← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

من بني أمية فضحكت إليه وألطفته؟ أما والله لئن التقى الجمعان لتعلمنّ أيهما أصبر. فلما التقوا وانهزم الناس قال أمية بن عنبسة لغلامه: يا مجنب أدن مني فرسي فلعمري لئن أجررت نفسي بسبب هؤلاء الأكلب إني لعاجز، وركب فرسه فمضى، وصبر حمزة حتى قتل. قال الهيثم: وشد رجل من الخوارج فجعل يقاتل وهو يقول: وخارج أخرجه حب الطمع … فرّ من الموت وفي الموت وقع من كان ينوي أهله فلا رجع قالوا: وبلغ أبا حمزة المختار بن عوف إقبال أهل المدينة إليه، فاستخلف على مكة أبرهة بن شرحبيل بن الصباح الحميري، وسار إليهم وعلى مقدمته بلج بن عقبة، وصار بإزائهم، وهو بقديد، فقال لأصحابه: إنكم لاقون قوما أميرهم عثمان بن عفان أول من خالف سيرة الخلفاء، وبدّل السنّة، قد بين الصبح لذي عينين فأكثروا ذكر الله وتلاوة القرآن. وصبّحهم غداة الخميس لسبع - أو تسع - بقين من صفر سنة ثلاثين ومائة، فقال عبد العزيز لغلامه: ابغنا علفا. قال: هو غال. قال: ويحك البواكي علينا غدا أغلى. وأرسل المختار إليهم بلج بن عقبة ليدعوهم، فأتاهم في ثلاثين راكبا، فذكّرهم الله، وسألهم أن يكفوا أيديهم عنهم حتى يسيروا إلى مروان وقال: خلّو سربنا لنلقى من ظلمكم وجار في الحكم عليكم ولا تجعلوا حدّنا بكم، فإنا لا نريد قتالكم، فشتمهم أهل المدينة وقالوا: نخليكم وندعكم تفسدون في الأرض، فقالت الخوارج: يا أعداء الله، ونحن نفسد في الأرض؟ وإنما خرجنا لنكفّ الفساد، ونقاتل من استأثر بالفيء عليكم

стр. 3712

فانظروا لأنفسكم واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة، فإنه لا طاعة لمن عصى الله، وادخلوا في السلم وعاونوا أهل الحق. فقال عبد الرزاق (١): ما تقول في عثمان؟ قال: قد برئ المسلمون منه قبلي وأنا متّبع آثارهم ومقتد بهم وبهديهم، فقال عبد العزيز: فارجع إلى أصحابك فليس بيننا إلا السيف فرجع إلى أبي حمزة فأخبره فقال: كفّوا عنهم حتى يبدأوكم بالقتال. ورمى رجل بسهم في عسكر أبي حمزة فأصاب رجلا، فقال أبو حمزة: شأنكم فقد حلّ قتالهم، فحملوا عليهم ولافّ بعضهم بعضا ساعة ثم انكشف أهل المدينة فلم يتبعوهم، فكرّوا فاقتتلوا قليلا ثم هزمهم أبو حمزة. وقال رجل من الأنصار من بني زريق: الحمد لله الذي أذلّ قريشا. وإلى جنبه عمارة بن حمزة بن مصعب، فضربه عمارة فقتله. وكانت راية قريش مع ابراهيم بن عبد الله بن مطيع، وقتل من أهل المدينة من الأنصار ثمانون، ومن قريش ثلاثمائة ويقال أربعمائة وخمسون، ومن القبائل والموالي ألف وسبعمائة. ويقال كان القتلى أربعة آلاف. وعرض أبو حمزة من أسر في المعركة فمن كان قريشا قتله، ومن كان أنصاريا خلّوا سبيله، وأتوه بمحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو أخو عبد العزيز، فقال: أنا أنصاري، وشهد له قوم من الأنصار، فقال رجل من اليمانية: والله ما هذا بدن أنصاري، وما هو إلاّ بدن قرشي. وقتل من آل الزبير جماعة، وهرب أمية بن عبد الله بن عمرو بن

стр. 3713

عثمان، وهرب عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أمير القوم، ومضى بلج إلى المدينة، فدخلوا جميعا في طاعته وبايعوه، فكف عنهم ورجع أبو حمزة إلى مكة. وخاصم بنو زريق آل الزبير في صاحبهم الذي قتله عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فقال لهم آل الزبير: إن حمزة قد قتل في المعركة ففيم الكلام، ولم يبق بيت في المدينة إلا وفيه مصيبة، فكانوا يقولون: لعن الله السراقي ولعن بلجا العراقي فإنهما أهل شقاق، وضلال ونفاق. والسراقي أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمرو، من آل سراقة بن المعتمر بن أنس بن أذاه بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب من بني عدي بن كعب، كان مع بلج بن عقبة، وكان السراقي على شرطة حمزة. وقال ابن الكلبي: كان مع طالب الحق أبو بكر الأشل بن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مؤمل بن حبيب بن تميم بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وإنما قيل السراقي لأن سراقة كان شريرا. قال النبي ﷺ فيه: «أشد الناس عذابا كل جعّار نعّار صخّاب في الأسواق مثل سراقة بن المعتمر» (١)، ويقال إن اسم السراقي أيوب بن محمد ويكنى أبا بكر، ويقال إنه أيوب بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله بن سراقة بن المعتمر. وقالت نائحة تبكيهم: ما للزمان وماليه … أفنى قديد رجاليه فلأبكينّ سريرة … ولأبكينّ علانية

стр. 3714

ولأبكينّ إذا خلوت … مع الكلاب العاويه ولأثنينّ على قديد … بسوء ما أبلانيه وقال بعضهم: أصابوا على وادي قديد مناسرا … أتتها مناياها فخفّت وفودها جنائز صدق لم تصب بجريرة … ولم تنتقض بعد الرسول عهودها وقال عمرو بن الحسن مولى من أهل الكوفة كان إباضيا: وما بال همّك ليس عنك بعازب … يمري سوابق دمعك المتساكب وتبيت تكتلئ الهموم بمقلة … عبرى تسرّ بكل نجم آئب أخشى معاجلة المنون بداهة … لم أقض من دمع الشراة مآربي فأقود فيهم للعدى شنج النّسا … محض الشّوى أشران ضمّ الحالب (١) متجددا كالسّيد أخلص لونه … ماء الحشيك من الجلال اللاتب (٢) أرمي به من جمع قومي معشرا … بورا ألى جبرية ومعايب فتجول نحن وهم وفيما بيننا … كأس المنون تقول هل من شارب فنظل نسقيهم ونشرب من قنا … سمر ومرهفة الشفار قواضب بينا كذلك نحن جالت طعنة … نجلاء بين رهائبي وترائبي (٣) جوفاء منهرة مرى تامورها (٤) … ظبتا سنان كالشهاب الثاقب

стр. 3715

يا رب أوجبها ولا تتعلّقن … نفسي المنون لدى أكفّ قرائبي في فتية صبر ألفّهم بهم … لفّ القداح يد المفيض الضارب (١) في أبيات: وقعة وادي القرى: قالوا: وسار أبو حمزة إلى المدينة، وولى مكة أبرهة بن شرحبيل بن الصباح، وبلغ مروان خبر قديد فوجه عبد الملك بن محمد بن عطية، أحد بني سعد بن بكر في أربعة آلاف وفيهم فرسان أهل الشام، منهم رومي بن ماعز القيسي، ومنهم من أهل الجزيرة ألف اشترطوا على مروان فقالوا: إذا قتلنا الأعور قفلنا إلى الجزيرة، فقال الشاعر: فلما أتى مروان بالصدق عنهم … رصين من الأخبار لا يستزيدها دعا أين من يحمي المساجد فاعترت … مصاليت من قيس كرام جدودها يداوون داء أو يفيئون مغنما … ومجدا عليها حين تندى لبودها وسار عبد الملك وأصحابه مسرعين فحدا حاديهم: حرّم مروان عليهنّ النوم … إلا قليلا وعليهنّ القوم حتى تبين أو يقلن بالدّوم (٢) … وهاب الناس عبد الملك وأصحابه فتفرقوا في المياه، فلما أتى بلاد خثعم هربوا ومعهم غلام من كنانة، فلما أمنوا قالوا: من يغنّينا ويسوق بنا؟. قال الكناني: أنا. فنزل فساق وهو يقول:

стр. 3716

ألا إنني بال على جمل بال … يقود بنا بال ويحدو بنا بال فتغيروا وقالوا: قبحك الله ويحك ما تريد بنا؟. وقال أبو صخر الهذلي حين بلغهم قدوم عبد الملك بن محمد وسرهم قدومه: قل للذين استضعفوا لا تعجلوا … أتاكم النصر وجيش جحفل عشرون ألفا كلّهم مسربل … يقدمهم جلد القوى مستبسل دونكم ذا أيمن فأقبلوا … وواجهوا القوم ولا تستعجلوا عبد المليك القلّبيّ الحوّل … أقسم لا يفلى ولا يرجّل حتى يبيد الأعور المضلل … ويقتل الصباح والمفضّل الأعور: عبد الله بن يحيى طالب الحق. وقال أبو وجزة: قل لأبي وجزة هيد هيد (١) … أتاك بالغادية الصنديد فارجع كما قد جئت من بعيد فبعث أبو حمزة بلج بن عقبة في ستمائة ليقاتل عبد الملك، فلقيه بوادي القرى في جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة، وتواقفوا ودعاهم بلج إلى السنة والعمل بكتاب الله، وذكروا ظلم عبد الملك وحكمه بالهوى فشتمهم أهل الشام، وقالوا: أنتم أولى بما ذكرتم. ثم حمل عليهم بلج وأصحابه فانكشف أهل الشام، وصبر عبد الملك في عصيبة ونادى: يا أهل الشام وأهل الحفاظ ناضلوا عن دينكم وأميركم، فكرّوا وصبروا وقتل بلج وأكثر أصحابه، واعتصم رجل من همدان يقال له

стр. 3717

الصباح في مائة من الإباضية فجعل يقاتلهم عبد الملك ثلاثة أيام فقتل منهم سبعون، ورجع إلى المدينة ثلاثون، ونصب عبد الملك رأس بلج على رمح فقال أبو وجزة أحد بني ظفر: ورأس بلج مجتلى محزوز … في عمد من خشب مرزوز وقالوا: قدم الذين فروا من وادي القرى إلى أبي حمزة وقالوا: فررنا من الزحف، فقال أبو حمزة: أنا لكم فيئة، وخرج أبو حمزة عن المدينة إلى مكة واستخلف عليها رجلا يقال له المفضل، فقاتلهم العبيد وأهل السوق، فقتل المفضل وعامة أصحابه، وهرب الباقون فلم يبق من الإباضية بالمدينة أحد، فقال أبو البيضاء شميل مولى زينب، من ولد الحكم بن أبي العاص: ليت مروان دنا … يوم الاثنين عشيّة إذ غسلنا العار عنا … وانتضينا المشرفيّه ثم إن عبد الملك بن محمد بن عطية قدم المدينة فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مكة والمختار بن عوف بها فقال: يا أهل مكة، هؤلاء الذين سألناكم عنهم فقلتم يجورون ويظلمون فلا تعينوهم علينا. ولقي عبد الملك الخوارج من وجهين وقد جعل أصحابه فرقتين فصيّر طائفة بالأبطح، وصار هو والطائفة الأخرى بأسفل مكة، فاقتتلوا وهزم أهل الشام حتى انتهوا إلى عقبة منى، ثم كرّوا فقاتلوهم وصبروا فقتل أبرهة، كمن له ابن هبّار القرشي عند بئر ميمون فقتله، ويقال قتله بالأبطح، وتفرق الخوارج. ولقي أبو حمزة عبد الملك بن محمد بأسفل مكة فاقتتلا فقتل المختار بن عوف أبا حمزة على فم الشعب، وقتلت معه امرأته وهي تقول:

стр. 3718

أنا ابنة الشيخ الكريم الأعلم … من سال عن اسمي فاسمي مريم بعت سواريّ بسيف مخذم (١) … وتفرق الخوارج، وأسر أهل الشام منهم أربعمائة فدعاهم عبد الملك فقال: ما دعاكم إلى الخروج؟ فقالوا: ضمن لنا أبو حمزة الكنّة - يريدون الجنة-. فقتلهم، وصلب المختار، وأبرهة بن شرحبيل بن الصباح الحميري على فم شعب الخيف. ودخل علي بن الحصين دارا من دور قريش فأحاط أهل الشام بها فأحرقوها فلما رأى ذلك رمى بنفسه من الدار، فقاتلهم فأسر فقتل وصلب مع المختار، فلم يزل مصلوبا حتى استخلف أبو العباس أمير المؤمنين فحج المهلهل الهجيمي فاستنزله ليلا فدفنه. وقال أبو وجزة: الله أخزى أبرها وبلجا … ومن طغى في دينه واعوجّا وتوارى السراقي فلم يظهر حتى قام أمير المؤمنين أبو العباس، وقال بعضهم: قتل مع أبي حمزة. وكان بمكة مخنثان: يقال لأحدهما أسيلت، وللآخر صعترة، فكان أسيلت يرجف بالاباضية فقتلوه، وكان صعترة يرجف بأهل الشام فأخبروا بخبره فقتلوه، وقال قبل أن يقتل: يا ويلي إنما كنا نعبث ونتكاذب. وطار دم صعتره من الفزع فكان يقال: أصفى دما من صعتره، لأن دمه كان صافيا من الفزع. وقال المدائني: قاتل أبو حمزة، وهو عليل وقد غسل رأسه، واعتمّ

стр. 3719

وهو يقول: أحمل رأسا قد مللت حمله … وقد مللت دهنه وغسله ألا متى يطرح عني ثقله فأجابه أبو محمد بن عطية: أصبت من يطرح عنك ثقله … يكفيك بالسيف الصقيل حمله ويقال إن الذي قال هذا طالب الحق نفسه. ومضى فلّ الإباضية إلى اليمن، وبعث عبد الملك عروة بن عطية بالفتح إلى مروان، وأقبل عبد الله بن يحيى الإباضي، وهو طالب الحق من صنعاء، وشخص إليه عبد الملك وقد استخلف بمكة والطائف خلفاء، فالتقيا بكثبة (١)، فأكثر أهل الشام في الخوارج القتل، وتشاغل أهل الشام بالغنيمة والنهب، وركبهم الإباضية، فذمّرهم عبد الملك فكرّوا وقاتلوا أشد قتال، ثم تحاجزوا وباكروا للقتال فترجل عبد الله بن يحيى وترجل معه ألف رجل وقاتلوا، وجعل عبد الله بن يحيى يقاتل وهو يقول: أضرب قوما حبطت أعمالهم … الله مولانا ولا مولى لهم فقتل عبد الله بن يحيى، وكان أعور، وانهزم أصحابه، وقتلوا في كل وجه، ولحق فلّهم بصنعاء فقال أبو صخر الهذلي: قتلنا دغيشا والذي يكتني الكنى … أبا حمزة الغاوي المضل اليمانيا وأبرهة الكندي أردت رماحنا … وبلجا صبحناه الحتوف القواضيا وما تركت أسيافنا يوم جرّدت … لمروان جبارا من الناس عاديا

стр. 3720

خبر صنعاء وأمر يحيى بن عبد الله بن عمرو بن السيّاق الحميري: قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: بعث عبد الملك ابنه يزيد بن عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي بقتل عبد الله بن يحيى إلى مروان، ورجع عبد الملك إلى مكة، فكتب مروان إلى عبد الملك يأمره بالمصير إلى صنعاء، فلما كان يزيد بن عبد الملك بن محمد بالبلقاء منصرفا إلى أبيه هلك، وقدم أصحابه بكتاب مروان إلى عبد الملك، فاستخلف ابنه محمد بن عبد الملك بن عطية على مكة وعزل رومي بن ماعز الغطفاني أحد بني مرة، وبعضهم يقول هو كلابي، وأقرّ على المدينة الوليد بن عروة بن عطية، وأمر محمد بن عبد الملك ابنه أن يقيم للناس الحج سنة ثلاثين ومائة. وأقفل أهل الجزيرة إلى الجزيرة، ووفى لهم بما اشترطوا إذا قتل الأعور، وهو عبد الله بن يحيى طالب الحق، فلما شارف عبد الملك بلاد صنعاء خرج عاملها الذي كان عبد الله بن يحيى ولاه إياها يريد حضرموت، واتبعه جمهور بن شهاب الخولاني في جماعة من أهل صنعاء فقاتلهم وأصاب حملين من مال وأثقالا لهم، فقدم بما أصاب إلى صنعاء. وقدم عبد الملك بن محمد صنعاء، فتبع الخوارج يقتلهم فقتل ثلاثمائة منهم بصنعاء، وبعث عماله وفرّقهم في المخاليف، ودرّ له الخراج أشهرا، ثم خرج عليه يحيى بن عبد الله بن عمرو بن السيّاق الحميري من آل ذي الكلاع بالجند (١) في جمع كثير، فبعث إليه عبد الملك عبد الرحمن بن يزيد بن عطية، فلقيه بالجند فهزمه وقتل عامة أصحابه، ورجع عبد الرحمن إلى

стр. 3721

صنعاء، ولحق يحيى بن عبد الله بعدن واجتمع اليه ألفان، فسار إليه عبد الملك فواقعه فقتله وقتل عامة أصحابه، وتفرق الباقون، ورجع عبد الملك إلى صنعاء. - أمر يحيى بن كرب وعبد الله بن معبد: وخرج يحيى بن كرب حميري - ويقال هو مذحجي - بساحل البحر، وانضم إليه جمع من الإباضية، فبعث إليه عبد الملك أبا أمية الكندي، فالتقوا بالساحل، فقتل من الإباضية، وتحاجزوا عند المساء، فمضت الإباضية إلى حضرموت وعليها عبد الله بن معبد الحضرمي، عامل عبد الله بن يحيى بن عمير الحميري، فصار يحيى بن كرب معه، ورجع أبو أمية إلى عبد الملك بن محمد، فاستخلف عبد الملك على صنعاء عبد الرحمن بن يزيد بن عطية وشخص إلى حضر موت. وبلغ عبد الله بن معبد مسير عبد الملك إليهم، فجمعوا الطعام وما يحتاجون إليه في مدينة شبام، وفي حضر موت مخافة الحصار، ثم رأوا أن يلقوا عبد الملك في الفلاة، فخرجوا فنزلوا على أربع مراحل من حضر موت في عدد كثير في فلاة من الأرض، ووافاهم عبد الملك فقاتلهم يومه كله، فلما أمسى بلغه ما تجمعوا من الطعام بشبام، فحدّر عسكرا في بطن حضر موت إلى شبام ليلا فلما أصبح قاتلهم حتى انتصف النهار، ثم تحاجزوا فلما أمسى عبد الملك اتبع العسكر الذي وجهه إلى شبام، وأصبح عبد الله بن معبد والإباضية فلم يروا من الشاميين أحدا فاتبعوهم وقد سبقوهم فأخذوا ما كانوا جمعوا من الميرة، وأخذ عليهم عبد الملك الطرق بالمسالح وقطع عنهم المادة فلم يقدروا على الميرة، ثم جعل يقتل من قدر عليه ويسبي، ويأخذ الأموال.

стр. 3722

فلما كان في شوال سنة إحدى وثلاثين ومائة كتب مروان إلى عبد الملك يأمره أن يستخلف رجلا ويحضر الموسم فيقيم للناس الحج، فصالح عبد الملك أهل حضرموت على أن يستعمل عليهم رجلا منهم، فولى على حضرموت رجلا من أهلها تراضوا به، وردّ عليهم ما عرفوا من متاعهم، وكتب عليهم كتابا، وكتب إلى الوليد بن عروة يأمره أن يوافي مكة من المدينة، فإن أبطأ قدومه أن يقيم أمر الموسم ويصلي بالناس، ووجه بكتابه إليه رجلا، وأمر بإغذاذ السير وإجذامه وترك الفتور فيه، فخرج الرجل يركض إلى الوليد بالمدينة. وخلف عبد الملك عبد الرحمن بن زيد بن عطية على صنعاء، وخرج عبد الملك في اثني عشر فلما كان بأرض مراد - وكان قد أصاب منهم قوما مع طالب الحق - عرض له قوم منهم فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين إليّ في حضور الموسم، فكذبوه وقاتلوه فقتلوه وفتشوا ما معه فوجدوا كتاب مروان إليه في توليته الموسم، فجاء قوم من همدان فدفنوه. ويقال إنه خرج في أربعين فاتبعه قوم من همدان ومراد وظنوه منهزما فقتلوه، وكانوا خوارج وقالوا له: قتلت عبد الله بن يحيى، والمختار وبلجا، وأبرهة بن الصباح. وقتلوا أصحابه أيضا، وبعثوا برأس عبد الملك إلى حضرموت. وبلغ عبد الرحمن بن زيد بن عطية خبره وهو بصنعاء، فأرسل شعيبا البارقي في الخيل فقتل الرجال والصبيان، وبقر بطون النساء، وأخذ الأموال، وأخرب القرى، وأقام الحج للناس أبو الوليد عروة، واستعمل مروان على مكة والمدينة والطائف يوسف بن عروة بن عطية.

стр. 3723

وبعث الوليد بن عروة بن عطية إلى اليمن فقتل البريّ والنطف (١)، ووجه إلى يحيى بن كرب وعبد الله بن معبد من حاربهما فقتلهما، ويقال إنه واقعها بنفسه فقتلهما، ولم يزل الوليد باليمن حتى استخلف أمير المؤمنين أبو العباس. قالوا: وكان مروان لما بعث رسوله إلى عبد الملك بن محمد ذكره بعد أيام فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أحسبني قد قتلت عبد الملك، يأتيه كتابي فيخاف أن يفوته ما ندبته له فيخرج مخفّا في قلّة التماسا للسرعة، وهو في بلاد قوم قد وترهم فيقتل، ثم قال: إن تنفري فقد وجدت نفرا … أمّ عويف وشياها عقرا

стр. 3724

أمر يزيد بن عمر بن هبيرة عامل مروان على العراق قالوا: ولما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة العراق واليا من قبل مروان، أشخص إليه وفدا من أهل البصرة منهم داود بن أبي هند، وسعيد بن أبي عروبة فقال: انظروا ما نقمتم علي فيه من أمر فعرّفونيه أدعه، وأيّ عامل رأيتم عزله فأشيروا علي بذلك أعزله. وكان عفيفا متوقّيا سخيا شجاعا، وكان يعشّي الناس في كل يوم: إذا صلى العصر توضع الكراسي، فإذا أخذ الناس مجالسهم أتي بعساس اللبن والأشربة، ثم أتي بالأطعمة فيأكلون إلى وقت المغرب. ثم يدعو بالمناديل فيتفرقون للصلاة. وكان سمّاره قوما من الفقهاء منهم داود بن أبي هند، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى. فقال ابن شبرمة: إذا نحن أعتمنا وماد بنا الكرى … أتانا بإحدى الراحتين عياض - يعني حاجبه - وكان يقضي في كل ليلة عشر حوائج، فإذا أصبح أنفذها. حدثني عمر بن شبه عن خلاد الأرقط عن سلم بن قتيبة قال: كان

стр. 3725

يزيد بن عمر بن هبيرة ربما لحن في كلامه وذلك قليل، فقلت له يوما: إنك ربما لحنت فلو تعهدت أيها الأمير نفسك. قال فتحفّظ من ذلك وقال: يا سلم، أكلّ العلم علمت؟ قلت: ما منه شيء إلا وقد أخذت منه ما يكفيني. قال: فما تقول في ابنتين وأبوين؟. قلت: للابنتين الثلثان وللأبوين السدسان، قال: فإن إحدى الابنتين ماتت؟. قلت: فللأم الثلث وما بقي فللأب. قال: يا سلم أهذا ما يكفيك من العلم؟ قالوا: وأخذ يزيد بن هبيرة الأصغر عمر بن النجم بن بسطام بن ضرار بن القعقاع ورجلا من بكر بن وائل بسبب رأي الخوارج، فأطلق البكري وحبس التميمي. فلما كان يوم الفطر قام أبو نخيلة فأنشده: أطلقت بالأمس أسير بكر … فهل إلى حلّ القيود السّمر عن التميمي القليل العذر … من سبب أو سلّم أو جسر من كان لا يدري فإني أدري … ما زال مجنونا على است الدّهر في حسب ينمى وعقل يجري وكان يزيد متعصبا على صاحب خراسان، وهو نصر بن سيار، كان يكتب إليه مستغيثا به لما ظهر أمر أبي مسلم ودعاة بني العباس فلا يغيثه، حتى قال: أبلغ يزيد وخير القول أصدقه … وقد تبيّنت ألاّ خير في الكذب إنّ خراسان أرض قد رأيت بها … بيضا لو أفرخ قد حدثت بالعجب في أبيات قد ذكرناها. وكتب إلى مروان بأبيات يقول فيها: فقلت من التعجّب ليت شعري … أأيقاظ أمية أم نيام

стр. 3726

قالوا: وقال أبو عطاء السندي مولى بني أسد في ابن هبيرة: أقام على الفرات يزيد حولا … فقال الناس أيهما الفرات فيا عجبا لبحر بات يسقي … جميع الناس لم يبلل لهاتي قصائد حكتهنّ لقرم قيس … رجعن إليّ صفرا خائبات رجعن إليّ لم يورين زندا … سوى أني وعدت التّرّهات فقال ابن هبيرة: يا أبا عطاء كم يبلّ لهاتك؟ قال: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها. وقال أيضا: قصائد حكتهنّ لقرم قيس … رجوت بها المودّة والإخاء رجعن على حواجبهنّ صوف … فعند الله ألتمس الرجاء وقال بشار الأعمى في قصيدة طويلة: إلى أمير الناس وجّهتها … تجري على عار من الطّحلب إلى فتى تسقي يداه الندى … حينا وأحيانا دم المذنب (١) فوصله وكساه. وقال يزيد بن عمر لأبي عطاء السندي وكان أبو عطاء ألثغ. فما صفراء تكنى أمّ عوف … كأن رجيلتيها منجلان فقال: أيها الأمير. أردت زرادة وأردت أيضا … بما عايبت من هذا لساني ويروى: أجريت من هذا. وقد ذكرنا أخبار يزيد بن هبيرة في حروبه ومقتله فيما تقدم من كتابنا هذا، وبعد هذا الموضع.

стр. 3727

وقتل مروان ببوصير في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو ابن اثنتين وستين سنة، وورد خبر مقتله على أبي العباس بالكوفة. وكان أول ولاته (١) على البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلّب، ثم عزل وولى حفص بن عمر بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة، وقصد ابن هبيرة فقتل بواسط.

стр. 3728

مقتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم قالوا: قوي أمر أبي مسلم بخراسان وعلا شأنه وضعف أمر نصر بن سيار والي خراسان فيها، فكتب إلى مروان بشعر وهو: أرى خلل الرماد وميض جمر … خليقا أن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تذكى … وإن الحرب يقدمها الكلام فقلت من التعجّب ليت شعري … أأيقاظ أمية أم نيام فكتب إليه مروان: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فاحسم الثؤلول قبلك. فلما قرأ نص الكتاب قال: أمّا هو فقد أعلمنا أنه لا نصر عنده. وكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة، عامل مروان على العراق: أنشدك الله أن تضيع خراسان وكان يزيد حسودا فكره أن يذهب نصر بسمعتها ولم يبل كيف وقع الأمر. وكتب إليه نصر: أمدني بألف عمامة شامية، ووجه إلي في كل يوم رجلا أو رجلين ليرى أهل خراسان أن لي مددا، فلم يفعل، وكان يستخف بكتبه إذا كتب، فقال نصر: والله إني لأهمّ أن أكتب إليه: من نصر بن سيار الكناني إلى يزيد بن عمر الفزاري. وكتب إليه:

стр. 3729

أبلغ يزيد وخير القول أصدقه … وقد تبيّن ألاّ خير في الكذب إن خراسان أرض قد رأيت بها … بيضا لو افرخ قد حدثت بالعجب فراخ عامين إلا أنها كبرت … ولم تطر ولقد سربلن بالزّغب وإن يطرن ولم يحتل لهنّ بها … يلهبن نيران حرب شأنها عجب فكتب إليه ابن هبيرة: «لاّتكثرنّ، فما عندي رجل واحد». وكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان عامله بدمشق يأمره بحمل ابراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس إلى ما قبله، وكتب إلى نصر ألاّ يدع بخراسان متكلما بالعربية إلا قتله، فقال نصر: هذا أحمق. وفسدت الأمور على نصر وهرب، وقد كتبنا هذا الخبر فيما تقدم من كتابنا هذا عند ذكر أمر الدعوة. وقالوا: استحكمت لأبي مسلم الأمور، فوجه قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان بن شمس بن قيس بن أكلب بن سعد بن عمرو بن عمرو بن الصامت، واسمه أيضا عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيّئ بن أدد إلى العراق، ومعه أبو غانم عبد الحميد بن ربعي بن خالد بن معدان وغيره من وجوه أهل خراسان، وحمل قحطبة معه مالا عظيما. وكان مقدمة قحطبة ابنه الحسن، فلقي قحطبة نباتة بن حنظلة بجرجان فقتل نباتة، وانهزم أهل الشام. ووجه ابن هبيرة أيضا عامر بن ضبارة ومعه داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة، فلقيهم قحطبة بأصبهان فقتل ابن ضبارة. ووجه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي من نهاوند إلى

стр. 3730

شهرزور فقتل عثمان بن سفيان، وكان مروان بعثه مقدمة له، فلما بلغه خبر مقتله أقبل مروان فنزل رأس العين، ثم أتى الموصل فنزل على الزابي وحفر خندقا. ووجه أبو سلمة الداعية إلى أبي عون عيينة بن موسى بن كعب مددا لأبي عون، وظهر أمير المؤمنين أبو العباس، فولّى عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس حرب مروان، فلما ورد على أبي عون تحوّل له عن سرادقه بما فيه وخلاه له. وصيّر عبد الله بن علي على شرطه حبّاش بن حبيب الطائي صاحب الجوبة ببغداد، في ظهر ربض حميد بن قحطبة، فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة سأل ابن علي عن مخاضة بالزابي فدلّ عليها، فوجه عيينة بن موسى بن كعب في خمسة آلاف فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم، ورفعت النيران ثم تحاجزوا، ورجع عيينة إلى عسكر عبد الله بن علي، وخاض أصحابه تلك المخاضة. وأصبح مروان فعقد جسرا وسرح عليه ابنه عبيد الله بن مروان فحفر خندقا أسفل من عسكر ابن علي، فبعث عبد الله بن علي المخارق بن عفّان في أربعة آلاف، فسرح اليه عبيد الله بن مروان الوليد بن معاوية فبيّت المخارق وانهزم أصحابه وأخذ أسيرا فبعث به إلى مروان مع رؤوس من قتل فقال مروان: أنت المخارق؟ قال: لا ولكني عبد من عبيد أهل العسكر - وكان المخارق نحيفا دميما - فقال له مروان: أفتعرف المخارق؟ قال: نعم. قال: فانظر رأسه في هذه الرؤوس، فأومأ الى رأس منها فقال: هو هذا. فخلى سبيله.

стр. 3731

وقال رجل من أصحاب مروان - ورأى المخارق-: لعن الله العبد أبا مسلم جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم. وقال العماني وهو من بني فقيم: صبّحهم مروان بالدّهارس … قبل الصباح والصقيع الجامس (١) دوس الجراجير الحصاد اليابس وبلغ ابن علي خبر المخارق فدعا عبد الله بن علي بن محمد بن صول فاستخلفه على العسكر، وسار على ميمنته أبو عون، وعلى ميسرته موسى بن كعب، ويقال عيينة ابنه.

стр. 3732

يوم الزابي من أرض الموصل قالوا: لقي عبد الله بن علي مروان وعلى ميمنة مروان عبيد الله ابنه، وعلى ميسرته الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان، وهو صهر مروان على ابنته. وقال مروان: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأرسل مروان إلى ابن علي يسأله الموادعة الى بعد صلاة الظهر، فقال: كذبت يا بن زربي، لا تزول الشمس حتى أوطئك الخيل إن شاء الله. فقال مروان: قفوا وادفعوهم، فحمل الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك فغضب مروان وشتمه. ونشبت الحرب، ونزل الناس وأشرعوا الرماح، وجثوا على الركب وقاتلوهم، وجعل أهل الشام يتأخرون كأنهم يدفعون. ومشى عبد الله بن علي قدما وهو يقول: حتى متى نقتل فيك يا رب. ونادى أهل خراسان: «يا لثارات إبراهيم الإمام، يا محمد يا منصور، يا لثارات الحسين وزيد ويحيى، يا منصور أمت». واشتد بينهم القتال.

стр. 3733

وروى قوم أن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز كان مع مروان، وذلك باطل، ولكنه كان معه غيره من ولد عمر وهو عبد العزيز. وقال مروان لليمانية: انزلوا فقالوا: قل لقيس فلينزلوا - وذلك أنهم حقدوا عليه تقديمه قيسا وقتله ثابت بن نعيم الجذامي والسمط الكندي - فقال لصاحب شرطه الكوثر الغنوي: انزل. فقال: والله ما كنت لأجعل نفسي غرضا. قال: أما والله لأقتلنّك ولأسوءنّك إن لم تنزل. فقال: وددت والله أنك تقدر على ذلك. ثم انهزم مروان وقطع الجسر فغرق ممن معه أكثر ممن قتل. وقال بعضهم: عرض لمروان وجع في بطنه فحركه للخلاء فرآه الناس مولّيا فقالوا: منهزم، وانهزموا فلم يقدر على ردّهم. فلما رأى ذلك عبر الجسر الذي للزابي، وأمر بقطعه لئلا يتبع، فغرق ستة عشر رجلا من ولد مروان بن الحكم وفيهم ابراهيم بن الوليد المخلوع، ويقال ان ابراهيم بقي حتى قتله ابن علي مع من قتل، ويقال انه قتل بعد موت أخيه يزيد الناقص حين ظفر به مروان. والله أعلم. وأثبت ذلك أن عبد الله بن علي قتله. وكان عبد الله بن علي في اثني عشر ألفا، وأمر عبد الله بن علي بإخراج الغرقى فأخرجوا فقرأ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١). وأقام في معسكره سبعة أيام فقال رجل من ولد سعيد بن العاص يعيب مروان: لجّ الفرار بمروان فقلت له … عاد الظلوم ظليما همّه الهرب

стр. 3734

ولى طريدا ولم تحمد عزيمته … لدى القتال فلا دين ولا حسب وكتب ابن علي الى أبي العباس بالفتح وبهرب مروان، وأنه قد حوى عسكره فسجد أبو العباس، ثم صلى ركعتين وقرأ: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ (١) الآية. وكتب إلى ابن علي يأمره بأن يصوم سبعة أيام، وصامها أبو العباس، وأمر أبو العباس لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة، ووهب ابن علي لعيينة بن موسى بن كعب جارية كانت لمروان. وقال اسماعيل بن عبد الله القسري: قال لي مروان بحرّان حين هرب بعد يوم الزابي: أبا هاشم إني قد أجمعت على حمل عيالي وقطع الدرب حتى آتي مدينة من مدائن الروم أنزلها وأكاتب صاحب الروم، ولا يزال يأتيني الخائف والهارب، ويتلاحق بي الناس حتى يكثر جمعنا، وكان ذلك رأيا فكرهته لسوء صنيعه إلى أهل اليمن، وقتله من قتل منهم وتقديمه قيسا، فقلت: أعيذك بالله أن يحكم فيك أهل الشرك وتملكهم أمرك، وأمر أهلك وحرمك ولكن استنفر الشام وكوره حتى تصير إلى مصر، فإن رجالها كثير، وتكون بين الشام وإفريقية. فقال: سبحان الله، ومضى ومعه الكوثر الغنوي ومعه الحربة يسير بها بين يديه، فمر بقنسرين فوثبت به تنوخ وطيّئ فاقتطعوا مؤخر عسكره، ومر بحمص فصنعوا مثل ذلك، ولم يدعوه يدخل مدينتهم، ثم مر بدمشق فروى قوم أنهم منعوا عامله عليها من دخولها، وهو الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك وكان معه. والثبت أن أهل دمشق لم يمنعوا عامله الوليد منها، فدخلها وأقام بها حتى قتله عبد الله بن علي،

стр. 3735

ويقال بل أسره وبعث به إلى أبي العباس فقتله وصلبه. ومر مروان بالأردن، فوثب عليه هشام بن عمرو القيني، ومر بفلسطين فوثب به الحكم بن ضبعان بن روح بن زنباع، ثم مضى الى مصر واتبعه الحجاج بن زمل السكسكي فصار معه، والرماحس بن عبد العزيز الكناني وكان عامله على الأردن، واتبعه ثعلبة بن سلامة وكان من عماله على ناحية قريبة من الأردن. فلما صار إلى فلسطين قال: يا رماحس انفرج الناس عنا انفراج الرأس ولا سيما قيس التي وضعنا معروفنا عندهم في غير موضعه، وأخرجناه من قوم كانت دولتنا تقوم بهم، فما رأينا لقيس وفاء ولا شكرا. وصار عبد الله بن علي إلى نهر أبي فطرس (١) بعد أن غلب على دمشق، ووجه صالح بن علي بن عبد الله لمحاربة مروان، وعلى مقدمته عامر بن اسماعيل بن عامر بن نافع أحد بني مسلية بن عامر بن عمرو بن علة بن خلد، فحارب عامر بن اسماعيل مروان ببوصير فقتله. وقال الهيثم بن عدي: كان الذي قتل مروان مزاحم بن حسان الحارثي، وكان الكوثر الغنوي قد كاتب عامر بن اسماعيل فبلغ مروان ذلك، وهو في أول حد مصر فقتله. ويقال إن قوما من أصحاب مروان تيقنوا ذلك من فعل الكوثر فقتلوه وأتوا مروان برأسه، فقال: أبعده الله. وحمد القوم وقال فيهم خيرا. وقال قوم: إن عبد الله بن علي أتى مصر وذلك غير ثبت. وقال المدائني عن بعض أشياخه: نزل عبد الله بن علي بباب دمشق

стр. 3736

وبها الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان وكان مع مروان بالزابي، فلما صار مروان إلى دمشق خلّف بها الوليد، وسار إلى مصر لأن أهل دمشق لم يخالفوه. فحصرهم عبد الله بن علي، وقد أغلقوا أبوابها، ثم وقعت بينهم العصبية فسوّدت اليمانية، وفتحت الأبواب، فدخلها ابن علي والخراسانية فقتلوا كل مبيض، وأخذوا الوليد، فبعث به عبد الله إلى أبي العباس، فقتله وصلبه. ويقال بل وثبت به اليمانية فقتلوه، فبعث إلى أبي العباس برأسه، ويقال بل قتله ابن علي وبعث برأسه، والله أعلم. وقدم عبد الصمد بن علي من قبل أبي العباس في أربعة آلاف مددا لعبد الله بن علي، فوافاه بدمشق، وهدم عبد الله حائط دمشق، وصار إلى نهر أبي فطرس فسار صالح بن علي على نهر أبي فطرس إلى مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ومعه عامر بن اسماعيل المسلي، وأبو عون عبد الملك بن يزيد الأزدي، فيقال إن عبد الله وجّه صالحا، ويقال بل ولاه أبو العباس مصر وأمر ابن علي أن يقلده محاربة مروان ويتشاغل هو بأمور الشام حتى يحكمها، فعدل صالح من الرملة، فنزل ساحل البحر وجمع السفن وتجهز للقاء مروان وهو بالفرما من مصر، فجعل صالح يسير على الساحل والسفن بحياله حتى نزل العريش. وبلغ ذلك مروان فأحرق ما حوله من الأعلاف، وأخذ صالح بعض أصحابه ممن يحرق تلك الأعلاف فقتلهم بالفسطاط. ولما وافى صالح الفسطاط عبر مروان النيل وقطع الجسر، وقدّم صالح أبا عون وعامر بن اسماعيل فلقوا خيلا لمروان فهزموهم وأسروا بعضهم

стр. 3737

فسألوهم عن مروان فأخبروهم أنه في كنيسة ببوصير وقد جمع من بقي معه وضمّهم إليه فهم مطيفون به. وقال عامر بن اسماعيل: لقينا مروان ببوصير في السّحر، ونحن في عدة يسيرة لم يكن أصحابنا تلاحقوا بنا ولا تتامّوا إلينا، فشد أصحاب مروان إلينا فلجأنا إلى شجر ونخل هناك ولو يعلمون بقلّتنا لهلكنا، وذكرت أن بكير بن ماهان قال لي: أنت والله تقتل مروان، فكأني أسمعك تقول: دهاد يا جونكان (١) دهاد يا أهل خراسان. فاشتد قلبي فكررنا عليهم فانهزموا وحمل رجل على مروان فطعنه بسيفه وكان من أهل البصرة فقتله. وقال أبو الحسن: قتله محمد بن شهاب المازني من بني كابية بن حرقوص، واحتز رأسه فحمله إلى صالح بن علي، وكتب إلى عبد الله بن علي، ويقال إلى أمير المؤمنين أبي العباس بالفتح، وكان في كتابه: «إنا اتبعنا عدو الله الجعدي حتى ألجأناه إلى أرض عدو الله فرعون شبيهه في كفره، فقتله الله ببوصير». ثم رجع صالح إلى الفسطاط. وقال المدائني: يقال إنه طعن مروان رجل نحيف يكنى أبا العود، وهو لا يعرفه فصرعه، وصاح صائح: أمير المؤمنين. فابتدروه، فسبق إليه رجل كوفي كان يبيع الرمان فاحتز رأسه. ويقال أيضا إنه قتله مزاحم بن حسان الحارثي، ويقال بل قتله محمد بن شهاب بن عقبة بن شهاب المازني، وأخذ رأسه، فبعث به عامر إلى أبي عون، وبعث به أبو عون إلى صالح بن علي، وبعث به صالح إلى الخليفة، وهذا قول من قال أن صالحا كان من قبل أبي العباس.

стр. 3738

قال الهيثم: وكان يقال: إذا حملت مسلية الألوية دهت بني أمية الدويهية. قالوا: ولما نفض رأس مروان ونقب ليخرج دماغه قطع لسانه فأخذه هر، فقال صالح: لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلاّ لسان مروان في فم هر، لكان في ذلك عبرة وموعظة، ثم بعث برأسه وخاتمه مع يزيد بن هانئ الكندي إلى أبي العباس، وهو بالحيرة، فنصبه، وبعث به إلى خراسان. ولم يزل صالح على مصر حتى مات أبو العباس، وعصى عبد الله بن علي، وكان الحكم بن ضبعان بن روح بن زنباع من قبل عبد الله بن علي على فلسطين، فسرح إليه صالح: أبا عون، ومحمد بن الأشعث الخزاعي فهرب الحكم إلى بعلبك، فدل عليه بعد فأخذ وذلك في ولاية عبد الوهاب بن ابراهيم الإمام، ولم يخالف صالح المنصور حين هرب عبد الله بن علي، وكان متمسكا بطاعته غير متابع لعبد الله بن علي معصيته وخلافه، فلما انقضى أمره قدم فلسطين ومعه ليث بن سعد وابن لهيعة. وروي أن بنات مروان كنّ في كنيسة عليهن خادم يقوم بأمرهن، فخرج الخادم شاهرا سيفه وقال: إن مروان أمرني بقتل نسائه وبناته فمنع من ذلك، وأرادوا قتل الخصي فقال: إن قتلتموني ذهب ميراث النبي ﷺ ، قيل: وما ذاك؟. فدلهم على القضيب والبرد والقعب المخضّب، وكان مروان دفن ذلك أجمع في رمل في بعض المواضع لئلا يصير إلى بني العباس، وهذا خلاف قول من ذكر أن البرد اشتري من بعض النصارى. والله أعلم.

стр. 3739

أمر بني مروان بن محمد قالوا: لما التقى مروان وعامر بن اسماعيل ببوصير من أرض مصر، فاقتتلوا ليلا، وقف عبد الله وعبيد الله ابنا مروان في ناحية، في جمع من أهل الشام، فحمل عليهم أهل خراسان فأزالوهم عن موقعهم، ثم كروا عليهم فهزموهم حتى ردوهم إلى عسكرهم، وتفرق الناس عن عبد الله وعبيد الله حين قيل قد قتل مروان، وجعل أهل خراسان يقتلون من لحقوه من الفلّ فلم يكن لهما همة إلا الخلاص، فمضيا على وجوههما وذلك في السحر، وتفرق الشاميون في الرمال، فرجع أهل خراسان عنهم، فصار ابنا مروان إلى بلاد النوبة في عدة من أحشام أبيهما ومواليه وغيرهم، فأكرمهما صاحب النوبة وأجرى عليهما ما يصلحهما فأقاما بأرض النوبة شهرين، ثم أجمعا على إتيان اليمن فيمن معهما فنهاهما صاحب النوبة عن ذلك وقال: إني لا آمن عليكما الهلكة، فشكروه وساروا في بلاد العدو فدخلوا بلاد جاوة فلم يهجهم صاحبها وكان يبيعهم ملء القربة من الماء بخمسين درهما حتى أخذ منهم مالا كثيرا، ثم شخصوا عن بلاده فلقيهم بعض العدو فقاتلوه ونجوا فساروا فعرض لهم جبل بين طريقين، فسلك عبد الله - وقد باين أخاه لتنازع وقع

стр. 3740

بينهما - إحدى الطريقين، وسلك عبيد الله الطريق الأخرى فلم يلتقوا. وعرض لعبيد الله بعض العدو فقاتلهم بمن معه فسلبوهم ثم قتلوهم إلا جميعة لا يبلغ عددها الثلاثين، وقتل عبيد الله وأخذت ابنته أم الحكم وهي صبيّة، وبقي ممن معه قوم فكانوا يتنكبون العمران فهلكوا وهلكت دوابهم، وبلغ منهم العطش حتى شربوا أبوال دوابهم وأبوال أنفسهم إلى أن وصلوا إلى البحر، ووافاهم عبد الله بن مروان فكانوا خمسة وأربعين فيهم الحجاج بن قتيبة بن مسلم، فركبوا البحر وصاروا إلى مكة، فيقال إن العامل علم بهم فلم يعرض لهم، ويقال إنه لم يعلم بهم. وخرجوا مع الحجاج وعليهم عمائم غلاظ وجباب الأكرياء حتى مروا بقوم فرقّوا لهم فحملوهم. وفارق الحجاج بن قتيبة عبد الله بجدة، ثم أتى عبد الله بن مروان ومن معه تبالة بعد أن حج. قالوا: وأتى عبد الله بن مروان اليمن مستترا فأقام بها ما شاء الله، فدلّ عليه نصر بن محمد بن الأشعث الخزاعي، وكان واليا عليها من قبل أمير المؤمنين المنصور في آخر خلافته فأخذه وبعث به إلى المنصور فحبسه في القصر، فلما استخلف أمير المؤمنين المهدي أراد إخراجه إلى الشام ليخلع نفسه على منابر الشام لأن أباه كان ولاه عهده، وكان أبو العباس الطوسي على المدينة والمطبق والحبوس فبلغه ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين من أشار عليك بهذا الرأي؟ أأبو عبيد الله أم ابن رغبان أم أبو سمير؟. هذا رأي لا تؤمن عواقبه، أيدخل ابن مروان مدن الشام وله في أعناق أهلها بيعة؟ فيقال إن المهدي أراد تخلية عبد الله بن مروان، فقال له عيسى بن علي: يا أمير المؤمنين إن له في أعناقنا بيعة. فأمر به المهدي فثقل بالحديد وحوّل إلى المطبق، فلم يلبث أن مات.

стр. 3741

وكان أبو عبيد الله من أهل الشام وكذلك أبو سمير، وكان ابن رغبان مولى حبيب بن مسلمة الفهري شاميا، وهو صاحب المسجد ببغداد. حدثني حماد بن يعسل الوراق عن سلمويه أبي صالح قال: لما أقيم عبد الله بن مروان بين يدي المهدي - وكان عامل اليمن وجهه إلى أبي جعفر - فوافى فقال أبو جعفر: أيكم يعرف هذا؟ فتأمله عبد العزيز بن مسلم العقيلي فقال: آه أبا الحكم كيف كنت بعدي؟ نعم يا أمير المؤمنين هذا عبد الله بن مروان، فأمر به إلى المطبق فمات فيه. قالوا: وكان على عبد الله فصّ ياقوت أحمر يساوي ألف دينار، فكان يقول وهو يمشي: ليت لي به دابة أركبها. وقال بعض من كان مع عبد الله بن مروان: ما رأينا مثله، قاتل فكان أشد الناس، ومشى فكان أقواهم على المشي، وجاعوا فكان أصبرهم على الجوع. قالوا: وبلغ مروان وهو بمصر قتل من قتل بنهر أبي فطرس فبكى حتى كاد يموت. وقال بعض آل مروان: ما كان شيء أنفع لنا في هربنا من الجوهر الخفيف الثمن ما يساوي خمسة دنانير فما دون، كان يخرجه الصبي والخادم والامرأة فنبيعه، وكنا لا نستطيع إظهار الجوهر الثمين. وقال الحجاج بن قتيبة: كنت مع نصر بن سيار، فلحقت بمروان، فصرت معه فقال وهو هارب: لقد عزبت عنا عقولنا حين لم نزوج نساءنا الأكفاء من قريش فنكفى مؤونتهم في هذه الحال، وأخذ لي سلم بن قتيبة أخي الأمان فقال لي أمير المؤمنين: أكنت مع مروان؟. فقلت: كنت مع

стр. 3742

قوم خلطوني بأنفسهم فلم تحسن لي مفارقتهم، فقال: هذا الوفاء. وقيل إن المنصور - أو المهدي - دعا بعبد الله بن مروان فقال له: حدثني حديثك. فحدّثه فهمّ بتخليته، حتى قال عيسى بن علي فيه ما قال.

стр. 3743

ذكر من قتل من بني أمية وأتباعهم المدائني وغيره قالوا: جلس عبد الله بن علي للناس في خضراء دمشق، فدخلت عليه قريش وغيرها فتكلم يزيد بن هشام، وهو الأفقم فأطرى بني هاشم وذكر فضلهم وقال: أهل السؤدد والأمانة، وأطنب. ثم تكلم بنو أمية فأثنوا عليه ودعوا ومتّوا بالقرابة، فقال ابن علي: صدقتم وبررتم، إن قرابتكم لقريبة، وإن حقكم لواجب، أنتم أكفاؤنا وبنو عمنا ونحن أهل وراثتكم، وأنتم أهل وراثتنا لو كان الثاني متلائما. ثم قال: مالي لا أرى عتيق بن عبد العزيز بن الوليد فقيل له: ليس عنده ما تكرهه. فقال: إن أتاني ما بينه وبين ثالثة وإلا فلا أمان له عندي. فأتاه ثم إنه قتله بعد. ودعا عبد الله بالغداء، فتقدم من حضر إلا محمد بن عبد الملك فقال له: اقترب يا محمد. فقال: لست أطعم اليوم شيئا، فجعل عبد الله ينظر إليه، فلما فرغوا من الغداء وخرج الناس فقيل له: دعاك إلى الغداء فلم تفعل، وتكلم أصحابك ولم تتكلم، وقد نظر إليك نظرا شزرا، وقتله بعد.

стр. 3744

ودخل عليه حمزة بن الأصبغ بن ذؤالة الكلبي، وكان حمزة ممن شهد قتل زيد بن علي. فلما رآه تمثّل عبد الله: بسيف ابن عباس وسيف ابن زامل … بدت مقلتاها والبنان المخضّب ثم قتل حمزة بعد أن خرج مع السفياني، وأخذ ابن علي سليمان بن سليم بن كيسان فحبسه، وقدم قوم من كلب برأس الفياض بن عنبسة بن عبد الملك من البادية، قتل بها. وقتل عبد الله بن علي سليمان بن سليم وأخوته: كلثوما، ومسلما، ونصرا، وبشرا، وحمادا، وصدقة، ويونس بني سليم، وأخذ ابن علي بدمشق يزيد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك، وعبد الله بن عبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك فبعث بهما إلى أبي العباس فقتلهما بالحيرة، أو بعث برؤوسهما أو حمل ابن عبد الجبار فقط. وقتل عبد الله بن علي صالح بن عجلان الأفطس، مولى محمد بن مروان بن الحكم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان ينزل حران، وسالم الأفطس الذي يحدث عن ابن حبيب. وأمر عبد الله بن علي الضحاك بن زمل السكسكي بقتل بعض ولد نوح بن الوليد بن عبد الملك، وكان حين دعاه بلغه أنه يريده لذلك فكسر يد نفسه فلم يزل الضحاك أثيرا عند أبي العباس حتى مات ببغداد، فحضر المنصور دفنه وقام على قبره. وولى أمير المؤمنين أبو العباس عبد الله بن علي الصائفة سنة خمس وثلاثين ومائة، فتجهز وشخص، وأقبل أبان بن معاوية بن هشام يريده ليعترضه فوجه إليه حميد بن قحطبة فالتقوا، فانهزم أبان وأصحابه وانكشفوا

стр. 3745

وتحصنوا في حصن كيسوم (١)، فحصرهم حميد فطلبوا الأمان فأمنهم، وهرب أبان فدلّ عليه فأخذ في غار فقطع عبد الله يديه ورجليه وقتله، ومضى لوجهه. ويقال إنه كان في الغار أمه واخته وامرأته، فدلّ عبد الله عليه، فوجّه إليه أربعين رجلا فلما نذر بهم أراد قتالهم فمنعته أخته وأمه فاستسلم، فقطع عبد الله يديه ورجليه وحشمه وأطافه بالشام ثم حبسه فحلّ يديه حتى نزف ومات. وتحصن عبد الصمد بن محمد بن الحجاج بن يوسف في حصن، فبعث عبد الله من أخذه وأربعة عشر رجلا من آل أبي عقيل، ومع عبد الصمد سيف الحجاج فضرب به عنقه وأعناقهم. ويقال إن صالح بن علي أخذهم. وقتل ابن علي ذيخ (٢) قريش وهو أبو بكر بن عبد الملك، وقتل أبا القاسم بن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. المدائني عن أبي عاصم الزيادي قال: قال عبد الله بن علي بنهر أبي فطرس ومعه بنو أمية، خرجوا معه من دمشق، فأمر ألا يدخلوا عليه وعلى أحد منهم سيف، فانتزعوا سيوفهم، وأمر بالخيل فرتّبت حول الحجر، فلما دخلوا من باب المضرب عزلوا ناحية ونودي رجل رجل باسمه فدخل اثنان وسبعون رجلا، ويقال كانوا نيّفا وثمانين. وجاء حباش بن حبيب الطائي صاحب شرطة عبد الله بن علي، فأمر

стр. 3746

بهم فنزعت ثيابهم وكتّفوا فجعل أهل خراسان يشقّون أطراف اقبيتهم ويكتفونهم، فقال محمد بن عبد الملك: يا بني أمية اصبروا فهذا يومكم الذي كنتم توعدون، ولم تأخذوا له أهبته. فضربوا بالخشب والعمد والأيدي والأرجل حتى رضّوا جميعا. قالوا: ورأى خفاف بن منصور فرسا لسليمان بن داود بن عبد الله بن مروان فأعجبه فقال: لمن هذا الفرس؟ فأخبر مولى لسليمان سليمان بذلك، فبعث إليه بالفرس فقال: ما كنت لأقبله ولكن قل لصاحبك إحذر أصحابنا، فحضر يومئذ فقتل. وقتل الغمر بن يزيد وقد ذكرنا خبره، وقتل ابراهيم بن مسلمة بن عبد الملك. وبعث عبد الله بن علي إلى البلقاء من قتل سليمان بن يزيد بن عبد الملك أخا الوليد المقتول، وبعث عبد الله بالرؤوس إلى أبي العباس مع سلمة بن محمد الطائي، والوثيق بن زفر. وكتب إلى عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة وهو بدمشق: إذا ورد عليك الوثيق فاقتله واجعل رأسه مع الرؤوس، وانفذ بها سلمة بن محمد وجماعة معه يحفظونها، فإن بني أمية أرادوا نقض ما جعل الله لنا في أعناقهم فألحقتهم بأمهم الهاوية، والنار الحامية. وحدثني هشام بن عمار عن أبيه قال: لم يوجه عبد الله بن علي الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان حين أخذه بدمشق إلى أبي العباس، ولكنه بعث بأخيه زيد بن معاوية، فقتله أبو العباس وصلبه بالكوفة. وقتل ابن علي الوليد وبعث برأسه إلى امرأته، وهي ابنة مروان بن

стр. 3747

محمد، فقالت: والذي ابتلاني بقتله ما تبينت صورة وجهه قط، وقال المدائني: كان يقال إنه من فتيان قريش. وأما عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك فقتله صالح بن علي، دخل عليه وصالح يقرأ، ورجل يأخذ عليه في مصحف، فقال له: ما منعك من إتيان أمير المؤمنين؟ قال: كتاب أمير المؤمنين. فقال للذي كان يأخذ عليه: أطبق المصحف. وأمر به فضربت عنقه. وقتل أبو العباس سليمان بن هشام وقد كتبنا قصته وسبب قتله. وقتل أبو العباس زيد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان وصلبه بالحيرة. وقال هشام ابن الكلبي: قتل ابن علي بنهر أبي فطرس ثمانين أو نيفا وثمانين من بني أمية، فقال حفص بن أبي النعمان مولى عبيد الله بن زياد: أين روقا عبد شمس أين هم … أين أهل الباع منهم والحسب قل لمن يسأل عنهم إنهم … جثث تلمع من فوق الخشب احلبوا ما شئتم في صحنكم … فستلقون صرى (١) ذاك الحلب قال: ويقال لبني حرب بن أمية، وبني أبي العاص بن أمية: الروقان. والروق: القرن. وقال ابن الكلبي: صلب عبد الله بن علي عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان الذي كتبنا خبره بالبصرة. قال: ولما افتتح ابن علي دمشق أسر زيد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن عبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك، فبعث بهما

стр. 3748

إلى أبي العباس فصلبهما بالحيرة. وقتل أبو العباس سليمان بن هشام وابنه وصلبهما. قال: وقال أبو عدي العبلي من بني أمية: تقول أمامة لما رأت … سهادي لدى هجعة النّعّس أبي ما عراك فقلت الهموم … طرقن أباك فلا تبلسي لفقد العشيرة إذ نالها … سهام من الحدث الموئس رمتها المنون بلا نصّل … ولا طائشات ولا نكّس أفاض المدامع قتلى كرى … وقتلى بلوثة لم ترمس وقتلى بوجّ وباللاّبتين … من يثرب خير ما أنفس وبالزابيين نفوس ثوت … وقتلى بنهر أبي فطرس أولئك قومي أذاعت بهم … نوائب من زمن متعس أذلّت جبالي لمن رامها … وأنزلت الرّغم بالمعطس فما أنس لا أنس قتلاهم … ولا عاش بعدهم من نسي فقتله داود بن علي. وقال بعض الشعراء: تعسا أمية قد زلّت بكم قدم … فأصبح الملك من أيديكم نزعا ونالها من بني العباس مضطلع … بالحمل لو حمّلوها غيره ظلعا ميراث أحمد كانوا يلعبون به … يا ربّ محتصد غير الذي زرعا المدائني عن عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي قال: قال لي عبد الله بن علي: ما ترى فيمن قتلته من هؤلاء؟ قلت: أمنتهم ولم يكن ينبغي أن تقتلهم، قال: فما تقول فيمن قتلت ولم اؤمنه؟ قلت: لو لم تقتلهم كان

стр. 3749

أحبّ إليّ لك. قال: والله لو كان معنا ثالث من الناس ما رأيت الأحبّة. قالوا: وقتل داود بن علي بالمدينة عبد الرحمن بن عبد الجبار بن عبد الله بن عامر بن كريز. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي وغيره قالوا: كان اسماعيل بن عمرو بن العاص من عبّاد الناس وخيارهم وهو صاحب الأعوص (١) فقال عمر بن عبد العزيز: لو أن الأمر إليّ لوليتها القاسم بن محمد أو إسماعيل صاحب الأعوص، وعرض له داود بن علي فقيل ليست بك حاجة أن تفزع اسماعيل للدعاء عليك فتركه ولم يعرض له، وعرض لإسماعيل بن أمية بن عمرو بن العاص، ولأيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد فحبسهما بالمدينة. وروى ابن أبي سبرة وسليمان بن بلال عن اسماعيل صاحب الأعوص، وقيل لصاحب الأعوص ليالي قدم داود: لو تغيّبت. فقال: ولا طرفة عين. ولم يتغيب.

стр. 3750

أمر حبيب بن مرّة المريّ قالوا: وخرج حبيب بن مرة المري بحوران، فكتب ابن علي إلى أبي غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي، وعثمان بن سراقة البارقي، وهما بدمشق يأمرهما بالمسير إلى حبيب، فتوجها إليه فغدر أصحاب عبد الحميد به وتفرقوا عنه، وذلك لأنهم كانوا يمانية فقالوا: لم نكن لنقاتل إخواننا، فكسر ذلك سائر الجند فرجعوا إلى دمشق منهزمين، فلما رأى ذلك أهل دمشق بيّضوا وخلعوا، فأتاهم حبيب بن مرة فأحاط بالمدينة، فبعث أبو غانم سلمة بن محمد إلى باب الشرقي ومعه عبد الله الطائي فقاتلا أصحاب حبيب، وخرج أبو غانم من باب الفراديس فمضى، فقال سلمة: غدر أبو غانم، وقاتل سلمة حتى قتل وناس من أصحابه، وطلب أصحاب حبيب أبا غانم ففاتهم بنفسه وما معه من الأموال والأثقال. وأتى بيروت فنزلها، وكتب إلى عبد الله بن علي يخبره، فكتب ابن علي الى أشراف ربيعة واليمن يعدهم ويمنّيهم ويقول: إنكم أنصارنا مذ كانت هذه الدعوة. فاعتزلوا ورجعوا وخلّوا بينه وبين مضر.
следующие страницы →