بهم فنزعت ثيابهم وكتّفوا فجعل أهل خراسان يشقّون أطراف اقبيتهم ويكتفونهم، فقال محمد بن عبد الملك: يا بني أمية اصبروا فهذا يومكم الذي كنتم توعدون، ولم تأخذوا له أهبته. فضربوا بالخشب والعمد والأيدي والأرجل حتى رضّوا جميعا.
قالوا: ورأى خفاف بن منصور فرسا لسليمان بن داود بن عبد الله بن مروان فأعجبه فقال: لمن هذا الفرس؟ فأخبر مولى لسليمان سليمان بذلك، فبعث إليه بالفرس فقال: ما كنت لأقبله ولكن قل لصاحبك إحذر أصحابنا، فحضر يومئذ فقتل. وقتل الغمر بن يزيد وقد ذكرنا خبره، وقتل ابراهيم بن مسلمة بن عبد الملك.
وبعث عبد الله بن علي إلى البلقاء من قتل سليمان بن يزيد بن عبد الملك أخا الوليد المقتول، وبعث عبد الله بالرؤوس إلى أبي العباس مع سلمة بن محمد الطائي، والوثيق بن زفر.
وكتب إلى عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة وهو بدمشق: إذا ورد عليك الوثيق فاقتله واجعل رأسه مع الرؤوس، وانفذ بها سلمة بن محمد وجماعة معه يحفظونها، فإن بني أمية أرادوا نقض ما جعل الله لنا في أعناقهم فألحقتهم بأمهم الهاوية، والنار الحامية.
وحدثني هشام بن عمار عن أبيه قال: لم يوجه عبد الله بن علي الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان حين أخذه بدمشق إلى أبي العباس، ولكنه بعث بأخيه زيد بن معاوية، فقتله أبو العباس وصلبه بالكوفة.
وقتل ابن علي الوليد وبعث برأسه إلى امرأته، وهي ابنة مروان بن
стр. 3747
محمد، فقالت: والذي ابتلاني بقتله ما تبينت صورة وجهه قط، وقال المدائني: كان يقال إنه من فتيان قريش.
وأما عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك فقتله صالح بن علي، دخل عليه وصالح يقرأ، ورجل يأخذ عليه في مصحف، فقال له:
ما منعك من إتيان أمير المؤمنين؟ قال: كتاب أمير المؤمنين. فقال للذي كان يأخذ عليه: أطبق المصحف. وأمر به فضربت عنقه.
وقتل أبو العباس سليمان بن هشام وقد كتبنا قصته وسبب قتله.
وقتل أبو العباس زيد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان وصلبه بالحيرة.
وقال هشام ابن الكلبي: قتل ابن علي بنهر أبي فطرس ثمانين أو نيفا وثمانين من بني أمية، فقال حفص بن أبي النعمان مولى عبيد الله بن زياد:
أين روقا عبد شمس أين هم … أين أهل الباع منهم والحسب
قل لمن يسأل عنهم إنهم … جثث تلمع من فوق الخشب
احلبوا ما شئتم في صحنكم … فستلقون صرى (١) ذاك الحلب
قال: ويقال لبني حرب بن أمية، وبني أبي العاص بن أمية:
الروقان. والروق: القرن.
وقال ابن الكلبي: صلب عبد الله بن علي عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان الذي كتبنا خبره بالبصرة.
قال: ولما افتتح ابن علي دمشق أسر زيد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن عبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك، فبعث بهما
стр. 3748
إلى أبي العباس فصلبهما بالحيرة.
وقتل أبو العباس سليمان بن هشام وابنه وصلبهما.
قال: وقال أبو عدي العبلي من بني أمية:
تقول أمامة لما رأت … سهادي لدى هجعة النّعّس
أبي ما عراك فقلت الهموم … طرقن أباك فلا تبلسي
لفقد العشيرة إذ نالها … سهام من الحدث الموئس
رمتها المنون بلا نصّل … ولا طائشات ولا نكّس
أفاض المدامع قتلى كرى … وقتلى بلوثة لم ترمس
وقتلى بوجّ وباللاّبتين … من يثرب خير ما أنفس
وبالزابيين نفوس ثوت … وقتلى بنهر أبي فطرس
أولئك قومي أذاعت بهم … نوائب من زمن متعس
أذلّت جبالي لمن رامها … وأنزلت الرّغم بالمعطس
فما أنس لا أنس قتلاهم … ولا عاش بعدهم من نسي
فقتله داود بن علي.
وقال بعض الشعراء:
تعسا أمية قد زلّت بكم قدم … فأصبح الملك من أيديكم نزعا
ونالها من بني العباس مضطلع … بالحمل لو حمّلوها غيره ظلعا
ميراث أحمد كانوا يلعبون به … يا ربّ محتصد غير الذي زرعا
المدائني عن عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي قال: قال لي عبد الله بن علي: ما ترى فيمن قتلته من هؤلاء؟ قلت: أمنتهم ولم يكن ينبغي أن تقتلهم، قال: فما تقول فيمن قتلت ولم اؤمنه؟ قلت: لو لم تقتلهم كان
стр. 3749
أحبّ إليّ لك. قال: والله لو كان معنا ثالث من الناس ما رأيت الأحبّة.
قالوا: وقتل داود بن علي بالمدينة عبد الرحمن بن عبد الجبار بن عبد الله بن عامر بن كريز.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي وغيره قالوا: كان اسماعيل بن عمرو بن العاص من عبّاد الناس وخيارهم وهو صاحب الأعوص (١) فقال عمر بن عبد العزيز: لو أن الأمر إليّ لوليتها القاسم بن محمد أو إسماعيل صاحب الأعوص، وعرض له داود بن علي فقيل ليست بك حاجة أن تفزع اسماعيل للدعاء عليك فتركه ولم يعرض له، وعرض لإسماعيل بن أمية بن عمرو بن العاص، ولأيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد فحبسهما بالمدينة.
وروى ابن أبي سبرة وسليمان بن بلال عن اسماعيل صاحب الأعوص، وقيل لصاحب الأعوص ليالي قدم داود: لو تغيّبت. فقال:
ولا طرفة عين. ولم يتغيب.
стр. 3750
أمر حبيب بن مرّة المريّ
قالوا: وخرج حبيب بن مرة المري بحوران، فكتب ابن علي إلى أبي غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي، وعثمان بن سراقة البارقي، وهما بدمشق يأمرهما بالمسير إلى حبيب، فتوجها إليه فغدر أصحاب عبد الحميد به وتفرقوا عنه، وذلك لأنهم كانوا يمانية فقالوا: لم نكن لنقاتل إخواننا، فكسر ذلك سائر الجند فرجعوا إلى دمشق منهزمين، فلما رأى ذلك أهل دمشق بيّضوا وخلعوا، فأتاهم حبيب بن مرة فأحاط بالمدينة، فبعث أبو غانم سلمة بن محمد إلى باب الشرقي ومعه عبد الله الطائي فقاتلا أصحاب حبيب، وخرج أبو غانم من باب الفراديس فمضى، فقال سلمة: غدر أبو غانم، وقاتل سلمة حتى قتل وناس من أصحابه، وطلب أصحاب حبيب أبا غانم ففاتهم بنفسه وما معه من الأموال والأثقال. وأتى بيروت فنزلها، وكتب إلى عبد الله بن علي يخبره، فكتب ابن علي الى أشراف ربيعة واليمن يعدهم ويمنّيهم ويقول: إنكم أنصارنا مذ كانت هذه الدعوة. فاعتزلوا ورجعوا وخلّوا بينه وبين مضر.
стр. 3751
وخرج أهل دمشق، وهم زهاء ثمانين ألفا، فعسكروا يريدون قتال عبد الله بن علي، فلما نزعت اليمانية والربعية عن الحرب رجعوا وانكسروا.
وأتى عبد الله بن علي دمشق فكلّم فيهم. وقيل إنه لم يكن لهم ذنب فأمنهم، ثم ارتحل في المحرم سنة ثلاث وثلاثين إلى حبيب بن مرة بحوران، فالتقوا فهرب حبيب إلى البادية ويقال بل هرب حين شارف ابن علي.
وفتح عبد الله حوران، ودخلها لعشر بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وقدم على عبد الله بن علي محمد بن خالد القسري، ومعن بن زائدة بفتح واسط، وقتل يزيد بن عمر بن هبيرة، ورجع أبو غانم بما حمل إلى دمشق، ودسّ لحبيب فقتل.
وكان قتل مروان بن محمد في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وله تسع وستون سنة، فكانت ولايته خمس سنين.
تمّ أمر آل أبي العاص
стр. 3752
ولد أبي عمرو بن أمية
ولد أبو عمرو بن أمية:
أبا معيط، واسمه أبان، وأمه آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة.
ومسافر بن أبي عمرو.
وكميم بن أبي عمرو. ولا عقب لكميم.
وأبا وجزة واسمه تميم.
وزينب، وصفيّة، أمهم ريطة بنت الحويرث. ثقفيّة.
وقال أبو اليقظان: يزعمون أنه عبد كان يسمى ذكوان، فاستخلفه أمية فكناه أبا عمرو فخلف على آمنة بعد أمية، وقال: بمكة دار نسبت إلى كميم ولا عقب له.
فأما أبو وجزة فله عقب ولهم أموال بالبصرة.
وأسر الحارث بن أبي وجزة يوم بدر، وسمعه عمر بن الخطاب بعد ذلك يمدح خالد بن الوليد فقال له: يا بن أبي وجزة لا يسمعنّ هذا خالد منك فإنه يحب الفخر، وحبّ الفخر مفسدة في الدين.
وأما مسافر بن أبي عمرو
فكان من فتيان قريش جمالا وسخاء وشعرا، وكان نديما لأبي طالب بن عبد المطلب، وكان أتى الحيرة حين اتّهم بامرأة
стр. 3753
يقال لها هند هاربا فأصابته الدّبيلة (١) من شربه الخمر صرفا، ويقال لما ناله من الأسف إذ لم ينلها، فكواه رجل فضرط الكاوي فقال مسافر: قد يضرط العير والمكواة في النار.
ثم خرج متوجها إلى مكة فمات بهبالة (٢)، فقال أبو طالب حين جاءهم نعيه:
ليت شعري مسافر بن أبي … عمرو وليت يقولها المحزون
رجع الركب سالمين جميعا … وخليلي في مرمس مدفون
بورك الميت الغريب كما بو … رك صنو الريحان والزيتون
ميت صدق على هبالة قد حالت … فياف من دونه وحزون
مدره (٣) … يدفع الخصوم بأيد
وبوجه يزينه العرنين
ربّ خال رزئته وابن عمّ … وخليل أتت عليه المنون
فتعزّيت بالجلادة والصّبر … وإني بصاحبي لضنين
ويقال إن هذا الشعر لضرار بن عبد المطلب، والثبت أنه لأبي طالب.
وزعم قوم أنه كان قد زوّج هذه المرأة فلم تهد إليه، وكان بينهما شيء فهرب إلى الحيرة.
وقال مسافر حين زوّجت:
стр. 3754
ألا إنّ هندا أصبحت منك محرما … وأصبحت شيخا من حموّتها حما
وأصبحت كالمسلوب جفن سلاحه … يقلّب بالكفّين قوسا وأسهما
ولما مات مسافر نادم أبو طالب عمرو بن عبد ودّ، فلما بارزه علي ﵇ قال له: إن أباك كان لي صديقا.
وقال مسافر:
غشيت الدار موحشة … فلم تؤنس بها أحدا
عفت آياتها إلا … أواريّا (١) ومنتضدا
وأشعث ماثلا خلقا … وسعفا حوله ركدا
لهند إنّ ذكراها … يهيج لقلبك الكمدا
ملكت فاسحجي وعدي … ومنّينا غدا فغدا
فإنّا معشر أنف … نقيم الدّرء والصّيدا
ورثنا المجد عن آبائـ … ـنا فسموا بنا صعدا
وقال مسافر لأبي أحيحة:
تمّت إلى الأقصى بثديك كله … وأنت على الأدنى صروم مجدّد
فإنك لو أصلحت من أنت مفسد … تودّدك الأقصى الذي تتودّد
أخوك الذي إن تجن يوما عظيمة … يبت ساهرا إذ سائر الناس رقد
وإنّ ابن عم المرء يحمي ذماره … ويمنعه حين الفرائص ترعد
وقال عمارة بن عقبة:
خلق البيض الحسان لنا … وجياد الرّيط والأزر
كابرا كنا أحقّ به … حين صيغ الشمس القمر
стр. 3755
فقال مسافر:
أعمار بن الوليد وقد يـ … ـذكر الشّعار من ذكره
هل أخو كاس مخفضها … وموقّ صحبه شكره
ومحيّيهم إذا شربوا … ومقلّ فيهم هذره
خلق البيض الحسان لنا … وجياد الرّيط والحبره
كابرا كنا أحقّ به … كلّ حيّ تابع كبره
وقال مسافر يهجو سعيد بن العاص أبا أحيحة:
فنحن البيض أشبهنا قصيا … وأنتم شبه أستاه (١) المزاد
نسبه إلى السواد.
وقال أبو اليقظان: مات مسافر بالحيرة، وموته بهبالة أثبت،
وكان
عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية
مطعاما للطعام. قال الشاعر:
من سرّه شحم ولحم داهن … فليأت جفنة عقبة بن أبان
وقال ضرار بن الخطاب:
عين بكّي لعقبة بن أبان … قرم فهر وفارس الفرسان
وكان عقبة من أشد الكفار على رسول الله ﷺ ، وأسر عقبة يوم بدر فأمر عليا فقتله صبرا بعرق الظبية، وقد كتبنا خبره في أول كتابنا.
وكانت لأبي معيط ابنتان: حكيمة وصفية وأمهما سالمة بنت أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي.
فولد عقبة بن أبي معيط:
الوليد بن عقبة.
وخالد بن عقبة. وهشام بن عقبة. وعمارة. وأم
стр. 3756
كلثوم، وأم حكيم، أمهم أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.
وأبان بن الوليد. ويعلى بن الوليد. وعثمان.
فأما أم كلثوم فكان رسول الله ﷺ يخرجها معه في المغازي فتداوي الجرحى ويضرب لها سهما، وصافح رسول الله ﷺ يدها بيده وبين يدها ويده ثوب، وخطبها إلى عثمان على زيد بن حارثة مولاه فتكرّه ذلك عثمان وأباها فأخبرها فقالت: لو أمرني رسول الله ﷺ أن أتزوج زنجيا عظيم المشافر محدّد الأسنان لفعلت. فتزوجها زيد فقتل عنها، فتزوجها عبد الرحمن بن عوف الزهري، فهلك عنها، فتزوجها الزبير بن العوام، ثم طلقها الزبير فتزوجها عمرو بن العاص وكانت معه بمصر.
وحدثني مصعب بن عبد الله قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة إلى المدينة في الهدنة بين رسول الله ﷺ وقريش، فأراد أن يردها فقالت: أتردّني يا رسول الله إلى المشركين فيفتنوني عن ديني؟ فأنزل الله : ﴿إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ (١) الآية. فلم يدفعها وزوّجها زيد بن حارثة.
وولى عثمان الوليد الكوفة فشهد عليه بشرب الخمر فحدّ، وقد كتبنا خبره، وكان يكنى أبا وهب، وكان النبي ﷺ بعثه إلى بني المصطلق مصدقا فأتاه فقال: منعوني الصدقة كاذبا، فأمر رسول الله ﷺ بغزوهم فنزلت:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (٢).
стр. 3757
ووقع بين الوليد وبين علي بن أبي طالب كلام في أمر هذه الدعوة التي ادّعاها على بني المصطلق أو غير ذلك فقال: لأنا بالكتيبة وأضرب لهامة البطل المشيح منك. فأنزل الله : ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ (١).
وتوفي رسول الله ﷺ وهو وال على عمل كان ولاّه إياه، ولما استخلف عمر بن الخطاب ولاه صدقة تغلب فقال وكان شاعرا:
إذا ما شددت الرأس مني بمشوذ (٢) … فويلك مني تغلب ابنة وائل
فعزله. وكان جوادا سخيا. وفيه يقول أبو زيد الطائي:
بحمد الله ثم فتى قريش … أبي وهب غدت غلبا غرارا
وقال الحطيئة:
أبى لابن أروى خلّتان اصطفاهما … قتال إذا يلقى العدو ونائله
فتى يملأ الشيزي ويروي بكفه … سنان الردينيّ الأصمّ وعامله (٣)
وغزا الوليد أيام ولايته الكوفة آذربيجان فصارت إليه جارية خزرية، فقالت له يوما ورأت فرسا جوادا: احملني على هذا الفرس. ففعل، فركضت ومضت فلم تلحق، وكانت حاملا فجاء فتى إلى ولد الوليد فادعى أنه ابن الوليد من الخزرية، وذكر أنه نشأ بالباب والأبواب من أرمينية، فأنكروه ونفوه فكان يسمّى الدعيّ، واسمه الحارث، ويقال عقبة. فقال لعمرو بن الوليد المعروف بأبي قطيفة:
стр. 3758
يا عمرو يا بن أبي تلافوا أمركم … حتى متى ترمي بي الرجوان
يا ليت حظي من تراث أبيكم … أن ترفعوا لي نسبتي ومكاني
وقال الحارث الدعيّ ليعلى بن الوليد بن عقبة:
كأنّ على مفارق رأس يحيى … خنافس موّتت زمن البطاح
وللوليد أشعار كتبناها في مواضع من هذا الكتاب، ولما احتضر قال وهو بالبليخ: «اللهم إن كان أهل الكوفة صدقوا عليّ فلا تلقّ روحي روحا ولا ريحانا، وإن كانوا كذبوا علي فلا ترضهم بأمير، ولا ترض عنهم أميرا، وانتقم لي منهم، واجعل قولهم كفّارة لما لا يعلمون من ذنوبي».
وزار الوليد معاوية بالشام فقال له: يا أبا وهب ألست أكثر قريش مالا؟ قال: بلى. قال: فخرج وأنشأ يقول:
أعفّ وأستغني كما قد أمرتني … فأعط سوائي ما بدا لك وابخل
سأصرف عنك الرّكز إن سجيتي … إذا رابني ريب كسلّة منصل
وإنّي امرؤ في الدار مني تطرّب … وليس شبا قفل عليّ بمقفل
ثم أتى الرقة فمات بها، وقال بعضهم: نزل الوليد بالرقة فلم يأت صفين.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: اعتزل الوليد علي بن أبي طالب ومعاوية، وأقام بالرقة حتى مات بها أو بالبليخ.
وقال أبو اليقظان: أعجبته البليخ فقال: منك المحشر فمات بالبليخ.
وولد الوليد بن عقبة: عمرا، كان يكنى أبا قطيفة وكان شاعرا.
وقال مصعب: كني أبو قطيفة بهذه الكنية لأنه كان كثير شعر الرأس
стр. 3759
والوجه والجسد (١)، وسيّره ابن الزبير من المدينة إلى الشام مع بني أمية فقال:
ليت شعري وأين مني ليت … هل على العهد يلبن فبرام (٢)
أم كعهدي البقيع أم بدّلته … بعدنا المعصفات والأيام
خشية أن يصيبهم حدث الدهـ … ـر … وحرب يشيب منه الغلام
وبقومي بدّلت كلبا ولخما … وجذاما وأين مني جذام
وقال أبو قطيفة:
بكى أحد إن فارق اليوم أهله … فكيف بذي وجد من القوم آلف
من اجل أبي بكر جلت عن بلادها … أمية والأعلام عوج عواطف
وذكره ابن القلمّس الكناني فعابه عند عبد الملك فقال:
أنبئت أنّ ابن القلمّس عابني … ومن ذا من الناس البريء المسلّم
تبيّن سبيل الرشد سيد قومه … فقد يبصر الرشد الرئيس المعمّم
فمن أنتم إنّا نسينا من أنتم … وقد جعلت أشياء تنسى وتكتم
فولد عمرو بن الوليد وهو أبو قطيفة: ذا الشامة، وهو محمد، وأمه ابنة أسماء بن خارجة، وكان صاحب قرآن، ومن قرآنه ﴿إِنَّ الباقر تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ (٣) وكان به شامة، وولاه مسلمة بن عبد الملك الكوفة، فرماه أهلها بالزندقة، وقدم ذو الشامة على يوسف بن عمر، فأمر له بألف دينار فردّها وقال:
قد قلت حين تيمّمت … وبدا لها قصد السبيل
стр. 3760
قبح الإله قرابة … ترجى من آل أبي عقيل
قوم إذا ما جئتهم … بالحقّ والنسب الأصيل
لم يرغبوا أو يرهبوا … يوما رجعت بلا فتيل
وإذا أردت نوالهم … منهم فيعدل ألف ميل
وأما خالد بن عقبة:
فاستقضاه مروان بن الحكم على المدينة في أيام معاوية، فوثب غلمان لسعيد بن عثمان عليه فقتلوا سعيدا، فقال عبد الرحمن بن سيحان حليف بني أمية:
يلومونني في الدار إن غبت عنهم … وقد فرّ عنهم خالد وهو دارع
وقال خالد:
لعمري لقد أبصرتهم فتركتهم … بعينيك إذ ممشاك في الدار واسع
فولد خالد: خالدا ولقّب أجيح، ويكنى أبا العباس، وفيه يقول عبد الله بن الحجاج الغطفاني:
كأني إذ دخلت على أجيح … دخلت على مقوقية تبيض
إوزّة غيطة لقحت كشافا … لقحقحها إذا ربضت نقيض (١)
فإن يعرض أبو العباس عني … ويرمي بي عروضا عن عروض
ويجعل ماله بخلا لغيري … ويبغضني فإني من بغيض
فإن بمصر عبد الله يأسو … ويجبر عظم ذي الكسر المهيض
عبد الله هو ابن عبد الملك بن مروان.
стр. 3761
ومن ولد خالد بن عقبة:
هشام.
ولي الصائفة زمن الوليد بن عبد الملك وفي الجيش عمر بن عبد العزيز.
قالوا: ولما خرج مروان بن الحكم من المدينة قال خالد بن عقبة:
فوالله ما أدري وإني لسائل … تعاجزت يا مروان أم أنت عاجز
فررت ولمّا تغن شيئا وقد ترى … بأن سوف ينثو (١) الفعل حاد وراجز
فأجابه عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص فقال:
أخالد أكثرت الملامة والأذى … لقومك لما هزهزتك الهزاهز
أخالد إنّ الحرب عوصاء مرّة … لها كفل ناب عن الكفل ناشز
يعجز مولاك الذي لست مثله … وأنت بتعجيز امرئ الصدق عاجز
هو المرء يوم الدار لا أنت إذ دعا … إلى الموت يمشي حاسرا من يبارز
وقال ابن الكلبي: نزل خالد الجزيرة، فولده بها اليوم.
قال: وأبو قطيفة الذي يقول:
ألا ليت شعري هل تغير بعدنا … بقيع المصلّى أو كعهدي القرائن
أم الدور أكناف البلاط عوامر … كما كن أم هل بالمدينة ساكن
لعل قريشا أن تريع حلومها … ويزجر بعد الشّؤم طير الأيامن
وأما عمارة بن عقبة بن أبي معيط، فإنه كان مقيما بالكوفة، وبها ولده، وله يقول أخوه الوليد بن عقبة:
فإن يك ظنّي يا بن أمي صادقا … عمارة لا لا تطلب بذحل ولا وتر
وقد ذكرنا هذا الشعر في موضع آخر.
стр. 3762
ومن ولده:
أم أيوب، وأم نافع، أمهما ابنة هانئ بن قبيصة. فأما أم أيوب فكانت عند عبيد الله بن زياد، وكانت أم نافع عند زياد بن أبي سفيان.
وقال ابن الكلبي: ولى عبد الملك أبان بن الوليد بن عقبة حمص وقنسرين، وولى عثمان بن الوليد بن عقبة أرمينية.
وقال ابن الكلبي: كان الذي ذهب برأس يزيد بن المهلب إلى الشام خالد بن خالد بن الوليد بن عقبة. وقال ابن الكلبي:
ولد هشام بن الوليد:
معاوية.
فولد معاوية: هشام بن معاوية بن هشام بن الوليد، وهو أبو يعيش. ولي الصوائف في زمن الوليد بن عبد الملك.
قال ابن الكلبي: قدم عقفان بن قيس بن عاصم، أو متمم بن نويرة المدينة، فنزل على أروى بنت كريز فأكرمته فقال:
خلّف على أروى سلاما فإنما … جزاء الثواء أن تعفّ وتحمدا
سلاما أتى من وامق غير عاشق … أراد رحيلا ما أعفّ وأمجدا
وكان جساس المعيطي من ولد عمارة، ويكنى أبا الوليد، واسمه عمارة، شيخا ما جنا تملأ لحيته صدره، وكان يخضب، فمرّ ومعه صديق له بين منازل أبي معيط فقال لصديقه: ما أشد الحرّ يا أبا الوليد. قال: أو ما تعلم أنك بين منازل الصبية الذي أوجب لهم رسول الله ﷺ النار؟.
ورأى امرأة قد ضربت الحدّ، وقد حملت على حمار، وهي تنادي على نفسها: من رآني فلا يزني. فدنا منها ثم قال: أي زانية، إنك إذا لمطاعة.
стр. 3763
ومرّ بخمر قد صبّت، وطنبور قد كسر، فقال: اللهم غيّر ما ترى.
وبات مع قوم من أهل الكوفة، فلما ناموا قام إلى غلام له ملتح ليفسق به، فلم يخلّ بينه وبين ذلك، وقال له: أما تستحي من الناس، ثم صار إلى غلام له آخر فطاوعه على ما أراد، فلما أصبح اشترى أثوابا فجعل يقطع لنفسه منها ثوبا ولغلامه الذي طاوعه ثوبا، فقال له الغلام الذي التوى عليه: فأنا مالي؟ قال: أنت يا بني تتكلم في النوم.
قال ابن الكلبي: وكان يقال للوليد بن عقبة: الأشعر بركا، وكان كثير شعر الصدر والجسد، والبرك: الصدر.
وقال الكلبي: كان سعيد بن عبد العزيز بن خدينة على خراسان من قبل مسلمة، وكان مقيما بهراة فيما ذكر بعضهم، وكان عبد الملك بن بشر بن مروان من قبله على البصرة. وكان ذو الشامة محمد بن عمرو أبي قطيفة بن الوليد بن عقبة من قبله على الكوفة. فقال الفرزدق حين عزل مسلمة:
عزل ابن عمرو وابن بشر قبله … وأخو هراة لمثلها متوقع (١)
قال الحرمازي: قال هراة ولم يقل خراسان لضرورة الشعر.
стр. 3764
ومن بني سفيان بن أمية الأكبر بن عبد شمس
حكيم بن طليق بن سفيان بن أمية
وكان من المؤلفة قلوبهم، أعطاه رسول الله ﷺ يوم حنين مائة من الإبل. وكان لسفيان ابن يقال له:
المهاجر، فهلك.
وكان سفيان أحد من تعلم الخط العربي من بشير أخي أكيدر السكوني في الجاهلية، وعلّمه غيلان بن سلمة الثقفي، وله ابنة تزوجها المغيرة بن زياد بن سميّة، ويقال زياد نفسه، فدرج عقب سفيان.
وقال الكلبي: كان لسفيان من الولد لصلبه:
طليق، والحارث، وحمنة، وهي أم سعد بن أبي وقاص.
- ومن بني أبي سفيان بن أمية:
سفيان بن أمية بن أبي سفيان بن أمية
الذي ذهب بموت علي بن أبي طالب إلى الحجاز. ولا عقب له.
стр. 3765
وأما عمرو بن أمية
فولد:
يزيد. وأمه أم قتال بنت عبد الله بن الحارث بن زهرة. درج ولا عقب لعمرو بن أمية.
وأما أبو حرب بن أمية
فلا عقب له.
стр. 3766
ولد حبيب بن عبد شمس
وأما حبيب بن عبد شمس فولد:
ربيعة. وأمه فاطمة بنت الحارث بن شجنة.
وقال أبو اليقظان: أمه فاطمة بنت عدّ بن أبي الحارث من عدوان.
وسمرة بن حبيب
لأم ولد سوداء يقال لها ربيبة. وأخوه لأمه أبو جمعة جدّ كثّير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة الشاعر.
وعمرا، وأمه من بني سهم.
فأما سمرة بن حبيب فولد: عمرا. وأمه ريطة بنت عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم.
وعبد الرحمن بن سمرة
وأمه كنانية.
فأما عمرو بن سمرة فقطعه النبي ﷺ في سرقة. وولده ينزلون البصرة، منهم: معاوية بن معاوية السمري. أمه من ولد زياد بن سميّة.
وكان من وجوه قريش وذوي المروءة منهم، وهلك بالبصرة وله عقب.
وأما عبد الرحمن بن سمرة فكان يسمى عبد كلال. فسماه رسول الله
стр. 3767
ﷺ عبد الرحمن، وقال له النبي ﷺ : «يا عبد الرحمن لا تطلب الإمارة فإنك إن أتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أتيتها عن مسألة وكلت إلى نفسك فيها».
وكانت له صحبة للنبي ﷺ ، وولاه عبد الله بن عامر سجستان فافتتحها. وكان متواضعا فإذا كان اليوم المطير أخذ مسحاة وكسح الطريق.
وافتتح كابل، ونزل البصرة، وبنى بها منزلا على بناء كابل، وقد حدّث عنه، ومات بالبصرة فحضر جنازته أبو بكرة، فسمع قائلا يقول:
رويدكم بالجنازة فعلاه بسوطه وقال: لقد كنا نهرول بها على عهد رسول الله ﷺ هرولة.
- فولد عبد الرحمن:
عبيد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سمرة،
وكان أعور، وكان من رجال قريش، وكان مع عبد الملك بن مروان، فلما خرج عبد الرحمن بن الأشعث خرج معه ابناه فقال لعبد الملك: ائذن لي حتى أخرج فأردّ ابني، فأذن له فلحق بابن الأشعث فولاه البصرة. وقال فيه الشاعر:
يا أعور العين فديت العورا … لا تحسبنّ الخندق المحفورا
يدفع عنك القدر المقدورا
ثم هرب فأتى خراسان فقال المثنى بن عبيد الأزدي:
وتثعلب الروّاض بعد مزاحه … وانسلّ بين غرارتين الأعور
الرواض: عبد الرحمن بن العباس الهاشمي، من بني الحارث بن عبد المطلب، وكان يركب البغال فيروّضها.
стр. 3768
ولما بلغ الحجاج أنه بخراسان تخوّف أن يؤمنه عبد الملك، فبعث إلى قتيبة بخرقة وقطنة وتراب وزبيبة فقال قتيبة: يأمرني أن أقتل ابن زبيبة وهذا كفنه ولباسه في تربته. فأخذه فقتله. وزبيبة أم سمرة.
وقتل الحجاج ابنه عتبة بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بواسط، وهو صاحب درب ابن سمرة بالبصرة.
وكان ولد عبيد الله: أبا بكر وهو عتبة، وعثمان، وكانا خرجا مع ابن الأشعث. ولأبي بكر عقب بالبصرة.
وأما ربيعة بن حبيب بن عبد شمس
فولد: كريزا وأمه خزاعية.
فولد كريز: عامر بن كريز. وآمنة، وأروى. وأم طلحة وهي أرنب. أمهم البيضاء بنت عبد المطلب، وهي أم حكيم.
والحارث لأم ولد سوداء، وشهل بن كريز، وعبيس بن كريز، أمهما من عبد القيس، ويقال أم ولد.
وفاختة. أمها هند بنت جدعان أخت عبد الله بن جدعان.
فأما أروى فتزوجها عفّان بن أبي العاص بن أمية، فهي أم عثمان بن عفان. ثم خلف عليها عقبة بن أبي معيط.
وأما أم طلحة وهي أرنب فتزوجها عامر بن الحضرمي.
وأما آمنة فتزوجها الحكم بن كيسان حليف بني المغيرة، ثم عبد الله بن أبي سعيد، أو سعيد حليف بني أمية بن المغيرة.
وأما فاختة فتزوجها أبو العاص بن نوفل بن عبد شمس.
وأما عامر بن كريز فكان مضعوفا، وأتى عبد المطلب فمسّه فقال:
وأعظم هاشم، ما ولد في بني عبد مناف مولود أحمق منه. وفيه تقول أم
стр. 3769
حكيم:
إذا ذكّرت أمرك عام عندي … أبيت بليلة وصلت بشهر
فلم تشبه أباك ولا أبانا … ولكن أنت هذر غير صفر
فلم آتيه سائلة لشيء … ولا أدعو له أبدا بغفر
فولد عامر: عبد الله. وأم رافع. أمهما: دجاجة بنت أسماء بن الصّلت بن حبيب بن حارثة بن سماك السّلمي، وأمها: أميمة بنت الأخنس سلمية.
وأبا الصهباء. أمه رومية.
فأما أم رافع فتزوجها عبد الله بن الأسود بن عوف الزهري.
وأما أبو الصهباء فكانت عنده أم حبيب بنت زياد، فولدت له، وله عقب بالبصرة.
وأما عبد الله بن عامر (١) بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس،
فإن أباه عامر أتى به النبي ﷺ فحنّكه، وقال: هذا أشبه بنا منكم فتثاءب فتفل في فيه فازدرد ريقه، فقال النبي ﷺ : إني لأرجو أن يكون مسقيّا.
وكان يكنى أبا عبد الرحمن، واستعمله عثمان بن عفان على البصرة وأعمالها، فافتتح اصطخر، وجور، وكورا من فارس، وخراسان وسجستان، وكابل، واتخذ النباج (٢) في طريق مكة، وغرس بها نخلا وحفر آبارا وعمر منازل واتخذ حياضا، واتخذ بعرفات حياضا وسقايات، واتخذ بالبصرة بالنجيب قصرا يعرف بقصر ابن عامر، وحفر بالبصرة نهرين
стр. 3770
أحدهما في السوق والآخر الذي يعرف بأم عبد الله، وغرس عليهما غراسا كثيرا.
وأمر ابن عامر زيادا - وقد استخلفه على البصرة - أن يحفر نهر الأبلّة فحفره.
وكان ابن عامر مسقيا لو مسّ صخرة لأماهها - أي أخرج منها الماء - وقال ابن عامر: لو كنت تركت لخرجت المرأة في حداجها على دابتها، ترد كل يوم على ماء، وسوق حتى ترد مكة.
وكان ابن عامر أجود العرب وأسخاهم وأكرمهم. أعطى في ولاية البصرة أربعة وثمانين ألف ألف درهم أجاز بها.
وسأل الوليد بن عقبة مروان وهو على المدينة فأعطاه عشرة آلاف درهم فلم يقبلها، ومر بالمغيرة بن شعبة فأعطاه عشرين ألفا على يد ابنه عروة، وأما ابن عامر فشكا إليه دينه فقضاه عنه، وكان دينه مائة ألف، ووهب له مائة ألف أخرى. فقال:
ألا جعل الله المغيرة وابنه … ومروان نعلي بذلة لابن عامر
لكي يقياه الحرّ والقرّ والأذى … ولدغ الأفاعي واحتدام الهواجر
يفيض الفرات للذين يلونه … وسيبك مالي كل باد وحاضر
وكان يقال: أفلح سائل ابن عامر. وقال الراجز لابنه عبد الأعلى:
يا بن الذي أفلح عفوا سائله … وأنجحت لما أتى وسائله
المدائني عن مسلمة عن الجارود بن أبي سبرة قال: أحرم عبد الله بن عامر من نيسابور شكرا لله، فأحدث السقايات بعرفات وعمّر النباج، قال: فالنباج يعرف بنباج ابن عامر.
стр. 3771
وقال أبو السنابل بن عبد الله:
أنا ابن مصدّر الحجاج ريّا … بمائهم وألبان اللقاح
وكان إذا أصاب الناس جهد … يباري الريح من فضل السماح
فلما قتل عثمان أتى مكة فقدم مع طلحة والزبير وحضر يوم الجمل فقتل ابنه عبد الرحمن، ثم لحق بدمشق فقال الشاعر:
أتاني من الأنباء أن ابن عامر … أناخ وألقى في دمشق الرواسيا
فلما ولي معاوية الخلافة، ولى عبد الله بن عامر البصرة وأعمالها، وكان عقده عليها بالنخيلة بالكوفة، وزوج معاوية ابن عامر هند ابنة معاوية، وكانت ولايته لمعاوية خمس سنين، ثم عزله معاوية واستعمل الحارث بن عبد الله الأزدي، ثم استعمل زيادا فتحامل على ابن عامر.
ثم ولى عبيد الله بن زياد فأضرّ به في مواليه وأمواله ودوره وأنهاره، ثم أتى مكة فمات بها ودفن بعرفات، وأوصى الى ابن الزبير.
وقال الواقدي: لما فتح رسول الله ﷺ مكة أتي بعبد الله بن عامر وهو ابن خمس أو ست فقال: «إن شبهنا لفيه. وتفل في فمه وقال: لو أنه قدح حجرا أماهه».
قالوا: قدم الأحنف البصرة من خراسان على فرسه الذي أبدى عليه وبغله الذي عليه ثقله إلا أن معه شيئا سوى ذلك أتى به ابن عامر فقال:
هذا شيء ذكر لي أنه هدية النوروز، فقال عبد الله بن عامر: هو لك.
قال: لا حاجة لي فيه. قال: فلابنك. قال: ما كنت أرضى له إلاّ بما أرضى لنفسي. قال الحسن: فضمّ ذلك إليه رجل مضمّ. قالوا: وأراد معاوية أن يصطفي أموال ابن عامر، فقال ابن عامر: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3772
«المقتول دون ماله شهيد»، والله لأقاتلنّه حتى أقتل دون مالي. فأعرض عنه معاوية.
وقال أبو الأسود في ابن عامر وعيب عليه:
ألم تر ما بيني وبين ابن عامر … من الودّ قد بالت عليه الثعالب
فأصبح باقي الود بيني وبينه … كما لم يكن والدهر جمّ العجائب
فما أنا بالباكي عليه صبابة … ولا بالذي تأتيه عني المثالب
إذا المرء لم يحببك إلا تكرها … بدا لك من أخلاقه ما تجانب (١)
وقال المدائني: كانت هند بنت معاوية أبرّ الناس بابن عامر، فجاءته يوما بالمرآة والمشط وكانت تولي خدمته نفسها. فنظر في المرآة فالتقى وجهه ووجهها في المرآة، فرأى شبابها وجمالها ورأى الشيب في لحيته قد ألحقه بالشيوخ فرفع رأسه إليها وقال: الحقي بأهلك وأبيك، فانطلقت حتى دخلت على أبيها فأخبرته فقال: وهل يطلّق الحرّة حرّ؟! فأرسل إليه:
أكرمتك بابنتي فرددتها عليّ. فقال: إنّ الله منّ عليّ بفضله وجعلني كريما لا أحبّ أن يتفضل أحد عليّ، وإنّ ابنتك من أكرم صاحبة وقد أعجزتني مكافأتها لحسن صحبتها، ونظرت فإذا أنا شيخ وهي شابة لا أزيدها مالا إلى مالها ولا شرفا إلى شرفها، فرددتها عليك لتزوّجها، وكان رجلا سخيا كريما.
وقال النابغة:
فياليت من يأتي ابن هند بحاجتي … ومروان والأقباء تهدى وتجلب
يخبّر عني ما أقول ابن عامر … فنعم الذي يأوي إليه المصعّب
стр. 3773
كريم ينال الصالحين نواله … ويروى بكفيه السّنان المجرّب (١)
وقال أبو الأسود:
يا خليلي ما الذي غيّر لي … ودّه والنصح حتى ودّعه
لا تهنّي بعد أن أكرمتني … فشديد عاده منتزعه (٢)
وقال ابن عامر لعبد الله بن عمر: اتخذت مصنعة كذا، وحفرت بئر كذا، وسقيت الناس الماء بمكان كذا، فقال له ابن عمر: إذا طابت المكسبة زكت النفقة، وسترد فتعلم.
وقال ابن الأعرابي: حدثني سعيد بن سلم عن أبيه قال: تخاصم رجلان من قريش إلى مروان بن الحكم بالمدينة في مال، فقال لبعض حرسه: انطلق بهما إلى عبد الله بن عامر وقل له: انظر في أمر ابن عمّيك، فقال: ما قيمة ما تتنازعان فيه؟ قالا: عشرة آلاف دينار. قال: أيعجز مروان أن يغرم عشرة آلاف دينار في إصلاح بينكما. فغرمها، فقال مروان: أردنا أن نفضحه ففضحنا.
فولد عبد الله بن عامر:
عبد الرحمن الأكبر. وعبد الله الأعمى. وعبد الملك. أمهم كبيشة بنت الحارث بن كريز.
وعبد الحكيم. وعبد الواحد الأكبر. وأمهم أم حبيب بنت سفيان، كنانية.
стр. 3774
وعبد الحميد الأصغر. وعبد العزيز. أمهما من بني المطّلب بن عبد مناف.
وعبد العزيز. وعبد المجيد لأم ولد.
وأبا النضر واسمه عبد الرحمن لأم ولد.
وعبد الجبار لأم ولد. وعبد ربه. وأم كلثوم وأمهما أمة الله من بني عدي بن كعب. وكانت أم كلثوم عند يزيد بن معاوية. وفيها يقول:
إذا ظللت على الأنماط متكئا … بدير مروان عندي أم كلثوم
وأم رافع. وزينب - وكان أبان بن عثمان بن عفان تزوجها-. وأمهما ثقفية. وأمة الحميد وأمها هند بنت سهيل بن عمرو. وأم عبد الملك، أمها هند بنت أبي العاص بن نوفل بن عبد شمس، تزوجها عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية.
وعبد الكريم. وعبد الرحمن أبا السنابل لأم ولد.
وعبد السلام أمه من بني عبد الدار.
فأما عبد الرحمن بن عبد الله فقتل يوم الجمل ولا عقب له.
وأما عبد الله الأعمى فولد: عبد الرحمن. وعبد الأعلى. وأمة الرحمن لأم ولد. وعبد القدير. وعبد الحميد. وعبد الواحد. وعبد الجبار. وحميدة. وأمهم خزاعية، وعبد العزيز أمه ابنة الحارث بن نوفل، وأمها هند بنت أبي سفيان بن حرب. وعبد الملك، وأم عبد الله، أمهما من بني عقيل. وعبد الغفار، وأم عبد الملك أمهما من ولد قدامة بن مظعون.
وعبد الله وعبد القدوس أمهما كلبية.
فأما حميدة فكانت عند محمد بن يوسف أخي الحجاج.
стр. 3775
وأما عبد الرحمن فكان ينزل المدينة وعقبه بها.
وأما عبد العزيز فكان راوية للشعر، وكان يرمى بالكذب. على أنه كان له قدر.
وأما عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر فكان يكنى أبا عبد الرحمن، وكان من أفصح الناس وأسخاهم، وكان شجاعا، وشهد يوم الزاوية مع الحجاج، ويوم رستقاباذ، وقال فيه رؤبة بن العجاج:
لأهدينّ مدحة لا تبلى … إلى ابن عبد الله عبد الأعلى
قد سربل المجد فتى وكهلا (١) …
ومات بالبصرة. وكان سخيا، وعقبه بالبصرة كثير.
وقال بلال بن أبي بردة لرجل: أتأتي صديقك اليوم - يعني عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله - فقال: نعم نأتيه وهو متصبح، ثم ينتبه فيقعد فإن حدثناه أحسن الاستماع، وإن سكتنا ساقطنا أحسن الحديث، ثم يأتي طباخه فيخبره بما عنده مما أعدّ له ثم يقدمه، ويؤتى من عند نسائه بألطاف فيأكل ويمعن ثم يأكل معنا.
قال: وقال الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: لكرم عبد الأعلى وسخاؤه أنصع وأفضل من كرم عبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص وسخائيهما، لأن ذينك كانا يعتمدان في إنفاقهما على بيت المال، وهذا يعتمد على صلب ماله.
وولى الرشيد أمير المؤمنين عمر بن عبد الرحمن بن عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله البصرة، وكور دجلة.
стр. 3776
وأما عبد الملك بن عبد الله بن عامر، فكان يقال له قفيز، وولي بعض فارس للقباع وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أيام الزبير.
وقال ابن الكلبي: ولي البصرة أيام ابن الزبير وولده بالبصرة.
فولد عبد الملك: عبد الكبير. وأم عبد الغفار وأمهما حنفية، وكان البراء بن قبيصة الثقفي خطبها فقال:
أم عبد الغفار هاتي نوالا … وصلي حبل عاشق إرسالا
فتزوجها عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر، وولد عبد الملك بالبصرة.
وولد عبد الكريم بن عبد الله بن عامر: عبد الحميد، فولد عبد الحميد: عبيد الله بن عبد الحميد بن عبد الكريم بن عبد الله بن عامر ولقّب عبيد الله ترفل، قتله أبو مسلم، وقتل أخاه عبد العزيز بن عبد الحميد بن عبد الكريم، ولترفل يقول ثابت قطنة:
أيذهب هذا الدهر لم نسق ترفلا … وأشياعه الكأس التي صبّحوا جهما
وقد ذكرنا خبر ترفل الذي قيل هذا الشعر فيه مع خبر خدينة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وعبد الحميد بن عبد الكريم بن عبد الله بن عامر هو الذي قتل ابن ناشرة الحنظلي بسجستان، ويقال بل قتله ابنه عبد العزيز بن عبد الحميد.
وقال المدائني عن أبي اليقظان: قتل ابن ناشرة عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن كريز، وكان سبب ذلك أن طلحة الطلحات الخزاعي لما احتضر استخلف رجلا من بني يشكر على سجستان فأخرجته المضرية، وغلب كل امرئ منهم على ناحية، فكانوا كذلك حتى قدم هذا الكريزي،
стр. 3777
فاتفقت عليه مضر وصالحوه، فدخل مدينة زرنج وقاتل رتبيل، وعاد المضريون إلى أماكنهم التي كانوا يأكلونها، وأرسل إليه عبد الله بن ناشرة أن خذ ما في بيت المال وانصرف.
وغلب ابن ناشرة على زرنج، وبلغ ذلك وكيع بن أبي سود التميمي فلحقه فردّه، وأخرج ابن ناشرة إلى مكانه، ودلف إليه عبد الحميد أو عبد العزيز ابنه ومعه وكيع فتحاربا، وعثر بابن ناشرة فرسه، فاندقّت رجله وهزم أصحابه، وقتل فقال أبو حزابة أو حنظلة بن عرادة
لعمري لقد هدّت قريش عروشنا … بأبيض نفّاح العشيات أزهرا
فلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا … بنا وبكم أو نصدر الأمر مصدرا
ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى … ولا شيء إلا قد تولّى وأدبرا
فتى حنظليّ ما تزال يمينه … تجود بمعروف وتنكر منكرا
أكان حصادا للمنايا ازدرعنه … فهلا تركن النّبت ما كان أخضرا
في أبيات:
ولم يزل هذا الكريزي على سجستان حتى قتل مصعب فولى عبد الملك مكانه رجلا.
وقال الكلبي: هذا الكريزي عبد الحميد.
وقال المدائني: هو عبد العزيز ابنه أخو ترفل.
وقال ابن الكلبي: اسم ترفل عبد الله.
وقال غيره: اسمه عبد الحميد، وقول الكلبي أثبت.
وأما أبو السنابل وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر فولد:
عبد المجيد، أمه سلمة من ولد أسيد بن عبد العزى. وعبد الله لأم
стр. 3778
ولد. وأمة الواحد لأم ولد، ولأبي السنابل عقب، وحضر أبو السنابل - وكان شاعرا - سيل الجحاف.
وأما عبد الجبار بن عبد الله بن عامر فولد أولادا. وكذلك عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر. وكذلك عبد الحميد بن عبد الله بن عامر.
وأما الحارث بن كريز، وأمه سوداء فولد:
عبد الله. وعثمان، أمهما من بني سامة بن لؤي. وكبشة، أمها عبدرية. فتزوج كبشة مسيلمة الكذاب، ثم تزوجها عبد الله بن عامر.
وأما عيسى بن كريز فولد:
مسلم بن عيسى، وكان له قدر بالبصرة، قتله الخوارج من الأزارقة وقد كتبنا خبره.
وحدثني عباس بن هشام ابن الكلبي عن أبيه - وذكره المدائني - قالا: كان يقع بين ابن عامر وبين مروان الكلام فيظفر به ابن عامر، فقال معاوية لعبد الله بن عامر: إنه يكون بينك وبين مروان الشيء فتظفر به.
فقال: إنه يجدني عضا شديد الخصومة. فقال: لو لقيت رجلا عرّفك نفسك. فقال ابن عامر: فكن أنت ذلك الرجل يا أمير المؤمنين. قال: أنا ابن هند بنت عتبة. قال: وأنا ابن أم حكيم بنت عبد المطلب. قال: ارتفعت جدا. قال: وانخفضت يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: اذكر دجاجة بنت الصّلت. قال: وأنت فاذكر حمامة - وحمامة امرأة من بني غفار نالت معاوية ولادتها وكان يقال فيها.
قالوا: وضعف أمر ابن عامر، فكتب إليه معاوية في القدوم عليه، وذلك في سنة أربع وأربعين فاستخلف على البصرة قيس بن الهيثم وقدم فردّه على عمله، فلما ودّعه قال له معاوية: إني سائلك ثلاثا فقل هي لك. قال:
стр. 3779
هي لك وأنا ابن أم حكيم. قال معاوية: تردّ علي عملي ولا تغضب. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي مالك بعرفة. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دارك بمكة. قال: قد فعلت، قال: وصلتك رحم. فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين إني سائلك ثلاثا. قال: هي لك وأنا ابن هند. قال: تردّ علي مالي بعرفة.
قال: قد فعلت. قال: ولا تحاسب لي عاملا، قال: قد فعلت. قال: وأنكحني هند ابنتك. قال: قد فعلت.
ويقال إن معاوية قال له: اختر بين أن أردك إلى عملك وأحاسبك فاتّبع عليك، وبين أن أسوّغك ما أصبت وأعزلك. فاختار أن يسوغه ذلك.
المدائني عن مسلمة وغيره قال: كان ابن عامر ليّن الولاية لا يقطع في ولايته ولا يعاقب، وكان أتوه أحمق. وشكا ابن عامر إلى زياد فساد الناس، فقال: جرّد فيهم سيفك. فقال: أصلحهم بفساد نفسي.
стр. 3780
بنو ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف
ولد لربيعة بن عبد شمس:
عتبة. وشيبة. وريطة. وعاتكة، أمهم خناس من بني عامر بن لؤي.
وأبا عتبة. وصفية وعاتكة الصغرى. وهالة، وأمهم من بني زهرة يقال لها ضيزنة. فأما هالة فكانت عند الأفقم بن أبي عمرو النصري.
وأما عتبة
فكان سيد قريش في زمانه وكان من المطعمين يوم بدر، روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: كان عتبة سيد قريش في الجاهلية، وقيل:
ماساد قريشا مملق غير عتبة، وأبي طالب.
وقتل عتبة عبيدة بن الحارث يوم بدر، ويقال إنه شرك في قتله علي بن أبي طالب، ويقال قتله حمزة. وقد كتبنا خبره فيما تقدم.
فولد عتبة:
الوليد.
قتل يوم بدر. وأبا هاشم بن عتبة وكان صالحا فقيها ومات بالشام. وهاشما. وآمنة. وأبا الحكم. والمغيرة. وعبد شمس.
وهندا. وفاطمة. وعاتكة. وفاختة، وأمهم من ولد الأوقص السّلمي.
وأبا حذيفة بن عتبة.
وحفص بن عتبة، وأمهما أم حفص ويقال أم صفوان بنت صفوان كنانية.
стр. 3781
ونعمان. وربيعة، أمهما برّه دوسيّة.
والفارعة.
وقد كتبنا خبر هند بنت عتبة ومن تزوجها، وهي أم معاوية.
وتزوج أم أبان بنت عتبة: يزيد بن أبي سفيان فهلك عنها، فخطبها عمر بن الخطاب فقالت: لا أتزوجه لأنه يدخل عابسا، ويخرج عابسا، يغلق أبوابه ويقلّ خيره.
ثم خطبها الزبير بن العوام فقالت: يد له على قروني، ويد له في السوط.
ثم خطبها علي بن أبي طالب فقالت: ليس للمرأة منه حظ، إلا أن يقعد بين شعبها الأربع.
ثم خطبها طلحة بن عبيد الله فتزوجها فدخل عليها علي فقيل: رددت هذا وتزوجت ابن الحضرمية؟ فقالت: القضاء والقدر. فقال: أما لقد تزوجت أجملنا أمرا وأجودنا كفا، وأكثرنا خيرا على أهله.
وأما عاتكة فتزوجها أبو أمية بن المغيرة المخزومي.
وأما فاطمة فتزوجها القاسم بن حبيب الثقفي.
وأما الفارعة فكانت عند جندب بن عمرو بن حممة الدوسي.
وأما صفية فكانت عند عبد شمس بن الشريد المخزومي.
وكان عتبة نديما لمطعم بن عدي.
وأما أبو حذيفة (١) بن عتبة بن ربيعة فأسلم واسمه هشيم، ويقال مهشم، وأم أبي حذيفة أم صفوان وهي فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرّث
стр. 3782
الكناني، وبعضهم يقول أم حفص. والأول أثبت.
حدثني الوليد بن صالح، ومحمد بن سعد قالا: حدثنا محمد بن عمر الواقدي عن محمد بن صالح عن يزيد بن رومان قال: أسلم أبو حذيفة بن عتبة قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم.
وقال الواقدي: نزل أبو حذيفة وسالم مولى أبي حذيفة بالمدينة على عباد بن بشر، وآخى رسول الله ﷺ بين أبي حذيفة وعبّاد وقتلا جميعا باليمامة.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: شهد أبو حذيفة بدرا، فدعا أباه عتبة بن ربيعة إلى البراز فقالت هند أخته:
الأحول الأثعل الملعون طائره … أبو حذيفة شر الناس في الدين
أما شكرت أبا ربّاك في صغر … حتى شببت شبابا غير محجون
وكان عتبة قد حمل على الخروج مع قريش، فقال رسول الله ﷺ : «إن يكن عند أحد منهم خير فعند صاحب الجمل الأحمر». فذكر غير الواقدي أن عتبة دعا للبراز فتعرّض أبو حذيفة للنبي ﷺ ليأمره بمبارزته فأعرض عنه، فلما قتل بكى أبو حذيفة، فقال النبي ﷺ : «ألم أرك تعرضت لمبارزته فما بالك تبكي»؟. أو كما قال. فقال: لو أمرتني لفعلت فعلا يعجب الناس. ولكن سمعتك تقول ما قلت فيه، وكان رجلا عاقلا، فلما قتل جزعت له من النار.
وكان له قول في أمر العباس قد ذكرناه في خبر العباس.
قال: وكان أبو حذيفة رجلا طوالا، حسن الوجه، مترادف الأسنان،
стр. 3783
وهو الثّعل (١) وكان أحول، شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها، وقتل يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة وهو ابن ثلاث أو أربع وخمسين سنة. وكان أبو حذيفة من مهاجرة الحبشة في المرتين جميعا، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي.
فولد له بالحبشة: محمد بن أبي حذيفة
وأمه سهلة. وعاصم بن أبي حذيفة وأمه بنت عمرو بن حرب بن أمية، ولا عقب له ولا لمحمد أيضا، فلما قتل أبو حذيفة كفله عثمان بن عفان وأحسن إليه ومانه (٢) وأنفق عليه، فلما خرج عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى مصر واليا عليها من قبل عثمان، خرج محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة إلى مصر. فغزوا في البحر سنة أربع وثمانين، فصلى عبد الله بن سعد فكبّر محمد بن أبي حذيفة خلفه تكبيرا أفزعه فنهاه وقال: لولا أنك حدث أحمق لقاربت بين خطاك.
وكان يعيبه ويعيب عثمان بتوليته إياه، ويقول: ولى عثمان رجلا أباح رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح، ونزل القرآن بكفره. ثم أظهر الطعن على عثمان وذم سيرته، فكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان: «إن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة قد أنغلا عليك المغرب وأفسداه».
فقال عثمان: اللهم إني ربيته رحمة له وصلة لقرابته، وكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح: «أما محمد بن أبي بكر فإني أدعه لأبي بكر وعائشة، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي، وأنا ربيته وهو فرخ قريش».
فكتب عبد الله بن سعد: «إن هذا فرخ قد استوى ريشه، ولم يبق
стр. 3784
إلا أن يطير»، فبعث عثمان إلى محمد بن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبجمل عليه كسوة، فأمر بذلك فوضع في المسجد ثم قال: يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه، فازداد الناس طعنا على عثمان واجتمعوا على ابن أبي حذيفة فرأسوه عليهم.
وكتب إليه عثمان يذكّره برّه به ويقول: «لقد كنت أنكث المخ على المائدة فأؤثرك به، فقد عاد ذلك بالمكروه عليّ أحوج ما كنت إلى شكرك».
فلم يزل ابن أبي حذيفة يحرض أهل مصر على عثمان، حتى سرّبهم إلى المدينة، فاجتمعوا مع أهل الأمصار إليه، فلما حوصر عثمان، وثب هو على عبد الله بن أبي سرح فطرده عن مصر وصلى بالناس.
فلما قتل عثمان، وبويع لعلي بن أبي طالب ولى قيس بن سعد بن عبادة مصر، فقال ابن أبي سرح: أبعد الله ابن أبي حذيفة، بغى على ابن عمه، وسعى عليه فجهز الرجال عليه ووثب بعماله، ثم ولي عليه من هو أبعد رحما فلم يمتّعه بسلطان بلده حولا ولا شهرا، ولم يره لذلك أهلا. وخرج ابن أبي سرح حتى صار إلى معاوية.
ثم إن علي بن أبي طالب اتهم قيس بن سعد بالميل إلى معاوية لكفه عن قتال مسلمة بن مخلد الأنصاري ثم الخزرجي، وكان قد جمع وطلب بدم عثمان، فولى محمد بن أبي بكر مصر، فلما مضت صفين بلغ عليا التياث الأمر على ابن أبي بكر، فولى مصر الأشتر فهلك بالقلزم (١)، وكان من أمر ابن أبي بكر ومقتله ما قد ذكرناه فيما مضى.
وأصيب محمد بن أبي حذيفة فبعثوا به إلى معاوية وكان ابن خالة
стр. 3785
معاوية بفلسطين فوبّخه وعنّفه ثم حبسه في سجن له مرفّها موسّعا عليه فهرب، وكان معاوية يهوى خلاصه ويكره إظهار ذلك لأهل الشام، وكان عثمان حدّ محمد بن أبي حذيفة في الشراب، ضربه ثمانين.
وقال أبو مخنف وغيره: فقال رجل من خثعم يقال له عبيد الله بن عمرو بن ظلام - وكان عثمانيا-: أنا أتبع محمدا، فخرج في خيل فلحقه بحوران وقد دخل غارا فكره أن يأتي به معاوية فيعفو عنه فضرب عنقه.
وقال هشام ابن الكلبي عن أبيه: هرب محمد بن أبي حذيفة من سجن معاوية بعد قتل معاوية حجر بن عدي الكندي، فطلبه مالك بن هبيرة بن خالد الكندي ثم السلولي، ووضع الأرصاد عليه فقتله غضبا لحجر، وقد كان التمس خلاص حجر فألفاه وقد قتل.
وقال ابن الكلبي: قد انقرض ولد أبي حذيفة وانقرض ولد عتبة بن ربيعة إلاّ ولد المغيرة بن عمار بن عاصم بن الوليد بن عتبة وهم بالشام.
وأسلم سالم مولى أبي حذيفة (١):
وهو في رواية موسى بن عقبة: سالم بن نبتل، ونبتل من أهل اصطخر، وذكر أن سالما مولى ثبيتة بنت يعار من الأنصار من الأوس، فسالم يذكر مع الأنصار لأن ثبيتة أعتقته، ويذكر في المهاجرين لولاء أبي حذيفة.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابراهيم بن اسماعيل بن أبي حبيبة من داود بن الحصين قال: كان سالم لثبيتة بنت يعار الأنصارية، وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة فأعتقته سائبة، فتولى أبا حذيفة وتبناه أبو حذيفة فقالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة: جئت إلى النبي