← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

وأبلى يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز فلم يعرض له فارس إلا قتله، فحمل عليه البرذون بن مؤرّق الشيباني فضربه عاصم على رأسه، وحمل رجل من الخوارج على عاصم فاختلفا ضربتين فقتل عاصم الخارجي ووقعت ضربة الخارجي في رأس عاصم فأثقلته، وبقي ثابتا على فرسه، ونظر اليه البرذون بن مؤرق الشيباني فرماه بنفسه فطعنه فأرداه عن فرسه فسقط ميتا، وتناول البرذون عمودا كان على سرجه فإذا عليه مكتوب عاصم بن عمر. واشتد عليهم الحرّ وهم يقاتلون، فوضع جعفر أخو عبيد الله بن العباس بن يزيد بيضته عن رأسه يتنفس ويتروّح وهو على شرطة عبد الله بن عمر، فقال عبد الملك بن علقمة العبدي: إني لأحسب هذا من فراعنتهم، وحمل عليه فطعنه جعفر في فمه فكسر ثنيته وجرحه في طرف لسانه، فوحش ابن علقمة برمحه وانتضى سيفه وحمل عليه فضربه على هامته فاعتنق فرسه، ودعا ابن أخيه وابن عمه: يا هيثم. فأقبل نحوه فعرضه رجل من الخوارج فضربه ففلق جبين هيثم، ثم برأ بعد فكان يقال له ذا الوجهين. واتبع عبد الملك جعفرا فلحقه فعانقه فسقطا الى الأرض فقتله، وانهزم ابن عمر وأهل الشام، فانتهى أهل الشام إلى حصّ قد أضجعته الريح فاقتحمه النضر بن سعيد في فوارس فلم يروا منفذا فقالوا: هلكنا سيحرقونه علينا، ثم وجدوا منفذا فخرجوا منه. ولحق الخوارج هبيرة بن عبد الرحمن بن حسان بن المنذر بن حسان الضبّي، وابنا لأبي سماك فقتلوهما، وجاء الخوارج الخندق فوقفوا مليا ثم رجعوا الى معسكرهم وحمل الناس قتلاهم ودفن آل الأشعث عاصم بن عمر بن عبد العزيز في دورهم.

стр. 3677

ثم التقوا يوم الجمعة، ولقيهم الأصبغ بن ذؤالة في عشرة آلاف فهزمهم الخوارج حتى دخلوا حيطان الكوفة، فلما أمسوا خرج قواد من قواد ابن عمر من اليمانية: منصور بن جمهور، والأصبغ بن ذوالة، وخرجت القيسية مع النضر بن سعيد إلى واسط، وهو يريد أن يغلب عليها، فأصبح ابن عمر وقد تفرق الناس عنه فحمل الأموال وارتحل فسبقته القيسية إلى واسط، فأرسل إلى النضر بن شبيب بن مالك الغساني، وهو عامل ابن عمر على واسط فقال: افتح لنا باب المدينة لتكون أيدينا واحدة، فأرسل اليه: يا بن السّقاء، يا بن نسعة، قد كنت أحسب أن لك عقلا، كيف أفتح لك باب المدينة وقد عرفت غدرك. الحق بطريق البريد مقعد أبيك فهو أشبه بك. وقدم ابن عمر بأثقاله فدخل المدينة، ومات عامله شبيب بن مالك يوم دخل ابن عمر المدينة فقالت القيسية: لا ندعكم تعبرون به، فسفروا بينهم حتى أذنوا لهم أن يعبروا بالجنازة قوم لا سلاح عليهم ودخل الضحاك الكوفة فوجد في دار المختار قوما من أهل الشام فمنّ عليهم، ووجد قوما في دار بلال بن أبي بردة فقاتلوه فقتلهم وأمن الناس. وبعث أبا الرجال وحبناء بن عصمة وعكرمة فباعوا الغنيمة عند قصر الكوفة، وذلك في أول يوم من شهر رمضان، وكان من رأي أصحاب الضحاك أن يستعرضوا أهل الكوفة، فمنعهم الضحاك ذلك، فلما دخلوا الكوفة تلقّوهم بالأسوقة، فقال الضحاك: ألم أخبركم بأن لكم بها إخوانا يكتمون إيمانهم في دار الكفر، فمر رجل من الخوارج برجل على باب داره وكان عظيم البطن فقال له الخارجي: أصائم أنت؟ قال: نعم. قال:

стр. 3678

ما بطنك ببطن مؤمن ولولا أني أكره أن أفسد سناني بما في بطنك لأخرجته من ظهرك، وجنح إلى الضحاك عبيد الله بن عباس الكندي. وقال هشام ابن الكلبي: شهد عبيد الله الخوارج بالكوفة وهم يقتتلون بين الحيرة والكوفة أيام الضحاك، مع جعفر بن العباس بن يزيد الكندي أخيه، فقتل جعفر، وجنح عبيد الله إلى الخوارج فقال أبو عطاء السندي: ألا يا عبيد الله لو كان جعفر … هو الحيّ لم يجنح وأنت قتيل ولم يتبع المرّاق والثأر فيهم … وفي كفّه عضب الذباب صقيل جنحت وقد أرادوا أخاك وأكفروا … أباك فماذا بعد ذاك تقول تركت أخا شيبان يسكب بزّه (١) … ونجّاك خوّار العنان رجيل فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة … وطالب وتر والذليل ذليل فلما أنشده قوله: فماذا بعد ذاك تقول؟ قال: أقول أعضّك الله ببظر أمك. وقال رجل من الخوارج: نحن عبرنا الخندق المقعّرا … يوم لقيناكم وجزنا العسكرا حتى قتلنا عاصما وجعفرا … والفاسق الضبّي لمّا أدبرا واليمنيين ومن تنزّرا … لا تحسبوا ضرب الشراة سكّرا وقال عبد الله بن عمر يرثني أخاه عاصما: لعمري لقد نادى المنادي فأسمعا … بصوت رفيع حين نادى فأوجعا غداة نعى يوم النخيلة عاصما … فأبكى العيون الجامدات وأقطعا في أبيات.

стр. 3679

وقال خلف بن خليفة يرثي عاصما: ألم يك عاصم ذخري فدلّت … منيّته على ذخري المنونا وكان من المودّة نصب عيني … فأمسى غاب في المتغيّبينا تقدم صابرا وثوى شهيدا … فلست أعدّه في الميّتينا في أبيات. وقال ابن الكلبي: كان ابن بيض الشاعر نديما لعمر بن الغضبان بن القبعثرى الشيباني، وكان مع عبد الله بن عمر على شرطه، ثم صار مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر حين خرج، ثم أراد الجنوح إلى الضحاك فجاء حمزة بن بيض الحنفي يستشيره، والخوارج يومئذ بالكوفة فأخبر ابن عمر أنه قد عزم على الخروج معهم، فقال ابن بيض: عمر الخير ما ترى يا بن غضبان في الشرا … أترى لي نفسي فداؤك من نازل الردى ترك سردابك المبلّط في طيّب الثرى … وشراب مشعشع جيّد ليس يشترى من فلان ولا فلان ولكن من القرى … وجوار بيض الوجوه دجوجية الذرا أنت خير من أن ترى ذاك يا بن القبعثرى قال عمر: فلم استشرتني يا فاسق إن كان رأيك هذا؟ وقال ابن بيحان لابن بيض حين دخل الضحاك الكوفة: لو لقيته فأخبرته عن أهل بلدك وقومك فإن لك لسانا وبيانا، فقال ابن بيض: ألا لا تلمني يا بن بيحان إنني … أخاف على فخّارتي أن تحطما فلو أنني لو شئت ابتاع مثلها … من السوق ما باليت أن أتقدما قال أبو الكردي: لما غلب الضحاك على الكوفة ولاها ملحان بن معروف الشيباني، فخرج ابن الحرشي يريد الشام، فعارضه ملحان فقتله ابن الحرشي وهو النضر بن سعيد.

стр. 3680

قالوا: وأقام الضحاك بالكوفة إلى شوال، ثم استخلف عليها ملحان بن معروف التيمي وعداده في بني شيبان، وسار إلى واسط، فلما بلغ النضر بن سعيد الحرشي مسيره شخص يريد مروان بالشام في نحو من ألف من أهل الشام، ومعه أبو أمية الثقفي، وعطية البعلي، وأقام نباته وجماعة من القيسية في الجانب الشرقي، ووادعوا ابن عمر، وأعابوه فعرض ملحان بالقادسية للنضر والقيسية فناشدوه الله وقالوا: إنا لا نريد القتال. وكان مع ملحان قادم الذكواني فقاتلهم فقتل ملحان، ورجع قادم إلى الكوفة فقال بعض الحرورية: سقى الله ملحانا وبيّض وجهه … كما جاهد الأحزاب يوم القوادس ورثاه حبيب بن جدرة، ورثى عبد الملك بن علقمة فقال: كابن ملحان فينا من أخي ثقة … أو كابن علقمة المستشهد الشاري من صادق كنت أصفيه مخالصتي … فباع دارا بأغلى صفقة الدار إخوان صدق أرجيهم وأخذلهم … أشكو إلى الله خذلاني لأنصاري فلما قدم الضحاك حصر ابن عمر، فقال ابن عمر لكاتبه الربيع بن سليمان: اعرض الناس فعرضهم فكانوا ثمانية آلاف فقال: ما هؤلاء بشيء فما الرأي؟ قال: إن بواسط خلقا لا يلقاك الضحاك بمثلهم. قال: فاعرض فعرض لعشرة آلاف. وقاتل الضحاك فكان نباتة يوجه ابنه محمد بن نباتة في القيسية فيقاتلون الضحاك ومعهم اسماعيل بن عبد الله البجلي في قوم من اليمانية، ثم يرجعون إلى المدينة الشرقية بواسط، ثم تركهم اسماعيل وشخص إلى البصرة. وكتب نباتة إلى مروان بذلك فكتب إليه مروان كتابا لطيفا أمره فيه

стр. 3681

بالاستقامة على منهاجه، والمداومة على أمره، وندم اسماعيل على ما كان منه فقاتلهم الضحاك ستة أشهر ويقال سنة على باب المضمار، وباب الزاب، وكان يلي قتال الخوارج منصور بن جمهور، ولم تكن القيسية بمناصحة لابن عمر فقتل منصور يوما رجلا من عبّاد الخوارج في المعركة يقال له عكرمة، وجرح منصور جراحة خفيفة، فأمر له ابن عمر بثلاثين ألفا. ثم قاتلهم منصور على باب الزاب، فاستعلى الخوارج، وأكثروا القتل في اليمانية، وقتل من الخوارج عبد الملك بن علقمة العبدي، طعنه منصور فقتله، وحملت عليه أم العشنزر فأخذت بلجام دابته وضربته ضربة خفيفة، وضربها منصور ضربة شديدة، وقتل أبي جحشنة أخي الضحاك. ودنا الخوارج من المدينة فأمر ابن عمر بدوابّ (١) مقاريف فألبست المشاقة (٢)، ثم أشعل فيها النار وأرسلت في عسكر الخوارج فذعرتهم وأحرقت فساطيطهم وأخبيتهم، ولم تمر بشيء إلا أحرقته، فتركوا خيولهم وتركوا عسكرهم، ونزلوا على أربعة فراسخ منه، ثم تدانوا فصاروا من ابن عمر على فرسخ أو فرسخين، وخرج منصور بن جمهور فقاتله الخيبري وأصحابه على باب البصريين أشد قتال حتى تعانقوا، وقتل عبد الحميد الكلبي وهو ابن عم منصور، وقاتل ابن عمر الضحاك من ناحية باب الزاب، ثم تحاجزوا، فقال منصور لابن عمر: ما قاتلت مثل هؤلاء القوم عربا ولا عجما. فقال ابن عمر: الرأي أن نعطيهم الرضا ونضرب بهم

стр. 3682

مروان. فأجمع ابن عمر على مصالحتهم، وبعث رسلا إلى الضحاك فدخلوا إليه وهو يتعشى فدعاهم إلى العشاء فأبوا فقال: إنه عدس طيب وخلّ وزيت، فكلّموه وسفروا بينه وبين ابن عمر فاصطلحا على أن يسير الضحاك إلى مروان فإن قتل الضحاك فليس لأحد في عنق ابن عمر بيعة، وإن قتل مروان صار ابن عمر مع الضحاك. فقال الضحاك: لا بدّ من أن ألتقي وابن عمر. فالتقيا مع هذا فوارس، ومع هذا مثلهم، وكان سليمان بن هشام خرج على مروان فلقيه فأوقع به وحوى عسكره، وكانت وقعته بخساف أو قربها فصار إلى العراق ومعه قوم من أهل بيته، وكان سليمان خليفة ابراهيم بن الوليد على عسكره، ثم صار مع مروان فأكرمه ثم خرج عليه وحاربه فبايع سليمان بن هشام، وأبان بن معاوية بن هشام. وداود بن سليمان بن عبد الملك الضحاك، وكان الذي تولى أخذ البيعة للضحاك عبيدة بن سوار. قالت أم العشنزر لمنصور: قطع الله يدك إذ لم تدخل النار على يدي. وأرزق الشهادة على يدك. وبايع ابن عمر اليمانية وأبت القيسية أن تبايع، ومضوا إلى الشام ابن نباته وأصحابه، واستعمل الضحاك على الكوفة المثنى بن عمران العائذي، من عائذة قريش. وقال شبيل بن عزرة: ألم تر أن الله أنزل نصره … وصلّت قريش خلف بكر بن وائل ولم يكن شبيل يرى رأي الخوارج، ولكنه قال هذا بالتقيّة، بلغ الضحاك عنه شيء فخافه. وقال شبيل بن عزرة:

стр. 3683

حمدنا الله ذا النعماء أنا … نحكّم ظاهرين ولا نبالي برغم الحاسدين لنا وكنّا … نسرّ الدين في الحجج الخوالي مخافة كل جبار عنيد … غشوم من جبابرة الرجال ندين بدين ضحاك بن قيس … ومسكين ودين أبي بلال ومروان الضعيف وخيبري … أولئك منتهى النفر النبال قالوا: فأقام الضحاك بواسط إلى شهر ربيع الآخر، ثم سار إلى المدائن، فقدم عليه عذار بن بيهس السدوسي في وفد من خراسان، فجمع لهم من أصحابه شيئا وصلهم به. قالوا: وكان مروان متشاغلا بأهل حمص، وكان معه رجال من البيهسية من أصحاب بسطام، منهم عثعث التغلبي وابن عم له، فقالا لمروان: اندب معنا قوما إلى الضحاك، فندب خمسة آلاف فيهم الدبّ القيسي ومروان بن البختري القرشي. وبلغ الضحاك مسيرهم فوجّه الخيبري والحسن بن منصور في خيل، وكان القطران بن أكيمة على الموصل، فنهى البيهسية من أصحاب مروان عن قتال أصحاب الضحاك، فلم يقبلوا وأوقعوا بالبيهسية وأسر الدب فمنّ عليه الضحاك. وأتى الحسن بن منصور قطران، فقاتله قطران، ويقال بل قتل الحسن القطران، وكتب مروان إلى ابنه عبد الله، وهو على معونة الجزيرة يأمره بنزول نصيبين، وكتب مروان إلى الضحاك كتابا يقول فيه: «قد كان لك في نفسك شغل بإصلاح فسادها عن سفك الدماء»، فأجابه الضحاك بكتاب يقول فيه: «إن أعظم الشغل وأولاه بالإيثار أداء ما فرض الله من جهاد الكفار والمنافقين».

стр. 3684

وتكاتبا مرات، وسار الضحاك وعلى مقدمته مسكين اليشكري وأتى نصيبين فحصر عبد الله بن مروان، وبث خيوله في أرض الجزيرة فضج أهل الجزيرة إلى مروان، فقال إسحاق بن مسلم العقيلي لمروان: إن الخوارج قد انتشروا بأرض الجزيرة وأحرقوا واستعرضوا وأنا خائف أن يرفض من معك مراكزهم ويلحقوا بحرمهم وأنت مقيم على هؤلاء. فقال مروان: لو أحاطت الأعداء كلها بي ما برحت أو أفتح حمص أو أقتل. وكتب مروان إلى ابنه عبد الله أن اكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة فليأتك، وابن هبيرة يومئذ بنهر سعيد (١) قد وفقه مروان هناك، فكتب إليه: لا حاجة بنا إلى ابن هبيرة لأنا لا نأمن أن يكرّ الناس إلى ما قبلنا فيغلو السعر، وفيمن قبلنا كفاية وليسر ابن هبيرة إلى العراق فإنها شاغرة وقد خرج عنها الضحاك. فأعجب مروان ذلك من رأي ابنه عبد الله وقال: بأبي أنت وأمي. فكتب إلى ابن هبيرة أن يسير إلى العراق، ونصب مروان المجانيق على حمص حتى طلبوا الأمان، فأمن الناس غير سعيد بن هشام والسّمط بن ثابت، ورجل من بني سليم، ورجل يهودي، وهدم حائط المدينة فقال بعض الحمصيين. يا حمص ويحك لا تجزعي … قصّصك الجعديّ سكنينه وارتحل مروان يريد الضحاك، فنزل بحران بباب التبن، وكتب إلى معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير السكوني بحمص، وإلى زامل بن عمرو

стр. 3685

بدمشق، وإلى ثعلبة بن سلامة بالأردن، وإلى الرّماحس بن عبد العزيز الكناني بفلسطين أن يوجهوا إليه فرسان أهل الشام. ونزل مروان كفرتوثا وقال: ما صنع أحد ما صنع عبد الله بن عمر، ضربني بعشرين ألف سيف واتكأ بواسط، إنه لأدهى العرب. وقال أصحاب الضحاك له: قد اجتمع لك ما لم يجتمع لرجل على رأيك منذ اختلف الناس، فلا تباشر القتال بنفسك، ووجّه الخيل وكن ردءا للمسلمين تمدهم إن أرادوا المدد. فقال: مالي في الحياة أرب، وقد أعطيت الله عهدا إن ضمّني وهذا الجبار معسكر لا أدع جهدا، فقاتله ثلاثة أيام، ومع الضحاك سليمان بن هشام في ذكوانيته، ومن انضم إليه من أهل الشام، ورفاعة بن ثابت، وعصمة بن المقشعرّ الكلبي، فالتقوا ووقف الخوارج على تل فأزالهم أهل الشام عنه، ووقفوا عليه فقاتلهم الخيبري، فأزال أهل الشام عن التل ووقف عليه سليمان بن هشام في الذكوانية، فكره مروان موقفه وقال: يتعلم غلمان بني أمية على الطعان، وانصرف إلى عسكره، ورجع الخوارج مسرورين، فلما أصبحوا قال الضحاك: أما منكم أحد يشتاق إلى الجنة ويحب لقاء ربه؟. وأنشدهم شعرا قيل فيمن مضى من الخوارج، وبكى فاقتتلوا طويلا والخيبري يقول: أيهن بني شيبان طعنا تترى … طعنا يرى منه القنا محمرّا يترك ذا الضّغن به مزورّا … يركب ردعا للردى مقرّا فلعنة الله على من فرّا (١) … وباشر مروان القتال وهو يقول:

стр. 3686

أربعة تحمل شيخا رائعا … مجرّبا قد شاهد الوقائعا قد صادفت شيبان ملكا ضائعا ويروى: سمّا ناقعا. وأصابت الضحاك جراحة، فقال: ليس كل من طلب الشهادة رزقها. وتحاجزوا وخرجوا في اليوم الثالث وخرج الضحاك وقال: لا أرجع اليوم إلا أن يأبى ربي، ولست أملك إلاّ فرسي وسلاحي، وعليّ سبعة دراهم منها ثلاثة في كمّي فاقضوها عني وقال: ليس أمير القوم بالخبّ الخدع، ثم ترجل وقال: إن قتلت فليصلّ بكم شيبان بن سلمة، ويقاتل عدوكم الخيبري، ولم يعهد إلى أحد. والتقوا نصف النهار وصبروا وصبر أهل الشام فكثرت بينهم القتلى، وهزمت الميمنة التي لمروان ميسرة الضحاك، واقتتلوا حتى أمسوا، وقتل من الخوارج خلق، وقتل الضحاك عند المساء ولم يعلم مروان بقتله فلما كان في الليل جاء مروان رجل من عسكر الضحاك فأخبره بقتله، فأرسل مروان من طلبه في القتلى فوجده وبوجهه ضربات فاحتزّ رأسه وأتى به مروان. قالوا: فقال الخيبري لشيبان: يا أبا الذلفاء ولّني قتال القوم، فإذا قتلت فالمسلمون على رأيهم. قال: نعم. فلم يقاتلهم ثلاثة أيام، وخرج في اليوم الرابع فحضّ الناس ثم لقيهم وعلى ميمنة مروان ابنه عبد الله، وعلى ميسرته إسحاق بن مسلم، فانهزم يومئذ مروان وضربه رجل ضربة قطعت حمائل سيفه، وضربه مروان فقطع يده. ويقال إنه قاتله في صبيحة الليلة التي قتل فيها الضحاك وكان يرتجز:

стр. 3687

إن تك مروان فإني الخيبري … أضرب بالسيف على حكم النبيّ سابغة درعي حصين مغفري (١) … وهاجت ضبابة شديدة فلم يبصر بعضهم بعضا، ودخل الخيبري عسكر مروان، وانجلت الضبابة وليس مروان في العسكر، وظن الخيبري أن مروان قد قتل، واعترض العسكر جماعة من أصحابه فقاتل ومعه أبو كيلة وهو يقول: قد فرّ مروان عن الرفاق … نجّاه منا أعوجيّ باق يظلّ يمريه بعظم الساق (٢) … ونادى سليمان بن مسروح البربري مولى محمد بن مروان - وكان في حرس مروان-: كل عبد جاءنا فهو حرّ. فاجتمع إليه من العبيد والموالي وغيرهم خلق، فقتل الخيبري، دخلوا عليه وهو على فرش مروان فضربوه بالعمد. وبشّر مروان بمقتله، وخرج مروان إلى الناس. وبايعت الخوارج يعقوب التغلبي فقتل، فبايعوا مسكين اليشكري فقتل، فبايعوا شيبان، ويقال إنهم بايعوا شيبان حين قتل الضحاك فكان شيبان الذي ولّى الخيبري القتال. وقال الشاعر في قتل الضحاك والخيبري ويعقوب: هم ضربوا الجنود بكفرتوثا … وهم نزلوا وقد كره الزّحام سقى بلدا تضمّن خيبريا … ومسكينا ويعقوب الغمام

стр. 3688

هم ضربوا على فرع المنايا … ولم يفزعهم الجيش اللهام (١) وكان عبد الله بن عمر وجّه أبا الرمح بن عمر، فأخبره الخبر. وقالت امرأة من الخوارج ترثي أخاها: من لعين ريّا من الدمع عبرى … ولنفس من المصائب حرّى أفسدت عيشنا صروف الليالي … ووقاع من الكتائب تمرى كلما سكّنت حرارة وجد … من فقيد منا شجينا بأخرى في أبيات. وقالت أيضا: يا عين جودي بالدموع … وابكي بجهد المستطيع يا موت ويحك ما تزال … مفرقا بين الجميع (٢) أبكي وما يغني التلهّف … والبكاء عن الجزوع وقال حبيب بن خدرة مولى بني هلال وقد صار بعد منهم. أبكي الذين تبوأوا الغرف العلى … فجرت لهم من تحتها الأنهار أبكي لنفسي لا لهم أبكيهم … لا صبر حيث تعارف الأبرار (٣) في أبيات وقد قيل فيهم شعر كثير.

стр. 3689

أمر شيبان بن سلمة الأكبر الشيباني قال أبو الحسن المدائني وغيره: لما قتل الخيبري غادى شيبان أهل الشام فقاتلهم حتى انتصف النهار، ثم رجع بعضهم عن بعض فافترق الخوارج، فأتت فرقة منهم الجزيرة، وفرقة العراق، وأقام الباقون مع شيبان فقاتلهم مروان فانتصفوا، ثم تحاجزوا، فارتحل شيبان إلى الزابين، وسليمان بن هشام معه، فخندق شيبان وأتاهم مروان فخندق فقاتلهم عشرة أشهر، ويقال تسعة أشهر، ومروان في ثلاثين ألفا، وشيبان في خمسة آلاف فأوسعهم شرا وهزموا مروان في تلك الأشهر نيفا وسبعين مرة، وظفر يزيد بن عمر بن هبيرة بالجون بن كلاب بواسط لما توجه من نهر سعيد واليا على العراق، وكان الجون بن كلاب الشيباني - وهو الثبت، بعضهم يقول ابن النعمان - نازلا بالسن (١) رتبه الضّحاك بها ليمده بالطعام والعلف، فكتب مروان إلى ابن هبيرة يستمده وهو بواسط فأمده بعبيد الله بن العباس بن يزيد الكندي في أربعة آلاف، ثم بعامر بن ضبارة في ستة آلاف، فأخذ عبيد الله بن العباس في شرقي دجلة فوجه إليه شيبان ابن السحاج الأزدي

стр. 3690

فواقعه فانهزم عبيد الله ورجع إلى ابن هبيرة، فضم أصحابه إلى عامر بن ضبارة فأتى ضبارة السن فقاتله الجون بن كلاب الشيباني، وخندق ابن ضبارة وقاتل الجون شهرا وجعل الخوارج يرتجزون: نحن الشراة لا شراة غزّة … ولا شراة الكوفة المبتزّة غزة بعين التمر. ويقولون: نحن بنو شيبان أهل الجنّة … نقتلكم على هدى لا ظنّه وأمد مروان ابن ضبارة بمصعب بن الصحصح في ألفين، فقتل الجون، وقدم فلّه على شيبان، وقوي مروان، وقطع ابن ضبارة عن شيبان المادة من العراق، وقطع مروان عنهم مادة الشام فضاق الخوارج حتى صار الرغيف في عسكرهم بدرهم. وخاف شيبان أن يأتيه ابن ضبارة من خلفه فحضّ مروان أصحابه وخرج إليهم في يوم أربعاء فواقعهم، ثم أجمع على أن يغاديهم في يوم الخميس، وكان مع مروان رجل يرى رأي الخوارج، فكتب إلى شيبان إن القوم مصبحوك فاحذر واستعد، ففعل. وزحف إليهم مروان في كراديس فشدوا على الحسن بن منصور اليشكري، وهو في ميمنة شيبان، أو في ميسرته فأزالوه، وقوّاه شيبان بمدد فرجع إلى موقعه، وكشفت الخوارج خيل مروان وداست رجالته، وأكثر الخوارج فيهم القتل وصاروا إلى قصر مروان الذي في خندقه، فقال حبيب بن خدرة: فلم أنسهم يوم الخميس وكرّهم … عليه ويوم القصر إذ حرس القصر ودفعهم الجعديّ إذ يطردونه … وأدركه التحكيم والقضب السّمر

стр. 3691

في أبيات. وقال سليمان بن هشام، ويقال بل نحلها: وسرت مع الضحاك لما تخاذلت … معاشر أهل الشام شر المعاشر جزى الله عنا الحيّ بكر بن وائل … وتغلب خيرا من محام وناصر هم صبروا يوم الخميس وقد شفوا … غليل النفوس من سليم وعامر غداة غدا مروان في عارض له … تحرد علينا حرد أبلج قادر سمونا له منا بجمع معاود … قراع الأعادي واقتصاص العساكر وفرّ وفرّت خيله مبذعرّة … وطار به قلب له غير صابر وقال كهمس بن عثمان الرفاعي من بني يشكر لشيبان: وليت المسلمين بكفرتوثا … على حال يزلّ به القيام (١) في أبيات. وقال رجل من الخوارج: قد علمت خيلك يا بن الصحصح … بالزابيين والعيون تلمح إنا إذا صيح بنا لا نبرح … إن الحديد بالحديد يفلح لن نبرح الموصل حتى تفتح (٢) … وقتل الحباب بن عمير بن الحباب، وقتل شقيق الغنوي فقال بعض الخوارج: قد علمت خيلك يا شقيق … أنك من سكرك لا تفيق (٣) وقتل على لواء مروان سبعة عشر رجلا، وقال شيبان: قد ترون

стр. 3692

ما نحن فيه من الضيق وقد رأيت أن نأتي بلدا يتسع لكم به المعاش، فمن أراد الجهاد فليمض معي، فصبر معه قوم وتفرقت جماعة من الأعراب فلحقوا بأهاليهم، فأتى آذربيجان في أهل البصائر ومعه سليمان بن هشام بن عبد الملك، والمعمّر بن شعبة، وكان ذا بصيرة فيهم، وانصرف مروان عن الموصل وولاها عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي، وهو الثبت، ويقال زهير بن الأصم. وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يعلمه خبر الخوارج، وأن طريقهم عليه، ويأمره بطلبهم وتوجيه الجنود إليهم. قالوا: ووجّه مروان لطلب شيبان أبو سلمة مصعب بن الصحصح الأسدي في ألف، وشقيقا السلمي في ألف، وصالح بن حبيب في ألف، وعطيف بن بشر السلمي في ألف، وعليهم جميعا عبد الله بن عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، ووجه ابن هبيرة إليهم خيلا. وأتى شيبان العراق منصرفا من آذربيجان فنزل المدائن، فقال له المعمّر بن شعبة: حتى متى هذا الروغان؟ فقال شيبان: إن في مطاولتهم غيظا لهم ووهنا عليهم، وخالف المعمر في بعض الأحكام ففارقه وصار مع المعمر عامة أصحاب شيبان. وقال المعمر: رأيت اليشكري بنا فرورا … فرار العود لجّ به النداد (١) وأتى شيبان الأهواز ومعه سليمان بن هشام ومنصور بن جمهور، ثم أتى فارس ومنصور معه فكانا مع عبد الله بن معاوية، وندم المعمّر على فراق شيبان، وقال لأصحابه: قد وليته فتولوه فقد صدق ما كان قال.

стр. 3693

ولقي المعمر عامر بن ضبارة فقاتله، فأصابت معمرا جراحات مات منها، وتفرق أصحاب ابن معاوية عنه، فمضى إلى هراة، ومضى سليمان إلى عمان، ومنصور بن جمهور إلى السند، وتوجه شيبان إلى جزيرة ابن كاوان (١) فأقام بها حتى قدم عليه المسيح بن الحواري من قبل أبي العباس فقاتله فانهزم أصحاب المسيح والمسيح، وأتى شيبان عمان فكره الجلندى بن مسعود قدومه وقال: تركت مهاجر الضحاك وجئت إلينا؟ فقال: يا أهل عمان ما تكرهون مني؟ أما والله لئن ركبت المزنوق وشددت عليكم لأكثرنّ فيكم القتل، فنافره الجلندى فقاتلهم حتى قتل. وكان يزيد بن سالم الجحدري قال له: هذا الليل فلا تقاتل. فأبى وقاتل ورمي، وأمسكوا عن القتال فوجد ميتا. وقيل طعنه رجل في عينه، ثم جاءه سهم فمات في موضعه، واحتزّ رأسه رجل فنظر إليه يزيد بن سالم فقال: ثكلتك أمك، أتدري أيّ رأس تحتزّ؟ وكان سليمان بن هشام قد تزوج ابنة شيبان فلما قتل شيبان رجع سليمان إلى البصرة، ثم تزوج امرأة بالكوفة واستؤمن له أبو العباس فأمنه، ثم أنه قتل بعد ذلك. المدائني قال: قال بشر بن محدوج: قد مت من عمان وشيبان بجزيرة ابن كاوان، فأخذت فأتي بي شيبان فإذا رجل أهتم طويل على رأسه رجل يظلّه، ثم قال: ما فعل الشيخ الأزدي؟ - يعني الجلندي بن مسعود - قلت: على ما تحبّ في سمعه وطاعته. فتبسّم ثم قال: لئن بقيت له لألقينّه بفتية يقولون اللهم لا ترجعنا إلى أهلينا.

стр. 3694

خبر يزيد بن عمر بن هبيرة والخوارج حين قدم العراق قال أبو الحسن المدائني وغيره: كان الضحاك ولى الكوفة سعدا الخصي، وإنما قيل له الخصي لأنه كان أثطّ (١) وهو من الأزد ثم عزله وولى الكوفة المثنى بن عمران العائذي من قريش وكان خارجيا. ووجه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة في ستين ألفا وأمره أن ينزل نهر سعيد، ثم إنه أمره بإتيان العراق وولاه إياه. وبلغ الضحاك ذلك فوجه الضحاك عبيدة بن سوار إلى الكوفة واليا عليها ومعه منصور بن جمهور وغيره، وقال قوم: وجهه إلى العراق بعد قتل الضحاك، فبلغ عبيدة مسيره إلى العراق فسرح إليه المثنى بن عمران ومنصور بن جمهور ومطاعن بن مطيع الأزدي وجحشنة العجلي، فقاتلوه بالأنبار وعليهم منصور بن جمهور، فهزمهم ابن هبيرة، وقتل المثنى بن عمران، وقال قوم: لم يقاتلهم بالأنبار ولكنه نزل الأنبار، ثم مضى إلى عين التمر فعارضه منصور، فالتقوا فقتل المثنى وانهزم منصور وأصحابه فدخلوا

стр. 3695

الكوفة، فجمع منصور جمعا من اليمانية، ثم خرج إلى ابن هبيرة فالتقوا بالروحاء فقتل البرذون من مورق وانهزم منصور فدخل الكوفة، ثم خرج من ليلته فأتى عبيدة بن سوار وهو بالبصرة وأقام ابن هبيرة أياما ثم أقبل يريد الكوفة، فلقيه نصر بن فراس عامل عبيدة فقتل نصر، قتله أبو عثمان صاحب ابن هبيرة وانهزم أصحاب نصر، وظهر ابن هبيرة على الكوفة وأقام بالنخيلة أياما فبلغه أن عبيدة، يريد أن يسير إليه، فشخص من النخيلة وولى الكوفة رجلا ومضى يريد عبيدة، ووجه عبيدة مطاعن بن مطيع، فوجه إليه يزيد بن عمر بن هبيرة عطية التغلبي فالتقوا على قناطر السيب، فقتل مطاعن وابنه مجاهد، وقام بأمر عسكر مطاعن رجل يقال له شيبان بن عبد العزيز الصغير، فقاتل عطية شهرا وأتاهم عبيدة، واحتفر ابن هبيرة خندقا بين عسكر عبيدة وشيبان هذا، وأظهر أنه يتحول إليه فغلبه عبيدة وشيبان على ذلك الخندق فنزلاه، وعقدا جسرا على الصراة. وعزم ابن هبيرة على تبييتهم فلما صار إليهم وجدهم نياما، فكبّر أهل الشام فثار الخوارج إليهم وهم يحكّمون، وجعل أهل الشام يحكّمون أيضا. وقتل بعض الناس بعضا ثم اقتتلوا أياما فقال عبيدة لأصحابه: حتى متى نحن كذا قبّح الله العيش بعد مطاعن، فقال له منصور: أذكرك الله في نفسك. فلم ينته وخرج هو وأصحابه، وعقر أصحاب عبيدة دوابهم ولم يعقر عبيدة فرسه ثم اقتتلوا وعلى ميمنة ابن هبيرة ابنه داود بن يزيد، على الميسرة نباتة بن حنظلة، فلقي أهل الشام منهم شرا حتى كادوا يستعلون، وعبيدة على تل قد وقف على فرس له. وقال داود بن يزيد لنباتة: يا أبا المقدام تأخر لي قليلا أحمل عليهم.

стр. 3696

فقال له: يا بن أخي أن الرجوع بعد التقدم قبيح بمثلي، فتقدم داود فحملوا عليه فولّى، فأرسل ابن هبيرة إلى خالد بن الغزيل: اضرب داود ثلاثة أسواط فقنعه، ودنا نباتة من التل فانحدر عبيدة عن التل ونزل عن فرسه فغار الفرس، فلما رأوا الفرس غائرا اضطرب الناس فقاتلوا قليلا ثم جالوا فقتل عبيدة وقتل جحشنة العجلي، وانهزم فلّ الخوارج نحو الكوفة، وهرب أبو طالب الحنفي نحو البصرة، وقدم ابن هبيرة وهرب منصور بن جمهور فأتى المدائن فنزل على عون بن عتاب الجرمي، فأودعه جارية له، وأودع حميدا الأزرق مالا، وأقام بالمدائن حتى قدم شيبان الأصغر المدائن، ثم رجع معه إلى فارس، ثم أتى منصور السند فغلب عليها، ثم هلك بها. وقال غيلان: لقد جلبت الخيل من مغارها … من غوطة الشام وأقصى دارها في لجب أرعن من جرارها … لا يعرف البلق من اعتكارها كأنها الرايات في أقمارها … عقبان دجن الظل في أقطارها حتى بعثت الخيل من مغارها … إلى الصراة وإلى أنبارها لشيخ شيبان وأصل دارها … ولصّها الداعي إلى بوارها في أبيات. وقال أيضا: يا صاحبي ابشر بما منّيتا … من ملك لخيره دعيتا تريد يا بن الأربعين صيتا … في بيت مجد تجمع الشّتيتا سمّيت بالزائد إذ سمّيتا … رآك مروان إذ انتضيتا أهلا لما ولّيت إذ ولّيتا … نقاوة كنت لما انتقيتا أبليت إحسانا فما نسيتا … إذ جئت بالصراة مستميتا

стр. 3697

جند ابن جمهور بهم أغريتا … إذا خبت نارهم حميتا حتى ثنوا قسرا وما ثنيتا … يقول من مرّ به خزيتا إن كنت عطشانا فقد رويتا وكان منصور وقع في الماء ثم أخرج وقال غيلان: لما رأيت الملحدين أسرفوا … وقادهم للحين دين أحنف رميتهم بذي دهاء تزحف … قواعد الأرض له وترجف عمرا أصابوا والمثنى أتلفوا … وأم كردوس نساها ينطف (١) ويوم روحاء العذيب ذفّفوا (٢) … على ابن موروق فأضحى ينزف وهرب المجدول ركضا يزحف يعني منصور بن جمهور. وأم كردوس امرأة عبيدة. وقال مسلم حاجب ابن هبيرة. ألا هل أتى قيسا وخندف وقعنا … بأكناف عين التمر في حمير الحرب قتلنا بها عمرو النفاق بكفره … وأُبْنا بأسرى من تنوخ ومن كلب وبالجسر أردينا المثنى وجمعه … على حنق والخيل تجري على لجب أذقنا ابن سوّار عبيدة حتفه … وألحقن منصورا بمنقطع التّرب وقال رجل من غطفان: إذا لواء أبي عثمان صبّحهم … ظنوا بأنّ المنايا تسبق القدرا لاقوا لدى الحرب آجالا معجّلة … وبالنخيلة ضربا يجتلي القصرا (٣)

стр. 3698

أمر شيبان الصغير بن عبد العزيز ومضى شيبان إلى فارس فسار إليه عامر بن ضبارة لكتاب يزيد بن عمر بن هبيرة إليه في محاربته ومواقعته بأقاصي فارس، ثم صار شيبان إلى جيرفت من كرمان ففضّ عسكره، فهرب شيبان إلى سجستان، ثم صار من سجستان إلى خراسان، فكتب إليه جديع بن علي - ويقال ابن سعيد - الأزدي وسعيد أثبت، وهو المعروف بابن الكرماني، وقد خالف على نصر بن سيار وخلع مروان. «إنك ونحن خالعون لمروان، فسر إليّ لنجتمع على محاربة أوليائه أولياء الشياطين». فصار إليه فكانا يحاربان نصر بن سيار، وأظهر أبو مسلم الميل إلى ابن الكرماني، وبعث إلى نصر بن سيار وإلى ابن الكرماني وشيبان: «إني رجل أدعو إلى الرضا من آل محمد، ولست أعرض لكم، ولا أعين منكم أحدا على صاحبه». وقوي أمر أبي مسلم، فوجه إلى ابن الكرماني - وقد كان آنسه حتى اغترّ به - من أتاه به فحبسه. وكان أبو مسلم قد وادع شيبان إلى مدة، فوجّه إليه جيشا فواقعوه فكشفوه، فصار إلى ناحية أبيورد وأهلها أول من سوّد،

стр. 3699

فكتب أبو مسلم إليه أن بايع للرضا من آل محمد حتى لا أعرض لك، فبعث إليه: بل بايعني أنت. فكتب أبو مسلم إلى بسام بن ابراهيم مولى بني ليث من كنانة وهو بأبيورد يأمره بمناهضته فناهضه وقتله وأصحابه إلاّ عدّة يسيرة تفرقوا في البلاد، ويقال: بل صاروا إلى نصر قبل هربه ثم تقطعوا.

стр. 3700

أمر عمر بن سالم الشيباني قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني وغيره: اعتقد عمر بن سالم بمسكن السواد وخرج إلى العامل بقطربلّ، وهو الحجاج بن عمارة، فهرب فاتبعه فأخذه فقتله رجل من أصحاب عمر يقال له شنطيز، ورجع عمر إلى مسكن فأقام شهرين، فأتاه أهل الأنبار يشكون عاملهم علي بن عمر الأسدي، وكان ابن هبيرة استعمله عليها فسار إليه، فلما عاينه العامل رمى بنفسه وفرسه في الفرات فهرب. ثم أتى عمر بن سالم كرخ بادوريا، وعليها رجل يقال له مروان، فقاتله فانهزم وتفرق أصحابه وقد قتل عمر منهم عشرين، وأصاب عمر بالكرخ متاعا فقسمه، وأقام بالكرخ في مائة، فبعث إليه ابن هبيرة أبا بكر الكلاعي في ألف فقاتله عمر بن سالم فقطعت يد عمر، فلم يزل ينزف حتى مات، وقتل من أصحابه ثلاثون وانهزم الآخرون، واحتز رأس عمر وحمل إلى يزيد بن عمر بن هبيرة فأنفذه إلى مروان.

стр. 3701

خبر عبد الله بن يحيى بن عمرو بن شرحبيل بن عمرو بن الأسود الكندي وعبد الله بن يحيى هو طالب الحق أبو الحسن المدائني وغيره عن رجالهم قالوا: كان عبد الله بن يحيى الكندي، أحد بني عمرو بن معاوية بحضر موت، وكان مجتهدا عابدا، وكان أعور ورأيه رأي الإباضية يقول: قومنا كفار نعمة وليسوا بكفار بالله، نقاتلهم على بغيهم ولا نغنم لهم مالا، فرأى باليمن جورا وعسفا شديدا وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه: لا يحل لنا المقام على ما نرى ولا يسعنا احتماله والصبر عليه، فكتب إلى أبي عبيدة مسلم كورين مولى بني تميم وإلى غيره من إباضية البصرة يشاورهم في الخروج فكتبوا إليه: إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل فإنك لا تدري متى يبلغ أجلك، ولله خيرة من عباده يبتعثهم إذا شاء لنصر دينه، ويخصّهم بالشهادة إكراما لهم بها. وشخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف بن عبد الله بن مازن بن مجاشر أحد بني سليمة، وبلج بن عقبة، وكان قبل ذلك في الشّرط بالبصرة وهو حدّاني في رجال من الإباضية وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، فقدموا عليه حضرموت فحثّوه على الخروج، وأتوه بكتب أصحابه فقال: إذا خرجتم فلا تغلّوا ولا تغدروا واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا

стр. 3702

سيرتهم، فقد علمتم أنه إنما أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم فدعا أصحابه فبايعوه، فأتى دار الإمارة بحضرموت، وعلى حضرموت إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، فأخذوه فحبسوه يوما، ثم أطلقوه فأتى صنعاء. وأقام عبد الله بن يحيى بحضر موت، وكثر جمعه، وسمّوه طالب الحق، ويقال بل هو سمّى نفسه. وكتب إلى من بصنعاء من أصحابه: إني قادم عليكم، ثم استخلف على حضرموت عبد الله بن سعيد الحضرمي، وتوجه إلى صنعاء سنة تسع وعشرين ومائة في ألفين. وبلغ القاسم بن عمر أخا يوسف بن عمر الثقفي، وهو عامل مروان على صنعاء مسير عبد الله بن يحيى، فاستخلف على صنعاء الضحاك بن زمل السّكسكي، وخرج يريد ابن يحيى والإباضية، فلقوه بلحج، وهي قرية، وكان القاسم في عدد كثير، وعدّة ظاهرة، وسلاح شاك، فقتل من أصحاب القاسم بشر كثير، ومضى هو إلى صنعاء، ثم خرج منها واستخلف عليها ابن زمل، وأقبل عبد الله بن يحيى فنزل على ميلين من عسكر القاسم، فوجه إليه القاسم يزيد بن الفيض الثقفي في ثلاثة آلاف من أهل الشام واليمن فكانت بينهم مشاولة ثم تحاجزوا، ثم قاتلهم الصّلت بن يوسف فقتل في المعركة، ثم قاتلهم يزيد بن الفيض ثم انهزم أهل صنعاء، فأراد أبرهة بن شرحبيل بن الصباح اتباعهم فمنعه عبد الله بن يحيى، ولحق يزيد بن الفيض بالقاسم فأخبره بقتل الصّلت فقال القاسم: ألا ليت شعري هل أذودنّ بالقنا … وبالهندوانيات قبل مماتي وهل أصبحنّ الحارثين كلاهما … بطعن وضرب يقطع اللهوات

стр. 3703

ودخل عبد الله بن يحيى صنعاء، فأخذ الضحاك بن زمل، وابراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي فحبسهما، ثم جمع الخزائن والأموال فأحرزها، وأرسل إلى الضحاك وإبراهيم فأطلقهما، وقال: إنما حبستكما مخافة عليكما من العامة، وليس عليكما مكروه، فأقيما أو اشخصا، فخرجا. ولما استولى عبد الله بن يحيى على بلاد اليمن خطب فقال: «الحمد لله المتحمّد بالآلاء، المنّان بالنعماء، ذي الأمر الغالب، والدين الواصب، أحمده في الضرّاء، وأشكره في السرّاء، واستعينه على احتجاجه علينا، وأستهديه لما يرضيه، وأؤمن به إسلاما وإيمانا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى ونبيّه المرتضى، أرسله بالحق على حين فترة من الرسل وكفر من الملل، واختلاف من الدول، والتباس من الحقّ، وانسحاق من الصدق، وظهور من الأعداء، وبعد من الألفة، وأنزل عليه الكتاب، وشرع له الشرائع، وفرض له الفرائض، فقام بأمر الله صادعا بالحق ناطقا به، زاجرا عن الشبهات، داعيا إلى النجاة، مجاهدا للمعاندين، رؤوفا بالمؤمنين، عزيزا عليه عنتهم، حبيبا إليه صلاحهم، حتى كمل الإيمان، وأخسئ الشيطان، وظهر النور، وزهق الباطل، وذل الكفر، وانقطعت الأحقاد، وسلمت الصدور، فجمعهم بعد التفرق، وأمنهم بعد الخوف، فأصبحوا على نعم مذكورة، وكرامة مشهورة، ودين مقبول، وعلم محمول. ثم قبضه الله إليه فقيدا، واختار له ما عنده حميدا، صلى الله عليه وعلى ذكره السلام، ورحمة الله وبركاته.

стр. 3704

أيها الناس إنكم حذّرتم عظيما، وخوّفتم جسيما، لا تبلغه الصفات، ولا تحيط به الأوهام، العذاب الأليم جهنم، وسعير ولظى والهاوية والحامية، وسقر التي لا تبقي ولا تذر، نسأل الله مولانا وليّ الإحسان أن يجيرنا من عذابه الذي خوفنا، أيها الناس إنا نخيّركم بين ثلاث خصال أيّها شئتم فخذوا لأنفسكم، رحم الله امرأ أخذ الخيار لنفسه: إما قال امرؤ بقولنا، ودان بالدين الذي دنّا فحملته نيّته على أن يجاهد معنا بنفسه، فيكون له من الأجر ما لأفضلنا، ومن قسم الفيء ما لبعضنا، أو قال هذا القول ثم أقام في داره، فدعا الناس إليه بقلبه ولسانه فعله، إلاّ يكون ذلك أخسّ منازله، أو كرهنا فليخرج بأمان إلى ماله وأهله، ويكفّ عنا يده ولسانه، فإن ظفرنا لم يكن عرض لنا نفسه، ولم يحملنا على سفك دمه، وإن قتلنا كان قد كفي مؤونتنا، وعسى ألا يعمّر بعدنا إلا قليلا. ندعو: إلى الله، وإلى كتابه، وسنة نبيه ﷺ ، ونجيب من دعا إليها، الإسلام ديننا ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالا لا نبغي به بدلا، ولا نشتري به ثمنا، ولا قوة إلا بالله، وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل. ندعو: إلى فرائض بيّنات محكمات، وآثار مقتدى بها، ونشهد أن الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم. ندعوا: الى توحيد الرب، واليقين بالوعيد، وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، وإن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضلّ إلى الهدى ويصبرون على الألم في حب الله، يقتلون في سالف الدهر فما نسيهم ربّهم

стр. 3705

﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ١،﴾ أوصيكم بتقوى الله وحسن القيام على ما وكلكم بالقيام به، قابلوا الله حسنا في أمره وزجره». وأقام عبد الله بن يحيى بصنعاء أشهرا حسن السّيرة، ليّن الجانب كافّا عن الناس، فكثر جمعه، وأتوه من كل وجه، فلما كان في وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف السّلمي، وبلج بن عقبة الأزدي، وأبرهة بن الصباح الحميري إلى مكة في تسعمائة، ويقال في ألف ومائة وأمره إذا صدر الناس أن يقيم بمكة، ويوجه بلجا إلى الشام. فأقبل المختار إلى مكة فقدمها يوم التروية وعليها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وأمه ابنة عبد الله بن خالد بن أسيد، فكره قتالهم، فقال لعبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب: إني لا آمن أن تفسد هذه العصابة على الناس أمرهم، فلا يتم للناس في عامهم هذا حج فلو لقيتهم فسألتهم أن يكفّوا حتى ينقضي الموسم وأخرج لهم عن مكة، فأتاهم عبد الله بن الحسن في رهط معه، فقال لأبي حمزة: أيها الرجل إنك أتيت بلدا حراما في يوم عظيمة حرمته فأمّ أصحابك، ويؤمّ الوالي أصحابه، فإذا أفاض الناس وقضوا مناسكهم رأيت رأيك في الحرب وخرج عنك. فأجابه إلى ذلك، فصلى عبد الواحد ووقف بالجماعة، وصلى أبو حمزة بأصحابه ووقف بهم، ولم يعرض لأحد حتى صدر الناس، وخرج عبد الواحد بن سليمان إلى المدينة فقال مولى لعثمان بن عفان - ويقال قاله موسى شهوات - يعيب عبد الواحد لتركه البلاد وخروجه عنها: جاء الذين يخالفون بدينهم … دين الإله ففر عبد الواحد

стр. 3706

ترك القتال وما به من علة … إلاّ الوهون وعرقه من خالد وكان النبي ﷺ دعا على آل خالد بن أسيد أن يلزمهم العجز ويحرمهم النصر. لو أن والده تخيّر أمه … لصفت مضاربه لعرق صاعد وقال بعضهم أن هذا الشعر لابنة عمر بن عبد العزيز. وقال عبد الحميد بن يحيى بن فالح بن عباس بن مرداس السّلمي: طوى الخيل طي العصب حتى إذا انطوت … أياطل منها وهي وار فصيدها فشدّ على أهل الحصاب وكاثروا … ببطن منى والبدن صرعى خدودها في أبيات. وأقام أبو حمزة بمكة، ووجه رجلا إلى الطائف، فخرج أهل الطائف عن القرية والحصن، فقال عامل الطائف: يا أهل الطائف أين رجالكم؟ فقال له أبو ولهية مولى بني علاج: أصلحك الله رجالنا غيب ونحن مغيبات فاحفظنا فيهم، فأمنهم وقال: هم آمنون. فرجعوا إلى الطائف. ونادى منادي أبي حمزة أربعة أيام، في كل يوم: الناس آمنون إلا من حاربنا. ولم يزل مقيما حتى خرج إلى قديد. ولما أخذ أبو حمزة مكة صعد المنبر متوكئا على قوس عربية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إن رسول الله ﷺ كان لا يقدم ولا يحجم إلا بأمر الله ووحيه، أنزل عليه كتابه وبيّن له ما يأتي وما يتّقي فيه، فلم يكن في شيء من دينه شبهة حتى قبضه الله إليه، وقد علّم المسلمين معالم دينه، وولى أبا بكر صلاتهم وهي عماد دينهم، فولاه المسلمون أمر دنياهم فقاتل أهل الردّة، وعمل بالكتاب والسنة حاسرا عن ذراعيه حتى قبضه الله إليه رحمة الله عليه.

стр. 3707

وولي عمر بعده، فسار سيرة من كان قبله، وجبى الفيء، وأعطى الأعطية، ومصّر الأمصار، ودوّن الدواوين، وجمع الناس على قيام شهر رمضان، وجلد في الخمر ثمانين، وغزا العدو في ديارهم، ثم مضى لسبيله على منهاج صاحبه، وقد جعلها شورى، فرحمة الله عليه. ثم ولي عثمان فسار دون سيرة صاحبيه ست سنين، ثم أحبط فيما مضى له ومضى لسبيله. ثم ولي علي بن أبي طالب، فكان على سداد، حتى حكّم في كتاب الله، وشكّ في دينه فلم يبلغ من الحق قصدا، ولم يرفع له منارا. ثم ولي معاوية لعين رسول الله ﷺ وابن لعينه (١)، فاتخذ عباد الله خولا، ومال الله دولا، ودينه دغلا، ثم مضى لسبيله ناكبا عن الحق، مداهنا في الدين. ثم ولي يزيد ابنه فصيص لعنة رسول الله ﷺ ، وفاسق في بطنه وفرجه، فمضى على منهج أبيه، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. ثم ولي مروان وبنو مروان، فسفكوا الدم الحرام، وأكلوا المال الحرام، فأما عبد الملك فجعل الحجاج له إماما وإلى النار قائدا. وأما الوليد فسفيه أحمق منهوك في الضلال يخبطها عشواء مظلمة. وسليمان وما سليمان همه بطنه وفرجه فالعنوهم لعنهم الله، إلا أنه قد كان منهم عمر بن عبد العزيز همّ فلم يفعل وقصّر عما همّ به. ثم ولي بعده يزيد بن عبد الملك فاسق لم يؤنس منه رشد، وقال الله في

стр. 3708

اليتامى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ (١) فأمر أمة محمد أعظم من مال اليتيم، مأبون في بطنه وفرجه، حيك له بردان فارتدى بأحدهما واتزر بالآخر، ثم أقعد حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره، وقال: يا حبابة غنيني، ويا سلامة اسقيني حتى ثمل سكرا، وأخذت الخمر مأخذها منه شق ثوبيه، وقد اتخذ بألف دينار بعد أن ضربت فيهما الأبشار، وحلقت الأشعار، وهتكت الأستار، وأخذ ما أنفق عليهما من غير حلّه، ووضع في غير حقه، ثم التفت إلى إحداهما فقال: ألا أطير. بلى، فطر إلى النار، أفهكذا صفة خلفاء الله؟! وقد حضرت كتابا كتبه إليكم هشام في حطمة (٢) كانت، أرضاكم به وأسخط ربه ذكر فيه أنه قد ترك لكم صدقاتكم فزادت الغنيّ غنى والفقير فقرا، فقلتم جزاه الله خيرا، بل لا جزاه الله إلا شرا، فلقد كان بخيلا بماله سخيا بدينه، فهؤلاء بنو أمية، فرق الضلالة، بطشهم بطش جبرية يأخذون بالظنّ، ويحكمون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويقضون بالشفاعة، ويأخذون الصدقة من غير موضعها. ويجعلونها في غير أهلها، وقد بيّن الله أصنافها الثمانية (٣)، فجاء صنف تاسع ليس له منها شيء، فأخذها كلها، فهي الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله، وأما هذه الشيع فشيع جهلت كتاب الله، وأعظمت الفريّة على الله، لم يقاربوا الناس بعمل بالغ

стр. 3709

في الدين، ولا ببصر نافذ في القرآن، ينكرون المعصية على من عملها، ويرتكبون أعظم منها، يبصرون الفتنة ولا يعرفون المخرج منها، يؤملون الدول فيما بعد الموت، ويؤمنون ببعث إلى الدنيا قبل يوم القيامة، جفاة عن الدين أتباع كهان، قلدوا دينهم من لم ينظر لهم ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١). يا أهل مكة إنكم تعيّروني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابا، أما إني عالم بتتابعكم فيما يضركم في معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم ما تركت الأخذ فوق أيديكم، نعم شباب متكهلون في شبابهم، غيبة عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في حنادس الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة حتى كأن زفير جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلالهم بكلالهم كلال ليلهم بكلال نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفّرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم، أنضاء عبادة مستقلّون لذلك في الله، موفون بعهده ومتنجزون لوعده، إذا رأوا سهام العدو وقد فوّقت ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم وقد انتضيت، وبرقت الكتيبة، ورعدت بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، فمضى الشاب منهم قدما حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه، وقد زملت محاسن وجهه بالدماء، وعفر جبينه بالثرى، وأسرعت إليه سباع الأرض، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من كف بائنة طالما اعتمد عليها

стр. 3710

صاحبها في سجوده في جوف الليل لله، وكم من خدّ رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان». - وقعة قديد: قالوا: وكتب عبد الواحد بن سليمان إلى مروان يعتذر من خروجه عن مكة ويخبر أن الناس خذلوه، ويقال بل خرج إلى مروان بن محمد فشافهه بهذا، فكتب مروان إلى عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو عامله على المدينة يأمره أن يوجه جيشا إلى مكة، فوجه ثمانية آلاف من قريش والأنصار وغيرهم من التجار، واستعمل عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأمه ابنة عبد الله بن خالد بن أسيد، فخرجوا في المصبّغات ومعهم الملاهي لا يكترثون بالخوارج، ولا يرون إلا أنهم في أكفهم. وسقط لواء عبد العزيز حين خرج من المدينة فتطير الناس وغمّهم ذلك فقال رجل من قريش: لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هذه المارقة، أما والله لئن ظفرنا لنسبينّ أهل الطائف. من يشتري مني سبي أهل الطائف؟ فلما التقوا بقديد، حين التقوا، وانهزم أهل المدينة قال لخادمته: غاق باق - يريد أغلقي الباب دهشا وذلك بعد أربعة أيام يرى أنهم خلفه - فلما كان أهل المدينة بذي الحليفة عرضهم عبد العزيز، فمر به أمية بن عنبسة بن سعيد بن العاص فرحّب به وضحك في وجهه، ومرّ به حمزة بن مصعب بن الزبير فلم يكلمه ولم يلتفت إليه، فقال له عمران بن عبد الله بن مطيع: سبحان الله، مرّ بك شيخ من شيوخ قريش فلم تلتفت إليه، ومرّ بك غلام

стр. 3711

من بني أمية فضحكت إليه وألطفته؟ أما والله لئن التقى الجمعان لتعلمنّ أيهما أصبر. فلما التقوا وانهزم الناس قال أمية بن عنبسة لغلامه: يا مجنب أدن مني فرسي فلعمري لئن أجررت نفسي بسبب هؤلاء الأكلب إني لعاجز، وركب فرسه فمضى، وصبر حمزة حتى قتل. قال الهيثم: وشد رجل من الخوارج فجعل يقاتل وهو يقول: وخارج أخرجه حب الطمع … فرّ من الموت وفي الموت وقع من كان ينوي أهله فلا رجع قالوا: وبلغ أبا حمزة المختار بن عوف إقبال أهل المدينة إليه، فاستخلف على مكة أبرهة بن شرحبيل بن الصباح الحميري، وسار إليهم وعلى مقدمته بلج بن عقبة، وصار بإزائهم، وهو بقديد، فقال لأصحابه: إنكم لاقون قوما أميرهم عثمان بن عفان أول من خالف سيرة الخلفاء، وبدّل السنّة، قد بين الصبح لذي عينين فأكثروا ذكر الله وتلاوة القرآن. وصبّحهم غداة الخميس لسبع - أو تسع - بقين من صفر سنة ثلاثين ومائة، فقال عبد العزيز لغلامه: ابغنا علفا. قال: هو غال. قال: ويحك البواكي علينا غدا أغلى. وأرسل المختار إليهم بلج بن عقبة ليدعوهم، فأتاهم في ثلاثين راكبا، فذكّرهم الله، وسألهم أن يكفوا أيديهم عنهم حتى يسيروا إلى مروان وقال: خلّو سربنا لنلقى من ظلمكم وجار في الحكم عليكم ولا تجعلوا حدّنا بكم، فإنا لا نريد قتالكم، فشتمهم أهل المدينة وقالوا: نخليكم وندعكم تفسدون في الأرض، فقالت الخوارج: يا أعداء الله، ونحن نفسد في الأرض؟ وإنما خرجنا لنكفّ الفساد، ونقاتل من استأثر بالفيء عليكم

стр. 3712

فانظروا لأنفسكم واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة، فإنه لا طاعة لمن عصى الله، وادخلوا في السلم وعاونوا أهل الحق. فقال عبد الرزاق (١): ما تقول في عثمان؟ قال: قد برئ المسلمون منه قبلي وأنا متّبع آثارهم ومقتد بهم وبهديهم، فقال عبد العزيز: فارجع إلى أصحابك فليس بيننا إلا السيف فرجع إلى أبي حمزة فأخبره فقال: كفّوا عنهم حتى يبدأوكم بالقتال. ورمى رجل بسهم في عسكر أبي حمزة فأصاب رجلا، فقال أبو حمزة: شأنكم فقد حلّ قتالهم، فحملوا عليهم ولافّ بعضهم بعضا ساعة ثم انكشف أهل المدينة فلم يتبعوهم، فكرّوا فاقتتلوا قليلا ثم هزمهم أبو حمزة. وقال رجل من الأنصار من بني زريق: الحمد لله الذي أذلّ قريشا. وإلى جنبه عمارة بن حمزة بن مصعب، فضربه عمارة فقتله. وكانت راية قريش مع ابراهيم بن عبد الله بن مطيع، وقتل من أهل المدينة من الأنصار ثمانون، ومن قريش ثلاثمائة ويقال أربعمائة وخمسون، ومن القبائل والموالي ألف وسبعمائة. ويقال كان القتلى أربعة آلاف. وعرض أبو حمزة من أسر في المعركة فمن كان قريشا قتله، ومن كان أنصاريا خلّوا سبيله، وأتوه بمحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو أخو عبد العزيز، فقال: أنا أنصاري، وشهد له قوم من الأنصار، فقال رجل من اليمانية: والله ما هذا بدن أنصاري، وما هو إلاّ بدن قرشي. وقتل من آل الزبير جماعة، وهرب أمية بن عبد الله بن عمرو بن

стр. 3713

عثمان، وهرب عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أمير القوم، ومضى بلج إلى المدينة، فدخلوا جميعا في طاعته وبايعوه، فكف عنهم ورجع أبو حمزة إلى مكة. وخاصم بنو زريق آل الزبير في صاحبهم الذي قتله عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فقال لهم آل الزبير: إن حمزة قد قتل في المعركة ففيم الكلام، ولم يبق بيت في المدينة إلا وفيه مصيبة، فكانوا يقولون: لعن الله السراقي ولعن بلجا العراقي فإنهما أهل شقاق، وضلال ونفاق. والسراقي أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمرو، من آل سراقة بن المعتمر بن أنس بن أذاه بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب من بني عدي بن كعب، كان مع بلج بن عقبة، وكان السراقي على شرطة حمزة. وقال ابن الكلبي: كان مع طالب الحق أبو بكر الأشل بن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مؤمل بن حبيب بن تميم بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وإنما قيل السراقي لأن سراقة كان شريرا. قال النبي ﷺ فيه: «أشد الناس عذابا كل جعّار نعّار صخّاب في الأسواق مثل سراقة بن المعتمر» (١)، ويقال إن اسم السراقي أيوب بن محمد ويكنى أبا بكر، ويقال إنه أيوب بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله بن سراقة بن المعتمر. وقالت نائحة تبكيهم: ما للزمان وماليه … أفنى قديد رجاليه فلأبكينّ سريرة … ولأبكينّ علانية

стр. 3714

ولأبكينّ إذا خلوت … مع الكلاب العاويه ولأثنينّ على قديد … بسوء ما أبلانيه وقال بعضهم: أصابوا على وادي قديد مناسرا … أتتها مناياها فخفّت وفودها جنائز صدق لم تصب بجريرة … ولم تنتقض بعد الرسول عهودها وقال عمرو بن الحسن مولى من أهل الكوفة كان إباضيا: وما بال همّك ليس عنك بعازب … يمري سوابق دمعك المتساكب وتبيت تكتلئ الهموم بمقلة … عبرى تسرّ بكل نجم آئب أخشى معاجلة المنون بداهة … لم أقض من دمع الشراة مآربي فأقود فيهم للعدى شنج النّسا … محض الشّوى أشران ضمّ الحالب (١) متجددا كالسّيد أخلص لونه … ماء الحشيك من الجلال اللاتب (٢) أرمي به من جمع قومي معشرا … بورا ألى جبرية ومعايب فتجول نحن وهم وفيما بيننا … كأس المنون تقول هل من شارب فنظل نسقيهم ونشرب من قنا … سمر ومرهفة الشفار قواضب بينا كذلك نحن جالت طعنة … نجلاء بين رهائبي وترائبي (٣) جوفاء منهرة مرى تامورها (٤) … ظبتا سنان كالشهاب الثاقب

стр. 3715

يا رب أوجبها ولا تتعلّقن … نفسي المنون لدى أكفّ قرائبي في فتية صبر ألفّهم بهم … لفّ القداح يد المفيض الضارب (١) في أبيات: وقعة وادي القرى: قالوا: وسار أبو حمزة إلى المدينة، وولى مكة أبرهة بن شرحبيل بن الصباح، وبلغ مروان خبر قديد فوجه عبد الملك بن محمد بن عطية، أحد بني سعد بن بكر في أربعة آلاف وفيهم فرسان أهل الشام، منهم رومي بن ماعز القيسي، ومنهم من أهل الجزيرة ألف اشترطوا على مروان فقالوا: إذا قتلنا الأعور قفلنا إلى الجزيرة، فقال الشاعر: فلما أتى مروان بالصدق عنهم … رصين من الأخبار لا يستزيدها دعا أين من يحمي المساجد فاعترت … مصاليت من قيس كرام جدودها يداوون داء أو يفيئون مغنما … ومجدا عليها حين تندى لبودها وسار عبد الملك وأصحابه مسرعين فحدا حاديهم: حرّم مروان عليهنّ النوم … إلا قليلا وعليهنّ القوم حتى تبين أو يقلن بالدّوم (٢) … وهاب الناس عبد الملك وأصحابه فتفرقوا في المياه، فلما أتى بلاد خثعم هربوا ومعهم غلام من كنانة، فلما أمنوا قالوا: من يغنّينا ويسوق بنا؟. قال الكناني: أنا. فنزل فساق وهو يقول:
следующие страницы →