بايع لأخيك يزيد بن الوليد فبايع، ووقف، ونصبوا راية وقالوا: هذه راية العباس وقد بايع لأخيه يزيد أمير المؤمنين، فقال العباس: إنا لله خدعة من خدع الشيطان، هلك بنو مروان، وكان عندهم كالأسير.
قالوا: وتفرق الناس عن الوليد بن يزيد وأتوا عبد العزيز والعباس، فظاهر الوليد بين درعين، وأتوا بفرسين يقال لهما السندي والزائد فقاتلهم، فناداهم رجل: اقتلوا عدو الله قتلة قوم لوط ارموه بالحجارة، فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق الباب. فقال: أما فيكم رجل شريف ذو حسب أكمله، فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي: تكلم. فقال: ومن أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة. قال: يا أخا السكاسك ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخذكم زمناكم؟ فقال له: ما ننقم عليك في أنفسنا ولكنا ننقم عليك انتهاك ما حرّم الله من شرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله، وإتيانك الذكور، قال: حسبك يا أخا السكاسك فلعمري لقد أغرقت وأكبرت، وإن في ما أحل الله لمندوحة عما ذكرت، والله لا يرتق فتقكم ولا يلمّ شعثكم ولا تجتمع كلمتكم، ورجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفا وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأه، فعلوا الحائط، وكان أول من علاه يزيد بن عنبسة، فنزل وسيف الوليد إلى جانبه فقال له يزيد: نحّ سيفك، فقال الوليد: لو أردت السيف كانت لي ولك حال. فأخذ بيد الوليد وهو يريد أن يحبسه ويؤامر يزيد بن الوليد فيه، فنزل من الحائط عشرة فضربه واحد على وجهه وضربه آخر على رأسه، وجرّه خمسة منهم ليخرجوه فصاحت امرأة كانت معهم في الدار فكفوا عنه فلم يخرجوه.
стр. 3607
واحتزّ أبو علاقة القضاعي رأسه وأخذ عقبا فخاط الضربة التي في وجهه وحمل الرأس إلى يزيد بن الوليد روح بن مقبل، وقال: ابشر يا أمير المؤمنين بقتل الوليد الفاسق، وكان يزيد يتغدى فسجد ومن كان معه، وأخذ يزيد بن عنبسة بيد يزيد بن الوليد وقال: قم يا أمير المؤمنين وابشر بنصر الله وصنعه، فاختلج يزيد يده من كفه وقال: اللهم إن كان هذا الأمر لك رضى فسددني ووفقني.
قالوا: وكان على ميسرة الوليد بن يزيد الوليد بن خالد أخي الأبرش الكلبي في بني عامر، وكانت بنو عامر ميمنة عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فلم تقاتل الميسرة والميمنة، ومالوا جميعا إلى عبد العزيز، وقال بعضهم: رأيت خدم الوليد وحشمه يأخذون بأيدي الرجال فيدخلونهم عليه.
وقال الهيثم بن عدي: خرج الوليد وعليه قباء خز وقد تحزم بريطة، فأتاه قوم من أهل حمص ينصرونه، عليهم عبد الرحمن بن أبي الجنوب البهراني، وأتاه بنو سليم بن كيسان صاحب باب كيسان بدمشق في ستة عشر فارسا، وتلقاه بنو النعمان بن بشير الأنصاري في فوارس، ثم صار إلى الخبراء فضاق العلف على أصحابه، فاشترى زرع القرية فقالوا له:
لا حاجة لنا في البقل إنما تسترخي عليه دوابنا وتضعف، أعطنا دراهم.
وأخبر بإقبال عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك من قبل يزيد الناقص، فلم يكترث لذلك، وكان العباس بن الوليد قد أقبل يريد الوليد كراهة لنقض بيعته فوجه إليه عبد العزيز فحازه إليه.
стр. 3608
وسمع الوليد تكبير أصحاب عبد العزيز بالبخراء فخرج خالد بن عثمان فعبأ الناس، ولم يكن بينهم قتال حتى طلعت الشمس.
وكان مع أصحاب الناقص كتاب معلق في رمح فيه: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن يكون الأمر شورى، فاقتتلوا فقتل عثمان الخشبي وكان من أولاد بعض الخشبية الذين كانوا مع المختار بن أبي عبيد الثقفي، وقتل من أصحاب الوليد زهاء ستين رجلا. وكان الأبرش على فرس له فجعل يصيح بابن أخيه: يا بن اللخناء قدم رايتك، قال: لا أجد متقدّما، إنّها بنو عامر.
وقال هشام بن عمار: حدثت أن العباس بن الوليد قاتل مع الوليد بن يزيد وفاء ببيعته، فطعنه رجل من أصحاب عبد العزيز فأرداه عن فرسه، فعدل إلى عبد العزيز فسقط في يد أصحاب الوليد وانكسروا، ومكث العباس عند عبد العزيز أسيرا، ثم إن أخاه يزيد بن الوليد صفح عنه وكان به برّا.
قالوا: وكان الوليد بن يزيد أرسل إلى عبد العزيز بن الحجاج يعرض عليه أن يعطيه خمسين ألف دينار ويجعل له ولاية حمص طعمة ما بقي، ويؤمنه على كل أمر كان منه على أن ينصرف ويكفّ عنه، فلم يجبه إلى ذلك، وجعل أصحاب الوليد يستعجلون ويشترطون عليه الشروط فيجيبهم إلى ذلك فانتقض عسكر الوليد وانهزم أصحابه، ودخل الوليد القصر، وجاء رجل طوال كان على فرس له فدنا من حائط القصر ثم تسلقه، وكان الوليد قد ألقى سلاحه وأخذ مصحفا يقرأ فيه، ويقول: يوم كيوم أمير المؤمنين عثمان، فوجده الرجل وعليه قميص قصب وسراويل وشيء، ومعه
стр. 3609
سيف في غمده وإذا الناس يشتمونه وهو يسمع، فقام الوليد فضربه الرجل على رأسه، ودخل عبد العزيز والناس حين تسلق الرجل فتعاوروه بأسيافهم، وأكبّ الرجل الطويل فاحتزّ رأسه. وكان يزيد قد جعل على رأسه مائة ألف درهم.
وجاء أبو الأسود مولى خالد بن عبد الله القسري، فسلخ من جلدة رأس الوليد قدر الكف فأتى بها يزيد بن خالد بن عبد الله، وكان محبوسا في عسكر الوليد، حبسه حين دفع أباه إلى يوسف بن عمر، وانتهب الناس خزائن الوليد وما في عسكره.
وقال المدائني عن عمر بن مروان الكلبي: لما قتل الوليد قطعت كفه اليسرى وفيها خاتمة، وبعث بها إلى يزيد بن الوليد فسبقت رأسه إليه بليلة، وقدم برأسه من الغد فنصبه للناس بعد الصلاة.
وكان أهل دمشق قد أرجفوا بعبد العزيز فلما نصب لهم رأس الوليد سكتوا.
قالوا: ولما أمر يزيد الناقص بنصب رأس الوليد قال له يزيد بن فروة مولى بني مروان: إنما ينصب رأس خارجي وهذا ابن عمك وخليفة من الخلفاء ولا آمن إن نصبته أن ترقّ له قلوب الناس ويغضب له أهل بيتك وتدركهم الحميّة. فقال: والله لا نصبه غيرك. فنصبه على رمح ثم قال:
انطلق فطف به في مدينة دمشق وأدخله دار أبيه، ففعل فصاح النساء وأهل الدار، ثم ردّ إلى يزيد فقال: انطلق به إلى منزلك. فمكث عنده قريبا من شهر ثم قال: ادفعه إلى أخيه سليمان بن يزيد، وكان سليمان ممن سعى على الوليد أخيه، فغسل ابن فروة الرأس ووضعه في سفط وأتى به سليمان فقال
стр. 3610
أخوه: أشهد أنه كان شروبا للحرام، ما جنا فسقا، ولقد أرادني على نفسي فأبيت، فخرج ابن فروة من الدار وتلقته مولاة الوليد فقال لها: ويحك، زعم أنه أراده على نفسه، فقالت: كذب والله لو أراده على نفسه لفعل، وما كان يقدر على الامتناع منه.
وقال هشام ابن الكلبي: خرج الوليد إلى البخراء لشرب الدواء والعلاج، وكان عليل الجوف من الصبوح والغبوق، وكان صاحب شرطه خالد بن عثمان بن بحدل الكلبي، وخليفته على الشرطة يزيد بن يعلى بن الضخم بن قرة العبسي، فلما أظهر يزيد بن الوليد أمره وبايعه أهل المزة والغيلانية وأهل دمشق والناس وفتح بيت المال فأعطى الناس، وجّه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان في كثف من الناس نهضوا احتسابا وحنقا، حتى نزلوا بالوليد فقاتلوا أصحابه حتى قتل، وكان الذي قتله مولى لهم يقال له وجه الفلس وكان طوالا صغير الوجه.
المدائني عن عمرو بن مروان قال: حدثني يزيد بن مصاد عن عبد الرحمن بن مصاد قال: بعثني يزيد بن الوليد إلى أبي محمد السفياني، وكان الوليد وجهه حين بلغه خبر يزيد بن الوليد واليا على دمشق، فلقيته فسالمني، وبايع ليزيد فلم أفارقه حتى رفع لنا شخص مقبل من ناحية المزة، فبعثت إليه فأتيت به فإذا هو أبو كامل الغزيّل المغنّي وإذا هو على بغلة للوليد فأخبرنا أن الوليد قد قتل، فأتيت يزيد فوجدت الخبر قد بلغه.
وكان يزيد بن مروان بن محمد يغزو الصائفة مع الغمر بن يزيد، فلما قتل الوليد غلب على الجزيرة حتى قدم مروان بن محمد أرمينية.
وقال بشر بن هلباء الكلبي يوم قتل الوليد، وقد ضرب باب البخراء
стр. 3611
بسيفه، جوابا لما روي أن الوليد قاله في خالد بن عبد الله القسري:
سنبكي خالدا بمهندات … ولم تذهب صنائعه ضلالا
المدائني قال: قال الحكم بن النعمان مولى الوليد: قدم برأس الوليد على يزيد الناقص منصور بن جمهور العامري من كلب في عشرة، منهم روح بن مقبل، فقال روح: يا أمير المؤمنين ابشر بقتل الفاسق، وأسر العباس، وكان في العشرة القادمين بالرأس عبد الرحمن بن وجه الفلس، وبشر مولى كنانة من كلب، فأعطى يزيد كل رجل منهم عشرة آلاف درهم.
قال: وكان يزيد قال: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، فجاء قوم برؤوس فقال يزيد بن الوليد: اكتبوا أسماءهم، فقال رجل من مواليه جاء برأس ليس هذا بيوم يعمل فيه بنسيئة.
قالوا: وكان العباس بن الوليد لما صار يزيد إليه يستشيره قال: أنا أكتب إلى الوليد أمير المؤمنين بحجتك، فكتب إليه، فقال لرسوله: أترك صاحبك الصدق أي حجة لمن جاهر الله بعداوة خليفته وشق عصا المسلمين؟ قالوا: وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح الطائي المغنّي وعمر الوادي فلما تفرق أصحاب الوليد عنه وحصر قال مالك لعمر: إذهب بنا، فقال عمر: ليس هذا من الوفاء وليس يعرض لنا لأنّا ليس ممن يقاتل. فقال مالك: ويلك والله لئن ظفروا بنا لا يقتل أحد قبلنا فيوضع رأس الوليد بين رأسينا، ليقول الناس انظروا من كان معه الفاسق في هذه الحال، ولا يعاب بشيء أشد من هذا، فالنجاء عافاك الله، فهربا.
стр. 3612
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال أيوب السختياني حين بلغه خبر الوليد: ليتهم تركوا لنا خليفتنا ولم يقتلوه - وإنما قال ذلك خوفا من الفتنة-.
المدائني عن أبي عاصم الزيادي قال: ادّعى قتل الوليد عشرة فقال:
إني رأيت جلدة رأس الوليد في يد وجه الفلس، وقال: أنا قتلته وأخذت هذه الجلدة.
وقال أمير المؤمنين المهدي، وذكر الوليد: ﵀ ولا رحم قاتله فإنه كان إماما مجتمعا عليه، وقيل له: إن الوليد كان زنديقا. فقال: إن خلافة الله أعزّ وأجلّ من أن يوليها من لا يؤمن به.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، وعلي بن محمد المديني، ثنا سفيان بن عيينة قال: لما قتل الوليد اجتمع مشيخة من مشيخة أهل الكوفة، إلى الأعمش فقالوا: إنا نحب ألا نفترق إلا على أمر نعرفه، فقال الأعمش:
اتّقى امرؤ ربّه، وكفّ يده وحفظ لسانه، ولزم بيته، قوموا وأنا النذير لكم.
قالوا: وكان يزيد بن خالد بن عبد الله القسري محبوسا، حبسه الوليد حين وجّه أباه إلى العراق مع يوسف بن عمر، فلما تشاغل الناس وغفل عنه حفظته كسر قيده فخرج وأتى على الوليد، وهو صريع فضربه تسع ضربات وقال:
قتلتم خالدا بالظلم قسرا … وما يبغي سوى الإسلام دينا
قتلت إمامكم بأبي فحسبي … وقد قتلوا سواه آخرينا
стр. 3613
وحدثني داود بن عبد الحميد قاضي أهل الرقة قال: سمعت أشياخنا يتحدثون أن الوليد خرج إلى البخراء للعلاج وشرب اللبن، وكان في عسكر عظيم، وصاحب شرطه خالد بن عثمان بن بحدل الكلبي، ويقال زيد بن يعلى بن الضخم بن قرة العبسي. فدعا يزيد بن الوليد إلى نفسه وأظهره، وكان يقول: والله ما أريد بهذا الأمر إلاّ إراحة الإسلام والمسلمين من هذا الرجل الذي لا يحلّ تركه. والله ما أريد أحفر فيكم نهرا ولا أبني قصرا، ولا أجعل أموالكم وقفا على اللذّات والنشوات، وركوب ما لم يحلّه الله، وما غايتي إلاّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله. فبايعه الغيلانية، وصارت معه اليمانية طالبا بثأر خالد القسري فغلب على دمشق.
وبعث يزيد إليه عبد العزيز بن الحجاج فقاتلوا الوليد وأصحابه بالبخراء، ودخل الوليد حصن البخراء فحصروه ورموه بالحجارة وهم يقولون: يا فاسق هذه سنّة في اللّواطين أمثالك، تهيئ الذكور بهيئة النساء وتفسق بهم، وترتكب العظائم، ثم تسوّروا عليه وهو مصطبح بشرابه، فعمد إلى مصحف ففتحه فلم ينفعه ذلك وقتل، وكان ممن تولى قتله مولى لهم يقال لهم وجه الفلس وقد كان بعض ولده مع عبد الله بن طاهر.
قالوا: وكانت ولاية الوليد سنة وشهرين وأياما، ويقال سنة وثمانية أشهر والأول أثبت، وقتل في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة وله ست وثلاثون سنة، ويقال تسع وثلاثون سنة، ويقال اثنتان وأربعون سنة، ويقال خمس وأربعون وأشهر، وكان الشيب قد وخطه. ولم يصلّ عليه أحد، ودفن بالبخراء، ثم إنه حمل إلى دمشق سرا فدفن في المقبرة التي عند باب الفراديس ليلا، وحمل رأسه إلى يزيد فنصب عند باب الفراديس.
стр. 3614
قالوا: وتغيب عثمان والحكم ابنا الوليد بن يزيد في سرب في القصر، فطلبهما عبد العزيز فوجدهما في السرب فأتى بهما يزيد فدفعهما إلى عمهما سليمان بن يزيد بن عبد الملك فمكثا عشرة أيام ثم ردّهما وقال: قد كثر اختلاف الناس إليهما، وقد كان أبوهما بايع لهما فأخاف أن أغلب عليهما فإن في الناس غواة، فأمر يزيد بحبسهما فحبسا بالخضراء، فدخل عليهما الأفقم وهو يزيد بن هشام السجن، وكان الوليد قد ضربه وحلقه فشتم أباهما ولعنه، فبكى الحكم فزجره أخوه عثمان، وقال: اسكت، وقال للأفقم: ويحك تشتم أبي؟ قال: نعم فقال عثمان: لكني لا أشتم عمي هشاما، وايم الله لو كنت من بني مروان ما شتمت أبي، ولكنك لست من بني الحكم فانظر إلى وجهك في المرآة، فإن رأيت حكميا يشبهك فأنت منهم، ولا والله ما في الأرض حكميّ مثل وجهك.
قال أبو الحسن المدائني: قال محمد بن راشد الخزاعي: دخلت على الحكم وعثمان وهما محبوسان بالخضراء فحادثتهما ساعة فقال الحكم:
ما أصابني في هذا الأمر شيء كان أغيظ لي من ذهاب بغلي المديزج (١). قال:
قلت: قبح الله رأيك. قتل أبوك، وسلبت ملكك فلم يعظم عليك ذلك، وتتلهف على بغل ذهب منك؟ قال أبو الحسن: قتل الوليد يوم الأربعاء ليومين بقيا من الشهر سنة ست وعشرين ومائة وكانت ولايته سنة ونصفا، فلما قتل الوليد اختلف بنو مروان بينهم، وكان سليمان بن هشام محبوسا بعمّان فخرج من السجن فأخذ
стр. 3615
جميع ما كان بعمّان من المال، وأقبل إلى دمشق وجعل يلعن الوليد بن يزيد ومن يهوى هواه ويعيبه ويكفره.
وقال ابن ميّادة المرّي، وميادة أمه، واسمه الرمّاح بن الأبرد بن شريان بن سراقة بن سامي بن ظالم بن جذيمة:
أيا لهفي على الملك المرجّى … غداة أصابه القدر المتاح
ألا أبكي الوليد فتى قريش … وأسمحها إذا فقد السماح
وأجبرها لذي عظم مهيض … إذا ضنّت بدرّتها اللقاح
لقد فعلت بنو مروان فعلا … ذميما ما يسوغ به القراح
فظلّ كأنه أسد عقير … تكسّر في مناكبه الرماح (١)
وقال بعضهم:
أمّ الوليد فشقّي الجيب وانتحري … إن الوليد وربّ البيت قد قتلا
وقال أبو محجن مولى خالد بن عبد الله:
لو شاهدوا حدّ سيفي حين أدخله … في است الوليد لماتوا عندها كمدا
وكان أدخل سيفه في استه.
стр. 3616
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أمر يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان
قالوا: ولما قتل الوليد بويع ليزيد بن الوليد بن عبد الملك وكان أقيل (١)، ويكنى أبا خالد، وأمه شاهفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان كسرى بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف بن أزدشير.
وجعل أخاه ابراهيم بن الوليد ولي عهده، ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك لقيامه له بما قام به من محاربة الوليد، فبويعا أيضا في سنة ست وعشرين ومائة.
ونقص يزيد بن الوليد الناس العشرات التي كان الوليد زادهم إياها، فسمي يزيد الناقص.
стр. 3617
قال المدائني: يقال إنه سمي ناقصا لأن مروان سماه ناقصا حين ولي، قال: وكان ناقص العقل، والثبت أنه نقص الناس العشرات التي زادهم إياها الوليد فسمي ناقصا والله أعلم.
وقال أبو الحسن المدائني: كان يزيد بن الوليد أسمر، مديد القامة، صغير الرأس، وكان جميلا وفي فمه بعض السعة، وأمه أم ولد من ولد المخدج بن يزدجرد، وكان المخدج ولد بخراسان، فلما فتح قتيبة بن مسلم ما فتح من خراسان أصاب جارية من ولد المخدج بن يزدجرد فبعث بها إلى الحجاج بن يوسف، فأهداها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت له يزيد بن الوليد.
وكان ليزيد بن الوليد من الولد:
أبو بكر وعبد المؤمن وعلي، وأمهم من كلب من ولد زبان الكلبي.
وعبد الله، أمه أم ولد.
وخالد والوليد، قتلهما مروان حين أسرهما. ويزيد القائل:
أنا ابن كسرى وأبي مروان … وقيصر جدي وجدي خاقان
وليس ابراهيم بأخي يزيد لأمه، ابراهيم لأم ولد أخرى.
قالوا: وكان يزيد يعرف بالتنسك والتألّه والتواضع، وكان الوليد بن عبد الملك يذكر ولده فيقول: عبد العزيز سيدهم، والعباس أفرسهم، ويزيد ناسكهم، وروح عالمهم، وعمر فحلهم، وبشر فتاهم.
قالوا: وكان الوليد بن يزيد قد حج في سنة ست عشرة أو سنة سبع عشرة، وحج أيضا يزيد بن الوليد في تلك السنة فلما رآه يزيد وهو يطوف
стр. 3618
بالبيت قال: ورب هذه البنيّة إن هذا الذي يطوف لكافر بهذه البنيّة ولئن ولي أمر الأمة وأنا حيّ لأجاهدنّه.
قالوا: ولقي يزيد بن الوليد أيوب السختياني في السنة التي حج فيها فكتب عنه، وكان يزيد كثير الصلاة طويل الليل.
قالوا: وعاتبته امرأته هند الكلبية فقالت: أوسع علينا، وكانت تدعى ابنة الحضرمية لأن أمها التي قامت عنها من حضر موت، وذلك حين ولي، فقال: قد فسدت علي فيمن فسد، أما لو علمت أنكم تميلون إلى الدنيا هذا الميل لكان أن أخرّ من السماء إلى الأرض أحبّ إليّ من أن ألتبس بما التبست به، ومالك في هذا المال إلا ما لسوداء أو حمراء من المسلمين، ولكن يا قطن (١) ائتني بثيابي، فجاءت بتخت، فقال لها: هذه ثياب كنت أتزين بها فشأنك فخذيها فإنه لا حاجة لي اليوم فيها، فأما مال المسلمين فلا حق لي ولا لك فيه إلاّ مثل ما للمسلمين.
قالوا: ولما قتل الوليد خطب يزيد فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﵌: «أيها الناس، إني والله ما خرجت بطرا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك، وما أقول هذا إطراء لنفسي، إني لظلوم لها إن لم يرحمني ربي. ولكن خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى الله وكتابه وسنة نبيه، لمّا هدمت معالم الدين، وعفي أثر الحقّ وأطفئ نور الهدى، وظهر الجبار العنيد المستحلّ لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان يصدّق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في
стр. 3619
النسب، وكفئي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره وسألته أن لا يكلني إلى غيره، ودعوت إلى مجاهدته، فأجابني من أجابني من أهل ولايتي، وسعيت عليه حتى أراح الله منه العباد بحول الله وقوته لا بحولي وقوتي.
أيها الناس إنّ لكم أن لا أضع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة، ولا أكري فيكم نهرا، ولا أبني قصرا ولا أكنز مالا، ولا أؤثر به زوجة ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسدّ ثغره وخصاصة أهله بما يعينهم، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه مما هو إليه أحوج، ولكم عليّ ألا أجمرّكم فأفتنكم، ولا أفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم، ولكم عندي إدرار أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر حتى تستدرّ المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن أنا وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكانفة، وإن أنا لم أف لكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني فإن تبت قبلتم مني، وإن علمتم مكان رجل يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه ما أعطيتكم فبايعوه إن أردتم ذلك، فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته.
أيها الناس إنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم».
ودعا الناس إلى البيعة فجدد بيعة أخرى، فكان أول من بايعه يزيد الأفقم، وبعضهم يقول الأشدق بن هشام بن عبد الملك.
стр. 3620
وقام قيس بن هانئ العبسي فقال: يا أمير المؤمنين دم على ما أنت عليه، فما قام مقامك أحد من أهلك، ولئن قالوا عمر بن عبد العزيز فإنك أخذتها بسبب صالح، وأخذها بسبب سوء، فلما بلغ مروان بن محمد قوله قال: قاتله الله عابنا جميعا، فلما ولي مروان أمر أن يطلب في المسجد فوجد يصلي فأتي به فقتله.
قالوا: وأتى يزيد بن حجوة الغساني يزيدا، فقال: يا أمير المؤمنين إني لا أرى أحدا من قيس غشيك ولا وقف ببابك، وما قلوبهم بالمنشرحة لك. فقال يزيد: لولا أني أكره البسط لعاجلت قيسا بالمكروه. والله ما عزّت قيس قط إلاّ ذلّ الإسلام.
قالوا: ولى يزيد بن الوليد منصور بن جمهور الكلبي العراق، ويقال بعثه خليفة للحارث بن العباس بن الوليد بن عبد الملك، وأمره أن يحمل يوسف بن عمر إلى ما قبله.
وقال بعضهم: لم يولّه العراق ولا بعثه خليفة لأحد، ولكنه وجهه لحمل يوسف ولكنه ورّى بذكر خلافة الحارث عن أمره، فهرب يوسف بن عمر الثقفي، وكان عامل هشام والوليد من بعده على العراق وأتى دمشق فأخذ وأتي به يزيد فحبسه مع عثمان والحكم ابني الوليد.
وقال قوم إن منصور أتى العراق متغلبا، فهرب منه يوسف، وليس ذلك بثبت.
стр. 3621
ويقال إن يوسف أتى يزيد حتى وضع يده في يده، فقال له يزيد:
لست أطالبك بحقد ولا إحنة ولكني أريد أخذك بمال المسلمين حتى أستخرج لهم حقهم الواجب لهم، وأمر بحبسه ومحاسبته.
وكانت اليمانية ويزيد بن خالد بن عبد الله حقدوا على يوسف عذابه خالدا حتى قتله فدعا اليمانية يزيد (١) إلى الطلب بدم أبيه فوثبوا بيوسف فقتلوه ونصبوا رأسه بدمشق، وذلك في أيام يزيد بن الوليد.
وكانت ولاية يزيد الناقص ستة أشهر، ويقال كانت خمسة أشهر وأياما.
وقال الهيثم بن عدي: خرج سليمان بن هشام من مجلسه حين قتل الوليد، ونفذ منصور بن جمهور على حاميته في خمسة آلاف إلى العراق، فهرب يوسف بن عمر إلى منزله بالبلقاء، فوجّه إليه يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وهو على شرطة يزيد بن الوليد: محمد بن سعيد الكلبي من أهل المزّة فوجده في قرية له بأرض البلقاء، ففتش داره فاستخفى بين إمائه وبين الحائط، فأخذ ابنا له فضربه فقال له: ذاك أبي، فأخذه وقدم به على يزيد بن الوليد فلم يزل محبوسا في خلافته، وفي أيام إبراهيم بن الوليد أخيه حتى بلغ يزيد بن خالد قدوم مروان بن محمد الجعدي للطلب بدم الوليد، فأخرجه يزيد بن خالد فقتله.
قالوا: ولما قدم منصور بن جمهور العراق قال الناس: منصور بن جمهور أمير غير مأمور، أتى بالعهد منشور، وفيه الكذب والزور، وكان
стр. 3622
الصبيان والخدام يقولون هذا في الطرق، ثم ولى يزيد بن (الوليد) عبد الله بن عمر بن عبد العزيز العراق وقد كتبنا خبره مع نسبه.
قالوا: وكتب يزيد بن الوليد إلى أهل العراق وكان كاتبه ثابت بن سليمان بن سعيد: «أما بعد فإن الله اختار الإسلام وارتضاه وأظهره وطهّره، وافترض فيه حقوقا أمر بها، ونهى فيه عن أمور حرّمها ابتلاء لعباده فأكمل فيه كل عدل، ختم كل فصل ثم تولاه الله فكان له حافظا ولأهله المقيمين حدوده وليّا وناصرا، فلم يكرم الله بالخلافة أحدا فيأخذ بأمر الله وحقه فيناوئه مشاقّ أو يحاول صرف ما حباه الله به باغ إلا كان كيده الأضعف، ومكره الأهون، حتي يتم الله له ما أعطاه ويتولاّه فيما ولاّه، ويجعل عدوه الأضلّ سبيلا، والأخسر عملا، فتناسخت خلفاء الله وولاة دينه قاضين بحكمه متّبعين لكتابه حتى أفضى الأمر إلى عدو الله الوليد المنتهك للمحارم، والراكب للعظائم التي لا يأتي مثلها مسلم، ولا يقدم عليها كافر تكرّما عن غشيان مثلها، فلما استفاض ذلك وعلن، واشتد فيه البلاء، وسفكت الدماء، وأخذت الأموال بغير حقها مع أمور فاحشة لم يكن الله ليملي لمن عمل بها، سرت إليه بعد انتظار مراجعته منكرا لعمله، وما اجترأ عليه من معاصي الله، راجيا من الله إتمام ما نويت في ذلك من اعتدال عمود الدين، والأخذ في أهله بما هو لله رضى حتى وافقت جندا قد وغرت صدورهم على عدو الله بما رأوا منه مما لا مريّة فيه ولا شك، ولا عليه غطاء، ولا به خفاء، فدعوتهم إلى تغيير ما أحدث من الأحداث التي بدّل بها أمر الله وسنن نبيه ﷺ ، فأسرعوا إلى الإجابة وأحسنوا على الحق المعاونة، فبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فلاقى عدو الله ومن معه وهو بجانب
стр. 3623
قرية من قرى حمص تدعى البخراء، فدعاه إلى أن يجعل الأمر شورى ينظر فقهاء المسلمين وصلحاؤهم فيه لأنفسهم، فأبى ذلك متتابعا في ضلالته، فقتله الله على شر عمله وأسوأ أثره بين عصبة من بطانته الخبيثة، فأطفأ الله جمرته، وأراح العباد منه فبعدا له ولمن كان على طريقته، أحببت أن أعلمكم ذلك لتحمدوا الله عليه وتشكروه، فبايعوا منصور بن جمهور لأمير المؤمنين فقد ارتضيته لكم ووليته أمركم، فإن العدل مبسوط لكم لا يسار فيكم بخلافه إن شاء الله، نسأل الله ربنا وولينا حسن توفيقه وتسديده، وكتب لليلتين خلتا - أو بقيتا - من رجب سنة ست وعشرين ومائة».
المدائني قال: عامل الناقص على العراق: عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى مكة والمدينة: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وعلى مصر: إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز. ويقال إنه ولاه إياها فلم يقبل عهده على مصر.
قالوا: ولما مات يزيد الناقص بن الوليد وثب الحكم بن ضبعان بن روح بن زنباع الجذامي بأرض فلسطين، فخلع واستمال لخما وجذاما ودعا لسليمان بن هشام بن عبد الملك.
وأقام منصور بن جمهور بالعراق، وكان قد انضم إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حين ولاه يزيد العراق فأكرمه وقدمه وصفح عما صار إليه من المال.
وقال الهيثم بن عدي: لم يصف ليزيد بن الوليد إلاّ دمشق ومات بعد أشهر.
стр. 3624
وقال ابن الكلبي: أقام منصور مع ابن عمر، ثم وجه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق فقدم واسطا وبها ابن عمر، فحصر ابن هبيرة ابن عمر، ثم أخذه وبعث به إلى مروان فحبسه بحران.
وخالف منصور بن (جمهور) مروان وجعل يجبي مال الجبل ويحمله إلى شيبان الخارجي وهو بكرمان، ومضى إلى السند فغلب عليها حتى كانت دولة بني العباس.
وبعث أبو مسلم عامله فركب منصور المفازة حتى مات عطشا، وقد كتبنا قصصهم على التمام فيما تقدم من الجزء الذي قبل هذا.
وكان موت يزيد بدمشق وهو ابن ست وأربعين سنة، ويقال ابن نيف وثلاثين سنة، ويقال ابن ثلاثين سنة، وصلى عليه إبراهيم أخوه، وولي عهده، وكان أخوه العباس قد مات من جراحة أصابته يوم حروب الوليد، وقيل إنه بقي بعد ذلك معتزلا منفردا حتى توفي.
стр. 3625
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أمر ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك
قالوا: بويع ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ويكنى أبا إسحاق، وأمه أم ولد - وهو المخلوع .. بالخلافة في أول سنة سبع وعشرين ومائة بعد موت أخيه يزيد الناقص، وكان مروان بن محمد بن مروان بن الحكم حين قتل الوليد قدم الجزيرة فدعا إلى نفسه سرا، وسمّى الوليد الخليفة المظلوم، وأظهر أنه يطلب بدمه وقال: إنما قتله قدرية غيلانية. فبايعه خلق من أهل الجزيرة، ثم أظهروا أمره بعد بيعة ابراهيم بن الوليد بشهر أو بأكثر منه بأيام بحرّان، وقال: أمري شبيه بأمر معاوية حين طلب بدم الخليفة المظلوم عثمان، ثم إنه سار بأهل الجزيرة وقنّسرين وحمص يريد ابراهيم وبعث إلى الناس: «انهضوا لمحاربة هذا القدري أخي القدري الغيلاني المبتزّ لأمور الناس، الآمر بالبدعة والضلالة، فإن جهاده واجب على كل مسلم، فقد كنت على مجاهدة أخيه فسبقني به أجله، وصار إلى نار الله وحرّ سعيره، مبتدعا ضالا.
فوجّه إليه ابراهيم بن الوليد أخويه بشر بن الوليد ومسرور بن الوليد فأسرهما، وفض عسكرهما، فوجّه إليه ابراهيم: سليمان بن هشام بن عبد
стр. 3626
الملك في خيول أهل دمشق فالتقيا بعين الجر من البقاع من عمل بعلبك، وذلك في صفر سنة سبع وعشرين ومائة فتناوشوا يومهم، ثم بكروا على الحرب فاقتتلوا أشد قتال وأبرحه، فانهزم سليمان ومن معه، وكان محدودا (١)، فلحقوا بابراهيم.
وكتب مروان إلى وجوه أهل دمشق كتبا يعلمهم فيها أن الذين بايعوا يزيد الناقص شرارهم ورعاعهم وغواتهم ويدعوهم إلى طاعته ويعدهم ويمينهم، ويحلف لهم على الوفاء والإحسان فانتقضوا على ابراهيم.
ونزل مروان بن محمد الغوطة، فخرج إليه خلق من الناس فبايعوه، فلما رأى ذلك عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ويزيد بن خالد بن عبد الله القسري أخذ عثمان والحكم، ابني الوليد بن يزيد فقتلاهما في محبسهما، وخافا أن يتخلصا، فكان الناس يقولون: يا معشر الفتيان أين الحكم وعثمان.
وقال بعض الرواة إنهما قتلا يومئذ يوسف بن عمر، وقال بعضهم قتل في أيام يزيد بن الوليد، قتله يزيد بن خالد واليمانية.
قال أبو الوليد هشام بن عمار: قتله في ولاية يزيد أثبت، لأنه بلغنا أن الناقص قال: عجلتم بقتله قبل أخذ ما عليه للمسلمين من الأموال.
قال هشام بن عمار: وسمعت من يقول أن الحكم وعثمان قتلا حين تحرك مروان من حران، وقبل نزوله الغوطة والله أعلم.
وقال الشاعر حين أقبل مروان:
стр. 3627
أتاك مروان شبيه مروان … يجرّ جيشا غضبا للرحمن
بتغلب الغلباء وقيس عيلان
فقال بعض أصحاب ابراهيم:
قد جاء مروان شبيه مروان … يقود جيشا غضبا للشيطان
بتغلب اللؤم وقيس عيلان
قالوا: ولما بويع مروان بالغوطة، وقوي أمره، ووهن أمر ابراهيم استخفى ابراهيم بن الوليد حتى أخذ له الأمان فكان مع مروان وفي طاعته، ولم يزل حيا حتى قتله عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس سنة اثنتين وثلاثين ومائة مع من قتل من بني أمية.
ويقال إنه أتى مروان خالعا لنفسه حتى وضع يده في يده فاعتذر إليه، ويقال أيضا إن مروان ظفر به فقتله وصلبه. والخبر الأول أثبت.
وكانت أيام ابراهيم أربعة أشهر، ويقال ثلاثة أشهر، وبعضهم يقول أربعون يوما.
ولما دخل مروان دمشق طلب عبد العزيز بن الحجاج، ويزيد بن خالد القسري فظفر بهما فقتلهما بعثمان والحكم، وصلبهما على باب الجابية، ويقال على باب الفراديس بدمشق، وقال هشام بن عمار: كان الذي ظفر بهما زامل بن عمرو الجذامي عامل مروان، وبايع مروان لابنيه عبد الله وعبيد الله.
стр. 3628
أمر أبي محمد السفياني بعد مقتل الوليد
قالوا: ولما قتل الوليد غضب له مروان بن محمد بن مروان، ومروان بن عبد الله بن عبد الملك، وأبو محمد زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكان مروان بن عبد الله عاملا للوليد على حمص، وكان من سادة بني مروان نبلا وفضلا وكمالا، فأكبر قتل الوليد ودعا أهل حمص إلى الطلب بدمه فأجابوه، وتأهب للمسير إلى يزيد بن الوليد الناقص فوقع بينه وبين أبي محمد السفياني اختلاف، فقال أبو محمد زياد بن عبد الله السفياني: يا أهل حمص إن مروان بن عبد الله يريد أن يريّثكم عن الطلب بدم الخليفة، ووقع فيه، فوثب السّمط بن ثابت من ولد شرحبيل بن السمط الكندي، والصّقر بن صفوان الكندي، وغالب بن ربعي الطائي في جماعة فقتلوا مروان بن عبد الله بن عبد الملك، فلم يشعر أبو محمد السفياني إلاّ برأس مروان بن عبد الله على رمح، فاغتم وقال: لم أرد هذا، قالوا:
فقد كان.
стр. 3629
وبايعوا أبا محمد السفياني، وأقبل حتى نزل جوسكية (١) وهو حصن من حصون حمص، وبلغ يزيد بن الوليد الناقص أمره فوجه إلى أهل حمص سليمان بن هشام، وعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فنزلا ثنية العقاب، وأقبل أبو محمد السفياني فنزل موضعا يعرف بقطيفة (٢) هشام، وكان هشام بن عبد الملك اتخذها فقصد سليمان بن هشام إلى أبي محمد فالتقوا بالسليمانية، وكان سليمان بن عبد الملك اتخذها فقاتلهم أبو محمد فخذله جنده فأسر وقدم به على يزيد الناقص فحبسه مع ابني الوليد الحكم وعثمان، ثم أمر أيضا بحبس يزيد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان فحبس معهم.
وحدثني داود بن عبد الحميد عن أشياخه قالوا: لم يزل الغيلانية بيزيد الناقص حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده، ومات يزيد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، ولم يتم لإبراهيم بن الوليد أمر. كان يسلّم عليه جمعة بالخلافة، وجمعه بالإمارة. وكان يقال له: الصلتان، وكانت أمه بربرية، ولم تكن أم يزيد الناقص.
وقال بعض الشعراء:
نبايع إبراهيم في كل جمعة … ألا إنّ أمرا أنت واليه ضائع
نبايع إبراهيم في كل جمعة … فكم كم إلى كم كل يوم نبايع
فما زال على هذه الحال حتى قدم مروان فخلع نفسه، وقتل مروان عبد العزيز بن الحجاج، وابراهيم الخشبي من أولاد المختارية.
стр. 3630
قالوا: ولما ولي مروان بن محمد نبش قبر يزيد بن الوليد بن عبد الملك واستخرجه وصلبه، فيزعمون أنهم وجدوا كتابا فيه: يا مبذّر الكنوز، يا سجاد الأسحار كانت ولايتك لهم رحمة وعليهم حجة، أخذوك فصلبوك.
وقد ذكر بعضهم أن الناقص سئل أن يولي أخاه إبراهيم عهده، فلم يفعل فلما أغمي عليه أو مات كتب قطن كتابا، وختمه بخاتم الناقص عهدا لإبراهيم بالخلافة.
стр. 3631
يوم القاع ويوم الفلج الأول (١) باليمامة
قالوا: لما قتل الوليد كان على اليمامة من قبل يوسف بن عمر الثقفي:
علي بن المهاجر بن عبد الله الكلابي فقال له المهير بن سلمى بن هلال أحد بني الدئل بن حنيفة: أخل لنا بلادنا فأبى ذلك فجمع له المهير وسار إليه وهو في قصره بقاع حجر فالتقوا بالقاع بسوق حجر، فهزمه المهير حتى أدخله قصره، وخرج من ناحية القصر فهرب إلى المدينة، وقتل المهير بن سلمى ناسا من أصحابه، وكان يحيى بن أبي حفصة أشار على ابن المهاجر أن لا يقاتل فعصاه فقال:
بذلت نصيحتي لبني كلاب … فلم تقبل مشوراتي ونصحي
فدى لبني حنيفة من سواهم … فإنهم فوارس كل فتح
وقال شقيق بن عمرو السدوسي:
стр. 3632
إذا أنت سالمت المهير ورهطه … أمنت من الأعداء والخوف والذعر
به دفع الله النفاق وأهله … وأحيا به أهل المجاعة والفقر
فتى راح يوم القاع روحة ماجد … أراد بها حسن السماع مع الأجر
وتأمّر المهير على اليمامة، وكان على شرطه عبد الحكم بن حكّام العبيدي فركب المهير والناس معه فشدّ قوم على عبد الحكم فقتلوه فقال القحيف العقيلي:
لقد جمع المهير لنا فقلنا … ألسنا نحن عرضتنا الجموع
ثم مات المهير واستخلف عبد الله بن النعمان أحد بني قيس بن ثعلبة بن الدؤل.
قالوا: فاستعمل عبد الله بن النعمان المندلث بن إدريس الحنفي على الفلج - والفلج قرية من قرى بني عامر بن صعصعة، وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية بن الخطفى: هي لبني نمير - فجمع له بنو كعب بن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل، وأتوا الفلج فقاتلهم المندلث بالفلج فقتل المندلث، قتله رحّال بن فروة القشيري، وقتل أكثر أصحابه وظفرت بنو عامر ولم يقتل منهم كبير أحد، وقتل يومئذ يزيد بن المنتشر، وأمه الطثرية من طثر بن عنز بن وائل، وكان معهم فقال القحيف:
إن تقتلوا منا شهيدا صابرا … فقد تركنا منكم مجازرا
خمس مئين (١) … لم يدخلوا المقابرا
وقال ثور بن الطثرية يرثيه:
стр. 3633
أرى الأثل من نحو العقيق مجاوري … مقيما وقد غالت يزيدا غوائله
مضى فورثناه دلاصا مفاضة … وأبيض هنديا طوالا حمائله
وقد كان يحمى المحجرين بسيفه … ويبلغ أقصى حجرة الحيّ نائله
في أبيات. وقال القحيف:
أتانا بالعقيق صريخ كعب … فحلّ النبع والأسل النهال
يوم الفلج الثاني:
لما أتى عبد الله بن النعمان خليفة المهين قتل المندلث جمع جمعا بلغ ألفا من حنيفة وغيرها من ساكني اليمامة فغزا الفلج، فلما تصافّ الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلي فقال الراجز:
فرّ أبو لطيفة المنافق … والجعونيان وفرّ طارق
لما أحاطت بهم البوارق … والموت حيث الخرّق الخوافق
طارق بن عبد الله القشيري، والجعونيان من بني قشير، وتجللت بنو جعدة البراذع وقاتلوا حتى قتلوا إلاّ نفرا منهم، وقطعت يد زياد بن حيّان الجعدي فجعل يقول:
أنشد كفا ذهبت وساعدا … أنشدها ولا أراني واجدا
ثم قتل.
وقال الأسوار بن عمرو مولى بني هزان:
سلوا الفلج العاديّ عنا وعنكم … وأطمة إذ سالت مدامعها دما
عشيّة لو شئنا سبينا نساءكم … ولكن صفحنا عفّة وتكرّما
стр. 3634
وقال بعض الربعيّين:
سمونا لكعب بالصفائح والقنا … وبالخيل شعثا تنتحي في الشّكائم
فما غاب قرن الشمس حتى رأيتنا … نسوق بني كعب كسوق البهائم
بضرب يزيل الهام عن سكناته … وطعن كأفواه المزاد الشّواجم
وفر أبوك يا لطيفة هاربا … ولم ينج من أسيافنا وهو سالم
- يوم معدن الصحراء:
وأغارت بنو عقيل وقشير، وجعدة بن كعب، ونمير بن عامر بعد الفلج الثاني، وقد تجمعوا عليهم بنو سهلة النميري، على من كان من بني حنيفة بمعدن الصحراء، فقتلوا من وجدوا من بني حنيفة، وسلبوا نساءهم، وكفّت بنو نمير عن النساء، غير ان رباح بن جندل بن الراعي سبى امرأة واحدة مخصّلة بخصل الفضّة، فقال القحيف:
ورثنا أبانا عامرا مشرفيّة … صفائح فيها اليوم أنصاف ما بها
ضربنا بها أعناق بكر بن وائل … جهارا وجاوزنا بها من ورائها
يوم النشّاش (١):
قالوا: ولما أوقع بالعامرييّن يوم الفلج الثاني قال عمر بن الوازع الحنفي: لست بدون عبد الله بن النعمان وغيره ممن يغير، وهذه فترة يؤمن فيها السلطان، فمضى يريد أضاخ (٢)، فلما كان بأرض الشريف بثّ خيله فأغارت وأغار فملأ يده من الغنائم، وأقبل ومن معه حتى
стр. 3635
نزلوا النشاش، وأقبلت بنو عامر حاشدة حتى أغارت فلم يرع عمر بن الوازع إلا رغاء الإبل، فجمع ابن الوازع النساء في فسطاط وأقام عليهنّ حرسا من ثقاته، ولقي القوم فقاتلهم فهزمت حنيفة ومن معها، وهرب ابن الوازع فلحق باليمامة، وتساقط منهم خلق في قلب النشاش من العطش وشدة الحر، فطلب ابن الوازع فلم يقدر عليه، ورجعوا بالأسرى والنساء. فقال بعض بني نمير:
إذا عدّ الفعال وجدت قومي … نميرا بذّ فعلهم الفعالا
هم قتلوا البهيم بها وجونا … علانية وما قتلا اغتيالا
بهيم بن عزّة.
وقال حديج النميري:
كأنّ أبانا عامرا لم يلد لنا … أخا غير نصل السّيف عند الشدائد
فنحن نداوي بالقنا صفحاتهم … وبالبيض نخليها مناط القلائد
وقال دلم بن صامت النّميري:
أنا النّميري الذي يحمي مضر … يرفع من أبصارهم فوق البصر
مبارك الراية مرزوق الظّفر … إنّ اليمانيّين فرسان الحمر
لم يصبروا للمشرفيّات البتر … والطعن بالمرّان أجواف البهر
لما ضربناهم بصيّاح ذكر … طاير عنه القين شذّان (١) الشّرر
стр. 3636
وقال القحيف أيضا:
وبالنشّاش يوم طار فيه … لنا ذكر وعدّ لنا فعال
وقال أيضا:
فداء خالتي لبني عقيل … وكعب حين تزدحم الجدود
وهم تركوا على النشاش صرعى … بضرب ثمّ أهونه شديد
وقال حصين النميري:
يا دار جمل بلوى متالع (١) … كأنها بعد الجميع الرابع
سحق يمان بعد لون ناصع (٢) … الله لقّى عمر بن الوازع
دائرة السوء بفجع فاجع … لما لقونا خلفه الطلائع
ولّوا شلالا كالنّعام الفازع
وقال بعض بني نمير:
فليت ابن المهير رأى نميرا … بنشّاش تواجهنا النّخيل
وفي أيماننا بيض رقاق … صوارم ما يقوم لها قبيل
غزا يرجو الغنيمة من نمير … فلم يغنم وأعجزه القفول
стр. 3637
وقال القحيف العقيلي:
من مبلغ عنا قريشا رسالة … وأفناء قيس حيث سارت وحلّت
بأنا تركنا من حنيفة بعد ما … أغارت على أهل الحمى ثم ولّت
تسكّ نمير بالقنا صفحاتهم … فكم ثمّ من نذر لها قد أحلّت
في أبيات: وقال سعد بن عيّاش الغنوي:
نحن صبحنا عمر بن الوازع … ملمومة ذات غبار ساطع
باكره الورد بموت ناقع … تحت ظلال الخرّق اللوامع
وقال القحيف:
تركنا على النشّاش بكر بن وائل … بطون السّباع العاويات قبورها
قتلناهم حتى رفعنا أكفّنا … بمشهورة بيض حداد ذكورها
وشيبان قد كانت لحين وشقوة … كباحثة عن شفرة تستثيرها
قالوا: وكفّت قيس يوم النشّاش عن السلب، فجاءت عكل من الحلة فسلبتهم، ولم يكن لحنيفة بعد هذا اليوم جمع، غير ان عبيد الله بن مسلم الحنفي جمع جمعا وأغار على ماء لقشير يقال له حلبان (١) فقال الشاعر:
لقد لاقت قشير يوم لاقت … عبيد الله إحدى المنكرات
لقد لاقت على حلبان ليثا … هزبرا لا ينام على التّرات
وأغار على عكل فقتل منهم عشرين رجلا، فقال نوح بن جرير بن عطية:
وضيّعتم يا عكل بالسرّ نسوة … فباتت علوج القريتين تكومها (٢)
стр. 3638
ثم قدم المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة واليا على اليمامة من قبل أبيه، حين ولي العراق من قبل مروان الجعدي، فوردها وهي سلم فلم يحارب، وتشاهدت بنو عامر على بني حنيفة فتعصب لهم المثنى بالقيسية، فضرب عدّة من بني حنيفة فقال بعضهم:
إن تضربونا بالسياط فإننا … ضربناكم بالمرهفات الصوارم
وإن تحلقوا منا الرؤوس فإننا … قطعنا رؤوسا منكم بالغلاصم
ثم إن المثنى جعل يرفعهم إلى قاضيه طلحة بن إياس العدوي، فلم يقبل شهادة عامريّ فهدأت البلاد وسكنت، ولم يزل عبيد الله بن مسلم مستخفيا حتى قدم السريّ بن عبد الله بن الحارث بن عباس بن عبد المطلب واليا على اليمامة، من قبل بني العباس فدلّ عليه فقتله لما صنع، فقال نوح بن جرير:
فلولا السريّ الهاشمي وسيفه … أعاد عبيد الله شرا على عكل
стр. 3639
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أمر محمد بن مروان وولده
وأما محمد بن مروان بن الحكم، ويكنى أبا عبد الرحمن، وأمه أم ولد، وكان من أشد ولد مروان وأشجعهم في حسن خلق، وهو الذي حارب مصعب بن الزبير بن العوام فقتله بمسكن من أرض السواد، وقتل ابراهيم بن الأشتر النخعي وقد كتبنا خبره.
وكان عبد الله بن يزيد بن معاوية متقدما محمد بن مروان عند عبد الملك، وذلك لأن أخته عاتكة بنت يزيد كانت عنده، وكان يحبها وكان يقال إن عبد الملك كان يحسد محمدا لأنه كان يرى جلد أخيه وبأسه وعارضته، ويحب أن يصغّر منه لا سيما بعد قتله المصعب، فعزم محمد على إتيان أرمينية فأمر بإبله فرحّلت، فدخل على عبد الملك مودّعا وقال: إني أريد الغزو بأرمينية، وتمثّل:
فإنك لن ترى طردا لحرّ … كإلزاق به بعض الهوان
ولو كنا بمنزلة جميعا … جريت وأنت مضطرب العنان
فقال عبد الملك: أقسمت عليك يا أخي لما أقمت في الرحب والسّعه، فوالله لا أقذي في عينك ولا أقدم عليك غيرك ولا ترى مني سوءا ما بقيت، وولاه الجزيرة وأرمينية.
стр. 3640
أمر مروان بن محمد بن مروان
فولد محمد بن مروان:
يزيد، وأمه أم يزيد بنت يزيد بن عبيد الله بن شيبة بن ربيعة.
وعبد الرحمن، وأمه أم جميل من ولد عمر بن الخطاب.
وعبد العزيز لأم ولد.
ومروان بن محمد، وهو الجعدي، وأمه كردية أخذها أبوه من عسكر ابن الأشتر، وكان مروان يكنى أبا عبد الملك.
وقال أبو الحسن المدائني: وقوم يقولون إن أم مروان عربية من تنوخ، وذلك باطل. ويقال: كانت أمه جارية لمصعب أخذت وبها حمل، ويقال:
كانت جارية لزربي طباخ مصعب أو خبازه.
قالوا: وبويع مروان لأربع عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة، وكان أبيض أحمر أزرق أهدل الشفة لا يخضب، ولم يكن بالذاهب طولا، وكنت إذا استدبرته ظننت أن على منكبيه رجلين جالسين، واسع الصدر. وكان يقول: اللهم لا تبلني بطلب ما لم تجعل لي فيه رزقا:
стр. 3641
وكان يقول في خطبته: اللهم إنك أعلم بوليّنا وعدونا منا، فكن لنا وليا وحافظا، وكان يقول: ما كان أبو بكر ولا عمر بأعفّ من هذا مني.
قال: وكان غيورا، وجد كتابا إلى جارية له من أمها فقال: من أدخل هذا الكتاب؟ فقال خصي: أنا رحمت أمها لبكائها. فقطع يد الخصي.
قالوا: وعرض مروان الجند فشكّوا في حلية رجل فأسقطه، فقال:
هلا بعين الجر حليتني … لما توافى القوم في الخندق
فقال: أجيزوه، فأجازوه.
وكان مروان أول من حلّى الجند. وكان كاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعيد، مولى بني عامر بن لؤي ويقال مولى بني مروان، ويقال كان من أهل الأنبار، وكان على شرطه الكوثر الغنوي، وكانت حرسه نوائب. قال الشاعر:
يا أيها السائل عن مروانا … دونك مروان بعسقلانا
يجيد ضرب القوم والطعانا … حتى ترى قتلاهم ألوانا
وكان مروان بخيلا.
وولد مروان بن محمد: عبد الله وعبيد الله.
وقال أبو اليقظان: لا يعلم له ولد غيرهما، وغير عبد الملك بن مروان وعبد الغفار.
وولي مروان بعد خلع ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك خمس سنين، وقتل بمصر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهو ابن تسع وستين سنة.
قالوا: وكان الجعد ساير يوما مروان في أول خلافة هشام، وقبل تولية هشام إياه أرمينية فأصابت ركبته ركبة مروان فقال: أعجلتني دابتي.
فقال: على نفسك فأبق.
стр. 3642
قرأت على أبي الحسن المدائني، وحدثني غيره من أهل العلم، قالوا:
كان هشام بن عبد الملك ولى مروان بن محمد أرمينية وآذربيجان، فلما ولي الوليد بن يزيد أقره، فقتل الوليد ومروان بكسال من أرض أرمينية، فأتاه خبره وهو بها، فعزم على إتيان الجزيرة والشام فقيل له: إن عطّلت الثغر اصطلم الخزر ومن فيه من الأمم أهله من المسلمين، فخطب مروان ودعا الناس إلى السمع والطاعة والبيعة لمن يجتمع الناس عليه، وأعطاهم أرزاقهم، وفرض لعشرة آلاف من الأبناء وغيرهم، وبعث إسحاق بن مسلم العقيلي، وثابت بن نعيم الجذامي إلى أهل الباب والأبواب وملوك الجبال وتفليس يدعوهم إلى بيعة من رضي المسلمون به، وولى آذربيجان حميد بن عبد الرحمن اللخمي، فلما رجع ثابت بن نعيم من حيث وجهه إليه مروان فارق مروان وخالفه، ودعا أهل الشام إلى الخروج معه، وقال: قد قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك فسيروا على راياتكم إلى الشام قافلين، فأجابوه وقالوا: قد قتل الخليفة فليس لأحد علينا سلطان، فالرأي أن نأتي الشام فنكون مع من يجتمع الناس عليه ويرضون به، فعسكروا وبلغ مروان ذلك فقال: إنكم إنما أردتم الإغارة على أهل الذمة فيما بينكم وبين الشام.
فاجتمع على قتالهم ودعا أهل الجزيرة إلى ذلك فأجابوه، فترك أهل الشام ما أجمعوا عليه من أمر ثابت بن نعيم ورفضوه، وأسلموا ثابتا فأخذه مروان فحبسه وحبس بنيه وهم: نعيم، وبكر، ورفاعة، وعمران، وهمّ بقتلهم.
فطلب إليه فيهم فخلاّهم.
واستخلف مروان على أرمينية عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، وتوجّه يريد الشام، وقدم ابنه عبد الملك بن مروان بن محمد إلى الجزيرة،
стр. 3643
وبلغ يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أن مروان قد عزم على إتيان الشام ليبايع ليزيد بن الوليد، فكتب إليه: العجب لك تبايع ليزيد وهو قتل الوليد فلم يبق أحد من بني مروان إلاّ وهو طامع في الخلافة وأنت سنهم وشيخهم.
فلما قرأ كتابه أقام بالجزيرة، فأرسل إليه يزيد بن الوليد الناقص يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وحميد بن نصر اللخمي، وعمارة بن كلثوم بن أبي كلثوم الأزرق ليأتوه ببيعته، وبيعه من قبله من أهل الجزيرة، وضمن له إن سارع إلى بيعته ولم يقدّم ويؤخر أن يوليه أرمينية وآذربيجان والجزيرة، فيقال إنه أبى ذلك ودسّ إلى من معه أن يأبوا بيعة يزيد. فقالوا: لا نبايع الناقص وقد قتل خليفتنا. فقال بعض رسل يزيد لمروان: إنّ هذا الأمر تحت كنفك وتدبيرك. فقال له: يا بن اللخناء لهممت أن أضرب عنقك.
ويقال إنه كتب إلى يزيد ببيعته مع رسله ثم ردهم، ثم جاءته وفاة يزيد، وقيام إبراهيم بن الوليد، فردّ الرسل الذين مضوا ببيعته من قنسرين، ودعا الناس إلى الطلب بدم الوليد، وأتى أهل حمص وأهل قنسرين بيعة ابراهيم وتحرزوا، فوجّه إبراهيم بشرا ومسرورا ابني الوليد بن عبد الملك إلى قنسرين في خمسة آلاف، ووجّه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك إلى حمص، ونادى عبد العزيز: من وافى فله كذا. فقال الحنتف الضبي من بني ضبة بن سعد بن ليث بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة:
لبيك لبيك ولي العهد … أتاك قومي ضبّة بن سعد
قد لبسوا الدروع فوق الزّرد … وجرروا كل حصان ورد
стр. 3644
ونشروا للحرب كل نهد … ونهدة تزلّ تحت اللّبد
إيها فداكم طار في وتلدي … فجالدوا عن دينكم بجدّ
وعن ذوات الحجل الممتد … أتاك مروان بكل عبد
مخالف ينصر دين الجعد … مكذّب يجحد يوم الوعد
فسار مروان بجند أهل الجزيرة، فلقيه بشر ومسرور، ومالت قيس كلها، ويزيد بن عمر بن هبيرة إلى مروان، ومضى إلى حمص ومعه أهل الجزيرة وقنسرين، وكان عبد العزيز بن الحجاج محاصرا لأهل حمص، فلما دنا منه مروان رجع عبد العزيز إلى دمشق، فوجه ابراهيم إلى مروان سليمان بن هشام، فأقبل في خلق من الخلق فنزل بعين الجرّ، ورجع إليه مروان بأهل الجزيرة وقنسرين، وهو في زهاء سبعين ألفا، فنزل بدير الأبرش وسليمان بعين الجر وبينهما ثلاثة أميال وذلك في صفر سنة سبع وعشرين ومائة.
وكتب مروان كتابا منه إلى أهل فلسطين: إني نزلت بدير الأبرش، وسليمان بعين الجر فطالعت عسكره بنفسي فرأيت جيشا كثيفا، وأنا متوجه إليكم في طريق كذا، ودفع الكتاب إلى رجل قال له: تعرّض لهم. ففعل فأخذ وأتي به سليمان بن هشام، فلما قرأ الكتاب قال: أنا أبو أيوب هرب مروان، والله لأحولنّ بينه وبين ذلك.
وقال مروان لابنه عبد الله: إني مرتحل غدوة فإن ارتحل سليمان من هذا المنزل فانزله، وخلّفه في غيضة هناك كامنا في العين.
وأصبح مروان يوم الأربعاء فغدا متوجها في طريق المغرب، وخرج سليمان زعم يبادره إلى الطريق التي ذكر مروان في كتابه أنه يسلكها، وأقبل
стр. 3645
ابن مروان فنزل عسكره، وسرح إلى أبيه رسولا يعلمه ذلك فلما أعلمه الرسول رجع وقد سار ستة أميال فصار في عسكر سليمان فقال سليمان: مكر بنا مروان، وإنما فعل ذلك لأن عسكر سليمان أخصب وأحصن وأكثر مياها، فقاتلهم مروان فظفر بهم وقتل منهم مقتله عظيمة يقال عشرة آلاف، وأخذ يزيد بن العقار الكلبي، والوليد بن مصاد فضربهما مروان بالسياط حتى ماتا.
ومضى سليمان منهزما إلى دمشق فأخذ مالها فقسمه بين أصحابه، وأتى عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك الخضراء في جماعة منهم يزيد بن خالد القسري، وفيها الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد، وأبو محمد زياد بن عبد الله بن يزيد السفياني، ويزيد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان وهو خال عثمان بن الوليد بن يزيد، ويوسف بن عمر الثقفي، فوثبت أبو الأسود مولى خالد بن عبد الله فقتل الحكم وعثمان ويوسف بن عمر، وكان الناس قد أحجموا عن قتل ابني الوليد وقالوا: هما صبيّان.
وقيل لرجل كان محبوسا من الأعاجم: اقتلهما. فقال: أنا أقتل الفرسان ولا أقتل الصبيان، ويقال إنه قتل ابني الوليد أبو الأسود، قتلهما بعمود، ثم دخل يزيد بن خالد إلى يوسف فأخذ بلحيته وكانت طويلة، فجذبه ونتره نترا شديدا، فقال له يوسف: ما هذا السّفه يرحمك الله؟ قال: أنت والله أسفه مني يا بن الحمقاء حين ضربتني بالعراق ألوف أسياط. فقال: فعلتموها، والله ما فعلتم هذا حتى أخزاكم الله ولقد انهزمتم، فأخرجه فضربه، وقال: لعلك يا بن الزانية ترى أنني أقتلك بأبي، وقال: ما أقتلك إلا بغلامنا غزوان أو طهمان، ثم رجع فأخذ بيد