← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وكان يقول في خطبته: اللهم إنك أعلم بوليّنا وعدونا منا، فكن لنا وليا وحافظا، وكان يقول: ما كان أبو بكر ولا عمر بأعفّ من هذا مني. قال: وكان غيورا، وجد كتابا إلى جارية له من أمها فقال: من أدخل هذا الكتاب؟ فقال خصي: أنا رحمت أمها لبكائها. فقطع يد الخصي. قالوا: وعرض مروان الجند فشكّوا في حلية رجل فأسقطه، فقال: هلا بعين الجر حليتني … لما توافى القوم في الخندق فقال: أجيزوه، فأجازوه. وكان مروان أول من حلّى الجند. وكان كاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعيد، مولى بني عامر بن لؤي ويقال مولى بني مروان، ويقال كان من أهل الأنبار، وكان على شرطه الكوثر الغنوي، وكانت حرسه نوائب. قال الشاعر: يا أيها السائل عن مروانا … دونك مروان بعسقلانا يجيد ضرب القوم والطعانا … حتى ترى قتلاهم ألوانا وكان مروان بخيلا. وولد مروان بن محمد: عبد الله وعبيد الله. وقال أبو اليقظان: لا يعلم له ولد غيرهما، وغير عبد الملك بن مروان وعبد الغفار. وولي مروان بعد خلع ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك خمس سنين، وقتل بمصر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهو ابن تسع وستين سنة. قالوا: وكان الجعد ساير يوما مروان في أول خلافة هشام، وقبل تولية هشام إياه أرمينية فأصابت ركبته ركبة مروان فقال: أعجلتني دابتي. فقال: على نفسك فأبق.

стр. 3642

قرأت على أبي الحسن المدائني، وحدثني غيره من أهل العلم، قالوا: كان هشام بن عبد الملك ولى مروان بن محمد أرمينية وآذربيجان، فلما ولي الوليد بن يزيد أقره، فقتل الوليد ومروان بكسال من أرض أرمينية، فأتاه خبره وهو بها، فعزم على إتيان الجزيرة والشام فقيل له: إن عطّلت الثغر اصطلم الخزر ومن فيه من الأمم أهله من المسلمين، فخطب مروان ودعا الناس إلى السمع والطاعة والبيعة لمن يجتمع الناس عليه، وأعطاهم أرزاقهم، وفرض لعشرة آلاف من الأبناء وغيرهم، وبعث إسحاق بن مسلم العقيلي، وثابت بن نعيم الجذامي إلى أهل الباب والأبواب وملوك الجبال وتفليس يدعوهم إلى بيعة من رضي المسلمون به، وولى آذربيجان حميد بن عبد الرحمن اللخمي، فلما رجع ثابت بن نعيم من حيث وجهه إليه مروان فارق مروان وخالفه، ودعا أهل الشام إلى الخروج معه، وقال: قد قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك فسيروا على راياتكم إلى الشام قافلين، فأجابوه وقالوا: قد قتل الخليفة فليس لأحد علينا سلطان، فالرأي أن نأتي الشام فنكون مع من يجتمع الناس عليه ويرضون به، فعسكروا وبلغ مروان ذلك فقال: إنكم إنما أردتم الإغارة على أهل الذمة فيما بينكم وبين الشام. فاجتمع على قتالهم ودعا أهل الجزيرة إلى ذلك فأجابوه، فترك أهل الشام ما أجمعوا عليه من أمر ثابت بن نعيم ورفضوه، وأسلموا ثابتا فأخذه مروان فحبسه وحبس بنيه وهم: نعيم، وبكر، ورفاعة، وعمران، وهمّ بقتلهم. فطلب إليه فيهم فخلاّهم. واستخلف مروان على أرمينية عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، وتوجّه يريد الشام، وقدم ابنه عبد الملك بن مروان بن محمد إلى الجزيرة،

стр. 3643

وبلغ يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أن مروان قد عزم على إتيان الشام ليبايع ليزيد بن الوليد، فكتب إليه: العجب لك تبايع ليزيد وهو قتل الوليد فلم يبق أحد من بني مروان إلاّ وهو طامع في الخلافة وأنت سنهم وشيخهم. فلما قرأ كتابه أقام بالجزيرة، فأرسل إليه يزيد بن الوليد الناقص يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وحميد بن نصر اللخمي، وعمارة بن كلثوم بن أبي كلثوم الأزرق ليأتوه ببيعته، وبيعه من قبله من أهل الجزيرة، وضمن له إن سارع إلى بيعته ولم يقدّم ويؤخر أن يوليه أرمينية وآذربيجان والجزيرة، فيقال إنه أبى ذلك ودسّ إلى من معه أن يأبوا بيعة يزيد. فقالوا: لا نبايع الناقص وقد قتل خليفتنا. فقال بعض رسل يزيد لمروان: إنّ هذا الأمر تحت كنفك وتدبيرك. فقال له: يا بن اللخناء لهممت أن أضرب عنقك. ويقال إنه كتب إلى يزيد ببيعته مع رسله ثم ردهم، ثم جاءته وفاة يزيد، وقيام إبراهيم بن الوليد، فردّ الرسل الذين مضوا ببيعته من قنسرين، ودعا الناس إلى الطلب بدم الوليد، وأتى أهل حمص وأهل قنسرين بيعة ابراهيم وتحرزوا، فوجّه إبراهيم بشرا ومسرورا ابني الوليد بن عبد الملك إلى قنسرين في خمسة آلاف، ووجّه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك إلى حمص، ونادى عبد العزيز: من وافى فله كذا. فقال الحنتف الضبي من بني ضبة بن سعد بن ليث بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة: لبيك لبيك ولي العهد … أتاك قومي ضبّة بن سعد قد لبسوا الدروع فوق الزّرد … وجرروا كل حصان ورد

стр. 3644

ونشروا للحرب كل نهد … ونهدة تزلّ تحت اللّبد إيها فداكم طار في وتلدي … فجالدوا عن دينكم بجدّ وعن ذوات الحجل الممتد … أتاك مروان بكل عبد مخالف ينصر دين الجعد … مكذّب يجحد يوم الوعد فسار مروان بجند أهل الجزيرة، فلقيه بشر ومسرور، ومالت قيس كلها، ويزيد بن عمر بن هبيرة إلى مروان، ومضى إلى حمص ومعه أهل الجزيرة وقنسرين، وكان عبد العزيز بن الحجاج محاصرا لأهل حمص، فلما دنا منه مروان رجع عبد العزيز إلى دمشق، فوجه ابراهيم إلى مروان سليمان بن هشام، فأقبل في خلق من الخلق فنزل بعين الجرّ، ورجع إليه مروان بأهل الجزيرة وقنسرين، وهو في زهاء سبعين ألفا، فنزل بدير الأبرش وسليمان بعين الجر وبينهما ثلاثة أميال وذلك في صفر سنة سبع وعشرين ومائة. وكتب مروان كتابا منه إلى أهل فلسطين: إني نزلت بدير الأبرش، وسليمان بعين الجر فطالعت عسكره بنفسي فرأيت جيشا كثيفا، وأنا متوجه إليكم في طريق كذا، ودفع الكتاب إلى رجل قال له: تعرّض لهم. ففعل فأخذ وأتي به سليمان بن هشام، فلما قرأ الكتاب قال: أنا أبو أيوب هرب مروان، والله لأحولنّ بينه وبين ذلك. وقال مروان لابنه عبد الله: إني مرتحل غدوة فإن ارتحل سليمان من هذا المنزل فانزله، وخلّفه في غيضة هناك كامنا في العين. وأصبح مروان يوم الأربعاء فغدا متوجها في طريق المغرب، وخرج سليمان زعم يبادره إلى الطريق التي ذكر مروان في كتابه أنه يسلكها، وأقبل

стр. 3645

ابن مروان فنزل عسكره، وسرح إلى أبيه رسولا يعلمه ذلك فلما أعلمه الرسول رجع وقد سار ستة أميال فصار في عسكر سليمان فقال سليمان: مكر بنا مروان، وإنما فعل ذلك لأن عسكر سليمان أخصب وأحصن وأكثر مياها، فقاتلهم مروان فظفر بهم وقتل منهم مقتله عظيمة يقال عشرة آلاف، وأخذ يزيد بن العقار الكلبي، والوليد بن مصاد فضربهما مروان بالسياط حتى ماتا. ومضى سليمان منهزما إلى دمشق فأخذ مالها فقسمه بين أصحابه، وأتى عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك الخضراء في جماعة منهم يزيد بن خالد القسري، وفيها الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد، وأبو محمد زياد بن عبد الله بن يزيد السفياني، ويزيد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان وهو خال عثمان بن الوليد بن يزيد، ويوسف بن عمر الثقفي، فوثبت أبو الأسود مولى خالد بن عبد الله فقتل الحكم وعثمان ويوسف بن عمر، وكان الناس قد أحجموا عن قتل ابني الوليد وقالوا: هما صبيّان. وقيل لرجل كان محبوسا من الأعاجم: اقتلهما. فقال: أنا أقتل الفرسان ولا أقتل الصبيان، ويقال إنه قتل ابني الوليد أبو الأسود، قتلهما بعمود، ثم دخل يزيد بن خالد إلى يوسف فأخذ بلحيته وكانت طويلة، فجذبه ونتره نترا شديدا، فقال له يوسف: ما هذا السّفه يرحمك الله؟ قال: أنت والله أسفه مني يا بن الحمقاء حين ضربتني بالعراق ألوف أسياط. فقال: فعلتموها، والله ما فعلتم هذا حتى أخزاكم الله ولقد انهزمتم، فأخرجه فضربه، وقال: لعلك يا بن الزانية ترى أنني أقتلك بأبي، وقال: ما أقتلك إلا بغلامنا غزوان أو طهمان، ثم رجع فأخذ بيد

стр. 3646

خال عثمان بن الوليد فقتله، وبقي أبو محمد السفياني فقام فردّ الباب وكان حديدا وألقى محبسه وراءه واعتمد عليه، فدفع الباب فلم يقدر على فتحه. وماج الناس حين قتل الصبيّان ابنا الوليد وانهزم سليمان، وهرب عبد العزيز، ويزيد بن خالد ومن كان معهما. وجاء مولى لأبي محمد السفياني يقال له مهران فنادى من خوخة من ناحية المسجد: يا أبا محمد أبشر فقد أتاك الفرج، فقال: ويحك أما ههنا أحد؟ قال: بلى. قال: فجئني بمن قدرت عليه، فأتى بجماعة ففتح أبو محمد الباب فاحتملوه في قيوده حتى وضعوه على المنبر، فدعا لمروان وبايعه الناس فقال: شددنا ملكنا ببني نزار … وقوّمنا بهم ما كان مالا وطحطحنا بهم قحطان حتى … أقرّوا بالصّغار لنا ذلالا وقال بعض شعراء بني عامر بن صعصعة: ويوم بعين الجرّ يفخر جاثما … سليمان كاليعفور جمّ الهزائم وطار عليها المخلصون لربّهم … سراعا نبيعات الأكفّ السلائم فلما تمطّت في الغبار وواجهت … دمشق شجرنا رأسها بالشكائم يقول: حبسنا شجرته عن الأمر: حبسته. ومن زعم أن أبا محمد قتل في محبسه فقد غلط. وأقبل مروان على اثني عشر ميلا من دمشق، وهرب سليمان بن هشام، وقال أبو محمد السفياني: من جاء برأس عبد العزيز بن الحجاج فله عشرة آلاف درهم، فطلبه الناس وأتوا داره فأحاطوا بها ليحرقوها فقال بعضهم: إنه ألقى إليهم بدرة نثرها فتشاغلوا بها، وخرج من باب آخر

стр. 3647

فرأته امرأة فعرفته، ومرّ بها قوم يطلبونه فدلّتهم عليه فوطئوه حتى قتلوه. فقال الشاعر: رجاء أخذها عبد العزيز بسيفه … فصار قتيلا في الأزقة يسلب ويقال إن مروان أقبل، فتلقّاه أبو محمد السفياني، وعبد الله بن سفيان بن عتبة بن يزيد بن معاوية، فسلم عليه أبو محمد بالخلافة وعزّاه عن الوليد وابنيه وقال له: يا أمير المؤمنين إن الحكم وعثمان جعلا لك العهد بعدهما، وكان مع مروان حوثرة بن سهيل الباهلي، والكوثر الغنوي والوثيق بن الهذيل، وأبو الورد الكلابي، وعبد الرحمن بن الأشهب الجعدي، ونباتة العقيلي، وابن سعيد الحرشي فقال مروان: إن هذين الغلامين جعلا لي الأمر بعدهما، والله يعلم أنني لم أطلبها في ليل ولا نهار. ثم ارتحل فنزل مرج راهط فقال له ابن سراقة الأزدي: هذا والله الموضع الذي ضرب فيه جدك مروان فسطاطه. فنظر إليه فسرّه ذلك. وقيل لسراقة: كذبته وغررته فقال: اسكتوا، من كان يقوم فيردّ علي؟ فبويع مروان ثم دخل دمشق من باب الجابية فرأى عبد العزيز مقبلا فقال: يا كوثر من هذا؟ قال: السفيه عبد العزيز. فقال مروان: لا يزال صبي من آل مروان يتعرّض للفتن، وطلب إبراهيم وسليمان ونادى بأمانهما فأتياه، فخلع ابراهيم نفسه فأمنّه، وأمرّ سليمان بن هشام، واستعمل مروان على حمص معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير السكوني، ثم اتهمه فعزله، واستعمل عبد الله بن شجرة فناصحه ابن شجرة، واستعمل على فلسطين ثابت بن نعيم - وكان قد رضي عنه بعد حبسه إياه واستصلحه - ويقال ولاه فلسطين والأردن، والأول أثبت.

стр. 3648

وولى قنسرين عبد الملك بن الكوثر، ووجه في طلب من شايع على قتل الوليد فأتي بنحو من مائتي رجل، فقتل بعضهم، وقطع أيدي بعض. وأمرّ إسحاق بن إبراهيم بن الوليد وسليمان بن يزيد بن عبد الملك فبايعاه. ثم حمل مروان ما كان بدمشق وترك بها زامل بن عمرو السكسكي، وخلّف معه خالد بن يزيد بن هبّار في ألف فارس، فأقام في حران ثلاثة أشهر أو أربعة، ثم بلغه أن ثابت بن نعيم بن زرعة بن روح بن زنباع بن روح بن سلامة بن حداد بن حديدة الجذامي قد خلع، وكان عامله على فلسطين، فسار يريده فكان من أمره دونه ما نحن ذاكروه إن شاء الله.

стр. 3649

أمر حمص ودمشق وأمر يزيد بن خالد القسري قالوا: سار مروان يريد ثابت بن نعيم فنزل حماه من حمص ليلة الفطر سنة سبع وعشرين ومائة، وسليمان بن هشام بن عبد الملك معه آثر من عنده من بني مروان، وكان قدم عليه حران فأكرمه فصلّى مروان العيد بالناس، ومعه سليمان، وعبد الملك، وعبد الله، وعبيد الله وعبد الغفار بنوه، فلما صلى أتاه رجل من أهل حمص فأعلمه أن أهل حمص قد غدروا وأن كلبا دخلت المدينة وعليها الأصبغ بن ذؤالة، ومعه بنوه حمزه، وذؤالة، وفرافصة، ومعه عصمة بن المقشعر مولى كلب، وطفيل بن حارثة ومعاوية بن عبد الأعلى السكسكي، وقد بايع ابن ذؤالة من أهل حمص السمط بن ثابت بن يزيد بن شرحبيل بن السّمط بن الأسود بن جبلة الكندي وغالب بن ربعي الطائي، فارتحل مروان من حماه فنزل على نهر الأرنط، ثم سار على تعبئة إلى حمص فأتاها نصف النهار، وعلى الحائط جماعة من كلب، فأرسل مروان إليهم: ما بالكم؟ قالوا: نحن على طاعتك وهؤلاء سفهاء دخلوا مدينتنا، فقال: افتحوا بابا ففتحوه، فاقتحم عمرو بن الوضاح في الوضاحية فقاتلهم وأصيب من الفريقين، وهرب

стр. 3650

الأصبغ بن ذؤالة، واتبعتهم خيل لمروان فقتلوا منهم جماعة، ونجا الباقون وأسر في المدينة رجال منهم ذؤالة بن الأصبغ بن ذؤالة، وأخوه فرافصة بن الأصبغ بن ذؤالة. وكان الأصبغ قد وجّه ابنه حمزة إلى ثابت بن نعيم يعلمه دخوله مدينة حمص فبلغته قبل وصوله إلى ثابت هزيمة أبيه وأسر أخويه فمضى إلى تدمر، وقتل مروان الأسرى، وقتل ابني الأصبغ أيضا، وكان الأسرى أربعمائة فصلبوا حول مدينة حمص، وهدم مروان من حائطها مائتي ذراع، وأقام بها ثمانية أيام. وروي أيضا أن اليمانية عصت لتقديم القيسية عليها، فهمّ بنو مصاد بن زهير الكلبي أن يفتكوا بمروان، فشاع أمرهم، وكان معهم معاوية بن عبد الأعلى السكسكي، فأتى حمص فدعا أهلها إلى خلع مروان فأجابوه، وأمّروا عليهم السّمط بن ثابت ويقال الأصبغ، فخرج عبد الله بن شجرة عامل مروان على حمص إلى سلمية فقتل بها، قتله رجل من كلب يقال له المنهال بن عبد الملك. وخرج رجل من حمص يقال له حجر، ومروان محاصرهم إلى القرى يستنجدهم، فأخذ وأتي به مروان فقال مروان: هيه يا حجر، خرجت تستنجد أهل القرى ثم تأتي حمص، أما إنك ستأتيها، وأمر به فوضع في المنجنيق ورمي به فصكوا به حائط المدينة فتفسّخ. وأخذ غلام من المدينة فأتي به مروان فخرجت أمه فقالت: يا أمير المؤمنين أذكرّك الله فإنه ما لي ولد غيره وقد نهيته عن السعي والقتال فعصاني. فقال مروان: ذلك أحرى أن أقتله إذ عصاك، وأمر به فضربت عنقه.

стр. 3651

وكان أهل حمص ينادون ومروان محاصر لهم: يا بن مصعب فيقول: شريف كريم، وينادون: يا بن الأشتر، يا بن زربي الخباز، يا بن الكرديّة. فيقول: خلطتم لعنكم الله. وكان الخوارج في أيامهم ينادونه: يا بن الطنفسة (١). قالوا: وأمن مروان أهل حمص إلا سعيد بن هشام، والسمط بن ثابت، وكان سعيد مع أهلها، فنجا سعيد بن هشام حتى قتله عبد الله بن علي. وثلم مروان حائط المدينة فقال بعض الحمصين: يا حمص ويحك لا تجزعي … قصّصك (٢) الجعدي سكنينه (٣) وكلم الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك، وكان عامل مروان على الأردن، مروان في السمط وعمل في أمره حتى أمنه مروان، وكان يختلف إلى إسحق بن مسلم العقيلي ونزل عليه، قال الحارث بن يزيد: فقال لي الوليد بن معاوية: ألا تعجب من السمط ينزل على إسحاق بن مسلم ويدعني وقد قمت بأمره، قال الحارث: فلقيت السمط فقلت له في ذلك فقال: أنت عاجز، أنا أدع إسحاق وهو رجل إن غضب غضب لغضبه عشرة آلاف، قال: فأخبرته بذلك فأقعد للسمط رجلين فقتلاه وهو

стр. 3652

يريد مروان، ويقال بل دسهما مروان، ويقال دسهما عبد الله بن شجرة. وقال الهيثم بن عدي: قتله مروان. قالوا: ولما فرغ مروان من أمر حمص بلغه أن أهل غوطة دمشق دعوا إلى ثابت بن نعيم، وحصروا عامله على دمشق، وهو زامل فوجه مروان إليهم أبا الورد الكلابي، وعمرو بن الوضاح في عشرة آلاف، فلما وردا دمشق أتاهم أبو علافة السكسكي، ويزيد بن خالد القسري، فانضما إليهم مخالفين لمروان فاقتتلوا فانهزم أبو علافة ويزيد وظفروا بعسكرهما، ثم ظفر أبو الورد بيزيد وأبي علافة بالمزة فقتلهما، وبعث برؤوسهما إلى مروان. ويقال إن يزيد لما انهزموا خرج من باب الفراديس هاربا فانتهى إلى برزة، فلقيه رجل من الأشعريين فقال له: ابغني منزلا أكون فيه فأدخله منزله، ثم فكّر فخاف فدلّ عليه فبعث به إلى مروان فدفعه إلى المضريّة فحملوه على بغل بإكاف وجعلوا وجهه مما يلي ذنبه، وجعل رجل من محارب يقول: يا معشر الفرسان أين الحكم وعثمان؟ ويقال إن مروان كتب إلى زامل: إنك لتعلم مكان يزيد بن خالد، ووالله لتأخذنّه، أو لأقتلنّك، فطلبه فأصيب في بيت لهيا فقال رجل من موالي بني سلول: تأتون به زاملا وهو يمان فيحبسه ثم يشفع فيه ويستوهبه، فشدّ عليه فطعنه، وذلك لقتله يوسف بن عمر، وكان يزيد بن خالد لما قتل يوسف أمر بحبل فشدّ في مذاكيره وجرّ به، ففعل بيزيد مثل ذلك. ويقال إن رجلا من لخم أتى زامل بن عمر فأخبره أن يزيد بن خالد يأتي زرّاعة لهم بقرب الغوطة مستخفيا، فأرسل زامل خيلا فأصابته في زرّاعة اللخمي، وعليه قميص سنبلاني، فأخذوه وأقبلوا به على بغل بإكاف، وقد

стр. 3653

عرض عليه، فتلقاهم رجل من بني نمير فقتله واحتز رأسه وأتى به زامل بن عمر فقال: كله بخلّ وخردل، فقال: الأمير أحقّ برأس ابن عمه. وبعث زامل برأسه إلى مروان وعلق الناس في رجله حبلا فجرره الصبيان في السكك. ويقال أيضا إن النميري مر بقوم من بجيلة وقد قطع من لحم يزيد قطعا فألقاها إليهم فقال: كلوا، فجعلوا يأكلون قسرا والسيوف على رؤوسهم، ثم مضى.

стр. 3654

أمر ثابت بن نعيم بن زرعة بن روح بن زنباع الجذامي: قالوا: خلع ثابت بن نعيم وقال: أنا الأصفر (١) القحطاني لست لنعيم إن لم أخل الشام من أولاد قيس، وكان مروان قد ولاه فلسطين مستصلحا له بعد حبسه إياه بأرمينية. وذكر قوم أن سبب خلعه أن عطية بن الأسود مولى كلب قال: يا ثابت بن نعيم دعوة جزعا … عقّت أباها وعقّت أمها اليمن أتارك أنت مال الله يأكله … عير الجزيرة (٢) والأشراف تمتهن وكان يقال لمروان حمار الجزيرة. أوقد على مضر نارا يمانية … تشفي الغليل وتحيي بعدها السّنن ويقال إنه قال هذا الشعر بعد خلعه. قالوا: فلما فرغ مروان من أهل حمص، وثار ما ثار من أهل الغوطة، ومعهم أبو علافة، ويزيد بن خالد القسري فانقضى أمرهم، أقبل ثابت من

стр. 3655

فلسطين في كنف من لخم وغيرهم يكونون زهاء خمسين ألفا، فحصر الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان عامل مروان بطبرية مدينة الأردن، فسار إليه أبو الورد، فلما التقوا خرج إليهم الوليد بن معاوية في أهل الأردن فهزموا ثابتا وقتلوا أصحابه، وتفرّق من بقي منهم عنه. ومضى ثابت إلى فلسطين واتبعه أبو الورد فلحقه، فأسر من بنيه ثلاثة: نعيما، وبكرا، وعمران، فبعث بهم إلى مروان فحبسهم. وغلب أبو الورد على فلسطين، ولحق ثابت بن نعيم وابنه رفاعة بجبال الشراة فظفرت به خيل لمروان كان قد وجّهها مادّة لأبي الورد فأخذوه وأتوا به مروان وهو بدير أبوب (١) فقتله مروان، وقتل بنيه وقطع أيديهم وأرجلهم، وأفلت ابنه رفاعة بن ثابت، وأخذ مع عثمان بن هلال الجهني وعمرو بن يزيد اللخمي فقتلهم مروان جميعا. وقال بعضهم: لحق ثابت بمصر، فوجّه إليه مروان الكوثر فهزم أصحابه وأخذه أسيرا فبعث به إلى مروان فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب دمشق، سمرّه بمسامير. وقال بعض الشعراء قصيدة له ويقال إنه الرمّاح بن ميّادة: حذارك أن تلقاك يوما بموطن … فوارس يهديها أبو الورد والصّقر فوارس صدق لا يبالون من ثوى … يجرّون أرماحا حواملها حمر وكوثر المهدي لمصر جياده … وأرماحه حتى استقامت له مصر

стр. 3656

فمالك بالشام المقدس منزل … ولا لك في نجد ذراع ولا شبر بنجد ثبا (١) … منا وبالشام مثلها متى تعصنا يغضب لنا البرّ والبحر وأقام مروان بدير أيوب إلى هلال المحرم، وبايع به لابنيه: عبد الله وعبيد الله، وزوّج عائشة بنت هشام من عبيد الله ابنه، وزوج أم بنت هشام عبد الله بن مروان ابنه، وأقبل فنزل الرصافة فأقام بها يوما (٢).

стр. 3657

أمر سليمان بن هشام بن عبد الملك قالوا: ولما توجه مروان إلى الرصافة استأذنه سليمان بن هشام في المقام ليتجهز، فأذن له، ومضى فنزل الرقة، ثم أتى قرقيسياء، وأقبل عبد الرحمن بن أيوب الضبّي إلى سليمان بن هشام وهو بالرصافة ومعه خيل لمروان كان ضمها إليه، فقال لسليمان بن هشام: أنت والله أحقّ بالخلافة من الجعدي. وكان في نفسه على مروان أشياء في يوم عين الجرّ وغير يوم عين الجرّ، فخلع مروان وصار إلى حمص فدخلها وبايع أهل حمص على الموت، فأقبل مروان زاحفا بعد أن قرب من قرقيسياء وعلى مقدمته ابنه فألصق بحمص ووضع عليها المجانيق حتى فتحها، وهرب سليمان بن هشام إلى تدمر، وأقام مروان حتى استقصى هدم حائط حمص. قال أبو الحسن المدائني عن أشياخه وداود بن عبد الحميد قالوا: أظهر سليمان خلع مروان وقد فارقه بالرصافة، وقدم مروان الرقة فتوفي ابنه عبد الملك، فترك الإنحدار إلى العراق.

стр. 3658

ومضى سليمان في خفّ من أصحابه إلى حمص، وبنى ثلما كان مروان ثلمه في حائطها. وكان في نهر الهني (١) قصران يقال لأحدهما الكامل والآخر العجب، فخلّف فيهما سليمان قوما من الذكوانية وغيرهم وأكثرهم موالي هشام، وأمرهم أن يمنعوا من أراد مروان من أصحابه ومن يأتيه بالخبر، فبعث اليهم مروان: لئن أقمتم على ما أنتم عليه ثم ظفرت بكم لم أستبق منكم أحدا. فلم يقبلوا، فأما من كان في العجب فإنهم نزلوا على حكمه فأمنهم، وأما أهل الكامل فأبوا أن يقبلوا أمانه فبعث إليهم خالد بن عمير بن الحباب فعرض عليهم الأمان فلم يقبلوه، ورجع مروان ومرّ بهم فشتموه، فأمر رجلا من أصحابه بقتالهم، فنصب عليهم المجانيق فلم ينتصف النهار حتى أفضى إلى القصر فطلبوا منه أمانا، فأبى أن يؤمنهم إلاّ على حكمه، فقطع مروان أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وهدم الحصن، وجعل الرجل يقول للرجل منهم: أيما أحب إليك، أقتلك شدخا أم أفقأ عينك أم أقطع يديك ورجليك، فأتي برجل منهم فقيل له ذلك فضحك وقال: ما أدري ما أختار من الشرور. فقتلوا بالعمد وبقطع الأيدي والأرجل، فقال بحر بن عمرو القشيري: ظفرت بهم إذ عاندوك سفاهة … فنكّل بهم حتى تدرّهم العصب فإنك إذ تفعل تجدهم أذلّة … إذا نكبوا يوما أذلّهم النّكب وقتل مروان يعقوب مولى هشام غدرا، خرج إليه من الكامل بأمان فقال: لا أعطي أهل الكامل الأمان إلا على حكمي فليس بيني وبينهم إلا السيف، وقتله.

стр. 3659

وبايع أهل حمص سليمان، وتبايعوا على الموت، واستوثقوا من حائطهم وبنوا ثلمه، فتوجه إليه مروان فلما دنا من حمص جدّد فرسان أهل الشام ممن مع سليمان البيعة على الموت، وجدّدها أهل حمص أيضا وقالوا: اخرجوا إلى الجعدي فإما قتلنا وإما ظفرنا به، فانتدب منهم ستة آلاف مع معاوية بن عبد الأعلى السكسكي وثبيت البهراني فبلغ ذلك مروان فسار اليهم على تعبئة، وتحرزوا وكمنوا لمروان في الزيتون فلم يشعر وهو يسير على تعبئته حتى ثاوروه فقاتلهم وصرع معاوية بن عبد الأعلى وانهزم الآخرون، وقتل منهم أربعة آلاف، فقال مروان لمعاوية: أنت مطاع في أهل حمص فادعهم إلى بيعتي وأؤمنك. قال: نعم. فأرسله إليهم في خيل وأمرهم أن يحفظوه ولا يفارقوه حتى يردّوه، فأتاهم وهم مشرفون من المدينة فدعاهم إلى بيعته فقالوا: لا ولا كرامة، ولا نبايع لابن زربي الخباز. فقال: إذا لم تفعلوا فابعثوا إلي غلامي ميسرة الأسود وليكن معه ثيابي كلها، وانصرف إلى مروان، فقال للذين كانوا معه: ماذا قال؟، فأخبروه. فقال: أتدرون ما أراد؟. قالوا: لا. قال: إذا أمسيتم فاحملوا السلاح وبيّتوهم واحملوا على الميسرة، فأمر بمعاوية فقطعت يداه ورجلاه وشدخ بالعمد. وقال بعضهم: إن رجلا من بني مجاشع كان مع مروان يقال له حويّ أسر معاوية بن عبد الأعلى وأتى به مروان فقال: استبقني فإني أشد العرب. فقال: الذي أسرك أشد منك. وقال مروان: يا ربّ ابراهيم أمتعنا به … إنّ حويّا نعم ما أبلى به والسّكسكيّ صاغرا جانا به

стр. 3660

فلما أمسى مروان صيّر الفرسان وحماة قيس في الميسرة، فلما مضى ثلث الليل بيّتهم أهل حمص وقد حذرهم مروان فاقتتلوا فلم يقدروا على ما أرادوا فرجعوا إلى سليمان، فرأى سليمان صلابة مروان وصعوبة الأمر في محاربته فخرج من حمص وخلّف أخاه سعيد بن هشام وأتى تدمر فنزلها، وأقام مروان على حمص يقاتلهم عشرة أشهر أو أقل، وبسط لهم الأمان فقيل إنه أمّنهم، وقيل إنهم نزلوا على حكمه فلم يقتل إلاّ عبدا أسود وشمّاسا نصرانيا كان شجاعا وكان يقول: إن كان السكسكي ذهب فأنا السكسكي فقتله. وقال: ما كان خطر ببالي أن أؤمّن شماسا. ويقال إنه لم يؤمّن سعيد بن هشام ورجلا من اليهود. وأتي بأمية بن معاوية بن هشام أسيرا فقطع يديه ورجليه ثم شدخه، فغلظ الناس على مروان ولعنوه، وهدم مروان حائط حمص، وكلّم في سعيد فأمّنه وكان معه وبقي حتى قتله ابن علي. وقال المدائني: أمّر مروان سليمان على إحداثه ومقاتلته إيّاه عن الناقص وابراهيم، فركب سليمان يوما مع مروان بعين الجرّ، فقال له مروان: يا أبا أيوب - ورفع حاجبيه كالمتوعّد - فقال: يا أمير المؤمنين أعرض عن هذا. فلم يزل سليمان مضمرا له على شرّ. قالوا: وجمع سليمان بن هشام جمعا بتدمر وبايعه أهلها، ولجأ إليها كل لصّ وخارب (١)، وعامة أهلها كلب، فصار إليهم مروان، فقال زميل بن سويد:

стр. 3661

يا ويح تدمر ويحها وعويلها … ماذا يراد بعامرية تدمرا يا ويحها من كيد أبيض ماجد … أعطى بعذراء الجيوش وشمّرا فلما أناخ بها مروان سألوه الأمان وأن يضع لهم كل دم أصابوه، فأمّنهم على أن يهدم حائطها فلم يمكنه، وهرب سليمان حين قرب مروان منها فانحطّ إلى خساف فنزلها، فوجّه إليه مروان عوف بن إسحاق بن مسلم فأسرته خيل لسليمان، فوجّه إليه مروان الكوثر فقاتله سليمان، وأتاهم مروان فتقاتلوا فاستعلاهم سليمان ثم إنه انهزم فاتبعه مروان فالتقوا أيضا بمرج خلف صفّين، وقدّم مروان ابن الصحصح فاقتتلوا فهرب سليمان وأسر من أصحابه خلقا فقتلهم مروان بالعمد بقرب ملاّحة هشام، وصار سليمان مع الخوارج، وقد كتبنا خبره بعد هذه القصص، حتى قتله أمير المؤمنين أبو العباس. ويقال إن مروان قتل سعيد بن هشام غيلة، ويقال ضرب عنقه. ويقال إنه بقي حتى خرج في أيام بني هاشم فقتل، والله أعلم. وأسر خالد بن هشام بن اسماعيل المخزومي أخو ابراهيم ومحمد يوم خساف، أصابته خلفة (١) فنزل وستره مواليه وأخذ فأتي به مروان، فأمر فشدخ بالعمد.

стр. 3662

خبر يوم المنتهب في أيام مروان قال هشام ابن الكلبي، ثنا ابراهيم بن عبد الرحمن بن نعيم عن معدان بن عبيد بن عدي بن عبد الله بن خيبري بن أفلت الطائي قال: تزوجت امرأة من بني بدر من فزارة رجلا منا على نبيذ لهم فأسرع فيهم النبيذ وجرت ملاحاة، فوثب رجل منا يقال له يعقوب بن سلامة فضرب شابا منهم فشجّه، فمات من شجته، قال معدان: فقلت للبدريين: لك دية صاحبكم، فأبوا إلا أن ندفع إليهم قاتله، فأبيت دفعه. وكنا حين قتل الوليد بن يزيد ووقعت الفتنة منعنا الصدقة، فلم يؤدّها من بني طيّئ إلاّ بنو جرم وبنو نبهان أو أكثرهم، فأتى البدريون أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان عامل الأعشار والصدقات بالمدينة، وإليه صدقات الجبلين (١) فأخبروه بخبر صاحبهم، فكتب أمية إلى مروان يخبره بمنعنا الصدقة، وبقتل البدري وامتناعي من دفع قاتله إليهم،

стр. 3663

وأنا على خلاف ومعصية، فكتب مروان إليّ أن أمكّن البدريين من صاحبهم، فأدّوا الصدقة إلى أمية وسعاته، وإلا وجّهت إليك من حملك إلي، فإن امتنعت عليه أتاني برأسك، ثم والله لأبيلنّ الخيل في عرصاتكم. قالوا: فأمر معدان بضرب عنق الرسول، فقال: إن الرسل لا تقتل والأسير فيكم يا معاشر طيّئ يستحيى، فقال: صدقت، وخلّى سبيله وقال له: أدّيت إلي فأدّ عنّي، قل لابن زربي: أنت تبيل الخيل في عرصاتنا وبيننا وبينك رمل عالج، وخلف ظهرك الجبلان، وحولي عديد طيّئ. اجهد جهدك واحشد حشدك، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا أرعى عليك إن أرعيت. وكتب إليه: ألا من مبلغ مروان عني … على ما كان من بعد المزار ألم تر للخلافة كيف ضاعت … لأن صارت لأبناء السّراري وقال غالب بن الحرّ المعني: لقد قلت للركبان من آل هاشم … ومن عبد شمس والقبائل تسمع قفوا أيها الركبان حتى يجيئنا … وإيّاكم الأمر الذي ليس يدفع حتى تروا أين الإمام وتشعبوا … عصا الملك إن الخيل رثّ مدعدع (١) أرى ضيعة للمال ألاّ يضمّه … إمام وهل في غير أهليه يوضع فأدى رسوله إليه الرسالة والشعر فاستشاط ودعا عبد الحميد بن يحيى كاتبه فأمره أن يكتب منه إلى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك عامله على

стр. 3664

المدينة، وإلى أمية بن عبد الله عامله على الأعراض (١) والأعشار والصدقات بها، وعلى صدقات طيّئ بالجبلين أن يسيرا بأهل المدينة وأهل البوادي من قيس وغيرها إلى معدان بن عبيد حتى يأخذا صدقات قومه، ويدفعا إلى البدريين قاتل صاحبهم، ويوطئا الخيل بلاده حتى يحملاه إليه، أو يقاتل فيقتل في المعركة. وقال بعضهم: كان الكتاب إلى عبد الواحد بن سليمان النصري، فسارا بالناس حتى نزلا فيدا، وبعث أمية إلى معدان بن عبيد بن عدي في أداء الصدقة، فبعث إليه وإلى عبد الواحد: إني غير دافع إليكما شيئا مما تطلبان، أما الصدقة فإني أحبسها حتى يستقيم أمر الناس، وأما وضع يدي في أيديكما فذلك ما لا يكون أو أؤسر أو أقتل، وكتب: إنّ الفرائض لا فرائض فاصطبر … حتى يقوم على البلاد أمير فسار أمية وصاحبه في زهاء مائة ألف من أهل المدينة والبوادي من قيس وغيرها، وفي ألف من أهل الشام بعثهم مروان إلى عبد الواحد إعانة بهم، وبعث عبد الواحد على مقدمته رجلا من الضّباب لحنق قيس على طيّئ واتبعه، ويقال إنه لم يتبعه، وعسكروا بالمنتهب وهو من أجأ. قال معدان: وكنت في اثني عشر ألفا من بني معن بن عتود بن عتير بن سلامان بن ثعل، وبني جديلة وغيرهم من طيّئ فذهب يحيى بن الكروس بن زيد المعقلي منهم بستة آلاف، لأنه كره القتال، فبقيت في ستة آلاف، فلما انتهيت إلى عسكر الضبابي واسمه حزير بن يزيد بن كثيف، إذا

стр. 3665

جبال حديد، وإذا عسكر القوم لا يرى طرفاه، فرفعت النار على أجأ، فاجتمعوا فنحروا الجزر، وعملوا النبال والنشّاب، وقالوا: قبح الله أجزع الفريقين من الموت. قال: فتصافنا فلما رموا بالنبل حملنا عليهم حملة رجل واحد، فما كان إلا كلاّ ولا، حتى قتل الضبابي وانهزم الناس اسوأ هزيمة، فقتلنا وانتهبنا، وكان عسكرهم أكبر عسكر رثة (١)، وأتيت بأمية أسيرا فخلّيت سبيله، وأتيت بجارية له بعد ذلك فبعثت بها إلى المدينة وقلت: لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح. قال: ثم قرئ علينا بعد ذلك كتاب مروان إليهم يأمرهم فيه إذا نشبت الحرب أن يقتلوا ويسبوا، ولو علمت ما في الكتاب قبل ذلك ما نجا منهم مخبر. وكتب صاحب المدينة إلى مروان بالخبر فعزم مروان على توجيه عبدة بن رياح الغساني في عشرة آلاف من أهل الشام وقال: أهل المدينة أضعف قوم وأفشله، والأعراب كذلك ما لم يوتروا ويطلبوا الطوائل، فبينا هو على لك إذ كتب إليه ابن هبيرة عامله على العراق بقتل ابن ضبارة وإقبال قحطبة فقال: ما شغلنا عشرة آلاف بأعراب طيّئ، فصرف الجيش نحو العراق، فلم نعط الصدقة حتى استقام أمر الناس واستخلف أبو العباس، والتجأ إلى معدان يومئذ عبد العزيز بن أبي دهيل بن يزيد بن الطفيل بن مالك بن جعفر هربا من الحرب.

стр. 3666

وقتل يوم المنتهب الحزير، وسرحان مولى قيس، ومهلهل أحد بني بدر، ورجال من فزارة، وقتل من طيّئ المزرّ السنبسي، وسعيد بن الخليل المعني، وحرثان بن خالد الفزيري. وقال معدان في انصراف يحيى بن الكروّس عنه فيمن صرف معه من طيّئ كراهة للقتال: ألا ما لمولى لا يزال كأنه … أميم يداوي رأسه بالمجارف لعمرك ما المولى بمولى حفيظة … إذا لم يؤرّق بالهموم الصوائف فإن نحن أعطينا فزارة حقها … بغير يمين أو قسامة حالف فنحن إذا أولاد قين مجنّب … الـ … ـيدين ضروب للمدى والكثائف وأنتم بنو حرّ كريم نجاره … من السادة الشمّ الحماة الغطارف وقال أنيف بن حكيم بن أنيف أرجوزة أولها: هل تعرف الدار بصحراء ريب … إذ أنت غيداق الصّبا جمّ الطّرب يقول فيها: لم أر يوما مثل يوم المنتهب … أكبر دعوى سالب ومستلب لمّا توافت ثمّ أبناء العرب … حتى إذا الجونة (١) كانت في صبب نادى منادي طيّئ يا للحسب … أين بنو البيض الكريمات النّجب يا قوم عاداتكم عند الغضب … تغمغم الأبطال من بعد الصّخب ضربا وطعنا بعد رمي كاللهب … تحرّق النار بأطراف القصب وقال أنيف في قصيدة له طويلة يقول فيها:

стр. 3667

ألا هل أتى أهل المدينة عرضنا … خلالا من المعروف يعرف حالها على عاملينا والسيوف مصونة … بأغمادها ما زايلتها نصالها عرضنا كتاب الله والحق سنّة … هي النصف ما يخفى علينا اعتدالها وجئنا إلى فرتاج (١) … سمعا وطاعة نؤدي زكاة كان حان عقالها وفي فيد صدّقنا وجاءت وفودنا … إلى فيد حتى ما تعدّ رجالها فلم ندر حتى راعنا بكتيبة … يروع ذوي الألباب والدين خالها (٢) جمعنا لهم من عمرو عوف ومالك … كتائب يردي الظالمين نكالها ومن دون ما منّى أمية نفسه … غمار حتوف ليس يرجى زوالها وكانت امرأة أبي دهيل وأمه من نبهان فقالت: أصبحت من طيّئ حتى يقوم لنا … أمر الإمام وما أصبحت من مضر الجاعليّ بحمد الله إذ شرعت … فيّ الأسنة بين السمع والبصر والمانعين فلا يسطاع ما منعوا … والمحمدين إذا لم يحمد المطر لقد نهيت جريرا وهو في مهل … وقد أتته ولم يوقن بها النّذر وقال الرمّاح بن ميادة: لا تحسبوا أنا نسينا بحائل … جرير الندى والعسكر المتبددا ولا تستريثوا أمرنا فكأنكم … بصمّ العوالي فيكم اليوم أو غدا فرد عليه معدان بن عبيد:

стр. 3668

أتوعدنا قيس وإن تلق جمعنا … تكن كشفا قيس عن الموت حيّدا فلا تحمد القيسي بالنّفج كلما … رأى السّلم أو أضحى من الزاد أكبدا إذا ما رأى الحرب اتقى الحرب باسته … وإن أمن القيسيّ غنّى وأنشدا ونحن أسلنا مصعدا بطن حائل … ولم ير واد قبله سال مصعدا وظلت تمنّيك است ميادة المنى … لتجمع أمرا فاسدا قد تبددا وقال أبو دهيل: وإن امرأ في الحرب معدان خاله … إذا ما اختبأ من دونه لمنيع قال المدائني: كان الناس يقولون: ما خيّر مروان بين أمرين إلا اختار أحزمهما، فلما لقي المسوّدة جعل لا يختار شيئا إلاّ كان عليه فيه الضرر والنقص. قالوا: وكان مروان بخيلا شديد العقوبة مفرطا فيها. وقال بعض الشاميين: قال الحكم بن الوليد بن يزيد، أو قيلت على لسانه أبيات، فيها: ألا فتيان من مضر فيحموا … أسارى في الحديد مكبلينا أيذهب عامر بدمي وملكي … فلا غثّا أصبت ولا سمينا فإن أهلك أنا ووليّ عهدي … فمروان أمير المؤمنينا وكان مروان يقول: أنا أطلب الخلافة عن بيعة. المدائني عن سليمان بن المغيرة: حدثني يزيد بن أسيد قال: كنا في غدير مستنقعين أنا وإسحاق بن مسلم، وعبد العزيز بن محمد بن مروان، ورجل آخر فبرد الماء على عبد العزيز بن محمد بن مروان فخرج فلم أر خلقا قطّ أحسن من خلقه، فتعجبت فقال الرجل الذي معنا: أنا والله وضعته في

стр. 3669

رحم أمه، فقال إسحاق بن مسلم: والله لأخبرنّ أمير المؤمنين، فأتاه فأخبره فقال: اسمع هذا معك أحد؟ قال: سمعه يزيد بن أسيد، فدعا يزيد فسأله فأخبره فجعل يقرض لحيته غضبا ثم قال: اجعلا لي موثقا ألا يسمع هذا منكما أحد، فأعطيناه موثقا فقال، أراد أن يفسد أخي فكذب عليه وعضهه (١). وقال: قوما فلا يسمعنّ هذا منكما أحد. وتفقدناه فلم يتغير للرجل في مجلس ولا لسان ولا عطية. المدائني عن أبي سلمة الغفاري قال: أتيت مروان أطالب بدم فقال لي: إن الوالي وكيل الغائب فإن شئت نازعتك، وإن شئت كتبت لك إلى عامل المدينة آمره بالنظر فيما تدّعي بحضرة الفقهاء، فإن ثبت لك حق أخذ لك به، فقلت: نازعني. فكان ينازعني ويناظرني، فأمر يوما بالرحيل فرحل الناس وأبطأ خروجه فقيل له: إن الناس قد ركبوا وقد أبطأت. قال: ويحك قبائي يخاط فتق فيه رأيته ولا والله ما عندي غيره. قالوا: وقسم مروان قسما في قيس، فقال رجل من بني كلب: إذا كانت القسم ففي القيسية وإذا كان الطعان فللقحطانية، فضرب مروان عنقه، فما بقي قيسي ولا قحطاني إلاّ حمده وأثنى عليه، لأن هذا تحريض منه واستدعاء للعصبية. المدائني قال: أمر مروان مضمرّا له أن يوافي بخيله للنصف من المحرّم فيجريها، وكان أسود يقال له دعيج وقال: من كان في شكّ يخادع نفسه … فموعده حرّان نصف المحرّم

стр. 3670

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الخوارج في ولاية عبد الله بن عمر العراق ليزيد بن الوليد الناقص إلى آخر أيام مروان بن محمد أمر بسطام الشيباني في أيام مروان بن محمد: قال علي بن محمد المدائني وغيره: خرج بسطام الشيباني، وكان يرى رأي البيهسية، ويقتل الأطفال، وكان يقول: أقتل المخلوق فألحقه بالخالق. وكان خروجه في شعبان سنة ست وعشرين ومائة بآذربيجان في ثلاثة عشر فارسا، فقتل عاملا لمروان، ومضى إلى الموصل فقدم الموصل ومعه أربعون فارسا فقاتله يحيى - أو سلمة - بن الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ببلد فهزمهم بسطام وأقام ببلد أياما، ثم أتى باقردى فأقام بها ما شاء الله، ثم سار إلى ألف فارس من أهل الشام كانوا بين نصيبين ورأس العين، فبيّتهم فأصاب منهم طرفا، ثم أتى نصيبين وفيها المساور بن عقبة فأعطوه الرضا، ثم أتى بازبدى (١) ثم أتى الموصل فأعطوه

стр. 3671

الرضا، فنزل الربض الأعلى، وأقام شهرا وأتته رسل مروان يدعونه إلى طاعته ونصرته فأبى عليهم، وسار بسطام إل بلد فأقام بها شهرا، فتركه ناس من أصحابه وأتوا مروان، فأتى بسطام آذربيجان فلقي اليمان الحميري، وهو من أصحاب الضحاك، وقد اعتقد وأراد أن يأتي مروان فقتله بسطام فسرّح إليه عاصم بن يزيد الهلالي وهو على أرمينية وآذربيجان رجلا يقال له عبد الملك في ستة آلاف، فقتل عبد الملك وهزم أصحابه وقتل منهم بشر، ثم سار بسطام فأتى الحناية من أرض الموصل في يوم سوق فقتل ثمانين رجلا، وأقام عشرين يوما، ثم أتى شهر زور فلقي عاملا لمروان يقال له جدار بن قيس فلم يقاتله، وسار فلقي أكرادا فقتلهم، ثم سار إلى العراق وأتى المدائن فلقي بالمدائن عاملها غزير بن المتوكل وهو في ألفين فهزمه، وسرح إليه شجرة بن زهير أحد بني تيم بن شيبان فهزمه بسطام، فوجه إليه مروان الخيبري فبيّته فقتل بسطام وعامة أصحابه وتفرق بقيتهم. فقال الشاعر: حيّا الإله الخيبريّ الذي … ألحق روح الفاسق المارق بالنار يصلاها كما أنه … قد يلحق المخلوق بالخالق

стр. 3672

أمر الضحاك بن قيس بن حصين بن عبد الله بن ثعلبة الشيباني من بني ذهل بن شيبان. قالوا: بويع الضحاك بن قيس بعد سعيد بن بهدل، فأراد حين بايعوه أن يأتي الشام فأبى عليه أصحابه، فوجّه حبناء بن عصمة الشيباني إلى تكريت فغلب عليها، ووجّه أبا الدبس أحد بني تيم الله بن شيبان إلى حولايا وأرضها، ورجلا آخر إلى الدّسكرة فلقي أبو الدبس جميع بن مقرن وحريث بن أبي الجهم الكلبيين، فقتل جميع بن مقرن، وانهزم حريث حتى أتى المدائن، ولقي الرجل الآخر الذي وجهه إلى الدسكرة سعيد التنوخي فقتل وانهزم أصحابه، فوجه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الأصبغ بن ذؤاله، ويقال ابنه حمزة بن الأصبغ إلى المدائن فقاتل أبا الدبس، وارتجز الأصبغ فقال: أعددت للدبس ورهط الدبس … طعنا ينسّيهم سؤال الحمس وتحاجزوا وجاء حبناء بن عصمة إلى المدائن فلما قدمها حبناء عبر الأصبغ دجلة وقطع الجسر وصار إلى الكوفة. وأقبل الضحاك من شهر زور في ثلاثة آلاف ويقال في أربعة آلاف

стр. 3673

وعلى مقدمته عبيدة بن سوار في أربعمائة فانتهى عبيدة إلى جسر النهروان، وعليه قائد لأهل الشام في ألفين، وقد قطع القائد الجسر فشتموا عبيدة وأصحابه، فقال عبيدة: إنا لم ندع الأموال والأهلين ونحن نبالي ما قلتم فاختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تجيبونا إلى أمرنا وتجنحون إلينا، وإما أن تعقدوا الجسر وتعبروا إلينا ونعطيكم موثقا ألاّ يعرض لأحد منكم حتى تتاموا قبلنا فنحاكمكم إلى الله، أو تعطونا عهدا - وما أنتم بثقة - ألا تهيجوا أحدا منا حتى يعبر إليكم عشرة فيقاتلونكم، فإن قتلتموهم عبر إليكم مثلهم حتى تأتوا على آخرنا أو نظفر. فأبوا. وعقد الضحاك بن قيس الجسر وعبر أصحابه إلى المدائن، فكتب إليه القعد الذين بالكوفة مع أصعر بن عبد الرحمن، وكتب إليه عاصم بن الحدثان فسرّه ذلك، وقال: قد آن لهم أن يكتبوا إليّ، وكان كتاب عاصم مع جميل العجلي: «أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله الذي ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١) فإنه قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ (٢). واعلم يا أمير المؤمنين أن لكل عمل عند الله جزاء: إن حسنا فحسن، وإن سيّئا فعقوبة، إلا ما عفا الله عنه، واذكر نعمة الله عليك وعلى المسلمين إذ كثّركم بعد القلّة وأعزكم بعد الذلّة، كتبت إليك يا أمير المؤمنين وأنا ومن قبلي من المسلمين في نعم علينا من الله سابغة، نسأل الله تمام ذلك بكمال الإسلام والعون والنصر، وقد وجهت إليك مع حميد

стр. 3674

عصابة من المسلمين نفروا رغبة في الجهاد، واعلم يا أمير المؤمنين أنك مسؤول عما استرعيت ومحاسب بما كتبت ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ (١). فكتب إليه الضحاك: «قد قدم علي حميد العجلي بكتابك وفهمت ما أمرت به من طاعة الله فنسأل الله أن يجعلنا وإياك ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويسارع إلى الخيرات. وقد قدمت العصابة وهم على ما وصفت في الرغبة في الخير إن شاء الله، فجزاهم الله عن أنفسهم وإخوانهم خيرا ما جزى الغازين في سبيله، ونحن ومن قبلنا من المسلمين على أحسن حال، نسأل الله أداء شكره والسلام. وكتب بسطام بن المثنى». وأقام الضحاك بالمدائن أياما فكان رجل من أصحابه ينادي في كل صباح: يا خيل الله اركبي وابشري بالجنة، وكان في أصحابه رجل مريض فإذا سمع النداء قام إلى فرسه فأسرجه. فلما كثر ذلك قال: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بعيدا من اسم الله والبركات ثم سار الضحاك من المدائن وقدّم إلى الفرات مسكين بن الحسن المحلّمي، فلقي على الفرات عبيد الله بن العباس بن يزيد بن الأسود بن سلمة بن حجر بن وهب بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور، وهو كندي، فلما رآه عبيد الله قطع الجسر ورجع إلى الكوفة، فأراد عبد الله بن عمران أن يوجه إليه الأصبغ بن ذؤالة ليمنعه من العبور، فقال له

стр. 3675

عبيد الله بن العباس: عبوره أيسر علينا من طلبنا له فدعه فليعبر. فأخذ برأيه. وسرّح مسكين الخارجي خيلا فصعدت بالسفن فعقدوا الجسر وعبروا، وقد خندق أهل الكوفة على أفواه السكك، فاقتحم مسكين الخندق ثم رجع، فسار الخوارج إلى النخيلة فنزلوها في سنة تسع وعشرين ومائة، وابن عمر بن عبد العزيز يومئذ يقاتل النضر بن سعيد الحرشي قبل ذلك أربعة أشهر في العصبية بين أهل اليمن والقيسية: أهل اليمن مع ابن عمر، والقيسية مع النضر بن سعيد، فلما نزل الضحاك النخيلة أرسل ابن عمر إلى النضر: إن هذا المارق يريدني ويريدك فهلّم فلتكن اليدان عليه جميعا ثم ننظر. وسفر بينهما العباس بن عبيد الله بن عبد الله ببّة بن الحارث بن عبد المطلب، فأصابه سهم فقتل، ويقال إنه قتل قبل ذلك، وكان السفير غيره، فصاروا جميعا يدا على الضحاك بن قيس. قالوا: وأصبحوا غداة أربعاء فساروا إلى الخوارج، فالتقوا فقتل من الخوارج يومئذ أربعة عشر رجلا ونسوة، ثم التقوا من الغد فاشتد الأمر بينهم وجعل رجل من الخوارج يرتجز ويقول: يا نفس من طول الحياة ملّي … وعيشك المقطّع المولّي علّي ألقى عاصما لعلّي … في جنة عالية وخلّ وبيهس وكهمس المصلّي فحمل عليه عبيد الله بن العباس بن يزيد فحاد عنه الخارجي فقال له عبيد الله: تتمنى الجنة وتحيد؟ فقال: أحيد لما هو شرّ لك يا عدو الله.

стр. 3676

وأبلى يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز فلم يعرض له فارس إلا قتله، فحمل عليه البرذون بن مؤرّق الشيباني فضربه عاصم على رأسه، وحمل رجل من الخوارج على عاصم فاختلفا ضربتين فقتل عاصم الخارجي ووقعت ضربة الخارجي في رأس عاصم فأثقلته، وبقي ثابتا على فرسه، ونظر اليه البرذون بن مؤرق الشيباني فرماه بنفسه فطعنه فأرداه عن فرسه فسقط ميتا، وتناول البرذون عمودا كان على سرجه فإذا عليه مكتوب عاصم بن عمر. واشتد عليهم الحرّ وهم يقاتلون، فوضع جعفر أخو عبيد الله بن العباس بن يزيد بيضته عن رأسه يتنفس ويتروّح وهو على شرطة عبد الله بن عمر، فقال عبد الملك بن علقمة العبدي: إني لأحسب هذا من فراعنتهم، وحمل عليه فطعنه جعفر في فمه فكسر ثنيته وجرحه في طرف لسانه، فوحش ابن علقمة برمحه وانتضى سيفه وحمل عليه فضربه على هامته فاعتنق فرسه، ودعا ابن أخيه وابن عمه: يا هيثم. فأقبل نحوه فعرضه رجل من الخوارج فضربه ففلق جبين هيثم، ثم برأ بعد فكان يقال له ذا الوجهين. واتبع عبد الملك جعفرا فلحقه فعانقه فسقطا الى الأرض فقتله، وانهزم ابن عمر وأهل الشام، فانتهى أهل الشام إلى حصّ قد أضجعته الريح فاقتحمه النضر بن سعيد في فوارس فلم يروا منفذا فقالوا: هلكنا سيحرقونه علينا، ثم وجدوا منفذا فخرجوا منه. ولحق الخوارج هبيرة بن عبد الرحمن بن حسان بن المنذر بن حسان الضبّي، وابنا لأبي سماك فقتلوهما، وجاء الخوارج الخندق فوقفوا مليا ثم رجعوا الى معسكرهم وحمل الناس قتلاهم ودفن آل الأشعث عاصم بن عمر بن عبد العزيز في دورهم.

стр. 3677

ثم التقوا يوم الجمعة، ولقيهم الأصبغ بن ذؤالة في عشرة آلاف فهزمهم الخوارج حتى دخلوا حيطان الكوفة، فلما أمسوا خرج قواد من قواد ابن عمر من اليمانية: منصور بن جمهور، والأصبغ بن ذوالة، وخرجت القيسية مع النضر بن سعيد إلى واسط، وهو يريد أن يغلب عليها، فأصبح ابن عمر وقد تفرق الناس عنه فحمل الأموال وارتحل فسبقته القيسية إلى واسط، فأرسل إلى النضر بن شبيب بن مالك الغساني، وهو عامل ابن عمر على واسط فقال: افتح لنا باب المدينة لتكون أيدينا واحدة، فأرسل اليه: يا بن السّقاء، يا بن نسعة، قد كنت أحسب أن لك عقلا، كيف أفتح لك باب المدينة وقد عرفت غدرك. الحق بطريق البريد مقعد أبيك فهو أشبه بك. وقدم ابن عمر بأثقاله فدخل المدينة، ومات عامله شبيب بن مالك يوم دخل ابن عمر المدينة فقالت القيسية: لا ندعكم تعبرون به، فسفروا بينهم حتى أذنوا لهم أن يعبروا بالجنازة قوم لا سلاح عليهم ودخل الضحاك الكوفة فوجد في دار المختار قوما من أهل الشام فمنّ عليهم، ووجد قوما في دار بلال بن أبي بردة فقاتلوه فقتلهم وأمن الناس. وبعث أبا الرجال وحبناء بن عصمة وعكرمة فباعوا الغنيمة عند قصر الكوفة، وذلك في أول يوم من شهر رمضان، وكان من رأي أصحاب الضحاك أن يستعرضوا أهل الكوفة، فمنعهم الضحاك ذلك، فلما دخلوا الكوفة تلقّوهم بالأسوقة، فقال الضحاك: ألم أخبركم بأن لكم بها إخوانا يكتمون إيمانهم في دار الكفر، فمر رجل من الخوارج برجل على باب داره وكان عظيم البطن فقال له الخارجي: أصائم أنت؟ قال: نعم. قال:

стр. 3678

ما بطنك ببطن مؤمن ولولا أني أكره أن أفسد سناني بما في بطنك لأخرجته من ظهرك، وجنح إلى الضحاك عبيد الله بن عباس الكندي. وقال هشام ابن الكلبي: شهد عبيد الله الخوارج بالكوفة وهم يقتتلون بين الحيرة والكوفة أيام الضحاك، مع جعفر بن العباس بن يزيد الكندي أخيه، فقتل جعفر، وجنح عبيد الله إلى الخوارج فقال أبو عطاء السندي: ألا يا عبيد الله لو كان جعفر … هو الحيّ لم يجنح وأنت قتيل ولم يتبع المرّاق والثأر فيهم … وفي كفّه عضب الذباب صقيل جنحت وقد أرادوا أخاك وأكفروا … أباك فماذا بعد ذاك تقول تركت أخا شيبان يسكب بزّه (١) … ونجّاك خوّار العنان رجيل فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة … وطالب وتر والذليل ذليل فلما أنشده قوله: فماذا بعد ذاك تقول؟ قال: أقول أعضّك الله ببظر أمك. وقال رجل من الخوارج: نحن عبرنا الخندق المقعّرا … يوم لقيناكم وجزنا العسكرا حتى قتلنا عاصما وجعفرا … والفاسق الضبّي لمّا أدبرا واليمنيين ومن تنزّرا … لا تحسبوا ضرب الشراة سكّرا وقال عبد الله بن عمر يرثني أخاه عاصما: لعمري لقد نادى المنادي فأسمعا … بصوت رفيع حين نادى فأوجعا غداة نعى يوم النخيلة عاصما … فأبكى العيون الجامدات وأقطعا في أبيات.

стр. 3679

وقال خلف بن خليفة يرثي عاصما: ألم يك عاصم ذخري فدلّت … منيّته على ذخري المنونا وكان من المودّة نصب عيني … فأمسى غاب في المتغيّبينا تقدم صابرا وثوى شهيدا … فلست أعدّه في الميّتينا في أبيات. وقال ابن الكلبي: كان ابن بيض الشاعر نديما لعمر بن الغضبان بن القبعثرى الشيباني، وكان مع عبد الله بن عمر على شرطه، ثم صار مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر حين خرج، ثم أراد الجنوح إلى الضحاك فجاء حمزة بن بيض الحنفي يستشيره، والخوارج يومئذ بالكوفة فأخبر ابن عمر أنه قد عزم على الخروج معهم، فقال ابن بيض: عمر الخير ما ترى يا بن غضبان في الشرا … أترى لي نفسي فداؤك من نازل الردى ترك سردابك المبلّط في طيّب الثرى … وشراب مشعشع جيّد ليس يشترى من فلان ولا فلان ولكن من القرى … وجوار بيض الوجوه دجوجية الذرا أنت خير من أن ترى ذاك يا بن القبعثرى قال عمر: فلم استشرتني يا فاسق إن كان رأيك هذا؟ وقال ابن بيحان لابن بيض حين دخل الضحاك الكوفة: لو لقيته فأخبرته عن أهل بلدك وقومك فإن لك لسانا وبيانا، فقال ابن بيض: ألا لا تلمني يا بن بيحان إنني … أخاف على فخّارتي أن تحطما فلو أنني لو شئت ابتاع مثلها … من السوق ما باليت أن أتقدما قال أبو الكردي: لما غلب الضحاك على الكوفة ولاها ملحان بن معروف الشيباني، فخرج ابن الحرشي يريد الشام، فعارضه ملحان فقتله ابن الحرشي وهو النضر بن سعيد.

стр. 3680

قالوا: وأقام الضحاك بالكوفة إلى شوال، ثم استخلف عليها ملحان بن معروف التيمي وعداده في بني شيبان، وسار إلى واسط، فلما بلغ النضر بن سعيد الحرشي مسيره شخص يريد مروان بالشام في نحو من ألف من أهل الشام، ومعه أبو أمية الثقفي، وعطية البعلي، وأقام نباته وجماعة من القيسية في الجانب الشرقي، ووادعوا ابن عمر، وأعابوه فعرض ملحان بالقادسية للنضر والقيسية فناشدوه الله وقالوا: إنا لا نريد القتال. وكان مع ملحان قادم الذكواني فقاتلهم فقتل ملحان، ورجع قادم إلى الكوفة فقال بعض الحرورية: سقى الله ملحانا وبيّض وجهه … كما جاهد الأحزاب يوم القوادس ورثاه حبيب بن جدرة، ورثى عبد الملك بن علقمة فقال: كابن ملحان فينا من أخي ثقة … أو كابن علقمة المستشهد الشاري من صادق كنت أصفيه مخالصتي … فباع دارا بأغلى صفقة الدار إخوان صدق أرجيهم وأخذلهم … أشكو إلى الله خذلاني لأنصاري فلما قدم الضحاك حصر ابن عمر، فقال ابن عمر لكاتبه الربيع بن سليمان: اعرض الناس فعرضهم فكانوا ثمانية آلاف فقال: ما هؤلاء بشيء فما الرأي؟ قال: إن بواسط خلقا لا يلقاك الضحاك بمثلهم. قال: فاعرض فعرض لعشرة آلاف. وقاتل الضحاك فكان نباتة يوجه ابنه محمد بن نباتة في القيسية فيقاتلون الضحاك ومعهم اسماعيل بن عبد الله البجلي في قوم من اليمانية، ثم يرجعون إلى المدينة الشرقية بواسط، ثم تركهم اسماعيل وشخص إلى البصرة. وكتب نباتة إلى مروان بذلك فكتب إليه مروان كتابا لطيفا أمره فيه
следующие страницы →