ما تأمرين بجعفر وبحاجة … يستامها في خلوة وتضرع
ولجعفر عقب بالمدينة.
وأمّا: عبيدة بن الزبير وله عقب، ومن ولده أبو بكر بن عبيدة، وكان له ابن معتوه يقال له عبد الرحمن بن أبي بكر، فكان خاله المغيرة بن عبد الرحمن بن هشام يقوم لشأنه، وكان لا يطعم شيئا إلا رمى به، ولا يكسى ثوبا إلا خرقه، فكان المغيرة قد اتخذ في منزل المعتوه كوى يجعل فيها ألوان ما يؤكل من خبز ولحم وفاكهة، وتجعل الثياب على معاليق فيأكل المعتوه ويلبس، وهو الذي قال لعمرو بن الزبير حيث توجه لقتال عبد الله أخيه امض معي إليه وأنت في جواري فإن آمنك وإلا ردّدتك إلى مأمنك، فلم ينفذ عبد الله بن الزبير جواره، وقد كتبنا خبره فيما تقدم، فقال الشاعر في عبيدة بن الزبير:
أعبيد إنك قد أجرت فجاركم … تحت التراب تنوبه الاصداء
أعبيد لو كان المجير لولولت … بعد الهدو برنة أسماء
اضرب بسيفك ضربة مذكورة … فيها أداء أمانة ووفاء
وأما حمزة بن الزبير فلا عقب له، وقتل مع عبد الله بن الزبير أخيه.
وأما خالد بن الزبير فاستعمله عبد الله على اليمن وله عقب، ومنهم:
خالد بن عثمان بن خالد بن الزبير، وكان خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بالمدينة، فقال أبو جعفر أمير المؤمنين المنصور: ما آل الزبير وآل علي؟! وأخذه أبو جعفر فقتله وصلبه.
وأمّا عمرو بن الزبير
فكان ذا تيه وكبر وعجب، انتدب لقتال أخيه فكان من أمره وقتله إياه بالاقتصاص منه ما قد ذكرناه، وكان يقال: من نخوته عمرو لا يكلّم. من يكلمه يندم.
стр. 3852
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال مالك بن أسماء المنى - وهي أمه-: أنا أغضب معاوية واستجعل على ذلك جعلا فأتى معاوية، وقد حضر الموسم، فقال: يا أمير المؤمنين ما أشبه عينيك بعيني أمك هند فقال: تانك عينان طالما أعجبتا أبا سفيان فانظر ما أعطيت فخذه ولا تجعلنا متجرا لك، فقال له رجل من قريش: لك مثلا جعلك إن قلت لعمرو بن الزبير كما قلت لمعاوية، وكان عمرو ذا نخوة وكبر فقال له: ما أشبهك بأمك يا عمرو، فأمر به فضرب حتى مات، فبعث معاوية إلى أمه بديته وقال:
ألا قل لأسماء المنى أم مالك … فإني لعمرو الله أقتلت مالكا
يقول: عرضته للقتل بحلمي عنه.
ولعمرو بن الزبير عقب، وفي ابنه عمرو بن (عمرو بن) الزبير يقول الشاعر:
لو ان اللؤم كان مع الثريا … تناول رأسها عمرو بن عمرو
وقتل من قتل من ولد الزبير، وقتل العوام، وقتل خويلد، وقال الشاعر في قتل العوام يوم الفجار:
وعوّاما تركناه صريعا … على إثر الفوارس بالغريف (١)
وأمّا عروة بن الزبير
ويكنى أبا عبد الله، وكان فقيها فاضلا، وقال لعبد الملك حين كتب الحجاج إليه في حمله، فأمره عبد الملك بذلك: ليس الذليل من قتلتموه، ولكنه من ملكتموه فلما قال هذا القول استحيى عبد الملك فلم يهجه، وكتب إلى الحجاج: «أمسك عن ذكر عروة، فما لك عليه سبيل».
стр. 3853
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ قال: قال الحجاج لعروة وقد أغلظ لعبد الملك في كلام: يا بن العمياء ألا تسكت، فقال له عروة: يا بن المتمنية، يعني جدته أم أبيه، وكانت كنانية، وهي القائلة:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها … أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
فسمعها عمر فأخذ نصرا فسيره إلى البصرة، وكان نصر جميلا.
وقال بعضهم: إن المتمنية أم الحجاج الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي. واستودع عروة طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر مالا، وأودع غيره، وشخص إلى الشام، فكان يسأل عن طلحة، فيقال هو يبني الدور ويقسم الأموال، فخاف أن يذهب بماله، فلما قدم كابره قوم على ما أودعهم، وأعطاه طلحة ماله موفّرا، فقال متمثلا:
وما استخبأت في رجل خبيئا … كدين الصدق أو حسب عتيق
ذوو الاحساب أكرم من رأينا … وأصبر عند نائبة الحقوق
وقال هشام الكلبي: أصابت عروة الأكلة في رجله، وهو بالشام عند الوليد بن عبد الملك، فقطعت رجله بميشار وهو يقرأ فما تتعتع ولا تحرك، ولم يشعر الوليد بقطع رجله حتى كويت، وكان ذلك بحضرة الوليد وبقي بعد ذلك ثماني سنين ثم هلك في ضيعة له بقرب المدينة، وكان يقول: لقد أحسن بي ربي أخذ مني واحدة، وترك لي ثلاثا، وامتعني بسمعي وبصري ولساني، وكان له ابن يحبّه فضربته دابة فسقط ميتا وذلك قبل وقوع الأكلة في رجله، فقال حين قطعت رجله صبرا واحتسابا: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ (١).
стр. 3854
وقال عروة: أعظم من المصيبة سوء العوض وروى ذلك عن عبد الله بن الزبير أيضا.
قال المدائني: عزّى عيسى بن طلحة بن عبيد الله عروة فقال: يا أبا عبد الله ذهب أقلك وبقي أكثرك، فالحمد لله الذي بقي لنا سمعك وبصرك فقال: ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به.
قال: ووقعت الأكلة في رجله، وضرب برذون ابنه فقتله، وقطعت رجله بميشار وحسمت (١) فلم يقبض وجهه، ولم يحرك عضوا منه إلا أنه غشي عليه عند الحسم.
وأتي الوليد بقوم أصيبوا بمصائب عظيمة فقال ائتوا عروة بهؤلاء ليعلم ان مصائب الدنيا كثيرة.
وحدثني مصعب الزبيري أن عروة صلى بالناس يوما، وكانوا مقحطين، فقال لهم: أقنطتم؟ قالوا: نعم قال فتوقعوا الفرج فان الله يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢).
وكان عروة احتفر بئرا بالمدينة فهي تعرف ببئر عروة، فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها، وفيها يقول الشاعر:
كفنوني ان مت في درع أروى … واستقوا لي من بئر عروة مائي
وقال الواقدي: مات عروة في مال له بناحية الفرع (٣) في سنة أربع وتسعين ودفن هناك.
стр. 3855
وقال عروة: إذا رأيتم من الرجل خلّة خير، وكان عندكم رجل سوء فلا تيأسوا منه فإن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم من رجل خلّة شر فاحذروه، وإن كان صالحا.
فولد عروة بن الزبير: عبد الله، أمه ابنة الأسود بن أبي البختري.
ومحمدا، ويحيى بن عروة، ويكنى أبا عروة وعثمان أمهم ابنة الحكم بن أبي العاص أخت مروان.
وعمرا. ومصعبا، وعبيد الله. وأمهم ابنة سلمة بن عمر بن أبي سلمة المخزومي.
وهشام بن عروة لأم ولد.
فامّا عبد الله فكان خطيبا بليغا، وكان خالد بن صفوان يشبه به في بلاغته، وعمي قبل موته، وله عقب بالمدينة.
وقتل صالح بن عبد الله بن عروة بقديد (١) قتلته الخوارج.
وكان عمر بن عبد الله فقيها، حدث عنه ابن جريج، سمع من القاسم بن محمد وغيره، وحج عبد الملك بن مروان فأتى المدينة، فدخل على عبد الله بن عروة بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على إبراهيم خالك فإنّك وليته ما بين المدينة واليمن فلم يمنعه كثير ما في يده من قليل ما في أيدينا، فنشدتك الله أن تصل رحمك بقطيعة أخرى، فوالله ما يمنعنا من أن نموت مع عبد الله إلا مكان هذه الأموال.
وأمّا محمد فلم يكن له عقب من الرجال، وكان من أجمل الناس وفيه يقول ابن يسار:
стр. 3856
وغنينا كابني نويرة حينا … بعد عيش ونعمة واتفاق
ثم صرنا لفرقة ذات يوم … كل قوم مصيرهم للفراق
يعني مالكا ومتمم بن نويرة.
وكانت لمحمد بن عروة ابنة جميلة، تزوجها الحكم بن يحيى بن عروة فطلقها، فتزوجها أميّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فطلقها فراجعها الحكم على أن كتبت عليه كتابا بأربعين ألف درهم وبغلّة أرضه وبعطائه ولا يغيرها ولا يخالفها، فإن خالف شيئا من شرطها فأمرها بيدها، فكان يقال:
أثقل من شرط ابنة محمد بن عروة.
وأما عثمان بن عروة فكان فائق الجمال، وكان خطيبا جلدا ومات في أيام أبي جعفر المنصور، وله عقب بالمدينة.
وأما يحيى بن عروة، فكان له علم بالنسب والناس، فنازع ابراهيم بن هشام عامل هشام بن عبد الملك على المدينة فضربه بأمر هشام فمات بعد الضرب، وله عقب بالمدينة.
وأما عمرو بن عروة فقتل مع عبد الله بن الزبير، ولا عقب له.
وأما عبيد الله بن عروة فله عقب بالمدينة، وقد روى الزهري عن عبيد الله بن عروة، ويكنى أبا بكر، وعن يحيى بن عروة، ويكنى أبا عروة.
وأما هشام بن عروة، ويكنى أبا المنذر، فكان فقيها نبيلا له عقب بالمدينة والكوفة والبصرة، وكان هشام في وسط من أيامه على تديّنه يسمع الغناء، فواعد قوما من أهل المدينة أن يأتوا منزل جارية تتغنى فسبقوه ومضى ليلحقهم، وجعل يقول:
قائمتيّ ألحقاني بالقوم … لا تعداني كسلا بعد اليوم
стр. 3857
فلما سمع غناء الجارية قال: أعيذك بالله إنه لينبغي أن يكتب على صدرك آية الكرسي، وبين كتفيك المعوذتين ثم خرج.
وقال هشام: ما تم دين لأحد حتى يتم عقله.
وقال هشام: الغنى يجعل الغربة وطنا، والفقر يجعل الوطن غربة.
وقال هشام، ورأى رجلا يبني دارا أسرف في النفقة عليها: عجبا لمن يبتني القصور وهو غدا في القبور.
وقال هشام بن عروة: وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى، وشرهما الفجور والفقر.
ومات هشام بن عروة ببغداد في سنة ست وأربعين ومائة قبل موت أبي حنيفة بأربع سنين.
وأما المنذر بن الزبير بن العوام، ويكنى أبا عثمان فكان سيدا حليما وقتل مع عبد الله بن الزبير وله يقول ابن مفرغ.
لابن الزبير غداة يذمر منذرا … أولى بغاية كل يوم وقاع
ليس الكريم من يغادر أمه … وبناته بالمنزل العجّاع (١)
فمن ولده: محمد بن المنذر، أمّه ابنة سعيد بن عمرو بن نفيل العدوي، وعاصم بن المنذر لأم ولد، وكان ينزل البصرة، وعبيد الله بن المنذر أمّه ابنة نهشل بن حري التميمي، وابراهيم بن المنذر وغيره.
المدائني قال: سابّ محمد بن المنذر بن الزبير عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو المطرف، فقال له محمد: لقد عشت زمانا وأنا أظنك جارية أهمّ أن أخطبك إلى أبيك. قال: أنا عبد الله بن عمرو بن عثمان، قال: عهدتك
стр. 3858
ولك اسم أحب إليك من هذا، وكان يدعى لجماله المطرف.
وأمّا: مصعب بن الزّبير
فكان يكنى أبا عبد الله، ويقال أبا عيسى، وولد له عيسى وعكاشة، أمهما ابنة السائب بن أبي حبيش، وعمر لأم ولد.
وجعفر لأم ولد. وحمزة لأم ولد، ومحمد وخضير واسمه إبراهيم لأمهات أولاد شتى. وقال بعضهم اسم خضير مصعب بن مصعب، والأول قول ابن الكلبي، وكان مصعب جوادا عظيم المروءة وقد كتبنا خبره ومقتله، وكان يقول: أفضل النساء الفخمة الاسيلة، وشرّهن القفرة، وقتل ابنه عيسى معه، فقال الشاعر:
ليبك أبا عيسى وعيسى كلاهما … موالي قريش كلها وصميمها
وقال الأصمعي: قدم مصعب البصرة على راحلته مضطبعا (١) بردائه، فقال بعض من رآه من أشياخ العرب: لقد انتشط الملك انتشاطا.
وقال مصعب على منبر البصرة لبعض بني أبي بكرة: إنما كانت أمكم مثل الكلبة ينزو عليها الأعفر، والأسود، والأبقع، فتودى إلى كلّ كلب شبهه.
ولا عقب لعيسى، ولعكاشة بن مصعب عقب بالمدينة، وتزوج عكاشة ابنة عامر بن عبد الله بن الزبير، فولدت له، فمن ولده مصعب بن عكاشة بن مصعب، قتل يوم قديد في أيام مروان بن محمد، قتلته الخوارج، فقال الشاعر:
قل لأنواح قصيّ كلها … ونساء موجعات من أسد
стр. 3859
قمن فاندبن رجالا قتلوا … بقديد ولنقصان العدد
ثم لا تعدلن منهم مصعبا … حين يبكى بقتيل من احد
إنه قد كان فينا باسلا … صادقا يقدم إقدام الأسد
وأما عمرو بن مصعب فولده بالبصرة.
وأما جعفر بن مصعب، وكان سريا فتزوج مليكة بنت الحسين بن علي، فولدت له حمزة، فقتل وابن له يقال له عمارة يوم قديد، وله بالمدينة عقب، وكان بعض عمال أهل المدينة أخذ حمزة بن جعفر شاربا فحده وأقامه للناس.
وأما إبراهيم بن مصعب وهو خضير فكان على شرط محمد بن عبد الله بن حسن حين خرج، ويقال: اسم خضير مصعب بن مصعب، وله عقب، وقتل خضير مع محمد بن عبد الله.
وقال الأصمعي: قال مصعب لعبد الرحمن بن عيّاش بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكانت عنده جويرية بنت زياد: أتثّأر الناس بسيوفهم واثّأرت بأيرك؟! وقال حين قدم البصرة: بلغني إنكم أهل البصرة تلقبون أمراءكم وإني أنا الجزار.
قالوا: وكتب كاتب مصعب: «من المصعب» فقال: ما هاتان الزائدتان؟!
وأمّا عبد الله بن الزبير،
فكان يكنى أبا بكر، وأبا خبيب، وكان من أشد الناس قلبا ولسانا، وهو أول مولود ولد بالمدينة في الاسلام من أبناء المهاجرين، فكبر المسلمون لمولده، وكان بخيلا قال الشاعر:
стр. 3860
رأيت أبا بكر وربك غالب … على أمره يرجو الخلافة بالتمر
وقتل وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقد كتبنا أخباره فيما تقدم من كتابنا هذا. فولد عبد الله بن الزبير: حمزة وكان مضعوفا، وخبيبا، وثابتا، وعبّادا، أمهم تماضر بنت منظور بن زبان الفزاري، وعامر أمّه ابنة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن عبد الله، أمّه أم ولد، وقيسا درج صغيرا، وموسى.
فامّا حمزة فكان جوادا يعطي يوما فيباري الريح، ويمنع يوما شسعا، وكان ابن سريج المغني صديقا له، وكان حمزة يكرمه ويعظمه، وهو الذي غنى في هذا الشعر:
حمزة المبتاع حمدا بالندى … ويرى في بيعه أن قد غبن (١)
فكلم ابن سريج رجل من قريش في مسألة حمزة إسلافه ألف دينار، فوهب له ألف دينار، ووهب لابن سريج ألفا آخر، وقد كتبنا خبر حمزة في ولايته العراق، وتزوج حمزة بالبصرة أم عبد الله بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، وأمهما ضباعة بنت الحارث بن نوفل أخت ببة، وكانت عند حمزة فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب، فقال لها في مرضه، كأني بك قد تزوجت طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر، فحلفت بصدقة مالها، وعتق رقيقها لا تفعل، فلما مات حمزة خطبها طلحة وقال:
أنا أخلف عليك مكان كل شيء شيئين، فتزوجته فغرم عنها عشرين ألف دينار، وولدت له: إبراهيم، ورملة، فزوج طلحة بن عمر ابنته رملة اسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس على مائة ألف دينار، وكانت أجمل
стр. 3861
الناس فقال اسماعيل بن يسار لطلحة: أنت أتجر الناس، تزوجت فاطمة على أربعين ألف دينار، وزوجت ابنتها على مائة ألف، فربحت إبراهيم وستين ألف دينار.
وأمّا خبيب فكان عقيما، وكان الوليد بن عبد الملك غضب عليه لأمر بلغه عنه، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز، وهو عامله على المدينة، فضربه عمر فمات من ضربه إيّاه، فكان ذلك مما عيب على عمر بن عبد العزيز.
وأما ثابت بن عبد الله فكان يكنى أبا حكمة، وكان بذيئا ذا لسن، وله عقب، وقيل لثابت: اشتم عليّا، فقال: ماذا أقول؟ قالوا: قل:
سم أبا بكر، ودس لعمر من قتله، وقتل عثمان، فقال: والله ما علمت ذاك فأقوله.
قالوا: وأقامه هشام بن اسماعيل فقال: اشتم عليّا، فقال لعن الله الفاسق الأشقى قاتل أمير المؤمنين عثمان، قال: هيه اذكر عليّا فقال: لعن الله الأشدق لطيم الشيطان خالع أمير المؤمنين عبد الملك، قال: هيه اشتم عليا الآن قال: لم يبلغه الشتم حتى أشتم غيره، ولم يزل يشاغله.
وقال له عبد الله بن عمرو بن عثمان يوما، وهو المطرف: يا ثابت لقد صرت خطيبا، فقال: أما والله لولا أني أكره ذكر خويلك خويل السوء فأغمّ بذلك رجالا من ثقيف وقوما من بني هاشم لذكرته، يعني المختار، لأن أم المطرف ابنة عبد الله بن عمر، وأمها صفيّة بنت أبي عبيد، أخت المختار.
ومن ولده: عبد الله بن مصعب بن ثابت الذي كان عامل هارون الرشيد أمير المؤمنين على المدينة، ثم على اليمن، وكان ابنه أبو بكر بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت ولي بعد أبيه، وكان سيّئ الولاية، فلما مات
стр. 3862
جعل الناس يقولون: من يكتب إلى مالك؟ يعنون مالكا خازن جهنم وكان مصعب بن ثابت بن عبد الله فقيها، ويكنى أبا عبد الله مات بالمدينة سنة سبع وخمسين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
وأمّا عامر بن عبد الله فكان من أبعد أهل المدينة في زمانه، وكان لا يزوج بناته، وخطب إليه يزيد بن عبد الملك، وإبراهيم بن هشام المخزومي فلم يزوجهما، وقتل ابنه عتيق بن عامر بقديد، وهدم ابراهيم بن هشام دار عامر بن عبد الله، فقال ابراهيم لعامر: اصبر قال: أما إني أعرضك على الله في كل يوم خمس مرات، يقول أدعو عليك في أعقاب الصّلوات الخمس.
وكان عامر يكنى أبا الحارث، ومات قبل موت هشام بن عبد الملك بيسير، ومات هشام في سنة أربع وعشرين ومائة.
المدائني عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: نزل عامر بن عبد الله بمرّ (١)، فمر به عبد الله بن حسن بن حسن بن علي، فقال: يا عامر نزلت بمر فمرر عليك عيشك، قال: بل نزلت مرا فطاب لي به مأكلي إذ بالست بالس (٢) بني مروان، فقال عبد الله: أما والله لولا عمتي لكنت كبعض الحميدات التوتيات في شعاب مكة، يعني صفية. قال عامر: ولولا عمتي كنت كبعض ولد عقيل بن أبي طالب ملقى بالأبطح، يعني خديجة بنت خويلد أم فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
стр. 3863
وأمّا عبّاد بن عبد الله، فله ولد بالمدينة، وكان يحيى بن عبّاد بن عبد الله فقيها روى عن عبد الله بن أبي بكر الحزمي، ومحمد بن إسحاق، ومات بالمدينة وهو ابن ست وثلاثين سنة.
وقال أبو الزنّاد رأيته معتما، فما رأيت شابّا أحسن في العمّة منه وكانت له مروءة.
وأما موسى بن عبد الله فله عقب بالمدينة، ومن ولده صدّيق بن موسى بن عبد الله بن الزبير، كان سرّيا.
وأما عبد الله بن عبد الله، فكان فيما يقال أشبه القوم بأبيه، وله عقب.
قالوا: وزوج عبد الله بن الزبير بناته من بني أخوته، وتمثل قول الشاعر:
جعلت بناتي في مواليّ قصرة … وما راعني (١) ذو هيئة وجمال
ولا رزمتا شكد (٢) … وبرد معضّد (٣)
ولا درع نوبي أسك (٤) طوال
وقال هشام ابن الكلبي: كان مصعب بن الزبير قتل أبا أشعب الطمع، فكان أشعب يقول: أخذت من مال آل الزبير أضعاف دية أبي (٥).
فولد خويلد بن أسد بن عبد العزّى أيضا، سوى خديجة زوج النبي ﷺ ، العوّام بن خويلد،
وحزام بن خويلد،
ونوفل بن خويلد، وأمّه من
стр. 3864
عدي قريش، قتله عليّ بن أبي طالب يوم بدر كافرا، وكان يقال لنوفل بن خويلد أسد قريش.
وكان الأسود بن نوفل بن خويلد من مهاجرة المسلمين إلى الحبشة، في المرة الثانية، وقدم المدينة بعد قدوم النبي ﷺ إياها.
وأمّا حزام فولد:
حكيم بن حزام،
وأمّه ابنة زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، واسمها فاختة، وولدته في جوف الكعبة. وخالد بن حزام وله عقب بالمدينة، وكان قد أسلم وهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، فمات في طريقه قبل أن يصل، وكان حكيم بن حزام يكنى أبا خالد وشهد بدرا مع المشركين يوم بدر فنجا ولم يقتل ولم يؤسر، فقال حسان بن ثابت الأنصاري:
نجى حكيما يوم بدر بشده … ونجا بمهر من بنات الأعوج (١)
ثم أسلم فحسن إسلامه، وكان يقال هو وجبير بن مطعم من سادة مسلمة الفتح، وكان حكيم بن حزام إذا بالغ في يمينه قال: والذي نجاني يوم بدر.
وذكر أبو اليقظان أن رسول الله ﷺ قال لحكيم: «إن الدنيا خضرة حلوة فمن سألها بإسراف لم يبارك له فيها». فكان لا يقبل من أحد شيئا، وكان لا يأخذ عطاءه فقال عمر بن الخطاب: يا معشر المسلمين إني أشهدكم على حكيم بن حزام أدعوه إلى عطائه فيأباه، وباع حكيم دارا له بمكة بعشرة آلاف درهم، فقيل له غبنت، فقال اشتريتها في الجاهلية براوية من خمر، وامّا والله لتعلمن أني لم أغبن، اشهدوا أن ثمنها في سبيل الله فهل غبنت؟
стр. 3865
ويقال بل جعلها في سبيل الله، وقال بعضهم: هي دار الندوة، وذلك أعظم الخطأ لأن دار الندوة كانت لبني عبد الدار فباعها عكرمة بن عامر بن هاشم العبدري من معاوية، فقيل له: بعت شرفك فقال: إنما الشرف اليوم الاسلام والكفاف.
وقال حكيم بن حزام: الجواد المبرز من لم يختر مواضع المعروف ولم يبال من أصاب به، وعمّر مائة وعشرين سنة، فكان يقول: طول العمر يذكر لك الناس.
وحضر حكيم أمر عثمان ودفنه والصلاة عليه، فقال: إنكم سخطتم من أمر عثمان ما سترضون من غيره بأعظم منه.
وقال حكيم: من بخل بمعروفه على صاحبه فإنما بخل بالأجر على نفسه.
وحدثني عبد الواحد بن غياث ثنا حماد بن سلمة أنبأ هشام بن عروة عن عروة عن حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ قال: «خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وليبدأ أحدكم بمن يعول، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله». قال عبد الواحد: ثم قال أبو أسامة حماد: قال هشام: وكان حكيم يحتاج إلى الشيء فلا يسأله أحدا، ويقول: لو انقطع شسع نعلي ما طلبت من أحد شسعا.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن المنذر بن عبد الله عن موسى بن عقبة عن أبي حبيبة قال: سمعت حكيم بن حزام يقول: تزوج رسول الله ﷺ عمّتي خديجة وهي ابنة أربعين سنة، وكانت أسن مني بسنتين، وولدت أنا قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنة، وشهدت الفجار وأنا
стр. 3866
ابن ثلاث وثلاثين سنة، قال: ومات حكيم سنة أربع أو خمس وخمسين.
وقال حكيم: كانت عمّتي أسن من النبي ﷺ بخمس عشرة سنة.
قال الواقدي: مات حكيم بن حزام بالمدينة في داره عند بلاط الفاكهة عند زقاق الصوافين.
المدائني عن ابن جعدبة قال: اشترى حكيم بن حزام حلّة من حلل ذي يزن بثلاثمائة دينار فقال: ما أرى أحدا لها أهلا إلاّ محمدا، فأهداها لرسول الله ﷺ في الهدنة التي كانت بينه وبين قريش قبل الفتح، فقال ﷺ :
«لو كنت قابلا هدية مشرك قبلت هديتك»، فأدخلها حكيم السوق ليبيعها، فأمر رسول الله ﷺ فاشتريت له ورآها حكيم عليه وقد خرج للصّلاة فتمثل حكيم قول الحطيئة في علقمة بن علاثة:
فما ينظر الحكام بالفصل بعد ما … بدا واضح ذو غرة وحجول (١)
فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم إنه كساها أسامة بن زيد بن حارثة مولاه، فقال حكيم بخ، بخ يا أسامة عليك حلة ذي يزن، فقال رسول الله ﷺ :
«قل له: وما يمنعني وأنا خير منه، وأبي خير من أبيه».
وولد حكيم بن حزام:
عبد الله بن حكيم، وأمه زينب بنت العوام بن خويلد.
وهشام بن حكيم. وأما عبد الله بن حكيم فقتل يوم الجمل مع عائشة، وكانت عنده ابنة الضحاك بن سفيان الكلابي فولدت له عثمان بن عبد الله بن حكيم، فولد عثمان بن عبد الله بن حكيم:
عبد الله بن عثمان بن حكيم، أمه رملة بنت الزبير، وكان عثمان بن
стр. 3867
عبد الله بن حكيم ممن ضربه عمرو بن الزبير، فاقتص منه، فتزوج عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، فولدت له قرين واسمه عثمان، وله عقب، وفي عبد الله بن عثمان يقول الشاعر:
تزوجتها من عترة خير عترة … أبوها ابن بنت المصطفى خاتم الرسل
به أنقذ الله البرية كلها … وقد غمرتها الجاهلية بالجهل
فأكرم بها إلفا لديك وزوجة … حويت بها غنما وفضلا إلى فضل
ويروى:
............... حويت بها فضلا من الله ذي الفضل وأمّا: هشام بن حكيم بن حزام فكانت له صحبة، وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس».
حدثني شيبان بن فروخ الآجري الأبلي ثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام أنه رأى ناسا محبوسين في الشمس، فدخل على عمير بن سعد فقال له: ما هؤلاء؟ قال: قوم حبسوا في الجزية، فقال هشام أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال:
«إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في دار الدنيا».
وقالوا: كان عمير بن سعد الأنصاري يلي بعض الجزيرة.
وقالوا: كان هشام بن حكيم عظيم القدر قويّا على أمر الاسلام، وكان عمر بن الخطاب يقول - إذا ذكر أمر فيه وهن على الاسلام ومخالفة الحق أو سبله-: أما ما عشت وهشام بن حكيم فلا.
ولا عقب لهشام بن حكيم.
стр. 3868
وأمّا خالد بن حزام بن خويلد
فنهشته أفعى وهو يريد الهجرة إلى الحبشة، ومن ولده:
الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام، ويكنى أبا عثمان، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة.
وولد نوفل بن أسد بن عبد العزى:
ورقة بن نوفل، وعدي بن نوفل، وعبيد الله بن نوفل درج صغيرا.
فأمّا: ورقة
فترك عبادة الأوثان ومال إلى النصرانية، ويقال طلب دين إبراهيم، فمر يوما ببلال بن رباح والمشركون يعذبونه، وبلال يقول:
أحد، أحد فقال ورقة: أحد، أحد، نعم ما قلت فاستغث به، وقد ذكرنا له فيما تقدم من كتابنا هذا أخبارا، وكان ورقة شاعرا وهو الذي يقول:
أجزيك أو أثني عليك وإن من … أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
وقال في زيد بن عمرو بن نفيل، وكان زيد قد ترك عبادة الأوثان:
رشدت فأنعمت ابن عمرو وإنما … تجنبت تنورا من النار حاميا
وأمّا عدي بن نوفل
فمن ولده: الزبير بن عدي، وله عقب بالحجاز،
وعبيد الله بن نوفل بن عدي بن نوفل بن أسد،
قتل يوم الحرة.
وولد حبيب بن أسد بن عبد العزى: تويت بن حبيب،
فمن ولد تويت عثمان بن عطاء، وكان سريا ضربه عمرو بن الزبير فيمن ضرب، ولهم عقب بمكة، وكانت أمّ تويت أمة للعباس اسمها مجد.
وولد المطلب بن أسد بن عبد العزى:
الأسود بن المطلب بن أسد، وأبا حبيش بن المطلب بن أسد.
فأمّا الأسود
فكان يكنى أبا زمعة، وهو أحد المستهزئين، وكان
стр. 3869
منيعا، وقد كتبنا خبره في أول كتابنا هذا.
وعمي الأسود فلم يحضر يوم بدر، وله شعر فيها وقد كتبناه، أوّله:
تبكي أن يضل لها بعير … ويمنعها من النوم الشهود
فولد الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى:
زمعة بن الأسود، وهبار بن الأسود، والحارث بن الأسود،
فأمّا زمعة بن الأسود
فكان يكنى أبا حكيمة، وفيه يقول أبو طالب بن عبد المطلب:
عظيم الرماد سيّد وابن سيد وقتل يوم بدر كافرا.
وقال معاوية بن أبي سفيان: كان زمعة فينا كهرقل في الروم، وكان يقال له زاد الراكب، فولد زمعة: عبد الله، وعقيلا، ووهبا ويزيد، قتل عقيل يوم بدر كافرا، ولا عقب له.
وكان يزيد بن زمعة
من مهاجرة الحبشة، واستشهد يوم حنين، ويقال يوم الطائف.
وكان عبد الله بن زمعة
ممن حضر دار عثمان بن عفان، وقاتل عنه، وقبض النبيّ ﷺ ولعبد الله خمس عشرة سنة، وهو الذي خرج برسالة عمر إلى الناس يأمرهم بالصلاة حين قال النبي ﷺ : «مروا أبا بكر فليصل».
فمن ولد عبد الله بن زمعة: يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود، وأمه زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وجدته أم سلمة زوج رسول الله ﷺ ، شهد يوم الحرة فأخذ وأتي به مسلم بن عقبة، فدعاه إلى أن يبايع ليزيد على أنه عبد قن فأبى وقال: أبايعه على كتاب الله وسنة نبيّه، وعلى أني ابن عمه، فقدمه فضرب عنقه، فلما توجه أهل الشام نحو مكة فمات
стр. 3870
مسلم ودفن بالمشلل (١)، أقبلت أمّ ولد ليزيد بجارية (٢) في غلمة لها فنبشت قبر مسلم واستخرجته فصلبته.
ومن ولد عبد الله بن زمعة: أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود، وله عقب وكانت هند بنت أبي عبيدة عند عبد الله بن حسن بن حسن فيما ذكر أبو اليقظان، فولدت له: محمدا، وابراهيم، وكان أبو عبيدة سريا سخيا مطعاما للطعام يعده للأضياف، ومن أتاه من إخوانه، وقد روي عنه الحديث، فلقي ابراهيم بن هشام المخزومي أبا عبيدة وإبراهيم وال على المدينة من قبل هشام، فسأله عن الطريق إلى موضع اعتمده، فقال: خذ على موضع كذا، ثم خذ على أنف مخزوم، فقال: بل على أنف زمعة، وضحك.
قالوا: ومرّ إبراهيم بمنزل أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مع طلوع الشمس، ويقال في وقت طلوع الفجر، فدخل إليه وقال له: أنا والله جائع فهل من شيء حاضر، فأمر برؤوس كانت في مطبخه فأتي بها من التنور، وقدمت إليه، فأكل، ثم قدمت إليه حلواء كانت معدة في منزله، فقال: تالله ما رأيت أكرم من هذا الرجل، فقيل: إن الرؤوس اتخذت بالأمس وهي رؤوس غنم ذبحت لضيفان له فأما الحلواء فشيء لا يفارق منزله، فقال: هذا والله أعجب.
ومنهم كبير بن عبد الله، وله عقب فمن ولده أبو البختري وهب بن وهب بن ركانه من بني عبد المطلب بن عبد مناف، وكان أبو البختري قاضيا لأمير المؤمنين هارون الرشيد، ثم ولاه المدينة وكان الحديث يحمل عنه حتى
стр. 3871
دخل إلى بعض الكبار، وعنده حمام يسابق بها، فقال: قال رسول الله ﷺ :
«لا سبق إلا في حافر أو خف أو جناح»، فاسقط حديثه وشنئت كتبه.
وقال الكلبي: قتل عبد الله بن وهب بن زمعة يوم الحرة، وكان ابنه يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة أبو محمد محدثا، مات في آخر أيام أبي جعفر المنصور.
وأما هبار بن الأسود بن المطلب
فهو الذي أهوى إلى زينب بنت النبي ﷺ بالرمح حين أخرجت من مكة إلى المدينة فألقت ما في بطنها، وقد ذكرنا خبره حين ذكرنا أولاد رسول الله ﷺ ، فبعث رسول الله ﷺ سرية وقال: «إن لقيتم هبار فاجعلوه بين حزمتين من حطب وأحرقوه، ثم قال:
سبحان الله، أبعذاب الله، إن لقيتموه فاقطعوا يده ثم رجله»، فلم تلقه السرية وقدم هبار مسلما وكان يسابّ رجلا، فقال له النبي ﷺ : «سبّ من سبّك».
فمن ولد هبار:
اسماعيل بن هبار
وأمه أم ولد.
قالوا: فاتفق اسماعيل بن هبار ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري بالمدينة في حمام، وكان ابن هبار يرمى بالذكور، وكان مصعب ذا عجيزة ضخمة وخلق حسن فمسح يده على رانفتيه (١) وظهره متعجبا من عظم عجيزته وقال: ما يحمل النساء إلا دون ما حملت، فحقد مصعب ذلك عليه ولم يظهر له شيئا مما في نفسه، ولا طفه حتى أمنه، ثم إنه أتاه ومعه معاذ بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعقبة بن جعونة الليثي، ويقال خالد بن جعونة فدعاه إلى حش طلحة، وهو موضع نخل، فأجابه إلى الانطلاق معه في غد يومه ثم
стр. 3872
إنه بعث إليه عند طلوع الفجر غلاما له يكنى أبا زيتونة ليسأله المصير إلى الحش للاجتماع به، فلما اجتمعوا حيث أراد، قام مصعب إلى نخلة قد دس فيها سيفا قاطعا فأخذه وعلاه به، وأعانه التيمي، والليثي وأبو زيتونة عليه فقتله وأخفى أمره، ويقال إن مصعبا دعاه إلى موضع يعرف بحش بني زهرة فقتله به، وجعل انصرافه إلى حميد بن عبد الرحمن أخيه فأخبره بما صنع به اسماعيل وبقتله إيّاه، فأخذ حميد ثياب أخيه فألقاها في تنور قد سجر وألبسه ثيابا غيرها، وغدا به معه لصلاة الصبح وقال: إنك ستسمع قائلا يقول: كان من الأمر كيت وذيت حتى كأنه معكم فلا يروعنك ذلك ولا يتغيرنّ له وجهك، وأصبح الناس يتحدثون بقتل ابن هبار ويرون مصعبا مع أخيه حميد فيكذبون عنه، وكان أخو اسماعيل بن هبار يقوم في دبر كل صلاة فيقول:
نشدت الله رجلا عنده من أخي علم إلا أخبرنيه، فقام عبد الله بن مطيع العدوي من قريش فقال: اللهم إنك تعلم أمره ونعلمه، فقال له: من هو؟ قال: مصعب بن عبد الرحمن، فأدخله إلى مروان فتوقف عنه، وأخذ أبو زيتونة فأدخل إلى مروان فأنكر فضربه فأقر ثم أنكر، فقيل هذا إقرار منه حين ضرب ولا يقطع الحكم به، وأرسلت أخت اسماعيل إلى عبد الله بن الزبير فأخبرته خبرهم، فركب عبد الله، والمنذر ابنا الزبير وغيرهما من وجوه بني أسد بن عبد العزى إلى معاوية بالشام، وزعم قوم أن معاوية قدم المدينة حاجا فلقيه عبد الله والمنذر ومن معهما فحكم بأن يحلف عشرة من بني أسد بن عبد العزى خمسين يمينا بالله أن مصعبا قتله، فإن حلفوا ملكوا دمه، وإن نكلوا عن اليمين حلف من بني زهرة عشرة بالله ما قتل مصعب اسماعيل وما يدرون من قتله فقال بعض آل عبد الرحمن بن عوف: يختار للحلف على
стр. 3873
دمه المسور بن مخرمة، وبني سعد بن أبي وقاص، والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وعمرو بن عثمان بن عفان، فقال من حضر من هؤلاء: ما بالنا نحلف دون بني زهرة، فرد معاوية اليمين على بني زهرة. فقال مصعب: والله ما كنت لأحلف كاذبا، وحلف خمسين يمينا عند المقام، وحلف العشرة من بني زهرة أنهم لا يعرفون قاتله.
وقال ابن الكلبي: قالت أخت اسماعيل بن هبار: ما قتل أبا فايد أخي - تعني ابن هبار - إلا مصعب والثلاثة الذين كانوا معه، ولقد جاء أبو زيتونة غلام مصعب في الليل فدعاه فما رجع، فأخذ مروان أبا زيتونة فضربه فكان يقر تحت الضرب فإذا رفع عنه قال: والله ما قلت، ما قلت إلا للضرب، وبعثت إلى عبد الله بن الزبير والمنذر بن المنذر واعلمتهما الخبر وقالت:
قل لأبي بكر الساعي بذمته … ومنذر فهو ليث الغابة الضاري
جدّا فدى لكما أمي وما ولدت … ولا تميلا إلى المخزاة والعار
فصارا إلى معاوية بالشام، ويقال تلقياه بين المسجدين، وكان حاجا فكلماه في هذا الأمر فحكم بأن يحلف مصعبا وعشرة معه من بني زهرة أنه لم يقتل اسماعيل بن هبار فحلف مصعب وحلفوا خمسين يمينا، وكان ممن حلف محمد، وأبو سلمة، وحميد بنو عبد الرحمن بن عوف، والمسور بن مخرمة، وبنو سعد بن أبي وقاص، وكانت يمين مصعب أنه لم يقتل ابن هبار، وحلف الباقون أنهم لا يعلمون من قتله، وتشاجروا فتدافع الحكم، فقال ابن قيس الرقيات:
стр. 3874
فلن أجيب بليل داعيا أبدا … أخشى الغرور كما غرّ ابن هبار
باتوا يجرونه في الحش منعفرا … بئس الهدية لابن العم والجار (١)
ويقال ان ابن الزبير قال: ليحلف مصعب والتيمي والكناني فحلفوا جميعا، وقال الهيثم بن عدي: قيل للأسديين احلفوا أن مصعبا قتل صاحبكم فقالوا: اليمين على المنكرين، فحلف الزهريون.
وقال بعض أهل المدينة: لما اختلط الأمر وأشكل ضرب المتهمون مائة مائة وسجنوا سنة ثم أخرجوا والله أعلم.
ومن ولد هبار بن الأسود: سعد بن هبار
وكان مع عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي، وهو ابن أم الحكم أخت معاوية بن أبي سفيان، وكان يشاربه ويجامعه على هواه، فقال فيه حارثة بن بدر الغداني:
نهاره في قضايا غير عادلة … وليله في هوى سعد بن هبار
يعاب أصحابه فيما يسر به … أخذا بأخذ وتكرارا بتكرار
لا يسمع الناس أصواتا لهم خفيت … لها دويا دوي النحل في الغار
فيصبح القوم أطلاحا (٢) … أضرّ بهم
حث المطيّ وما كانوا بسفّار
لا يرقدون ولا يغفي عيونهم … ليل التمام وليل المدلج الساري
واما الحارث بن الأسود بن المطلب
فقتل يوم بدر كافرا.
وأما أبو حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزي
فمن ولده:
السائب بن أبي حبيش، وكان نديا ذا نخوة وقدر في نفسه وكان أبو حبيش ملازما الحجر، فكان يقال له خيمة أبي حبيش، وقال عمر بن
стр. 3875
الخطاب: ما أحد إلا وفي نسبه وصمة غير السائب بن أبي حبيش. وتزوج مصعب بن الزبير ابنة له على مائة ألف درهم. وكان عالي السن روى عن عمر.
ومن ولد حويرث بن أسد بن عبد العزى:
عثمان بن الحويرث الشاعر، وكان مخالفا لقريش، وأسر ابنه الحارث بن عثمان بن الحويرث يوم بدر كافرا.
وقال الواقدي وغيره: كان عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى قد رفض الأوثان ومات على النصرانية، فقدم على قيصر فكان ترجمانه يحرّف ما يقول له فلا يرى عند قيصر ما يحب، فبينا هو ذات يوم يمر في بعض الطريق إذ سمع رجلا في زي الروم يتكلم العربية وينشد بيت شعر فقال له: يا هذا إنك تتكلم بلساني فمن أنت؟ قال: رجل من بني أسد بن خزيمة فاكتم ما سمعت، فشكا إليه أمره وما يلقى من جفوة قيصر له، فقال: قد بلغني خبرك وإنما تؤتى من الترجمان، ثم إن عثمان دخل على قيصر ودعا له الترجمان فقال عثمان: قل للملك: إن الكذوب الفاجر الغادر، قال: هيه؟ فالتزم عثمان الترجمان يريد أنه الموصوف بهذه الصفة. فقال قيصر: ان لهذا العربي قصة فدعا له بترجمان آخر يكلم، وأدى عنه إلى قيصر فقال: إني ضارب للملك على قريش جزية يؤدونها كل عام إذا وردوا الشام بتجاراتهم، قال:
فافعل، ثم أتى مكة فقال لقريش وغيرها: إن قيصر يأمركم أن تجعلوا له عليكم ضريبة وخرجا وإلا منعكم التجارة إلى الشام فزبروا عثمان وقرصوه وعابوا دينه وأمره وقالوا: قبحك الله وما جئت به وكان أشدهم عليه أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية والوليد بن المغيرة، ثم إن سعيد بن العاص
стр. 3876
قدم الشام ومعه أبو ذؤيب (١) هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عامر بن لؤي وكان أبو ذؤيب ابن أخته فسعى بهما عثمان إلى قيصر وقال: ان هذين اعترضا عليّ وحملا قريشا على إباء ما كانوا سمحوا به من الجزية والضريبة فحبسهما قيصر وقدم الوليد بن المغيرة في آخرين فسعى بهم عثمان أيضا فحبسهم مع سعيد بن العاص وأبي ذؤيب، فمات أبو ذؤيب في حبس قيصر ثم ان عثمان كلم قيصر في الباقين واطلقهم، وفي ذلك تقول أروى بنت الحارث بن عبد المطلب:
أبلغ لديك بني عمي مغلغلة … حربا وعفان أهل الصيت والحسب
وانبي ربيعة والأعياص كلهم … واعمم بني عبد شمس سادة العرب
مالي أراكم قعودا في بيوتكم … وخيركم منكم للجار والجنب
أبو أحيحة محبوس لدى ملك … بالشام في غير ما ذنب ولا ريب
لو كان بعضكم في مثل محبسه … ألفيتموه شديد الهم والنصب
إن الذي صدكم عنه وثبطكم … عبد لعبد لئيم حق مجتلب
لو كان فيكم صميما في أرومتكم … لشفّه ما عناكم غير ما كذب
أما عمرو بن أسد
فهو زوّج خديجة بنت خويلد رسول الله ﷺ وكان ابن عمها.
وأما الحارث بن أسد
فمن ولده
عبد الله بن حميد بن زهير بن
لحارث بن أسد
قتل يوم أحد كافرا، وبعضهم يقول قتل يوم بدر كافرا.
وعبد الله بن معبد بن حميد
قتل يوم الجمل، ويقال لبني تويتة بن
стр. 3877
حبيب بن اسد بن عبد العزّى ولبني حميد بن زهير التويتات والحميدات، وقال ذاك عبد الله بن عباس في كلام تكلم به.
وقال ابن الكلبي: كان عمرو بن أمية بن الحارث بن أسد بن عبد العزى من مهاجرة الحبشة، وبها مات.
ومن بني الحارث بن أسد بن عبد العزى: أبو البختري، وهو العاص
ابن هاشم بن الحارث بن أسد،
قتل يوم بدر كافرا، وكان الذي قتله المجذر بن زياد، وقد كتبنا خبره فيما تقدم من كتابنا هذا، وأمه من بني عبد الدار بن قصي، وولد أبي البختري يقولون نحن بنو قتيل الملائكة، فقال بعضهم لابن لمصعب بن الزبير: أنا ابن عقير الملائكة فقال ابن مصعب، عمر بن مصعب: أنا ابن من نصرته الملائكة، يعني الزبير يعني حين قتله، وشر مقتول، فقال ابن أبي البختري: انا ابن من سد البطحاء، فقال ابن مصعب: سدها أبوك بسلحه، وفتحها أبي برمحه.
ومن ولد أبي البختري:
الأسود بن أبي البختري
وكان من أشد قريش وشهد الجمل مع عائشة، وكان ابنه عبد الرحمن بن الأسود مع ابن الزبير، وكانت تحته ابنة الزبير، وهو ممن كان أعان على عمرو بن الزبير حتى قتل يوم اقامه أخوه للناس، ولولد أبي البختري عقب بالمدينة.
قال الكلبي: ومن ولد الأسود بن أبي البختري: طلحة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الأسود الذي يقول:
جدي عليّ وأبي البختري … وطلحة التيمي والأسود
أم طلحة ابنة سعيد بن الأسود بن أبي البختري، وأمها فاطمة بنت
стр. 3878
علي بن أبي طالب، وسعيد بن أبي البختري وكان جميلا وله تقول المرأة:
ألا ليتني أشري سواري ودملجي … بنظرة يوم من سعيد بن الأسود
قالوا: وكان من المحدثين أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل من بني أسد بن عبد العزى بن قصي، يتيم عروة، مات في آخر سلطان بني أمية.
انقضى نسب بني قصي بن كلاب
стр. 3879
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نسب بني زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب
ولد زهرة بن كلاب: عبد مناف بن زهرة، وأمه جمل بنت مالك بن قصية بن سعد من خزاعة. والحارث بن زهرة أمه عقيلة بنت عبد العزى بن غيرة من ثقيف، وبعضهم يقول عفيلة، وذلك تصحيف، وسوداء. وكانت كاهنة تقول: إن في نساء زهرة نجابة، فجعل الله ذلك لرسول الله ﷺ .
فولد عبد مناف بن زهرة:
وهب بن عبد مناف،
وكان من أشراف قريش، وهو جد رسول الله ﷺ أبو أمه
آمنة بنت وهب بن عبد مناف،
وأهيب بن عبد مناف،
وقيس بن عبد مناف، وأبا قيس، وهو راكب البريد كان له اتصال بملوك العراق والشام، فحمله بعضهم على البريد في أمر من الأمور، فسمي راكب البريد، وكانت الضيزنة ابنته عند عبد الله بن جدعان، ويزعمون أن روح بن زنباع الجذامي ابنه، وأم أهيب، وقيس، وأبي قيس: هند بنت أبي قيلة وهو وجرة بن غالب بن خزاعة.
فمن بني عبد مناف بن زهرة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب، وهو
стр. 3880
خال رسول الله ﷺ ، فكان من المستهزئين، وقد كتبنا خبره في أول هذا الكتاب.
حدثني أبو بكر الأعين، ثنا علي بن عبد الله المدائني، ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن عكرمة قال: أخذ جبريل بعنق الأسود بن عبد يغوث فحنا ظهره حتى احقوقف، فقال رسول الله ﷺ : «خالي خالي». فقال جبريل: يا محمد دعه.
وابنه عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث: وكان من خيار المسلمين وشهد يوم الحكمين (١)، وقد روى عن أبي بكر الصديق وله بالمدينة دار عند أصحاب الغرابيل والقباب، وكان المقداد بن عمر البهراني ربيب الأسود بن عبد يغوث، فنسب إليه، فقيل المقداد بن الأسود، وكان خلف على أمه.
(ومنهم): عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث وكان على بيت مال عمر بن الخطاب، ثم على بيت مال عثمان، وكان من الصالحين، ولما أنكر على عثمان استسلافه ما استسلف من بيت المال، ألقى مفاتيح بيت المال، واعتزله فولى عثمان بيت المال زيد بن ثابت الأنصاري ولا عقب لعبد الله بن الأرقم.
ومنهم: مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وكان من علماء قريش، وأمه ابنة صيفي بن هشام بن عبد مناف بن قصي، وكان أعمى أدرك الاسلام، وكان يكنى أبا مسور، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين وله مائة وخمس عشرة سنة، وقال بعضهم: مات في أيام عثمان، والأول أثبت.
стр. 3881
وكان ابنه المسور بن مخرمة بن نوفل، وأمه أخت عبد الرحمن بن عوف، أخبر عن يزيد بن معاوية، وقد قدم من عنده، بشر به الخمر، واعتكافه على اللذات فكتب إلى عامله على المدينة أن يضربه حدا، فقال الشاعر:
أيشربها صرفا يفضّ ختامها … أبو خالد ويضرب الحدّ مسور
وقال عقيل بن أبي طالب للمسيب بن حزن أبي سعيد بن المسيب الفقيه: يا بن الزانية، فرفعه إلى عمر وكانت أم المسيب قد أسلمت، فقال عمر لعقيل: ما تقول؟ قال: عندي البيّنة على ما رميتها من الزنا، فقال:
هلم بيّنتك فأتى بمخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وبأبي جهم بن حذيفة العدوي من قريش، فقال لهما عمر: ما تشهدان؟ قالا:
نشهد أنها زانية، قال: وبأي شيء عرفتما ذلك؟ قالا: نكناها في الجاهلية، فجلدهم عمر الحد ثمانين، ثمانين.
وكان المسور بن مخرمة مع ابن الزبير بمكة، فأصابه حجر، فمات منه.
وكان المسور يكنى أبا عبد الرحمن، وكان موته بمكة يوم نعي يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وصلى عليه عبد الله بن الزبير، ودفن بالحجون، وكان حين مات ابن اثنتين وستين سنة.
وقال الهيثم بن عدي: مات ابن سبعين، والأول أثبت.
وقال الواقدي: قبض رسول الله ﷺ وللمسور ثماني سنين، وقد حفظ عن النبي ﷺ .
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر
стр. 3882
بنت المسور قالت: ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين، وكان المسور عالما بأمور قريش، وله أحاديث قد مرت في هذا الكتاب، وقال الشاعر:
ومسورا وابن عوف مصعبا ضرعت … هذا الشجاع وهذا الناسك الفهم
يعني مصعب بن عبد الرحمن بن عوف قتل مع ابن الزبير أيضا.
ومن ولد المسور بن مخرمة:
عبد الرحمن بن المسور، أمه ابنة شرحبيل بن حسنة، وكان شرحبيل حليف بني جمح، ثم تحولوا في الإسلام إلى بني زهرة، وكان عبد الرحمن بن المسور يكنى أبا المسور، وكان فقيها، ومات بالمدينة في سنة تسعين.
وهاشم بن المسور أمه ابنة الزبرقان بن بدر التميمي، وكان أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور شاعرا وهو الذي يقول:
بينما نحن سائرون على الق … اع سراعا والعيس تهوي هويا
خطرت خطرة على القلب من ذك … راك وهنا فما استطعت مضيّا
قلت لبيك إذ دعاني لك الش … وق والحاديين كرّا المطيّا
وقال الشاعر، وهو الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب في هاشم بن المسور:
أودى بعيبة (١) … راكب مستعجل
يوم الرويثة هاشم بن المسور
هلاّ رددت الفضل حين أخذتها … فتكون معذرة وإن لم تعذر
ولقد أتيت على المشيب بسوءة … شنعاء إن ذكرت وإن لم تذكر
وكان أخذ عيبة بعض أصحابه.
وكان عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة محدثا يكنى
стр. 3883
أبا جعفر، ومات سنة سبعين ومائة وهو ابن بضع وسبعين سنة.
وكان عمرو بن عتبة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة على الناس يوم جلولاء (١) الوقيعة، وأمه عاتكة بنت أبي وقاص أخت سعد.
ومن بني عبد مناف بن زهرة:
أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص، واسمه مالك بن أهيب بن عبد
مناف بن زهرة،
وهو أحد العشرة الذين وجبت لهم الجنة، ولما أسلم أبو بكر دعا سعدا إلى الاسلام فلم يبعد، وأتى النبي ﷺ فسأله عن أمره فأخبره به فأسلم، وأم سعد حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس.
وروى الواقدي في إسناده عن عائشة بنت سعد عن سعد قال: بلغني أن رسول الله ﷺ يدعو إلى الاسلام مستخفيا، فلقيته بشعب أجياد (٢) وقد صلى العصر فسألته عما يدعو إليه فأخبرني، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
قال سعد: فأنا أول من هراق دما في سبيل الله، وأول من رمى بسهم في الإسلام.
قال الواقدي: كان سعد من الرماة المذكورين.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أبي بكر بن اسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال:
كنت ثالثا في الاسلام.
وقال الواقدي في أسناده: كان سعد قصيرا دحداحا غليظا ذا هامة
стр. 3884
شثن الأصابع، أشقر يخضب بالسواد، ومات في قصره بالعقيق وهو على عشرة أميال من المدينة فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة.
وقالت عائشة بنت سعد: سمعت أبي يقول: أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة، وولدت عام الفجار.
وقال الواقدي في إسناده (١) عن عائشة بنت سعد: مات أبي سنة خمس وخمسين وصلى عليه مروان بن الحكم وهو والي المدينة وكان يوم مات ابن بضع وسبعين سنة وكان يخضب بالسواد (٢).
وقال الهيثم بن عدي: توفي سعد بالمدينة، ودفن بالبقيع، وله نحو من ثمانين سنة.
وقال ابن الكلبي عن أبي مخنف: توفي سعد بالمدينة سنة خمس وخمسين، وله نيف وثمانون سنة.
حدثنا علي بن المديني، ثنا يحيى بن سعيد عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: أقبل سعد بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ : «هذا خالي، فليرني امرؤ خاله».
وحدثنا عمرو الناقد عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم، قال:
قال عبد الله بن مسعود: لقد رأيت سعدا يقاتل يوم بدر وهو في الرجال قتال الفارس.
حدثني أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن سعد بن إبراهيم عن عبد الله بن شداد عن علي بن أبي طالب قال: ما سمعت رسول الله ﷺ
стр. 3885
يفدى أحدا بأبويه إلا سعد بن أبي وقاص، سمعته يقول يوم أحد: «إرم سعد، فداك أبي وأمي».
حدثني عبد الله بن صالح ثنا عبد الله بن ادريس عن عبد الرحمن بن إسحاق عن خليفة بن قيس أن سعد بن أبي وقاص استخلف خالد بن عرفطة على الكوفة فأسلمت امرأة، فأتته فذكرت أن زوجها يضربها على أن تعود إلى النصرانية، وأقامت على ذلك بينة، فضربه خالد وحلقه وفرّق بينها وبينه، فأتى النصراني عمر بن الخطاب فشكا خالدا فأشخص عمر خالدا إليه فأخبره أنه نصراني، وقص عليه قصته فقال عمر: الحكم ما حكمت فيه، وكتب إلى الأمصار أن تجزّ نواصيهم وأن لا يلبسوا ألبسة المسلمين حتى يعرفوا.
وقيل في سعد:
رأيت سعودا من شعوب كثيرة … فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك
حدثني يحيى بن أيوب وشريح بن يونس قالا: ثنا اسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن عائشة بنت سعد قالت: أبي والله الذي جمع له النبي ﷺ الأبوين يوم أحد.
حدثني محمد بن سعد، أنبأ معن بن عيسى عن بعض آل سعد عن عائشة بنت سعد عن أبيها أنه قال:
ألا أبلغ رسول الله أني … حميت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها عدوهم ذيادا … بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام من معدّ … بسهم مع رسول الله مثلي
(١)
стр. 3886
وحدثني وهب بن بقية، ثنا يزيد بن هارون عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: نبئت أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص: «اللهم استجب له إذا دعاك».
وأخبرني الوليد بن صالح عن الواقدي عن مالك بن أنس عن الزهري أن رسول الله ﷺ دعا لسعد بن أبي وقاص فقال: «اللهم استجب دعوته وسدد رميته». وكان من معدودي رماة المسلمين.
وحدثني شجاع بن مخلد الفلاّس، ثنا جوير بن عبد الحميد عن مغيرة عن أمه قالت: كانت امرأة منا عند بعض آل سعد بن أبي وقاص فزرناها فرأينا امرأة قامتها قامة صبية فقلنا: ما هذه؟ قالوا ابنة لسعد: وضع لسعد طهور فغمست يدها فيه فطرف لها سعد وقال: قصع (١) الله قرنك، فلم يزل على ذلك.
وحدثني عبيد الله بن معاذ بن معاذ عن أبيه، ثنا ابن عون، حدثني محمد الزهري عن عامر بن سعد، قال: رأى سعد الناس مجتمعين على رجل، وإذا هو يسب عليا، وطلحة، والزبير فنهاه فكأنما أغراه، فقال ويلك ما تريد إلى سبّ أقوام هم خير منك، لتنتهينّ عن سبّهم أو لأدعونّ الله عليك، فقال: تخوفني كأنك نبي من الأنبياء، فصلى ودعا عليه فخرجت نجيبة نادّة (٢) فلم تزل تطأ بطنه حتى طفئ، فجعل الناس يتبعون سعدا ويقولون: هنيئا، استجاب الله لك يا أبا إسحاق.
وحدثني محمد بن سعد، أخبرني مشايخنا عن عبد الله بن عمر عن
стр. 3887
وهب بن كيسان قال: رأيت سعد بن أبي وقاص يلبس الخز (١).
حدثني عمرو الناقد، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا إسرائيل عن حصين عن مصعب بن سعد أنه كان يلبس خاتما من ذهب.
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: كان سعد بن أبي وقاص يتختم بالذهب، ويخضب بالسواد، ويلبس الخز.
وحدثني بكر بن الهيثم وابراهيم بن محمد بن عرعرة عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: كان سعد يسبح بالحصى وكان يقول: اكره أن أتحدث عن رسول الله ﷺ بواحدة فيزيدوا عليها مائة.
وحدثني محمد بن سعد، أنبأنا محمد بن عبد الله الأسدي، ثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن مصعب عن سعد أنه كان إذا أراد أن يأكل الثوم بدأ به.
حدثنا محمد بن سعد، أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ شعبة بن الحجاج عن يحيى بن الحضين قال: سمعت الحي يتحدثون أن أبي قال لسعد:
ما يمنعك من القتال؟ قال: لا، حتى تجيئوني بسيف يعرف المؤمن من الكافر (٢).
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن زيد، ثنا يحيى بن سعيد عن السائب بن يزيد قال: صحبت سعد بن أبي وقاص من المدينة إلى مكة فما سمعته حدث عن النبي ﷺ حديثا حتى رجع.
стр. 3888
حدثنا عفان، ثنا سليمان بن المغيرة، أنبأ حميد بن هلال قال: قال رجل لابن عمر: هل لك في متجر أدّلك عليه تصيب منه؟ فقال:
ما عندي مال، قال ائت سعدا فاستقرض منه من مال المسلمين، فاستقرض خمسة آلاف درهم فاشترى بها ديباجا منسوجا بالذهب فأحرقه فأصاب فضلا وردّ رأس المال، فلما قدم المدينة قال له عمر: ما هذا الذي جئت به؟ فأخبره كيف صنع، فقال: أكلّ المسلمين أقرض كما أقرضك؟ قال: لا. قال: فإني أعزم عليك لما رددت هذا الفضل إليهم.
حدثني أبو حسان الزيادي عن المبارك بن سعيد التوزي عن أبيه قال:
كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: أن اكتب لي ما أحدثت فحول الشعراء في الاسلام، فسأل لبيدا فقال له: ما أحدثت شيئا، لقد شغلني القرآن عن الشعر، فزاده عمر في عطائه.
حدثني عمرو بن محمد الناقد وعلي بن عبد الله قالا: ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عامر بن سعد عن سعد رضي الله تعالى عنه، قال:
«مرضت مرضا أشفيت منه على الموت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فقلت:
يا رسول الله، إن لي مالا كثيرا أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت فالشطر؟ قال: لا. قلت: أفأوصي بالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، لأنك إن تترك ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك، ولعلك ان تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضرّ آخرون. اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة مات بمكة» قالوا: يقول رجع إلى الأرض التي هاجر منها.
стр. 3889
حدثني بسام الحمال ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي البختري أن عمر كتب إلى حذيفة بن اليمان أن أقبل إليّ، فظن حذيفة أنه يسأله عن سعد، فأتى سعدا وجلس عنده ناحية وقال لجلسائه: انتسبوا، فانتسبوا، ثم قال لسلمان الفارسي: انتسب فقال: انا سلمان ابن الاسلام، فقدم حذيفة على عمر فسأله عن سعد فقال: لا أعلم إلا خيرا، غير أني رأيت عنده أمرا كرهته، وأخبره الخبر فكتب عمر إلى الأشعث أن أقدم، وكان ممن انتسب عند سعد وفخر بآبائه، فقال له عمر: انتسب.
فقال استغفر الله وأتوب إليه يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أنت مع من انتسبت إليه، وأنا وسلمان ابنا الاسلام.
وحدثني أحمد بن ابراهيم، ثنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حبيب أن سعدا كان يصلي العشاء، ويصلي بعدها ما شاء الله، ثم يصلي بعد ذلك ركعة يوتر بها.
حدثني إبراهيم العلاف البصري عن غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة أنه سمع عبد الله بن مسلمة يحدث أن سعدا أمهم في العشاء الآخرة فلما انصرف تنحى فركع ركعة واحدة ثم انصرف فاتبعته فقلت: ما هذه الركعة يا أبا إسحاق؟ قال: وتر أنام عليه، فذكرت ذلك لمصعب بن سعد فقال:
كان سعد يوتر بركعة.
حدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا سريج بن النعمان عن ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة، أخبرني صالح عن اسماعيل بن محمد بن سعد أن سعدا كان يقول: إني لأوتر بواحدة وأنا أعلم أن الثلاث خير من الواحدة، وأن خمسا خير من ثلاث، ولكني أريد التيسير على نفسي.
стр. 3890
حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، ثنا سفيان عن اسماعيل بن محمد عن عمه مصعب بن سعد قال: قيل لسعد إنك توتر بواحدة، قال نعم إني أحب أن أخفف عن نفسي.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، أنبأ شعبة عن حماد عن ابراهيم أن ابن مسعود عاب على سعد أنه كان يوتر بركعة.
حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم عن شريك عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب قال: أنكر ابن مسعود على سعد ركعة الوتر، وقال: ما أخبرت عن أحد قط بركعة، فقال: أنت الذي تورث حواء من بناتها، وكان عبد الله يورث الجدات.
وحدثني العمري عن هشام ابن الكلبي، عن أبيه قال: قال سعد لعمرو بن معدي كرب: إنك لم تنصف عباس بن مرداس السلمي قال:
كذا، وقلت: كذا، فقال عمرو: وما أنت وذاك؟ فغضب سعد فشتمه واحمرت حدقتا عمرو وانتفخت أوداجه وأنشأ يقول:
أيوعدني سعد وفي الكف صارم … سيمنع مني أن أذلّ وأخضعا
فوالله لولا الله لا شيء غيره … لجللته إياه أو يتقطعا (١)
فبلغ شعره سعدا فأتاه فاعتذر إليه.
حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، أنبا يزيد بن هارون، أنبأ مالك بن أنس عن سالم أبي النضر قال: لما توفي سعد بن أبي وقاص أمرت عائشة أم المؤمنين أن يمر به عليها فتستغفر له.
حدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة عن