← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

الله فمن فعل ذلك اتباعا لي فلا يفعلنّه ومن كان يفعله تدينا فليفعله. وأما عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، فكان يكنى أبا الخطاب، وهو عمر بن أبي ربيعة الشاعر، وكان ذا فتوة وغزل وظرف، فلما حج عبد الملك لقيه فقال له: لقد علمت قريش أنك من أطولها صبوة وأبطئها توبة، فقال: يا أمير المؤمنين. بئست تحية ابن العم لابن عمه على طول العهد وشحط (١) النوى، فقيل له: يا أمير المؤمنين سلم عليك فتى قريش فتجهمته بهذا القول: فقال: صدقتم، ودعا به، فلما دخل عليه رأى عند رأسه جارية وعند رجله جارية فقال له: يا أبا الخطاب سلني حوائجك، فقال: قد علمت قريش أني أكثرها عينا، وأقلها دينا، وما حاجتي إلا بقاؤك يا أمير المؤمنين، فلما خرج من عنده قيل له: يا أبا الخطاب، دعا بك أمير المؤمنين في مجلس خاص، وأمرك أن تسأله حوائجك فلم تفعل، فقال: إنه جعل الشمس عند رأسه والقمر عند رجله، ثم قال تصدّق، والله ما كان هذا ليكون أبدا. وقال عمر بن أبي ربيعة: ابتدأت أنشد ابن عباس فقلت: تشطّ غدا دار جيراننا. … فقال: . والدار بعد غد أبعد فقلت: كذا والله قلت، فقال: إن الآراء تتفق. وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: كان يقال: إذا اعياك أن يطرب القرشي فأسمعه غناء ابن سريج بشعر عمر بن أبي ربيعة فإنك ترقصه.

стр. 4062

وقالوا: كان عمر بن أبي ربيعة موزعا (١) بالثريا بنت عبد الرحمن بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت تنزل الطائف، وكان عمر يغدو فيتلقى الذين يقدمون بالفاكهة فيسألهم خبر الطائف وأهله ويتحسس من خبرها، فلقي يوما بعضهم وسأله عما حدث فقال: ما حدث إلاّ خير غير أني سمعت صياحا على امرأة من قريش تسمى باسم نجم من النجوم، فقال عمر: الثريا؟ قال: نعم. قال: وما لها؟ قال: ماتت أو هي مشفية على ذلك، وقد كان بلغه قبل ذلك أنها عليلة، فركض فرسه قبل الطائف، وأخذ في طريق كرا (٢) حتى انتهى إليها فوجدها سالمة فقالت: مه؟ فأخبرها الخبر، فضحكت وقالت: أنا والله أمرتهم لأنظر حالي عندك. فقال عمر: تشكّى الكميت الجري لما جهدته … وبيّن لو يسطيع أن يتكلما (٣) وفيها يقول: من رسولي إلى الثريا بأني … ضقت ذرعا بهجرها والكتاب (٤) يريد كتاب الله حلف به، فبلغ قوله ابن أبي عتيق فقال: أنا والله رسوله إليها، وخرج حتى قدم مكة بغير عمرة، وكانت الثريا تسكن الطائف، فخرج إليها بالطائف حتى يصلح بينهما، وانصرف إلى المدينة وقد قيل انه خرج من المدينة إلى مكة ثم انصرف وطلب إليه في المقام فلم يقم. وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: حدثني كلثوم الفهري عن أبيه قال: رأيت عمر بن أبي ربيعة عظيما طويلا آدم يتهافت في مشيته تهافتا.

стр. 4063

قالوا: وكانت رملة بنت عبد الله بن خلف، أخت طلحة الطلحات الخزاعي، وهي أم طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي حجت، فتعرض لها عمر بن أبي ربيعة حين لقيها، ففيها يقول: قلت من أنتم فصدت وقالت … أمبدّ سؤالك العالمينا نحن من ساكني العراق وكنا … قبلها قاطنين مكة حينا قد صدقناك إذ سألت فمن أن … ت عسى أن يجر شأن شؤونا (١) وقال عمر في رملة: تشط غدا دار جيراننا … والدار بعد غد أبعد تحملّ للبين جيراننا … وقد كان قربهم يحمد (٢) في قصيدة. وكان عمر بن أبي ربيعة يغني بقوله: يا أم طلحة إنّ البين قد أفدا … قلّ الثّواء لئن كان الرحيل غدا (٣) والغناء له أو لغيره. ولما تزوج عمر بن عبيد الله بن معمر عائشة بنت طلحة بن عبيد الله قال جبر بن حبيب وكان كريّ عمر حين خرج من البصرة: أنعم بعائش في عيش وفي أنق … وانبذ برملة نبذ الجورب الخلق وكانت رملة حسنة البدن وفي وجهها ردة (٤)، وفي أنفها عظم، فقالت له عائشة: أنت أشجع الناس حين قدمت على أنف رملة، وقال عمر:

стр. 4064

أشارت بمدراها (١) … وقالت لأختها أهذا المغيريّ الذي كان يذكر لئن كان إياه لقد حال بعدنا … عن العهد والإنسان قد يتغير (٢) يعني عائشة بنت طلحة. وقال محمد بن سلام الجحمي: كان بين عائشة بنت طلحة وزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر ليلة من الليالي كلام فسهرت ليلتها، فقال: ويح عمر بن أبي ربيعة ما أجهله بليلي حين يقول: ووال كفاها كل شيء يهمها … فليست لشيء آخر الليل تسهر (٣) قالوا: وكان سبب تزوج عمر بن عبيد الله عائشة أنه أتاها يخطبها على بشر بن مروان بن الحكم فقالت له: أما وجد بشر رسولا إلى ابنة عمك غيرك، وأين بك عن نفسك؟ قال: وتفعلين؟ قالت: نعم، فتزوجها. قال الجحمي: قال الأصمعي، قالت رملة لعمر: أسائل أنت كل امرأة تلقاها؟ أفمن رأيك أن تحدث الناس بأني من نسوتك اللاتي تزعم أنهن يعشقنك ويراسلنك فذلك قوله: قلت من أنتم فصدّت وقالت … أمبد سؤالك العالمينا أي أسائل أنت كل إنسان على حدته لا ترى أحدا إلاّ سألته، ويروى: أمبثّ. وقال عمر بن أبي ربيعة: وبالأمس أرسلنا بذلك خالدا … إليك وبيّنا له الشّأن أجمعا

стр. 4065

وفي قصيدة له يعني خالد بن عبد الله القسري، وذلك أن عبد الملك حين تسيير ابن سعيد بن العاص سير عبد الله بن يزيد لأنه كان على شرطة عمرو بن سعيد الأشدق، فصار إلى مكة ومعه ابنه خالد، وهو غلام، فنشأ بمكة، وكان فيه لين. وقال الأصمعي: وأنشد سليمان بن عبد الملك، أو أنشد قول عمر: تبالهن بالعرفان لما عرفنني … وقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا وقرّبن أسباب الصبا لمقتّل … يقيس ذراعا كلما قيس إصبعا (١) فقال: إن من هذا اشتقّ النّسيب. قال: وكان عمر بن أبي ربيعة وجميل العذري يتعارضان في الشعر، فقال عمر: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر … غداة غد أم رائح فمهجر (٢) فقال جميل: أغاد أخي من آل ليلى فمبكر … أبن لي أغاد أنت أم متهجّر (٣) فلم يصنع جميل مع عمر شيئا وعارضه عمر في قوله: خليليّ فيما عشتما هل رأيتما … قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي (٤) فقال: جزى ناصح بالود بيني وبينها … فقرّبني يوم الحصاب إلى قتلي (٥)

стр. 4066

فلم يصنع مع جميل شيئا. وروي عن ابن أبي الزناد قال: خرج عمر بن أبي ربيعة يريد الشام إما غازيا وإما إلى بعض بني أمية، فلما كان بالخبار (١) لقيه جميل فقال له عمر: أنشدني فأنشده: خليليّ فيما عشتما هل رأيتما … قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي في قصائد له، ثم قال له جميل: أنشدني يا أبا الخطاب فأنشده: ألم تعرف الأطلال والمتربعا … ببطن خليات دوارس بلقعا (٢) حتى مر بقوله: فلما تواقفنا وسلّمت أشرقت … وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا تبالهن بالعرفان لما رأينني … وقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا فصاح جميل ألا إن النسيب أخذ من هذا، ثم أنشده جميل طرفا من غزله، فقال عمر لجميل: امض بنا إلى بثينة نسلم عليها فقال: إن السلطان أحل لهم ضربي إن وجدوني بأرضهم، وهاتيك أبياتها فأتاها عمر، فوقف ببابها وتأنس حتى كلّم، فقال: يا جارية أنا عمر بن أبي ربيعة فأعلمي بثينة مكاني، فخرجت إليه في مباذلها ثم قالت: يا عمر، والله لا أكون من نسائك اللاتي تزعم أن قد قتلهنّ الوجد بك. قال عمر: فانكسرت، وإذا امرأة أدماء طويلة. وذكر بعض القرشيين أن امرأة شريفة أرسلت إلى عمر بن أبي ربيعة أن

стр. 4067

يوافيها بالصورين (١) ليلا وهو في طرف المدينة، وسمّت له ليلة فوافاها فتحدث عندها حتى أدركه السحر، ثم ركب راجعا إلى مكة ولم يدخل المدينة، وقال: والله ما بي زهادة في زيارة قبر رسول الله ﷺ ، والصلاة في مسجده، ولكني لا أخلط زيارتك بشيء، ولا أدخل مكة إلاّ حلالا، وقال يكني عنها بزينب: ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا … قلّ الثواء لئن كان الرحيل غدا (٢) وقيل إنه قال هذا الشعر في غير هذه المرأة. وقال القحذمي: حجت امرأة من آل أبي بكرة من أهل البصرة، فرآها عمر فشيعها حتى بلغت الخرنق (٣) وقال: وكيف طلابي عراقية … وقد جاوزت عيرها الخرنقا تؤمّ الحداة بها منهلا … من الطّفّ ذا بهجة مؤنقا (٤) فقالت له: لو بلغت أهلي فخطبتني زوجوك، فقال: لا أخلط تشييعي بخطبة، ولكني أرجع ثم آتيك خاطبا. وقال بعضهم اسمها سميعة وهي أم ولد عبد الرحمن بن أبي بكرة، وأنشد ابن قحذم فيها لعمر: من البكرات عراقية … تسمى سميعة أطريتها من آل أبي بكرة الأكرمين … خصصت بودّي فأصفيتها ومن حبها زرت أهل العراق … وأسخطت أهلي وأرضيتها

стр. 4068

وأقسم لو أن ما بي بها … وكنت الطبيب لداويتها (١) حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني عن رجل من بني مخزوم قال: ترك عمر بن أبي ربيعة قول الشعر وغزا في البحر، فقال ابن عمر وغيره: لقد كان هزله هزلا، وجده جدا. وقال هشام ابن الكلبي: ولد عمر بن أبي ربيعة حين توفي عمر بن الخطاب، فكان يقال: أيّ خير رفع وأي شرّ وضع، ثم إنه تاب وغزا فقال ابن عمر: لقد تلافى نفسه من سفهها بخير عملها. قالوا: ولقي عمر بن أبي ربيعة عبد الملك بن مروان فقال له: كيف تهكمك اليوم بنساء قريش؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ليس وراء ذلك مكروه ولا إثم واستغفر الله. قالوا: وآلى عمر بن أبي ربيعة ألا يقول بيتا إلا أعتق نسمة، فبينا هو ذات ليلة في الطواف إذ فتى يتبع جارية مثل المهاة فأخذ عمر بيده فقال له: يا بن عم خلّ عني فإني أموت إن حبستني عنها. قال: وما خبرك؟ قال: أنا فلان بن فلان وهذه ابنة عمي وأحبّ الناس إليّ، خطبتها إلى عمي وأبت أمها أن تزوجني إياها فخلّى يده، ومضى إلى أبي الجارية فضرب بابه فسئل من هو؟ فقال: عمر بن أبي ربيعة، فخرج إليه أبو الجارية فقال له: يا أبا الخطاب لم تعنيت؟ ولو أرسلت إلي أتيتك فما حاجتك بأبي أنت؟ قال: جئتك خاطبا لابنتك. قال: أمرها في يدك، فقال: قد زوجتها ابن أخيك وأصدقتها عنه أربعة آلاف درهم، وأمر فحمل المال إليه وأهديت الجارية إلى الفتى يقال من ليلتها، واستلقى عمر على فراشه حين انصرف من عند الرجل فجعل يأتيه

стр. 4069

الشعر، ويذكر يمينه فيتململ فقالت له جاريته: لقد عراك في هذه الليلة شر، وأنشأ يقول: تقول وليدتي لما رأتني … طربت وكنت قد أقصرت حينا بعيشك هل رأيت لها رسولا … فشاقك أم رأيت لها خدينا فقلت شكا إليّ أخ محبّ … لبعض زماننا إذ تعلمينا وقصّ علي ما يلقى بسعدى … فوافق بعض ما كنا لقينا (١) ولم يزل يقول حتى استتم اثنا عشر بيتا، ويقال ثمانية أبيات فأعتق بكل بيت مملوكا، وكان له نحو من مائة مملوك في أعمال ومهن وللخدمة. وغزا في بحر الشام فمات ويقال في غير البحر، فقالت جارية من جواري بني أمية كانت ربيت بالمدينة أو بمكة: مات عمر بن أبي ربيعة فمن للظرف بالحجاز بعده؟ فقيل: قد نشأ فتى من ولد عثمان له ظرف وغزل وتشبيب بالنساء، فقالت: الحمد لله الذي لم يخل حرمه من فتى يزينه، ويؤنس أهله ويذكر ملاحة نسائه أو كما قالت. قالوا: ولقي عمر ابنة الحارث بن عوف المري وهو يسير على بغلة له فقال لها: قفي أنشدك ما قلت فيك فأنشدها: ألا ياليل إن شفاء قلبي … نوالك إذ بخلت فنوّلينا وقد حضر الرحيل وحان منا … فراق فانظري ما تأمرينا (٢) فقالت: آمرك بتقوى الله وترك ما أنت عليه. وأما عياش بن أبي ربيعة فكان من المستضعفين، وأمه أسماء بنت

стр. 4070

مخرّبة، وأخوه لأمه أبو جهل والحارث بن هشام، أسلم فاشتد عليه أخوه أبو جهل وضربه، فتخلص وهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ومعه امرأته ابنة سلمة بن مخرّبة، فولدت له بالحبشة عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ثم قدم مكة وكان من خبره في الهجرة إلى المدينة ما قد ذكرناه في أخبار مهاجرة الحبشة، وكان بعد أن قبض رسول الله ﷺ أتى الشام فغزا وجاهد، ورجع إلى مكة فأقام بها إلى أن مات، ولم يبرح ابنه عبد الله المدينة وكان مولده بالحبشة. حدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن الحارث بن زيد كان شديدا على رسول الله ﷺ ، فجاء وهو يريد الإسلام، فلقيه عياش أبي ربيعة وعياش لا يدري فحمل عليه فقتله، فأنزل الله ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً﴾ (١) الآية. وقال الواقدي: من ولد عياش بن أبي ربيعة: عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، مات في أول خلافة أبي جعفر، وكان زياد بن عبيد الله استعمله على تبالة فأصاب بها مالا فقدم فبنى بالمدينة دارا وسماها تبالة، فاشتراها موسى بن جعفر من ورثته، وكان أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن هذا خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن فأخذ أسيرا فقتله المنصور أمير المؤمنين. وأما مهشم بن المغيرة ويكنى أبا حذيفة فانه أشار على قريش أن يضع الركن أول من يدخل من باب بني شيبة، فدخل رسول الله ﷺ فقالت قريش: قد دخل الأمين، ونحن نرضى به، فوضع رسول الله ﷺ

стр. 4071

الحجر، ولا عقب لمهشم، وكان ابنه هاشم - ويقال هشام - بن أبي حذيفة من مهاجرة الحبشة في المرة الثانية، وأقام مع جعفر بن أبي طالب، وقدم المدينة ومات في أيام تبوك ﵃ أجمعين. وأما أبو أمية بن المغيرة واسمه حذيفة، وأمه ريطة بنت سعيد بن سهم فكان يقال له: زاد الراكب، وكان يطعم من صحبه في سفره ويموّنهم، وكان ذا قدر، وهلك بموضع ناحية اليمامة يعرف بسرو سحيم، فرثاه أبو طالب فقال: أرقت وبتّ الليل في العين عائر … وجادت بما فيها العيون الغزائر كأني على رضراض قض (١) … وجندل من الليل أو تحت الشعار المجامر ألا إن زاد الركب غير مودع … بسرو سحيم غيبته المقابر وكان إذا يأتي من الشام قافلا … تقدمه تسعى إلينا البشائر أخا ثقة لن يبرح الدهر عنده … مجعجعة أدم سمان وباقر إذا أكلت يوما أتى الغد مثلها … زواهق زهم أو مخاض بهازر البهازر: العظام، واحدها بهزرة. ضروب بنصل السيف سوق سمانها … إذا عدموا نادى فإنّك عاقر فإن لم يكن لحم غريض (٢) … فإنه يكبّ على أفواههن الغرائر فمالك من ناع حبيت بألّة (٣) … مؤللة تصفرّ منها الأظافر وقال أبو أحيحة يرثيه:

стр. 4072

ألا هلك الماجد الرافد … وكل قريش له حامد ومن هو عصمة أيتامنا … وغيث إذا فقد الراعد وقال أبو اليقظان: كان يقال إن أبا أمية كان ربما كسا أهل مكة حتى تبيض البطحاء من كسوته. فولد أبو أمية: زهير بن أبي أمية، وعبد الله، أمهما عاتكة بنت عبد المطلب. وأم سلمة زوج النبي ﷺ أمها من بني مالك بن كنانة. وقريبة أمها بنت عتبة بن ربيعة. وقريبة الصغرى أمها كنانية. والمهاجر، ومسعود بن أبي أمية قتل يوم بدر، قتله عليّ ﵇، وهشام بن أبي أمية. فأما أم سلمة فكانت عند أبي سلمة بن عبد الأسد، ثم خلف عليها رسول الله ﷺ ، وقد كتبنا خبرها في قصة أزواج النبي صلى الله ﷺ ، وفي الهجرة إلى المدينة. وأما قريبة فتزوجها عمر بن الخطاب، ثم طلقها فخلف عليها معاوية بن أبي سفيان في أيام عمر رضي الله تعالى عنهم. وأما قريبة الصغرى فكانت عند عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما. وأما زهير بن أبي أمية، فكان ممن أعان على نقض الصحيفة، ومات ولم يسلم، وله عقب بمكة. وأما عبد الله بن أبي أمية ففيه نزلت: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا

стр. 4073

مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ إلى قوله ﴿مَلَكاً رَسُولاً﴾ (١). ثم إنه أسلم واستشهد يوم الطائف، وكان شاعرا. فولد عبد الله بن أبي أمية: عبد الله وكان شريفا، وفد على معاوية وقد خضب بالسواد، فقال معاوية: هذا شيء ما دام في الوجه ماؤه وطراوته فإذا ذهب ماء الوجه فليس بشيء، وكان يقول الشعر. وكان المهاجر بن أبي أمية مرّ بالزبرقان بن بدر، وهو على ركيّ له فاستسقاه لنفسه وركابه فلم يسقه، فشكا ذلك إلى عمر فدعا بالزبرقان فقال: ما بالك لم تسقه، وابن السبيل أولى بأن يكون أول ريّان؟ فقال الزبرقان: فإن لي أن أمنع ما استنبطته بمالي وعبيدي، فقال له عمر: لئن عدت لمنع فضل الماء لا تنزل من نجد قاعا، يقول أنفيك عنه، فقال عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية وكان مع عمه: وما الزبرقان يوم يمنع ماءه … بمحتسب تقوى ولا متوكل ولا ناظر في نفعه غير أنه … يرفّع أعضاد الحياض بمعول وقال ابن الكلبي: قتل نوفل بن عبد الله بن أبي أمية يوم الخندق كافرا، وقتل أخوه عثمان بن عبد الله يوم أحد أو يوم بدر كافرا، وأما المهاجر بن أبي أمية فولاه رسول الله ﷺ بعض اليمن، وكتب إليه أبو بكر أن يصير إلى زياد بن لبيد البياضي من الأنصار، فيكون مددا له، وولاه عمر بعض الصدقات. وأما مسعود فدرج. وأما هشام فدرج أيضا، وقد يقال إن لهما عقب، وأما الفاكه بن المغيرة فقتله بنو كنانة في الجاهلية، وقتل ابنه أبو

стр. 4074

قيس بن الفاكه بن المغيرة يوم بدر كافرا، قتله حمزة ﵇، ويقال الحباب بن المنذر ولا عقب له، وكانت هند أم معاوية عند الفاكه أيضا. وأما حفص بن المغيرة، فكان سيدا في زمانه مطعاما للطعام، وفيه يقول الشاعر: وناد الضعيف المستضيف وقل له … إذا جئت حفص بن المغيرة فاجلس وكانت عنده هند بنت عتبة أم معاوية قبل أبي سفيان، وكان أبو عمرو بن حفص شريفا، وكان ابنه عبد الله بن أبي عمرو بن حفص أول من خلع يزيد بن معاوية، وفد إلى يزيد فوصله وأسنى جائزته، ثم قدم المدينة فقال في مسجد رسول الله ﷺ : إني وفدت على يزيد، فأعطاني وأحسن جائزتي وإني أشهدكم أني قد خلعته كما خلعت عمامتي. فخلعوه بالمدينة، وهو الذي أهاج يوم الحرة فقتل، فقال الشاعر: إذ يناديهم أين حنظلة الخي … ر وقد يسمع البعيد النداء وببطن الغرارة ابن أبي عم … رو قتيل جادت عليه السماء ولأبي عمرو عقب بمكة، وكانت عند أبي عمرو فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس فطلقها البتة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا نفقة لها عليه، ثم تزوجت أسامة بن زيد بن حارثة. وأما عبد شمس بن المغيرة فولد: الوليد بن عبد شمس، فولد الوليد: عمارة بن الوليد، وابنة كانت عند عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فولدت له: سعيد بن عثمان، وكان عمارة في قول أبي اليقظان عاملا لابن الزبير على اليمن، وفيه يقول أبو دهبل الجمحي:

стр. 4075

نعم منه خير من ثمانين حلقة … من آخر أعطى أو تولى فعردا (١) أخ لي عليه كل شيء أهمّني … إذا ما ينلني اليوم لا يعتلل غدا وقال ابن الكلبي: كان الأزرق، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة، عاملا لابن الزبير على اليمن، وكان أجود العرب، وهو الذي كان أبو دهبل يمدحه، وهذا أثبت الخبرين، ومات الأزرق بتهامة. وأما الوليد بن المغيرة فكان يكنى أبا عبد شمس، ويقال كان يكنى أبا المغيرة، وكان عظيم القدر في زمانه، وكان من المستهزئين، وقد كتبنا خبره فيما مضى من هذا الكتاب، وكان يقال له العدل لأنه كان يكسو الكعبة سنة وتكسوها قريش سنة فكان يعدلها، وقيل له الوحيد، فقال الله : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً. وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً﴾ (٢). وقال أبو اليقظان: يسمى ماله اليوم بالطائف الممدود، وقال للنبي ﷺ : «ادع ربك أن يزيد في مالي مثله»، فقال الله : ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ (٣) ويقال ان ماله ههنا ولده. والله أعلم. وقال أبو اليقظان: كان ديسم بن صقعب عبدا روميا، فرغب فيه المغيرة، فادعاه وسماه الوليد، وهذا الخبر الذي قبله مما يكذب في الجاهلية. قال حسان:

стр. 4076

قل للوليد متى سميت باسمك ذا … أم كان ديسم في الأسماء كالحلم (١) وكان الوليد شريفا يتحاكم إليه وأمه صخرة، فقال أبو طالب: هلم إلى حكم ابن صخرة إنه … سيحكم فيما بيننا ثم يعدل فولد الوليد بن المغيرة: خالد بن الوليد وأمه لبابة الصغرى، وهي العصماء بنت الحارث بن حزن بن بجير، أخت لبابة الكبرى، أم عبد الله بن العباس، وأخت ميمونة بنت الحارث، زوج النبي ﷺ ، وكانت صفية بنت حزن عمة ولد الحارث، أم أبي سفيان بن حرب. وعمارة بن الوليد أمه كنانية. وهشام بن الوليد أمه قشيرية. والوليد بن الوليد. وخالدة تزوجها الحارث بن هشام بن المغيرة. وأبا قيس بن الوليد، قتل يوم بدر كافرا، قتله علي بن أبي طالب، ولا عقب له. وأما الوليد بن الوليد فكان من المستضعفين المؤمنين، وهاجر إلى النبي ﷺ ماشيا، وقد كتبنا خبره في أول هذا الكتاب، وقال الوليد: هاجر وليد وبع الانباقة (٢) … واشتر منه جملا وناقة ورم بنفس نحوهم مشتاقة

стр. 4077

ومات الوليد فرثته أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقالت رضي الله تعالى عنها: أبكي الوليد بن الولي … د أبا الوليد بن المغيرة ان الوليد بن الولي … د أبا الوليد فتى العشيرة قد كان غيثا للصدي … ق وجعفرا (١) هطعا (٢) وميرة وضمت الوليد بن الوليد إليها، فرآه النبي ﷺ فقال: من هذا؟ قالت: الوليد بن الوليد. فقال: لقد اتخذتم الوليد حنانا (٣)، وسماه عبد الله. وزوّج عبد الله بن الوليد بن الوليد سعدى بنت عوف بن خارجة بن سنان المري فولدت له: سلمة، فولد سلمة: يعقوب وأيوب. فمن ولد سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد: أم سلمة بنت يعقوب، تزوجها أمير المؤمنين أبو العباس، وأخوها محمد بن يعقوب بن سلمة. وذكروا أن محمدا قتل رجالا من ولد أبي هريرة في الفتنة. وأما أيوب بن سلمة بن عبد الله فكان تائها، وتزوج فاطمة بنت حسن بن حسن بن علي، فخوصم في ذلك، وكان سابّ عبد الله بن حسن بهذا السبب، ورفع أمره إلى هشام بن عبد الملك فقال هشام: والله لا يدخل عليها نهارا.

стр. 4078

وولى أبو العباس أمير المؤمنين اسماعيل بن أيوب بن سلمة مكة، وكان ذا قدر في قريش، وله عقب بالمدينة. قالوا: ودخل نصيب على ابراهيم (١) بن هشام فأنشده مديحا له فيه، فقال: ما هذا بشيء. أين هذا من قول أبي دهبل لصاحبنا الأزرق؟ فغضب نصيب فخلع عمامته وبرك عليها وقال: ائتوني برجل مثل الأزرق نأتكم بأجود من شعر أبي دهبل: لقد غال هذا القبر من بطن عليب … فتى كان من أهل الندى والتكرّم (٢) وأما هشام بن الوليد بن المغيرة فهو قاتل أبي أزيهر الدوسي بعقر أبيه عنده، وكان الوليد تزوج ابنة لأبي أزيهر فأمسكها عنده ولم يهدها إليه، وقد ذكرنا أمره في أول كتابنا، فاوصى الوليد أن يطلب أبو أزيهر بعقره، وأسلم هشام فحسن إسلامه، وهو الذي بعثه عمر إلى الكوفة للمساءلة عن سعد بن أبي وقاص حين رفع عليه وشكي، فكثر على سعد، فدعا عليه سعد أن يسلبه الله عقله، فجن في آخر عمره، فكان يكشف ذكره ويخرج حتى يراه الناس، وأدرك أيام عثمان بن عفان. فولد هشام بن الوليد بن المغيرة: اسماعيل، أمه من بني أسد بن عبد العزى، فولد اسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة: هشاما ومحمد بن اسماعيل، أمهما من بني قيس بن ثعلبة، وولى عبد الملك بن مروان هشام بن اسماعيل المدينة.

стр. 4079

فولد هشام: ابراهيم ومحمدا، وأمهما جيداء أم ولد، وعائشة ويقال فاطمة وتكنى أم هشام، تزوجها عبد الملك، فولدت له هشام بن عبد الملك، ولي الخلافة، وأمها مرّية يقال لها مريم، ويقال إن اسمها هو مريم. وكان ابراهيم بن هشام بن اسماعيل بن هشام بن الوليد عاملا لهشام بن عبد الملك على المدينة سنة، ثم عزله عنها، فلما ولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك بعث به إلى يوسف بن عمر الثقفي فعذبه حتى قتله، وكان يشير على هشام بخلعه. وكان محمد بن هشام بن اسماعيل بن هشام بن الوليد أخوه بخيلا، وولاه هشام بن عبد الملك مكة، ثم ولاه المدينة فتحول إليها، وقد كان هشام ولّى ابراهيم الموسم في بعض سنّيه فحج بالناس. وقال رجل من بني أسد بن خزيمة: إذا كنت ترجو الخير أو تبتغي الندى … فحطّ قتود الرّحل عند محمد فقتله يوسف بن عمر أيضا، وله عقب بالمدينة. وأما عمارة بن الوليد بن المغيرة، فكان يكنى أبا فايد، وكان فتى قريش جمالا، وقالت قريش لأبي طالب: أعطنا محمدا وخذ إليك عمارة، فقال بئس ما سمتموني أدفع إليكم ابن أخي لتقتلوه وأخذ ابنكم فأغذوه. وقد كتبنا خبره وشخوصه إلى الحبشة مع عمرو بن العاص، وما فعل به الحبشي في أول كتابنا مع ذكر من هاجر إلى الحبشة ولا عقب له. وأما خالد بن الوليد بن المغيرة ﵁، ويكنى أبا سليمان، وقد كان قبل ذلك يكنى أبا الوليد، فانه أسلم في صفر سنة ثمان قبل الفتح،

стр. 4080

وأمه لبابة الصغرى بنت الحارث الهلالية، أخت ميمونة زوج النبي ﷺ ، ولبابة أم عبد الله بن العباس، وهو الذي حمى الناس يوم مؤتة وقدم بهم، وقالوا: إنه انكسرت في يده يومئذ عدة أسياف، وهو الذي قتل مسيلمة، وكان له أجمل بلاء في أهل الردة في أيام أبي بكر ﵁، وبالشام وبالحيرة، وقد ذكرت خبره في كتاب البلدان، وقال رسول الله ﷺ فيما ذكر لنا: «لا تسبوا خالدا إنه سيف الله»، وكان يقال له: خالد سيف الله، وتوفي خالد بحمص ودفن في قرية على ميل منها. قال الواقدي: فسألت عن تلك القرية فقيل دثرت، وأوصى إلى عمر بن الخطاب وكان موته سنة إحدى وعشرين. وقال أبو اليقظان: حدث شعبة بن الحجاج أن خالدا لما مات أتى عمر منزله فكف النساء عن البكاء، ثم قال عمر: وما على نساء بني المغيرة لو بكين أبا سليمان في غير نقع ولا لقلقة (١). ولما حج عمر سمع حاديا من أهل الشام يقول: إذا رأيت خالدا تجففا … وهبت الريح شمالا حرجفا (٢) وود بعض القوم لو تخلفا … رأيته في الحرب ليثا أغضفا فبكى عمر حتى نشج، وقال: لو كان حيا لرددته عليكم. وكان خالد يقول: ما ليلة يهدى إلي فيها عروس أحبها، أو أبشر فيها

стр. 4081

بمولود ذكر، بأسرّ إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، وأنا فيها في سرية أصبّح العدو. وقال بعض الرواة عن مالك بن أنس: كان خالد بن الوليد يشبه عمر، فخرج عمر في السحر فلقيه رجل فقال: مرحبا بك يا أبا الوليد فرد عليه عمر فقال الرجل: عزلك ابن الخطاب؟ قال عمر: نعم. قال: أما شبع لا أشبع الله بطنه؟ قال عمر: فماذا عندك؟ قال: ما عندي إلا سمع وطاعة. فلما أصبح عمر أخبرهم الخبر وضحك وقال عمر: ما عتبت على خالد إلا في المال. وولد خالد بن الوليد: عبد الرحمن بن خالد. وكان يلي الصوائف. فحدثني محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده قال: توفي خالد بن الوليد بحمص سنة عشرين، أو إحدى وعشرين، وكان عبد الرحمن بن خالد يلي الصوائف فيبلي ويحسن أثره، فعظم شأنه بالشام، ومال الناس إليه فحسده معاوية وخافه، فدس إليه متطببا يقال له: ابن أثال، وجعل له خراج حمص فسقاه شربة فمات، فاعترض خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد، ويقال خالد بن عبد الرحمن، ابن أثال وكان يعرف بالأركون، والأركون كالرئيس في الناحية، فقتله فرفع ذلك إلى معاوية فحبسه أياما ثم أغرمه ديته ولم يقده. وحدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي وابن الكلبي عن عوانة عن أبيه والمدائني عن غياث بن ابراهيم أن معاوية ولى الصائفة - وقد جاشت الروم - عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكتب له عهدا ثم قال له:

стр. 4082

ما أنت صانع بعهدي؟ قال: سأتخذه إماما ومثالا فلا أتجاوزه، فقال: ردّ عليّ عهدي. فقال: أتعزلني ولم تخبرني؟ أما والله لو كنا ببطن مكة على السواء ما فعلت بي هذا، فقال معاوية: لو كنا ببطن مكة لكنت معاوية بن أبي سفيان بن حرب وكنت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان منزلي بالأبطح وكان منزلك بأجياد أعلاه مدرة وأسفله عذرة، ثم بعث إلى سفيان بن عوف الغامدي من الأزد فقال له: ولّيتك الصائفة وهذا عهدي فما أنت صانع؟ قال اتخذه إماما ما أمّ الحزم فإذا خالفه أعملت رأيي وسألت الله التوفيق، فقال معاوية: أنت لها، فلما ودعه قال معاوية: هذا والله الذي لا يدفع من بطء ولا يكفكف من عجلة، ولا يضرب على الأمور ضرب الجمل الثقال، فغزا بالناس الصائفة ثم هلك واستخلف عبد الله بن مسعود الفزاري، وقال له: إحرص على أن ترجع بالناس سالمين، فغزا بهم ورجع منهزما، وقد كان الشاعر قال فيه: أقم يا بن مسعود قناة صليبة … كما كان سفيان بن عوف يقيمها وسم يا بن مسعود مدائن قيصر … كما كان سفيان بن عوف يسومها فلما قدم على معاوية قال له: أقم يا بن مسعود. فقال له: يا أمير المؤمنين، قرنتني إلى رجل قلّ أشباهه في حزمه وبأسه، فقال معاوية: إن من فضلك عندي معرفتك بفضل من هو أفضل منك، ولكنك قلت هذه أول ولا يأتي ومحني فحرصت فغرّرت، والله يغفر لك. وكان عبد الرحمن يلي بعد ذلك الصوائف - وكان كعب بن جعيل صديقا لعبد الرحمن بن خالد فقال له معاوية: لم ترث صديقك، ولو كان للشعراء عهد لرثيته، فقال: قد قلت فيه:

стр. 4083

ألا تبكي وما ظلمت قريش … بإعلان البكاء على فتاها لو سئلت دمشق وبعلبك … وحمص من أباح لها حماها لقالت أن سيف الله أوهى … معاقل عزها وحوى قراها وأنزلها معاوية بن حرب … وكانت أرضه أرضا سواها فكان معاوية يكرم كعبا ويتّقيه. وقال ابن الكلبي: قتل المهاجر بن خالد بن الوليد مع علي بن أبي طالب بصفين، والمهاجر القائل: إما تريني أشمط الحسنات … فقد لهوت بالنساء الحرّات في بعثط (١) … البطحاء مضرجات وقال أيضا: ربّ ليل ناعم أحييته … في عفاف عند قباء الحشا ونهار قد لهونا بالتي … لا يرى شبه لها فيمن مشى وكان خالد بن المهاجر مع ابن الحنفية في الشعب فعلق عليه عبد الله بن الزبير زكرة (٢) فيها الخمر، ثم ضربه الحد، وهو قاتل ابن أثال طبيب كان بدمشق. قال وكان عبد الرحمن بن خالد ناسكا وشهد صفين مع معاوية، وكان الحجاج بن علاط السّلمي ادّعى عبيد الله بن رياح، وذكر أنه أتى أمه في الجاهلية، وكان رياح عبد أسود لخالد بن الوليد بن المغيرة، فخاصم فيه نصر بن الحجاج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد إلى معاوية، وقال نصر

стр. 4084

لعبيد الله بن رياح: أبا خالد لا ترهبنّ ابن خالد … فلم يكن الحجاج يرهب خالدا أبا خالد لا تجعلن بناتنا … موالي مخزوم وكنّ مواجدا أبا خالد أوصيك أمك حيّة … وأوصى إلى عوّاده والعوائدا فقضى معاوية به لبني مخزوم، وناول نصرا حجرا، فقال نصر: ما هذا؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر». فقال نصر: فهلاّ قضيت بهذه القضية في زياد؟ وقال يزيد بن معاوية: ما أنت من بهز وما كان منهم … أبوك ولكن أنت مولى لخالد وولد عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: أبا السائب، واسمه صيفي بن عابد، وأبا رفاعة واسمه أمية، وعتيق بن عابد، وزهير بن عابد، أمهم برّة بنت أسد بن عبد العزى بن قصي (١). فمن بني عابد: عبد الله بن السائب بن أبي السائب، وكان أبو السائب شريك النبي ﷺ في الجاهلية، وأتى النبي ﷺ يوم الفتح مسلما، فقال: يا رسول الله هل تعرفني؟ فقال: ألست شريكي؟ قال: بلى يا رسول الله، فكنت خير شريك، كنت لا تداري ولا تماري ولا تظلم، وقتل السائب بن أبي السائب يوم بدر، قتله الزبير. ورفاعة، وصيفي ويكنى أبا السائب، وأبو المنذر، وزهير بنو أبي رفاعة أمية بن عابد.

стр. 4085

فأما رفاعة فقتل يوم بدر، قتله سعد بن الربيع. وأما صيفي وهو السائب بن رفاعة فقتله عبد الرحمن بن عوف يوم بدر. وأما زهير فقتله أبو أسيد الساعدي يوم بدر. وأبو صيفي بن أبي رفاعة أسر يوم بدر، ولم يكن له فداء فأطلق. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي وغيره قال: روى عبد الله بن السائب بن أبي السائب ويكنى أبا عبد الرحمن عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (١) مع أحاديث غير ذلك (٢). وروى عن عمر بن الخطاب. كان قيس بن السائب مولى مجاهد بن جبر صاحب التفسير. وقالت امرأة منهم ترثيهم: إخوتي لا تبعدوا أبدا … وبكي والله قد بعدوا لو تملتهم عشيرتهم … لثراء المال أو ولدوا هان من بعض التذكر أو … هان من بعض الذي أجد كل من يمشي بعقوتها … وارد الماء الذي وردوا وقالت هذا لأنهم لم يعقبوا. ومنهم محمد بن صيفي بن أبي رفاعة، وجدّته أم أمه خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها، كانت في الجاهلية عند عتيق بن عابد، فولدت له جارية يقال لها هند، فتزوجها صيفي بن أبي رفاعة، وهو أمية بن

стр. 4086

عابد بن عبد الله، فيقال لبني محمد بن صيفي بالمدينة: بنو الطاهرة، لأنه كان يقال لخديجة الطاهرة. وقتل عبد الرحمن بن السائب بن أبي السائب يوم الجمل، وكان للسائب ابن يقال له عطاء، ذكر ذلك الزبيري (١)، ويقال إنه لم يكن في بني عابد هجرة. وقال الشاعر: وإن تصلح فإنك عابديّ … وصلح العابديّ إلى فساد قالوا: وعمّر أبو السائب صيفي بن عابد، شريك النبي ﷺ ، وطاف معاوية بالبيت ومعه جنده، فزحم أبو السائب فسقط، فقال: يا معاوية جئتنا بأوباش يصرعونا، والله لقد أردت أن أتزوج أمك، فقال: ليتك فعلت، فجاءت بمثل أبي السائب، يعني عبد الله بن السائب. وولد أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: عبد مناف، وهو أبو الأرقم، وجندب، وعبد العزى، وعبد. فمنهم: الأرقم بن أبي الأرقم بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وشهد بدرا مع النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ مستخفيا في داره، يدعو الناس إلى الإسلام. وقالوا: أم الأرقم بن أبي الأرقم: أميمة بنت عبد الحارث من خزاعة، وخاله: نافع بن عبد الحارث الخزاعي عامل عمر بن الخطاب على مكة، وكان أرقم بن أبي الأرقم يكنى في الجاهلية أبا عبد مناف، فلما أسلم كني أبا عبد الرحمن، وكان رسول الله ﷺ يدعو في داره عند الصفا، وفيها مات أرقم في زمن معاوية وولده يقولون أنه سابع سبعة في الإسلام،

стр. 4087

وكانت داره صدقة على ولده، فلما كانت خلافة أبي جعفر أمير المؤمنين خرج بعض ولده مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، فصارت لأبي جعفر ابتياعا، ثم صارت للخيزران أم ولد أمير المؤمنين المهدي باقطاع من المهدي، ثم صارت لجعفر بن موسى وهي التي يسكنها أصحاب العدني والشطوي. وشهد الأرقم المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين أبي طلحة، وأوصى أرقم أن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص، ومروان على المدينة من قبل معاوية، ومات الأرقم فاحتبس سعد لأنه كان في قصره بالعقيق، فقال مروان: أنحبس صاحب رسول الله لرجل غائب، وأراد الصلاة عليه فأبى ذلك عبيد الله بن الأرقم، وقامت معه بنو مخزوم، ووقع بينهم كلام وجاء سعد فصلى عليه، في سنة خمس وخمسين بالمدينة، وهلك الأرقم وله بضع وثمانون سنة. وكان للأرقم من الولد: عبيد الله لأم ولد، وعثمان لأم ولد والعقب له، وكان بعضهم بالشام. وكان للأرقم بنات: مريم، وصفية، وأمية. وولد عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: عمرو بن عثمان، وأمه قلابة بنت عمرو من خزاعة، وعرفجة، وعريفجة، وعثمان، وأبا برد. وولد عمرو بن عثمان: الحارث، والحويرث، والوليد، وأمهم فاطمة بنت المغيرة بن عبد الله، منهم عمرو، وسعيد ابنا حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.

стр. 4088

فأما سعيد، فصحب النبي ﷺ . وقال الواقدي: سعيد أسنّ من أخيه عمرو بن حريث، ويقولون إنه شهد الفتح مع النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة وكان إسلامه قبل الفتح، وهو الذي قتل ابن خطل الأدرمي، وقسم النبي ﷺ شيئا وجده في البيت فأعطاه منه. وتحوّل سعيد إلى الكوفة فنزل مع أخيه بها، وغزا خراسان، وزعموا أن غلمانه قتلوه بظهر الكوفة، ولا عقب له. وأما عمرو بن حريث فكان يكنى أبا سعيد. قال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفي سنة خمس وثمانين. وقال الواقدي: توفي النبي ﷺ وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكان عمال العراق زياد وغيره يستخلفونه على الكوفة إذا خرجوا منها، ويتولى أمرهم وشرطهم إذا حضروها، وكان عمرو ابتاع سفطا كان للنخيرجان فربح فيه، فكان أول من اعتقد مالا عظيما بالكوفة وله بها عقب. قال عبد الله بن همام السلولي يمدح عمرو بن حريث: أبوك المنقّى من قريش زناده … وخالك زاد المرملين هشام وحيّ بني سهم إذا عدّ مجدهم … أصابك منه حارك (١) وسنام حدثني هدبة بن خالد، ثنا أبو هلال، ثنا حميد بن هلال قال: خطب عمرو بن حريث إلى عديّ بن حاتم الطائي ابنته، فقال عدي: ما أنا بمزوّجك إلا على حكمي. ثم رجع عمرو إلى أصحابه فقال: امرأة من قريش أتزوجها على أربعة آلاف درهم أحب إلى من امرأة من طيّئ

стр. 4089

أتزوجها على حكم أبيها، قالوا: إن ذاك كذاك، ثم عاد فخطبها فزوجه إياها على حكمه وقال له: ما حكمك؟ قال: أربعمائة وثمانون، سنّة رسول الله ﷺ اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أربعون فبعث إليه عمرو بن حريث بأربعمائة وثمانين درهما مهرا، وبعشرة آلاف درهم سوى الصداق، وقال: هي هدية. قال أبو هلال: يقال ان ولد عمرو بن حريث من ابنه عديّ خير ولده. حدثني أبو صالح الفراء الأنطاكي، حدثني أبو إسحاق الفزاري عن الشيباني عن سعيد بن جبير قال: اعتكفت في مسجد الحي، فأرسل إلي عمرو بن حريث، وهو أمير الكوفة يدعوني فلم آته، ثم أتيته فقال: ما منعك من إتياننا؟ قلت: كنت معتكفا. فقال: وما على المعتكف يشهد الجمعة، ويعود المريض ويمشي مع الجنازة ويأتي الإمام. حدثني عمر بن شبّة قال: قال خلف بن خليفة: أراني أبي عمرو بن حريث وأنا ابن ست سنين فرأيت عليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين يديه وطرفها الآخر خلفه، فقال الناس: هذا قد صلى خلف رسول الله ﷺ . وروى سفيان بن عيينة عن خالد بن خالد قال: قال عمرو بن حريث: ما ظلمت في داري هذه أجيرا، وإن أصلها لمن عطية رسول الله ﷺ . حدثني بكر بن الهيثم عن يحيى بن ضريس قاضي الري عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة قال: رأيت عمرو بن حريث على المنبر يوم عرفة، والناس مجتمعون إليه يعظهم، ويقول: من تعزز بالمعصية أورثه الله الذلة.

стр. 4090

حدثني عمر بن شبّة، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان عن الشيباني عن الشعبي أن عمرو بن حريث أجاز شهادة المختبئ. وحدثني عمر بن شبّة، ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن عمرو بن حريث جعل السلعة رهنا بما بقي (١). وروي عن الشعبي أن رجلا ابتاع جارية بستين دينارا، فنقد ثلاثين واحتبس الجارية حتى يأتيه بالثلاثين الباقية فأتاه بها، فدفعها إليه وقد ماتت الجارية، فاختصما إلى عمرو بن حريث فقال: أما الثلاثون التي أخذتها والجارية حيّة فهي لك، وأما الثلاثون التي أخذتها وقد ماتت الجارية فردّها، وكان الشعبي يستحسن ذلك. وحدثني عبد الله بن صالح عن خالد الطحان عن ابن أبي ليلى قال: قال عمرو بن حريث، وهو صاحب زقاق عمرو بالكوفة: ما تناجى اثنان دون ثالث إلا ظنّ بهما اغتيابا له أو طيا لأمرهما عنه فأحنقته تلك وأوحشته هذه. وحدثني عبد الله بن صالح عن ابن كناسة عن ابن شبرمة أن عمرو بن حريث قال لابنه: إصحب من إذا صحبته زانك وإذا اختلك مانك (٢)، وإذا رأى منك حسنة أظهرها، وإذا رأى سيئة سترها، من لا يخاف بوائقه ولا تختلف عليك طرائقه. حدثني عبد الله بن صالح قال: حدثت عن سفيان بن سعيد عن مولى

стр. 4091

لعمرو بن حريث عن عمرو أنه قال لرجلين تمازحا: إن آخر المزاح جدّ فكفّا. حدثني روح بن عبد المؤمن، حدثني عمي أبو هاشم عن المعافى بن عمران عن سفيان الثوري قال: كان عمرو بن حريث يقول في خطبته: إنه ليست بين الجنة والنار منزلة ثالثة، فمن أخطأته الجنة دخل النار، فلا تكذبوا. حدثني عبد الله بن صالح عن شريك عن أبي إسحاق أن عمرو بن حريث كان يقول: إن أضرّ الكذب بك كذبك نفسك. قال شريك: وكان عمرو يقول: من رضي الجهل استغنى عند نفسه عن الحلم. وقالوا: قدم سدرة الهجيمي واسمه الهملّع بن أعفر الكوفة، وكان حافيا، فرأى بالكناسة عمرا، وعليه ثياب خزّ مضاعفة، فقال: هذا سيد القوم، فأتاه فسأله فقال له عمرو: إن كنت تريد الخزّ، فهو حاضر، وإن كنت تريد النقد فعليك بصاحب البرذون الأشهب، قال: الدالّ على الخير كفاعله. فقال: ومن هو؟ قال: أسماء بن خارجة، وعن يمينه لبيد بن عطارد، وحجار بن أبجر، وشمر ذي الجوشن، فأنشأ يقول: إليك تخطت عن قريش ولم ترد تميما ولم تعرض لبكر بن وائل ولا عامرا لم يعتمد للتي بها … ولا غيرهم من جمع تلك القبائل فوصله وقال له: عد إليّ فأقم عندي، فقال له: إني أشأم العرب، ما صحبت أحدا قطّ إلاّ مات، فقال له: ليس في العرب شؤم، فمضى ثم قدم عليه فوافق جنازته محمولة، فقال: شؤمي والله قتله.

стр. 4092

فمن ولد عمرو بن حريث: جعفر بن عمرو بن حريث، وكان فقيها ذا هيئة. حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن كناسة قال: كانت بين عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص وبين جعفر بن عمرو بن حريث مماظة (١) ومعاتبه، فدخل جعفر بن عمرو على خالد بن عبد الله القسري يوما وعنده عبد الرحمن بن عنبسة، فلما استقر بجعفر مجلسه قال لعبد الرحمن، ورأى صبيا على صدر خالد وهو يقبله: من هذا الصبي؟ قال: ابني فقال: أصلح الله الأمير، نحّ هذا الصبي عن صدرك فما رأيت أقذر منه وأنت تقبله، فقال خالد: أفي نفسك على أبي عبد الله موجدة؟ يعني أخاه أسد بن عبد الله. فقال: أصلح الله الأمير، إن هذا الفاسق خدعني وزعم أنه ابنه، فضحك خالد حتى فحص برجليه. وحدثني هشام بن عمار الدمشقي، ثنا سفيان عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: «رأيت النبي ﷺ وهو يخطب على المنبر وعليه عمامة سوداء». وحدثني علي بن المغيرة الأثرم عن خالد بن كلثوم عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن حريث أنه قال: قلما يسعد برأيه مستبد. وقال ابن الكلبي: من ولد عمرو بن حريث: عون بن عمرو وجعفر بن عون الفقيه. وولد خالد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: وابصة بن خالد، فولد

стр. 4093

وابصة: العاص بن وابصة. فمن ولد وابصة: العطاف بن خالد بن عبد الله بن عثمان بن العاص بن وابصة، وكان العطاف محدثا، حدثنا عنه إسحاق بن أبي إسرائيل، وهشام بن عمار. وولد هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: عبد الأسد، وأمه نعم بنت عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح، فولد عبد الأسد: أبا سلمة، واسمه عبد الله بن عبد الأسد، وأمه برّة بنت عبد المطلب، هاجر إلى أرض الحبشة مرتين ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وكان أول من قدم المدينة مهاجرا، وكان قدومه إياها لعشر خلون من المحرم، وقدوم رسول الله ﷺ إياها لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة عن جدته أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: رحل أبو سلمة بعيره، وحملني عليه وفي حجري ابني سلمة وهو يريد بي الهجرة إلى المدينة، فلما رآه رجال بني المغيرة قالوا له: هذه نفسك قد غلبتنا عليها فما بال صاحبتك؟ لا ندعك وتسييرها في البلاد، ثم انتزعوا خطام البعير من يده وأخذوني، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد وقالوا: والله لا نترك ابنها عندها إذ نزعتموها من صاحبها، وتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده. قالوا: فكانت مخلوعة حتى مات، وانتزعه بنو عبد الأسد وانطلقوا بي، وحبسني بنو المغيرة عندهم، ومضى زوجي أبو سلمة إلى المدينة، فكنت أخرج كل غداة إلى الأبطح فأبكي حتى أمسي، فلبثت بذلك قريبا من سنة حتى مرّ بي رجل من بني عمي فرحمني لما رأى بي، فكلم بني المغيرة فيّ

стр. 4094

وقال: ألا ترون ما بهذه المسكينة من الجهد لتفريقكم بينها وبين زوجها وولدها؟ فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، وردّ عليّ بنو عبد الأسد ابني، قالت فرحلت بعيري ووضعت ابني في حجري، وخرجت أريد زوجي وما معي أحد من خلق الله، فلما كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري فقال: أين تريدين يا بنة أبي أمية؟ قلت: أريد زوجي بيثرب. فقال: أو معك أحد؟ قلت: لا. فقال: مالك مترك، وأخذ بخطام البعير وانطلق معي يقودني، فوالله ما رأيت أكرم مصاحبة منه، كنت أبلغ المنزل فينيخ جملي، ثم يستأخر عني فإذا نزلت حطّ عن بعيري وفيّده، ثم أتى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا أردنا الرواح قدّم البعير فرحله، ثم استأخر وقال: اركبي ثم يقول: يا رخم البيت ألا استقلّي … ثم هلالا وعليه قلّي فإذا استويت قاد فلم يزل يفعل ذلك حتى أقدمني المدينة، فلما رأى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة (١). وحدثني الوليد بن صالح عن ابراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن ابيه إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة عن جدته أم سلمة مثله (٢). قالوا: وكان أبو سلمة وحمزة أخوي رسول الله ﷺ من الرضاع، أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطلب، وشهد أبو سلمة بدرا

стр. 4095

وأحدا، فرماه أبو أسامة الجشمي بسهم أصاب عضده فانتقض عليه، فمات منه لثماني ليال خلون من جمادى الآخرة سنة أربع، فلما انقضت عدة أم سلمة تزوجها رسول الله ﷺ ، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث، وبعث رسول الله ﷺ أبا سلمة في المحرم سنة أربع في سرية إلى قطن (١)، وهو لبني أسد فكان انتقاض الجرح به بعد ذلك، وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة. وولد لأبي سلمة: سلمة، وعمر، وزينب التي كان النبي ﷺ يقول لها: «ما فعلت زناب»؟ وكان مولدها بالحبشة، ونضح النبي ﷺ في وجهها ماء وهو يغتسل، فلم يتبين عليها الكبر، ولم يزل وجهها طريا بمائه، وتزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، ودرّة، وأمهم أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية. ولما أقطع الرسول ﷺ الدور بالمدينة جعل لأبي سلمة موضع داره التي عند الزهريان اليوم، ثم بيعت بعد. حدثني عمرو بن محمد الناقد ووهب بن بقية قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنبأ ابن أبي ذئب عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال: لما حضرت أبا سلمة الوفاة، حضره النبي ﷺ وبينه وبين النساء ستر فبكين، فقال رسول الله ﷺ : «مه. إنّ الميت يحضر ويؤمّن على ما يقول أهله، وإن البصر ليشخص للروح حتى يعرج بها». فلما فاظت نفسه بسط رسول الله ﷺ كفيه على عينيه فأغمضهما (٢).

стр. 4096

حدثني عمرو بن محمد الناقد ومحمد بن سعد، ثنا ابو نعيم الفضل بن دكين، ثنا سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن قبيصة بن ذؤيب أن النبي ﷺ أغمض أبا سلمة حين مات وقد ذكرنا خبر أم سلمة وولدها في خبر أزواج النبي ﷺ والهجرة. والأسود بن عبد الأسد، قتل يوم بدر كافرا، وكان الأسود حلف يوم بدر ليكسرنّ حوض النبي ﷺ ، فقاتل أشد قتال حتى وصل إلى الحوض، فأدركه حمزة ﵇ وهو يكسره فقتله، واختلط دمه بالماء، وكانت أمه كندية. وسفيان بن عبد الأسد وله عقب، ولد له لصلبه: الأسود بن سفيان، وهبار بن سفيان هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، وأقام مع جعفر بن أبي طالب، ثم قدم المدينة قبله واستشهد يوم مؤتة، ويقال يوم أجنادين، والأول قول الكلبي، وهاجر مع هبار أخوه عبيد الله بن سفيان بن عبد الأسد، وقتل يوم اليرموك بالشام. ومن ولد سفيان بن عبد الأسد: محمد بن عبد الرحمن بن أبي سلمة بن سفيان بن عبد الأسد، استقضاه موسى الهادي على مكة، وكان الأوقص المخزومي استخلفه على القضاء حين توفي، فأقره موسى على القضاء، واستقضاه هارون الرشيد أيضا. وقال أبو اليقظان: سرقت ابنة لسفيان بن عبد الأسد على عهد رسول الله ﷺ فقطعها وكلموه في ذلك فقال: «لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها».

стр. 4097

وقال معن بن أوس المزني في نخل له: لعمري ما نخلي بحال مضيعة … ولا ربها إن غاب عنها بخائف فإن لها جارين لن يغدرا بها … ربيب النبي وابن خير الخلائف يعني بربيب النبي عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد، وبابن خير الخلائف عاصم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. وقال مصعب الزبيري: كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال لعاصم بن عمر: امض بنا إلى مصعب نستحذيه من مال العراق، فأعطى عبد الله بن جعفر أربعين ألف دينار، وأعطى عاصما عشرين ألف دينار، وإنما حكم عاصما فاحتكم فاشترى بها عاصم صدقته بالأكحل (١)، وكانت قبله لعبد الرحمن بن أبي بكر، وقال عبد الله لمصعب: ما بالك لم تحكّمني كما حكمت عاصما؟ فقال: خفت أن تحربني أو تنحلني. فقال: لو فعلت لفعلت. ومن ولد الأسود بن سفيان بن عبد الأسد: رزق، وأمه أم حبيب بنت العباس بن عبد المطلب. وولد عبيد بن عمر بن مخزوم: الحارث بن عبيد، وأمه كنود بنت الحارث من بني تيم الأدرم بن غالب بن فهر. فولد الحارث بن عبيد: حنطب بن الحارث، وأمه من بني أسد بن خزيمة. فولد حنطب بن الحارث: المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد،

стр. 4098

أسر يوم بدر، وأمه مخزومية، وكان آخر من بقي بالمدينة، فكان يعمل في حائط لأبي أيوب الأنصاري حتى فدي. ومن ولد المطلب بن حنطب: الحكم الجواد بن المطلب بن عبد الله بن المطلب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم. حدثني مشايخ من أهل منبج منهم مزاحم الكاتب قال: نزل الحكم الجواد بن المطلب منبج، فكان أهلها يقولون: أغنى فقراءنا ولا مال له يومئذ، كان متزهدا، قيل وكيف ذلك؟ قالوا: حضّنا على التبارّ والتعاطف والتآسي، فأفضل غنينا على فقيرنا حتى استغنى. وسأله رجل حملانا إلى الثغر فأعطاه فرسا من فرسين كانا له. وفي الحكم يقول ابن هرمة: لا عيب فيك يعاب إلا أنني … أمسي عليك من المنون شفيقا إن القرابة منك يأمل أهلها … صلة وتأمل جفوة وعقوقا (١) وقال أيضا: رأيت الإله كفاني الذي … يهم وشيب بني المطلب قضوا لي بلا خلف حاجتي … ألا مثل سائلهم لم يخب (٢) ولزم رجلا من وجوه قريش دين، وكان له مال من نخل وزرع، فخاف أن يباع عليه فشخص من المدينة يريد خالد بن عبد الله القسري في العراق، وكان خالد يبرّ من قدم عليه من قريش، وأعدّ لخالد هدية من

стр. 4099

طرف المدينة، فلما صار بفيد وجد بها الحكم بن المطلب وهو على سعاية المدينة والحجاز وبعض نجد، فأتاه فلما رآه قام إليه وأجلسه على فراشه وسأله عن مقدمه فشرح له قصته ثم قال له: إني لم أتلقاك ولكني أشيعك إلى منزلك، فلما دخل منزل القرشي رأى تلك الهدايا فقال: لمن هذه؟ فقدمت إليه فأكل منها، وقال القرشي لغلمانه: احملوا إلى منزله فحملت، ثم قال: ههنا مال من مال الصدقات وأنت غارم فأنت أحقّ به فأعطاه ذلك المال وهو أربعة آلاف دينار، وإنما كان دينه قريبا من ثلاثة آلاف دينار، وقال له الحكم: قد قرّب الله عليك الخطوة فانكفأ القرشي راجعا وشيعه الحكم، فلما أراد مفارقته قال له: إن زوجتك تسألك عن طرائف العراق، وهذه خمسمائة دينار، وكانت معه في صرة، فأعطاه إياها عوضا عن هدية العراق. ولما عزل عن السعاية أخذ بالحساب وقال له الذي ولاه: أين الإبل والغنم؟ قال: أكلنا لحومها بالخبز واطعمناها. قال: فأين الدنانير والدراهم؟ قال: اعتقدنا بها الأيادي، وقضينا الحقوق، فأمر به فحبس، فقال بعض شعراء الأنصار: خليليّ إن الجود في السجن فابكيا … على الجود إذ سدّت علينا طرائقه ترى عارض المعروف كل عشية … وكل ضحى يستنّ في السجن بارقه فأعطاه ثلاثة آلاف درهم وهو محبوس. وكان قد هوي جارية نفيسة فاشتراها بمال عظيم، فلما أراد أن يدخل عليها لبس ثيابا سرية، ودخل على أبيه ليدعو له بالبركة فقال: أقسمت عليك يا بنيّ لمّا وهبت الجارية لأخيك الحارث بن المطلب، وكان أبوه يحب

стр. 4100

الحارث بن المطلب حبا شديدا، فوهبها له وخلع عليه الثياب التي كان لبسها، فقال الحارث نشدتك الله لمّا رددت الجارية إلى منزلك ولبست ثيابك، فقال: هي حرة إن أنت لم تقبلها فصارت له. ومات الحارث بن المطلب قبل أبيه، فنظر إلى مضجعه بعد حول فقال: هذا مضجع ابني الحارث وشهق شهقة خرجت معها نفسه: ولما تنسك الحكم كان يعلق اللحم بيده إلى منزله تواضعا، ومات الحكم بمنبج وبها دفن، فقال الراتجي يرثيه: ماذا بمنبج أمسى في مقابرها … من التهدم بالمعروف والكرم سألوا عن الجود والمعروف ما فعلا … فقلت إنهما ماتا مع الحكم ماتا مع السيد الموفي بذمته … قبل السؤال إذا لم يوف بالذمم قالوا: وانقطع شسع نعل الحكم فطرحها فأخذها بعضهم فأصلحها وأتاه بها، فوهب له ثلاثين دينارا وقال: خذ النعل فهي لك. وكان عبد العزيز بن المطلب أخو الحكم، والحارث ابني المطلب، ويكنى أبا المطلب، قاضيا على المدينة لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، وعبد العزيز الذي يقول: ذهبت وجوه عشيرتي فتخرموا … وبقيت بعدهم لشر زمان أبغي الأنيس فما أرى من مؤنس … لم يبق لي سكنا من السكان وكان عبد العزيز بن المطلب تزوج امرأة قد تزوجها قبله أربعة، فلما مرض قالت: من لي بعدك يا سيدي؟ قال: السادس الشقي. وكان عبد العزيز ردئ العين، فكان لا يكاد يرفع طرفه، وكان يقول: كان أخي الحارث عليل العين وكان يكحل، فيقال اكتحل مع أخيك، فأفسدت عيني.
следующие страницы →