل الجنة. ثم دفعهم يزيد إلى زيد بن أرطاة وإلى ابن النصري وغيرهما فقتلوا.
стр. 3359
قالت الحوراء بنت عروة النصري:
أيزيد حاربت الملوك ولم تكن … تلقى المحارب للملوك رشيدا
لما وجدت عصابة أوردتها … حوضا سيورث ورده التفنيدا
فالبيت ذا الحرمات لست بنائل … والأكرمين شمائلا وجدودا
رهط النبيّ بنى الإله عليهم … سقف الهدى ومن القران عهودا
قوم هم منّوا عليك وأفضلوا … حتى لبست من الطراز برودا
فكفرت نعمتهم هناك وإنما … تلد العبيد المقرفون عبيدا
طلب الخلافة في هجان فلم يجد … بهجان من شجر الخلافة عودا
حدثني هدبة بن المبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول:
وا عجبا من يزيد علج أهل هجان، وطائر من أطيار الماء، اتخذ سيفه برهة مخراقا في طاعة بني أمية حتى إذا منع لماظة من عيش نصب خرقا على قصب وقال: إني غضبت، فاغضبوا فاتبعه فراش نار، وذئبان طمع، يدعو إلى سنّة العمرين، يا فاسق إن من سنتهما أن تردّ إلى محبس عمر بن عبد العزيز.
وقال أبو النجم:
إنّ الذي مدّ علينا نقمه … وقد ظلمنا أنفسا مظلمة
حين أحاطت بالعراق الدمدمة … فالله نجّانا بكفّي مسلمة
من بعد ما وبعد ما وبعدمه … كانت نفوس القوم عند الغلصمة
وكادت الحرة أن تدعى أمه
وقال الأحوص بن محمد في شعر مدح به يزيد بن عاتكة وذكر ابن المهلب:
стр. 3360
ما زال ينوي الغدر والنكث راكبا … لعمياء حتى استكّ منه المسامع
وحتى أبيد الجمع منه فأصبحوا … كبعض الألى كانت تصيب القوارع
فأضحوا بنهري بابل ورؤوسهم … تخبّ بها فيما هناك الخوامع (١)
وقال الفرزدق:
لقد عجبت من الأزديّ جاء به … يقوده للمنايا حين مغرور
حتى رآه عباد الله في دقل … منكّس الرأس مقرونا بخنزير
القلس أهون بأسا أن تعود به … في الماء مطلية الألواح بالقير (٢)
وقال الأسدي:
عجبت لهذي العلوج اللئام … تمنّى الخلافة في كل عام
تمنّى الخلافة غلفانها … ولما تناطح طول العلام (٣)
وقال جرير:
آل المهلب جذّ الله دابرهم … أضحوا رمادا فلا أصل ولا طرف
إنّ الخلافة لم تجعل ليملكها … عبد لأزدية في بطنها عقف
ما نالت الأزد من دعوى مضلّهم … إلا المعاصم والأعناق تقتطف
والأزد قد جعلوا المنتوف قائدهم … فقتّلتهم جنود الله وانتتفوا (٤)
стр. 3361
وقال الفرزدق:
أحلّ هريم يوم سوراء بالقنا … نذور نساء من تميم فحلّت
عشية لا يدري يزيد اينتحي … على السيف أم يعطي يدا حين شلّت
وما كرّ إلا كان أول طاعن … ولا أبصرته الخيل إلا اقشعرت
كأنّ رؤوس الأزد خطبان حنظل … تحرّز عن أكنافها حين ولّت (١)
وقال أيضا:
كيف ترى بطشة الله التي بطشت … بابن المهلب إنّ الله ذو نقم
قاد الجياد من البلقاء منصلتا … شهرا تقلقل بالأرسان واللجم
حتى أتت أرض هاروت لعاشرة … فيها بنو دحمة الحمراء كالحمم
فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم … كأنهم من ثمود الحمر أو إرم (٢)
وقال الطرمّاح ليزيد:
لحى الله قوما أسلموك ببابل … أبا خالد تحت السيوف البوارق
فتى كان عند الموت أكرم منهم … حفاظا وأعطى للجياد السوابق
وقائلة تنعى يزيد وقائل … سقى الله جزل السّيب عف الخلائق
ولما نعى الناعي يزيد تزلزلت … بنا الأرض وارتجّت بمثل الصواعق (٣)
في أبيات. وقال ذو الرّمّة:
لودّت الأزد إذ رثّت حبائلهم … أنّ المهلّب لم يولد ولم يلد
стр. 3362
كانوا ذوي عدد ثرّ وعائرة … من السلاح وأبطالا ذوي نجد
فما ترى منهم من بعد كثرتهم … إلا الأرامل والأيتام من أحد (١)
وقال الفرزدق من قصيدة له:
ونحن أرينا الباهلية ما شفت … به نفسها من كل رأس معلّق
ونحن أزحنا عن خويلة جحدر … شجى كان منها في مكان المخنّق
الباهلية أم عباد بن عطية، وكانت امرأة عدي بن أرطاة.
ونحن قتلنا بابن أرطاة منهم … ثمانين تحت العارض المتألق
وكائن بقندابيل من جسد لهم … وبالعقر من رأس تدهدى ومرفق
وذات حليل أنكحتها رماحنا … حلالا لمن يبني بها لم تطلّق
جعلنا أثافي قدرنا رأس زوجها … وكفيه في أيد سقطن وأسوق (٢)
وقال الفرزدق:
تبكي على المنتوف بكر بن وائل … وينهى عن ابني مسمع من بكاهما
غلامان شابا في الحروب وأدركا … كريم المساعي قبل وصل لحاهما
فلو كان حيا مالك وابن مالك … إذا أوقدا نارين يعلو سناهما (٣)
وقال الفرزدق في هلال بن أحوز في أبيات:
جدعت عرانين المزون فلا أرى … أذل وأخزى منهم حين صرّعوا
стр. 3363
وحمّلت أعجاز البغال رؤوسهم … محذفة في كل بيداء تلمع
جماجم أشياخ كأنّ لحاهم … ثعالب موتى أو ثعام مترّع (١)
وقال رؤبة:
والأزد سوء صنيعها موصوف … قد أزحفتها الفتية الزحوف
لو زادها يزيد والمنتوف … عقلا وطير بابل العكوف (٢)
يقول: لو كان يزيد قتيل هؤلاء عكوف الطير عليهم عقلا.
وقال حاجب بن ذبيان المازني:
لقد قرّت بقندابيل عيني … وساغ لي الشراب على الغليل
غداة بنو المهلب من أسير … يقاد به ومصلوب قتيل
خلا سيف ابن أحوز عن نزار … وشدّات ابن أحوز كل قيل
بكل مقلص (٣) … يمشي العرضنى
ظماء (٤) اللحم مشرفة التليل
أبزن (٥) … بني المهلب في فواق
وكل مهند عضب صقيل
تقطعت الأمور بهم وكانت … عليهم مثل راعية الفصيل
أضلّهم ابن دحمة (٦) … وازدهتهم
مشبهة تضلّ ذوي العقول
أليس من العظائم أن يروموا … وراثات الخلائف والرسول
стр. 3364
وقال ثابت قطنة:
وليوم قندابيل أورث ذلّة … قومي ويوم العقر شيّب مفرقي
يا هند إنّ أخاك صادف حتفه … بحبائل الأجل الذي لم يسبق
وتغيبت عنه الكماة وغاله … زمن كظل السّرجة المتصفق
والدهر لا يبقي على حدثانه … عصم موقنة برأس محلق
كيف العزاء وقد أصيب ذوو الحجا … منا وأهل النائل المتدفق
وقال أبو الحمراء المنقري:
أبا خالد لو خلّد الجود واحدا … أبا خالد كنت الجواد المخلّدا
سقى الله أجسادا ببابل غودرت … غداة رأينا الراعبيّ مقصّدا
حبيبا وعبادا وذا الباع والندى … يزيدا وأسقى الله ربي محمدا
أقول لهم لما أتاني نعيّهم … جزى الله خيرا ما أعفّ وأمجدا
قالوا: وكان رجاء بن حيوة يلعن يزيد بن المهلب حين أتاه خبره، وقد قيل في آل المهلب شعر كثير جدا.
حدثني علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة قال: لما كتب يزيد بن المهلب الى ابن عاتكة يطلب الأمان كتب له أمانا ووجه به خالد بن عبد الله، وأتاه كتاب عدي بخلع يزيد فبعث فرد رسل يزيد بن المهلب وقال: كذبتم أمير المؤمنين وأوطأتموه العشوة، فقالوا: أما عهدنا به فإنه لم يخلع ولم يسفك دما. فأمر بهم الى السجن فلم يخرجوا منه حتى قدم بآل المهلب من قندابيل.
ومن رواية أبي عبيدة معمر بن المثنى أن الأسرى لما حملوا الى يزيد بن عبد الملك قام خالد بن عبد الله القسري فذكر العفو والصفح، وكان مفوّها، وقال: انهم أحداث لا جرائم لهم ورقّقه عليهم بجهده حتى همّ
стр. 3365
بالعفو عنهم، فقام عثمان بن حيّان المرّي فقال: كلا يا أمير المؤمنين لا تعف عنهم واحصدهم بمعصيتك كما انبتّهم بطاعتك، فلعمري ما ترضى عشيرة منا أذنبت ذنبا وقد صفحت عن هؤلاء الا أن تصفح عن ذنوبهم، فمن هؤلاء الأعلاج الذين لا أصل لهم ولا فرع. نكّل بهم يرتدع غيرهم يا أمير المؤمنين.
وأشار عليه رجاء بن حيوة بالعفو عنهم وقال: ان الله يقول:
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ فأبى يزيد بن عاتكة أن يعفو عنهم، ودفع بكل رجل ممن قتل مع عدي بن أرطاة رجلا الى وليه، ثم خلى الباقين ويقال قتلهم.
وقال أبو عبيدة: وجه مسلمة في إثر معاوية بن يزيد بن المهلب عبد الرحمن بن سليم الكندي، وكان معاوية قد أعد له سفينة في الزردات، فركبها حتى وافى الأهواز، فلم يلحقه عبد الرحمن وأقام بالبصرة فولاه مسلمة إياها، ثم عزله وولاه عمان، وولى البصرة ابن بشر بن مروان.
وقال أبو عبيدة: استأذنت باهله في صلب يزيد بن المهلب، فأذن لها فصلبوه منكسا وشدوا على بطنه سمكة، ثم نزعوها وشدوا مكانها زقا من خمر، ثم نزعوه وشدوا إليه خنزيرة بيضاء كانوا يرونها في قرية عند موضع الوقعة.
وقال أبو عبيدة: أراد مسلمة ألا يواقع يزيد حتى يعرض عليه الأمان، فقال العباس بن الوليد: لا تؤمنه فلا يبقى أحد الا خلع وأفسد وسفك الدماء ثم ركن الى الأمان، فأبى وأمنه فلم يقبل يزيد أمانه.