ومنهم: عون بن عبد الرحمن بن عمير بن عثمان
وكان له قدر، وكان صديقا لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فمرض فلم يعده أمية فقال:
إن من غرّه أمية بعدي … مثل من غرّه أجيج السراب
كنت أرجو أن يحفظ العهد مني … فإذا عهده كعهد الغراب
وكان عون هذا خاف الحجاج فهرب منه، وأنشأ يقول:
وددت مخافة الحجاج إني … بكابل في است شيطان رجيم
فأخذ هذا مساور الوراق فقال:
ما زال بي صوت دندان (١) … يؤرقني
والناس من بين مجلود ومحبوس
حتى تمنيت أني من مخافته … بكابل استار حولا في است جاموس
فقيل: لو قلت فوق جاموس، فقال: ذاك أخفى.
وقال الكلبي: كان عبيد الله بن خالد بن عون بن عبد الرحمن بن عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد قائدا من قواد خراسان بمرو فوقعت بين بكر بن وائل وتميم فتنة، بسبب حوانيت ابتناها عبيد الله بن عون أخو خالد بن عون في بعض أفنية بكر بن وائل فهدموها.
وأما زهرة بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم
فولد هشام، ويقال هاشم بن زهرة. كان صريعا، فأمره عمر بن الخطاب أن يصارع رجلا قدم يتحدى الناس بالمصارعة فصرعه هشام، وجلد مروان بن الحكم عبد الله بن هاشم بن زهرة بن عثمان بن عمرو في الخمر ثمانين، ويقال ابن هشام.
ومن بني تيم بن مرة: عبد الله وعمير ابنا جدعان بن عمرو بن
стр. 4027
كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وكلدة ابن جدعان، قتل يوم الفجار.
فأما عمير بن جدعان
فولد: قنفذ بن عمير، أدرك النبي ﷺ ، فكان مؤذيا له فقال أبو طالب فيه وفي عثمان بن عبيد الله:
وإني أرى عثمان أمسى وقنفذا … ومن جمعا من شرّ تلك القبائل
وكان المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان على شرط عثمان بن عفان، وكان عمر جلده وامرأته ثمانين ثمانين في شراب.
وأما عبد الله بن جدعان،
وأمه سعدى بنت عويج، فكان شريفا سيدا في الجاهلية ولما كبر حجر عليه قومه أن يتلف ماله فكان يقول للرجل:
ادن مني ألطمك وطالبني بالقود، فيلطم الرجل فيرضيه قومه عنه من ماله، فقال ابن قيس في ذلك:
والذي إن أشار نحوك لطما … تبع اللطم نائل وعطاء
(١) وكان له ذكر في العرب، فسأل كسرى يوما عن دين العرب، وأمر البيت وقال: إني لأحب أن ألقى من أهل مكة رجلا ذا عقل وفهم فأسائله عن أمورهم، فذكر له قوم من العرب كانوا بحضرته أمر عبد الله بن جدعان، فكتب إلى صاحب اليمامه يأمره بالمسير إلى مكة ليشخص إليه ابن جدعان مكرما، فأشخصه إليه فلما رآه كسرى أعجبته هيئته وعقله ونبله، وكان قد أهدى إليه عصبا يمانيا وأدما فقبل هديته وآنسه فكان يدعو به يسائله وبينهما ترجمان، فإذا قام منصرفا قال: ما ظننت أن في العرب مثل هذا في حلمه وثخانته (٢) وجودة رأيه. وكان يؤاكله، ثم إنه وصله وزوده من ثياب
стр. 4028
العراق وطرائفه وقال له وهو يأكل: هل لك في حاجة تذكرها؟ قال:
نعم، تهب لي هذا الطباخ الذي يتخذ لك هذه الحيسة يعني الفالوذ، فوهب له طباخا، فلما انصرف فقدم مكة أمر باتخاذ الفالوذ فكان يتخذ ويطعمه أهل مكة، فقال أمية بن أبي الصلت الثقفي:
وأبيض من بني عمرو بن كعب … وهم كالمشرفيات الحداد
له داع بمكة مشمعل (١) … وآخر فوق داريه ينادي
إلى ردح من الشيزى (٢) … ملاء
لباب البرّ يلبك بالشهاد
لكل قبيلة ثبج وهاد … وكنت الرأس يقدم كل هادي
فما لاقيت مثلك يا بن سعدى … لمعروف وخير مستفاد
(٣) وأم عبد الله جمحية واسمها سعدى، وقد سمعت في قدومه على كسرى وجها آخر، وهو أن الحارث بن ظالم لما خاف النعمان استجار بزرارة بن عدس ثم التمس أحرز من مكانه عنده، فأتى مكة واستجار بعبد الله بن جدعان، فكره النعمان ومن جمع له أن يأتوا مكة وهي حرم، فكتب النعمان إلى كسرى يعلمه فتك الحارث وشرارته وأنه يسعى بالفساد في عمله، ويسأله أن يكتب إلى صاحب اليمامة في أشخاص الحارث إليه وأخذ من هو عنده به، فلما صار صاحب اليمامة بقرب مكة كره أن يطأها بجيش وانتظر يوما من أيام أسواقهم بعكاظ وغيرها، فلما اجتمعوا فيه لقي ابن جدعان فسأله أن يسلم إليه الحارث بن ظالم فقال: إنه فارقني، فأشخص صاحب
стр. 4029
اليمامة ابن جدعان إلى كسرى، ويقال إن باذام صاحب كسرى باليمن تعبّث بأهل مكة في شيء التمسه منهم، فشخص ابن جدعان في عدة من قريش إلى كسرى يشكونه، فكتب له إلى باذام بما أراد، والله أعلم.
وقال الواقدي في إسناده: كان بنو تيم في حياة ابن جدعان كأهل بيت واحد يقوتهم ابن جدعان، وكان يطعم كل يوم في داره الدهر كله جزورا، فينادي مناديه: من أراد اللحم والشحم فعليه بدار ابن جدعان، ووفد على ملك فارس فقال له: بلغني أنك أعظم العرب مروءة فسلني حوائجك، فسأله طباخا يعمل الفالوذ، فكان يطعمها قريشا.
وكان لرجل من بني جشم بن بكر على رجل من بني كنانة دين، فأعدم الكناني، فأتى إلى الجشمي بقرد فقال: من يشتري هذا القرد بدين الجشمي عليّ، فوثب الجشمي فقتل القرد، فاقتتل بنو كنانة وبنو بكر فأصلح بينهم ابن جدعان، وحمل ذلك الدين.
وكان ابن جدعان يكنى أبا زهير، وفي داره كان اجتماع أهل حلف الفضول حين عقدوه، وقال رسول الله ﷺ يوم بدر: «لو كان أبو زهير أو مطعم بن عدي حيا فاستوهبهم لوهبتهم له».
وسكر ابن جدعان ليلة من الخمر فجعل ليتناول القمر، فأخبر بذلك فترك الشراب وقال:
شربت الخمر حتى قال صحبي … ألست عن الشراب بمستفيق
وحتى ما أوسّد في منام … أبيت به سوى الترب السّحيق
وقال معاوية بن أبي سفيان: إنما تقسم الشرف بعد أبي زهير عبد الله بن جدعان، وكان مقدما عند قريش، ومدح أمية بن جدعان
стр. 4030
فقال:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع … لك الحسب المهذب والسناء
كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الجميل ولا مساء
يباري الريح مكرمة وجودا … إذا ما الكلب أحجره الشتاء
وأرضك أرض مكرمة بناها … بنو تيم وأنت لها سماء
(١) وقال أمية يرثيه في أبيات:
آباؤك الشّم المراجي … ح المساميح الأخاير
علم ابن جدعان بن عم … رو أنّه يوما مدابر
ومسافر سفرا بعي … دا لا يؤوب له المسافر
فقدوره بفنائه للضي … ف مترعة زواخر
زبدا وغرغرة (٢) … كغرغرة الفح
ول إذا تخاطر
وكأنهنّ إذا حمين بما شج … ين به ضرائر
وكأنما يدعى عرينة في … طوائفها وضاطر (٣)
وإذا تشام بروقهم … جادت أكفهم المواطر
لا يحتويهم جانب … نأي المحل ولا مجاور
قوم حصونهم الأس … نّة والأعنّة والبواتر
стр. 4031
نزلوا البطاح ففصّلت … بهم البواطن والظواهر (١)
وله يقول أمية أيضا:
نعم الفتى وأخو العشيرة إنه … يعطي الجزيل ولا يكدّ السائلا
(٢) وقال خداش بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يهجو ابن جدعان:
أغرّك أن قالت قريش مسوّد … وأنك مكفيّ بمكة طاعم
فبعث إليه فأرضاه.
قالوا: ولما مروا بنعش ابن جدعان صرخت ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - وكانت عند ابن جدعان، خلف عليها بعد أبي هوذة الحنفي فلم تلد منه، وكان عقيما فسألته الطلاق فطلقها فتزوجها هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له سلمة - فقال لها زوجها هشام: ما هذا؟ قالت: إنه نعم زوج الغريبة. فقال: أي والله والقريبة، ما ألومك أن تبكي سيد قريش.
قالوا: وكان ابن جدعان عقيما فادعى بنوّة رجل فسماه زهيرا، وكناه أبا مليكة فولده كلهم ينسبون إلى أبي مليكة، ويقال أبو مليكة بن عبد الله بن جدعان، فمن ولد أبي مليكة عبيد الله وعبد الله ابني أبي مليكة.
وذكر أبو اليقظان أن أهل مكة يقولون في مثل لهم يضربونه: حتى
стр. 4032
يرجع أبو مليكة إلى عصيدته، وذلك أنه أمر أن تعمل له عصيدة ففقد فلم بعد إليها.
فأما عبيد الله بن أبي مليكة فأقامه عمر بن الخطاب مقيما للحدود بمكة.
وأما عبد الله فمن ولده زيد بن عبد الله بن أبي مليكة، وكان زيد مع بعض ولد زياد بن أبي سفيان بسجستان، فقتله الترك، وكان ابنه علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة الذي يقال له: علي بن زيد بن جدعان محدثا، روى عن سعيد بن المسيب وغيره، ومات في أرض بني ضبّة بالطاعون ولا عقب له.
ولأخيه محمد بن زيد بن أبي مليكة عقب بالبصرة.
حدثني الحرمازي عن ابن عمر الحجري عن أبيه قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: إذا غلب على العالم الطمع ذهب بهاؤه.
قال: سوّار بن زهدم الجرمي في بعض ولد أبي مليكة:
بني تيم بن مرّة إنّ فيكم … مكارم لسن في أحد سواكم
فمنهن الطّعان إذا لقيتم … وإعطاء المضاف إذا اعتراكم
وسعيكم إلى المعروف سهل … ولم تحلل إلى جهل حباكم
وكان عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة يروي عن عبد الله بن عباس، مات سنة سبع عشرة ومائة.
وقال محمد بن سعد: كان من ولد جدعان: يعقوب بن زيد بن طلحة، ويكنى أبا عرفة، وكان قاصا، روى عنه مالك بن أنس، مات في خلافة أبي جعفر.
стр. 4033
ومن بني تيم بن مرة:
محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد
العزى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة،
وكان الهدير منقطعا إلى عائشة ووصلته بعشرة آلاف درهم فاشترى أم ولد.
قال أحمد بن ابراهيم عن الحجاج بن محمد عن أبي معشر أن عائشة وهبت للمنكدر عشرة آلاف درهم فابتاع منها جارية بألفي درهم، فولدت له: محمدا، وأبا بكر، وعمر بني المنكدر، فأتى رجل بمال فقال: دلوني على رجل فاضل بالمدينة أدفع إليه هذا المال، فدلّ على عمر بن المنكدر، فلم يقبل المال فدل على أبي بكر فلم يقبله، فدل على محمد فلم يقبله، فقال الرجل: يا أهل المدينة، إن استطعتم أن يلدكم كلكم المنكدر فافعلوا.
وقال ابن عيينة: كان محمد بن المنكدر من معادن الصدق، وكان يجتمع إليه الصالحون.
أحمد بن ابراهيم عن علي بن الحسن عن سفيان بن عيينة قال: قلت لمحمد بن المنكدر أي الأعمال أحبّ إليك؟ قال: إدخال السرور على المسلم، قيل فما بقي مما تستلذه؟ قال: الإفضال على الإخوان.
قالوا: وكان محمد بن المنكدر يضع خدّه بالأرض ثم يقول لأمه:
قومي فضعي قدمك على خدي، وكان ابن المنكدر يقوم الليل فيصلي فسمع صياح جار له مبتلى، فكان يرفع صوته بالحمد فقيل له في ذلك فقال: رفع هذا صوته بالبلاء وأرفع صوتي بالنعمة.
حماد بن زيد عن عمر بن جابر عن محمد بن المنكدر قال: إن المتكلم يخاف مقت الله وإن المستمع يرجو رحمة الله.
وقال عمر بن محمد بن المنكدر: كنت أمشي مع أبي في الطريق فإذا مرّ
стр. 4034
بهذه القراطيس الممزقة أمرني أن آخذها فأجعلها في كوة، ويأخذها هو أيضا.
وروى ابن المبارك عن أسامة بن زيد، حدثني محمد بن المنكدر قال:
كان يقال شر قتيل قتل في الاسلام قتيل يقتل بين ملكين يريدان الدنيا.
أحمد بن أبي معاوية، ثنا محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر أنه كان يستقرض ويحج، فقيل له: ألحج بالدّين؟ فقال: الحج بالدين أقضى للدين.
حدثني روح بن أسلم عن زائدة بن قدامة، أنبأ محمد بن سوقة، سمعت محمد بن المنكدر يقول: ان الله يصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده، وأهل دويرته، وأهل الدويرات حوله، فما يزالون في حفظ من الله ما دام فيهم، وكان الغاضري (١) ربما حضر مجلس ابن المنكدر.
وقال سفيان: لما حضرت ابن المنكدر الوفاة جزع فقالوا: ادع أبا حازم يعزيه، فجاء أبو حازم فقال له ابن المنكدر: إن الله يقول: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٢)، وأخاف أن يبدو لي من الله، ما لم أكن أحتسب، فجعلا يبكيان جميعا. ويقال إن القائل هذا عمر بن المنكدر.
وقيل لابن المنكدر: أتصلّي على رجل يرتهن؟ فقال: إني أكره أن يعلم الله من قلبي أن رحمته تعجز عن واحد.
حدثني غسان بن المفضل قال: أعطى محمد بن المنكدر حتى بقي في إزار، وقالت أم عمر بن المنكدر لعمر: يا بني أني لأشتهي أن تنام فقال:
стр. 4035
إني لأستقبل الليل فيهولني، فيدركني الصبح وما قضيت حاجتي.
حدثني الحرمازي قال: حج محمد بن المنكدر ومعه فتيان من قريش، وكانت الريح إذا رفعت ستارة عن وجه امرأة في قبتها وعمارتها قال: برقة، فرفعت الريح ستارة منها فإذا وجه امرأة سوداء فقال محمد بن المنكدر أما هذه فصاعقة.
وقال الحرمازي: قيل لمحمد بن المنكدر: إن ههنا رجلا يغني غناء السفهاء. قال: وما يقول؟ قالوا يقول:
أطوف بالبيت فيمن يطوف … وأرفع من مئزري المسبل
قال: قد أحسن ونعم ما صنع، ثم أنشد:
وأسجد بالليل حتى الصباح … وأتلو من المحكم المنزل
فقال: هذا رجل صدق، فأنشد:
عسى فارج الهم عن يوسف … يسخر لي ربّة المحمل
قال: آه، آه أمسكوا، هذا رجل سوء.
وأخبرني بعض أصحابنا عن الحرامي أنه ذكر أن سفيان بن عيينة المنشد هذا الشعر، الذي غنى به ابن جامع السهمي والله أعلم.
وأنشد ابن المنكدر:
فما تولت حتى تضرعت حولها … وأعلمتها ما أنزل الله في اللمم
فقال: لمن هذا؟ قال: لوضاح اليمن. فضحك وقال: إن وضاح لمقيتا لنفسه.
ومات محمد بن المنكدر في سنة ثلاثين ومائة، ويكنى أبا عبد الله.
وكلم ابن المنكدر عبد الملك في قضاء دينه فقال: أقضيه عنك على أن
стр. 4036
لا تعود للدين. فقال: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، يقول:
لا أسألك بها قضاء دين.
وكان أبو بكر بن المنكدر فقيها.
وقال أبو اليقظان: ولد الهدير ربيعة، وعبد الله والمنكدر، فولد المنكدر محمدا، وأبا بكر، وعمر، وكلهم كان ديّنا خيرا.
قال: وقال محمد بن المنكدر: بات أخي عمر يصلي بالليل، وبت أغمز قدمي أمي، فما تسرني ليلته بليلتي.
قال: ودخل أعرابي المدينة فرأى إعظام الناس بني المنكدر وذكرهم لهم، فسئل عن أهل المدينة لما خرج منها فقال: تركتهم بخير، وإن استطعت أن تكون من بني المنكدر فكن.
وحج محمد بن المنكدر فأعطى ما معه وتصدق وفرق، فلم يبق معه شيء، فقال لأصحابه: ارفعوا أصواتكم بالتلبية، ورفع صوته فمر ببعض المياه وعليه محمد بن هشام المخزومي فقال: بلغني أن ابن المنكدر أنفق نفقة كبيرة، وما أظن معه شيئا، فبعث إليه بأربعة آلاف درهم، فأخذها وحمد الله كثيرا وقال: إن من أفضل أعمال أهل الإيمان إطعام الشبعان.
قال وكان ربيعة الرأي ابن أبي عبد الرحمن، مولى بني الهدير، وكان ربيعة يكنى أبا عبد الرحمن أيضا بكنية أبيه، وكان اسم أبيه فروخ، وكان يسار النساء من سبي أذربيجان مولاهم أيضا، وكان يشتري متاع العرائس ويبيعه، وكانت تلك تجارته فقيل له: يسار النساء، وكان اسماعيل بن يسار، ومحمد بن يسار، وسليمان بن يسار إخوة. قال محمد بن يسار لإسماعيل أخيه:
стр. 4037
تلوم على القطيعة من أتاها … وأنت سننتها في الناس قبلي
وقال اسماعيل:
لا تحسبنّي كمعشر كذب … علفتهم ما أنيت فاعتلفوا
وقد فرّق الله بين نيتينا … في كل أمر فكيف نأتلف
وكان اسماعيل يكنى أبا فايد، وكان شاعرا سديد العقل، ذا رأي، وكان سليمان بن يسار منقطعا إلى ابن الزبير، وليس هو سليمان بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية الفقيه.
وكان الماجشون مولى بني الهدير أيضا.
وقال محمد بن سعد: كان ربيعة بن عبد الله، وهو أبو سلمة بن الهدير فقيها، روى عن أبي بكر وعمر (١).
وكان ربيعة بن عثمان بن عبد الله بن الهدير فقيها ومات في سنة أربع وخمسين ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة، ويكنى أبا عثمان.
قال أبو اليقظان: ومن بني تيم بن مرة:
عون بن عبد الله بن
عياش بن أبي هند،
ويكنى أبا عبد الله، وكان له قدر بفارس، وولي اصطخر لمنصور بن زياد، وهلك منصرفا من مكة.
وقال ابن سعد: كان عبد الرحمن بن صبيحة التيمي من قريش وقد حج مع أبي بكر، وروى عنه، وله بالمدينة دار عند أصحاب الأقفاص.
وقال أبو اليقظان: كان صبيحة بن الحارث بن جبيلة بن عامر بن كعب بن سعد فيمن بعثه عمر بن الخطاب لإقامة أنصاب الحرم.
قال ابن الكلبي: ومن بني تيم بن مرة: الحارث بن خالد بن
стр. 4038
صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وكان من مهاجرة الحبشة في المرة الثانية، وقد ذكرناه فيما تقدم من كتابنا هذا.
ومنهم: خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم
وهو الشرقي وبعضهم يقول الشرفي، وكان يأتي مشارف الشام، وكان فيه وفي أهل بيته بغي وشرارة.
ومن ولده: شييم بن قيس بن خالد بن عبد مناف،
وله تقول أمه سبيعة بنت لاحب النصرية:
أبنيّ لا تظلم بمك … ة لا الصغير ولا الكبيرا
إني رأيت الظلم أورث … هم لبغيهم ثبورا
والفيل أهلك جيش … هـ يغشى عناتهم الصخورا
والله آمن طيرها … والوحش حين أوت ثبيرا
وأنشدنيه عمرو بن الأسود الشيباني:
لا تظلمن من جاء مك … ة من صغير أو كبير
أبنيّ من يظلم بمك … ة يلق أطراف الشرور
واحفظ محارمها ولا يغرر … ك بالله الغرور
فالله آمن طيرها … والوحش تعقل في ثبير
والفيل أهلك جيش … هـ يرمون فيها بالصخور
فاسمع إذا حدّث … ت وافهم كيف عاقبة الأمور
والرواية الأولى رواية الحرمازي.
وقالت له أيضا:
أبنيّ إني رابني حجر … يغدو بكفك كلما تغدو
стр. 4039
قال:
ومنهم مسافع بن عياض بن صخر بن عمرو بن كعب بن
سعد بن تيم
وهو الذي هجاه حسان بن ثابت الأنصاري فقال:
يا آل تيم ألا تنهون جاهلكم … قبل القذاف بأمثال الجلاميد
(١) ومنهم محمد بن ابراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تيم الفقيه أبو عبد الله
مات سنة عشرين ومائة، وابنه موسى بن محمد بن إبراهيم مات في خلافة المهدي.
قال: ومن بني تيم بن مرة:
أبو الغشم بن عبد العزيز بن عامر بن
الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم.
والحويرث بن دبّاب بن عبد الله بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد، وكان من قصة دباب، وذكر أبي طالب إياه ما قد شرحناه مع تسمية ولد أبي طالب لصلبه.
وحدثني أبو محمد التوزي النحوي عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: كان ابن جدعان يوجه أبا مليكة وغيره بالهدايا إلى ملك الحيرة، وإلى كسرى، ويفد إليهم في الأمور، ويكاتبهم، فبعث بهدايا إلى ملك الحيرة، فقطع على رسله بنو يربوع، فأغار ابن جدعان بقريش ومن لافهم على بني يربوع، ولم يعرض لغيرهم من بني تميم.
وقال ابن جدعان في ولد سبيعة بنت الأحبّ، وفي خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم وإخوته:
إذا ولد السبيعة فارقوني … فأي مراد ذي حسب أرود
أأقعد بعدهم في الناس حيا … وقد هلك المصاليت الأسود
يكبّون العشار لمن أتاهم … إذا ما لم يكن في الأرض عود
стр. 4040
حدثني هشام بن عمار عن حاتم بن اسماعيل عن صالح بن محمد عن زائدة عن أبي سلمة عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان يضيف الضيف، ويطعم الطعام، ويفعل ويفعل، قال: «يا عائشة كيف ولم يقل قط ساعة من ليل أو نهار: رب اغفر ﴿لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١)؟
стр. 4041
نسب ولد يقظة بن مرة بن كعب
ولد يقظة بن مرة:
مخزوم بن يقظة،
وأمه كلبة بنت عامر بن لؤي.
فولد مخزوم: عمرو بن مخزوم، وعامر بن مخزوم، وحبيب بن مخزوم، وأسد بن مخزوم، فدرج حبيب وأسد وأمهم عنبة، ويقال: غنى بنت سيار واسمها لبنى بنت سيار بن نزار بن معيص بن عامر بن لؤي.
وعمران بن مخزوم، وعميرة وأمهما سعدى بنت وهب بن تيم بن الأدرم بن غالب.
فولد عمر بن مخزوم:
عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمر، وعبد العزى بن عمر وأمهم برّة بنت قصي بن كلاب.
فولد عبد الله بن عمر بن مخزوم:
المغيرة بن عبد الله إليه البيت والعدد، وعائد بن عبد الله - بدال غير معجمة - وأسد بن عبد الله - وهو ابن جندب - وخالد بن عبد الله، وعثمان. وأمهم ريطة بنت عمرو بن كعب بن أسعد بن تيم بن مرة.
وهلال بن عبد الله وأمه برّة بنت ساعدة بن مشنوء بن عبد حبتر من خزاعة.
стр. 4042
فولد المغيرة بن عبد الله:
هشام بن المغيرة، وهاشم بن المغيرة درج ولا عقب له، وأبا حذيفة بن المغيرة واسمه مهشّم، وأبا ربيعة، وهو ذو الرمحين، واسمه عمرو، وأبا أمية بن المغيرة، واسمه حذيفة، وأبا زهير بن المغيرة واسمه تميم، والفاكة قتلته كنانة وأمه ريطة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص، وبعضهم يقول: ريطة بنت سعيد بن سعد بن سهم، والأول قول الكلبي.
والوليد بن المغيرة
وكان يقال له: العدل، وهو الوحيد، وعبد شمس بن المغيرة وأمهما صخرة بنت الحارث بن عبد الله من قشير بجيلة، وحفص بن المغيرة، وأمه حبيبة بنت شيطان من بني كنانة، ويقال حنتمة، وكانت له: حفصة، وصفية، وهند. فأما حفصة فكانت عند حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم فقالت:
ومالي لا أبكي وأحلق جمّتي … وقد نكح البيض الأوانس حنطب
وكانت هند وصفية عند أبي أحيحة بن سعيد بن العاص بن أمية.
قالوا: وكان المغيرة بن عبد الله ذا قدر في قريش، وكان يطعم الطعام، وأطعم يوما قوما من خزاعة فقال: قبّح الله هذه الوجوه أعناق ضباع كرم، وأكل غثم أي شديد، فقال الخزاعي، وكان المغيرة يكنى أبا هشام، وما قال المغيرة ذاك إلا ليعلم علم ما قد يستثير:
سيغني عن خزير (١) … أبي هشام
صفايا كثة الأوبار خوز
وقال قوم ممن يلتمس الطعن على المغيرة أنه استرضع للمغيرة في بني شجع بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة، فمات
стр. 4043
فجعلت الشجعية ابنها مكانه، وسمته المغيرة، وادعت أن الميت ابنها فوقع لما شب في بئر فقال: يا إخوتي يا شجع، وكان عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم حاضرا فقال:
عال يديك وارتفع … أنا أخوك لا شجع
وقال قوم: إن المسترضع له الوليد بن المغيرة، فمات الوليد فجعل الشجعي مكانه، فلما وقع في البئر قال له هذا القول بعض اخوته من بني المغيرة، والله أعلم.
وقال حسان بن ثابت للوليد:
فمالك في كعب قناة صليبة … وإن قلت من شجع فأنت كذوب
(١) ونفاه حسان من شجع أيضا لأنه يقال إن الشجعية جعلت مكان الميت المسترضع له ابن عبد لهم يقال له صقعب وكان اسم الصبي ديسم بن صقعب.
وقال حسان في بني المغيرة من بني مخزوم أو بني الوليد:
إذا ذكر الأطايب من قريش … تلاقت دون نسبتكم كلاب
نفتك بنو هصيص عن أبيها … بشجع حيث تسترق العياب
وعمران بن مخزوم فدعها … هناك العز والحسب اللباب
(٢) وكان كل من حج من العرب ينزلون على بطون قريش فيعطونهم ثيابا يطوفون فيها، ويلقون ثيابهم ويأخذ البطن الذي ينزلون عليهم ما ينحرون من الجزر حتى منع ما ينحره رجل من فزاره من بني شمخ، وكان نازلا على
стр. 4044
المغيرة، فتهدده المغيرة فترك الحج وقال:
يا رب هل عندك من عقيرة … أصبح مالي تاركا محيره
إنّ منى مانعها المغيرة
فأما هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم،
فكان يكنى أبا عثمان، وكان سيدا من سادات قريش في زمانه إطعاما للطعام وتوسعا على الناس.
وقال أبو اليقظان: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو دخل مشرك من العرب الجنة لدخلها هشام بن المغيرة، ان كان لأقراهم للضيف وأحملهم للكلّ»، وكانت قريش جعلت موته تاريخا. تقول كان هذا ليالي مات هشام بن المغيرة، وكان موت هشام بن المغيرة بمكة فقال الشاعر:
وأصبح بطن مكة مقشعرّ … لأن الأرض ليس بها هشام
فبكيّه ضباع ولا تملي … البكاء فانه رجل إمام
إمام الحلم والتقوى وسيب … على الأقوام إن فقد الغمام
يروح كأنه أثناء سوط … وفوق خوانه حيس ركام
وقالت ضباعة القشيرية ترثيه:
إن أبا عثمان لم أنسه … وان صمتنا عن بكاء لهوب
تفاقدوا من معشر ما لهم … أيّ كريم دفنوا بالقليب
وقال هشام ابن الكلبي: مات هشام بن المغيرة بعد عبد الله بن جدعان بيسير، وكان شريفا سيدا في أخلاقه، فلم تقم سوق عكاظ ثلاثا، وقال فيه ابن عبلة الشاعر وهو الحارث بن أمية الأصغر:
الا ذهب الفياض والحامل الثقلا … ومن لا يصون عن عشيرته فضلا
стр. 4045
وعان تريك يستكين لعلة … فككت أبا عثمان عن يده الغلاّ
وما أنت كالهلكى فتبكى بكاءهم … ولكن ترى الهلاّك في جنبه وغلا
وحدثني علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: لما قال الحارث: «وما أنت كالهلكى» قال بنو حرب بن أمية إنما عرّضت بأبينا حرب في قولك: «وما أنت كالهلكى» وضربوه ليموت، فهرب إلى الطائف، وأخربوا منزله الذي في بني عبد شمس، فاشترى له بنو هاشم داره التي في أجياد، فقدم من الطائف. وقال بحير بن عبد الله القشيري:
دعيني أصطبح يا بكر إني … رأيت الموت نقّب عن هشام
وود بنو المغيرة لو فدوه … بألف مقاتل وبألف رام
وود بنو المغيرة لو فدوه … بألف من رجال أو سوام
(١) قالوا: وأتى هشام بن المغيرة نجران في أمر من أموره، وبها أسماء بنت مخرّبة بن جندل بن وبير - ويقال: أبير - بن نهشل بن دارم، وقد هلك عنها زوج لها، وكانت جميلة لبيبة فقيل إن ههنا امرأة من قومك، فلما رآها رغب فيها فقال: هل لك في أن أتزوجك وأنقلك إلى مكة؟ فقالت: ما أعرفك ولكني أنكحك على أن تحملني إلى مكة فتزوجها وحملها إلى مكة، فولدت له عمرو بن هشام ويكنى أبا الحكم، وهو أبو جهل، والحارث بن هشام، ثم هلك عنها فخلف عليها أبو ربيعة بن المغيرة فولدت له عياش بن أبي ربيعة.
وقال أبو اليقظان: سأل معاوية رجلا عن بني مخزوم، فقال: معزى مطيرة غير بني المغيرة.
فولد هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبا جهل بن
стр. 4046
هشام، واسمه عمرو، وكان يكنى أبا الحكم فكناه رسول الله ﷺ أبا جهل، قتل يوم بدر كافرا وقال فيه حسان بن ثابت:
الناس كنّوه أبا حكم … والله كنّاه أبا جهل
(١) وقد ذكرنا أخباره ومقتله فيما تقدم من كتابنا.
وكانت جويرية ابنته عند عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
قالوا: وكان هشام، وابن جدعان، وحرب بن أمية يتجالسون، فلما مات حرب بن أمية جاء أبو سفيان ليجلس مكان أبيه فنحاه هشام، فقال: والله ليجلسني مجلس أبي من هو أشرف منك، عبد الله بن جدعان.
والحارث بن هشام أمه أسماء بنت مخرّبة النهشلية، وسلمة بن هشام وأمه ضباعة القشيرية، والعاص بن هشام قتل يوم بدر كافرا، وجاء هشام بن العاص بن هشام بن المغيرة يوم الفتح إلى النبي ﷺ فنظر إلى خاتم النبوة، ووضع يده عليه، فأقعده رسول الله ﷺ بين يديه وضرب في صدره ثلاثا، ثم قال: «الهم أذهب عنه الغل والحسد» فكان ولده يقولون: نحن أقل قريش حسدا، وخالد بن هشام أسر يوم بدر كافرا، ولا عقب له وأمهما مخزومية، وأم حرملة بنت هشام تزوجها العاص بن وائل السهمي، فولدت له هشام بن العاص، ومعبد بن هشام درج.
وأما أبو جهل هشام
فولد: عكرمة، وكان فارسا، أسلم يوم فتح مكة، وكانت له صحبة واستشهد بالشام يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة وهو الثبت، ويقال يوم اليرموك سنة خمس عشرة ولا عقب لعكرمة وكان يكنى أبا هشام.
стр. 4047
وأما الحارث بن هشام، أخو أبو جهل
فكان يكنى أبا عبد الرحمن، أسلم يوم فتح مكة وحسن إسلامه، وقال: لا أدع واديا سلكته في قتال رسول الله ﷺ إلاّ سلكته في سبيل الله، ولا أدع درهما انفقته في قتاله إلا انفقت مثله في طاعة الله وطاعة رسوله، فغزا الشام فهلك في طاعون عمواس (١)، وقيل بل استشهد يوم أجنادين، وخلف عمر بن الخطاب على امرأته ابنة الوليد بن المغيرة، وهي أم عبد الرحمن الأصغر المكنى أبا شحمة، ودفع رسول الله ﷺ من عرفة بين الحارث وبين أبي سفيان بن حرب.
فولد الحارث بن هشام: أبا سعيد ولا عقب له، وعبد الرحمن بن
الحارث، وأمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة ويقال خالدة بنت الوليد، وكان يقال له ولامرأته - وهي فاختة بنت عنبه بن سهيل من بني عامر بن لؤي - شريفا قريش، وذلك لأن أبويهما غزوا فهلكا بالشام، وجيء بهذين صغيرين فقال عمر بن الخطاب: زوجوا هذا بهذه لعل الله أن يخرج بينهما ذرية فزوّجا.
وكان عبد الرحمن بن الحارث بن هشام من سادة قريش وخيارهم وله دار بالمدينة، وزوجه عثمان بن عفان ابنته، وكانت فيمن حضر جمع القرآن في المصحف وإقامته على لغة قريش، ثم شهد يوم الجمل مع عائشة، فكان أول منهزم حتى أتى المدينة فقال لهم: إني سمعت الله يقول: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢) فالزموا مسجد رسول الله ﷺ ولا يخلونّ من بعضكم، وكان يكنى أبا محمد. ووقف عثمان بن عفان على
стр. 4048
بني مخزوم في مجلسهم فقال: إنه ليعجبني ما أرى من جمال أمركم وهيبتكم، فقال بعضهم: فلو زوجت بعضنا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن خطب إليّ عبد الرحمن، قال: فإني أخطب إليك، فزوجه ابنته، وأرسلته عائشة إلى معاوية في أمر حجر بن عدي فوجده قد قتله فعاتبه على ذلك، فقال: غاب عني مثلك من حلماء قومي.
حدثني إسحاق بن أبي إسرائيل أبو يعقوب، ثنا ابراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن عثمان دعا بزيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأمرهم ينسخوا الصحف التي كانت عند حفصة بنت عمر في المصاحف، وعبد الرحمن القائل لمعاوية، وذكر عمرو بن العاص فقال: هو لي ناصح، فقال: يا أمير المؤمنين أطعمنا مصر كما أطعمته إياها، ثم خذنا بمثل نصيحته، إنا رأيناك يا معاوية تضرب عوام قريش بأيديك في خواصها كأنك ترى أن كرامها جازوك عن أيامها، وكأنك بالحرب قد حلّ عقالها، وأيم الله إنك لتفرغ من وعاء فعم (١) في إناء ضخم. فقال معاوية: يا بن أخي ما أحوج أهلك إليك.
وولد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: محمدا وبه كان يكنى، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، والوليد، أمهم فاختة بنت عنبه بن سهيل.
والمغيرة، وعوفا، أمهما سعدى بنت عوف بن خارجة بن سنان المري، وعياشا أمه أم الحسن بنت الزبير بن العوام، وعكرمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله لأم ولد. وأسماء، وأم خالد، وزينب الواصلة، وصلت حسن
стр. 4049
خلقها وخلقها بحسن وجهها، ويقال الموصلة، وتزوجها يحيى بن أبي الحكم بن أبي العاص على مائة ألف درهم، وكانت قبله عند أبان بن مروان بن الحكم، وكان عبد الملك أرادها فعصت فأخذ مال يحيى فقال:
كعكة وزينب، وتزوج أم خالد عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وتزوج أسماء الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.
فأما محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
فقد روى عنه الزهري وغيره وله عقب.
وأما أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
فكان ذا قدر وفضل ومنزلة من عبد الملك، وأوصى به وبعبد الله بن جعفر الوليد، ولم يمت حتى عمي، وله عقب بالمدينة.
وقال عبد الرحمن بن أم الحكم: جاء الإسلام وفينا معشر ثقيف من قريش عدة نساء، فقال أبو بكر: إذا لا تجد فيهن مغيرية، فقال عبد الرحمن: إنا نعتام (١) لمناكحنا فنأتي الأودية من ذروتها ولا نأتيها من أذنابها، فقال عبد الملك: ويحك ما أسبّك.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن عبد الله بن عكرمة قال: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحدا قط جمع الله فيه من خصال الخير ما جمع في أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عبادة وحلما وشرفا وأفضالا، وإغضاء عن الأذى، واحتمالا لكل ما ناب العشيرة (٢).
стр. 4050
قال الواقدي: وقال ابن أبي سبرة: وزوج أبو بكر في غداة واحدة عشرة من بني المغيرة وأصدقهم وأخدمهم وبعثر مالا عظيما فأداه في ديات تحملها.
قال: وقال ابن أبي سبرة: قال صالح بن حسان: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته، وذكر أبا بكر بن عبد الرحمن: إن هناك شرفا وفضلا ونسكا واحتمالا.
وقال الواقدي: قال ابن أبي الزناد: منع الناس من أن يرووا عن أبي بكر بن عبد الرحمن فيكبروا جلالته وهيبته ونبله.
وقال الواقدي: قال أبو عون مولى المسور بن مخرمة: رأيت أبا بكر بن عبد الرحمن وقد ذهب بصره يفرش له وسط الدار، وهي دار فيها من أهل بيته خلق، ما يفتح باب ولا يغلق، ولا يدخل داخل، ولا يخرج ولا يمر به أحد حتى يقوم إعظاما له.
وحدثني محمد بن سعد عن محمد بن عمر الواقدي عن ابراهيم بن موسى الربعي قال: قال لي عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال لي أبي: يا بني لا يفقدنّ مني جليسي إلاّ وجهي، هذا عهدي إليك وهو عهد أبي كان إليّ.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: كان عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يكنى أبا محمد، وكان حين قبض النبي ﷺ ابن عشر سنين، وأشفّ، ومات في أيام معاوية، وروى عن عمر بن الخطاب، وكان في حجره لأن أمه كانت عنده، خلف عليها بعد أبيه، قال: وولد ابنه أبو بكر بن عبد الرحمن في أيام عمر واسمه وكنيته واحدة، وكان يقال
стр. 4051
لأبي بكر بن عبد الرحمن راهب قريش لكثرة صلاته وصومه وزهده، وكان مكفوفا.
قال الواقدي: صلى العصر ودخل مغتسله فسقط فحمل فجعل يقول: والله ما أحدثت في صدر نهاري شيئا فلم تغرب الشمس حتى مات، وذلك بالمدينة سنة أربع وستين (١).
ومن ولد أبي بكر: عيسى بن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن الذي يقول فيه سهيل أبو الأبيض:
كان مما زانني ربي به … طيّب الأثواب عيسى بن عمر
حسن الوجه كريم ماجد … سبط الكفين وهّاب الغرر
وأما عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة
فان ابن الزبير استعمله على الكوفة، فأعطاه المختار بن أبي عبيد مائة ألف درهم وانصرف عنه، ثم صار مع الحجاج، ومات بالعراق وقد ذكرنا خبره في أخبار المختار.
وكان محمد بن عمر بن عبد الرحمن
ابنه من رجال قريش، وهو الذي أتى يزيد بن عبد الملك بن مروان برأس يزيد بن المهلب فأقطعه دارا وبعض ضياع المهلب وعقبه بالكوفة.
وكان عتبة بن عمر بن عبد الرحمن
ابنه أيضا من دهاة قريش وعلمائهم ومياسيرهم، وكان ذا سخاء فلم يزل مع الحجاج وكان الحجاج يقدمه ويأنس به، وحفص وسهيل ابناه أيضا ولهما عقب بالبصرة وواسط.
قال أبو الحسن المدائني: قال خالد بن عبد الله القسري يوما: إن
стр. 4052
أقواما ينفقون أموالهم فإذا أنفدوها ادّانوا في أديانهم، فظن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه يعرض به فقال: إن أقواما أموالهم أكبر من مروءاتهم فلا ينفقونها فتبقى لهم، وان أقواما مروءاتهم أكبر من أموالهم فهم ينفقون أموالهم فإذا أنفدوها ادّانوا على فضل الله وسعة رزقه، قال:
صدقت وإنّك لمنهم.
وأما عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،
فكان يكنى أبا عبد الله، ومات في أيام يزيد بن عبد الملك، وكان ابنه عبد الله بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث يكنى أبا محمد، وكان محدثا وولي صدقات حنظلة، وعمرو بن تميم.
وأما أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فمن ولده: عبد الملك بن أبي بكر، وكان سخيا سريا، فمات في أول أيام هشام بن عبد الملك.
وأما عثمان بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فولد: عثمان بن عثمان، وكان عثمان من خيار المسلمين من قريش وذوي الهيئة منهم، وكان يكنى أبا عبد الرحمن وله عقب بالبصرة، وولد أيضا عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرحمن وكان له عقب فانقرضوا.
وأما الوليد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
فله عقب.
وقال أبو اليقظان: كان لحفص بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عقب بالبصرة وواسط.
وأما المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
فكان مطعاما للطعام، جوادا.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة بن الحكم قال:
стр. 4053
كان عبد الملك بن بشر بن مروان، وعمران بن موسى العمري من بني تيم قريش، وبعض آل أبي سفيان بن حرب، وخالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط يتوسعون في الطعام ولا يمنعونه من حضر، فقدم الكوفة المغيرة الأعور بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، فكان يطعم طعاما كثيرا خاصا وعاما، وكانت مائدته أسرى من موائد الآخرين، وكان يأمر فتتخذ له حيسة تجعل على الأنطاع فيأكل منها الراكب، ويطعم الناس لحم الجزور في الجفان حتى غمر الباقين، وعجزوا عن مجاراته فأمسكوا فقال الأقيشر:
أتاك البحر طمّ على قريش … مغيريّ فقد راغ ابن بشر
وراغ الحدي حدي (١) … التيم لما
رأى المعروف منه غير نزر
ومن أولاد عقبة قد شفاني … ورهط الحاطبي ورهط صخر
(٢) وابتاع منزل أبي أيوب الأنصاري الذي كان النبي ﷺ نزله بألف دينار من أفلح مولى أبي أيوب، ونزل أفلح دارا غيرها فكان المغيرة يمر به فيقول:
فريق في الجنة وفريق في السعير، فيقول: فتنتني الدنانير يا أبا هاشم.
ولما اشتراها تصدق بها، وقد صارت دار أفلح لعمر بن بزيع، ودخل داره أعرابي وهو يطعم الناس الثرد وعليها العراق، فلما رآه أعور قال:
الدجال والله، وخرج من الدار مبادرا، ولم يطعم شيئا، وكانت عينه ذهبت بأرض الروم وفيه يقول الشاعر:
لقد علموا أن المغيرة قائل … لمن بين سديها ادخلوا بسلام
стр. 4054
قالوا: ولما شخص المغيرة الأعور بن عبد الرحمن بن الحارث عن الكوفة قال الشاعر:
الا يا معشر الأعراب سيروا … فما بعد المغيرة من مقام
وخطب المغيرة امرأة من بني جعفر بن كلاب، وخطبها ابن عم لها فزوجها المغيرة، فقال ابن عمها:
إذا دخلت دار المغيرة ضمها … مصاريع أبواب غلاظ وحاجب
إذا حال أبواب المغيرة دونها … وعرض الفيافي لم يزرها الأقارب
فقالت حين بلغها الشعر:
فإذا شممت ريح طعام المغيرة لم يكن شيء إلا أرى قريبا.
ومر المغيرة في سفر له بغدير آجن الماء، فأمر بزقاق العسل فشقت فيه وخيض ماء الغدير به، ثم سقاه من معه.
فولدت الكلابية للمغيرة بن عبد الرحمن: هشام بن المغيرة، وكان يفرق شعره من خلف وقدّام، فسمي ذا القرنين، وكان للمغيرة بن عبد الرحمن ابن آخر يقال له صدقه وأمه الكلابية أيضا، ويقال أمه كلبية - وكان صدقة سيدا مطعاما، وله عقب بالمدينة، وقال رجل لغلام للمغيرة: على أي شيء جعلتم ثريدكم هذا على العمد؟ فقال بل على أعضاد الإبل، فأعتق الغلام ووهب له دنانير.
وأمر المغيرة أن يدفن بأحد مع الشهداء وأوصى أن يطعم الناس بألف دينار عند قبره، فمنع ابراهيم بن هشام من ذلك، وصرف صدقته في عمارة ضيعة وقفها.
وقال أبو اليقظان: قدم محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على
стр. 4055
زياد بن أبي سفيان فزوجه ابنته، وعقبه بالبصرة منهم محمد بن أبي بكر بن عبيد الله كان جميلا نبيلا.
وولد محمد بن أبي بكر هذا: عبد الرحمن بن محمد، ويكنى أبا محمد وكان قاضيا لمحمد بن سليمان بن علي على البصرة.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا يعلى بن عبيد عن اسماعيل بن أبي خالد عن علي بن عمرو الثقفي قال: قالت عائشة: لأن أكون حبست عن مسيري إلى البصرة أحب إليّ من أن يكون لي عشرة بنين من رسول الله ﷺ مثل ولد الحارث بن هشام أو قالت: مثل ولد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وأما سلمة بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم،
ويكنى أبا هاشم، وأمه ضباعة القشيرية فإنه أتى رسول الله ﷺ في فتية من قريش فعرض عليهم الاسلام وقرأ عليهم القرآن، وزهّدهم في عبادة حجارة صم لا تسمع ولا تبصر، فأسلموا وهاجر سلمة إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم مكة فحبسه فيها أخوه أبو جهل، وقد ذكرناه في مهاجرة الحبشة، واستشهد بالشام يوم مرج الصفر سنة أربع عشرة.
وقال أبو اليقظان وغيره، قالت ضباعة:
لاهمّ رب الكعبة المحرمة … انصر على كل عدوّ سلمة
أجرأ من ضرغامة في أجمة … يحمي غداة الروع يوم الملحمة
بسيفه عورات سرب المسلمة
فقالت أيضا:
لقد نماه للذرا هشام … قدما وآباء له كرام
جحاجح خضارم عظام
стр. 4056
وأما العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
فإن أبا لهب لاعبه على إمرة مطاعة، فقمره أبو لهب فأسلمه قينا، ثم إنه لاعبه أيضا فقمره فأرسله مكانه إلى بدر فقتله عمر بن الخطاب.
فحدثني أبو عدنان الأعور عن هشام ابن الكلبي عن أبيه قال: ساير علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي فأصاب ساقه ركاب علي فقال: يا سبحان الله ما رأيت أحدا يساير الناس بمثل هذا الركاب، فقال علي: إنه من عمل قين كان بمكة يعرض بالعاص بن هشام حين أسلمه أبو لهب قينا.
فولد العاص بن هشام: خالدا، والوليد.
فأما الوليد
فقتل يوم أحد،
وأما خالد بن العاص
فولد الحارث بن خالد بن العاص الشاعر، صاحب عائشة بنت طلحة، وقد كتبنا خبره، وخبرها، ويزعمون أن عمر بن الخطاب ولّى خالد بن العاص عملا.
وقال محمد بن العاص: أسلم خالد بن العاص يوم الفتح، وأقام بمكة، وهو أبو عكرمة، والحارث الشاعر.
وقال الكلبي: ولد خالد بن العاص أيضا: عكرمة بن خالد بن العاص أخا الحارث الشاعر، وعبد الرحمن فكان شاعرا.
وقال أبو اليقظان: ولى يزيد بن معاوية في أيام عبد الله بن الزبير الحارث بن خالد بن العاص مكة فتقدم ليصلي فمنعه ابن الزبير من الصلاة، وولاه أيضا عبد الملك مكة ثم عزله.
وقالوا: قدم الحارث بن خالد الشام، ومعه مال وفير فدعا ابن سريج فظنّ أنه يريد صلته، قال: فدخلت عليه فرحب بي ثم قال: قم إلى الكوّة
стр. 4057
فخذ ما فيها من الرقاع فاعمل من الشعر الذي فيها غناء تحسنه وتعجله.
فأخذتها ومن رأيي أن أخرقها إذ لم أحل منه بشيء، فلما نظرت فيها أعجبني شعره فتغنيت فيه وسيّرته.
وأما هشام بن العاص بن هشام بن المغيرة
فيقال إن له هجرة، ومن ولده: خالد بن سلمة بن هشام بن العاص بن هشام، كان شريفا بالكوفة، وكان فقيها، وكان يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط، وكان بطيئا فكان يلقبه الحبلى.
ومن ولد العاص بن هشام أيضا: محمد بن عبد الرحمن الأوقص، كان قاضيا لأمير المؤمنين أبي جعفر على مكة.
وأما خالد بن هشام بن المغيرة أخو أبي جهل
أيضا، فإنه أسر يوم بدر، ثم أسلم وبقي إلى أيام معاوية، ولا عقب له.
وقال أبو اليقظان: وكان من ولد العاص بن هشام بن المغيرة: خالد بن اسماعيل، وكان ذا قدر، وهو الذي اتخذ الغمير منزلا فيما بين ذات عرق (١) والبستان، ويدعى ذلك الموضع وادي كندة وقال غير أبي اليقظان: هو من ولد خالد بن هشام بن المغيرة، والأول أثبت. وقال الشاعر:
لعمرك إن المجد ما عاش خالد … على الغمر من ذي كندة لمقيم
وأما هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم،
ويكنى أبا عبد مناف فولد: حنتمة أم عمر بن الخطاب.
وأما أبو ربيعة بن المغيرة فهو ذو الرمحين،
قاتل في يوم من أيامهم
стр. 4058
برمحين معا، ويقال كسر واحدا، ثم أخلف آخر فقال ابن الزبعرى:
وذو الرمحين أشباك … من القوة والحزم
(١) فولد أبو ربيعة عمرو بن المغيرة: عياش بن أبي ربيعة،
وعبد الله بن أبي
ربيعة،
ولقبه بجير، وأمهما مخربة النهشلية. وفي عبد الله يقول الشاعر:
بجير بن ذي الرمحين قرّب مجلسي … يروح ويغدو فضله غير نائم
وبعضهم يرويه بحير.
ولما استخلف أبو بكر، واعتزل الزبير، وجهه أبو بكر مع محمد بن مسلمة الأنصاري إليه فعقله بجير وصرعه وكسر سن سيفه، فقال الزبير: أما والله لئن كسرته اليوم لربّ كربة فرّجتها عن رسول الله ﷺ .
واستعمله أبو بكر رضي الله تعالى عنه على بعض اليمن، ويقال على جميع اليمن، وهلك في أيام عثمان بن عفان فرثاه رجل من بني نهشل فقال:
نعيت ابن أسماء الذي هدّ يومه … بيوت بني كعب وأسغب دارما
فلو كنت يا بن النهشلية شاهدا … لأبرمت ميمونا من الأمر حازما
فولد عبد الله وهو بجير: الحارث، وأمه أم ولد نصرانية، وكان أبوه أصابها من ساحل البحر، وكانت سوداء وتسمى: سيخا، وكانت صادت طائرا من حمام مكة فأكلته.
وحدثني الأثرم عن الكلبي قال: سبى عبد الله بن أبي ربيعة أم ولده، وكانت نصرانية، وسبى معها ستمائة من الحبش، وهو عامل لعثمان فقالت:
لي إليك ثلاث حوائج: تعتق هؤلاء الضعفاء، ولا تمسّني حتى تصير إلى بلدك، وتقرني على ديني، فأجابها إلى ذلك.
стр. 4059
وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، أمه ليلى ابنة عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس، وعمر بن عبد الله، أمه أم ولد يقال لها مجد.
وأما الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة،
فكان ذا قدر، وولاه عبد الله بن الزبير البصرة، فأتاه أهلها بمكيال لهم فقال: إن هذا القباع وهو الأجود فلقب القباع.
وقال أبو الأسود لابن الزبير:
أبا بكر جزاك الله خيرا … أرحنا من قباع بني المغيرة
(١) وقال أبو اليقظان: اتخذ مكيالا سمّاه القباع، والأول قول الكلبي.
قالوا: وهدم دار الفرزدق مرتين فقال:
أحارث داري مرتين هدمتها … وكنت ابن اخت لا تخاف غوائله
فأقسم لا آتيك سبعين حجة … ولو وشرت (٢) كفّ القباع وكاهله
(٣) وولاه مصعب أيضا الكوفة، ثم أتى مكة فهلك بها فنعاه الوليد بن عبد الملك إلى أبيه عبد الملك فقال: هلك سيد بني مخزوم، فقال: أهكذا تقول؟ قل: مات سيد قريش، ولا عقب له، وقد ذكرنا أمر ولايته في أخبار عبد الله بن الزبير ومصعب، وقال له ابن الزبير - وقد قال له: اقبل أمان يزيد-:
يا بن آكلة حمام مكة، أتشير عليّ بمثل هذا الرأي.
حدثني علي بن الأثرم عن الأصمعي عن نافع عن عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: قال عبد الملك للحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهو
стр. 4060
القباع، وكان حازما: ما كان الكذاب يقول في هذا؟ فقال: ما كان كذابا، فقال يحيى بن الحكم: من أمك يا حار؟ قال: هي من تعلم، فقال عبد الملك بن مروان، اسكت فإنها أنجب من أمك، قال: وكانت أم الحارث نصرانية، فلما ماتت أتاه قوم من المسلمين يعضدونه ويحشدون له ويجلسون معه، فقال: رحمكم الله انصرفوا فإن لها ولاة سواكم، وكان أبوه سباها من اليمن.
حدثني عبد الله بن صالح عن ابن كناسة قال: كانت أم القباع سوداء، فوقع بينه وبين يحيى بن الحكم بن أبي العاص كلام، فقال له يحيى:
يا بن السوداء، يا بن آكلة حمام مكة.
وضرب القباع مرّة بن محكان السعدي فقال:
عمدت فعاقبت امرأ كان ظالما … فألهب في ظهري القباع وأوقدا
سياطا كأذناب الكلاب معدّة … إذا أخلق السوط المدحرج جدّدا
وأما عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة
فكان أحول، وقال الشاعر:
يا ليل يا أم الغلام الأحول … أم غلام الحسين المكحل
جودي بما منيتنا لا تبخلي
وكان ذا كبر، وتزوج أم كلثوم بنت أبي بكر بعد طلحة فولدت له، وله عقب بالمدينة، وكان عمر بن الخطاب ﵁ رأى منه يوما شيئا فعرك أذنه وقال: نخوة بني مخزوم، وتزوج أيضا بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة التي كانت عند عثمان، وقال معاوية: غلبنا عبد الرحمن على أيامى قريش، وقال عبد الرحمن لولده: إني كنت أنال من علي تقربا إلى
стр. 4061
الله فمن فعل ذلك اتباعا لي فلا يفعلنّه ومن كان يفعله تدينا فليفعله.
وأما عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة،
فكان يكنى أبا الخطاب، وهو عمر بن أبي ربيعة الشاعر، وكان ذا فتوة وغزل وظرف، فلما حج عبد الملك لقيه فقال له: لقد علمت قريش أنك من أطولها صبوة وأبطئها توبة، فقال: يا أمير المؤمنين. بئست تحية ابن العم لابن عمه على طول العهد وشحط (١) النوى، فقيل له: يا أمير المؤمنين سلم عليك فتى قريش فتجهمته بهذا القول: فقال: صدقتم، ودعا به، فلما دخل عليه رأى عند رأسه جارية وعند رجله جارية فقال له: يا أبا الخطاب سلني حوائجك، فقال: قد علمت قريش أني أكثرها عينا، وأقلها دينا، وما حاجتي إلا بقاؤك يا أمير المؤمنين، فلما خرج من عنده قيل له: يا أبا الخطاب، دعا بك أمير المؤمنين في مجلس خاص، وأمرك أن تسأله حوائجك فلم تفعل، فقال: إنه جعل الشمس عند رأسه والقمر عند رجله، ثم قال تصدّق، والله ما كان هذا ليكون أبدا.
وقال عمر بن أبي ربيعة: ابتدأت أنشد ابن عباس فقلت:
تشطّ غدا دار جيراننا. … فقال:
.
والدار بعد غد أبعد
فقلت: كذا والله قلت، فقال: إن الآراء تتفق.
وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: كان يقال: إذا اعياك أن يطرب القرشي فأسمعه غناء ابن سريج بشعر عمر بن أبي ربيعة فإنك ترقصه.
стр. 4062
وقالوا: كان عمر بن أبي ربيعة موزعا (١) بالثريا بنت عبد الرحمن بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت تنزل الطائف، وكان عمر يغدو فيتلقى الذين يقدمون بالفاكهة فيسألهم خبر الطائف وأهله ويتحسس من خبرها، فلقي يوما بعضهم وسأله عما حدث فقال: ما حدث إلاّ خير غير أني سمعت صياحا على امرأة من قريش تسمى باسم نجم من النجوم، فقال عمر:
الثريا؟ قال: نعم. قال: وما لها؟ قال: ماتت أو هي مشفية على ذلك، وقد كان بلغه قبل ذلك أنها عليلة، فركض فرسه قبل الطائف، وأخذ في طريق كرا (٢) حتى انتهى إليها فوجدها سالمة فقالت: مه؟ فأخبرها الخبر، فضحكت وقالت: أنا والله أمرتهم لأنظر حالي عندك. فقال عمر:
تشكّى الكميت الجري لما جهدته … وبيّن لو يسطيع أن يتكلما
(٣) وفيها يقول:
من رسولي إلى الثريا بأني … ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
(٤) يريد كتاب الله حلف به، فبلغ قوله ابن أبي عتيق فقال: أنا والله رسوله إليها، وخرج حتى قدم مكة بغير عمرة، وكانت الثريا تسكن الطائف، فخرج إليها بالطائف حتى يصلح بينهما، وانصرف إلى المدينة وقد قيل انه خرج من المدينة إلى مكة ثم انصرف وطلب إليه في المقام فلم يقم.
وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: حدثني كلثوم الفهري عن أبيه قال: رأيت عمر بن أبي ربيعة عظيما طويلا آدم يتهافت في مشيته تهافتا.
стр. 4063
قالوا: وكانت رملة بنت عبد الله بن خلف، أخت طلحة الطلحات الخزاعي، وهي أم طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي حجت، فتعرض لها عمر بن أبي ربيعة حين لقيها، ففيها يقول:
قلت من أنتم فصدت وقالت … أمبدّ سؤالك العالمينا
نحن من ساكني العراق وكنا … قبلها قاطنين مكة حينا
قد صدقناك إذ سألت فمن أن … ت عسى أن يجر شأن شؤونا
(١) وقال عمر في رملة:
تشط غدا دار جيراننا … والدار بعد غد أبعد
تحملّ للبين جيراننا … وقد كان قربهم يحمد
(٢) في قصيدة.
وكان عمر بن أبي ربيعة يغني بقوله:
يا أم طلحة إنّ البين قد أفدا … قلّ الثّواء لئن كان الرحيل غدا
(٣) والغناء له أو لغيره.
ولما تزوج عمر بن عبيد الله بن معمر عائشة بنت طلحة بن عبيد الله قال جبر بن حبيب وكان كريّ عمر حين خرج من البصرة:
أنعم بعائش في عيش وفي أنق … وانبذ برملة نبذ الجورب الخلق
وكانت رملة حسنة البدن وفي وجهها ردة (٤)، وفي أنفها عظم، فقالت له عائشة: أنت أشجع الناس حين قدمت على أنف رملة، وقال عمر:
стр. 4064
أشارت بمدراها (١) … وقالت لأختها
أهذا المغيريّ الذي كان يذكر
لئن كان إياه لقد حال بعدنا … عن العهد والإنسان قد يتغير
(٢) يعني عائشة بنت طلحة.
وقال محمد بن سلام الجحمي: كان بين عائشة بنت طلحة وزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر ليلة من الليالي كلام فسهرت ليلتها، فقال: ويح عمر بن أبي ربيعة ما أجهله بليلي حين يقول:
ووال كفاها كل شيء يهمها … فليست لشيء آخر الليل تسهر
(٣) قالوا: وكان سبب تزوج عمر بن عبيد الله عائشة أنه أتاها يخطبها على بشر بن مروان بن الحكم فقالت له: أما وجد بشر رسولا إلى ابنة عمك غيرك، وأين بك عن نفسك؟ قال: وتفعلين؟ قالت: نعم، فتزوجها.
قال الجحمي: قال الأصمعي، قالت رملة لعمر: أسائل أنت كل امرأة تلقاها؟ أفمن رأيك أن تحدث الناس بأني من نسوتك اللاتي تزعم أنهن يعشقنك ويراسلنك فذلك قوله:
قلت من أنتم فصدّت وقالت … أمبد سؤالك العالمينا
أي أسائل أنت كل إنسان على حدته لا ترى أحدا إلاّ سألته، ويروى: أمبثّ.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
وبالأمس أرسلنا بذلك خالدا … إليك وبيّنا له الشّأن أجمعا
стр. 4065
وفي قصيدة له يعني خالد بن عبد الله القسري، وذلك أن عبد الملك حين تسيير ابن سعيد بن العاص سير عبد الله بن يزيد لأنه كان على شرطة عمرو بن سعيد الأشدق، فصار إلى مكة ومعه ابنه خالد، وهو غلام، فنشأ بمكة، وكان فيه لين. وقال الأصمعي: وأنشد سليمان بن عبد الملك، أو أنشد قول عمر:
تبالهن بالعرفان لما عرفنني … وقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا
وقرّبن أسباب الصبا لمقتّل … يقيس ذراعا كلما قيس إصبعا
(١) فقال: إن من هذا اشتقّ النّسيب.
قال: وكان عمر بن أبي ربيعة وجميل العذري يتعارضان في الشعر، فقال عمر:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر … غداة غد أم رائح فمهجر
(٢) فقال جميل:
أغاد أخي من آل ليلى فمبكر … أبن لي أغاد أنت أم متهجّر
(٣) فلم يصنع جميل مع عمر شيئا وعارضه عمر في قوله:
خليليّ فيما عشتما هل رأيتما … قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
(٤) فقال:
جزى ناصح بالود بيني وبينها … فقرّبني يوم الحصاب إلى قتلي
(٥)