← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

وقال الفرزدق: أحلّ هريم يوم سوراء بالقنا … نذور نساء من تميم فحلّت عشية لا يدري يزيد اينتحي … على السيف أم يعطي يدا حين شلّت وما كرّ إلا كان أول طاعن … ولا أبصرته الخيل إلا اقشعرت كأنّ رؤوس الأزد خطبان حنظل … تحرّز عن أكنافها حين ولّت (١) وقال أيضا: كيف ترى بطشة الله التي بطشت … بابن المهلب إنّ الله ذو نقم قاد الجياد من البلقاء منصلتا … شهرا تقلقل بالأرسان واللجم حتى أتت أرض هاروت لعاشرة … فيها بنو دحمة الحمراء كالحمم فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم … كأنهم من ثمود الحمر أو إرم (٢) وقال الطرمّاح ليزيد: لحى الله قوما أسلموك ببابل … أبا خالد تحت السيوف البوارق فتى كان عند الموت أكرم منهم … حفاظا وأعطى للجياد السوابق وقائلة تنعى يزيد وقائل … سقى الله جزل السّيب عف الخلائق ولما نعى الناعي يزيد تزلزلت … بنا الأرض وارتجّت بمثل الصواعق (٣) في أبيات. وقال ذو الرّمّة: لودّت الأزد إذ رثّت حبائلهم … أنّ المهلّب لم يولد ولم يلد

стр. 3362

كانوا ذوي عدد ثرّ وعائرة … من السلاح وأبطالا ذوي نجد فما ترى منهم من بعد كثرتهم … إلا الأرامل والأيتام من أحد (١) وقال الفرزدق من قصيدة له: ونحن أرينا الباهلية ما شفت … به نفسها من كل رأس معلّق ونحن أزحنا عن خويلة جحدر … شجى كان منها في مكان المخنّق الباهلية أم عباد بن عطية، وكانت امرأة عدي بن أرطاة. ونحن قتلنا بابن أرطاة منهم … ثمانين تحت العارض المتألق وكائن بقندابيل من جسد لهم … وبالعقر من رأس تدهدى ومرفق وذات حليل أنكحتها رماحنا … حلالا لمن يبني بها لم تطلّق جعلنا أثافي قدرنا رأس زوجها … وكفيه في أيد سقطن وأسوق (٢) وقال الفرزدق: تبكي على المنتوف بكر بن وائل … وينهى عن ابني مسمع من بكاهما غلامان شابا في الحروب وأدركا … كريم المساعي قبل وصل لحاهما فلو كان حيا مالك وابن مالك … إذا أوقدا نارين يعلو سناهما (٣) وقال الفرزدق في هلال بن أحوز في أبيات: جدعت عرانين المزون فلا أرى … أذل وأخزى منهم حين صرّعوا

стр. 3363

وحمّلت أعجاز البغال رؤوسهم … محذفة في كل بيداء تلمع جماجم أشياخ كأنّ لحاهم … ثعالب موتى أو ثعام مترّع (١) وقال رؤبة: والأزد سوء صنيعها موصوف … قد أزحفتها الفتية الزحوف لو زادها يزيد والمنتوف … عقلا وطير بابل العكوف (٢) يقول: لو كان يزيد قتيل هؤلاء عكوف الطير عليهم عقلا. وقال حاجب بن ذبيان المازني: لقد قرّت بقندابيل عيني … وساغ لي الشراب على الغليل غداة بنو المهلب من أسير … يقاد به ومصلوب قتيل خلا سيف ابن أحوز عن نزار … وشدّات ابن أحوز كل قيل بكل مقلص (٣) … يمشي العرضنى ظماء (٤) اللحم مشرفة التليل أبزن (٥) … بني المهلب في فواق وكل مهند عضب صقيل تقطعت الأمور بهم وكانت … عليهم مثل راعية الفصيل أضلّهم ابن دحمة (٦) … وازدهتهم مشبهة تضلّ ذوي العقول أليس من العظائم أن يروموا … وراثات الخلائف والرسول

стр. 3364

وقال ثابت قطنة: وليوم قندابيل أورث ذلّة … قومي ويوم العقر شيّب مفرقي يا هند إنّ أخاك صادف حتفه … بحبائل الأجل الذي لم يسبق وتغيبت عنه الكماة وغاله … زمن كظل السّرجة المتصفق والدهر لا يبقي على حدثانه … عصم موقنة برأس محلق كيف العزاء وقد أصيب ذوو الحجا … منا وأهل النائل المتدفق وقال أبو الحمراء المنقري: أبا خالد لو خلّد الجود واحدا … أبا خالد كنت الجواد المخلّدا سقى الله أجسادا ببابل غودرت … غداة رأينا الراعبيّ مقصّدا حبيبا وعبادا وذا الباع والندى … يزيدا وأسقى الله ربي محمدا أقول لهم لما أتاني نعيّهم … جزى الله خيرا ما أعفّ وأمجدا قالوا: وكان رجاء بن حيوة يلعن يزيد بن المهلب حين أتاه خبره، وقد قيل في آل المهلب شعر كثير جدا. حدثني علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة قال: لما كتب يزيد بن المهلب الى ابن عاتكة يطلب الأمان كتب له أمانا ووجه به خالد بن عبد الله، وأتاه كتاب عدي بخلع يزيد فبعث فرد رسل يزيد بن المهلب وقال: كذبتم أمير المؤمنين وأوطأتموه العشوة، فقالوا: أما عهدنا به فإنه لم يخلع ولم يسفك دما. فأمر بهم الى السجن فلم يخرجوا منه حتى قدم بآل المهلب من قندابيل. ومن رواية أبي عبيدة معمر بن المثنى أن الأسرى لما حملوا الى يزيد بن عبد الملك قام خالد بن عبد الله القسري فذكر العفو والصفح، وكان مفوّها، وقال: انهم أحداث لا جرائم لهم ورقّقه عليهم بجهده حتى همّ

стр. 3365

بالعفو عنهم، فقام عثمان بن حيّان المرّي فقال: كلا يا أمير المؤمنين لا تعف عنهم واحصدهم بمعصيتك كما انبتّهم بطاعتك، فلعمري ما ترضى عشيرة منا أذنبت ذنبا وقد صفحت عن هؤلاء الا أن تصفح عن ذنوبهم، فمن هؤلاء الأعلاج الذين لا أصل لهم ولا فرع. نكّل بهم يرتدع غيرهم يا أمير المؤمنين. وأشار عليه رجاء بن حيوة بالعفو عنهم وقال: ان الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ فأبى يزيد بن عاتكة أن يعفو عنهم، ودفع بكل رجل ممن قتل مع عدي بن أرطاة رجلا الى وليه، ثم خلى الباقين ويقال قتلهم. وقال أبو عبيدة: وجه مسلمة في إثر معاوية بن يزيد بن المهلب عبد الرحمن بن سليم الكندي، وكان معاوية قد أعد له سفينة في الزردات، فركبها حتى وافى الأهواز، فلم يلحقه عبد الرحمن وأقام بالبصرة فولاه مسلمة إياها، ثم عزله وولاه عمان، وولى البصرة ابن بشر بن مروان. وقال أبو عبيدة: استأذنت باهله في صلب يزيد بن المهلب، فأذن لها فصلبوه منكسا وشدوا على بطنه سمكة، ثم نزعوها وشدوا مكانها زقا من خمر، ثم نزعوه وشدوا إليه خنزيرة بيضاء كانوا يرونها في قرية عند موضع الوقعة. وقال أبو عبيدة: أراد مسلمة ألا يواقع يزيد حتى يعرض عليه الأمان، فقال العباس بن الوليد: لا تؤمنه فلا يبقى أحد الا خلع وأفسد وسفك الدماء ثم ركن الى الأمان، فأبى وأمنه فلم يقبل يزيد أمانه.

стр. 3366

وقال أبو عبيدة في روايته: كان يزيد حين شهد الحرب في رجّالة قد أطافت به فأصاب برذونه سهم فشبّ به وضرب بيده ورجله حتى عقر عدة ممن كان حوله، ثم صرعه أو نزل يزيد عنه فغار البرذون فعرفه بعضهم فقال: هذه دابة يزيد، فثاروا يطلبونه وجعلت العمانية تقول: التل التل، لتل كان هناك عظيم عال قد وقف مسلمة عليه حين قصدت الأزد وربيعة له فنزل عنه، وكان يزيد بن المهلب أخرج قوما مستكرهين فخذلوه، ومالوا الى مسلمة. وقال أبو عبيدة: بعث مسلمة برأس يزيد مع سالم بن وابصة الأسدي، وكان سالم في الوفد الذي أوفدهم برأسه ورؤوس من حملت رؤوسهم معه، فقال سالم وقد وضع الرأس بين يدي يزيد بن عاتكة: أتينا به ما نسمع الصوت في السّرى … ولا نشتكي شكوى أبين ولا قبر نعرّف أهل الحقّ بالشام رأسه … من الذل مخطوم الخياشم والثغر وقال أبو عبيدة: قال يزيد بن المهلب لدهقان برس (١): أتدلني على أرض طيبة أغرس فيها النخل والشجر، فقال: يبقيك الله ويسلمك ثم تنظر في هذا فما أكثر الأرضين. ثم قال: أرأيتم أعجب من هذا، قد غشيه البلاء وهو يسأل عن الأرضين. وكانت بيزيد خلفة من داء أو هيضة، فكان ضعيف البدن، ومعه ريحان يشمه فقال له بعض أهله: قد قرب القوم منا وأنت تشم الريحان؟ فعندها ركب فقاتل.

стр. 3367

وقال أبو عبيدة: بعث يزيد الى الخيار بن سبرة بن ذؤيب بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وهو على عمان من قبل عدي بن أرطاة، ولاه إياها بعد عامل كان له عليها، فنهاه عمر بن عبد العزيز عن توليته، والخيار لا يعلم بأمر يزيد حتى دخلت عليه رسله، وعليهم زياد بن المهلب فضربوا عنقه، وكان متحاملا على الأزد بعمان، فقال الفرزدق: لو كنت مثلي يا خيار حزمتها … بكل علاقيّ من الميس فاتر فقد كنت في أرض المهاري مسلّطا … على كل باد من عمان وحاضر ترى إبلا ما لم تحرك رؤوسها … فإن حرّكت أبصرت عين الأباعر (١) قال أبو عبيدة: وكان على السند من قبل عدي: عمرو بن مسلم، فبعث إليه يزيد بن المهلب: وداع بن حميد وهو رجل من أهل اليمن في ستة نفر ويقال في أربعة نفر فقيل له: رسل الأمير على الباب. فظنّ أنهم رسل عدي فأذن لهم، فلما قرأ الكتاب الذي مع وداع قال: أتحبون أن أعطيكم حياتي؟. وراطن غلاما له طخاريا بالطخارية أن انطلق الى بنيّ وأهل بيتي فمرهم أن يلبسوا السلاح ويسرعوا فإن هؤلاء القوم أعداء، فدخلوا البيت مصلتين، وثار وداع وأصحابه نحو عمرو فاقتتلوا، فقتل وداع ومن معه، وأمر عمرو فاحتزت رؤوسهم وألقيت في السوق.

стр. 3368

وكان ليزيد بن عبد الملك بن مروان من الولد: الوليد بن يزيد المقتول، ويحيى، وعاتكة، أمهم أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف الثقفي. وعبد الله، وعائشة، أمهما سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. والغمر لأم ولد. وهاشم وأبو سفيان لأم ولد. فأما الوليد فسنكتب خبره إن شاء الله، وأما عبد الجبار فإن ابنة محمد بن عبد الملك كانت عند روح بن الوليد بن عبد الملك، فأغضبها ففرق الوليد بن يزيد بينهما وزوجها عبد الجبار أخاه، فحقد ذلك بنو الوليد بن عبد الملك على الوليد بن يزيد. وأما سليمان بن يزيد فكان ممن أعان على قتل أخيه الوليد بن يزيد، وأما الغمر فهو صاحب سيح الغمر باليمامة، وكان جلدا عاقلا عفيفا، وكان أعرج ولي الصائفة غير مرة فغنم ما لم يغنمه أحد قط، وكانت احدى صوائفه في سنة ست وعشرين ومائة، وولي اليمامة وكانت له ضياع بالسواد، فقبضها بنو هاشم. وقال اسماعيل بن يسار مولى بني تميم بن مرة: إذا عدّد الناس المكارم والعلى … فلا يفخرن منهم على الغمر فاخر فما مرّ من يوم من الدهر واحد … على الغمر إلا وهو للناس غامر أغرّ بطاحيّ كأنّ جبينه … إذا ما بدا بدر على النجم باهر

стр. 3369

تراهم خشوعا إن رأوه مهابة … كما خشعت يوما لكسرى الأساور نماه إلى فرعي لؤي بن غالب … أبوه أبو العاصي وحرب وعامر فأضحى بإعطاء الجزيل كأنما … رماه بوتر ماله فهو ثائر قوله: حرب يعني حرب بن أمية، لأن أم أبيه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن صخر بن حرب، وأم عاتكة ابنة عبد الله بن عامر بن كريز. وقتل الغمر عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بالشام مع من قتل من بني أمية، فقال حين قدم ليقتل: ليسعني في عدلكم ما وسعكم في جورنا. فقال عبد الله: اقتلوه. فقال: إني شيخ مسنّ وإن تركتني كفتك إياي منيتي. فقال له: قد كان الحسين بن علي شيخا فقتلتموه. وأما عبد الله بن يزيد فولدته سبعة خلفاء: أبوه يزيد، وجده عبد الملك، وجد أبيه مروان وأم أبيه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وأم عبد الله بن يزيد التي قامت عنه سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان وأم عبد الله بن عمرو بن عثمان بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب. وكان لعبد الله هذا ابن يقال له عبد المطلب عظيم القدر عند المهدي والرشيد.

стр. 3370

الخوارج في أيام يزيد بن عبد الملك - خبر عقفان: قال أبو الحسن المدائني: خرج رجل يقال له عقفان بناحية دمشق في ثلاثين، فأراد يزيد بن عبد الملك أن يبعث إليه جندا فقيل له: إن قتل بهذه البلاد اتخذوها دار هجرة. قال: فما الرأي؟ قالوا: تبعث إلى كل رجل رجلا من أهل بيته يكلمه ويرده. فكان يبعث إلى كل رجل أخاه وابنه وابن عمه وأباه، فكلموهم وقالوا: إنا نخاف أن نؤخذ بكم وأومنوا فرجعوا، وبقي عقفان وحده فبعث يزيد إليه أخاه وكان أعرج يقال له ربيعة، فقال له: يا أخي إنا لا نأمن أن يجتاحنا الخليفة ويصطلمنا. فرجع وأمنه يزيد بن عبد الملك. فلما ولي هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فقدم ابنه تمّة بن عقفان من خراسان عاصيا فشده وثاقا، وبعث به إلى هشام، فقال هشام: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه ثم قال لتمه: قد وهبتك لأبيك فالحق بمكتبك، وولاه هشام الصدقة. وكان لأخيه أربعون شاة فذبح شاة منها، ثم سأل أخاه الصدقة فقال له: قد كانت لي أربعون شاة فذبحتم شاة منها، وبقي لي تسع وثلاثون شاة

стр. 3371

فلا صدقة عليها، فلم يفارقه حتى أخذ منه الصدقة شاة. ومكث عقفان عشرين سنة واليا لهشام. - أمر مسعود بن أبي زينب العبدي: قالوا: خرج مسعود بن أبي زينب أحد ولد محارب بن عبد القيس بالبحرين على الأشعث بن عبد الله بن الجارود، فخرج الأشعث عن البحرين وأخذ مسعود عبد الرحمن بن النعمان العوذي (١)، ومنصور بن أبي رجاء العوذي فقتلهما، ثم خرج إلى اليمامة وعليها سفيان بن عمرو العقيلي، ولاه إياها عمر بن هبيرة الفزاري في أيام يزيد بن عبد الملك، فخرج سفيان بن عمرو العقيلي بأهل اليمامة فلقي مسعودا بالخضرمة (٢) فقاتله فانكشف أهل اليمامة عن سفيان، ثم كروا والتقى عضّاض بن تميم بن محلم العدوي - عدي الرباب - ومسعود فاختلفا ضربتين فقتل عضاض مسعودا. وقام بأمر الخوارج هلال بن مدلج فقاتلهم يومه كله فقتل ناس من الخوارج، وقتلت زينب أخت مسعود، فلما أمسى هلال تفرق عنه أصحابه، وبقي في عصبة، فدخل قصرا فتحصن فيه، فقال عبيد الله بن مالك عم تميم بن محلّم: علام تدع هذا وقد حبس لكم نفسه، وقد تفرق أصحابه ولعل طائفة منهم تعود إليه. فطلبوا سلما فلما وجدوه أحجم الناس عنه وهابوا الإقدام، فرقى عبيد الله إلى حائط القصر وتلقاه هلال بن مدلج

стр. 3372

الخارجي على الحائط فاختلفا ضربتين فقتل عبيد الله هلالا، وجرحه هلال فبرئ من جراحاته، واستأمن من بقي في القصر فأمنهم. وقال الهيثم بن عدي: قتل مسعودا رقيب بن عبد الرحمن، مولى بني شيبان، واحتز رأسه رجل من بني سعد. والأول أثبت. وقال الفرزدق: لقد عضّ عضّاض على السيف عضّة … بأنيابه قد أثكلت أمّ زينبا كفت ضربة العضاض إذ سل سيفه … رجالا شهودا من تميم وغيّبا (١) وقال أيضا: لعمري لقد سلت حنيفة سلّة … سيوفا أبت يوم الوغى أن تعيّرا تركن لمسعود وزينب أخته … رداء وسربالا من الموت أحمرا أرين الحروريين يوم لقائهم … ببرقان يوما يجعل الجوّ أشقرا (٢) وقال الهيثم بن عدي: غلب مسعود على البحرين وناحية اليمامة تسع عشرة سنة، حتى قتله سفيان بن عمرو العقيلي، سار إليه ببني حنيفة. - أمر سعيد بن أبي زينب أخي مسعود، وعون بن بشر: قالوا: لما قتل مسعود قام سعيد أخوه بالبحرين، فقال سعيد: قال الله: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ (٣) فلا تحلّ الصلاة للسكران، وما حرّم السكر، ففارقه عون بن بشر أحد بني الحارث بن عامر بن حنيفة

стр. 3373

وأكفره، فصار أصحاب سعيد فرقتين فرقة معه وفرقة مع عون، فخرج عون عن هجر فأتى القطيف (١) فجاءه ناس كثير، وبقي سعيد بهجر، فدس سعيد رجلين ليفتكا بعون أحدهما حبشي يقال له بكير، فقدما القطيف فوجأه بكير بخنجر في خاصرته، وأخذ بكير فدفع إلى الوالي فقيل له: من أمرك بهذا؟ قال: أنت. فدفعه إلى عون فقتله، ومات عون بن بشر، وأقام سعيد بن أبي زينب بهجر ولم يقتعد. - أمر مصعب بن محمد الوالبي: قالوا: طلب عمر بن هبيرة مصعب بن محمد، ومالك بن الصّعب، وجابر بن سعد، وهم من رؤساء الخوارج، فتراسلوا والتقوا بالخورنق، فخرجوا وأمروا عليهم مصعبا ومعه أخته آمنة، فلما هلك يزيد بن عبد الملك وولي هشام بن عبد الملك وولّى خالدين عبد الله القسري، وجه خالد إليهم سيف بن هانئ الهمداني فواقعهم فقتلوا بحزّة (٢). وقال بعض الرواة: قتلوا في آخر أيام يزيد، بعث ابن هبيرة إليهم سيفا فقال فيهم بعض الشراة:

стр. 3374

فتية تعرف التخشع فيهم … كلهم حكّم القران غلاما قد برى لحمه التّهجّد حتى … عاد جلدا مصفّرا وعظاما غادروهم بقاع حزّة صرعى … فسقى الغيث أرضهم يا إماما قال الهيثم: لما أجمعوا على الخروج قال مصعب: إن شئتم كنت أميرا، وإن شئتم كنت وزيرا. قالوا: قد رضيناك أميرا. قال: وقال أيوب بن خولي البجلي يرثي جابرا بقصيدة أولها: كفى حزنا أني تذكرت جابرا … على جابر صلّت خيار الملائك قتيل قضى إذ عاهد الله نحبه … ولم ينتظر إذ قيل إنك هالك - أمر سعيد بن بهدل: قال الهيثم بن عدي: كان سعيد بن بهدل من أصحاب مروان الضعيف، وكان رأس الخوارج، وسمى الضعيف لأنه قيل له: ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقال: والله ما بي ضعف عن ذلك، ولكني ضعيف البدن وإني لا أجد أعوانا، ثم جلس سعيد بن بهدل في أصحابه فقال: لقد خفت أن يأتيني الموت بغتة قبل أن أقضي حق الله عليّ، فكيف طيب أنفسكم بالموت؟ قالوا: ما أطيبها به. وكان عنده البهلول الشيباني، والضحاك بن قيس، فأقام خمسا ثم اعتقد وبايعوه فمات بعد أيام، ولم يلق أحدا، فقال فيه الضحاك بن قيس: سقى الله يا خوصاء قبرا وحشوه … إذا رحل الشارون لم يترحّل فيا ملحق الأرواح هل أنت ملحقي … بموتى مضى فيهم سعيد بن بهدل ثم بويع البهلول بن بشر.

стр. 3375

وقال أبو الهيثم: هو أبو عمرو الشيباني، ويكنى أبا بشر، ويقال إن خروج ابن بهدل كان في أيام هشام بعد خروج البهلول. قال: وزوّج عمر بن هبيرة في أيام يزيد خارجية أتي بها من رجل من أصحابه، فقالت لزوجها: ممن أنت؟ قال: من قيس. فقالت: أنا على دين قيس، فلما أصبح قال له ابن هبيرة: كيف رأيت امرأتك فقال: خلوت بها ليل التمام فأصبحت … من الدين إلا دين قيس تخلّت (١)

стр. 3376

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أمر مسلمة بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك يكنى أبا سعيد، وأمه أم ولد، ولقبه الجرادة، لصفرة كانت تعلوه، وكان شجاعا، وقال عبد الملك في وصيته: أكرموا مسلمة فإنه نابكم الذي عنه تفترّون. وله مغاز كثيرة بالروم وأرمينية، وافتتح طوانة من بلاد الروم، وولاه يزيد بن عبد الملك العراق فقتل يزيد بن المهلب، وقال لهشام في إمرته: كيف ترجو الخلافة وأنت بخيل جبان؟ قال: إني عفيف حليم. وقال مسلمة: عجبت لمن قدر كيف لا يغفر، ولمن وسّع عليه كيف لا يجود. المدائني قال: قدم أعرابي الشام فلاحى رجلا فقال له: يا ذا الذي يبول ابنه بول الحمار، فرفع إلى القاضي فلم يعرف ما قال الأعرابي فسأل مسلمة بن عبد الملك عنه فقال مسلمة: البول سفاد (١) الحمار، فجلده القاضي حدا فقال: وا عجبا أأضرب هكذا فلاطا، قال القاضي: والله

стр. 3377

ما أدري ما يقول وسأل عنها مسلمة فقال: الفلاط المفاجأة. فهجاه شاعر لهم فقال: كيف وجدت ضربه فلاطا … ينحطّ منه جلدك انحطاطا لما رأيت فوقك السّياطا … خضعت خضعا أفزع الأشراطا فقال الأعرابي: يا رابع الشعراء ما أغراك بي أظننت أني مفحم لا أنطق؟: الشعراء أربعة: شاعر مفلق، وشاعر مجيد، وشاعر متكلف، وشويعر ماص لبظر أمه. فقال مسلمة: ويحك يا أعرابي ما أطرفك، ما سقط إلينا مثلك. ووصله ومارة (١). المدائني قال: كان لمسلمة صديق وأليف يقال له شراحيل فمات فجزع عليه مسلمة جزعا شديدا، وخرج فصلى عليه، فأتاه عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني فعزاه فبكى وقال: وهوّن وجدي عن شراحيل أنني … إذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن هشام التنوخي قال: كنا مع مسلمة بأرمينية أيام هشام فعرض الناس فمر به رجل ضخم، فأبلغ عنه أمرا وجب عليه عقوبته فقال له: ما اسمك: قال عبد الله بن عبد الرحمن. قال: ممن أنت؟ قال: من بنو تغلب. قال: ارجع، وأمر بضربه. فلما ضرب سوطا قال: بسم الله. قال مسلمة: خلوا عنه قبحه الله فلو ترك اللحن في حال لتركه تحت السياط.

стр. 3378

هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: تكلم قوم فأكثروا الخطأ والخطل، ثم أتاهم رجل بليغ فجعل لا يخرج من لفظ حسن إلا إلى أحسن منه، فقال مسلمة: ما شبهت كلام هذا في اثر كلام القوم إلا بسحابة لبدت عجاجا. وحدثني أبو مسعود الكوفي أن ابن كناسة الأسدي قال: قال مسلمة بن عبد الملك إنه لا عفة مع الشح، ولا مروءة مع الكذب. المدائني: أن مسلمة بن عبد الملك كان يتنقص العباس بن الوليد بن عبد الملك حين بعث يزيد بن عبد الملك بهما لمحاربة يزيد بن المهلب بالعراق، ويحمقه فبلغ العباس ذلك فكتب إليه كتابا فيه هذه الأبيات، يقال إنها له، يقال إنها لابن سيار، وإنما تمثل بها: ألا تقني الحياء أبا سعيد … وتقصر عن ملاحاتي وعذلي فلولا أنّ أصلك حين تنمى … وفرعك منتهى فرعي وأصلي وإني إن رميتك هضت عظمي … ونالتني إذا نالتك نبلي لقد أنكرتني إنكار خوف … يقصّر منك عن شتمي وأكلي لقول المرء عمرو في القوافي … أريد حياته ويريد قتلي قالوا: وشتم رجل من أهل الشام يزيد بن المهلب، فقال له مسلمة: اسكت أتقول هذا لرجل سار إليه قريعا قريش؟ إنّ يزيد حاول أمرا جسيما ومات كريما. المدائني قال: قيل لمسلمة بن عبد الملك: ما يمنعك من العمل ولو أردته لتوليت أجسمه؟ فقال: يمنعني منه ذل الطلب، ومرارة العزل، وهول الخطب، وقرع حلق البريد.

стр. 3379

المدائني قال: قال مسلمة بن عبد الملك: ما فرحت قط بفتح كان على غير تقدير. المدائني: أن مسلمة قال لعمر بن عبد العزيز: أوص. فقال: مالي مال أوصي به، قال: فأنا آتيك بمائة ألف درهم توصي فيها بما أحببت. قال: أفلا تفعل خيرا من ذلك، تردها إلى موضعها الذي أخذت منه، قال: رحمك الله يا أمير المؤمنين فقد ليّنت منا قلوبا قاسية، وزرعت لنا في قلوب الناس المحبة، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا. المدائني عن خالد بن بشر قال: بلغ مسلمة بن عبد الملك أن رجلا شتمه وعلم الرجل بذلك فانقبض عن إتيانه، وسأل مسلمة عنه فأتاه وأجاد الإعتذار إليه، فقال مسلمة: اللهم عفوا كف عن هذا رحمك الله، ولم ير منه تغيرا له. قال: وشتم مسلمة قوم من أهل الأردن، وبلغه ذلك فبعث إليهم وأعطاهم وكساهم وكتب إلى الوالي عليهم يأمره بالإحسان إليهم. المدائني عن عامر بن حفص قال: قال أبو نخيلة السعدي: دخلت على مسلمة بن عبد الملك فقلت: أمسلم يا منسوب كل خليفة … ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض تلافيتني لما أتيتك عاريا … بخير لحاف سابغ الطول والعرض وأنبهت لي ذكري وما كان خاملا … ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض فقال: أين أنت من الرجز يا أخا بني سعد؟ فقلت: أنا أرجز الناس، قال: فأنشدني بعض رجزك، فأذهب الله عني كل ما كنت أحفظه

стр. 3380

مما قلت، فأنشدته أرجوزة للعجاج، فلما أمعنت فيها قال: حسبك، أنا أعلم بها منك، وأعرض عني فظننت أنه مقتني على كذبي إياه. وحدثني هشام بن عمار قال: سمعت الوليد يقول: أخبرني من سمع مسلمة بن عبد الملك وذكر رجل فقيل هو قنوع. فقال: إن القناعة أحد اليسارين، أو قال أحد المالين. وقال هشام بن محمد الكلبي: كانت عند مسلمة بن عبد الملك الرباب بنت زفر بن الحارث الكلابي، فكان يأذن لأخويها الهذيل وكوثر أول الناس، فقال عاصم بن عبد الملك، وهو أبو زفر بن عاصم الهلالي: أمسلم قد منيتني ووعدتني … مواعيد صدق إن رجعت مؤمّرا أيدعى الهذيل ثم أدعى وراءه … فيا لك مدعا ما أذلّ وأحقرا وكيف ولم يشفع لي الليل كله … شفيع إذا ألقى قناعا ومئزرا فلست براض عنك حتى تحبني … كحبك صهريك الهذيل وكوثرا فقال الهذيل: ما فخر فخّار عليّ وإنما … نشأنا وأمّانا معا أمتان أبي كان خير من أبيك وأفضلت … عليك قديما جرأتي ولساني ورثى عبد الله بن عبد الأعلى مسلمة فقال: أبا سعيد أراك الله عافية … فيها لروحك عند العسر تيسير فقد أقمت قناة الحق فاعتدلت … إذ أنت للدين مما نابه سور فولد مسلمة بن عبد الملك: سعيد الأكبر وأمه أم ولد، وسعيدا الأصغر أمه الزعوم بنت قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي.

стр. 3381

قالوا: ولما قتل مسلمة يزيد بن المهلب، جمع له يزيد بن عبد الملك العراقين، فولى ذا الشامة محمد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط الكوفة. وقال المدائني: أخذ مسلمة من عسكر بني المهلب ألفين وثمانمائة: فبعث بهم إلى ذي الشامة وكان على الكوفة، وصاحب شرطه العريان بن الهيثم، فقال ذو الشامة: يا أبا الحكم لست من هؤلاء في شيء فشأنك بهم، فقتل منهم من كان من بني تميم، ولم يقتل اليمانية والربعية. فقال حاجب بن ذبيان المازني: لعمري لقد خاضت معيط دماءنا … بأسيافهم حتى انتهى بهم الوحل وما حمل الأقوام أثقل من دم … حرام ولا ذحل إذا اتبع الذحل وقال أبو نعيم الفضل بن دكين عن موسى بن قيس: أقبل مسلمة حتى نزل الحيرة فأتاه مسلمة بن كهيل، وزبيد اليامي فأعطاهما خمسمائة خمسمائة. حدثني عمر بن محمد عن أبي نعيم عن زهير بن معاوية قال: رأيت مسلمة يأكل هكذا بأربع أصابع. وحدثني عمرو عن أبي نعيم قال: سمعت سفيان يقول: قال عمر بن عبد العزيز لمسلمة: إذا مت فارفع لبنة من قبري، فانظر ما خرجت به من الدنيا. قال: ففعل فلم يزل ذلك يعرف فيه. وقال المدائني عن رجل عن ابن عياش قال: لم يرفع مسلمة بن عبد الملك من الخراج كبير شيء فأراد يزيد بن عبد الملك عزله فاستحيا منه فكتب إليه: استخلف على عملك وأقدم، ويقال: بل شاور مسلمة عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي في الشخوص إلى يزيد زائرا، فقال: أمن

стр. 3382

شوق بك إليه، إنك لطروب، وإن عهدك به لقريب. قال: لا بد من ذلك. قال: فإنك لا تخرج من عملك حتى يلقاك وال مكانك. فلما بلغ دورين (١) لقيه عمر بن هبيرة على خمس من دواب البريد فقال: إلى أين يا بن هبيرة؟ قال: وجهني أمير المؤمنين لحيازة أموال آل المهلب، فلما فارقه أتاه عبد العزيز بن حاتم فقال له: قد أنبأتك أن سيلقاك وال مكانك، قال: فإنه قال لي كذا. فقال: وا عجبا يصرف عن الجزيرة ويوجه لحيازة أموال آل المهلب وليس معه إليك كتاب بمعاونته على ما وجه له. فلم يلبث أن جاءه عزل ابن هبيرة عماله وغلظته عليهم. وقال ذو الشامة يرثي مسلمة: ضاق صدري وعيل صبري فـ … ـلا صبر دون ما أراه أتاكا كل ميت قد اعتفرت فلم أجـ … ـزع عليه إذا جاور الهلاكا قبل ميت وقبل قبر على الخابـ … ـور ولم استطع عليه اتّراكا قالوا: ودخل أعرابي على مسلمة فقال: يا بن الخليفة زرتك وأنت غرة مضر وحسيبها حين تذكر، قد تعطّفت عليك الأملاك فليس يخاف ضيفك الهلاك، وأنت في فرع نضار، ورثته عن ذوي الأخطار، ولك يد تمطر الندى، وأخرى تقتل العدى، وقد رزقت من الناس الحمد، فدلّ عليك فضلك، فقال مسلمة: يا أعرابي إنك لفصيح، قال: أجل وإني

стр. 3383

لصريح، فقال مسلمة: قلما تجد أعرابيا عاقلا قال: وما يذهب عقله إذا كان كاملا؟ قال: قلة مخالطته الناس. فقال: ذلك أكيد له عند الناس، قال مسلمة: وأنّى له بذلك وهو لا يرى القتال؟ قال: يكون غمرا فيجترئ على الأبطال، قال مسلمة: احتكم يا أعرابي. قال: عشر جلال تمر، وعشر أعنز، وقطيعة للعيال، وجملا نحمل عليه متاعا وثلاثين درهما، فأمر له بضعف ما طلب.

стр. 3384

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أمر هشام بن عبد الملك بن مروان هشام بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا الوليد، وكان أحول بخيلا، وأمه أم هشام واسمها فاطمة بنت هشام بن اسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ويقال عائشة بنت هشام، ويقال مريم بنت هشام، وكانت أمه حمقاء أمرها أهلها ألا تكلم عبد الملك حتى تلد، وكانت تثني الوسادة ثم تركبها وتزجرها، وتشتري الكندر (١) فتمضغه وتجعل منه تماثيل، وتضع التماثيل على الوسائد، وقد سمّت كل تمثال باسم وتنادي: يا فلانة يا فلانة، فطلقها عبد الملك، وسار إلى مصعب وهي حامل فلما قتله بلغه مولد هشام فسماه منصورا تفاؤلا بذلك، وسمته أمه هشاما باسم أبيها. وولد هشام بن عبد الملك عام قتل مصعب سنة اثنتين وسبعين. وولد هشام: مسلمة أبا شاكر، وأمه أم حكيم بنت يحيى بن الحكم، ويقال هي أم حكيم بنت الحارث بن الحكم.

стр. 3385

وسعيدا، أمه أم ولد، ويقال أمه أم عثمان بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان. ومعاوية، وأمه عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وعبد الملك، وأمه مخزومية. محمدا، أمه الطليحة، ويقال أم ولد. ومروان: درج صغيرا وأمه أم ولد. وتزوج هشام من النساء: أم حكيم بنت يحيى بن الحكم. وحفصة بنت عمران بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، وعبدة بنت عبد الله الأسوار بن يزيد بن معاوية. ورقيّة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان وأمها أم عمر بنت مروان، ولدت له عائشة بنت هشام، تزوجها عبيد الله بن مروان بن محمد، ويقال عبد الله، وعبيد الله أصح. وأم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو. وأم عبد الملك المخزومية. وأتت هشاما الخلافة وهو بالزيتونة (١)، ومات هشام بالرصافة التي بقرب الرقة في شهر ربيع الآخر لستّ خلون منه سنة خمس وعشرين ومائة، وصلى عليه ابنه مسلمة، ويقال بعض ولده غير مسلمة، وكان خلافته عشرين سنة إلا خمسة أشهر. ويقال إنه مات ليلة الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.

стр. 3386

ويقال كانت خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحدا وعشرين يوما، ومات وله أربع وخمسون سنة. قال المدائني: كان على شرطة هشام كعب بن حامد العبسي ثلاث عشرة سنة ثم عزله وولاه أرمينية بعد الجرّاح بن عبد الله الحكمي، وولى الشرط يزيد بن يعلى بن الضخم العبسي. وولى الرسائل سالم بن عبد الرحمن مولى سعيد بن عبد الملك بن مروان، أو المنذر بن عبد الملك. وولى الحرس نصرا مولاه ثلاث سنين، ثم ولى الحرس الربيع مولى بني الحريش وهو الربيع بن شابور، وولاه أيضا خاتم الخلافة. وولى ديوان الخراج والجند أسامة بن زيد، ثم عزله، وولى ابن الحبحاب، ثم ولى ابن الحبحاب مصر وصيّر مكانه على ديوان الخراج والجند سعيد بن عقبة مولى بني الحارث بن كعب. وكان قاضي هشام نمير بن أوس الأشعري، ثم يزيد بن أبي مالك الهمداني. قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: لما خلع يزيد بن المهلب وجّه إليه يزيد بن عبد الملك مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد الملك، وقال: أمير الجيش مسلمة فإن حدث به حدث فالعباس بن الوليد، فقال العباس بن الوليد ليزيد: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق قوم غدر كثير إرجافهم وأنت توجهني محاربا والأحداث تحدث ولا آمن أن يرجف أهل العراق ويقولوا: مات أمير المؤمنين، ولم يعهد فيفتّ ذلك في

стр. 3387

أعضاد أهل الشام ويدخلهم له الوهن والفشل، فلو بايعت لعبد العزيز بن الوليد، قال: غدا إن شاء الله. وبلغ مسلمة بن عبد الملك ذلك فدخل على يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، أولد عبد الملك أحبّ إليك أم ولد الوليد؟. قال: ولد عبد الملك إخوتي وأحب إلي، قال: فابن أخيك أحقّ بالخلافة من أخيك؟ قال: لا. قال: أفتبايع لعبد العزيز؟ قال: لا، غدا أبايع لهشام أخي وبعده للوليد ابني. وبلغ عبد العزيز قوله، وأتاه مولى له وهو لا يعرف الخبر فقال له: يا أبا الأصبغ غدا نبايع لك. قال عبد العزيز: هيهات، أفسد ذلك علينا مسلمة ونقضه. فلما كان الغد بايع يزيد لهشام، ومن بعده لابنه الوليد بن يزيد، فكان إذا نظر إلى الوليد قال: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك. المدائني أن عبد الملك بن عياش قال لهشام قبل الخلافة، وكان يسحب ثيابه: قد أطلت قميصك يا أبا الوليد، قال: وما يضرك؟ قال، إنك تجره في الطين فارفعه. قال: وما ينفعك؟. المدائني عن الحارث بن يزيد قال: حدثني مولى لهشام قال: بعث معي مولى لهشام كان على بعض ضياعه بطائرين ظريفين فدخلت عليه وهو جالس على سرير في عرصة الدار، فجعل ينظر إليهما، فقلت: يا أمير المؤمنين جائزتي. فقال: ويلك وما جائزة طيرين؟. فقلت: ما كان. فقال: خذ أحدهما، فعدوت في الدار لآخذ أحدهما فقال: مالك؟.

стр. 3388

قلت: أختار أحدهما. فقال: أو تختار أيضا وتدع شرهما؟. قلت: نعم. قال: دعهما ونعطيك خمسين درهما. قال: وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه: «إن بغلتي قد عجزت فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بدابة فعل»، فكتب إليه: «قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وقد ظن أمير المؤمنين أن عجز بغلتك عنك من قلة تعهدك لها، فإن علفها يضيع، فتعهّد دابتك وقم عليها وسيرى أمير المؤمنين رأيه في حملانك إن شاء الله، والسلام». قال: وكتب بعض عمال هشام إليه: «إني قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة فيها دراقن فليكتب إليّ بوصلها». فكتب إليه: «قد بلغ أمير المؤمنين كتابك ووصل الدراقن وأعجبه، فزد أمير المؤمنين منه، واستوثق من الوعاء الذي توعيه إياه، والسلام». وكتب إلى بعضهم: «قد أتت أمير المؤمنين الكمأة التي بعثت بها وهي خمسون وقد تغير بعضها ولم يؤت ذلك إلا من قبل حشوها، فإذا بعثت إلى أمير المؤمنين بشيء من الكمأة فأجد الحشو في طرفه بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضه بعضا إن شاء الله، والسلام». قال: وكان سالم بن عبد الرحمن كاتبا لهشام، ثم إنه صيّر ابنه كاتبا له يخلفه عنده، فقال له: إن ابنك يا سالم لبيب فقال، يا أمير المؤمنين أخا يرك به أيّ بنيك شئت. المدائني قال: قال هشام لأبي أيوب: أخرج فانظر كيف ترى السحاب، فخرج فنظر فقال: قد تفرق وإن اجتمع فعسى.

стр. 3389

المدائني قال: قال هشام: إن لأهل العراق رائدين لا يكذبان دجلة والفرات. المدائني قال، قدم علباء بن منظور الليثي على هشام فأنشده: إنّا أناس ميّت ديواننا … ومتى يصبه ندى الخليفة ينشر فقال: ما أحسن ما قلت وسألت، وأمر له بخمسمائة درهم وأن يلحق له عيّل، فقدم البصرة فقال الفرزدق: الحذيّا (١)، فأعطاه مائة درهم، فقال: اجعلها يا أمير المؤمنين لابنتي، قال: إنما حاولت الجريبين، وكان لكل واحد من الذرية في كل عام مائة درهم، وفي كل شهر جريبان، وإنما ذلك لعيال أهل الديوان. وقال هشام للأبرش - وهو سعيد بن الوليد بن عمرو بن جبلة بن وائل بن قيس بن بكر بن عامر، وهو الجلاح بن عوف بن بكر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان، وكان الأبرش جليسه وأنيسه-: كيف تكون أخص الناس بي وأنت أخص الناس بمسلمة أخي؟. فتمثل الأبرش: أؤاخي رجالا لست أخبر بعضهم … بأسرار بعض إنّ قلبي واسع قال: وقال الأبرش لهشام: يا أمير المؤمنين، لو ينادى في عرض الناس يا مفلس فسمع رجل من جلسائك نداءه ما ظن أنه عنى غيره. المدائني عن عمر بن يزيد عن الوليد بن خليد قال: رآني هشام على برذون طخاري فقال: ما هذا البرذون؟ قلت: حملني عليه الجنيد بن عبد

стр. 3390

الرحمن المرّي. فحسدني وقال، لقد كثرت الطخارية، ولقد مات عبد الملك وما في دوابه إلا برذون طخاري، فتنافسه ولده أيّهم يأخذه وما منهم أحد إلا وهو يرى أنه إن لم يأخذه لم يرث من أبيه شيئا، فصار لي فما ورثت من عبد الملك شيئا كان أحب إلي منه. المدائني عن يزيد بن الحارث قال: كان هشام وبنو مروان كلهم لا يكسون الناس الخز الأحمر والأصفر ويكسونهم ما وراء ذلك من الألوان، ويدخرون الأحمر والأصفر لكسوتهم. قال: وقسم هشام تمرا وجبنا، فقال ابراهيم بن يزيد بن هبيرة السكوني، أخي مالك بن هبيرة السكوني لمولى له: انطلق فجئنا بشيء من تمر العراق وجبنه، فأعطي قوصرة وجبنة، قال مولى ابراهيم: فألفيت القوصرة وما فيها إلاّ تمر قد سوّس وفسد، وإذا الجبنة قد قشرها الفأر وأكل جانبها وثقبها. ودخل أبو النجم العجلي على هشام فقال له: كيف رأيك في النساء فقال: ما لي عندهن خير ولا لهنّ عندي مير. قال: ما ظنك بأمير المؤمنين؟ قال: مثل ظني بنفسي، فبعث هشام إلى جواريه فأخبرهنّ بما قال أبو النجم، فقلن: كذب عدو الله ما منا جارية تصلي صلاة حتى تغتسل، فوهب لأبي النجم جارية، ثم سأله عما صنع فأنشده: نظرت فأعجبها الذي في درعها … من حسنه ونظرت في سر باليا ورأت لها كفلا ينوء بخصرها … ثقلا وأجثم في المجسّة (١) رابيا

стр. 3391

ورأيت منتشر العجان مقلّصا … رخوا حمائله وجلدا باليا أدني له الركب الحليق كأنما … أدنى إليه عقاربا وأفاعيا المدائني قال: كان سهيل بن أبيض أبو البيضاء من أهل المدينة، وكان مضحكا، وكان هشام والوليد يستملحان حديثه وشعره، فقال له هشام: كيف قلت لداود وامرأته؟. قال: قلت: إنما دلّ عليه … مركن كان استعاره فله ما شاء عندي … إن تخطى العود فاره أو رآه المرء غضيـ … ـاء فلم يوجع فقاره وقال غير المدائني: كان داود هذا استعار مركنا يزرع فيه شيئا: أو يستعمله في بعض الأمر، فرأته امرأته فأعجبها فضمها إليه بغير ولي ولا شهود، فلذلك قال إنما دل عليه هذا المركن، يقول: فله ما شاء إن لم يأخذه غضياء بن عياش بن الزبرقان بن بدر، وكان على شرطة المدينة، فيضربه. وقوله: تخطى العود، يعني بالعود العصا. والفار العضل. وكان غضياء يكثر ضرب عضل الرّجلين. والعرب تقول: أشبع جارك، وأوجع فارك، أي أوجع عضلك حتى يهزل. وقال لامرأة داود: وجدوا جونة سوء … بين هرشى والأصافر وجدوا فيها متاعا … ليس من زاد المسافر وجدوا كارين فيها … من أديم غير ظاهر وجدوا فيها خطايا … عجزت عنها الأباعر قال أبو اليقظان: ولد عياش بن الزبرقان - واسم الزبرقان حصين بن بدر بن إمرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد:

стр. 3392

غضياء، وكان على شرطة المدينة لخالد بن عبد الملك بن الحارث بن أبي الحكم بن أبي العاص في أول أيام هشام، وكانت أم عبد الملك بن الحارث ابنة الزبرقان بن بدر، وغضياء القائل: غريب في ديار بني تميم … ولا يخزي عشيرتي اغترابي وعياش الذي قال له جرير بن عطية: أعياش قد ذاق القيون مياسمي … وأوقدت ناري فادن عياش فاصطلي (١) فقال: إني إذا لمقرور. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: دخلت جارية لهشام عليه، وعنده الأبرش فقال: يا أبرش أهبها لك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين وهو يضحك ويغمز هشاما، فقالت وفطنت: أنت والله يا أبرش أطمع من أشعب. فقال هشام: ومن أشعب؟ فقيل: مضحك مليح يكون بالمدينة، وحدّث حديثه. فقال: اكتبوا في إشخاصه، فقال له الأبرش: أيتحدث الناس بأنك كتبت إلى عاملك على مدينة الرسول ﷺ فأشخصت منها مضحكا لتلهو به؟ فقال: أمسكوا، أمسكوا فإنها وصمة عظيمة، ثم قال شيئا زعموا أنه لم يقل قط شيئا غيره، ويقال إنه إنما تمثل به: إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال المدائني عن ابراهيم بن سعيد القرشي قال: رأى عبد الملك بن مروان بن الحكم في منامه كأن ابنة هشام بن اسماعيل فلقت رأسه فلطعت

стр. 3393

منه عشرين لطعة، فغمه ذلك، فأرسل إلى سعيد بن المسيّب من قصها عليه، فقال سعيد: تلد غلاما يملك عشرين سنة، فولدت هشاما. قالوا: وأقطع هشام الضيعة التي تدعى دورين فأرسل في قبضها فإذا هي خراب، فقال لدويد وهو كاتب كان بالشام: ويحك كيف الحيلة؟. قال: ما تجعل لي؟ قال: أربعمائة دينار. قال: فكتب دويد: وقرأها. ثم أمضاها في الدواوين فاتسعت الضيعة وفشت، فلما ولي هشام دخل عليه دويد كالمتقرب بما كان فعل، فلما وقعت عين هشام عليه قال: وقرأها، لا يلي لي والله ولاية أبدا، فأخرجه. قال: وكان هشام يوما على باب يزيد بن عبد الملك، فنظر إلى بغال تعرض عليه وفيها بغل لم ير مثله حسنا وطهارة خلق، ولين سير فقال: ما يصنع أمير المؤمنين بهذه الدواب كلها لو أن رجلا اجتزأ بهذا البغل وحده كفاه، فلما ولي هشام اتخذ البراذين الطخارية والبغال فقال له الرجل الذي حضره على باب يزيد: أتذكر يوم قلت في البغل كذا وكذا؟. قال: نعم، وأنا عليه، ولكنا نرى شيئا نحسد الناس عليه فنحب أن نحويه دونهم. قالوا: ولما أخرج دويد ثقله أخبر هشام أنه على أربعين جملا، فأرسل فأخذه. وطلب هشام عسلا من الخزانة التي هي بالهني والمري (١) والخزانة قرية، فقيل له إن الفقراء والمرضى كانوا يلعقونه فمنع الناس من تلك الكواير، وكتب بجمع العسل وطين الأبواب.

стр. 3394

المدائني قال: كان هشام يتكلم بكلمات في العيدين في خطبته لا يقولهن في غير هذين اليومين، ثم يخطب بعد ذلك: «الحمد لله ما شاء صنع، وما شاء أعطى، وما شاء منع، ومن شاء خفض، ومن شاء رفع، ومن شاء ضرّ، ومن شاء نفع». المدائني عن عبد الله بن سلم القرشي عن خليد بن عجلان قال: خرج هشام وليس بخليفة يريد بيت المقدس، وأتى دمشق، فدخل على محمد بن الضحاك بن قيس الفهري ودخلنا معه، فقال له محمد وراءه يسحب ثيابه: يا أبا الوليد أدركت أمير المؤمنين عبد الملك؟ فقال: نعم وكان والله مشمرا مهجّرا. قال: فما يمنعك من ذلك؟. قال: يمنعني قول الشاعر لأبيك: قصير الثياب فاحش عند بابه … وشر قريش في قريش مركّبا حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان هشام يلاعب الأبرش بالشطرنج، وقد أشرف هشام على أن يغلب الأبرش، فاستأذن الحاجب لرجل من بني مخزوم من أخواله فأمر بإدخاله، وغطيت الشطرنج بمنديل، فلما دخل المخزومي سلّم وجلس، فقال له هشام: يا خال أتقرأ كتاب الله؟ قال: ما أقرأ منه إلا ما أقيم به صلاتي. قال: أفتروي من الآثار شيئا؟ قال: لا. قال: أفتعرف من أحاديث العرب وأشعارها وأيامها ما يعرفه مثلك؟ قال: لا. قال: أفتنسب قريشا وسائر نزار؟ قال: لا أحسن من النسب شيئا. قال: يا غلام! إرفع المنديل فليس من خالنا حشمة، وأخذ في لعبه.

стр. 3395

وقال الهيثم: عرض هشام الجند يوما فنفر برجل من أهل حمص فرسه وقد دنا من هشام، فقال له: ويلك أتركب مثل هذه الفرس فإن نفر بك في حرب صرعك فهلكت، قال: والرحمن ما هذه عادته ولكنه شبّهك بأبي جبرون البيطار، فقال له هشام: اغرب لعنك الله، وضحك. المدائني وغيره قالوا: قال مسلمة بن عبد الملك لهشام - وتلاحيا في شيء: كيف ترجو الخلافة وأنت جبان بخيل؟ قال: لأني عفيف حليم. وقال هشام ابن الكلبي: قال هشام لمن حضره: من أنعم الناس عيشا؟ فقال بعضهم: أمير المؤمنين، وقال بعضهم: ولد أمير المؤمنين. فقال رجل من الحرس: أنعم الناس عيشا ابن كفيته أمر دنياه، وليس يهتم بأمر آخرته. المدائني قال: كان المنصور يذكر هشاما فيقول: كان رجل القوم. أبو الحسن المدائني عن محمد بن الفضل قال: بعث هشام إلى أبي حازم الأعرج فأبطأ عليه، ثم أتاه فقال: ما منعك من إتياني؟ فقال: والله لولا مخافة شرك ما أتيتك. قال: ما ترى في إنفاق هذا المال؟ قال: إن أخذته من حله ووضعته في حقه سلمت، وإلا فهو ما تعلم. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان هشام إذا أحدث قال: القوا عني مؤونة التحفظ. قال: ودخل سليمان بن سعيد الخشني (١)، أو ابنه على هشام، ومعه كتب يريد عرضها، فقال هشام: أخّرها فإني محموم، وناوله

стр. 3396

يده فمسّ عرقه ثم قال: ما أرى بك حمى، ثم قال: يا بن اللخناء تكذبني. لا تقربني، وأمر بعزله عن الديوان. المدائني عن شبيب بن شيبة قال: كان المنصور إذا ذكر بني مروان يقول: أما عبد الملك فكان جبارا لا يبالي ما أقدم عليه، وأما الوليد فكان مجنونا، وأما سليمان فكان همه بطنه وفرجه، وأما عمر بن عبد العزيز فكان أعور بين عميان، ورجل القوم هشام. قالوا: وكان الجعد بن درهم مؤدب مروان ومعلمه، وكان دهريا، ويقال كان معتزليا شهد عليه ميمون بن مهران أنه قال له ووعظه: لشاة قياد أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله وهو قاتلك، ويقال إن ميمون بن مهران وعدة شهدوا عند هشام على الجعد بن درهم بالكفر، فطلبه هشام فهرب إلى حران، ثم إنه ظفر به فحمل إلى هشام فأخرجه من الشام إلى العراق، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسري وهو عامله على العراق بأن يحبسه فلم يزل محبوسا حينا، ثم إن امرأته رفعت إلى هشام في أمره تعلمه طول حبسه وسوء حاله وحال عياله، فقال: أو حيّ هو؟ وكتب إلى خالد في قتله، فقال خالد في يوم أضحى: أيها الناس انصرفوا إلى أضاحيكم فإني مضحّ بعدو الله الجعد بن درهم، وكان الجعد مولى سويد بن غفلة الجعفي. قالوا: وكان غيلان يقول: كلمت الجعد فوجدته معطلا. المدائني عن ريسان الأعرجي عن عقال بن شبّة قال: دخلت على هشام، وعليه قباء أخضر، فجعلت أتأمله، فقال: مالك تتأمل قبائي؟ قلت: رأيت عليك قبل الخلافة قباء أخضر شبهته بهذا القباء، قال: هو

стр. 3397

هو، والذي لا إله غيره، ومالي قباء سواه، وما ترون من جمعي المال وصونه إلا لكم. وقال المدائني: كان عقال بن شبة مع هشام، وكان شبه أبو عقال مع عبد الملك، وكان عقال يقول: دخلت على هشام فدخلت على رجل محشو عقلا. قالوا: وقال هشام لنسطاس أبي الزبير: أترى الناس يرضون بعدي بالوليد بن يزيد؟ قال: قلت: يطيل الله عمرك يا أمير يا أمير المؤمنين ويبقيك بعده، قال: لا بد من الموت. أفترى الناس يرضون به؟ قلت: يا أمير المؤمنين البيعة له في أعناق الناس، قال: لئن رضي الناس بالوليد إنّ الحديث الذي روي: «إنّ من ولي الخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار»، باطل. قال الهيثم بن عدي: بعث يوسف بن عمر إلى هشام ياقوتة حمراء يخرج طرفاها من الكف، وحبة لؤلؤ أعظم ما يكون من الحبّ، قال الرسول: فدخلت على هشام فدنوت منه فلم أر وجهه من طول السرير وكثرة الفرش. فلما تناول الحجر والحبة قال: أكتب معك بوزنهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين هما أجلّ من أن يكتب بوزنهما، ومن أين يوجد مثلهما؟ قال: صدقت. وكانت الياقوتة للرائقة جارية خالد بن عبد الله القسري اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار.

стр. 3398

المدائني وغيره أن هشاما أنشد بيت حسان بن ثابت الأنصاري: أتانا رسول الله لما تجهمت … له الأرض إذ يرميه كل مفوّق (١) وهو يروي «حين تنكرت له الأرض إذ يرميه كل مفوق». وأنشد أيضا شعر أبي قيس: ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكّر لو يلقى صديقا مؤاتيا فقال: ما رأيت أحد أشد امتنانا على الله ورسوله من هؤلاء اليهود - يعني الأنصار-. ومات هشام بالذبحة فروي عن سالم أبي العلاء أنه قال: خرج علينا هشام يوما وهو كئيب، يعرف ذلك فيه، مسترخي الثياب، وقد أرخى عنان دابته فقال: ادعو الأبرش، فدعي فسار بين الأبرش وبيني، فقال الأبرش: يا أمير المؤمنين لقد رأيت منك ما غمني. قال: ويحك كيف لا أغتم وقد زعم أهل العلم إني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يوما، قال الأبرش: فلما انصرفت إلى منزلي كتبت: زعم أمير المؤمنين أنه يسافر يوم كذا، فلما كانت ليلة اليوم الذي كمل الثلاثة والثلاثين أتاني رسول هشام فقال: أجب واحمل معك دواء الذبحة، وقد كانت الذبحة عرضت له مرة فتداوى بذلك الدواء فانتفع به فأتيته ومعي الدواء فتغرغر به، فازداد الوجع شدة، ثم سكن، فقال: قد سكن بعض السكون فانصرف إلى أهلك وخلف الدواء عندي، ففعلت، فما استقررت في منزلي حتى سمعت الصراخ فقالوا: مات أمير المؤمنين، فلما مات أغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله فما وجدوه، حتى استعاروا قمقما.

стр. 3399

وكان الوليد شخص عن الرصافة لكثرة عبث هشام به، وخلف عياض بن مسلم مولى عبد الملك بن مروان، وهو كاتبه، بالرصافة، وأمره أن يكتب إليه بالأخبار، فعتب عليه هشام فضربه وحبسه وألبسه المسوح، فلما صار هشام إلى الحدّ الذي لا ترجى له فيه الحياة، أرسل عياض إلى الخزّان أن احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلنّ أحد منه إلى شيء. وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنا خزانا للوليد. ثم مات هشام من ساعته، فخرج عياض من الحبس، وختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه وحازها، فما وجد له كفن، حتى كفنه غالب مولى هشام. وقال مروان بن شجاع مولى مروان: كنت مع محمد بن هشام، فأرسل يوما إليّ فدخلت عليه وقد غضب وهو يتلهف، فقلت: مالك؟ قال: رجل نصراني شجّ غلامي، وجعل يسبّه، فقلت: على رسلك. قال: ما أصنع؟ قلت: نرفعه إلى القاضي، قال: أما غير هذا؟ قلت: لا. فقال خصيّ له: أنا أكفيك. فذهب فضربه. وبلغ ذلك هشاما فطلب الخصيّ فعاذ بمحمد، فقال محمد بن هشام: لم آمرك، وقال الخصي: قد والله أمرني، فضرب هشام الخصي، وشتم ابنه وهجره أياما ثم رضي عنه. قالوا: وكان في موكب هشام ثمانمائة فارس: أربعمائة من الشرط، وأربعمائة من الحرس، ولم يكن أحد يسير في موكب إلا مسلمة بن عبد الملك.

стр. 3400

ورأى هشام ذات يوم سالما كاتبه في موكب فزجره، وقال: لا أعلمنّ ما سرت في موكب، فكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم ويقول: ما حاجتك، ويمنعه أن يسير معه. وكان سالم عظيم القدر عند هشام، وكان يتمثل بشعر النعمان بن بشير في غلام له، كان يقال له سالم وهو: يذودونني عن سالم وأذودهم … وجلدة بين العين والأنف سالم وكان حاجب هشام يسير وحده، ولم يكن أحد من بني مروان يأخذ عطاء إلا وعليه الغزو، فمنهم من يغزو بنفسه، ومنهم من يخرج بديلا، وكان لهشام مولى يقال له يعقوب فكان يأخذ عطاء هشام، وهو مائتا دينار ودينار، يفضّل بدينار، فيأخذ يعقوب ذلك ويغزو عنه. وكانوا يصيّرون أنفسهم في أعوان الديوان، وفي بعض ما يجوز لهم معه المقام، فيوضع عنهم الغزو. فكان داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وعيسى بن علي، وهما لأمّ في أعوان السّوق بالعراق لخالد بن عبد الله القسري، فأقاما عنده ووصلهما، ولولا ذلك لم يقدر على تصييرهما عنده، ولأخذا بالغزو فجعلهما في الأعوان، وكانا يسامرانه ويحدثانه. قالوا: وكان هشام أراد أن يصيّر ابنه مسلمة ولي عهده بعد الوليد بن يزيد، فقال الكميت بن يزيد الأسدي: إنّ الخلافة كائن أوتادها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم قالوا: فأضرّ هشام بالوليد بن يزيد، فدخل عليه يوما فقال له العباس بن الوليد بن عبد الملك: يا أبا العباس كيف حبك للروميات؟ قال: إني لأحبّهن، وكيف لا نحب من لا يزال يأتي بمثلك. فترك الوليد
следующие страницы →