← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

قال: علقمة الصدوق، قال فكره عمر أن يقول الخصي فقال: السليم؟ قال: فكتب عمر إلى قدامة وأبي هريرة، وعلقمة فقدموا فشهد الجارود أنه شرب الخمر، وشهد أبو هريرة أنه شرب الخمر مع ابن دسر، وقال علقمة: أتقبل شهادة مثلي؟ قال: نعم أقبل شهادة مثلك، قال: أشهد أن قدامة مج الخمر، فقال عمر: وأنا أشهد أنه إذ قاءها إنه قد شربها، فقال الجارود: أقم على قدامة الحد. فقال عمر: أشاهد أم خصم؟ قال: شاهد. قال: فقد أديت ما عليك، وكان قدامة مريضا فشاور عمر الناس فيه، فقالوا: لا تضربه حتى يبرأ فقال عمر: بل أقيم عليه الحد فإن مات لقي الله وقد أقيم عليه الحد، فلما أتي به ليضرب قال له عمر: أشربت الخمر؟ قال: وما بأس بذلك؟ أليس قد قال الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ (١)؟ فقال عمر: تشرب الخمر وتخطئ في التأويل، لو اتقيت الله لم تشربها. ثم قال ليرفأ حاجبه ومولاه: هات سوطا فجاءه بسوط له شعب فقال: هات غير هذا فجاءه بسوط رضيه فضربه ثمانين سوطا. وقال عمر: ما وليت أحدا كان علي فيه هوى غيره، فما بورك لي فيه. ومر الجارود بامرأة من ولد عمر فقالت: قبح الله هاتين العينين الخفشاوين اللتين شهدتا على خالي. فقال: قبح الله هاتين العينين اللتين شرب خالهما الخمر، وكان عبد الله بن عمر قال للجارود قبل أن يشهد على قدامة: غدا يفضحك الله، فقال: غدا يفضح الله خالك أو يحيف أبوك.

стр. 4132

قالوا: وعلقمة بن سهل من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وكان يكنى أبا الوضاح، وكان له اسلام وفضل ويسار بعمان، وكان أسر باليمن في الجاهلية، فهرب ثم ظفر به فهرب ثانية، ثم أخذ فخصي، فهرب ثالثة وأخذ جملين يقال لهما عوهج وداعر، فصارا بعمان وإليهما تنسب العوهجية والداعرية. وقال الكلبي: الداعرية نسبت إلى داعر بن الحماس بن ربيعة الحارثي فوقع إلى عمان فحل من الداعرية. وعلقمة الخصي الذي يقول وهو مختصى. يقول رجال من صديق وحاسد … نراك أبا الوضاح أصبحت ثاويا فلا يعدم الباقون بيتا يكنّهم … ولا يعدم الميراث بعدي واعيا وجفّت عيون الباكيات وأقبلوا … إلى مالهم إذ بنت منهم وماليا حراصا على ما كنت أجمعه لهم … هنيئا لهم جمعي فما كنت واليا ومات علقمة بالبحرين، وقوم يقولون إن الحارث بن كعب نفر به بعيره فسقط، والأول أثبت. وحدثني إسحاق بن أبي إسرائيل، وبكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن الزهري، أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة، وكان أبو شهد بدرا، أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، وهو خال حفصة، وعبد الله بن عمر، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر، وإنه حدّ من حدود الله رأيت حقا علي أن أرفعه إليك، فقال له عمر: من شهد معك؟ قال: أبو هريرة .. فدعا أبا هريرة فقال: بماذا تشهد؟ قال: لم أره يشرب

стр. 4133

ولكني رأيته سكران يقيء، فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم فقام الجاردو فقال: أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ قال: بل شهيد. قال: أدّيت شهادتك، فصمت عنه الجارود حتى غدا عليه فقال: أقم على هذا حدّ الله، فقال عمر: ما أراك إلاّ خصما وما شهد معك إلا رجل واحد، قال الجارود: إني أنشدك الله، فقال عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوءنّك، قال الجارود: والله ما ذاك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوءني؟ فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة، فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها الله، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تحدوني. قال عمر: ولم؟ قال قدامة: لقول الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ الاية. فقال عمر: اخطأت التأويل، أما لو اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله عليك، ثم أقبل عمر على الناس فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما كان وجعا. فقال عمر. لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن ألقاه وإثمه في عنقي، ائتوني بسوط تام، فأمر عمر بقدامة فجلد فغاضب عمر قدامة، وهجره فحج قدامة معه وهو مغاضب له، فلما قفلا من حجهما - وقال بكر في حديثه انصرفا من حجهما - وترك عمر بالسقيا استيقظ عمر من نومه فقال: عجلوا عليّ بقدامة فوالله لقد رأيت آتيا أتاني في النوم، فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، فعجلوا عليّ به فلما أتوه أبى أن يأتي عمر، فأمر عمر أن يجرّ إليه، فأتاه فكلمه عمر، واستغفر له فكان ذلك أول صلحهما.

стр. 4134

وحدثني بكر بن الهيثم عن شيخ من بني جمح عن أبيه قال: هجر عمر قدامة بن مظعون حينا، ثم رأى في منامه أن يرضى عنه ويصالحه، فرضي عنه وعانقه واستغفر له. قالوا: وبقي قدامة إلى زمن معاوية، ولم يدخل في شيء من أمرهم. وقال الواقدي: كان قدامة يكنى أبا عمرو، ومات في سنة ست وثلاثين وهو ابن ثمان وستين سنة، وهو أثبت الخبرين في موته، وكان قدامة من مهاجرة الحبشة في المرة الثانية، وقدم مكة وهاجر إلى المدينة، وفي قدامة يقول الهذلي، وأتاه بصلة: أآمل خيرا من قدامة بعد ما … علا السوط منه كل عضو ومفصل شربت حراما يا قدام فأرسلت … عليك سياط الشارب الخمر من عل فلا تشربن خمرا قدام فإنها … حرام على أهل الكتاب المنزّل (١) ومن ولد مظعون أيضا: عبد الله بن مظعون، ويكنى أبا محمد، أسلم مع أخويه حين أسلما، وهو بدري وأمه سخيلة بنت أهبان من بني جمح، مات في سنة ثلاثين، وهو ابن ستين سنة ومنهم: السائب بن عثمان بن مظعون هاجر مع أبيه إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم فهاجر منها إلى المدينة، وأصابه سهم يوم اليمامة في أيام أبي بكر فمات وهو ابن بضع وثلاثين سنة، وولد حين ولد ولأبيه ثلاثون سنة. ومن بني وهب بن حذافة أيضا، حاطب، وحطاب، ومعمر بنو الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح. فأما حاطب بن الحارث فهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية وبها مات،

стр. 4135

وولد له بها: محمد بن حاطب، وأرضعته أسماء بنت عميس، وهي أم عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأرضعت أمه عبد الله بن جعفر، فهما أخوان من الرضاع، فكانا يتواصلان على ذلك، وكان محمد بن حاطب يكنى أبا ابراهيم، وشهد مع علي مشاهده، ومات بالكوفة في ولاية بشر بن مروان أيام عبد الملك، وحفظ عن النبي ﷺ أنه «رقاه حين احترقت يده» وكان مع حاطب بأرض الحبشة ابنه الحارث فقدم في إحدى السفينتين مع جعفر بن أبي طالب ومعه أخوه محمد. وأما حطاب بن الحارث، ويكنى أبا معمر، فيقال إنه هاجر إلى أرض الحبشة فمات بها، ويقال مات في البحر وهو منصرف منها، ويقال إنه لم يهاجر إلى أرض الحبشة. وأما معمر بن الحارث، أخو حاطب، وحطاب، فإنه قديم الاسلام، أسلم قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم المخزومي، وشهد بدرا وجميع المشاهد، وتوفي في أيام عمر، ونزل في قبر عثمان بن مظعون. ومن ولد حاطب بن الحارث: عيسى بن لقمان بن حاطب بن الحارث. ولاه أمير المؤمنين المهدي الكوفة وقد كان ولي للمنصور أمير المؤمنين أيضا، وقد روى عنه ابن ادريس الأودي. ومن بني وهب بن حذافة أيضا: جميل بن معمر بن حبيب بن وهب، ويكنى أبا معمر، وهو ابن أخي مظعون، وكان شريفا وكانت له رئاسة في قريش ينكر عليها المنكر فيطاع. وكانت قريش تدعوه ذا القلبين لفهمه وفيه نزل: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (١). وكان جوادا وفيه يقول

стр. 4136

الهذلي. وفجّع أضيافي جميل بن معمر … بذي كرم تأوي إليه الأرامل (١) وقيل فيه أيضا: وكيف الثواء بالمدينة بعد ما … قضى وطرا منها جميل بن معمر وسفيان بن معمر بن حبيب أخو جميل هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ومات في أيام عمر، ويقال في أول أيام عثمان، وكان معه بالحبشة ابناه: جنادة، وجابر، وأمهما حسنة أم شرحبيل بن حسنة، وكان قدومه المدينة بعد الهجرة، وقبل قدوم جعفر بن أبي طالب. ومن بني وهب بن حذافة أيضا: هبار بن وهب، ذكر محمد بن إسحاق أنه من مهاجرة الحبشة (٢). ومن بني أهبان بن حذافة: نبيه بن عثمان بن ربيعة بن أهبان، وهو وهبان بن حذافة بن جمح، هاجر إلى أرض الحبشة في المرة الثانية، وأقام حتى ركب السفينة مع جعفر بن أبي طالب ومات في البحر. ومن بني وهيب وهو أهيب بن حذافة: أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير بن أهيب بن حذافة، وكان أصاب أبا عزة مرض وسقي بطنه، فأخرجته قريش من مكة مخافة العدوى، فلما طال عليه البلاء أخذ مدية فوجأ بها بطنه ليستريح مما كان فيه، فسال الماء من بطنه وبرئ، وذهب مرضه، وعاد صحيحا سليما فأنشأ يقول: لا همّ رب وائل ونهد … واليعملات والخيول الجرد

стр. 4137

ورب من يسعى بأرض نجد … أصبحت عبدا لك وابن عبد أبرأت مني برصا بجلدي … من بعد ما شرّدت في معدّ فرجع إلى مكة وأسر يوم بدر، فشكا الى النبي ﷺ فاقته وكثرة عياله، وأعطاه عهدا ألا يخرج عليه أبدا، ولا يعين قريشا، فلما كان يوم أحد خرج يقاتله مع المشركين ويحرضهم على قتال المسلمين، فأسر فضرب رسول الله ﷺ عنقه بيده صبرا، فيقال ان النبي ﷺ لم يقتل بيده غير أبي عزة، وأبي بن خلف. ومنهم: مسافع بن عبد مناف، وهو عبد الله بن عمير بن أهيب الشاعر، وأخوه عبد الرحمن بن سابط بن أبي حميضة بن عمرو بن أهيب الفقيه، وأخوه عبد الرحمن بن سابط، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سابط بن أبي حميضة بن عمرو بن أهيب كان فقيها. قال الهيثم بن عدي والواقدي: مات سنة ثماني عشرة. ومنهم: أيوب بن حبيب بن أيوب بن علقمة بن ربيعة بن الأعور بن أهيب، قتل بقديد قتلته الخوارج. وولد سعد بن جمح: عريج، وهو دعموص الرمل، ولوذان، وأمهما ليلى بنت عائش بن ظرب بن الحارث بن فهر. ومنهم: سعيد بن عامر بن حذيم بن سلمان بن ربيعة بن عريج بن سعد بن جمح، كان خيّرا فاضلا ورعا، ولاه عمر بن الخطاب الرقة وكورها وحمص، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات في سنة عشرين، فولّى مكانه عمير بن سعد الأنصاري ففتح رأس العين. حدثني داود بن عبد الحميد عن أبيه عن جده قال: لما احتضر

стр. 4138

سعيد بن عامر بن حذيم أمر فكتب إلى عمر: «إن الغلظة مع النصيحة خير من اللين مع الغش، وقد كنت منكرا لأمر من أمرك فلم أواجهك به إذ لم أجد لذلك موضعا، وقد خفت أن أموت ولم ألقه إليك، إني رأيت منك في أمر قدامة صهرك تحاملا على الشهود الذين شهدوا عليه، ومخاصمة عنه، والحاكم لا يكون خصما، فاحذر مثلها، واستغفر الله منها، واذكر الله عند لسانك إذا نطقت، وعند يدك إذا قسمت وبطشت، وعند همك إذا هممت، فإن الله لا يخادع ولا يقبل إلا نخيلة الأعمال بخالص النيات، ولست تعلّم يا أمير المؤمنين من جهل، وأنا أقرأ عليك السلام». فلما قرأ عمر الكتاب بكى وقال: رحمك الله أبا عمرو، فلقد مضيت طاهر الثوب، ناصح الجيب، لا يأخذك في الله لومة لائم. وحدثنا محمد بن سماعة الفقيه عن أبي معشر أن عمر بن الخطاب استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجحمي، فلما أراد أن يسير قال: يا أمير المؤمنين أوصيك بتقوى الله، وأن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله، وأن تحب للمسلمين ما تحب لنفسك، وأن يعتدك نظرك وقضاؤك لقريب الناس وبعيدهم، ولا تقضي في أمر بقضائين فتوبق نفسك، وخض الغمرات إلى الحق حيث علمته، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فقال عمر: من يستطيع هذا؟ قال سعيد: من جعل الله في عنقه ما جعل في عنقك، إنما عليك أن تأمر فيتبع أمرك فقال عمر: جزاك الله خيرا، وأنا أوصيك بتقوى الله، وطاعته ما استطعت. ومنهم أبو محذورة، واسمه فيما ذكر الكلبي أوس بن معير بن لوذان بن ربيعة بن عريج بن سعد، مؤذن النبي ﷺ .

стр. 4139

وقال محمد بن سعد عن الواقدي وغيره: هو سمرة بن معير واسم أخيه أوس (١). وقال أبو اليقظان: اسم أبي محذورة سلمان، وأوس أخوه قتل يوم بدر كافرا، وأسلم أبو محذورة يوم الفتح، وجاء النبي ﷺ فقال له: يا رسول الله ائذن لي في الأذان مع بلال فأذن له، فكان يؤذن في الفجر فقط، فلما انصرف رسول الله ﷺ عن مكة كان أبو محذورة يؤذن في الأوقات كلها، وأقام بمكة فيمن تخلف بها، ولم يهاجر، وكان يقول: لولا الأذان لهاجرت، وكان النبي ﷺ قال لسمرة وأبي محذورة: «آخر كما موتا في النار»، فكان القادم يقدم مكة فيسأله أبو محذورة عن سمرة بن جندب، وكان القادم يقدم من مكة فإذا لقيه سمرة سأله عن أبي محذورة، فمات أبو محذورة، ثم مات سمرة وكان موته بالكوفة في آخر أيام معاوية، وكان يكنى أبا سعيد، وفي أبي محذورة يقول أبو دهبل الشاعر الجمحي: أما ورب الكعبة المستورة … وما تلا محمد من سوره والنّعرات من أبي محذورة … لأفعلنّ فعلة مذكوره وقال الكلبي: كان لأبي محذورة أخ يقال له أنيس بن معير قتل يوم بدر كافرا. ومنهم: سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن جميل بن عامر بن حذيم بن سلمان بن ربيعة بن عريج بن سعد، ولي قضاء بغداد في أيام الرشيد.

стр. 4140

وقال أبو اليقظان: من بني جمح: لوذان بن ربيعة بن عريج بن سعد بن جمح، قتله علي بن أبي طالب يوم بدر. ومنهم: ربيعة بن دراج أسر يوم بدر.

стр. 4141

نسب بني سهم بن عمرو بن هصيص بن مرة بن كعب بن لؤي فولد سهم بن عمرو: سعد بن سهم، وسعيد بن سهم وأمهما نعم بنت كلاب بن مرة، ورئاب بن سهم، وعمرو بن سهم، وعبد العزى. درجوا. فولد سعد: عدي بن سعد، وحذيم بن سعد أمهما تماضر بنت زهرة بن كلاب، وحذيفة، وحذافة، وسعيد بن سعد، أمهم عاتكة بنت عبده من بني غاضرة بن صعصعة، منهم قيس بن عدي بن سعد بن سهم، كان شريفا تتحاكم إليه قريش، وكانت عنده الغيطلة، وهو اسمها، من ولد شنوق بن مرة بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، فهم ينسبون إليها ويدعون الغياطل، ويقال لبني قيس أيضا المقايس، ويقال ان الغيطلة من خزاعة، وأنها كانت كاهنة، وقال أبو طالب: لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بني خلف قيضا بنا والغياطل وفي قيس يقول الشاعر: لا يبتدي في مثل داره الندي … كأنه في العز قيس بن عدي ويروى: في داره يؤتى وداره الندي … كأنه في العز قيس بن عدي

стр. 4142

فولدت الغيطلة: الحارث بن قيس، وهو صاحب الأوثان كان كلما رأى حجرا أحسن من الذي عنده أخذه وألقى ما عنده، وفيه نزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ (١) ومقيس بن قيس، وعدي بن قيس. وكان في ولد قيس عرام، وفي بيت مقيس اقتسم الغزال الذي سرق من الكعبة، وكانت له قينتان، وقد ذكرنا خبره في حديث أبي لهب حين كتبنا نسبه. وكان مقيس بن قيس بن عدي سكر من خمر فجعل يخط ببوله نعامة أو بعيرا، فلما أفاق أخبر بذلك فحرّم الخمر وقال: لا تشرب الخمر إن الخمر فاضحة … تزري بمن كان ذا لبّ وذا كرم حتى يرى ضحكة في الناس محتقرا … كأنما مسه طيف من اللمم حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أقامت قريش بمكة لا يبغي بعضها على بعض، فكان أول من بغى من قريش بمكة المقايس، وهم: بنو قيس بن عدي بن سهم: تباغوا بينهم، فبعث الله فأرة على ذبالة (٢) فيها نار فجرتها إلى خيام لهم فاحترقوا، ثم كان من بني السباق بن عبد الدار بن قصي بغي وظلم، فألقى الله عليهم الفناء فقالت سبيعة بنت لاحب من بني نصر بن معاوية وكانت عند عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة لابنها، وكان ذا شرارة وبغي وظلم:

стр. 4143

أبنيّ لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير … واحفظ مكارمها ولا تعلقك أسباب الغرور أبنيّ من يظلم بمكة يلق أطراف الشرور … الله أمّن طيرها والوحش يعقل في ثبير وكسا البنيّة تبّع إذ جاءها حلل الحبير وقالت أيضا: ألا ليت شعري عن مقيس وأهله … أأفلت منهم في المحلة واحد أم النار لم تخطئ من القوم واحدا … فكلهم في هوة القبر خالد قالوا: وكان أمية بن عبد شمس بن عبد مناف رجلا جميلا، وكان طريقه على منزل وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وكانت لوهب قينتان فكره وهب ممره على رحله فنهاه عن ذلك فأبى فضربه وهب بالسيف على اليته فقال: مهلا أمّي فإن البغي منقصة … لا يكسبنك يوما شره ذكر فنفرت لذلك بنو عبد مناف بن قصي، والمطلب بن عبد مناف يومئذ حي، فغضب لابن أخيه، فأجمعوا على إخراج بني زهرة من مكة، فعزم بنو زهرة على الرحلة، فبينا هم على ذلك إذ صاح صائح من دار عدي بن قيس وكان سيدا عزيزا: ألا إن الركب مقيم أصبح ليل. فقالت بنو عبد مناف: من الصارخ؟ قيل: عدي بن قيس بن عدي، وكان في سهم ثروة وعدد ومنعة فاجتمع بنو عبد مناف إلى المطلب بن عبد مناف بأسفل مكة وتجمعت بنو سهم وبنو زهرة، فعرف بنو زهرة أنهم ممنوعون، وكان أمية حليما، فلما رأى ذلك أتى عمه المطلب فقال: يا عماه قد وهبت الضربة لبني عمي

стр. 4144

فاصطلحوا، وهذا اليوم يسمى يوم عزّ الركب، ويوم الصلح فقال عبد الله بن الزبعرى: نحن منعنا من الاجلاء إخوتنا … لما انخت مطايا القوم حالينا لما رأوا مكفهرا لا كفاء له … من شر سهم وناداهم منادينا بأن أقيموا واصبح ليل إن لنا … أمرا سيكفيهم منا ويكفينا (١) وقال أبو عبيدة: هذا الشعر فيما أحسب قيل في الإسلام، وقاله بعض بني سهم، وقال بعض بني زهرة الذي ضرب الية أمية ذو الفريّة. وقال أبو اليقظان: أراد بنو عبد مناف أن يأخذوا المفتاح من بني عبد الدار، فأعانهم قيس بن عدي فلم يؤخذ. وقال أبو اليقظان: وثب أبو جهم بن حذيفة العدوي على أمية بن خلف الجحمي فلطمه لأمر جرى بينهما، فوثبت جمح على بني عدي فغلبوهم، فأعانهم عدي بن قيس بن عدي على بني جمح فلم يقدروا على مضرتهم وقال: سأحنو على حيّي عديّ مسيّرا … خفارتهم ما بين أذني ومنكبي تأشب عيصي (٢) … ما حييت وعيصهم تأشب عيص الغيضة المتأشب ومن ولد قيس بن عدي بن سعد بن سهم: أبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي، هاجر إلى الحبشة في المرة

стр. 4145

الثانية، فيقال إنه قدم مع جعفر، ويقال قبل ذلك، واستشهد يوم اليمامة في أيام أبي بكر. وسعيد بن الحارث هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، وقتل يوم اليرموك. وتميم بن الحارث هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، واستشهد يوم أجنادين في الشام. وعبد الله بن الحارث هاجر إلى أرض الحبشة مع إخوته في المرة الثانية، ومات بالحبشة. والحجاج بن الحارث يقال إنه هاجر إلى أرض الحبشة في المرة الثانية، وقدم المدينة بعد هجرة النبي ﷺ ، واستشهد بالشام، ويقال إنه لم يكن له هجرة إلى أرض الحبشة، والواقدي يثبتها. وقال الكلبي: لم يهاجر، وأسر يوم بدر، ثم أسلم بعد. والحارث بن الحارث يقال هاجر إلى أرض الحبشة، وليس ذلك بثبت، ولكنه استشهد بالشام. والسائب بن الحارث، هاجر إلى الحبشة، وقدم المدينة بعد الهجرة، ومات من جراحة أصابته يوم الطائف، ويقال بل استشهد بالشام، والواقدي يثبت هجرته إلى الحبشة، وبعضهم لا يثبتها. ومن ولد قيس بن عدي: عبد الله بن الزبعرى بن قيس، وكان يهجو النبي ﷺ ، وفيه يقول حسان بن ثابت الأنصاري: ألا ترون بأني قد ظلمت إذا … كان الزبعرى لنعلي ثابت خطرا (١)

стр. 4146

وأباح رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح، فأسلم قبل أن يقدر عليه. ومدح رسول الله ﷺ . فلم يعرض له، ولما أسلم ابن الزبعرى قال لحسان: تعالى حتى نتهاجى فإنك كنت تهجوني وجبريل معك، فقال حسان: إني لا أهجو من دخل في الإسلام. ومنهم: خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم إلى مكة، وهاجر إلى المدينة مع المسلمين فمرض ورسول الله ﷺ ببدر وهو معه، وتوفي مقدم رسول الله من بدر فصلى عليه رسول الله ﷺ ودفنه إلى جنب عثمان بن مظعون ولا عقب له، وكانت عند خنيس حفصة بنت عمر، فخلف عليها رسول الله ﷺ وأم خنيس بن حذافة: ضعيفة بنت حذيم من بني سهم، وكان خنيس يكنى أبا حذافة، ويقال أبا الأخنس. وعبد الله بن حذافة بن قيس أخو خنيس، أسلم وهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، وكان رسول الله ﷺ أرسله بكتابه إلى كسرى بن هرمز يدعوه إلى الإسلام، وأمره أيام منى أن ينادي: إنها أيام أكل وشرب، وكان عمرو بن العاص ولاه الاسكندرية، فأسرته الروم، فكتب عمر إلى قسطنطين يتوعده بأن يغزوه بنفسه إن لم يخل سبيل عبد الله بن حذافة فخلاه فمات عبد الله في أيام عثمان بن عفان. وقيس بن حذافة هاجر مع إخوته إلى الحبشة، وبعض الرواة يدفع هجرته والواقدي يثبتها، ويقول قدم من الحبشة بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.

стр. 4147

ومن بني قيس بن عدي أيضا: العاص بن قيس بن عبد قيس بن عدي قتل يوم بدر كافرا. ومن بني سعد بن سهم أيضا: عروة بن قيس بن حذافة بن سعد قتل يوم بدر. ومنبه ونبيه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، كانا شريفين في الجاهلية، وكانا ممن يؤذي رسول الله ﷺ ، وقد كتبنا خبرهما في أول كتابنا، وقتلا يوم بدر كافرين، وكانا من المطعمين. وقتل العاص بن منبه يوم بدر أيضا وكان له ذو الفقار سيف النبي ﷺ ، ويقال كان لمنبه، ويقال كان لنبيه. والثبت أنه كان للعاص بن منبه. وولد سعيد بن سعد: أسد بن سعيد، وحذيم بن سعيد، وصبيرة، وحذيفة وأمهم أم الخير بنت سعيد بن سهم، فعاش صبيرة دهرا ويقال مائة سنة، ولم يشب، وله يقول الشاعر: حجاج بيت الله إنّ صبي … رة السّهمي ماتا سبقت منّيته المس … يب وكان ميتته افتلاتا (١) فتزودوا لا تهلكوا … من دون أهلكم خفاتا ومن ولد صبيرة: أبو وداعة بن صبيرة أسر يوم بدر، وابنه: المطلب بن أبي وداعة كان شريفا، واسماعيل بن جامع بن اسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة المغنّي في أيام هارون الرشيد، وعامر بن أبي عوف بن صبيرة قتل يوم بدر كافرا، هو وأخوه عاصم بن أبي عوف،

стр. 4148

وكثير بن كثير بن المطلب كان يحدث عنه، وكان شاعرا شيعيا، وهو الذي يقول لعمر بن عبد العزيز: يا عمر بن عمر بن الخطاب … إنّ وقوفي بفناء الأبواب يدفعني الحاجب بعد البواب … يعدل عند الحرّ دقّ الأنياب وله شعر في التشيع منه قوله: لعن الله من يسب عليا … وحسينا من سوقة وإمام وكانت أم المطلب بن أبي وداعة ابنة الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، وكان ينزل المدينة، وله بها دار، وله عقب بمكة. وقال أبو اليقظان: كان ولد المطلب بن أبي وداعة: حرب بن أبي شيخ بن المطلب، كان من فتيان قريش، وكان مع يزيد بن المهلب بخراسان، فقال له أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة: يا حرب إنك قد مضيت لطية (١) … ظلت مفرفة وبين مقطع وكان المطلب بن السائب بن أبي وداعة على ابنة سعيد بن المسيب، وولد سعيد بن سهم: مهشم بن سعيد، وهاشم بن سعيد، وهشام بن سعيد، وهشيم بن سعيد، وأمهم عاتكة بنت عبد العزى بن قصي. فمن بني سعيد بن سهم: العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم، وكان ممن يعادي النبي ﷺ ويؤذيه.

стр. 4149

ولما توفي القاسم بن رسول الله ﷺ بمكة قال العاص بن وائل: قد انقطع نسل محمد وهو أبتر. فأنزل الله: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (١). فولد العاص: عمرو بن العاص ﵁، وأمه النابغة بنت خزيمة، وهي امرأة من عترة سبيئة، يقال انها ممن سقط إلى مكة. وهشام بن العاص وأمه حرملة بنت هشام بن المغيرة. وقال أبو اليقظان: يروى في الحديث أن النبي ﷺ قال: «ابنا العاص مؤمنان». فأما عمرو بن العاص:، ويكنى أبا عبد الله، فإن المسلمين لما هاجروا إلى الحبشة، بعثته قريش في عدة من المشركين إلى النجاشي ليكيدوهم عنده ويسألوه إخراجهم عن بلاده، وجعلوا له جعلا، وشرطوا له شروطا، فأبى إجابتهم إلى ما سألوا، وجعل يحقق أمر رسول الله ﷺ ويخبرهم بصدقه، فانصرفوا إلى مكة. فحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن عبد الحميد بن سهيل عن عمرو بن شعيب عن مولى لعمرو بن العاص عن عمرو قال: أسلمت عند النجاشي، وبايعته على الإسلام، فقدمت على النبي ﷺ وهو بخيبر، ونحن في هدنة الحديبية، فلما رجع من خيبر دخلت عليه فأعلمته قدومي راغبا في الهجرة، وفي إظهار الإسلام، وأني أحب أن يرى رسول الله أثري وغنائي في الإسلام، فطالما كنت عونا عليه، فقال رسول الله ﷺ : «الإسلام يجبّ ما قبله».

стр. 4150

فلما كان هلال جمادى الآخرة بعثني رسول الله ﷺ إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، وكتب إليهما كتابا فانتهى إلى عمان، وكان الملك جيفر فأخبرته خبر النجاشي وإسلامه، فقال: أنظر ما تقول، فقلت: ما خلّة أفضح لرجل من كذب، وما يستحل الكذب في ديننا. فقال: تكلم بهذا الكلام عبدا، ففعلت فأجابا إلى الإسلام، وصدقا بالنبي ﷺ ، وخليا بيني وبين الصدقة، والحكم فيما بينهم، فلم أزل مقيما معهما حتى بلغتني وفاة النبي ﷺ . وقال محمد بن سعد: قال الواقدي: الثبت من خبر عمرو بن العاص أنه قدم على النبي مسلما في صفر سنة ثمان قبل فتح مكة بأشهر، وكان الفتح في شهر رمضان، فوجهه رسول الله ﷺ في جمادى الآخرة سنة ثمان إلى ذات السلاسل في سرية، ومعه أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، فلقي العدو من قضاعة، وعاملة، ولخم، وجذام، وكانوا مجتمعين، ففضّهم وقتل منهم بشرا كثيرا، ثم بعث به إلى ابني الجلندى: عبد، وجيفر، بعمان فأسلما وكان أميرا عليهما، ومعه أبو زيد الأنصاري على الصلاة، وأخذ الإسلام على الناس، وتعليمهم القرآن، فلم يزل عمرو بعمان حتى قبض رسول الله ﷺ . وعمرو بن العاص هو الذي فتح مصر ونواحيها في أيام عمر، وعزله عثمان عنها فقال له: يا عمرو أعلمت أنّ اللقاح قد درّت بعدك ألبانها؟ فقال: لأنكم أعجفتم أولادها، وله أخبار مع عثمان ومعاوية وقد ذكرناها في مواضعها في هذا الكتاب.

стр. 4151

وتوفي عمرو بن العاص في أيام معاوية بمصر، وهو عامله عليها يوم الفطر سنة اثنتين وخمسين، وذلك قول الهيثم بن عدي (١). حدثني حفص بن عمر عن ابن الكلبي هشام بن محمد عن عوانة قال: لما اشتدت علة عمرو بن العاص بمصر وشارف الموت قال له ابنه عبد الله بن عمرو: يا أبه كنت تقول ليتني أرى رجلا عاقلا عند نزول الموت يحدثني بما نجد وقد نزل بك ما ترى وعقلك معك فصف الذي تجده؟ فقال: يا بني كأن جنبيّ في طخت (٢) وكأني أتنفس من سم إبرة، وكأن غصن شوك يجرّ من قدمي إلى هامتي، ثم قال متمثلا بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي اليهودي: ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في رؤوس الجبال أرعى الوعولا إجعل الموت نصب عينك واحذر … غولة الدهر إنّ للدهر غولا (٣) ليتني كنت حيضا عركته الإماء بدرين الإذخر (٤)، ثم مد يديه فقال: اللهم لا أنا ذو براءة فاعتذر ولا ذو قوة فأنتصر. اللهم إني مذنب مستغفر. وحدثني حفص بن عمر العمري عن ابن الكلبي والهيثم بن عدي، عن عوانة عن أبيه قال: جعل عمرو بن العاص يقول حين نزل به الأمر:

стр. 4152

اللهم إنك أمرتنا فلم نأتمر، وزجرتنا فلم ننزجر، اللهم فإنا لا نعتذر ولكن نقرّ ونستغفر. قال ولما احتضر قال لابنه: ائتني بجامعة فشدّ بها يديّ إلى عنقي ففعل، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إنك أمرتني فعصيت أمرك، ونهيت فجزت نهيك، ولست عزيزا فأنتصر، ولا بريئا فاعتذر، ولكني أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك. ثم قال لابنه: إذا متّ فعجّل أمري، وإذا دفنتني فعجّل الانصراف فوالله ما أحسبكم تنصرفون حتى تسمعوا صوتا. وقال أبو اليقظان: لما احتضر عمرو قال: خدّوا لي الأرض خدّا، وسنّوا علي التراب سنّا، ووضع إصبعه في فمه وضع المفكر المتندم حتى مات، وكان يوم مات ابن ثلاث وتسعين سنة، وصلى عليه عبد الله ابنه، ثم صلى بالناس يوم الفطر. وقال غير أبي اليقظان: مات وله ثمان وثمانون سنة، والله أعلم (١).

стр. 4153

فولد عمرو بن العاص: عبد الله بن عمرو ﵄، ويكنى أبا محمد، وأمه ريطة بنت منبّه بن الحجاج السهمي. ومحمد بن عمرو وأمه ريطة أيضا، ويقال غيرها. فأما عبد الله فأسلم قبل أبيه، وكان صالحا ومات سنة خمس وستين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقد حفظ عن النبي ﷺ ، وروى عن أبي بكر وعمر وقد ذكرنا خبره في يوم صفين. وقال أبو اليقظان: كانت لعبد الله بن عمرو صحبة، واستأذن النبي ﷺ في أن يكتب ما يسمع، فكتب وكان يقول: ما شيء في الأرض أعز علي من كتاب كتبته عن رسول الله ﷺ ، ومن ضيعتي الوهط (١)، وقال: ما سرني أن لي أبا عير عمرو بن العاص، وقاتل يوم صفين طاعة لأبيه، ولم يقره معاوية على عمل أبيه. فولد عبد الله بن عمرو بن العاص: محمد بن عبد الله بن عمرو، فولد محمد: شعيب بن محمد. فولد شعيب عمرو بن شعيب. وكان عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم فقيها راوية للحديث، وكان عمرو بن شعيب سريا، ربما ولا أحلى في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن املأ عيني منه ولو متّ على تلك الحال لرجوت ان أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا متّ فلا تصحبني نائحة، ولا نار، فإذا دفنتموني فسنّوا على التراب سنّا ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى استأنس بكم وانظر ماذا أراجع به رسل ربي». كتبته لكثرة فوائده.

стр. 4154

قسم في مجلس واحد صدقة جده خمسين ألفا، وفيه يقول الشاعر: يا عمرو إني بأرض غيرها وطني … نائي المحلة في مطل وتمجيج يا ليت لي بمكان الوهط منزلة … من دونها ردم يأجوج ومأجوج وولد عمرو بن شعيب بالطائف، والوهط بالطائف. وكان شعيب بن شعيب أخو عمرو بن شعيب سريا، وكانت أم عمرو وشعيب ابني شعيب بن محمد من ولد عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكانت أختهما عائذه بنت شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عند حسين بن عبد الله بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وكانت فائقة الجمال والعقل. وأما هشام بن العاص بن وائل أخو عمرو بن العاص، وكان قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم قدم إلى مكة للهجرة إلى المدينة فحبسه أبوه، فلم يزل محبوسا بمكة حتى مات أبوه العاص بن وائل في آخر السنة الأولى من الهجرة، وله خمس وثمانون سنة، ثم حبسه قومه بعد أبيه فلم يزل يحتال حتى تخلص وقدم على رسول الله ﷺ بعد الخندق، وكانت غزاة الخندق في ذي القعدة سنة خمس، وكان من خيار المسلمين، وكان يكنّى أبا العاص، فكناه رسول الله ﷺ أبا مطيع، وأمه حرملة بنت هشام بن المغيرة، وأبو جهل خاله، وخرج مع من وجهه أبو بكر الصديق إلى الشام، فقتل في قول الكلبي يوم أجنادين، وفي قول الواقدي باليرموك، وكان أصغر سنا من عمرو بن العاص أخيه، ولا عقب لهشام بن العاص. وقال أبو اليقظان: قيل لعمرو بن العاص أأنت أفضل أم أخوك هشام؟ قال: أقول فاحكموا: أمه أم حرملة بنت هشام بن المغيرة، وأمي عنزيّة، وكان أحب إلى أبيه مني، والوالد أعلم بولده، وأسلم قبلي، وتلك

стр. 4155

الفضيلة العظمى، فاستبقنا إلى الله فسبقني، فاستشهد يوم اليرموك رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ومن بني سعيد بن سهم: عمير بن رئاب بن مهشم بن سعيد، كان مع خالد بن الوليد بن المغيرة بعين التمر (١)، فقاتلهم النمر بن قاسط، وعليها عقّة بن قيس بن البشر، ويقال هلال بن عقة بن قيس النمري فجرح بشير بن سعد الأنصاري، أبو النعمان بن بشير، ومات فدفن بعين التمر، وأصاب عمير بن رئاب سهم فاستشهد فدفن إلى جنب بشير بن سعد، وكان من مهاجرة الحبشة في المرة الثانية، وقدم مع جعفر أو قبله وهو القائل: نحن بنو زيد الأغر ومثلنا … يحامي على الأحساب عند الحقائق وكان اسم زيد سهم. وقال ابن الكلبي: ولد رئاب بن سهم: سعدا، وسعيدا، وعديا، وأمهم برّة بنت تيم من خزاعة، وبعضهم يقول مرّة. وقال غير الكلبي: عمير بن رئاب بن حذافة بن سعيد بن سهم، وذلك خطأ وانشدت لكثير بن كثير بن المطلب السهمي. لعن الله من يسب عليا … وحسينا من سوقة وإمام أيسب المطيبين جدودا … والكرام الأخوال والأعمام يأمن الوحش والحم … أم ولا يأمن الشفيع عند المقام وقد كتبنا أول بيت من هذه الأبيات مع نسبه.

стр. 4156

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نسب بني عدي بن كعب بن لؤي: وولد عدي بن كعب: رزاح بن عدي، وعويج بن عدي، وأمهما حبيبة بنت بجالة بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان. فولد رزاح: قرط بن رزاح، وأمه حبيبة بنت وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر (١). فولد قرط: عبد الله وأمه ليلى بنت سليمان بن بوي بن ملكان بن أفعى من خزاعة. وبعضهم يقول ملكان. فولد عبد الله بن قرط: رياح بن عبد الله، وتميم بن عبد الله، وهو عبد الله أيضا، وصدّاد بن عبد الله، وأمهم خناس بنت الأختم بن عمرو بن خالد بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر. وولد رياح بن عبد الله: عبد العزى، وأذاه - بذال معجمة - وأمهما عاتكة بنت عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.

стр. 4157

منهم: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وكان نفيل جد عمر شريفا نبيلا تتحاكم إليه قريش، وزيد بن الخطاب أخو عمر، وعمهما عبدنهم بن نفيل قتل يوم الفجار. فأما عمر بن الخطاب، فإنه كان شديدا على المسلمين ثم أسلم فأعز الله به دينه. حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن إدريس الأودي، ثنا حصين بن هلال بن إساف، قال: أسلم عمر بن الخطاب ﵁ بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة. وحدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح عن الواقدي عن معمر عن الزهري. قال الواقدي: وحدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين وغيرهما، يزيد بعضهم على بعض قالوا: أسلمت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر وأسلم زوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فكانا يتكتمان باسلامهما عن عمر، وكان عمر شديدا على من أسلم من قومه، وأسلم نعيم بن عبد النحام، وإنما سمي النحام لأن النبي ﷺ قال: «دخلت الجنة فرأيت فيها أبا بكر، وعمر، وسمعت نحمة من نعيم» فسمي النحام. قالوا: وكان شريفا وكان خبّاب بن الأرتّ يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب فيقرئها القرآن، فخرج عمر بن الخطاب ذات يوم متوشحا بالسيف، يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه ذكروا له، وأخبر أنهم

стр. 4158

مجتمعون في بيت عند الصفا، وهم أربعون، أو نيّف وأربعون بين رجال ونساء وكان مع رسول الله ﷺ يومئذ: عمه حمزة، وعلي، وأبو بكر، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد؟ قال: أريد محمدا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، وذم من مضى من آبائها، فأقتله فيرجع الأمر إلى ما كان عليه، أيظن محمد أن قريشا تنقاد له؟ كلا واللات والعزى، فقال له نعيم: قد والله غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض إذا قتلت محمدا، لا أعلم رجلا جاء قومه بمثل ما جئت به، فلئن تركناك لهي السوءة، ولئن نصرناك لتصطلمنّ. فقال عمر: إن مع عدي غيرها من قريش، وأراك تتكلم عنه وما أظنك إلا قد تبعته. فسكت نعيم وقال ارجع إلى بيتك فأقم أمره فقال: وأيّ أهل بيتي اتّبع محمدا؟ قال: فاطمة أختك، وختنك سعيد بن زيد قد والله أسلما. فقال عمر: أراك والله صادقا، إن سعيدا قد نازع إلى ما كان أبوه يدين به من خلاف قومه، وتركه أكل ذبائحهم، وحضور أعيادهم. فمضى عمر يريدهما، قال نعيم: وندمت على إخباري إياه بما أخبرته به وإني لم أطو أمرهما عنه كما طويت أمر نفسي. وكان عمر قد رأى خبابا يختلف إليهما، قال: فدخل عمر على اخته وزوجها، وعندهما خباب، ومعه صحيفة فيها سورة طه وهو يقرئهما إياها، فلما سمعوا حسه تغيب خباب في مخدع لهم في البيت، وأخذت فاطمة الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، فلما دخل عمر قال: ما هذه الهينمة (١) التي سمعت؟ قالا:

стр. 4159

ما سمعت شيئا، قال: بلى والله لقد بلغني أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بختنه سعيد، فقامت فاطمة لتكفه عنه فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت أخته وختنه: نعم والله لقد أسلمنا، وآمنا بالله وبرسوله فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، ورق وارعوى، وقال لأخته: هاتي الصحيفة لأنظر ما هذا الذي جاء به محمد. وكان عمر كاتبا فقالت: لا أفعل حتى تغتسل فإنه كتاب لا يمسه الا طاهر، فاغتسل عمر، ثم أعطته الصحيفة وفيها: ﴿طه﴾. فلما قرأ صدرا منها قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه، فلما سمع خباب قوله طمع فيه فخرج وقرأ عليه السورة، وقال: يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس يقول: «اللهم أيّد الإسلام بأحبّ الرجلين إليك بعمر أو عمرو بن هشام». قال عمر: فدلني على محمد حتى آتيه فأسلم، فدله عليه، فخرج حتى انتهى إلى دار الأرقم المخزومي، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قال الأرقم: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا بسيفه، فقال حمزة بن عبد المطلب: إن كان يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد سوى ذلك قتلناه بسيفه، فأذن له، فدخل ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته، أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة، وقال: «والله ما أراك تنتهي أو ينزل الله بك قارعة. فقال: جئتك لأؤمن بالله ورسوله، وما جئت به من عند الله، فقد سمعت قولا لم أسمع مثله قط، فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت بها أنه قد أسلم، وتفرق

стр. 4160

أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم ذلك، وعزوا باسلام حمزة، وعمر، وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ وينتصفان له من عدوه. ولما أسلم عمر نزل جبريل فقال: قد استبشرنا باسلام عمر. وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ وينتصفان له من عدوه. ولما أسلم عمر نزل جبريل فقال: قد استبشرنا باسلام عمر. قال الواقدي: فحدثني محمد بن عبد الله عن عمه ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة، فما هو إلاّ أن أسلم حتى ظهر الإسلام بمكة. حدثني محمد بن سعد، ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، حدثنا القاسم بن عثمان عن أنس بن مالك قال: خرج عمر متقلدا السيف فلقيه رجل من بني زهرة فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدا، قال: وكيف تأمن بني هاشم وبني زهرة إذا فعلت ذلك؟ فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبوت. فقال له: أفلا أدلك على أختك وختنك فقد صبا وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر متذمرا حتى أتاهما وعندهما خباب بن الأرتّ، فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ قال: وكانوا يقرأون: ﴿طه﴾. فقالا: حديث تحدثناه بيننا. فقال: لعلكما قد صبأتما؟ فقال ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك، قال: فوثب عليه عمر فوطئه وطئا شديدا فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عمر إن الحق لفي غير دينك، اشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله. فقال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم أقرأه، وكان عمر يقرأ الكتب، فقالت أخته: إنك نجس، وإنه ﴿لا يَمَسُّهُ

стр. 4161

إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) فقم فاغتسل، أو توضأ، فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ: «طه» حتى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢). فقال: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ ليلة الخميس لك، فإنه قال: «اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب، أو بعمرو بن هشام»، قال: وكان رسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا، فانطلق عمر حتى أتى الدار، وعلى بابها حمزة، وطلحة وناس من أصحاب النبي ﷺ ، فلما رأوه وجلوا منه، فقال حمزة: هذا عمر فإن يرد الله به خيرا يسلم، وإن يكن غير ذلك يكن قتله علينا هينا، قال: والنبي ﷺ حينئذ داخل يوحى إليه فخرج حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وقال: ما أراك يا عمر منتهيا حتى ينزل بك من الخزي والنكال كما نزل بالوليد (٣) اللهم هذا عمر بن الخطاب فأعز به الدين. فقال عمر: أشهد أنك رسول الله. وأسلم ثم قال: أخرج يا رسول الله. حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي عن محمد بن عبيد عن اسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نطوف بالبيت ونصلي حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا وطفنا. حدثني الحسين بن علي بن الأسود. ثنا أسد بن موسى، وأبو نعيم

стр. 4162

قالا: ثنا سفيان عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: كان اسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي ونطوف بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلناهم حتى تركونا نصلي. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عيسى بن حفص عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: لما أسلمت قلت: أيّ قريش أنقل للحديث؟ فقيل: جميل بن معمر، فأتيته فقلت: يا جميل هل علمت أني أسلمت وبايعت محمدا؟ فما راجعني جميل حتى قام يجر رداءه، وقام على باب المسجد فصرخ بأعلى صوته، وقريش في أنديتها حول الكعبة: ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، قال عمر: فقلت: كذب ولكني أسلمت، ودخلت في دين محمد. قال عبد الله بن عمر: فثاروا إليه فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم وطلح (١)، فقعد وقاموا على رأسه ونالوا منه وهو يقول: اصنعوا ما شئتم فأقسم لو كنا ثلاثمائة لتركناها لكم أو تركتموها لنا، فبيناهم على ذلك إذا أقبل شيخ من قريش عليه جبة حبرة من أعلى مكة، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: صبأ عمر، قال: فمه؟ رجل اختار لنفسه أمرا فما تريدون منه؟ أترون بني عدي يسلمونه؟ فوالله لكأنما كانوا ثوبا كشف عنه. قال عبد الله: فقلت لأبي بعد أن هاجر الى المدينة: يا أبه من الرجل

стр. 4163

الذي زجر الناس عنك بمكة يوم أسلمت؟ فقال: ذاك العاص بن وائل السهمي. حدثني محمد بن سعد والواقدي والوليد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر قال: لما أسلمت تذكرت أيّ أهل مكة أشد عداوة لله ولرسوله فقلت: أبو جهل، فأقبلت حتى ضربت بابه فخرج إلي ورحب بي وقال: ما جاء بك يا بن أخي؟ قلت: جئت لأخبرك إني قد أسلمت واتبعت محمدا، قال فصفق الباب في وجهي، وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. وقال الواقدي: قالوا: كان عمر إذا لقي رجلا يقول له: قد صبأت؟ يقول: كذبت ولكني أسلمت لله رب العالمين وحده لا شريك له، وبرئت من اللات والعزى والأصنام، وشهدت أن محمدا رسول الله حتى لقيه الوليد بن المغيرة فقال: يا بن أخي أصبأت؟ فقال عمر: ما صبأت يا أبا عبد شمس، قال: قد علمت أنك أضنّ بدين آبائك من أن تتبع أمر محمد، فقلت: أسلمت لله وحده لا شريك له، وشهدت أن محمدا عبده ورسوله. قال: إذهب فوالله لو كان أبوك حيا ما تبعت دين محمد، وتركت دينه، ثم انصرف. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، حدثني يعقوب بن عبد الله القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال: جاء جبريل ﵇ النبي ﷺ فقال: «أقرئ عمر السلام، وأخبره أن رضاه حكم، وغضبه عز». وقال الواقدي: وحدثني علي بن محمد عن عبد الله بن سلمان الأغر عن

стр. 4164

أبيه عن صهيب بن سنان قال: لما أسلم عمر بن الخطاب ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه، ولقد رأيتني ولقيني ابن الاصداء وابن الغيطلة (١) بأجياد فخنقاني حتى غشي علي، فذكرت ذلك لابن الخطاب فخرج وأخذ بيد سعد بن أبي وقاص وطليب بن عمير، وخرجت معهم حتى نلقى ابن الأصداء فبدرنا عمر إليه وأخذ بجمع ثوبه فخنقه بردائه حتى غشي عليه، وانصرفنا وكنا نطلب ابن الغيطلة بأعلى مكة وأسفلها فلم نقدر عليه في ذلك اليوم، قال فكنت أراهما بعد ذلك اليوم مقصرين عني. قال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: سمعت عمر يقول: ولدت قبل الفجار الآخر بأربع سنين، وولدت حفصة قبل مبعث النبي ﷺ بخمس سنين، قال: وأسلم عمر في السنة السادسة من المبعث وهو يومئذ ابن تسع وعشرين وأشهر، وتوفي لهلال المحرم سنة أربع وعشرين وهو ابن ستين سنة. قال الواقدي هذا أثبت ما سمعنا في عمره، وكانت أيامه عشر سنين وأشهرا، ويقال مات ابن ثلاث وستين، وقال: كان عبد الله بن عمر يقول: أسلم أبي ولي ست سنين. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: توفي عمر وله ستون سنة (٢).

стр. 4165

حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا هشيم عن علي بن زيد عن سالم بن عبد الله قال: توفي عمر وهو ابن ستين سنة. قالوا: وولد لعمر: عبد الله ﵄، وعبد الرحمن الأكبر، وحفصة، أمهم زينب بنت مظعون الجمحي. وزيد الأكبر لا بقية له، ورقية أمهما أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله ﷺ . وزيد الأصغر، وعبيد الله قتل مع معاوية يوم صفين وقد كتبنا خبره، وأمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك الخزاعي، وكان الإسلام فرق بينهما فراجعها أبو الجهم بن حذيفة العدوي، وكانت عنده قبل فطلقها ثم طلقها أبو الجهم فراجعها عمر. وعاصم بن عمر، وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح من الأنصار من الأوس. وعبد الرحمن الأوسط وأمه لهيّه أم ولد وهو أبو المجبر، ويقال هو المجبر لقب. وعبد الرحمن الأصغر الذي ضربه عمر، ولا عقب له، وهو أبو شحمة. وزينب وهي أصغر ولد عمر وأمهما فكيهة أم ولد، ويقال ان أم أبي شحمة ابنة المغيرة المخزومي، وعياض وأمه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل. حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا شعيب بن حرب، ثنا فطر بن خليفة، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط قال: لما احتضر أبو بكر ذكر أن يستخلف عمر، فأتاه ناس من الناس فقالوا: ما تقول لربك إذا استخلفت علينا عمر وقد عرفت فظاظته وغلظته وشدته. فقال أجلسوني، أبالله تخوفوني؟ أقول: أي رب استخلفت عليهم خير أهلك. حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا يزيد بن هارون، حدثني عمرو الناقد عن اسماعيل بن علية، ثنا يزيد بن عون عن نافع عن ابن عمر أن عمر

стр. 4166

أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما أصبت مالا أنفس عندي منه فما تأمر؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن شئت تصدقت بها وحبست أصلها» فجعلها عمر صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، وتصدق بها على الفقراء والمساكين، وأبناء السبيل، والغزاة في سبيل الله، والضيف وفي الرقاب لا جناح على من وليها أن يأكل منها، ويطعم صديقا غير متمول مالا، قال: وأوصى بها إلى حفصة أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر فالأكابر من ولده. حدثني محمد بن سعد، ثنا اليساري عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن أول صدقة تصدق بها في الإسلام صدقة عمر. حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا وكيع بن الجراح عن سالم أبي العلاء المرادي عن عمرو بن هرم عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله، رجل من أصحاب حذيفة، عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فقال: «إني لست أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد (ابن) (١) أم عبد». حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «أتيت في منامي بقدح من لبن فشربته حتى رأيت الري يجري في أظفاري، ثم أعطيته عمر بن الخطاب فشرب فضلته، قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم». وحدثني محمد بن مصفى الحمصي، ثنا بقية بن الوليد عن الزبيدي عن

стр. 4167

الزهري عن حمزة عن أبيه بنحوه. حدثنا يحيى بن أيوب الزاهد، ثنا اسماعيل ابن عليّة، ثنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن أبي ذر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر فهو يقول به». حدثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا نافع بن أبي نعيم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «جعل الحق على لسان عمر، وفي قلبه». حدثنا عفان، ثنا شعبة، أنبأ قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أنه ينطق على لسان عمر ملك. حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله بن مسعود: لو وضع علم أحياء العرب في كفة ووضع علم عمر في كفة لرجح به علم عمر. قال: وقال الأعمش: قال إبراهيم: قال عبد الله: ان كنا لنحسب أن عمر قد انفرد بتسعة أعشار العلم. وحدثنا عمرو بن أبي معاوية عن الأعمش عن شمر عن حذيفة أنه قال: علم الناس مدسوس في جحر مع علم عمر. وحدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثني محمد بن عبيد الطنافسي في إسناد له لم أحفظه عن رجل من أهل المدينة قال: دفعت إلى مجلس عمر بن الخطاب فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان، قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه. حدثنا الحسين بن علي الأسود ثنا محمد بن الفضل عن الأشعث عن عامر الشعبي قال: إذا اختلف الناس في أمر فانظر كيف قضى فيه عمر، فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يقض فيه من قبله حتى يشاور.

стр. 4168

حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا حجاج بن محمد عن شعبة عن سعد بن ابراهيم عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن مسعود، ولأبي الدرداء، ولأبي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ؟ ولم يدعهم يخرجون من المدينة حتى مات إلا عبد الله بن مسعود. حدثني محمد بن سعد ثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر «الفاروق»، ولم يبلغنا أن النبي ﷺ ذكر من ذلك شيئا. وقال محمد بن سعد: ثنا محمد الأزرقي المكي، ثنا عبد الرحمن بن حسن عن أيوب بن موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر، وقلبه، وهو الفاروق فرق الله به بين الحق والباطل». حدثني الأعين عن موسى بن داود عن الحكم بن المنذر عن رجل عن ابن المنكدر قال: قال عمر: ما شيء أحسن من كلام ولا أنفع من كلام، أخذت مضجعي فسمعت قائلا يقول: السلام على أهل المنزل، خذوا من دنيا فانية لآخرة باقية واستعدوا للمعاد إلى الله فانه لا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله، ولا عمل بعد الموت، أصلح الله لكم أعمالكم. المدائني عن ابن جعدبة قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، قال: وكان عمر يقول: أطيب طيبكم الماء. المدائني عن النضر بن إسحاق عن أبي المليح عن عمر بن الخطاب قال: رحم الله من قدّم فضل المال وأمسك فضل الكلام. حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام ثنا يعمر عن عبد الله بن المبارك، أنبأ

стр. 4169

يحيى بن أيوب أن عبيد الله بن زحر حدثه عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة أن عمر بن الخطاب ﵁ دعا بقميص له جديد فلبسه قال أحسبه بلغ تراقيه حتى قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم قال: «سمعت رسول الله ﷺ دعا بثياب جدد فلبسها، فما أحسبها بلغت تراقيه حتى قال مثل ما قلت، وذكر كلاما». حدثنا أحمد بن هشام، ثنا شعيب بن حرب، ثنا عبد العزيز بن أبي روّاد، ثنا نافع أن مؤذنا لعمر يقال له مسروح أذن بليل، فأمره عمر أن يعيد وينادي: إن مسروحا وهم. حدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو بكر الأويسي، ثنا سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: غيّر رسول الله ﷺ اسم أم عاصم بن عمر، وهي ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وكان اسمها عاصية، فسماها جميلة. المدائني عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال: قالت امرأة لعمر: ان اسمي عاصية فسمّني، قال: اسمك جميلة، ورآها رسول الله ﷺ فقالت له: اسمي عاصية، فسمني فقال: «أنت جميلة» فقالت: كذا سماني عمر، فقال: «أما علمت أن الله جعل الحق على لسان عمر ويده»؟. حدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن زيد، ثنا يزيد بن حازم أنبأ سليمان بن يسار قال: مر عمر بضجنان (١) فقال: لقد رأيتني وإني لأرعى غنم الخطاب في هذا المكان، وكان والله ما علمت فظا غليظا، ثم أصبحت اليوم وأمر أمة محمد إليّ وتمثّل:

стр. 4170

لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد أبو الحسن المدائني عن ابن جعدبة عن اسماعيل بن حكم عن سعيد بن المسيب قال: حج عمر فلما كان بضجنان قال: لا إله إلا الله، لقد كنت أرعى إبل الخطاب في هذا المكان في مدرعة صوف، وكان فظا غليظا يتعنتني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد. وتمثّل: لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنة … والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا وحدثنا محمد بن سعد، ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف وسعيد بن عامر قالا: ثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: أقبلنا مع عمر قافلين من مكة، حتى إذا كنا بشعاب ضجنان وقف ووقف الناس فقال: لقد رأيتني في هذا المكان وأنا في إبل الخطاب، وكان فظا غليظا، أخبط عليها مرة، وأحطب أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتي ليس فوقي منهم أحد، ثم تمثل هذا البيت: لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد قال وزاد بعض أصحابنا بيتين آخرين هما قوله: لم تغن عن هرمز يوما خزائنه … والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا حوض هنالك مورود بلا كذب … لا بد من ورده يوما كما وردوا وقال محمد بن سعد: سألت عن منزل عمر في الجاهلية، فقيل لي كان ينزل في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان يسمى العاقر، فنسب إلى عمر، وبه كانت منازل بني عدي بن كعب.
следующие страницы →