جوف الليل في مسجد رسول الله ﷺ عام الرمادة وهو يقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين، وارفع عنا البلاء، يرّدد هذا الكلمة.
ابن سعد عن الواقدي، حدثني يزيد بن فراس الديلي عن السائب بن يزيد قال: رأيت على عمر بن الخطاب في زمن الرمادة إزارا فيه ست عشرة رقعة، وهو يقول: اللهم لا تجعل هلكة أمة محمد على رجلي.
محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن يزيد قال: حدثني من حضر عمر بن الخطاب عام الرمادة وهو يقول: أيها الناس ادعوا الله أن يذهب عنكم المحل، وهو يطوف، وعلى عنقه درة، قال: وقال عبد الله بن يزيد: قال عبد الله بن ساعدة: رأيت عمر إذا صلى المغرب نادى أيها الناس ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً﴾ (١) وتوبوا إليه واستغفروه واستسقوه سقيا رحمة لا سقيا عذاب، فلم يزل كذلك حتى فرّج الله.
محمد عن الواقدي عن الثوري عن مطرف عن الشعبي أن عمر رضي الله تعالى عنه خرج يستسقي فقام على المنبر فقرأ هؤلاء الآيات: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾ (٢) يقول استغفروا ربكم وتوبوا إليه، ثم نزل فقيل له: ما يمنعك من أن تستسقي فقال: طلبت المطر بمجاديح (٣) السماء التي ينزل بها المطر.
محمد عن الواقدي عن عبد الله بن عمر بن حفص عن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال: رأيت عمر خرج بنا إلى المصلّى يستسقي فكان أكثر
стр. 4272
دعائه الاستغفار حتى قلت لا يزيد عليه، ثم صلى، ودعا فقال: اللهم اسقنا.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، ثنا عبد الملك بن وهب عن سليمان بن عبد الله بن عويمر الأسلمي عن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: لما أجمع عمر أن يستسقي ويخرج بالناس كتب إلى عماله أن يخرجوا يوم كذا، وأن يتضرعوا إلى ربهم ويطلبوا إليه أن يرفع هذا المحل عنهم، وخرج عمر لذلك اليوم وعليه برد رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى المصلى فخطب الناس فتضرع، وجعل الناس يلحّون فما كان أكثر دعائه إلاّ الاستغفار حتى إذا قرب أن ينصرف رفع يديه مدّا وحوّل رداءه فجعل اليمين على اليسار ثم اليسار على اليمين، ثم مدّ يديه وجعل يلحّ في الدعاء ويبكي بكاء طويلا حتى اخضل لحيته.
حدثني محمد عن الواقدي عن خالد بن الياس عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه أن عمر بن الخطاب صلى بالناس عام الرمادة ركعتين وكبّر فيهما خمسا أو سبعا.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون قال: قال عمر للعباس بن عبد المطلب: يا أبا الفضل كم بقي علينا من النجوم؟ قال: العوّاء. قال: كم بقي منها؟ قال: ثمانية أيام. فقال عمر: عسى الله أن يجعل فيها خيرا، ثم قال للعباس: أعد غدا إن شاء الله قال: فلما ألح عمر بالدعاء أخذ بيد العباس ثم رفعها وقال: «أللهم إنا نستشفع إليك بعم نبيّك أن تذهب عنا المحل وتسقينا الغيث»، قال: فلم
стр. 4273
يبرحوا حتى سقوا، فأطبقت السماء عليهم أياما فلما مطروا وأحيوا، أخرج عمر العرب من المدينة وقال: ألحقوا ببلادكم.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد عن ميمون بن ميسرة عن السائب بن يزيد قال: نظرت إلى عمر يوما في الرمادة وقد غدا متبتلا متضرعا عليه برد لا يبلغ ركبتيه يرفع صوته بالاستغفار، وعيناه تهرقان على خديه، وعن يمينه العباس بن عبد المطلب، فدعا يومئذ وهو مستقبل القبلة رافعا يديه إلى السماء، وعجّ إلى ربّه ودعا، ودعا الناس معه، ثم أخذ بيد العباس فقال: «اللهم إنا نستشفع إليك بعم رسولك» فما زال العباس إلى جانبه ملبيا يدعو وعيناه تهملان.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن نافع بن ثابت عن أبي الأسود سليمان بن يسار قال: خطب عمر الناس في زمن الرمادة فقال: أيها الناس اتقوا الله في أنفسكم، وفيما غاب عن الناس من أمركم، فقد ابتليت بكم، وابتليتم بي، فما أدري السخطة عليّ دونكم، أم عليكم دوني، أم علي وعليكم، فهلموا فلندع الله أن يرحمنا، ويصلح قلوبنا، ويرفع عنا المحل، فرئي عمر يومئذ رافعا يديه يدعو، ودعا الناس، وبكى وبكوا مليا ثم نزل.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: أيها الناس إني أخشى أن تكون سخطة عمّتنا، فاعتبوا ربكم، وانزعوا وتوبوا إليه وأحدثوا خيرا.
حدثني محمد عن الواقدي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كنا في الرمادة لا نرى سحابا، فلما استسقى عمر بالناس مكثنا أياما
стр. 4274
ثم جعلنا نرى قزع السحاب (١) وجعل عمر يظهر التكبير كلما دخل وخرج، وجعل الناس يكبّرون حتى نظر إلى سحابة سوداء جاءت من ناحية البحر ثم تشاءمت فكان الحيا.
حدثني محمد بن سعد، ثنا الواقدي، أنبأ محمد بن عمر عن عبد الله بن محمد عن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال: كانت العرب قد علمت اليوم الذي استسقى فيه عمر وقد بقيت غبرات (٢) منهم فخرجوا يستسقون كأنهم النسور العجاف تخرج من وكورها يعجّون إلى الله.
حدثني محمد بن سعد، ثنا الواقدي، حدثني خالد بن الياس عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخّر الصدقة عام الرمادة فلم يبعث السعاة، فلما كان قابل ورفع الله ذلك الجدب أمرهم أن يخرجوا فأخذوا عقالين (٣) فأمرهم أن يقسموا عقالا، ويقدموا عليه بعقال أي صدقة سنة.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن سفيان بن عيينة عن أبي نجيح عن كردم أن عمر بعث مصدقا عام الرمادة فقال أعط من أبقت له السنة غنما وراعيا، ولا تعط من أبقت له غنمين وراعيين.
حدثني عمرو الناقد ومحمد بن سعد قالا: ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان.
قال محمد بن سعد: وأخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل.
قال: وحدثنا عارم بن الفضل عن حماد بن زيد كلهم عن عاصم بن
стр. 4275
أبي النجود عن زر بن حبيش قال: رأيت عمر رضي الله تعالى عنه خرج مخرجا لأهل المدينة فكان آدم طويلا أعسر يسرّ أصلع متلببا برداء قطري يمشي حافيا مشرفا على الناس كأنه راكب على دابة، وهو يقول: يا عباد الله هاجروا ولا تهجروا واتقوا الأرنب أن يحذفها أحدكم بالعصا، أو يرميها بالحجر ثم يأكلها، ولكن ليذل لكم الأسل (١) والنبل، قال: يقول كونوا مهاجرين خلصاء ولا تكونوا متشبهين بهم (٢).
وقال الواقدي: لا نعرف عندنا أن عمر كان آدم إلا أن يكون رآه عام الرمادة، فانه كان قد تغير لونه حين أكل الزيت واغتم وجاع.
وقال الواقدي: وحدثنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر رجلا أبيض أمهق، تعلوه حمرة، طوالا أصلع.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن حزام بن هشام عن أبيه قال:
ما رأيت عمر مع قوم قط إلا رأيت أنه فوقهم.
حدثني محمد بن سعد، ثنا سليمان بن حرب، ثنا أبو هلال قال:
سمعت أبا التياح يحدث في مجلس الحسن قال: لقي رجل راعيا فقال له: أشعرت أن ذلك الرجل الأعسر اليسر - يعني عمر - قد أسلم؟ فقال:
الذي يصارع في سوق عكاظ؟ قال: نعم، قال: والله ليوسعنّهم خيرا أو شرا.
حدثني عبيد الله بن معاذ بن معاذ حدثني أبي عن شعبة عن سماك بن
стр. 4276
حرب قال: أخبرني هلال بن عبد الله قال: رأيت عمر رجلا جسيما كأنه من رجال بني سدوس.
قال: وحدثنا شعبة عن سماك عن هلال قال: كان عمر يسرع في مشيته، وكان آدم وكان في رجليه روح (١).
حدثنا خلف بن هشام، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان عن نافع بن جبير بن مطعم قال: صلع عمر فاشتد صلعه.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، ثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أسلم قال: كان عمر إذا غضب أخذ بهذا وأشار إلى سبلته (٢)، أو قال: شاربه فقال بها إلى فمه ونفخ فيه.
حدثني محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، ثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه أتاه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين هذه بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام ثم تحمى علينا؟ قال: فجعل عمر ينفخ ويفتل شاربه.
حدثني محمد بن سعد، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله عن عبد الله قال: ركب عمر فرسا فانكشف ثوبه عن فخذه فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا.
стр. 4277
حدثنا سريج بن يونس، ثنا يزيد بن هارون، ثنا حميد الطويل عن أنس ابن مالك قال: خضب عمر بالحناء.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن خالد بن أبي بكر قال: كان عمر يصفّر لحيته، ويرجل رأسه بالحناء.
حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: قال أنس: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث لبّد بعضهن على بعض.
حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا خالد بن مخلد، ثنا عبد الله بن عمر عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيت عمر بن الخطاب يرمي جمرة العقبة وعليه إزار مرقوع بفرو، وهو يومئذ وال.
حدثنا عفان، ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني قال: قال أنس: لقد رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميص له.
حدثني خلف بن هشام، ثنا حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: كنا عند عمر وعليه قميص في ظهره أربع رقاع فقرأ ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (١) فقال ما الأبّ؟ ثم قال إن هذا لهو التكلف وما عليك ألا تدري ما الأبّ، الأبّ الحشيش اليابس.
حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبد الله الأسدي، ثنا سفيان عن سعيد الجريري عن أبي عثمان أخبرني من رأى عمر رضي الله تعالى عنه يرمي الجمرة، عليه إزار قطري مرقوع برقعة من أدم.
حدثنا عفان، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا سعيد الجريري عن أبي عثمان
стр. 4278
النهدي قال: طاف عمر بالبيت وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة إحداهن من أدم أحمر.
حدثنا خلف البزار، ثنا أبو عوانة عن أبي أنس عن عطاء عن عبيد الله بن حمير قال: رأيت عمر يرمي الجمار وعليه إزار مرقوع على موضع القعود.
حدثنا محمد بن سعد عن وكيع عن الأعمش عن ابراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون قال: رأيت على عمر بن الخطاب يوم أصيب إزار أصفر.
حدثنا محمد بن سعد، أنبأ وكيع عن سعيد بن المرزبان أبي سعيد البقال عن عمرو بن ميمون قال: أمنّا عمر بن الخطاب في بت (١).
حدثني محمد بن سعد أخبرنا محمد بن عبيد، ثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون قال: رأيت على عمر لما طعن ملحفة صفراء قد وضعها على جرحه وهو يقول: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (٢).
حدثني محمد بن سعد، ثنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد عن بديل ابن ميسرة قال: خرج عمر بن الخطاب يوما إلى الجمعة وعليه قميص سنبلاني فجعل يعتذر إلى الناس فيقول حبسني قميصي هذا وجعل يمدّ كمّه فإذا تركه رجع إلى أطراف أصابعه.
حدثني محمد بن سعد، ثنا مالك بن اسماعيل النهدي، ثنا عمر بن زياد الهذلي عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال:
حدثني دهقان قرية كذا قال: مرّ بي عمر فألقى إليّ قميصه فقال: اغسل هذا
стр. 4279
بالأشنان، فعمدت إلى ثوبين فقطعت منهما قميصين وأتيته بهما فقلت: إلبس هذين فإنهما أجمل وألين، فقال: أمن مالك؟ قلت: نعم، قال: هل خالطه شيء من مال الذمة؟ قلت: لا إلا خياطته. فقال: أعزب عني (١)، هلمّ قميصي، قال: فلبسه وإنه لأخضر من الأشنان.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن حاتم بن اسماعيل عن عبيد الله بن الوليد عن أنس بن مالك قال: رأيت على عمر إزارا فيه أربع عشرة رقعة بعضها أدم، وما عليه قميص ولا رداء وهو معتم معه الدرة يطوف في سوق المدينة (٢).
قال الواقدي: ثنا حزام بن هشام عن أبيه قال: رأيت عمر يأتزر فوق السرة.
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ، ثنا ابو داود الطيالسي، أنبأ شعبة، أخبرني عامر بن عبيدة الباهلي قال: سألت أنس بن مالك عن الخزّ فقال: وددت أن الله لم يخلقه وما أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وقد لبسه إلا عمر وابن عمر.
حدثني محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، ثنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر تختّم في اليسار.
حدثني محمد بن سعد، ثنا الفضل بن دكين أبو نعيم، ثنا عمرو بن عبد الله عن مهاجر أبي الحسن عن عمرو بن ميمون عن عمر رضي الله تعالى
стр. 4280
عنه أنه كان يقول في دعائه: اللهم توفني مع الأبرار ولا تخلفني في الأشرار، وقني عذاب النار، وألحقني بالأخيار.
حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن اسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة أنها سمعت عمر أباها يقول: أللهم ارزقني قتلا في سبيلك، ووفاة في بلد نبيك، قالت: فقلت:
وأنّى ذلك؟ فقال: إن الله يأتي بأمره أنّى شاء.
حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن أبي بردة عن أبيه قال: رأى عوف بن مالك أن الناس جمعوا في صعيد واحد وإذا رجل أعلى منهم بقدر ثلاثة أذرع، فقال:: من هذا؟ قالوا: عمر بن الخطاب. قال: بماذا يعلوهم؟ قالوا: إن فيه ثلاث خصال: لا يخاف في الله لومة لائم، وإنه خليفة مستخلف، وشهيد مستشهد، فحدث عوف أبا بكر بذلك فدعا عمر فبشره به، فلما ولي عمر، وانطلق إلى الشام رأى عوف بن مالك فقال له: اقصص علي رؤياك فقصها، فقال: أما ألاّ أخاف في الله لومة لائم فأرجو أن يجعلني الله كذلك، وأما خليفة مستخلف فإني أسأل الله أن يعينني على ما ولاني، وأما شهيد مستشهد فأنّى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب، ولست أغزو والناس حولي، ثم قال: بلى بلى يأتي الله بها إن شاء الله.
حدثني عبد الله بن أمية البصري، ثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار عن سعد مولى عمر بن الخطاب أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب: إنّا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت لم يزالوا يقتحمونها إلى يوم القيامة.
стр. 4281
حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ ثابت البناني عن أنس عن أبي موسى الأشعري، قال: رأيت كأني انتهيت إلى جبل فإذا رسول الله ﷺ فوقه، وإلى جنبه أبو بكر، وإذا هو يومئ إلى عمر أن تعال، فقلت: إنّا لله.
مات أمير المؤمنين. قال: فقلت ألا تكتب بهذا إلى عمر؟ فقال: ما كنت لأنعى إليه نفسه.
حدثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: كنت واقفا مع عمر بن الخطاب بعرفات وإنّ ركبتي لتمسّ ركبته ونحن ننتظر غروب الشمس لنفيض، فلما رأى تكبير الناس ودعاءهم أعجبه ذلك فقال:
يا حذيفة، كم ترى هذا يبقى للناس؟ فقلت: إنّ على الفتنة بابا، فإذا كسر الباب، أو فتح خرجت. ففزع فقال: وما ذلك الباب وما كسر باب أو فتحه؟ قلت: رجل يموت أو يقتل. فقال: يا حذيفة من ترى قومك يؤمرّون بعدي؟ قلت: رأيت الناس قد أسندوا أمرهم إلى عثمان بن عفان.
حدثنا بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن محمد بن جبير عن جبير بن مطعم قال: بينا عمر واقف على جبال عرفة إذ سمع رجلا يصرخ يقول: يا خليفة رسول الله، فسمعه رجل من الأزد يزجر ويعتاف فقال: مالك فك الله لهواتك؟ قال جبير: فإني من الغد واقف مع عمر على العقبة يرمي إذ جاءت حصاة غائرة فنقفت رأس عمر فأدمته، فسمعت رجلا من الجبل يقول: أشعر ورب الكعبة، لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبدا، قال جبير: فنظرت فإذا هو الأزدي بعينه فاشتد علي ما سمعت.
стр. 4282
وقال الكلبي: الرجل الذي قال لعمر أشعر، من قوم من الأزد يقال لهم بنو لهب بن حجر بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهم أعيف العرب وأزجرهم.
محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة قال: قالت عائشة: من صاحب هذه الأبيات:
جزى الله خيرا من إمام وباركت … يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة … ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها … بوائق في أكمامها لم تفتّق
وما كنت أخشى أن تكون وفاته … بكفّ سبنتي (١) أحمر العين مطرق
فقالوا: لمزرّد بن ضرار أخي الشماخ، قالت: فلقيت مزردا فحلف بالله ما شهد هذا الموسم الذي سمعت فيه هذه الأبيات (٢).
وقال الواقدي: كان عمر حج بأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، فلما صدر عن عرفة أقبل راكب فأناخ راحلته، ثم رفع عقيرته وقال:
عليك السلام من إمام وباركت … يد الله.
الأبيات، وأولها: «جزى الله خيرا». فكان يقال انه جنّي.
حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لما صدر عمر عن منى أناخ بالأبطح فجمع كوما من البطحاء فألقى عليه رداءه ثم استلقى ورفع يديه فقال: اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت
стр. 4283
رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرط، قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل.
حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الأزدي ثم الزهراني، ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: رأيت كأن ديكا نقرني نقرتين، فقلت: يسوق الله لي الشهادة ويقتلني رجل أعجمي.
حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه معاذ بن معاذ، ثنا شعبة عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة اليعمري أن عمر خطب الناس في يوم جمعة فذكر النبي ﷺ وأبا بكر فقال: رأيت كأن ديكا نقرني ولا أراه إلا حضور أجلي، وإن قوما يأمرونني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيّع دينه وخلافته، والذي بعث به نبيه فإن عجّل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الرهط الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وقد علمت أنه سيطعن في هذا الأمر أقوام بعدي أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا فأولئك أعداء الله الضالون، ثم إني لم أدع شيئا هو أهمّ إليّ من الكلالة (١)، وما راجعت رسول الله ﷺ في شيء مراجعتي إياه فيها، وما أغلظ لي مذ صحبته ما أغلظ لي في أمرها حتى طعن بإصبعه في بطني فقال: يا عمر، يكفيك الآية التي آخر النساء وإن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن، ثم قال: اللهم إني أشهدك على
стр. 4284
أمراء الأمصار فإني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، ويعدلوا عليهم، ويقسموا فيئهم فيهم، ويرفعوا إلي ما أشكل من أمرهم، ثم إنكم أيها الناس تأكلون من هاتين الشجرتين الخبيثتين: البصل والثوم، وقد كنت أرى رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر فأخذ بيده فأخرج من المسجد إلى البقيع فمن كان لا بدّ آكلهما فليمتهما طبخا.
حدثني شيبان بن فروخ عن عثمان البرتي عن الحسن قال: كان عمر يقول اعتزل عدوك وتجانبه وتحرز من خليلك واحذره، ولا تفش سرك إلى فاجر فيضيّعه، وشاور أهل الدين والعقل.
حدثني محمد بن سعد وعمرو بن محمد الناقد ووهب بن بقية قالوا: ثنا يزيد بن هارون، ثنا شعبة عن أبي جمرة عن جارية بن قدامة التميمي قال: حججت عام توفي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأتى المدينة فخطب فقال: رأيت كأن ديكا نقرني. فما عاش إلا تلك الجمعة حتى طعن، فدخل عليه أصحاب النبي ﷺ ، ثم أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق، قال: وكنا آخر من دخل إليه فكلما دخل قوم بكوا وأثنوا، قال فكنت فيمن دخل فإذا هو قد عصب جراحته قال: فسألناه الوصية وما سأله الوصية أحد غيرنا، فقال: أوصيكم بكتاب الله فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه وأوصيكم بالمهاجرين فإن الناس يكثرون وهم يقلّون وأوصيكم بالأنصار فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراب فإنهم أصلكم ومادتكم وإخوانكم وعدو عدوكم، وأوصيكم بأهل الذمة فإنهم ذمة نبيكم وأرزاق عيالكم. قوموا عني.
حدثني عمرو الناقد والحسين بن علي بن الأسود، ثنا محمد بن الفضيل بن
стр. 4285
غزوان الضبّي، ثنا حسين بن عبد الرحمن عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر واقفا على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف وهو يقول لهما: أتخافان أن تكونا قد حمّلتما على الأرض ما لا تطيق؟ فقال حذيفة: لقد حمّلتها ما هي له مطيقة وما فيها كبير فضل. وقال عثمان: لو شئت لأضعفت ما على أرضي، فجعل يقول: انظروا ما لديكما أن تكونا حملتما على الأرض فوق طاقتها، وقال: والله لئن سلمني الله لأدعنّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي أبدا. قال: فما أتت عليه أربع حتى أصيب، وكان إذا دخل المسجد قام بين الصفوف ثم قال: استووا وتقدم فكبّر، فلما كبّر طعن، قال:
فسمعته يقول قطعني الكلب، أو قال أكلني الكلب، وطار العلج ومعه سكين ذات طرفين ما يمر برجل يمينا وشمالا إلا طعنه فأصاب ثلاثة عشر رجلا من المسلمين، مات منهم تسعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا له فأخذه فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه، قال عمرو: وما كان بيني وبينه حين طعن إلا ابن عباس فأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فصلوا الفجر يومئذ صلاة خفيفة، فأما أهل نواحي المسجد فلا يدرون ما الأمر لأنهم حين فقدوا صوت عمر جعلوا يقولون: سبحان الله، سبحان الله، قال: فلما انصرفوا كان أول من دخل على عمر ابن عباس، فقال: انظر من قتلني، فخرج ابن عباس فجال ساعة حتى استثبت، ثم أتاه فقال: غلام المغيرة بن شعبة الصناع، قال: وكان نجارا، فقال: ما له قاتله الله؟ والله لقد كنت أمرت به معروفا. وقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل من المسلمين، ثم قال لابن عباس: أما أنك وأبوك كنتما تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة، فقال: إن شئت فعلنا؟ فقال: بعد أن تكلموا بكلامكم، وصلوا
стр. 4286
صلواتكم، ونسكوا نسككم. فقال له الناس: ليس عليك بأس فدعا بنبيذ فشربه فخرج من جرحه، فلما ظن أنه الموت، قال: يا عبد الله بن عمر، انظر كم علي من الدين؟ قال: فحسبه فوجده ستة وثمانين ألف درهم، فقال: يا عبد الله، إن وفى بها مال آل عمر فأدّها عني من أموالهم، وإن لم تف بها أموالهم فسل فيها بني عدي، فإن لم تف أموالهم فسل فيها قريشا ولا تعدهم إلى غيرهم، ثم قال: يا عبد الله اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فقل لها: يقرئك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم لهم بأمير، ويقول: أتأذنين أن أدفن مع صاحبيّ، فأتاها ابن عمر فوجدها قاعدة تبكي، فسلم عليها ثم قال: عمر يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأؤثرنّه اليوم على نفسي، فلما جاء قيل: هذا عبد الله بن عمر، فقال عمر: ارفعاني فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: أذنت لك، فقال عمر: ما كان شيء أهم إلي من ذلك المضجع، يا عبد الله بن عمر انظر إذا أنا متّ فاحملني على سريري، ثم قف على الباب فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لك فادخلني، وإن لم تأذن لك فادفنّي في مقابر المسلمين، فلما حمل كان المسلمون كأنهم لم تصبهم مصيبة إلا يومئذ، قال: فأذنت له عائشة، فدفن مع النبي ﷺ وأبي بكر، وقالوا له حين حضرته الوفاة: استخلف، فقال: لا أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وقال: إن أصابت سعدا فذاك، وإلا فأيّهم استخلف فليستعن به، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، قال: وجعل عبد الله بن عمر معهم يشاورونه، وليس له من الأمر شيء.
стр. 4287
فلما اجتمعوا قال عبد الرحمن: اتركوا أمركم إلى ثلاثة نفر منكم فجعل الزبير أمره إلى علي، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف، فائتمروا أمر أولئك الثلاثة حين جعل الأمر إليهم، فقال عبد الرحمن: أيّكم يبرأ من الأمر ويجعل الأمر إليّ، ولكم عليّ ألا آلوكم نصحا، فأسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: أتجعلانه إلي وأنا أخرج منها فوالله لا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين؟ قالوا: نعم فخلا بعليّ فقال: إن لك من القرابة برسول الله والقدم مالك، فالله عليك لئن استخلفت لتعدلن، ولئن استخلف عثمان لتسمعن وتطيعن؟ فقال:
نعم. فخلا بعثمان فقال له مثل ذلك، فقال عثمان: نعم، فقال: ابسط يدك يا عثمان فبسط يده فبايعه عليّ والناس.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله والمهاجرين الأولين أن يحفظ لهم حقهم، ويعرف لهم حرمتهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وغيظ العدو وجباة المال، ولا يؤخذ منهم إلا بحقوقهم، أو قال: فضلهم عن رضى منهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان، وأن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أن تؤخذ صدقاتهم من حواشي أموالهم فترد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله أن يوفى لهم بعهدهم ولا يكلفوا فوق طاقتهم، وأن يقاتل من وراءهم (١).
حدثني محمد بن سعد، ثنا معاوية بن عمر الأزدي، ثنا زهير بن
стр. 4288
معاوية، ثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر رضي عنه حين طعن فأتاه أبو لؤلؤة وهو يسوي الصفوف فطعنه وطعن اثني عشر معه، وكان الثالث عشر قال: فأنا رأيت عمر باسطا يديه وهو يقول: أدركوا الكلب فقد قتلني، فماج الناس وأتاه رجل من ورائه فأخذه، فمات ممن جرح ستة أو سبعة، وحمل عمر إلى منزله وأتاه الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك؟ قال: النبيذ. فدعا بنبيذ فشرب منه فخرج من إحدى طعناته فقالوا: إنما هذه صديد الدم. فدعا بلبن فشرب منه فخرج فقال: أوص بما كنت موصيا به، فوالله ما أراك تمسي. وأتاه كعب فقال: ألم أقل لك أنك تموت شهيدا فتقول: من أين وأنا في جزيرة العرب؟ قال: وقال رجل: الصلاة يا عباد الله فقد كادت الشمس تطلع فتدافعوا حتى قدموا عبد الرحمن بن عوف، فقرأ أقصر سورتين من القرآن: والعصر، وإنا أعطيناك الكوثر. فقال عمر: يا عبد الله ائتني بالكتف الذي كنت كتبت فيها بشأن الجدّ بالأمس فلو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه، فقال عبد الله بن عمر:
نحن نكفيك محوها، فقال: لا وأخذها فمحاها بيده، ثم دعا بستة نفر:
علي، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، فدعا عثمان أولهم فقال: يا عثمان، إن عرف لك أصحابك سنّك وصهرك من رسول الله ﷺ فاتّق الله ولا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ثم دعا علي بن أبي طالب فأوصاه، ثم أمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثا (١).
حدثني أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ إسرائيل بن
стр. 4289
يونس عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر يوم طعن فما منعني من أن أكون من الصف المقدم إلا هيبته، وكان رجلا مهيبا فكنت في الصف الذي يليه، وكان عمر لا يكبّر حتى يستقبل الصف المتقدم بوجهه، فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا عنه ضربه بالدرة، فذلك الذي منعني منه فأقبل عمر فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فتأخر عمر غير بعيد، ثم طعنه ثلاث طعنات، قال: فسمعت عمر وهو يقول هكذا بيده وقد بسطها: دونكم الكلب قد قتلني، وماج الناس فجرح ثلاثة عشر رجلا، وشدّ عليه رجل من خلفه فاحتضنه واحتمل عمر وماج الناس بعضهم في بعض حتى قال قائل: الصلاة عباد الله، طلعت الشمس.
فدفعوا عبد الرحمن بن عوف فصلى بأقصر سورتين في القرآن: إذا جاء نصر الله والفتح، وإنا أعطيناك الكوثر، واحتمل عمر فدخل الناس عليه فقال:
يا عبد الله بن عباس أخرج فناد في الناس: أيها الناس: إن أمير المؤمنين يقول أعن ملأ منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله. ما علمنا ولا اطلعنا، ثم قال: ادعوا لي الطبيب فدعي له فقال: أي الشراب أحب إليك؟ فقال:
النبيذ. فسقي نبيذا فخرج من بعض طعناته فقال الناس: هذا صديد، اسقوه لبنا فخرج فقال الطبيب. ما أرك تمسي فما كنت فاعلا فافعله فقال:
يا عبد الله بن عمر ناولني الكتف، فلو أراد الله أن يمضي ما فيها أمضاه، فقال له ابن عمر: أنا أكفيك محوها. فقال: لا والله لا يمحوها أحد غيري، فمحاها عمر بيده وكان فيها فريضة الجد، ثم قال: ادعوا لي عليا، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعدا، فلم يكلم أحدا منهم غير عثمان وعلي ﵃، فقال: يا علي، لعل
стр. 4290
هؤلاء القوم يعرفون لك قرابتك من النبي ﷺ وصهرك، وما آتاك الله من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه، ثم دعا عثمان فقال:
يا عثمان، لعل هؤلاء القوم سيعرفون لك صهرك من رسول الله ﷺ وسنك وشرفك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله ولا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، ثم قال: ادعوا لي صهيبا فدعي فقال: صلّ بالناس ثلاثا وليخل هؤلاء القوم في بيت فإذا أجمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه، فلما خرجوا من عند عمر قال: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطريق، يعني علي بن أبي طالب، فقال ابن عمر: فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟ قال:
أكره أن أتحملها حيا وميتا، ثم دخل عليه كعب فقال: جاء ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١) قد أنبأناك أنك شهيد، فقلت أنّى لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا وكيع عن أبي معشر، ثنا أشياخنا قالوا: قال عمر ﵁: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية معها، واللين الذي لا وهن فيه.
المدائني قال: كان عمر يقول الرأي كثير، والحزم قليل، وكان عروة بن الورد العبسي من حزماء الرجال، وأشار عيينة بن حصن على عمر أن ينحي عنه العجم وقال: إني لأخاف عليك هذه الحمراء، فلما طعن قال: ما فعل عيينة بن حصن؟ قالوا: مات قال: لله رأي بين الحاجر
стр. 4291
والرقم (١)، ويقال انه قال: لله قبر بين الحاجر والرقم لقد ضمن رأيا وحزما.
حدثني شيبان الآجري عن نافع أبي هرمز عن أنس عن عمر أنه قال:
لكل شيء رأس ورأس المعروف أعجله.
حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا علي بن مسعدة، ثنا عبد الله الرومي قال: دخلت على أم طلق بيتها فإذا سمكه قصير يكاد يناله رأسي فقلت لها يا أم طلق، ما أقصر سقف بيتك! فقالت: أي بنيّ أو ما علمت ما كتب به عمر بن الخطاب إلى الأمصار والآفاق، كتب لا تطيلوا بيوتكم فإنه من شر أعمالكم. قلت: هل رأيت أبا ذر؟ قالت: نعم، ودخلت عليه بيته، قلت: كيف رأيت هيئته؟ قالت: رأيته أشعث أغبر وبيده عودان قد خالف بينهما وإلى جانبه صوف منفوش فهو يأخذ منه ويغزل، فأعطيته شيئا من دقيق أو سويق كان معي فأخذه في طرف ثوبه، ثم قال لي: ثوابك أو أجرك على الله.
حدثني محمد بن سعد، ثنا عبد الكريم بن بكر السهمي، ثنا حاتم بن أبي صغيرة عن سماك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما احتضر قال: ان استخلف فسنّة، وإن لم استخلف فسنّة، توفي رسول الله ﷺ ولم يستخلف، وتوفي أبو بكر فاستخلف. فقال علي بن أبي طالب:
عرفت والله أنه لم يعدل بسنة رسول الله ﷺ ، فذاك حين جعلها شورى بين: علي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وسعد، وقال
стр. 4292
للأنصار: أدخلوهم بيتا ثلاثة أيام، فإن استقاموا، وإلا فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم (١).
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ علي بن زيد عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب كان مسندا إلى ابن عباس، وكان عنده ابن عمر وسعيد بن زيد، فقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا، ولم استخلف بعدي أحدا، وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله، فقال سعيد بن زيد: أما أنك لو أشرت برجل من المسلمين ائتمنك الناس.
فقال عمر: قد رأيت من أصحابي حرصا سيئا، وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، ثم قال: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين فأين أنت عن عبد الله بن عمر؟ فقال له: قاتلك الله. والله ما أردت الله بها.
أستخلف رجلا لم يحسن يطلق امرأته؟ قال عفان: يعني بالرجل المغيرة بن شعبة.
حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد ثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة أن ابن عمر قال لعمر: لو استخلفت. قال: من؟ قال:
تجتهد. لو أنك بعثت إلى قيّم أرضك ألم تكن تحب أن تستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض؟ قال: بلى، قال: أرأيت لو بعثت راعي غنمك ألم تكن تحب أن تستخلف رجلا حتى يرجع؟
حدثني محمد بن سعد، ثنا يعقوب بن ابراهيم الزهري عن أبيه عن
стр. 4293
صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: دخل الرهط على عمر قبل أن ينزل به فنظر إليهم فقال: إني نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقا إلا أن يكون منكم، وإنما الأمر إلى هؤلاء الستة، وكان طلحة غائبا في ماله بالشراة، وإنما يؤم قومكم أحدكم أيها الثلاثة: عبد الرحمن، وعثمان، وعلي، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحملنّ ذوي قرابتك على رقاب الناس، وإن كنت يا عثمان على شيء من أمر الناس فلا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت يا عليّ على شيء من أمر الناس فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس، ثم قال: قوموا فتشاوروا وأمرّوا أحدكم.
قال عبد الله بن عمر: فقاموا يتشاورون، فدعاني عثمان ليدخلني في الأمر، ولا والله ما أحب أني كنت دخلت فيه، علما أنه سيكون في أمرهم ما قال أبي، فوالله لقلّما رأيته يحرك شفتيه بشيء قط إلا كان حقا، فلما أكثر عليّ عثمان قلت له: ألا تعقلون؟ أتؤمّرون وأمير المؤمنين حي؟ فوالله لكأنما أيقظت عمر من رقدة فقال: أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصلّ بكم صهيب ثلاث ليال، ثم اجمعوا أمركم فمن تأمّر على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه.
قال ابن شهاب: قال سالم: قلت لعبد الله: ابدأ بعبد الرحمن قبل عليّ. قال: نعم والله.
حدثني محمد بن سعد، ثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن أبي شهاب قال: كان عمر بن الخطاب رضي
стр. 4294
الله تعالى عنه لا يأذن لصبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة وهو على الكوفة يذكر غلاما له صانعا، ويستأذنه في دخوله المدينة، ويقول إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس، إنه: حداد، نقاش، نجار، فكتب إليه عمر فأذن له أن يرسل به إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم كل شهر، فجاء إلى عمر يشتكي إليه شدة الخراج وثقله فقال له: ماذا تحسن؟ فذكر له الأعمال التي يحسنها، فقال عمر: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطا يتذمر فلبث عمر ليالي، ثم إن العبد مرّ به فدعاه فقال له: ألم أحدّث أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت العبد إلى عمر ساخطا عابسا، وكان مع عمر رهط، فقال:
لأصنعنّ لك رحى تتحدث الناس في المشرق والمغرب بها. فلما ولّى العبد أقبل عمر على الرهط الذين كانوا معه فقال لهم: أو عدني العبد آنفا، فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في غبش السحر، فلم يزل هناك حتى خرج عمر ﵁ يوقظ الناس لصلاة الصبح، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا عمر منه وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة فخنقت (١) الصفاق، وهي التي قتلته ثم أغار على أهل المسجد فطعن من يليه حتى طعن سوى عمر أحد عشر رجلا، ثم انتحر بخنجره، فقال عمر حين أدركه النزف وانقصف الناس عنه: قولوا لعبد الرحمن بن عوف، فليصل بالناس، ثم غلب عمر النزف حتى غشي عليه، قال ابن عباس: فاحتملته في رهط حتى أدخلته، ثم صلى للناس عبد الرحمن فأنكر الناس صوت عبد الرحمن، قال ابن
стр. 4295
عباس: فلم أزل عند عمر ولم يزل في غشية واحدة حتى أسفر الصبح، ثم أفاق فنظر إلى وجوهنا ثم قال: أصلى الناس؟ قلت: نعم. قال:
لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم دعا بوضوء فتوضأ ثم قال: اخرج يا عبد الله فسل من قتلني، قال: فخرجت حتى فتحت باب الدار فإذا الناس مجتمعون جاهلون بخبر عمر، فقلت من طعن أمير المؤمنين؟ قالوا: طعنه عدو الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ثم طعن معه رهطا، ثم قتل نفسه، فأخبرت عمر فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قط، ما كانت العرب لتقتلني. قال سالم: فسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال عمر: أرسلوا إلى الطبيب ينظر في جرحي هذا فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسقاه نبيذا فشبه النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التي تحت السرة، قال فدعوت طبيبا آخر من الأنصار فسقاه لبنا فخرج من الطعنة أبيض، فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين إعهد، فقال عمر: صدقني أخو بني معاوية، ولو قلت غير ذلك كذبتك. قال: فبكى عليه القوم حين سمعوا قوله، فقال:
لا تبكوا علينا ألم تسمعوا قول رسول الله ﷺ :: «يعذّب الميت ببكاء أهله عليه»، فبلغ عائشة رضي الله تعالى عنها قوله فقال: «إنما مر رسول الله ﷺ على نوّح يبكين على هالك، فقال إن هؤلاء يبكون وصاحبهم يعذب وكأن قد اجترم ذلك».
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن عمار عن أبي الحويرث قال: لما قدم المغيرة بن شعبة المدينة ضرب على غلامه أبي لؤلؤة مائة وعشرين درهما، في كل شهر، أربعة دراهم في اليوم، وكان خبيثا إذا نظر إلى السبي الصغار مسح رؤوسهم وبكى وقال: إن العرب أكلت كبدي،
стр. 4296
فلما قدم عمر من مكة جاء أبو لؤلؤة إلى عمر يريده فوجده غاديا إلى السوق وهو متكئ على يد عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين إن سيدي المغيرة يكلفني من الضريبة ما لا أطيق، فقال عمر: وكم كلفك؟ قال: أربعة دراهم في كل يوم، قال: وما تعمل؟ قال: الأرحية، وسكت عن سائر أعماله. قال: في كم تعمل الرحى؟ فأخبره، قال: وبكم تبيعها؟ فأخبره فقال عمر: لقد كلفك يسيرا، انطلق فأعط مولاك ما سألك، فلما ولى قال عمر: ألا تعمل لنا رحى؟ قال: بلى أعمل لك رحى يتحدث بها أهل الأمصار ففزع عمر من كلمته وقال لعلي وكان معه: ما تراه أراد؟ قال:
أوعدك يا أمير المؤمنين. قال عمر: يكفيناه الله، قد ظننت أنه يريد بكلمته غورا. قالوا وكان أبو لؤلؤة من سبي نهاوند.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أبي بكر بن اسماعيل عن أبيه قال: لما طعن عمر هرب أبو لؤلؤة وجعل عمر ينادي: الكلب، الكلب، وطعن نفسه، فأخذ أبو لؤلؤة رهط من قريش: عبد الله بن عوف الزهري، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ورجل، فطرح عليه عبد الله بن عوف خميصة كانت عليه فانتحر بالخنجر حين أخذ، واحتز عبد الله بن عوف رأس أبي لؤلؤة، وقال هشام ابن الكلبي: وثب كليب بن قيس بن بكير الكناني الجزار على أبي لؤلؤة فقتله.
حدثني روح بن عبد المؤمن عن أبي عوانة عن رقبة بن مصقلة عن أبي صخرة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت عمر حين طعن يقول: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (١).
стр. 4297
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا العمري عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان يكتب إلى أمراء الجيوش ألا تجلبوا علينا شيئا من العلوج أحدا جرت عليه الموسى، فلما طعنه أبو لؤلؤة قال: من هذا؟ قالوا: غلام المغيرة بن شعبة. قال: قد قلت لكم:
لا تجلبوا علينا من العلوج أحدا فغلبتموني.
حدثني عمرو الناقد، ثنا يعلى بن عبيد عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: طعن الذي طعن عمر اثني عشر رجلا بعمر، فمات منهم ستة بعمر، وأفرق (١) ستة.
حدثنا سريج بن يونس وعمرو الناقد قالا: ثنا اسماعيل بن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة أن عمر لما طعن جعل يغمى عليه، فقيل إنكم لن تنبهوه أو لم تفزعوه بمثل الصلاة إن كانت به حياة.
فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين الصلاة فقد صلّيت، فانتبه فقال: الصلاة؟ ها الله إذا، ولا حظّ لمن ترك الصلاة. قال: فصلى وإن جرحه ليثغب دما.
وقال الواقدي: حدثني عمر بن أبي عاتكة عن أبيه عن ابن عمر أن عمر صلى الصبح حين طعن فقرأ في الأولى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. وفي الثانية: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾.
حدثنا عفان، ثنا شعبة عن سماك قال: سمعت ابن عباس قال:
دخلت على عمر حين طعن فجعلت أثني عليه، فقال: بأي شيء تثني عليّ يا بن عباس؟ بالإمرة أم بغيرها؟ قال: قلت: بكل، قال: ليتني أخرج منها كفافا بلا أجر ولا وزر.
стр. 4298
حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا جرير بن حازم قال: سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن نافع قال: رأى عبد الرحمن بن عوف السكين الذي قتل به عمر، فقال: رأيت هذا السكين أمس مع الهرمزان وجفينة فقلت: ما تصنعان بهذا السكين؟ فقالا: نقطع به اللحم، فإنا لا نمسّ اللحم فقال له عبيد الله بن عمر: أنت رأيتها معهما؟ قال: نعم، فأخذ عبيد الله سيفه ثم أتاهما فقتلهما، فأرسل إليه عثمان: ما حملك على قتل هذين الرجلين وهما في ذمتنا، فأخذ عبيد الله عثمان فصرعه حتى قام الناس فحجزوه عنه، وكان حين أرسل إليه عثمان أخذ سيفه فتقلده فعزم عليه عبد الرحمن بن عوف أن يضعه فوضعه.
حدثني محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، ثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما حضرت عمر الوفاة قال: أبالإمارة تغيظونني، فوالله لوددت أني أنجو كفافا لا علي ولا لي، قال مالك: فحدث سليمان بن يسار الوليد بن عبد الملك بذلك، فقال له: كذبت. قال سليمان: أو كذبت؟ أبو الحسن علي بن محمد المدائني قال: سمع عمر بكاء من سقيفة النساء وفيهنّ خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون، فأتاهن وخولة تبكي فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: رأيت ديكا أحمر وثب عليك فنقرك ثلاث نقرات، فأوّلت ذاك أن رجلا علجا أحمر يطعنك ثلاث طعنات، فقال: أنّى لي بالشهادة ولست بأرضها وبيني وبين الروم مسيرة أشهر.
المدائني قال: قال عيينة بن حصن لعمر: إن الله قد جعلك فتنة على
стр. 4299
أمة محمد، فقال: كذبت. إنّ ربي ليعلم أني لم أضمر لها غير العدل والإحسان، فقال عيينة: لم أذهب هناك، ولكن يفقدون سيرتك فيضرب بعضهم رقاب بعض، فقال: ما أنا لذلك بآمن، فقال: يا أمير المؤمنين احترس من الأعاجم، وأخرجهم من المدينة، فإني لا آمنهم عليك، فلما طعن قال: ما فعل عيينة؟ قالوا: مات بالحاجر، فقال: إن هناك لرأيا.
قال: وقال عبد الله بن الزبير: دعا عمر أبا لؤلؤة عبد المغيرة فقال له: اعمل لي رحى، فقال: نعم أعمل لك رحى يسمع بها من بين لابتيها (١)، قال: وكان أبو لؤلؤة من سبي نهاوند.
قال المدائني: ومن رواية بعضهم أن عمر افتتح سورة النحل فطعنه أبو لؤلؤة، وجال في الصفوف، فطعن من عرض له قريبا، فرماه رجل ببرنس، كان عليه فصرعه فنحر نفسه، قال: ويقال إن الذي رمى أبا لؤلؤة رجل من بني تميم، ثم من بني رباح يقال له حطان بن مالك. قال: ويقال إنه مات من طعنه أربعة منهم: إياس بن البكير بن عبد ياليل الكناني، وكليب بن قيس الجزار الكناني، فأخبر عمر، فقال: ما كنت أرى كليبا يسبقني إلى الجنة.
المدائني قال: قال الزهري: طعن عمر رضي الله تعالى عنه يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة، وقال غيره لستّ بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وتوفي لهلال المحرم سنة أربع وعشرين، وتوفي ابن ستين سنة وذلك أثبت الأقاويل، قال: وكان مغشيا عليه حتى قيل له الصلاة، فقال: نعم الصلاة، ولا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
стр. 4300
المدائني عن شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: بينا رأس عمر في حجري إذ قال: ضع رأسي بالأرض، قلت:
وما عليك أن يكون في حجري هو أوقى له، قال: ضعه لا أمّ لك، قال فوضعته. فقال: ويل لعمر ولأم عمر إن لم يغفر الله له.
المدائني عن هشام بن لاحق عن عاصم الأحول عن الشعبي أن عمر قال عند موته: ليتني أنجو من الأمر كفافا لا عليّ ولا لي، يا عبد الله بن عمر ضع خدي على الأرض، ويل لعمر وأم عمر إن لم ينجه الله من النار.
المدائني عن عاصم بن عمر عن عبيد الله بن عمر أن كعب الأحبار قال لعمر: يا أمير المؤمنين أنت ميت في ثلاث، أجد ذلك في كتاب الله، قال:
أتجد اسمي ونسبي؟ قال: لا ولكني أجد صفتك وسيرتك، فقال عمر:
أيوعدني كعب ثلاثا أعدها … ولا شكّ أنّ القول ما قال لي كعب
وما بي خوف الموت إني لميّت … ولكن خوفي الذنب يتبعه الذنب
وقال الشاعر:
ليبك على الاسلام من كان باكيا … فقد أوشكوا هلكا وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر أهلها … وقد ملها من كان يؤمن بالوعد
المدائني عن ابراهيم بن محمد عن قيس بن مسلم عن محمد بن الحنفية قال: دخل عليّ على عمر وهو مسجّى فقال: ما أحد من الناس أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجّى.
المدائني عن جويرية بن أسماء عن نافع قال: قال رجل لابن عمر:
أيغسّل الشهيد؟ قال: كان عمر شهيدا فغسل، وكفن وصلي عليه.
حدثنا شيبان بن فروخ الآجري، ثنا عثمان بن مقسم البري عن نافع
стр. 4301
قال: قال المغيرة بن شعبة لعمر: ألا أدلك على القوي الأمين تستخلفه؟ قال: بلى. قال: عبد الله بن عمر، قال: ويحك ما أردت الله بقولك، ولأن يموت فأكفنه بيديّ أحبّ إليّ من أن أوليه وأنا أعلم أن في الناس من هو خير منه.
المدائني عن عبد الله بن فائد وابن جعدبة قالا: لما مات عمر جاء رجل من أصحاب الشورى ليصلي عليه فقال عبد الرحمن بن عوف: إن هذا لهو الحرص، وقدم صهيبا فصلّى، وقال: إن عمر ولى صهيبا الصلاة حتى يجتمع الناس على إمام يختاره الستة ودفن عمر عند غروب الشمس.
وقال أبو عمر الجلحي:
ثلاثة لا ترى عين لهم شبها … تضمّ أعظمهم في المسجد الحجر
المدائني قال: لما مات عمر رضي الله تعالى عنه ندبته ابنة أبي حثمة فقالت:
واعمراه أقام الأود وأبرأ العمد وأمات الفتن وأحيا السنن، واعمراه خرج من الدنيا نقي الثوب بريئا من العيب.
وقالت عاتكة بنت زيد ترثيه:
فجعني فيروز لا درّ درّه … بأبيض تال للقران منيب
عطوف على الأدنى غليظ على العدى … أخي ثقة في النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله … سريع إلى الخيرات غير قطوب
حدثني علي بن الحسين بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ إسرائيل عن كثير النواء عن أبي عبيد مولى ابن عباس عن ابن عباس قال:
كنت مع علي بن أبي طالب فسمعنا الصيحة على عمر فدخلنا عليه، فقالت
стр. 4302
أم كلثوم: واعمراه، وكان معها نسوة يبكين، فارتجّ البيت بكاء، فقال عمر: والله لو أن لي ما على الأرض لافتديت به نفسي من هول المطلع، فقال ابن عباس: والله إني لأرجو ألا تراها إلا قدر ما قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ (١) لقد كنت ما علمناك تقضي بكتاب الله، وتقسم بالسوية.
قال: فضرب على كتفي ابن عباس وقال: تشهد يا بن عباس بهذا؟ قال: نعم أشهد به.
حدثني عفان بن مسلم الصّفار، ثنا أبو عوانة، ثنا داود بن عبد الرحمن عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، ثنا ابن عباس بالبصرة قال: أنا أول من أتى عمر بن الخطاب حين طعن، فقال: احفظ مني ثلاثا فإني أخاف أن لا يدركني الناس: أما أنا فلم أقض في الكلالة، ولم أستخلف خليفة، وكل مملوك لي عتيق. قلت: أبشر بالجنة، صاحبت رسول الله ﷺ فأطلت صحبته ووليت أمر المؤمنين فقويت فيه، وأديت الأمانة. قال: أما تبشيرك إياي بالجنة فوالله الذي لا إله إلا هو لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي، وأما قولك في إمرة المؤمنين فوالله لوددت أني أنجو من ذلك كفافا لا لي ولا عليّ، وأما ما ذكرت من صحبتي لرسول الله ﷺ فذاك.
حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على عمر حين طعن ونحن تسعة عشر فشكا إلينا ألم الوجع.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، وبكر بن الهيثم قالا: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا هارون بن أبي ابراهيم عن عبد الله بن عبيد الله بن
стр. 4303
عمير أن عمر لما طعن سقي لبنا فخرج من جرحه، فلما رأى بياضه بكى، وأبكى الناس حوله، ثم قال: لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع، قالوا: فهذا أبكاك؟ قال: ما أبكاني غيره.
قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين لقد كان إسلامك نصرا، وإمارتك فتحا، ولقد ملأت الأرض عدلا، فقال عمر: أجلسوني، فلما جلس قال: يا بن عباس أعد علي كلامك، فأعاده فقال: أتشهد لي بهذا عند الله يوم تلقاه؟ قال ابن عباس: نعم، فأعجب ذلك عمر وفرح به.
حدثني محمد بن سعد، ثنا يزيد بن هارون عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لما طعن عمر جعل جلساؤه يثنون عليه، فقال: إن من غره عمره لمغرور، والله لوددت أني أخرج منها كما دخلت فيها، والله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع.
حدثني محمد بن سعد، أنبأ يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال حين قتل عمر: مررت على قاتل عمر أبي لؤلؤة فيروز، ومعه جفينة، والهرمزان وهم نجيّ، فلما بغتّهم ثاروا فسقط من بينهم خنجر له رأسان ونصابه وسطه، فانظروا ما الخنجر الذي قتل به عمر فنظروه فإذا هو الخنجر الذي نعته عبد الرحمن فانطلق عبيد الله بن عمر حين سمع ذلك من عبد الرحمن ومعه السيف حتى دعا الهرمزان فلما خرج إليه قال: انطلق معي ننظر إلى فرس لي، وتأخر عنه حتى إذا مضى بين يديه علاه بالسيف، قال عبيد الله: فلما وجد حر السيف قال: لا إله إلا الله، قال عبيد الله: ودعوت جفينة وكان نصرانيا من نصارى الحيرة وكان ظئرا لسعد بن أبي
стр. 4304
وقاص أقدمه المدينة للملح (١) الذي كان بينه وبينه، فكان يعلم الكتاب بالمدينة، فلما علوته بالسيف صلّب بين عينيه، ثم انطلق عبيد الله فقتل ابنة لأبي لؤلؤة صغيرة تدّعي الإسلام، وأراد عبيد الله أن لا يترك يومئذ سبيا بالمدينة إلا قتله، فاجتمع المهاجرون الأولون عليه فنهوه وتوعدوه فقال: والله لأقتلنّهم وغيرهم، وعرض ببعض المهاجرين فلم يزل عمرو بن العاص به حتى دفع إليه السيف، فلما دفعه إليه أتاه سعد بن أبي وقاص فأخذ كل واحد منهما برأس صاحبه يتناصيان حتى حجز بينهما، وأقبل عثمان قبل أن يبايع له في تلك الليالي فكلمه حتى تناصيا، وأظلمت الأرض يوم قتل عبيد الله الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة على الناس، فلما استخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار فقال: أشيروا علي في قتل هذا الذي فتق في الدين ما فتق فأجمع المهاجرون على كلمة واحدة يشايعون عثمان على قتله وجلّ الناس مع عبيد الله يقولون: لجفينة والهرمزان أبعدهما الله، لعلكم تريدون أن تتبعوا عمر ابنه، فكثر اللغط في ذلك والاختلاف، وقال عمرو بن العاص: هذا أمر كان قبل أن يكون لك على الناس سلطان، فأعرض عنه، وتفرق الناس عن خطبة عمرو بن العاص، وودى عثمان الرجلين والجارية.
وقال ابن شهاب: قال حمزة بن عبد الله: قال عبد الله بن عمر: يرحم الله حفصة فإنها ممن شجع عبيد الله على ما فعل من قتلهم.
محمد بن سعد عن الواقدي عن موسى بن يعقوب عن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال: رأيت عبيد الله وإنه ليناصي عثمان وشعر عبيد الله في
стр. 4305
يده وهو يقول له: قاتلك الله قتلت رجلا يصلي، وصبية صغيرة، وآخر من ذمة رسول الله ﷺ ، ما في الحق تركك. فعجب الناس لعثمان حين ولي كيف تركه ولكن عمرو بن العاص لفته عن رأيه.
وقال الواقدي: حدثني عتبة بن جبيرة عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: ما كان عبيد الله يومئذ إلا كالسبع الحرب، وجعل يعترض العجم بالسيف حتى جلس في السجن فكنت أحسب عثمان يقتله إن ولي لما كنت أراه يصنع به، وكان هو وسعد أشد أصحاب النبي ﷺ عليه، ولما استخلف عليّ هرب ولحق بمعاوية.
الواقدي قال: لما تناصى عثمان وعبيد الله جعل عثمان رضي الله تعالى عنه يقول:
لعمري لقد أصبحت تهدر دائبا … وغالت أسود الأرض عنك الغوائل
وجعل عبيد الله يقول:
وما أنا باللحم الغريض تسيغه … فكل من خشاش الأرض إن كنت آكلا
قال وحبسه عثمان ثم أطلقه.
قالوا: وكانت تلك أول مغالظة بين عمار بن ياسر وعثمان في أمر عبيد الله، قال له: اتق الله واقتله بالهرمزان فإنه مسلم قد حج.
وقال الواقدي: تطاول عمرو بن العاص للشورى فقال عمر: اطمئن كما وضعك الله، والله لا أجعل فيها أحدا حمل السلاح على رسول الله ﷺ .
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: إن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا
стр. 4306
لأبناء الطلقاء. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما طمع يزيد بن أبي سفيان ومعاوية أن استعملهما على الشام.
قال الواقدي: قال عمر لعبد الله: ألصق خدي بالتراب، وكان آخر ما تكلم به: ويل لعمر إن لم يغفر الله له، ويح عمر إن لم ينجه الله من النار، وجعل يلوي رجلا على رجل.
المدائني عن جويرية بن أسماء عن جعفر بن محمد قال: دخل عليّ على عمر حين طعن وهو يبكي فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري أيذهب بي إلى الجنة أم إلى النار؟ فقال: ابشر بالجنة فقال: أو تشهد لي بها يا أبا الحسن؟ فقال: نعم سمعت رسول الله ﷺ ويقول: «إن أبا بكر وعمر لمن أهل الجنة».
المدائني قال: قال ابن عباس لعمر رضي الله تعالى عنهما: ما يبكيك وفيك خصال لا يعذبك الله بعدها: إنك إذا قلت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت.
محمد بن سعد عن الواقدي عن موسى بن علي عن أبيه قال: قال عمر: من يدلني على القوي الأمين لهذا الأمر؟ فقال المغيرة: ابن عمر، فقال له عمر: بخ بخ أردت أن أحمدك ولم ترد الله.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن سفيان الثوري عن حسين بن عبد الرحمن عن عمرو بن ميمون أن عمر رضي الله تعالى عنه جعل الشورى إلى الستة، وقال: عبد الله بن عمر معكم وليس له من الأمر شيء.
حدثني محمد بن سعد، ثنا يزيد بن هارون، أنبا ابن عون، ثنا نافع عن ابن عمر أن عمر أوصى إلى حفصة، فإذا ماتت فإلى الأكبر من آل عمر.
стр. 4307
حدثني هدبة بن خالد، ثنا همام عن قتادة قال: أوصى عمر بن الخطاب بالربع.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن عثمان بن عروة قال: كان عمر بن الخطاب قد استسلف من بيت المال ثمانين ألفا، فدعا عبد الله بن عمر فقال له: بع فيها أموال عمر فإن وفت، وإلا فسل بني عدي، وإلا فسل قريشا ولا تعدهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: ألا نستقرضها من بيت المال حتى نؤديها؟ فقال عمر: معاذ الله أن تقول أنت وأصحابك بعدي أما نحن فقد تركنا نصيبنا لعمر، فليزمني تبعته، ثم قال لعبد الله بن عمر: اضمنها، فضمنها، قال: فلم يدفن عمر حتى أشهد بها عبد الله على نفسه أهل الشورى وعدة من الأنصار فما مضت جمعة بعد دفن عمر حتى حمل ابن عمر المال إلى عثمان رضي الله تعالى عنهم، وأحضر الشهود على البراءة ودفع المال.
حدثني محمد بن سعد قال: قال أحمد بن عبد الله بن يونس: ثنا أبو الأحوص عن ليث عن رجل من أهل المدينة قال: أوصى عمر بن الخطاب عبد الله ابنه عند الموت فقال: عليك بخصال الإيمان. قال: وما هن يا أبه؟ قال:
الصوم في شدة أيام الصيف، وقتال الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك ردعة الخبال، فقال: وما ردعة الخبال؟ قال: شرب الخمر.
حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، ثنا حماد بن أبي أسامة، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن أبي راشد أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لابنه: إذا قبضت فاغمضني، واقتصد في الكفن، ولا تخرجنّ
стр. 4308
معي امرأة ولا تزكّوني بما ليس فيّ، فإن الله هو أعلم بي، وأسرعوا في المشي بي فإنه إن يكن لي عند الله خير قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك كنتم قد ألقيتم عن رقابكم شرا.
محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن اسماعيل بن محمد بن سعد عن عامر بن سعد قال: قال عمر: إن وليتم سعدا فسبيل ذاك، وإلا فليستشيره الوالي، فإني لم أعزله عن سخطة.
حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ثنا حماد بن زيد، أنبأ يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن عثمان قال: أنا آخركم عهدا بعمر، دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله بن عمر فقال له: ضع خدي بالأرض. فقال: فخذي والأرض سواء، فقال: ضع خدي بالأرض لا أمّ لك في الثانية أو الثالثة، ثم شبك بين رجليه وقال: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي حتى فاضت نفسه.
حدثني وهب بن بقية، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شعبة عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر ﵁ أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التبنة، ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أكن شيئا، ليتني كنت نسيا منسيا.
حدثني وهب بن بقية، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ جرير بن عثمان، ثنا حبيب بن عبيد الرحبي عن المقدام بن معدي كرب قال: لما أصيب عمر قالت حفصة رضي الله تعالى عنها: يا صاحب رسول الله، ويا أمير
стр. 4309
المؤمنين، فقال لها: أحرّج عليك بما لي عليك من الحق أن تندبيني بعد مجلسك، وأما عيناك فلن أملكهما.
حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا ليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أن عمر نهى أهله أن يبكوا عليه.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، ثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن خالد بن رباح عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن عمر بن الخطاب صلى في ثيابه التي جرح فيها ثلاثا.
حدثني محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، ثنا مالك بن أنس أن عمر استأذن عائشة في حياته، فأذنت له في أن يدفن في بيتها، فلما حضرته الوفاة قال: إذ مت فاستأذنوها فإن أذنت لكم وإلا فدعوها، فإني أخشى أن تكون أذنت لي لسلطاني، فلما مات أذنت لهم.
حدثني محمد بن سعد، ثنا اسماعيل بن عبد الله الأويسي، حدثني أبي عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصاري عن عائشة ﵂ قالت: ما زلت أضع خماري وأتفضّل (١) في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر فيه، فلم أزل متحفظة حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا.
حدثنا عفان، ثنا همام بن يحيى، ثنا قتادة أن عمر طعن يوم الأربعاء ومات يوم الخميس.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن موسى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: أرسل عمر إلى أبي طلحة أن كن في
стр. 4310
خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر، فإنهم سيجتمعون فيما أحسب في بيت أحدهم، فقم على الباب بأصحابك، فلا تترك أحدا يدخل عليهم، ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمّروا أحدهم، اللهم أنت خليفتي عليهم.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن مالك بن أبي الرجال عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: وافى أبو طلحة في أصحابه ساعة قبر عمر رضي الله تعالى عنه فلزم الشورى، فلما جعلوا أمرهم إلى عبد الرحمن بن عوف يختار لهم، لزم أبو طلحة باب ابن عوف بأصحابه حتى بايع عثمان بن عفان.
وقال الواقدي: طعن عمر بن الخطاب يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلة من متوفى أبي بكر رضي الله تعالى عنهما.
قال الواقدي: وقال عثمان بن محمد الأخنسي: توفي عمر لأربع بقين من ذي الحجة، وبويع لعثمان بن عفان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة فاستقبل عثمان بولايته المحرم من سنة أربع وعشرين.
قال الواقدي: وأثبت ما يقال في سنّة أنه توفي ابن ستين سنة، وقد قيل انه توفي ابن ثلاث وستين سنة، وليس ذلك بثبت.
قال: وحدثنا عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن عمر توفي وهو ابن بضع وخمسين سنة.