← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما أصبت مالا أنفس عندي منه فما تأمر؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن شئت تصدقت بها وحبست أصلها» فجعلها عمر صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، وتصدق بها على الفقراء والمساكين، وأبناء السبيل، والغزاة في سبيل الله، والضيف وفي الرقاب لا جناح على من وليها أن يأكل منها، ويطعم صديقا غير متمول مالا، قال: وأوصى بها إلى حفصة أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر فالأكابر من ولده. حدثني محمد بن سعد، ثنا اليساري عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن أول صدقة تصدق بها في الإسلام صدقة عمر. حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا وكيع بن الجراح عن سالم أبي العلاء المرادي عن عمرو بن هرم عن ربعي بن حراش وأبي عبد الله، رجل من أصحاب حذيفة، عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فقال: «إني لست أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد (ابن) (١) أم عبد». حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «أتيت في منامي بقدح من لبن فشربته حتى رأيت الري يجري في أظفاري، ثم أعطيته عمر بن الخطاب فشرب فضلته، قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم». وحدثني محمد بن مصفى الحمصي، ثنا بقية بن الوليد عن الزبيدي عن

стр. 4167

الزهري عن حمزة عن أبيه بنحوه. حدثنا يحيى بن أيوب الزاهد، ثنا اسماعيل ابن عليّة، ثنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن أبي ذر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر فهو يقول به». حدثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا نافع بن أبي نعيم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «جعل الحق على لسان عمر، وفي قلبه». حدثنا عفان، ثنا شعبة، أنبأ قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أنه ينطق على لسان عمر ملك. حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله بن مسعود: لو وضع علم أحياء العرب في كفة ووضع علم عمر في كفة لرجح به علم عمر. قال: وقال الأعمش: قال إبراهيم: قال عبد الله: ان كنا لنحسب أن عمر قد انفرد بتسعة أعشار العلم. وحدثنا عمرو بن أبي معاوية عن الأعمش عن شمر عن حذيفة أنه قال: علم الناس مدسوس في جحر مع علم عمر. وحدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثني محمد بن عبيد الطنافسي في إسناد له لم أحفظه عن رجل من أهل المدينة قال: دفعت إلى مجلس عمر بن الخطاب فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان، قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه. حدثنا الحسين بن علي الأسود ثنا محمد بن الفضل عن الأشعث عن عامر الشعبي قال: إذا اختلف الناس في أمر فانظر كيف قضى فيه عمر، فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يقض فيه من قبله حتى يشاور.

стр. 4168

حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا حجاج بن محمد عن شعبة عن سعد بن ابراهيم عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن مسعود، ولأبي الدرداء، ولأبي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ؟ ولم يدعهم يخرجون من المدينة حتى مات إلا عبد الله بن مسعود. حدثني محمد بن سعد ثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر «الفاروق»، ولم يبلغنا أن النبي ﷺ ذكر من ذلك شيئا. وقال محمد بن سعد: ثنا محمد الأزرقي المكي، ثنا عبد الرحمن بن حسن عن أيوب بن موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر، وقلبه، وهو الفاروق فرق الله به بين الحق والباطل». حدثني الأعين عن موسى بن داود عن الحكم بن المنذر عن رجل عن ابن المنكدر قال: قال عمر: ما شيء أحسن من كلام ولا أنفع من كلام، أخذت مضجعي فسمعت قائلا يقول: السلام على أهل المنزل، خذوا من دنيا فانية لآخرة باقية واستعدوا للمعاد إلى الله فانه لا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله، ولا عمل بعد الموت، أصلح الله لكم أعمالكم. المدائني عن ابن جعدبة قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، قال: وكان عمر يقول: أطيب طيبكم الماء. المدائني عن النضر بن إسحاق عن أبي المليح عن عمر بن الخطاب قال: رحم الله من قدّم فضل المال وأمسك فضل الكلام. حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام ثنا يعمر عن عبد الله بن المبارك، أنبأ

стр. 4169

يحيى بن أيوب أن عبيد الله بن زحر حدثه عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة أن عمر بن الخطاب ﵁ دعا بقميص له جديد فلبسه قال أحسبه بلغ تراقيه حتى قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم قال: «سمعت رسول الله ﷺ دعا بثياب جدد فلبسها، فما أحسبها بلغت تراقيه حتى قال مثل ما قلت، وذكر كلاما». حدثنا أحمد بن هشام، ثنا شعيب بن حرب، ثنا عبد العزيز بن أبي روّاد، ثنا نافع أن مؤذنا لعمر يقال له مسروح أذن بليل، فأمره عمر أن يعيد وينادي: إن مسروحا وهم. حدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو بكر الأويسي، ثنا سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: غيّر رسول الله ﷺ اسم أم عاصم بن عمر، وهي ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وكان اسمها عاصية، فسماها جميلة. المدائني عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال: قالت امرأة لعمر: ان اسمي عاصية فسمّني، قال: اسمك جميلة، ورآها رسول الله ﷺ فقالت له: اسمي عاصية، فسمني فقال: «أنت جميلة» فقالت: كذا سماني عمر، فقال: «أما علمت أن الله جعل الحق على لسان عمر ويده»؟. حدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن زيد، ثنا يزيد بن حازم أنبأ سليمان بن يسار قال: مر عمر بضجنان (١) فقال: لقد رأيتني وإني لأرعى غنم الخطاب في هذا المكان، وكان والله ما علمت فظا غليظا، ثم أصبحت اليوم وأمر أمة محمد إليّ وتمثّل:

стр. 4170

لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد أبو الحسن المدائني عن ابن جعدبة عن اسماعيل بن حكم عن سعيد بن المسيب قال: حج عمر فلما كان بضجنان قال: لا إله إلا الله، لقد كنت أرعى إبل الخطاب في هذا المكان في مدرعة صوف، وكان فظا غليظا يتعنتني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد. وتمثّل: لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنة … والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا وحدثنا محمد بن سعد، ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف وسعيد بن عامر قالا: ثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: أقبلنا مع عمر قافلين من مكة، حتى إذا كنا بشعاب ضجنان وقف ووقف الناس فقال: لقد رأيتني في هذا المكان وأنا في إبل الخطاب، وكان فظا غليظا، أخبط عليها مرة، وأحطب أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتي ليس فوقي منهم أحد، ثم تمثل هذا البيت: لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد قال وزاد بعض أصحابنا بيتين آخرين هما قوله: لم تغن عن هرمز يوما خزائنه … والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا حوض هنالك مورود بلا كذب … لا بد من ورده يوما كما وردوا وقال محمد بن سعد: سألت عن منزل عمر في الجاهلية، فقيل لي كان ينزل في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان يسمى العاقر، فنسب إلى عمر، وبه كانت منازل بني عدي بن كعب.

стр. 4171

حدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا خارجة بن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، عمر بن الخطاب، وأبي جهل بن هشام». فكان أحبهما إليه عمر. قالوا: ولما هاجر عمر إلى المدينة نزل على رفاعة بن عبد المنذر بقباء، وآخى رسول الله ﷺ بين عمر وأبي بكر، وبينه وبين عويم بن ساعدة، ويقال بينه وبين معاذ بن عفراء، وأقطعه رسول الله منزله وخطه له، وشهد عمر بدرا، وأحدا والخندق، وجميع المشاهد، وكان ممن انكشف يوم أحد ممن غفر له، وخرج في عدة سرايا كان أمير بعضها. حدثني محمد بن سعد عن روح بن عبادة، ثنا عوف عن ميمون أبي عبد الله عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب اللواء بخيبر. المدائني عن ابن أبي ذئب عن شيخ من بني هاشم عن ابن عباس قال: قال لي عمر: أنشدني لأشعر شعرائكم زهير، قلت: وكيف جعلته أشعر شعرائنا؟ قال: لأنه كان لا يعاظل (١) بين الكلام، ولا يطلب حوشيّه، ولا يمدح الرجل إلاّ بما يكون في الرجال، وقال عمر: أشعر الشعراء من يقول: فلست بمستبق أخا لا تلمّه … على شعث أيّ الرجال المهذب وهو النابغة (٢).

стр. 4172

المدائني عن علي بن هاشم عن أبيه قال: سمعت زيد بن علي يقول ما البراءة من أبي بكر وعمر إلاّ كالبراءة من علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين. المدائني عن عيسى بن زيد بن دأب وابن جعدبة عن صالح بن كيسان وغيره قالوا: كان إسلام عمر متأخرا، أسلم أخوه زيد بن الخطاب قبله، وكان سبب تأخر إسلامه أنه خرج إلى الشام ومعه مال فلقيه قوم فخافهم فألقم المال ناقته فقالوا: إنا ننكر سقوط عيني هذه الناقة وإنا لنحسبه قد ألقمها مالا كان معه فنحروها واستخرجوا الدنانير من بطنها، وقال بعضهم بل قاتلوه وأخذوا المال منه وشقوا ما بين قصه إلى ثنته، فوأل (١) إلى أهل بيت من العرب فعالجوه، وأقام بالشام سنين وقالوا سنتين وقال: متى ألق زنباع بن روح ببلدة … إلى النّصف منه يقرع السنّ من ندم ثم شخص إلى المدينة وقال: يا ليت قد فصلن من معان … يحملن من زيت ومن دهان وزعفران كدم الغزلان فقدم مكة فكانت فيه غلظة على المسلمين، فمر بثقل عامر بن ربيعة، وهو يريد الخروج إلى الحبشة مهاجرا فقال لامرأته: إلى أين يا أم عبد الله؟ قالت: إلى أرض الله الواسعة إذ آذيتمونا حتى يجعل الله لنا فرجا ومخرجا، قال: صحبكم الله. فرأت منه رقة فأخبرت زوجها بذلك فقال: أو طمعت في إسلامه، لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب. ثم إنه أسلم. حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو أحمد الزبيري، أنبأ الحسن بن

стр. 4173

صالح عن أبي الجحاف عن الشعبي قال: كان أبو بكر شاعرا، وكان عمر شاعرا، وكان علي بن أبي طالب شاعرا. وحدثني الحسين بن علي بن الأسود عن يحيى بن آدم عن الحسن عن أبي الجحاف عن عامر الشعبي بمثله، وزاد فيه: وكان علي أشعر الثلاثة. المدائني عن سحيم بن حفص عن أشياخ حدثوه قال: كان عمر يسير يوما إذ ظلعت ناقته فعرض له رجل معه ناقة فركبها عمر فقال: كأنّ راكبها غصن بمزودة … إذا تخطت به أو شارب ثمل المدائني عن عامر بن الأسود قال: دخل ابن الظرب على عمر فقال: أخبرني حالك في جاهليتك وإسلامك. قال: أما جاهليتي فما نادمت إلا لمه ولا حمت عن بهمه (١)، ولا صبوت إلى أمه ولا رآني رجل إلا في نادي عشيرة، أو خيل مغيرة، أو حمل جريرة، فأما مذ أسلمت فلست مزكيا نفسي، فقال عمر: أحسنت. حدثني ابراهيم بن محمد بن عرعرة وبكر بن الهيثم عن عبد الرزاق بن همام عن معمر عن قتادة قال: قال عمر: لو استطعت الأذان مع الخلّيفا (٢) لأذنت. حدثني الوليد بن صالح، ثنا محمد بن عمر الواقدي عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: حج عمر، فحدا بهم رياح المغترف، وكان حسن الصوت، فلما قطع قال له عمر: خذ في غنائك.

стр. 4174

قال أبو الحسن المدائني عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: قال عمر لرجل أعور أصيبت عينه في غزاة مع الرسول ﷺ شهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان: بأي عينيك رأيته؟ قال: بشرّهما يعني الصحيحة. فقال عمر وإن أفطرت فما أنت صانع؟ قال: أفطر معكم، فقبل قوله. حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن عمه الزهري قال: قال عمر ﵁: من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة، ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة، ومن أعطي الاستغفار لم يمنع القبول، قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً﴾ (٣). حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبد الله الأسدي ثنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: استأذن عمر النبي ﷺ في العمرة فأذن له، وقال: «يا أخي أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا». حدثني محمد بن حاتم المروزي، ثنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن أبي إسحاق قال: قال عبد الله: أفرس الناس ثلاثة أبو بكر وعمر وصاحبة موسى حين قالت: ﴿اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٤) وصاحبة يوسف (٥).

стр. 4175

حدثني عباس بن عبد الله الباكسائي، ثنا الفيض بن إسحاق عن الفضيل بن عياض أنه قال: أتدرون من الذي يتكلم بفمه كله، عمر بن الخطاب، كان يكسوهم اللين، ويلبس الخشن، ويطعمهم الطيب، ويأكل خبزا مغلوثا (١)، وأعطى رجلا عطاء وزاده ألفا، فقيل له: لو زدت عبد الله بن عمر فإنه ابنك وهو لذلك مستحق. فقال: هذا ثبت أبوه يوم أحد، ولم يثبت أبو هذا. حدثني الحسين بن علي بن الأسود العجلي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا عبد السلام بن حرب قال: سمعت محمد بن إسحاق يقول: كتب عمر بن الخطاب إلى يزيد بن أبي سفيان، أو إلى معاوية أن ابعث إلينا برومي يقيم لنا حساب فرائضنا. حدثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا أبو عاصم النبيل، أنبأ عبيد الله بن أبي زياد عن يوسف بن ماهك عن عائشة أم المؤمنين قالت: لما حضرت أبي الوفاة استخلف عمر، فدخل عليّ وطلحة، أو قالت: الزبير وطلحة، فقالا: من استخلفت؟ قال: عمر، قالا: فماذا أنت قائل لربك؟ قال: أبالله تفرقاني. أنا أعلم بالله وبعمر منكما، أقول: استخلفت عليهم خير أهلك. المدائني في إسناده أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال في مرضه الذي مات فيه: أنا ميت في مرضي هذا، إني رأيت بعد وفاة النبي ﷺ أني قد فقت ثلاث فوقات فدسعت (٢) في الاخرة منهن طعاما فمرضت بعده

стр. 4176

مرضتين، وهذه الثالثة فأنا ميتّ. ودخل عليه عدة من أصحاب النبي ﷺ فقال لعبد الرحمن بن عوف: فما تقول في عمر؟ قال: قوي أمين وفيه غلظة. فقال: إني أرى ما ترون، ولو قد أفضى إليه أمركم لترك كثيرا مما تنكرونه، إني قد رمقته وتأملته فإذا غلطت في أمر أراني التسهيل، وإذا لنت في أمر تشدّد. وسأل عثمان فقال: خبرني عن عمر؟ قال: كفى بعلمك به، قال: لتقولن، قال: علمي به أنه يخاف الله، وأنا ما ههنا مثله، (فقال أبو بكر: يرحمك الله) (١) ولو عدوته ما تركتك، ولخير له ألا يلي، فإني رأيت أثقل الناس ظهرا من تولى أمرهم. وقال علي: يا خليفة رسول الله أمض رأيك في عمر، فما نعلم منه إلا خيرا. وقال طلحة والزبير: أتستخلفه مع ما ترى من فظاظته علينا وأنت فينا. ونازله فيه طلحة، فقال أبو بكر: هو إن شاء الله خيركم لكم، ولو وليتك لرفعت نفسك فوق قدرك حتى يكون الله هو يضعك، أتريد أن تزيلني عن رأيي. المدائني عن علي بن ابراهيم قال: كان آل عباس بن مرداس السلمي يدعون قبل آل الشريد، فدعاهم عمر قبلهم، فقال هوذة بن أشيم وهو ابن أخي عباس: لقد دار هذا الأمر في غير أهله … فأبصر أمين الله أين تريد أتدعى رياح والشريد امامنا … وتدعى خثيم قبلنا وطريد فإن كان هذا في الكتاب فكلكم … بنو ملك حر ونحن عبيد رياح بن يقظة، ومالك بن يقظة، والشريد بن رياح بن يقظة بن

стр. 4177

عصيّة بن خفاف، ويعني بطريد: مطرود بن مالك بن عوف بن رغل بن سليم. حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد الليثي عن محمد بن حمزة بن عمر عن أبيه قال: توفي أبو بكر ليلة الثلاثاء لثماني ليال بقين من جمادى الاخرة، فاستقبل عمر بولايته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبي بكر. حدثنا محمد بن سعد، ثنا أسباط بن محمد عن أشعث عن الحسن قال: إن أول خطبة خطبها عمر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فقد ابتليت بكم، وابتليتم بي، وخلّفت فيكم بعد صاحبي، فما كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا، وما غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة، فمن أحسن جزيناه حسنا ومن أساء عاقبناه، ويغفر الله لناولكم». حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو معاوية الضرير، ثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن أبيه قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر: «اللهم إني شديد فليّني، وإني ضعيف فقوّني، وإني بخيل فسخّني». حدثني محمد بن سعد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا جرير بن حازم قال: سمعت حميد بن هلال قال: حدثنا من شهد وفاة أبي بكر، فلما فرغ عمر من دفنه نفض يده من تراب قبره، ثم قام خطيبا مكانه فقال: «إن الله ابتلاكم بي، وابتلاني بكم، وأبقاني فيكم بعد صاحبيّ، فوالله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يغيب عني فآلو عن اختيار أهل الجزاة والأمانة له، فلئن أحسنوا لأحسننّ إليهم، ولئن أساؤوا لأنكلنّ بهم»، قال

стр. 4178

الرجل: فوالله ما زاد على ذلك حتى فارق الدنيا. وحدثني محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: قال عمر: ليعلم من ولي هذا الأمر من بعدي أن سيريده القريب والبعيد عليه، وإني لأقاتل الناس عن نفسي قتالا، ولو علمت أن أحدا من الناس أقوى عليه مني، لكان أن أقدّم فتضرب عنقي أحبّ إليّ من أن أليه وأتقدمه. حدثنا عمرو بن محمد الناقد وأبو عبيدة قالا: ثنا اسماعيل بن ابراهيم الأسدي عن أيوب وابن عون عن محمد بن سيرين عن الأحنف بن قيس قال: كنا جلوسا بباب عمر فمرت جارية فقالوا: سرّية أمير المؤمنين، فقالت: ما أنا لأمير المؤمنين بسرية، وما أحلّ له إني لمن مال الله، فما هو إلا قدر أن بلغت حتى جاء الرسول فدعانا فقال: ماذا قلتم؟ قلنا: لم نقل بأسا، مرت بنا جارية فقلنا هذه سرية أمير المؤمنين، فقالت ما أنا بسريته ولا أحلّ له فماذا يحل لأمير المؤمنين؟ فقال: أنا أخبركم، يحلّ لي حلتان: حلة الشتاء، وحلة القيظ، وما أحج عليه واعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد ذلك من المسلمين يصيبني ما أصابهم. حدثنا خلف بن هشام البزاز، ثنا أبو شهاب الحناط عن الحريري عن رجل قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: إنه قد انقطع الوحي بعد رسول الله ﷺ ، وإنما أعرفكم بما تظهرون، فمن أظهر خيرا ظننا به خيرا، ومن أظهر شرا ظننا به شرا، فأحببنا ذلك وأبغضنا هذا، وقد أتى علي زمان وأنا أرى أنه لا يقرأ القرآن أحد إلا الله، وقد خيّل إلي أن

стр. 4179

قوما يقرأون القرآن ليس يريدون به ما عند الله، إنما يريدون به ما عند الناس فأريدوا الله بعلمكم وقراءتكم، واعلموا أني لست أبعث عمالي عليكم ليضربوا أجسادكم، ولا يأخذوا أموالكم، ولكن ليعلموكم دينكم فمن فعل غير ذلك فارفعوا إليّ أمره، فوالله لأقصنّ منه فقال له عمرو بن العاص: وإن كان الرجل يؤدب رعيته؟ فقال: نعم إذا تعدّى، فقد رأيت رسول الله ﷺ يقصّ من نفسه، لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. حدثني الحسين بن علي الأسود، ثنا يحيى بن آدم عن وكيع ثنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرّب العبدي قال: قال عمر بن الخطاب: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف. حدثني روح بن عبد المؤمن ومحمد بن سعد قالا: ثنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا يحل لي من المال إلا ما كنت آكلا من صلب مالي. حدثني هدبة ثنا سلام بن مسكين عن الحسين أو غيره أن عمر بن الخطاب كان ربما استقرض من خازن بيت المال فيقرضه، فربما لزمه حتى يحتال ما استقرض، وربما أخره حتى يخرج عطاؤه، أو يجيئه سهمه من فيء المسلمين فيقبضه. حدثني ابراهيم بن محمد بن عرعرة، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا عيسى بن حفص حدثني رجل من بني سلمة عن ابن للبراء بن معرور أن

стр. 4180

عمر بن الخطاب خرج يوما حتى أتى المنبر، وقد كان اشتكى، فنعت له العسل، وفي بيت المال عكّة من عسل، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فإنها عليّ حرام فأذنوا له فيها. حدثني محمد بن سعد، أنبأ أنس بن عياض أبو ضمرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر قال: أرسل لي عمر يرفأ فأتيته، وهو في مصلاه عند الفجر، أو قال عند الظهر، فقال: والله ما كنت أرى أن هذا المال يحل لي من قبل أن أليه إلاّ بحقه، وما كان قط أحرم علي منه إذ وليته، وقد أنفقت عليك من مال الله شهرا ولست بزائدك، ولكني معينك بثمن (١) مالي بالغابة، فاجدده وبعه، ثم ائت رجلا من قومك من تجارهم فقم إلى جنبه فإذا اشترى شيئا فاستشركه، وأنفق على أهلك. حدثني أبو علي الحرمازي عن العتبي عن أبيه أن رجلا مر به عمر بن الخطاب فاستسقاه فخاض له عسلا بماء وأتاه به فلم يشربه، وقال: قال الله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ (٢) فقال: يا أمير المؤمنين ليست الآية لك قال الله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ فقال: صدقت وشرب. المدائني عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: كان عمر يقول من ظلمه أميره وأساء به فلا أمير عليه دوني. حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الصلت بن بهرام عن جميع بن عمير أن ابن عمر قال: شهدت

стр. 4181

جلولاء، فابتعت من المغنم بأربعين ألفا، فلما قدمت على عمر قال لي: أرأيت عرضت على النار فقيل لك افتده أكنت مفتديّ؟ قلت: والله ما من شيء يؤذيك إلا كنت مفديك منه، فقال كأني شاهد الناس حين تبايعوا فقالوا: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله وابن أمير المؤمنين، وأحبّ الناس إليه، وأنت كذاك، فكان أن يرخصوا عليك بمائة أحب إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم، وإني قاسم مسؤول، وأنا معطيك أكثر من ربح تاجر من قريش، لك أن تربح للدرهم درهما، قال: ثم دعا التجار فابتاعوا ذلك بأربعمائة ألف درهم فدفع إليّ منها ثمانين ألفا، وبعث بثلاثمائة وعشرين ألفا إلى سعد بن أبي وقاص فقال: اقسم هذا المال في الذين شهدوا الوقعة، ومن مات منهم فادفعه إلى ورثته. حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت قال: كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين الأولين، وكان به جذام فكان إذا قعد مع عمر بن الخطاب على طعامه يقول له عمر: يا فلان كل مما يليك فايم الله ما أعلم أحدا سواك كان يكون به مثل الذي بك فيقعد مني على أدنى من قيس (١) رمح. حدثني عبد الله بن صالح عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة قال: كان برجل من أصحاب رسول الله ﷺ جذام، وساق الحديث على ما ساقه عليه إسحاق بن أبي إسرائيل، وقال عبد الله بن صالح: بلغني أنه معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي. حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا سليمان بن داود الهاشمي، أنبأ

стр. 4182

ابراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن واثلة أبي الطفيل أن عمر بن الخطاب لقي نافع بن عبد الحارث بعسفان فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم مولى لنا، قال: من هو؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال: استخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض فقال عمر: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يرفع الله بهذا القرآن أقواما ويضع آخرين». قال عمرو قال سليمان: «يرفع به من قرأه ويضع به من لم يؤمن به أو من قرأه ولم يعمل بما فيه». حدثنا سلمة بن الصقر الضبي عن عباد بن صهيب عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى عمر يستحمله من أبل الصدقة فقال له: إنا ناقتي دبره نقبة فقال عمر: ليست كذلك فسمعه عمر يحدو بالليل وهو يقول: أقسم بالله أبو حفص عمر … ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان فجر فقال عمر: يا فلان هل علمت أني معكم؟ قال لا، فحمله وقال اللهم اغفر لي. أبو الحسن المدائني عن الأسود بن شيبان عمّن حدثه قال: أقبل قوم غزاة من الشام يريدون اليمن، وكانت لعمر جفنات يضعها إذا صلى الغداة، فجاء رجل منهم فجلس يأكل فجعل يتناول بشماله، فقال له عمر، وكان يتعهد الناس عند طعامهم: كل بيمينك، فلم يجبه، فأعاد عليه فقال: هي مشغولة. فلما فرغ من طعامه دعا به فقال: ما شغل يدك

стр. 4183

اليمين؟ فأخرجها فإذا هي مقطوعة فقال: ما هذا؟ فقال: أصيبت يدي يوم اليرموك. قال: فمن يوضئك؟ قال: أتوضأ بشمالي ويعين الله، قال: فأين تريد؟ قال: اليمن إلى أم لي لم أرها منذ كذا وكذا سنة. قال: وبرّ أيضا، فأمر له بخادم وخمسة أباعر من إبل الصدقة وأوقرها له. حدثنا أبو عبيد، ثنا عباد بن عباد عن مجالد الشعبي عن مسروق قال: كنا عند عمر بن الخطاب فتذاكروا الأحساب، فقال عمر: حسب المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله. حدثني الحسين بن علي الأسود ثنا وكيع عن مسعر عن سعد بن ابراهيم قال: قال عمر: للخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العون، أنه لا يقل قليل مع الإصلاح، ولا يبقى كثير مع الفساد. حدثني روح بن عبد المؤمن عن أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري عن أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: من استحيا من الله ستره الله. حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن أبيه عن نافع قال: رأى عمر رجلين يتفاخران فقال: إن كان لكما تقى فلكما حزم، وإن كان لكما دين فلكما حسب، وإن كان لكما عقل فلكما مروءة وإن كان لكما مال تعودان بفضله فلكما شرف، وإلا فأنتما شرّ من حمارين، ولئن رأيتكما تعودان للتفاخر لأوجعنّ رؤوسكما. وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن أبي زبيد عبثر قال: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: الكفاف مع القصد أكفى من السعة مع الإسراف. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: وفد على

стр. 4184

عمر بن الخطاب شهاب بن جمره، أحد بني ضرام بن مالك الجهني، فقال له عمر: ما اسمك؟ قال: شهاب. قال: ابن من؟ قال: ابن جمرة قال: ممن؟ قال: من الحرّقة أحد بني ضرام. قال: من أين أقبلت؟ قال: من حرّة النار، قال: وأين منزلك؟ قال: بلظى. فقال عمر: أعوذ بالله من النار، وما أظن أهلك إلا قد احترقوا، فانصرف فوجد نارا قد أحاطت بأهله. قال هشام: والحرقة ولد حميس بن عامر بن ثعلبة بن مودوعة بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم، وسمّوا الحرّقة لأنهم أحرقوا بني سهم بن مرة بن قيس بالنبل. حدثني روح بن عبد المؤمن عن بشر بن المفضّل، ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الواحد بن أبي عون عن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة وذكرت عمر ﵄: كان والله أحوزيّا نسيج وحده، وقد أعد للأمور أقرانها. المدائني عن سعيد بن عثمان قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما أعلمني بطريق الدنيا لولا الموت وخوف الحساب. المدائني عن محمد بن صالح عن مجالد عن الشعبي قال: قال رجل لعمر بن الخطاب: اتق الله يا أمير المؤمنين، فقال له رجل: أتقول هذا لأمير المؤمنين؟ فقال عمر: دعه فلا خير فيهم إذا لم يقولوها، ولا خير فينا إذا لم تقل لنا. المدائني عن عبد العزيز بن سالم عن الحسن قال: كان عمر يقول من اتقى الله وقاه، ومن أقرض الله جزاه، ومن توكل على الله كفاه، ولا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسنة له.

стр. 4185

قال أبو الحسن: ويروى عن عمر أنه قال: لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لوجدا سواء، ويروى ذلك بعينه عن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهما. المدائني عن علي بن هاشم عن ابن جعدبة قال: قال عمر: كفى سرفا ألا أشتهي شيئا إلاّ اشتريته. المدائني عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: رأيت عمر خرج إلى السوق وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة، إحداهن أديم، وفي يده الدرة. المدائني عن مسلمة وغيره قال: قال الأحنف: ما كذبت قط إلا مرة واحدة، رأى عمر رداء علي فقال: بكم ابتعته؟ فألغيت ثلثي ثمنه فقال: إنه حسن لولا كثرة ثمنه. حدثني هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة، عن حميد عن الحسن أن عمر رأى جارية تطيش هزالا فقال: من هذه الجارية؟ فقال عبد الله بن عمر: هذه إحدى بناتك، قال: وأي بناتي هذه؟ قال: ابنتي. قال: وما بلغ بها ما أرى؟ قال: إنك لا تنفق عليها فقال: إني والله ما أغرّك من ولدك، اسع على ولدك أيها الرجل. حدثنا سريج بن يونس، ثنا يزيد بن هارون، ثنا اسماعيل بن أبي خالد عن مصعب بن سعد قال: قالت حفصة لأبيها: يا أمير المؤمنين قد أوسع الله الرزق، وفتح عليك الأرض، وأكثر لك من الخير، فلو أكلت ألين من طعامك ولبست ألين من لباسك فقال: سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله ﷺ يلقى من شدة العيش، أما تذكرين، أما تذكرين؟ فما زال يذكرها حتى أبكاها، ثم قال إني قد قلت لك: إني والله

стр. 4186

إن استطعت لأشاركنّه وخليفته من بعده في عيشهما الشديد، لعلّي ألقى معهما عيشهما الرخيّ، قال: يريد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر. حدثني محمد بن سعد وروح بن عبد المؤمن قالا: ثنا مسلم بن ابراهيم، ثنا أبو عقيل، أنبأ الحسن أن عمر بن الخطاب أبى إلاّ شدة وحصرا على نفسه، فجاء الله بالسعة، فأتى المسلمون فدخلوا على حفصة فقالوا لها: أبى عمر إلاّ شدة، وحصرا على نفسه، وقد بسط الله في الرزق، فليبسط في هذا الفيء أو ما شاء منه، فهو في حل من جماعة المسلمين، فكأنما قاربتهم في هواهم، فلما انصرفوا من عندها دخل عليها عمر فأخبرته بقول القوم فقال عمر: يا حفصة بنت عمر نصحت قومك وغششت أباك، إنما حق أهلي عليّ في نفسي ومالي، فأما في ديني وأمانتي فلا. حدثنا خلف بن هشام وابراهيم بن العلاف البصري قالا: ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن ابراهيم أن عمر بن الخطاب كان يتجر وهو خليفة فجهز عيرا إلى الشام، وبعث إلى عبد الرحمن بن عوف يستقرضه أربعة آلاف درهم، فقال للرسول: قل له أن يأخذها من بيت المال ثم يردها. فلما جاء الرسول فأخبره شقّ ذلك عليه فلقيه عمر فقال: أنت القائل خذها من بيت المال؟ فإن مت قبل أن يجيء المال قلتم أخذها عمر من بيت المال دعوها لورثته، وأؤخذ بها في يوم القيامة، لا ولكني أردت أخذها من رجل حريص شحيح مثلك، فإن مت أخذها من ميراثي، أو قال من مالي. حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا ابن نمير، أنبأ اسماعيل بن أبي خالد عن أبي بردة عن يسار بن نمير قال: سألني عمر: كم أنفقنا في حجتنا هذه؟ قلت: خمسة عشر دينارا.

стр. 4187

وحدثنا عمرو بن محمد، ثنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن يحيى بن سعيد أخبرني شيخ لنا قال: خرج عمر بن الخطاب إلى مكة فما ضرب فسطاطا حتى رجع كان يستظل بالنطع. حدثنا سليمان بن داود الزهراني أبو الربيع، ثنا حماد بن زيد، أنبأ يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: صحبت عمر بن الخطاب من المدينة إلى مكة في الحج ثم رجعنا فما ضرب فسطاطا، ولا كان له بناء يستظل به، إنما كان يلقي نطعا أو كساء على شجرة فيستظل تحته. حدثنا شيبان بن أبي شيبة الأبلي، ثنا سليمان بن المغيرة قال: سمعت الحسن يقول: كان عمر بن الخطاب يقول: لأمير جيش من جيوش المسلمين أهمّ إلى من أمير مصر من الأمصار، لأن صاحب المصر يريد الأمر فيراجعني، وصاحب الجيش لا يستطيع أن يراجعني. حدثنا شيبان بن أبي شيبة، ثنا الصعق بن حزن، أنبأ عاصم بن بهدلة قال: كان عمر إذا بعث عماله أوصاهم بتقوى الله، وقال: لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تحرموهم فتكفروهم، ولا تركبوا برذونا، ولا تأكلوا نقيا، ولا تغلقوا بابا دون حاجة المسلمين، وأقلوا الرواية، وجردوا القرآن. حدثنا شيبان، ثنا عقبة بن عبد الله الأصم، حدثنا عاصم الأحول عن الحسن أن عمر بن الخطاب عرض عليه أن يحمل جيشا في السفن في البحر فقال: أحمل أمة على لوح فأغرقهم، لا والله لا أفعل. حدثني محمد بن سعد، ثنا سليمان بن حرب، أنبأ جرير بن حازم عن يعلى عن نافع قال: قال عمر: لا يسألني الله عن ركوب المسلمين بحرا أبدا.

стр. 4188

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كتب عمر إلى عمرو بن العاص يسأله عن ركوب البحر، فقال عمرو في جواب كتابه: «دود على عود، فإن انكسر العود هلك الدود» فكره عمر أن يحملهم في البحر، وأمسك عن ذلك. حدثني حسين بن علي الأسود عن وكيع عن منصور عن ابراهيم أن عمر كتب إلى عمار بن ياسر، وهو على الكوفة أن ارزقهم الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. حدثني محمد بن أبان الواسطي حدثني جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يحدث قال: قدم أبو موسى في وفد أهل البصرة على عمر، قالوا: فكنا ندخل عليه كل يوم فنجد له خبزة تلتّ فربما وافقناها مأدومة بزيت، وربما وافقناها مأدومة بسمن، وربما وافقناها مأدومة بلبن، وربما وافقنا القدائد اليابسة قد دقت، ثم أغليت بها، وربما وافقنا اللحم الغريض (١) وذلك قليل، فقال لنا يوما: أيها القوم إني والله أرى تعذيركم في الأكل وكراهتكم لطعامي، وإني والله لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأرفعكم عيشا، أما والله ما أغبى عن كراكر وأسنمة وصلائق (٢) ولكني سمعت الله عيّر قوما بأمر فعلوه فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ (٣). وكان أبو موسى كلمنا فقال: لو كلمتم أمير المؤمنين ففرض لنا من بيت المال أرزاقا، فوالله ما زال بنا حتى كلمناه فقال: يا معشر الأمراء أما ترضون

стр. 4189

لأنفسكم بما أرضى به لنفسي؟ قلنا: يا أمير المؤمنين إن المدينة أرض العيش بها شديد، ولا نرى طعامك يغشى ولا يؤكل، وإنّا بأرض ذات ريف، وان أميرنا يغشى ويؤكل طعامه، فنكث على الأرض ساعة، ثم رفع رأسه فقال لأبي موسى: نعم فإني قد فرضت لك كل يوم من بيت المال شاتين وجريبين، فإذا كان الغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين فكل أنت وأصحابك، ثم ادع بشرابك فاشرب، ثم اسق الذي عن يمينك، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم قم لحاجتك، فإذا كان العشيّ فضع الشاة الغابرة على الجريب الغابر فكل أنت وأصحابك، وادع بشرابك ألا واشبعوا الناس في بيوتهم وأطعموا عيالهم، ومع ذلك والله ما أظن رستاقا يؤخذ منه كل يوم شاتان، وجريبان إلا أسرع ذلك في خرابه. حدثنا يحيى بن أيوب الزاهد، ثنا اسماعيل بن ابراهيم عن يونس عن حميد بن هلال أن حفص بن أبي العاص الثقفي كان يحضر طعام عمر فلا يأكل، فقال له عمر: ما يمنعك من طعامنا؟ فقال: إن طعامك جشب (١) غليظ، وإني أرجع إلى طعام ليّن قد صنع لي فأصيب منه، فقال عمر ﵁: أتراني أعجز عن أن آمر بشاة يلقى عنها شعرها، وآمر بدقيق ينخل في خرقة ثم آمر به فيخبز خبزا رقاقا وآمر بصاع من زيت فيقذف في سعن (٢)، ثم يصب عليه الماء فيصبح كأنه دم غزال؟ فقال: إني لأراك عالما بطيب الطعام ورخيّ العيش، فقال: أجل والذي نفسي بيده لولا أن تنتقص حساتي لشاركتكم في لين عيشكم.

стр. 4190

حدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ سعيد الجريري عن أبي نضرة عن الربيع بن زياد الحارثي أنه قال: وفد الربيع على عمر بن الخطاب فأعجبته هيئته ونحوه، فشكا عمر طعاما غليظا أكله، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بطعام لين، ومركب وطيء، وملبس لين لأنت، فرفع عمر جريدة كانت معه فضرب بها رأسه، وقال: والله ما أردت بهذا إلا مقاربتي، هل تدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ مثلي ومثلهم مثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم فقالوا: أنفق علينا فهل يحق له أن يستأثر منها بشيء؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ثم قال عمر: إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم ويشتموا أعراضكم، ويأكلوا أموالكم، ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فليرفعها إلي حتى أقصّه منه، فقال عمرو بن العاص: أرأيت إن أدّب أمير رجلا من رعيته، أتقصه منه؟ فقال عمر: وما لي لا أقصه منه إذا تعدى، وقد رأيت النبي ﷺ يقص من نفسه. وكتب عمر إلى أمراء الأجناد ألا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحرموهم فتكفروهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. حدثني يحيى بن معين وبكر بن الهيثم قالا: ثنا عبد الرزاق بن همام، ثنا معمر عن قتادة قال: حضر طعام عمر قوم وفدوا إليه من أهل البصرة، فرآهم يكرهونه، فقال لهم: كلوا فوالله لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وشرابا، أتروني أغبى عن طيب الطعام وصغار المعز بلباب البرّ، ولكني وجدت الله ذم قوما فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾.

стр. 4191

حدثني العباس بن الوليد النرسي، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: كنت مع عتبة بن فرقد حين افتتح اذربيجان فصنع سفطين فيهما خبيص وألبسهما الجلود واللبود ثم بعث بهما إلى عمر مع سحيم مولاه فلما قدم عليه قال: ما الذي جئت به أذهب أم ورق؟ وأمر به فكشف عنه فذاق الخبيص فقال: إن هذا لطّيب ليّن أفكلّ المهاجرين أكل منه شبعه؟ قال: لا إنما هو شيء خصك به. فكتب إليه عمر: أما بعد فليس من كدّك، ولا كدّ أمك، ولا كدّ أبيك، لا تأكل إلا ما شبع المسلمون منه في رحالهم. حدثنا شيبان بن أبي شيبة الآجري، ثنا أبو هلال الراسبي، ثنا يحيى بن أبي كثير أن كاتبا لأبي موسى كتب إلى عمر بن الخطاب: «من أبو موسى» فكتب إليه عمر: إذا أتاك كتابي هذا فاضرب كاتبك سوطا واعزله عن عملك. وحدثني شيبان ومحمد بن أبان الواسطي، قالا: ثنا أبو هلال الراسبي عن الحسن أنه قال: تكلمت امرأة عمر في شيء من الأمر فانتهرها وقال: ما أنت وهذا، إنما انتنّ لعب، فأقبلي على مغزلك ولا تعرضي فيما ليس من شأنك. حدثنا العباس بن الوليد، ثنا معتمر بن سليمان أنبأ عبد الملك بن خالد عن مطر الوراق أن أبا موسى كتب إلى عمر كتابا فلحن فيه الكاتب حرفا، فكتب إليه عمر أن اجلد كاتبك سوطا، واتخذ كاتبا حنيفا. حدثنا عبد الله بن محمد أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن عبد الله الأسدي، ثنا حسان عن مجالد عن الشعبي قال: كتب أبو موسى إلى عمر إنه

стр. 4192

يأتينا منك كتب لا نعرف عهدها وتاريخها، فأرّخ فاستشار عمر أصحاب رسول الله ﷺ فقال بعضهم: أرّخ لمبعث رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: أرخ لموته، فقال عمر: أؤرخ لمهاجر رسول الله، فانه فرق بين الحق والباطل مهاجره فأرخ به. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر كان يقال له خليفة رسول الله، فلما توفي أبو بكر واستخلف عمر قيل لعمر خليفة خليفة رسول الله، فقال المسلمون فمن جاء بعد عمر ما يقال له؟ أيقال خليفة خليفة خليفة رسول الله، هذا يطول ولكن أجمعوا على اسم تدعون به الخليفة، ويدعى به من بعده من الخلفاء فقال بعضهم نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدعي أمير المؤمنين، فهو أول من سميّ بذلك، وهو أول من كتب التاريخ. قال الكلبي: وقد حدثت أن عمر قال: أنتم المؤمنون، وأنا أميركم. وقال الكلبي: بلغني أن الرجل المغيرة بن شعبة هو قال ذلك. حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي أبو يحيى، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ علي بن زيد قال: استعمل عمر بن الخطاب ابن مطيع على الكوفة، فدفع إليه عهده، وقال: لا تخبرن أحدا فذهب إلى امرأته فقال: إن أمير المؤمنين استعملني على الكوفة فاستعيري لي أداة الراكب، فبعثت إلى أختها وهي تحت المغيرة بن شعبة فقالت لها: إن زوجي قد استعمل على الكوفة فابعثي إليه بأداة الراكب، فلما جاء المغيرة أخبرته الخبر، فأتى باب عمر نصف النهار، وقد تبوأ للمقيل، فقال للبواب استأذن لي عليه ولك أربعمائة درهم فأذن له، فكانت تلك أول رشوة في الإسلام، فدخل عليه فقال: وفقك الله يا أمير

стр. 4193

المؤمنين لقد استعملت قويا أمينا. قال: من؟ قال: ابن مطيع استعملته على الكوفة. قال: ويحك من أخبرك بهذا؟ قال: السقايات يتحدثن به في الطرق، قال: فهل عندك خير؟ قال: نعم قال: اذهب فخذ العهد منه، ثم اذهب إلى الكوفة، وقد روي أن الذي كان ولاه قبل المغيرة جبير بن مطعم. وقال محمد بن سعد: قال أبو عبد الله الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله عن عمه الزهري وغيره قالوا: كان عمر أول من دعي أمير المؤمنين، وأول من أرخ للكتب أرخها في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة، وأول من جمع القرآن في الصحف، وأول من سنّ قيام شهر رمضان، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، فلما توفي قال علي بن أبي طالب: نوّر الله لعمر كما نور مساجدنا، وجعل عمر بالمدينة قارئين: قارئا للرجال وقارئا للنساء يصلي بهن، وهو أول من ضرب في الخمر ثمانين، وضرب في السكر ثمانين، وقال: من سكر شتم فأبلغ به إذا صحا حد القاذف، وكان أول من اشتد على أهل الريب، وأحرق عمر بيت رويشد الثقفي، وكان حانوتا، وغرّب ربيعة بن أمية الجمحي إلى خيبر، وكان صاحب شراب، فدخل أرض الروم فارتد، وكان عمر أول من عسّ عليه في عمله بالمدينة، وحمل الدرة وأدب بها حتى قيل بعده: لدرة عمر أهيب من سيفكم هذا، وهو أول من فتح الفتوح، بعد الذي فتح في أيام أبي بكر، فتح الجزيرة، وطائفة من الشام، وفتح مصر والسواد، ووضع الخراج على الأرض والجزية على الطبقات، وقال: لا يعوز الرجل منهم درهم في الشهر، فبلغ خراج السواد على عهده مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف واف، والوافي وزن مثقال، وهو أول من مصرّ الكوفة والبصرة، والجزيرة، والشام والموصل، وأنزلها

стр. 4194

العرب، وأول من استقضى القضاة في الأمصار، وأول من دون الدواوين، وكتب الناس على قبائلهم، وفرض الأعطية من الفيء، وأول من حمل الطعام في السفن من مصر في البحر حتى ورد الجار، ثم حمل من الجار إلى المدينة، وكان إذا بعث عاملا كتب له ماله ثم قاسمه الفضل عليه، فقاسم غير واحد منهم: سعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وعمرو بن العاص، ومعاذ، وكان يستعمل رجالا ممن صحب رسول الله ﷺ مثل عمرو بن العاص، ومعاوية، والمغيرة بن شعبة، ويدع من هو أفضل منهم مثل: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، لقوة أولئك على العمل وبصرهم به، ولإشراف عمر عليهم وهيبتهم له. وقيل له: مالك لا تولي الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: أكره أن أدنسهم بالأعمال. واتخذ عمر دارا للرزق فيها الدقيق، وكان يجعل فيها السويق، والتمر، والزبيب، والزيت، وما يحتاج إليه ويعين بذلك المنقطع به، ويقري الضيف، ووضع بين المسجدين ما يصلح للناس ممن ينقطع به، ووسع مسجد رسول الله ﷺ حين كثر الناس بالمدينة، وهو أول من أخرج اليهود من الحجاز، وأخرج أهل نجران إلى النجرانية بالكوفة، وخرج إلى الجابية بالشام في صفر سنة ست عشرة، وأقام بها عشرين ليلة يقصر الصلاة، وحضر فتح بيت المقدس، وقسم الغنائم بالجابية، وخرج بعد ذلك يريد الشام في جمادى الأول سنة سبع عشرة فلما بلغ سرع (١) أخبر بوقوع

стр. 4195

الطاعون بالشام فرجع من سرع، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أتفر من قدر الله؟ فقال: نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله. وفي أيامه كان طاعون عمواس (١)، سنة ثماني عشرة، وفي هذه السنة كانت الرمادة، أصاب الناس محل وجدب ومجاعة تسعة أشهر، واستعمل عمر في أول سنيّه - وهي سنة ثلاث عشرة - على الحج عبد الرحمن بن عوف، ثم لم يزل يحج في كل سنة أيامه كلها، فحج بهم عشر سنين متوالية واعتمر في أيامه ثلاث عمر، وحج بأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها سنة ثلاث وعشرين، وكانت أول عمرة في رجب سنة سبع عشرة، والثانية في رجب سنة إحدى وعشرين، والثالثة في رجب سنة اثنتين وعشرين، وهو آخر المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا بالبيت. حدثنا محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن الأشعث عن الحسن أن عمر ﵁ مصرّ الأمصار: المدينة، والبصرة، والكوفة، والبحرين، ومصر، والشام، والجزيرة. حدثني محمد بن سعد، ثنا عفان، أنبأ حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن أن عمر قال: لهان علي في إصلاح قوم أن أبدلهم أميرا بأمير. حدثني الحسين بن علي الأسود، ثنا محمد بن عبيد، ثنا أبو سعد البقال عن أبي حصين عن أبي وائل قال: سمعت حذيفة يقول: ما أحد يفتش إلا فتش عن جائفة أو منقلة (٢)، إلا عمر بن الخطاب وابنه.

стр. 4196

حدثني الحسين، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس عن سفيان قال: إمامنا في الجماعة عمر، وإمامنا في الفتنة ابنه. حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ علي بن زيد عن عبيد الله بن ابراهيم قال: أول من ألقى الحصى في مسجد رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب، وكان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم، فأمر بالحصى فجيء به من العقيق فبسط في مسجد رسول الله ﷺ . حدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه معاذ العنبري عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن ذؤيب عن عمر أنه قال: لا يرحم من لا يرحم ولا يغفر لمن لا يغفر، ولا يوقى من لا يتوقى، ولا يتاب على من لم يتب. قال: وقال شعبة: أتي عمر بصبي له فحمله في حجره، وأقبل يقبله فقال له بعض من حضره، وهو ابن المنتفق (١): ما فعلت مثل هذا بصبي لي قط، فقال عمر: إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك فما ذنبي! وحدثني أبو بكر الأعين، ثنا روح بن عبادة عن شعبة عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن ابن المنتفق أنه رأى عمر بن الخطاب يقبل ابنه فقال: أتقبل ابنك وأنت خليفة، والله لو كنت مثلك ما قبلت ابنا لي أبدا، فقال عمر: وما ذنبي إن كان الله قد نزع الرحمة منك! إنما يرحم الله من عباده الرحماء. المدائني عن عوانة عن أبيه قال: قال عمر: من عذيري من أهل الكوفة، إن استعملت عليهم الضعيف حقروه وإن استعملت عليهم القوي فجروه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين. أين أنت عن معاوية فقال: ذاك

стр. 4197

بالشام، فقال المغيرة بن شعبة: أما المؤمن الضعيف فله إيمانه وعليك ضعفه، وأما الفاجر القوي فلك قوته وعليه فجوره، قال عمر: فلعلك يا أعور إن وليتك تعود لشيء مما رميت به، قد وليتك الكوفة وأجلتك ثلاثا حتى تشخص. المدائني عن عوانة ومسلمة قالا: كان عمر إذا ولى عملا رجلا قال له: إن العمل كير فانظر كيف تخرج منه، وكان يقول: من اتقى وقي، ومن وقي استحيا، ومن استحيا سترة الله. المدائني عن محمد بن صالح عن مجالد عن الشعبي قال: قال عمر رضى الله تعالى عنه: أفضل اللين ما كان مع سلطان، وأفضل العفو ما كان عن قدرة. المدائني قال: قال عمر لأبي الدرداء: إن من فقهك رفقك في معيشتك. حدثني العباس بن الوليد النرسي، حدثني أبو الليث اليماني، عن معمر عن الزهري أن عمر بن الخطاب قال: السيد الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، الكريم المجالسة لمن جالسه، الحسن الخلق عند من جاوره، أو قال حاوره. المدائني عن عبد الرحمن بن طلحة قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة: أما بعد فإنه لن يقيم أمر الله في الناس إلاّ عفيف الفعل، بعيد القعر، لا يطلع منه على عورة ولا يحنق على جرّه (١)، ولا يأخذه في الحق لومة لائم.

стр. 4198

قال وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية: أن جنّب الناس أحاديث الجاهلية فإنها تذكر الأحقاد وتنشئ الضغائن، وعظهم بآيات الله ما نشطوا للاستماع. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال عمر: آخ من آخيت على التقوى ولا تجعل حديثك بذلة لمن لا يريده، وشاور الذين يخافون الله. حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن كناسة والهيثم عن مجالد عن الشعبي وعن يونس بن يزيد الأيلى عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال لرجل من ثقيف: النخيلة خير أم الحبلة (١)؟ فقال: الحبلة، أتزببها وأتشتيها، وأقيل في ظلها، وأصلح بها سقامي، وآدم برمتي. فقال عمر لرجل من الأنصار: ما تقول أنت؟ قال: كذب، إن أكل الزبيب أضرس، وإن أتركه أغرث (٢)، ليس كالصقر السائل من رؤوس الرقل (٣): الراسخات في الوحل المطعمات في المحل، صمتة الصغير وتحفه الكبير، وزاد المسافر، وتحرسه مريم بنت عمران، ينضج ولا يعيي طابخا، وتحترش بها الضباب بالصلعاء (٤)، فضحك عمر. حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي عن عمر أنه قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم وكان يروي ذلك عن النبي ﷺ ، وقد روي ذلك عن أبي بكر أيضا.

стр. 4199

حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم، قال استأذنت امرأة عمر بن الخطاب في الخروج إلى المسجد فمنعها، ثم عاودته فمنعها، ثم عاودته فمنعها. المدائني عن عمر بن الخطاب أنه قال: تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة، وتعلموا النسب فرب رحم مقطوعة قد وصلت بمعرفة نسبها. حدثني عبد الله بن صالح عن يحيى بن يمان عن سفيان الثوري قال: بلغني أن عمر بن الخطاب لم يضحك إلا تبسما، وانه لم يبتسم مذ قبض النبي ﷺ ولم يمزح إلا ساهيا. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: من أحب العافية، وعفا عمن تحت يده رزقه الله العفو والعافية (١). المدائني عن يحيى بن يمان عن سفيان قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: لا يلهك الناس عن نفسك، فإن الأمر يصل إليك دونهم ولا تقطع النهار باللعب فإن ذلك محفوظ عليك وإذا أسأت فأحسن، فإني لم أرقط أشد طلبا ولا أسرع دركا من حسنة حديثة لذنب قديم. حدثنا هدبة بن خالد عن أخيه أمية بن خالد عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: خطب عمر حين استخلف فقال: والله لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة، ليعلما أن الله هو الناصر لدينه وليس إياهما فعزلهما. حدثني الحسين بن علي الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا سفيان عن عيسى عن الشعبي قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد تركت تسعة أعشار الحلال مخافة الحرام.

стр. 4200

حدثني الحسين عن أبي أسامة عن مالك بن مغول قال: قال أبو حيان: قال عمر لعبد الله بن الأرقم الزهري: انظر ما اجتمع عندك من مال فاقسمه في كل شهر، وفي كل جمعة، وفي كل يوم، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، لو أبقيت في بيت مال المسلمين مالا تعده لنائبة تحدث أو شيء يكون، فقال عمر: هذه كلمة ألقاها الشيطان على لسانك لقّاني الله حجتها ووقاني فتنتها أعصي العام مخافة قابل، أعدّ لهم ما أعدّ لهم رسول الله ﷺ ، أعد لهم طاعة الله. حدثني الأثرم أبو الحسن، ثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن أبي وجزة قال: رأيت عمر بن الخطاب أمسك أرنبة أنفه ثم جال في متن فرسه وكان أيدا (١). قال أبو عمرو: وخرج عمر في الجاهلية مع عمارة بن الوليد بن المغيرة إلى الشام أجيرا، فشذت ناقة له فلحقها عمر بعد طلب فاعتقلها وطرحها لجنبها كسيرا، فحسده عمارة على ما رأى من قوته فقال: انحرها وهيئ لنا طعاما فاختبز عمر وأطبخ، وقدم إلى عمارة طعاما فقال له: الشحم الحار على الخبز الحار في اليوم الحار؟ ما تريد إلا قتلي، ثم وثب ليضربه فبادر إليه عمر بالسيف فهرب عمارة من بين يديه. وعمر يقول: والله لولا شعبة من الكرم … وسبطة في الحيّ من خال وعم لضمّني الشر إلى شر مضمّ … وما أساء مطعم ولا ظلم إن خلط الخبز بلحم ودسم

стр. 4201

حدثني محمد بن يحيى صاحب الشافعي، الملقب بعين الحدأة، ثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن عبيد الله بن عمر العمري عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف المزني عن بلال بن الحارث المزني قال: قال عمر بن الخطاب: ألا إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن قيل سبق الحاج، فادّان معرضا (١) فأصبح قد دين به، ألا وإنّا قاسموا ماله غدا بين غرمائه فمن كان له عليه دين فليحضر. حدثنا عفان والعباس بن الوليد النرسي قالا: ثنا حماد بن سلمة، وحدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي أن رجلا كان مع أبي موسى الأشعري، وكان ذا بأس ونكاية في العدو، فأعطاه أبو موسى بعض سهمه فأبى أن يقبله فجلده عشرين سوطا وحلقه، فجمع الرجل شعره ثم رحل إلى عمر بن الخطاب فأخبره خبره، فكتب عمر إلى أبي موسى: «أما بعد فإن فلانا أخبرني بكذا وكذا فإن كنت فعلت به ذاك في ملأ من الناس فعزمت لمّا قعدت له في ملأ من الناس حتى يقتص منك، وإن كنت فعلت ذلك في خلاء لمّا قعدت له في خلاء حتى يقتص منك. فلما قدم على أبي موسى قال له الناس: أعف عنه، فقال: والله لا عفوت عنه لأحد من الناس حتى إذا قعد بين يديه ليقتص منه، رفع الرجل رأسه إلى السماء ثم قال: اللهم إني قد عفوت عنه لك. حدثنا أبو عمر الدوري المنقري عن اسماعيل بن جعفر عن حميد عن

стр. 4202

أنس أن رجلا خطب عند عمر فأكثر، فقال عمر: إن كثيرا من الخطب من شقائق الشيطان. حدثني أبو أيوب الرقي المعلم عن الحجاج الرصافي عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: الرأي كثير، والحزم قليل. وكان عروة بن الورد من حزماء الرجال، وقال كان عمر يقول: رحم الله من قدم فضل المال، وأمسك فضل الكلام. حدثني هشام بن عمار ومحمد بن مصفى عن بقية بن الوليد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن عمر قال: لا يغرنك خلق امرئ حتى يغضب، ولا دينه حتى يطمع. حدثني مصعب الزبيري قال: مر عمر بصفوان بن أمية بن خلف الجمحي وهو يقول: أنا ابن بطحائها كدائها وكديّها (١). فقال: إن كنت تقيا فأنت كريم، وإن كنت حسن الخلق فإن لك مروءة، وإن كنت عاقلا فإن لك أصلا، وإلا فأنت شر من كلب أو قال من حمار. المدائني عن مسلمة بن محارب عن حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية قال: قال معاوية: خذوا من الحديث ما كان في عهد عمر، فإن عمر أتقن ذلك في حياته، وأخاف الناس في كثرة الحديث عن رسول الله ﷺ وقال: لا تكذبوا عليه. المدائني عن العباس بن محمد عن علي بن أبي طلحة قال: قال

стр. 4203

عيينة بن حصن لعثمان: كان عمر خيرا لنا منك، إن عمر أعطانا فأغنانا، وأخشانا فأتقانا. المدائني عن أبي الوليد المكي قال: أقبل رجل أعرج إلى عمر وهو يقود ناقة تظلع، فوقف عليه وقال: إنك مسترعى وإنّا رعية … وإنك مدعو بسيماك يا عمر لذي يوم شر شره بشراره … قد حمّلتك اليوم أثقالها مضر فقال عمر: لا حول ولا قوة إلا بالله. وشكا الرجل ظلع ناقته فقبضها عمر وحمله على جمل وزوده وقال: أين تريد؟ قال: أريد أما لي لم أرها منذ زمان، فزاده. المدائني عن محمد بن صالح عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، قال استعمل عمر عتبة بن أبي سفيان على كنانة، فقدم معه بمال فقال عمر: ما هذا يا عتبة؟ قال: خرجت معي بمال فتجرت فيه. قال: ومالك تخرج المال معك، انظر ما كان في هذا الوجه من ربح فاحمله إلى بيت المال ففعل، فلما قام عثمان قال لأبي سفيان: إن طلبت ما أخذ عمر من عتبة رددته عليك. فقال أبو سفيان: إنك إن خالفت صاحبك الذي قبلك ساء رأي الناس فيك، إياك ان ترد أمر من كان قبلك فيرد من بعدك أمرك. المدائني عن عبد الله الفهري أن عمر بن الخطاب قال: لا يعاش بعقل رجل حتى يعاش بظنه، قال: وقال عمر: إذا لم أعلم إلا بما رأيت فلا علمت. المدائني قال: قال عمر لمتمم بن نويرة: ما بلغ من جزعك على أخيك مالك بن نويرة؟ قال: لم أنم حولا، ولم أر نارا إلا بكيت لأنه كان

стр. 4204

يأمر أن توقد ناره إلى الصبح مخافة أن يأتيه ضيف فلا يعرف مكانه. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه أبي المنذر عن عوانة أن متمم بن نويرة دخل على عمر فقال له: ما بلغ من جزعك على أخيك؟ قال: بكيت حولا حتى أسعدت عيني الذاهبة عيني الصحيحة، وما رأيت نارا إلا كدت انقطع لها أسفا، لأنه كان يوقد ناره إلى الصبح مخافة أن يأتيه ضيف فلا يعرف مكانه، فقال: صفه لي. قال: كان يركب الفرس الجرور في الليلة القرّة بين المزادتين النضوحين، وعليه شملة فلوت معتقلا رمحا خطلا فيسري ليله ويصبح كأن وجهه فلقة قمر، قال: فأنشدني من شعرك فيه، فأنشده مرثيته التي يقول فيها: وكنا كندماني جذيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فقال عمر: لو أحسنت قول الشعر لرثيت زيدا أخي، فقال متمم: ولا سواء يا أمير المؤمنين. قتل أخي كافرا، وقتل أخوك مسلما مجاهدا، ولو صرع أخي مصرع أخيك ما رثيته ولا بكيته. فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي بأحسن مما عزيتني به. حدثني هدبة بن خالد عن أبي الأشهب عن الحسن أنّ عمر بن الخطاب ﵁ مر بمزبلة فاحتبس عندها فكأن أصحابه تأذوا بريحها، فقال عمر: هذه دنياكم التي تحرصون عليها. حدثني أبو موسى إسحاق الفروي عن روح بن عبادة عن أيوب بن محمد بن سيرين أن عمر بن الخطاب قال: ما ترك الموت لذي لب قرة عين. حدثني محمد بن حاتم المروزي ثنا شبابة بن سوار عن عاصم بن محمد العمري عن أبيه قال: كان عمر ذات يوم في إبل الصدقة يمرن (١) أخفافها،

стр. 4205

فجاع فاشتد عليه الجوع والحر، فدخل منزله فقال: هل عندكم من شيء نأكله؟ قالوا: نعم، قباع من تمر فأتوه به فأكل منه ثم شرب ماء ومسح بطنه وقال: ويل لمن أدخلته بطنه النار، إنما يكفي الرجل ما يسد جوعته. المدائني عن غسان بن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الرحمن عن المسور بن مخرمة قال: فقد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أسيد بن حضير، ولم يشهد معهم الصلاة، فقال: انطلقوا بنا إلى أسيد فقال: ما أقعدك عنا؟ فأخبره بشغل فقال: لله الحمد، خشيت أن تكون تركت الصلاة معنا لأمر كرهته منا. قال: معاذ الله أن أرى منك شيئا منكرا ولا أنهاك عنه، فإن لم تنزع عنه جاهدتك عليه. المدائني عن مسلمة بن محارب عن بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر: «إن الناس ابتنوا بالقصب، فكثر البناء، ولا نأمن الحرق، وقد استأذنوني في البناء بالمدر، فكرهت أن آذن لهم فيه دون أمرك فيه، فكتب إليه عمر: «إني قد كنت أكره لهم البناء فأما إذ فعلوه فليقلّوا السّمك، ويعرّضوا الجدر ويقاربوا بين الخشب في السقوف». حدثني محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ كثير أبو محمد عن عبد الرحمن بن عجلان أن عمر بن الخطاب مر بقوم يرمون فقال أحدهم: أسيت. فقال عمر: سوء اللحن أسوأ من سوء الرمي. المدائني قال: قال عمر: من ظلمه أميره فلا أمير عليه دوني. حدثنا محمد بن سعد، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا داود بن أبي الفرات عن عبد الله بن بريدة الأسلمي قال: بينما عمر يعس ذات ليلة إذ سمع امرأة تقول.
следующие страницы →