لأبناء الطلقاء. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما طمع يزيد بن أبي سفيان ومعاوية أن استعملهما على الشام.
قال الواقدي: قال عمر لعبد الله: ألصق خدي بالتراب، وكان آخر ما تكلم به: ويل لعمر إن لم يغفر الله له، ويح عمر إن لم ينجه الله من النار، وجعل يلوي رجلا على رجل.
المدائني عن جويرية بن أسماء عن جعفر بن محمد قال: دخل عليّ على عمر حين طعن وهو يبكي فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري أيذهب بي إلى الجنة أم إلى النار؟ فقال: ابشر بالجنة فقال: أو تشهد لي بها يا أبا الحسن؟ فقال: نعم سمعت رسول الله ﷺ ويقول: «إن أبا بكر وعمر لمن أهل الجنة».
المدائني قال: قال ابن عباس لعمر رضي الله تعالى عنهما: ما يبكيك وفيك خصال لا يعذبك الله بعدها: إنك إذا قلت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت.
محمد بن سعد عن الواقدي عن موسى بن علي عن أبيه قال: قال عمر: من يدلني على القوي الأمين لهذا الأمر؟ فقال المغيرة: ابن عمر، فقال له عمر: بخ بخ أردت أن أحمدك ولم ترد الله.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن سفيان الثوري عن حسين بن عبد الرحمن عن عمرو بن ميمون أن عمر رضي الله تعالى عنه جعل الشورى إلى الستة، وقال: عبد الله بن عمر معكم وليس له من الأمر شيء.
حدثني محمد بن سعد، ثنا يزيد بن هارون، أنبا ابن عون، ثنا نافع عن ابن عمر أن عمر أوصى إلى حفصة، فإذا ماتت فإلى الأكبر من آل عمر.
стр. 4307
حدثني هدبة بن خالد، ثنا همام عن قتادة قال: أوصى عمر بن الخطاب بالربع.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن عثمان بن عروة قال: كان عمر بن الخطاب قد استسلف من بيت المال ثمانين ألفا، فدعا عبد الله بن عمر فقال له: بع فيها أموال عمر فإن وفت، وإلا فسل بني عدي، وإلا فسل قريشا ولا تعدهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: ألا نستقرضها من بيت المال حتى نؤديها؟ فقال عمر: معاذ الله أن تقول أنت وأصحابك بعدي أما نحن فقد تركنا نصيبنا لعمر، فليزمني تبعته، ثم قال لعبد الله بن عمر: اضمنها، فضمنها، قال: فلم يدفن عمر حتى أشهد بها عبد الله على نفسه أهل الشورى وعدة من الأنصار فما مضت جمعة بعد دفن عمر حتى حمل ابن عمر المال إلى عثمان رضي الله تعالى عنهم، وأحضر الشهود على البراءة ودفع المال.
حدثني محمد بن سعد قال: قال أحمد بن عبد الله بن يونس: ثنا أبو الأحوص عن ليث عن رجل من أهل المدينة قال: أوصى عمر بن الخطاب عبد الله ابنه عند الموت فقال: عليك بخصال الإيمان. قال: وما هن يا أبه؟ قال:
الصوم في شدة أيام الصيف، وقتال الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك ردعة الخبال، فقال: وما ردعة الخبال؟ قال: شرب الخمر.
حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، ثنا حماد بن أبي أسامة، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن أبي راشد أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لابنه: إذا قبضت فاغمضني، واقتصد في الكفن، ولا تخرجنّ
стр. 4308
معي امرأة ولا تزكّوني بما ليس فيّ، فإن الله هو أعلم بي، وأسرعوا في المشي بي فإنه إن يكن لي عند الله خير قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك كنتم قد ألقيتم عن رقابكم شرا.
محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن اسماعيل بن محمد بن سعد عن عامر بن سعد قال: قال عمر: إن وليتم سعدا فسبيل ذاك، وإلا فليستشيره الوالي، فإني لم أعزله عن سخطة.
حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ثنا حماد بن زيد، أنبأ يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن عثمان قال: أنا آخركم عهدا بعمر، دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله بن عمر فقال له: ضع خدي بالأرض. فقال: فخذي والأرض سواء، فقال: ضع خدي بالأرض لا أمّ لك في الثانية أو الثالثة، ثم شبك بين رجليه وقال: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي حتى فاضت نفسه.
حدثني وهب بن بقية، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شعبة عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر ﵁ أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التبنة، ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أكن شيئا، ليتني كنت نسيا منسيا.
حدثني وهب بن بقية، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ جرير بن عثمان، ثنا حبيب بن عبيد الرحبي عن المقدام بن معدي كرب قال: لما أصيب عمر قالت حفصة رضي الله تعالى عنها: يا صاحب رسول الله، ويا أمير
стр. 4309
المؤمنين، فقال لها: أحرّج عليك بما لي عليك من الحق أن تندبيني بعد مجلسك، وأما عيناك فلن أملكهما.
حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا ليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أن عمر نهى أهله أن يبكوا عليه.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، ثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن خالد بن رباح عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن عمر بن الخطاب صلى في ثيابه التي جرح فيها ثلاثا.
حدثني محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، ثنا مالك بن أنس أن عمر استأذن عائشة في حياته، فأذنت له في أن يدفن في بيتها، فلما حضرته الوفاة قال: إذ مت فاستأذنوها فإن أذنت لكم وإلا فدعوها، فإني أخشى أن تكون أذنت لي لسلطاني، فلما مات أذنت لهم.
حدثني محمد بن سعد، ثنا اسماعيل بن عبد الله الأويسي، حدثني أبي عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصاري عن عائشة ﵂ قالت: ما زلت أضع خماري وأتفضّل (١) في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر فيه، فلم أزل متحفظة حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا.
حدثنا عفان، ثنا همام بن يحيى، ثنا قتادة أن عمر طعن يوم الأربعاء ومات يوم الخميس.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن موسى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: أرسل عمر إلى أبي طلحة أن كن في
стр. 4310
خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر، فإنهم سيجتمعون فيما أحسب في بيت أحدهم، فقم على الباب بأصحابك، فلا تترك أحدا يدخل عليهم، ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمّروا أحدهم، اللهم أنت خليفتي عليهم.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن مالك بن أبي الرجال عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: وافى أبو طلحة في أصحابه ساعة قبر عمر رضي الله تعالى عنه فلزم الشورى، فلما جعلوا أمرهم إلى عبد الرحمن بن عوف يختار لهم، لزم أبو طلحة باب ابن عوف بأصحابه حتى بايع عثمان بن عفان.
وقال الواقدي: طعن عمر بن الخطاب يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلة من متوفى أبي بكر رضي الله تعالى عنهما.
قال الواقدي: وقال عثمان بن محمد الأخنسي: توفي عمر لأربع بقين من ذي الحجة، وبويع لعثمان بن عفان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة فاستقبل عثمان بولايته المحرم من سنة أربع وعشرين.
قال الواقدي: وأثبت ما يقال في سنّة أنه توفي ابن ستين سنة، وقد قيل انه توفي ابن ثلاث وستين سنة، وليس ذلك بثبت.
قال: وحدثنا عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن عمر توفي وهو ابن بضع وخمسين سنة.
стр. 4311
قال الواقدي: وحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: توفي عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة.
حدثني محمد بن صباح البزاز، ثنا هشيم عن علي بن زيد عن سالم بن عبد الله قال: توفي عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة.
حدثني محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، ثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن عمر أن عمر غسّل وكفّن وصلّي عليه، وكان شهيدا.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ومحمد بن حاتم المروزي قالا: ثنا عبد الله بن نمير، ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر غسل وكفن، وصلي عليه، وكان شهيدا.
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ، وأحمد بن ابراهيم الدورقي، قالا: ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة عن الحجاج بن أرطاة عن فضيل بن عبد الله بن معقل: إن عمر أوصى ألا يغسلوه بمسك ولا يقربوه مسكا.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر أن عمر رضي الله تعالى عنه غسل ثلاثا بالماء والسّدر.
حدثني محمد بن سعد، ثنا وكيع ومحمد بن عبد الله الأودي (١)، ثنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر أن عمر كفن في ثلاثة أثواب، قال وكيع: ثوبين سحوليين، وقال محمد بن عبد الله: ثوبين صحاريين، وقميص كان يلبسه.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن سعد بن بشير عن قتادة عن الحسن أن عمر رضي الله تعالى عنه كفن في قميص وحلة.
стр. 4312
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ومحمد بن سعد، وبكر بن الهيثم، ومحمد بن حاتم المروزي، قالوا: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا الحجاج بن أرطاة عن فضيل عن عبد الله بن معقل أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لا تجعلوا في حنوطي مسكا.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن قيس بن الربيع عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الفضيل بن عمر قال: أوصى عمر أن لا يتبع بنار، ولا تتبعه امرأة، ولا يحنط بمسك.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن سعد قال: حدثني من سمع عكرمة بن خالد يقول: لما وضع عمر ليصلى عليه أقبل علي وعثمان جميعا واحدهما آخذ بيد الآخر، فقال كل واحد منهما: قم يا أبا يحيى فصلّ عليه، فصلى عليه صهيب.
وقال الواقدي: حدثني طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه عن سعيد قال: لما توفي عمر نظر المسلمون فإذا صهيب يصلي بهم المكتوبات بأمر عمر، فقدموا صهيبا فصلى على عمر.
وقال الواقدي: حدثني موسى بن يعقوب عن أبي الحويرث قال: قال عمر فيما أوصى به: إن قبضت فليصل بكم صهيب ثلاثا، ثم أجمعوا أمركم فبايعوا أحدكم، فلما مات عمر ووضع ليصلى عليه أقبل عليّ وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن بن عوف: إن هذا لهو الحرص على الإمارة، لقد علمتما ما هذا إليكما ولقد أمر به غيركما، تقدم يا صهيب فصلّ عليه، فتقدم صهيب فصلى عليه.
стр. 4313
حدثني محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم، ثنا عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر قال: صلي على عمر في مسجد النبي ﷺ .
حدثني محمد بن سعد، ثنا الفضل بن دكين، ثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن عمر صلي عليه في المسجد.
حدثني محمد بن سعد، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا خالد بن الياس عن صالح بن أبي حسان قال: سأل علي بن الحسين سعيد بن المسيب: من صلى على عمر؟ فقال: صهيب. قال: كم كبر عليه؟ قال: أربعا.
حدثني محمد بن سعد عن أبي نعيم عن خالد بن الياس عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه أن صهيبا كبر على عمر أربعا.
حدثني أبو بكر الأعين ومحمد بن سعد قالا: ثنا الفضل بن دكين عن خالد بن الياس عن صالح بن يزيد مولى الأسود قال: كنت عند سعيد بن المسيب فمر عليه علي بن الحسين ﵉ فقال: أين صلي على عمر؟ فقال سعيد: بين القبر والمنبر.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، حدثني عبد الله بن الحارث بن أبي الحويرث عن جابر قال: نزل في قبر عمر: عثمان بن عفان، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن عمر.
قال الواقدي: ثنا خالد بن أبي بكر قال: دفن عمر في بيت النبي ﷺ ، وجعل رأس عمر عند حقوي النبي ﷺ ، وجعل رأس أبي بكر عند كتفي النبي ﷺ .
حدثنا سويد بن سعيد الأنباري، ثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة قال: لما سقط الحائط على قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄
стр. 4314
في زمن الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي ﷺ فما وجدوا أحدا يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: والله ما هي قدم النبي ﷺ ، وما هي إلاّ قدم عمر.
حدثني محمد بن سعد وابراهيم بن مسلم الوكيعي قالا: ثنا وكيع بن الجراح، ثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قالت أم أيمن يوم أصيب عمر رضي الله تعالى عنه: اليوم وهي الإسلام، وقال طارق: كان ظن عمر كيقين رجل.
حدثني محمد بن حاتم، ثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن خلف بن خليفة سمعه يحدث عن أبيه عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أنه قال يوم مات عمر رضي الله تعالى عنه: اليوم أصبح الإسلام موليّا ما رجل بأرض فلاة يطلبه العدو فيحذره، بأشد فرارا من الإسلام اليوم.
حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن سالم المرادي، ثنا بعض أصحابنا قال: جاء عبد الله بن سلام وقد صلّي على عمر فقال: والله لئن سبقتموني بالصلاة عليه لا تسبقوني بالثناء، فقام عند سريره، فقال: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر. جوادا بالحق، بخيلا بالباطل، ترضى حين الرضا، وتغضب حين الغضب، عفيف الطرف طيب الظرف لم تكن مداحا ولا مغتابا، ثم جلس.
حدثنا إسحاق الفروي أبو موسى، وعمرو بن محمد قالا: ثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن عليا دخل على عمر رضي الله تعالى عنهما وهو مسجى فقال: ما على الأرض أحد ألقى الله بصحيفته أحبّ إلي من هذا المسجى بينكم.
стр. 4315
حدثني وهب بن بقية ومحمد بن خالد الطحان قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنبأ فضيل بن مرزوق عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: نظر علي إلى عمر وهو مسجى فقال: ما أحد أحب إليّ أن ألقى الله بمثل صحيفته من هذا المسجى.
حدثنا أبو الربيع الزهراني وخلف البزار قالا: ثنا حماد بن زيد عن أيوب وعمرو بن دينار وأبي جهضم قالوا: لما مات عمر دخل عليه عليّ فقال:
رحمك الله، ما على الأرض أحد أحب إليّ أن ألقى الله بما في صحيفته من هذا المسجى.
حدثني محمد بن سعد، ثنا الفضل بن عنبسة الخزاز الواسطي ثنا شعبة عن الحكم بن زيد بن وهب قال: بينا ابن مسعود قد ذكر عمر فبكى حتى ابتلّ الحصى من دموعه وقال: كان حصنا للإسلام حصينا يدخلون فيه ولا يخرجون منه، فلما مات عمر انثلم الحصن فالناس يخرجون من الإسلام ولا يدخلون.
حدثنا خلف بن هشام، ثنا حماد بن زيد عن عبد الله بن المختار عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل قال: قدم علينا عبد الله بن مسعود فنعى إلينا عمر، فلم أر يوما كان أكثر باكيا وحزينا منه، ثم قال: والله لو أعلم أن عمر كان يحب كلبا لأحببته، والله إني لأحسب العضاة (١) قد وجدت فقد عمر.
حدثني محمد بن سعد عن محمد بن عمر الواقدي عن عبد الملك بن زيد من ولد سعيد بن زيد عن أبيه قال: بكى سعيد بن زيد فقال له قائل: يا
стр. 4316
أبا الأعور ما يبكيك؟ فقال: أبكي على الإسلام، إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا تسد إلى يوم القيامة.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن اسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن زياد بن أبي بشير عن الحسن قال: إن أهل بيت لم يجدوا فقد عمر لأهل سوء (١).
وقال الواقدي: قال أبو عبيدة بن الجراح يوما وهو يذكر عمر: إن مات عمر رقّ الإسلام، ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وأني أبقى بعد عمر، فقال له قائل: ولم؟ قال: لأنه إن ولي وال بعد عمر فأخذهم بما كان عمر يأخذهم به لم يطعه الناس بذلك ولم يحتملوه، وإن صعب (٢) عليهم قتلوه.
حدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا إسحاق بن سليمان عن جعفر بن سليمان عن أبي التياح عن زهدم الجرمي عن حذيفة أنه قال يوم مات عمر: اليوم نزل المسلمون على حافة الإسلام.
حدثني عمرو الناقد، ثنا الفضل بن دكين، ثنا سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: كان الإسلام في زمن عمر كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا، فلما قتل عمر كان كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا.
حدثني محمد بن سعد، ثنا عبد الله بن بكر السهمي عن حميد الطويل قال: قال أنس: لما أصيب عمر قال أبو طلحة: ما من أهل بيت من العرب حاضر ولا باد إلا وقد دخل عليهم بقتل عمر نقص.
стр. 4317
حدثنا عمرو بن محمد، ووهب بن بقية قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنبأ حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن أصحاب الشورى اجتمعوا: فلما رآهم أبو طلحة وما يصنعون قال: كنت لأن تتدافعوها أخوف مني لأن تتنافسوا فيها، فوالله ما أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم ودنياهم.
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال عليّ ﵇: ما أحد أحبّ إليّ أن ألقى الله بصحيفته إلا هذا المسجى بينكم.
حدثنا عفان، ثنا حماد بن زيد، أخبرني أبو جهضم، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس أن العباس قال: كان عمر لي خليلا، فلما توفي لبثت حولا أدعو الله أن يرينيه في المنام، فرأيته على رأس الحول يمسح العرق عن جبهته، فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعل بك ربك؟ قال: هذا أوان فرغت، وإن كاد عرشي ليهدّ لولا أني لقيت ربا رؤوفا رحيما.
حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا ابن شهاب عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عمارة عن ابن عباس قال: دعوت الله سنة أن يريني عمر فرأيته في المنام فقال: كاد عرشي يهوي لولا أني وجدت ربا رحيما.
واما عبد الله بن عمر الخطاب (١)
ويكنى أبا عبد الرحمن فكان رضي الله تعالى عنه بارع الفضل، مبرز الزهد، وأراد عليّ ﵇ أن يوليه الشام فأبى وعرضت عليه الخلافة
стр. 4318
فأباها وقد ذكرنا له أخبارا فيما تقدم من كتابنا هذا في المغازي وغيرها، وكانت أمه وأم حفصة رضي الله تعالى عنها زينب بنت مظعون الجمحي.
وقال أبو اليقظان: كره عبد الله بيعة علي، وبايع عبد الملك بن مروان خوفا على نفسه (١).
وقال أبو اليقظان: رأت حفصة لعبد الله رؤيا قصتها على النبي ﷺ فقال: نعم الرجل أخوك لو كان يكثر الصلاة من الليل، فكان بعد ذلك أكثر الناس صلاة.
قال: وسمع رجلا من أهل العراق يستفتي في محرم قتل جرادة، وآخر يستفتي في قتل قملة، وآخر يستفتي في نملة، فقال: وا عجبا لأهل العراق يقتلون ابن بنت نبيهم ويستفتون في قتل الجرادة، والقملة، والنملة.
المدائني عن ابن جعدبة قال: قيل لابن عمر: ألا تقاتل مع علي؟ فقال: أنا مثل البعير الرازح، فقال له رجل: لو كان الناس كلهم مثلك ما قام الدين. فقال: ويحك لو كان الناس كلهم مثلي ما بالت أمك ألا تغلق عليها بابها.
قال: وقال بعض أصحاب النبي ﷺ : ما فينا معشر أصحاب محمد أحد إلا ولو قيل فيه لصدّق عنه، غير عبد الله بن عمر، فإنه لم يدخل في شيء من الفتن.
قال: وبقي عبد الله بن عمر إلى زمن عبد الملك، فيزعمون أن الحجاج دسّ له رجلا فسمّ زج رمحه وجعله في طريقه فطعنه في ظهر قدمه، فدخل عليه الحجاج يعوده، فقال: يا أبا عبد الرحمن من أصابك؟
стр. 4319
قال: أنت أصبتني، قال: لا تقل هذا رحمك الله، قال: حملت السلاح في بلد لم يحمل فيه قبلك، فمات فصلي عليه عند الردم.
قال الواقدي: وطيء ابن عمر على زج بعض أصحاب الحجاج: فقال له: من أصابك بهذا؟ قال: أنت وأصحابك، يقول لأنكم أدخلتم مكة السلاح.
وقال الواقدي: شهد عبد الله بن عمر الخندق وما بعده، وكان إسلامه مع إسلام أبيه بمكة وهو صغير ومات في سنة أربع وسبعين بمكة، ودفن بفخ وهو ابن أربع وثمانين سنة.
وحدثني محمد بن سعد عن الفضل بن دكين أبي نعيم قال: توفي ابن عمر في سنة ثلاث وسبعين.
وقال الهيثم بن عدي: مات بعد ابن الزبير بشهرين أو ثلاثة أشهر.
وحدثني الحسين بن الأسود عن ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضرب ولده على اللحن، ولا يضربهم على الخطأ في القرآن.
حدثني مصعب عن ابن الدرّاوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضرب بنيه على اللحن، قال: وكان رجل يصلي إلى جنب ابن عمر، فكان يلحن فأرسل إليه: إما أن تتنحى عنا وإما أن نتنحى عنك.
حدثني روح بن عبد المؤمن عن غندر عن شعبة عن عقيل بن طلحة عن أبي الخصيب قال: جاء ابن عمر إلى رجل فقام الرجل عن مجلسه فلم يقعد فيه ابن عمر وقعد في مكان آخر، وقال: «قام رجل لرجل عن مجلسه عند رسول الله ﷺ فنهاه أن يجلس فيه».
стр. 4320
حدثني محمد بن سعد، ثنا يحيى بن عباد، ثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه حدث عن النبي ﷺ : «بأن من شهد جنازة فله قيراط» فقال ابن عمر: انظر ما تحدث به يا أبا هريرة فإنك تكثر الحديث عن النبي ﷺ ، وأخذ بيده حتى أتى عائشة فصدقت أبا هريرة، فقال أبو هريرة: يا أبا عبد الرحمن إنه والله ما كان يشغلني عن النبي ﷺ غرس الوديّ (١)، ولا الصفق بالأسواق. فقال ابن عمر: أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول الله وأحفظنا لحديثه.
حدثني محمد بن سعد وأبو بكر الأعين قالا: ثنا زهير بن معاوية عن محمد بن سوقة عن أبي جعفر قال: لم يكن من أصحاب رسول الله ﷺ أحد أجدر ألا يزيد في حديث سمعه من رسول الله ﷺ ، ولا ينقص منه، ولا كذا ولا كذا من عبد الله بن عمر بن الخطاب (٢).
حدثنا سريج بن يونس، ثنا اسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن حميد بن هلال قال: قال عبد الله بن عمر: ذر ما لست منه في شيء، ولا تنطق فيما لا يعنيك، وأحرز لسانك كما تحرز دراهمك، قال: وقال يونس: أما والله إن أحدهما لأشد عليك إضاعة.
حدثني الأعين عن روح بن عبادة عن أيوب بن محمد اليمامي عن طيسلة أنه سأل عبد الله بن عمر. من المؤمن؟ فقال: من إذا نزل بعقوته عارف أو منكر أمنه على دمه وماله.
حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه عن شعبة عن عمرو بن دينار
стр. 4321
قال: قال ابن عمر: لا تموتنّ وأحد يطلبك بدين فيؤخذ له من حسناتك.
حدثني الأعين عن روح بن عبادة عن شعبة عن توبة العنبري أن عبد الله بن عمر قال لرجل من العبلات من قريش: احفظ عني ثلاثا: لا تموتنّ وعليك دين ولا له وفاء، ولا تنتفينّ من ولدك فتفضحه في الدنيا، ويفضحك الله به يوم القيامة، وانظر إلى الركعتين قبل صلاة الصبح فلا تدعهما فإن فيهما الرغائب.
حدثني أبو حفص السامي عن حماد بن عمرو النصيبي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال: من لم يقنع حسد، ومن حسد هلك.
حدثنا عبد الله بن أبي أمية البصري، ثنا حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: كان عبد الله بن عمر يقول: يعدّ الحلم والجود والسؤدد، ويعد العفاف وإصلاح المال من المروءة.
المدائني عن محمد بن عبد الملك قال: كتبت أم ولد لمروان بن الحكم إلى وكيل لها بالمدينة: ابتع لي غلاما عالما بالسنّة، قارئا لكتاب الله، فصيح اللسان، عفيفا. فكتب إليها: قرأت كتابك وطلبت لك غلاما على ما وصفت فلم أجده إلاّ عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد رأى أهله ألا يبيعوه.
حدثنا عفان، ثنا معمر، أنبأ منصور عن الحكم أن ابن عمر قال:
لا يعيب الرجل حقيقة الإيمان حتى يترك المراء وهو صادق، والكذب وهو مازح.
حدثنا بسام الجمال عن حماد بن سلمة عن علي بن الحكم عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا مدح ابن عمر فحثا نحو وجهه التراب بأصابعه وقال: قال
стр. 4322
رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب».
المدائني عن ابن أبي الزناد عن أبيه أن عبد الله بن عمر قال لابنه واقد:
انسب نفسك وأمهات أبيك، فلم يعرف ذلك، فقال: يا بني إن من لم يعرف نسبه لم يصل رحما، ولم يقض حقا، قال: وقال عبد الله بن عمر:
تعلّموا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فربّ رحم قد قطعت لجهل صاحبها بها.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا روح بن عبادة عن ابن عون عن ابن سيرين قال: كنا عند ابن عمر فجاء رجل فقال له ابن عمر وهو يمازحه: إنك لتحبّ الفتنة. فاغتم الرجل لذلك ووجم، فضحك ابن عمر وقال: ويحك ألست تحب المال والولد؟ ثم تلا: ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١).
حدثني محمد بن أبان الواسطي عن أبي هلال عن بكر المزني أن ابن عمر سئل عن شيء فقال: لا علم لي به، ثم قال لنفسه: أحسن ابن عمر، سئل عن شيء لا يعرفه فقال: لا علم لي به.
حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن ابن عباس أن أشعب الطماع أبا العلاء كان يقول: حدثني ابن عمر، وكان يبغضني في الله.
وقال أبو الحسن المدائني قالت أم أشعب لأشعب: ويلك إلزم عبد الله بن عمر، فأتاه فلما قام من مجلسه قال له: أن أمي أمرتني أن ألزمك فلا تبرح، فقيل لأمه فجاءت إليه فقالت: يا عدو الله إنما أمرتك أن تجلس إليه وتسمع منه.
стр. 4323
حدثني الحسن بن عثمان الزيادي، ثنا روح بن عبادة عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال: مرّ ابن عمر على راع فقال له: يا راعي. أتبيع شاة من هذه الغنم؟ فقال: إني لا أملكها، وإنما استرعانيها رجل، فقال: تقول لصاحبها: أكلها الذئب. قال: أما إنك سمح بدينك، فماذا أقول لله غدا؟ فقال ابن عمر: هل منكم أحد معه ثوب؟ فضنّ القوم بثيابهم، فأخذ عمر رداءه، أو قال إزاره، فلما رأى القوم ذلك قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذه ثيابنا. قال: لا، وألقى الرداء أو الإزار إلى الراعي.
وحدثني عمرو بن بكير عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي أن ابن عمر مر يوما براع مملوك فقال له: ألا تبيعنا شاة من غنمك؟ فقال:
إنها ليست لي، إنما أنا عبد أسترعيها، قال ابن عمر فأين العلل؟ قال الغلام: فأين الله، فاشتراه ابن عمر فأعتقه، وابتاع الغنم فوهبها له.
وقال غير الهيثم: لما أعتقه قال: أسأل الذي رزقني العتق الأصغر أن يعتقك العتق الأكبر، ويقال إنه قال: أسأل الذي اعتقني العتق الأصغر من الرق أن يعتقك العتق الأكبر من النار.
وحدثني أبو الوليد بن صالح عن الواقدي أن عبد الله بن عمر وطيء زجّا من أزجّة أصحاب الحجاج فمرض، فعاده الحجاج فقال له: كيف كان هذا؟ قال: سل أصحابك. فكانوا يرون أن الحجاج دس من ألقاه في طريقه إلى المسجد.
المدائني قال: صلى أشعب فخفف صلاته فقال ابن عمر: ويحك لقد خففت صلاتك، فقال: إنه لم يخالطها رياء.
حدثني عمر بن شبه، ثنا أبو عاصم عن حبيب بن حجر القيسي عن
стр. 4324
الأزرق بن قيس الحارثي قال: جلس ابن عمر إلى رجل مذكّر، فجاء رجل يستفتيه فقال له ابن عمر: لا تحل بيننا وبين الذكر.
ولعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أحاديث، قد ذكرناها فيما تقدم من كتابنا.
قال أبو عبيد: وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: إني وأخي عاصما لا نشاتم أحدا، قال ونازع عاصم بن عمر رجل في أرض ادعياها، فقال الرجل: إن كنت رجلا فضع رجلك فيها، فقال له عاصم: وقد بلغ بك الغضب ما أرى، إن كانت لك فهي لك، وإن كانت لي فهي لك، فاستحيا منه الرجل وتركها وأبى عاصم أن يقبلها (١).
стр. 4325
فولد عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه عبد الله، أمه صفية، بنت أبي عبيد الثقفي، وخاله المختار بن أبي عبيد.
وعبيد الله كان أسنّ من أخيه عبد الله بن عبد الله.
وسالم بن عبد الله أمه أم ولد.
وعاصم بن عبد الله.
وحمزة بن عبد الله ويكنى أبا عمارة.
وبلال بن عبد الله.
وواقد بن عبد الله.
وزيد بن عبد الله.
والمجبر بن عبد الله وبنات كانت إحداهن عند عروة بن الزبير، وكانت أخرى عند عمرو بن عثمان بن عفان.
وأخبرني بعض العمريين أن المجبر سقط فجبر في مواضع.
وأما عبد الله بن عبد الله بن عمر
فأوصى إليه أبوه، وكان من رجال قريش ومات بالمدينة في أول خلافة هشام وله عقب بالمدينة. ومن ولده:
стр. 4326
عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر، ولي كرمان للمهدي أمير المؤمنين، ثم ولاه موسى الهادي بالمدينة.
وأخوه عبد الله بن عبد العزيز، كان زاهدا عابدا، وهلك في بادية بقرب المدينة.
ومن ولد عبد الله بن عمر:
خالد بن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ومات خالد هذا سنة اثنتين وستين ومائة، وروي عنه الحديث.
وأما سالم بن عبد الله بن عمر
﵃، فكان يكنى أبا عمر، وكان من خيار المسلمين وعبّادهم وفقهائهم، وهلك بالمدينة، فصلى عليه هشام بن عبد الملك في سنة ست ومائة، ودفن بالبقيع، وكان هشام حج في تلك السنة فقال: ما أدري أيّ الأمرين أسرّ إليّ: تمام حجي أم صلاتي على أبي عمر.
وقال الهيثم بن عدي: مات سالم في سنة ثمان ومائة.
المدائني عن ابن جعدبة عن عكرمة بن خالد قال: قال الوليد بن عبد الملك لسالم بن عبد الله بن عمر - وذكر له زهده: ما أدمك؟ قال: الخل والزيت، قال: فما تأجمهما (١)؟ قال: بلى، قال: فما تصنع إذا أجمتهما؟ قال: أدعهما حتى أشتهيهما.
وكان جعفر بن سالم بن عبد الله بن عمر فقيها، وروى عن أبيه، والقاسم بن محمد.
стр. 4327
وأما عاصم بن عبد الله بن عمر
﵀: فولد محمدا، وعقبه بالكوفة.
وأما واقد بن عبد الله بن عمر: فسقط من بعيره وهو محرم فهلك.
وفي عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر يقول الشاعر، وكان عبد الله بن واقد ذا هيئة وجسم:
أحب من النسوان كل خريدة … لها حسن عباد وجسم ابن واقد
يعني عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير.
وقد روى عبد الله بن واقد عن ابن عمر وحدث عنه يحيى بن سعيد، وأسامة بن زيد، ومات عبد الله بن واقد في سنة عشر ومائة.
وأما بلال بن عبد الله بن عمر،
فكان أشجّ، وكان أبوه عبد الله يقول: يا بلال أرجو أن تكون أشجّ ولد عمر، فهلك صغيرا ولا عقب له.
وكان أبو بكر محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقيها، ومات بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بسنتين، ومات أخوه عمر بن محمد بن زيد بعده بقليل.
وقال الواقدي: كان من المحدثين من ولد عبد الله بن عمر: عبد الرحمن بن المجبّر بن عبد الله بن عمر وقد رأيته ومات حديثا.
وأما عبيد الله بن عمر بن الخطاب
﵃، فقد ذكرنا له أخبارا، وذكرنا مقتله بصفين مع معاوية، وكان شديد البطش، وأمه خزاعية.
стр. 4328
وولد عبيد الله بن عمر: أبا بكر، أمه أسماء بنت عطارد بن حاجب.
وعثمان، وأم عيسى أمهما من بني البكاء، وكانت أم عيسى عند يحيى بن سعيد بن العاص، وكانت أم سلمة بنت أبي بكر بن عبيد الله عند الحجاج بن يوسف.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: قدم الحرّ بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب المدينة على عبد الله بن عمر فقال: أنا الحر بن عبيد الله ابن أخيك. فقال: أنت ابن أخي الشيطان، لست أدخل في هذا النسب أحدا إلاّ بثبت فإن كانت عندك بينّة وإلاّ فاذهب، فانصرف مغضبا فمر بعاصم بن عمر بن الخطاب، وكان عاصم عالما بالقيافة فقال: ردوا عليّ هذا الغلام فلئن كان لعبيد الله ابن إنه لهذا، فقال: يا غلام من أنت؟ قال: أنا الحرّ بن عبيد الله، قال: مرحبا بك أنت ابن أخي لعمري، فقبله آل عاصم وزوّجوا ولده نساءهم، وأباهم عبد الله بن عمر وولده.
ووقد بين الحرّ وبين عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب مشاجرة، وكانا بحّران فنفاه فاستعدى عليه الوليد بن عبد الملك - وقال بعضهم هشاما - فقال عبد الحميد: اكتب إلى قوم - سمّاهم - من أهل المدينة ليأتيك من أمره ما تحكم به بيننا. فلما جاءه جواب كتابه قال: إن شئتم فضضت الكتاب وحكمت بما فيه، وإن شئتم أن تدعوه وأنتم على ما أنتم عليه فعلتم، فقال عبد الحميد: فضّه. وقال الآخر: لا تفضه.
فتركوا على ذلك فهم يعيرون بالكتاب. وزوّجهم بعد أبو بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر فلحقوا بهم، وثبت نسبهم فلا يعلم اليوم أحد يدفعهم.
ويقال إن عبيد الله كان اكتسب أمة من الكوفة، فنال منها، ثم خرج
стр. 4329
وتركها فولدت بعده الحرّ، وولد الحر: البختري بن الحر، ولولد البختري عدد بحران.
وقال مصعب الزبيري: كانت أم الحر أمة لعبيد الله فوقع عليها فاشتملت على ولد وهو لا يدري ثم إنه غضب عليها فضربها وطلبت إليه فيها امرأة من بني أسد فوهبها لها، فولدت عندها، فباعتها من جرير بن عبد الله البجلي، فقالت لجرير: إن هذا ابن عبيد الله بن عمر، فقال جرير:
ما كنت لأستعبد ابنا لعمر (١).
وأما عاصم بن عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه فكان صالحا عاقلا.
حدثني أبو بكر الأعين عن روح بن عبادة عن السريّ بن يحيى عن محمد بن سيرين قال: قال فلان: ما رأيت رجلا إلاّ وقد يتكلم ببعض ما لا يريد غير عاصم، وكان بين عاصم يوما وبين رجل شيء فأنشأ عاصم يقول:
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى … له هفوة فيما بقي آخر الدهر
وكان عاصم طلّق أم عمارة بنت سفيان بن عبد الله الثقفي، ثم ندم فقال:
ولما رأيت أنني غير صابر … وقد فاتني يا أم عمارة الركب
стр. 4330
ركبت على وجناء يوما فأدركت … بي القوم مرداة عثانينها صهب (١)
على شرف البيداء حتى تطخطخ الظ (٢) … لام ودون النجم من طخية حلب
وقال الواقدي: سمع عاصم من أبيه، ومات سنة سبعين، وكان يكنى أيضا أبا عمرو. وفي عاصم يقول معن بن أوس المزني:
تعرّض للأبواب أبواب عاصم … تعرض مملال لها غير لازم
فلما رأى أن غاب عنه شفيعه … وأخلفه ما يرتجي عند عاصم
رمى سدف الظلماء واحتفر السرى … بمرجمة أود هنات مراجم
فولد عاصم: حفص بن عاصم، وحفصة، وأم عاصم، وأم مسكين، وقد ذكرنا أخبارهن ولهاتين يقال: ليس حفصة من رجال أم عاصم (٣).
ومن ولد عاصم بن عمر: عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر، خرج على أبي العباس أمير المؤمنين، وأما أبو شحمة بن عمر فلا عقب له.
وأما زيد بن عمر
فقتل في حرب زجاجة وسنذكرها إن شاء الله.
وأما عبد الرحمن بن عمر،
وهو المجبّر، لقّب بذلك، ويقال هو أبو المجبر، فكان له ولد بادوا ولا عقب له.
وقال ابن الكلبي: ولي عاصم بن عمر بن الخطاب صدقات غطفان.
وقال: كان أبو بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر شريفا ناسكا.
стр. 4331
وولي عبد الرحمن بن سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر شرطة المدينة.
وولي عمر بن عبد العزيز بن عبيد الله بن عبيد الله بن عمر شرط المدينة أيضا.
وقال بعض من روى عن ابن الكلبي: هو عمر بن عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ولي شرط المدينة، والأول أثبت.
وأبو بكر بن عمر بن حفص بن عاصم: ولي القضاء لمحمد بن خالد القسري.
وابنه عمرو بن أبي بكر. ولي القضاء بالأردن.
وعبيد الله بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله ولي القضاء.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ولي القضاء.
وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عامر، روى عن ابن عمر، وحدث عنه يحيى بن سعيد، وأسامة بن زيد. مات سنة سبع عشرة ومائة.
ومن ولد عمر: أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وخالد بن أبي بكر. ومات أبو بكر قديما.
وقد روي عن عبد الله عمر، وأخوه القاسم بن عبيد الله، ومات خالد سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومات زمن مروان بن محمد.
стр. 4332
وأما زيد بن الخطاب
أخو عمر بن الخطاب ﵄ ويكنى أبا عبد الرحمن وأمه أسماء بنت وهب بن حبيب بن الحارث، من بني أسد بن خزيمة، فكان أسنّ من عمر، وأسلم قبله، وكان له من الولد: عبد الرحمن، وأسماء. وكان رجلا طوالا، أسمر، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين معن بن عدي العجلاني، واستشهدا جميعا باليمامة، وشهد زيد بن الخطاب: بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ .
وروى عن النبي ﷺ حديثا رواه سفيان الثوري عن عاصم بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن زيد عن زيد قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، وان جاؤوا بذنوب لا تغفرونها، فبيعوا عباد الله، ولا تعذبوهم» (١) وكان زيد يحمل راية المسلمين يوم اليمامة، وانكشف المسلمون يومئذ فجعل زيد يقول: أما الرجال فلا رجال. وجعل يصيح بأعلى صوته:
أللهم إني أعتذر إليك من فرار أصحابي، وأبرأ إليك مما جاء به مسيلمة
стр. 4333
الكذاب، ومحكّم اليمامة، وجعل يشد بالراية وتقدم بها على العدو، ثم ضارب بسيفه حتى قتل، ووقعت الراية فأخذها سالم مولى أبي حذيفة.
وقال الواقدي: كان الذي قتل زيدا أبو مريم الحنفي، واسمه صبح بن محرش، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: أقتلت زيدا؟ قال:
الله أكرمه بيدي، ولم يهنّي بيده. فقال عمر: كم قتل منكم يومئذ؟ قال:
ألف وأربعمائة. فقال عمر: بئس القتلى، وقضى أبو مريم بعد ذلك على البصرة.
وقال هشام بن الكلبي: قتل زيدا لبيد بن برغث العجلي، فقدم بعد ذلك على عمر، فقال له: أأنت الجوالق؟ واللبيد، الجوالق (١) ودخل متمم بن نويرة على عمر رضي الله تعالى عنه فقال له: ما بلغ من وجدك على أخيك مالك بن نويرة؟ فقال: بكيته حولا حتى أسعدت عيني الذاهبة عيني الصحيحة، وما رأيت نارا إلاّ كدت انقطع لها أسفا عليه. ألا أنه كان يوقد ناره إلى الصبح مخافة أن يأتيه ضيف، ولا يعرف مكانه، وكان مالك قتل في الردة مرتدا. فقال عمر: صفه لي: فقال: كان يركب الفرس الحزور (٢)، ويقود الخيل الثفال (٣)، وهو بين المزادتين (٤) النضوحتين في الليلة القرة وعليه شملة فلوت، معتقلا رمحا خطلا (٥) فيسري ليلته، ثم يصبح وكأن وجهه فلقة قمر.
стр. 4334
قال: فأنشدني بعض ما قلت فيه، فأنشده مرثيته التي يقول فيها:
وكنا كندماني جذيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فقال عمر: لو كنت أحسن قول الشعر لرثيت أخي زيدا، فقال متمم: ولا سواء يا أمير المؤمنين. لو كان أخي صرع مصرع أخيك ما بكيته، فقال عمر: ما عزّاني أحد بأحسن ما عزيتني به.
وقال أبو اليقظان: شهد زيد بدرا وبينه وبين عمر درع، فجعل كل واحد منهما يقول لصاحبه: لا يلبسها غيرك.
وشهد يوم أحد فصبر في أربعة أنفس، ولم يهرب فيمن هرب، وأمره الرسول ﷺ أن يصعد الجبل فيتلقى أبا الجهم بن حذيفة فيردّه، فقال له أبو الجهم: أنا والغ الدم. فقال له زيد: قد أتاك والغ مثلك. وكان يقال لبني عدي ولغة الدم، لأنهم غمسوا أيديهم في الدم حين غمسها المطيبون في الطيب، يوم حلف المطيبين، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول:
ما هبّت صبا قطّ إلاّ ذكرت زيدا.
حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا خالد بن مخلد، ثنا عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر لزيد أخيه يوم أحد:
أقسمت عليك إلاّ لبست درعي، فلبسها لقسمه، ثم نزعها فقال له:
مالك؟ فقال له إني أريد لنفسي ما تريد لنفسك، قال العمري: يعني بها الشهادة.
فولد زيد بن الخطاب:
عبد الرحمن أمه ابنة أبي لبانة بن عبد المنذر الأنصاري، وأسماء تزوجها عبيد الله بن عمر، فقتل عنها بصفين.
فولد عبد الرحمن بن زيد: عبد الحميد بن عبد الرحمن وأمه بكائية.
стр. 4335
وعبد الله، وأمه فاطمة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فأمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام. وأسيد بن عبد الرحمن أمه ثقيفة فأما عبد الحميد بن عبد الرحمن، فولاه عمر بن عبد العزيز الكوفة، وكان أعرج، وقد كتبنا خبره في ولايته. فمن ولده: ابراهيم بن عبد الحميد. وأبو يعقوب إسحاق بن ابراهيم، وأبو يعقوب هذا يعرف بالخطابي، وله دار بالبصرة، وولده بها.
ومنهم: عبد الملك بن عبد الحميد، ولي البحرين لأبي جعفر أمير المؤمنين.
وعبد الكبير بن عبد الحميد، وقد ولي الصوائف، وكان له قدر وكان يقول الشعر.
وعمر بن عبد الحميد، كان سريا جميلا ولي اليمن ومكة لأبي العباس أمير المؤمنين.
وسعيد بن عبد الكريم، وهم بحران.
стр. 4336
ومن بني عدي بن كعب
زيد بن عمرو بن نفيل،
وكانت قريش تتحاكم إلى نفيل بن عبد العزى هذا.
وقال رسول الله ﷺ : «إن زيد بن عمرو بن نفيل يبعث أمة وحده».
وكان قد ترك عبادة الأصنام، وطلب دين إبراهيم ﵇، وكان يسجد على يده، ثم كان يسجد إلى الكعبة، وكان يقول في صلاته: البر أرجو لا الخال، هل مهجر كمن قال، عذت بما عاذ به ابراهيم، مستقبل الكعبة وهو قائم يقول: أنفي لك عان راغم مهما تجشمني فإني جاشم، ثم يكبر ويخرّ ساجدا.
وكان ينتظر مبعث النبي ﷺ ، فقال لعامر بن ربيعة: يا عام إني أنتظر هذا النبي، فإن أدركته فلأومنن به والا فاقره مني السلام. فلما بعث النبي ﷺ أخبره عامر بذلك فقال: وعليه السلام.
وحدثني محمد بن سعد، ثنا عفان بن مسلم الصفار، ثنا وهيب بن خالد، ثنا موسى بن عقبة أخبرني سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر
стр. 4337
يحدث عن رسول الله ﷺ ، أنه لقي زيد بن عمرو بأسفل بلدح (١) وذلك قبل النبوة، فقدم إليه رسول الله ﷺ سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها، ثم قال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود العجلي، ثنا حماد بن سلمة عن مجالد عن عامر الشعبي قال: سئل النبي ﷺ عن زيد بن عمرو فقال:
«يبعث يوم القيامة أمة وحده».
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن موسى بن شبة عن خارجة عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت سعيد بن المسيب يذكر زيد بن عمرو فيقول: توفي وقريش تبني الكعبة قبل نزول الوحي على النبي ﷺ بخمس سنين، ولقد نزل به الموت وهو يقول: أنا على دين ابراهيم.
وسأل عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد رسول الله ﷺ عن زيد، فقال رسول الله ﷺ : «غفر الله لزيد بن عمرو ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم ﵇»، فكان المسلمون يترحمون عليه ويستغفرون له، ثم قال سعيد بن المسيب: ﵀ وغفر له.
وقال أبو اليقظان: قتلت النصارى زيد بن عمرو، وقال زيد:
تركت اللات والعزى جميعا … كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها … ولا صنمي بني غنم أزور
стр. 4338
وقال ورقة بن نوفل لزيد:
رشدت فأنعمت ابن عمرو وإنما … تجنّبت تنورا من النار حاميا
دعاؤك ربا ليس ربّ كمثله … وتركك أصنام الطواغي كماهيا
وكان سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل
﵁ وأمه فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خويلد، من ولد غنم بن مليح من خزاعة من المهاجرين الأولين، أسلم قديما قبل عمر بن الخطاب، وهو أحد العشرة الذين سموا للجنّة، وكان يكنى أبا الأعور، وكان إسلامه مع أبي عبيدة في يوم واحد قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم.
قال الواقدي: وكان أبوه زيد بن عمرو قد أنكر أمر الأصنام في الجاهلية وكرهه، وطلب دين ابراهيم، وامتنع من أكل ما ذبح على النصب، ولم يتهود ولم يتنصر، وكان يستقبل الكعبة ويقول: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقّا. وكان يقول: رب، لو أعلم لأية جهة أسجد لك لسجدت إليها، فكان يسجد على راحته، وكان يفدي كل مولودة يريد أهلها أن يئدوها بمكة إذا أمكنه ذلك بعبد أو أمة أو فرس أو إبل أو غنم، فلما كثر عليه ذلك تضمن مؤونة التي يريدون أن يئدوها وطعام أمها، وبنى خيمة بحراء يتحنث فيها، واعتزل قريشا فسموه الراهب، ومات فدفن في أصل حراء، وكانت وفاته وقريش تبني الكعبة قبل الوحي بخمس سنين.
وكان قد طوّف ببلاد الشام وناظر أهل الكتب، فسمع علماءهم يخبرون بأنه قد أظلّ نبي يخرج من بلاده يدعو إلى دين ابراهيم وملته، ويقاتل العرب ويدعو العجم إلى التوحيد، وخلع ما يعبدون من دون الله، فكان يقول لابنه سعيد بن زيد: أي بني إني سمعت أهل الكتاب يخبرون
стр. 4339
بأنه يبعث من بلدنا هذا نبي فلئن أدركته لأتبعنّه، ولأقاتلنّ معه، وإن متّ أي بنيّ قبل مبعثه فلا تحد عن اتباعه ونصرته، وكن أول الناس إيمانا به، فإن قومك على ضلال. فلما ظهر رسول الله ﷺ ، وتحقق أنه يدعو الناس إلى الله وحده لا شريك له، أتاه مستخفيا من قومه فأسلم، وكان سعيد يقول:
استخفيت بالإسلام سنة سنة.
وقد روي أن زيدا كان بالبلقاء فبلغه خروج النبي ﷺ فمات دونه، والأول أثبت.
وقال الواقدي: ضمه والنبي ﷺ في الجاهلية سفر فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة ونزل زيد معه، فدعا رسول الله ﷺ زيد بن حارثة لسفرته، فأكلا جميعا وزيد يعيب دين قريش، ويذكر دين ابراهيم ويقول:
إن نبيا يخرج بمكة من أوسط أهلها نسبا، وأحسنهم خلقا، وأظهرهم إصابة، ولئن أدركته لأومنّن به، ولأقاتلنّ معه.
وكانت عند سعيد بن زيد فاطمة بنت الخطاب، أخت عمر فأسلمت يوم أسلم، وأتت رسول الله ﷺ معه.
حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا أبو صالح شعيب بن حرب، ثنا شعبة، ثنا الحر بن صيّاح قال: سمعت عبد الرحمن بن الأخنس قال:
سمعت المغيرة بن شعبة يخطب فنال عليا، فقال له سعيد بن زيد بن عمرو:
أشهد على رسول الله ﷺ لسمعته يقول: «النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة». ولو شئت أن أسمي العاشر، فلم يزالوا به حتى ذكر نفسه.
стр. 4340
وبعث رسول الله ﷺ طلحة وسعيد بن زيد يتحسسان من خبر عير قريش فقدما فلقياه بين ملل والسيالة منصرفا من بدر، فلم يشهدها سعيد، وأسهم له رسول الله ﷺ ، وشهد سعيد أحدا وجميع المشاهد.
حدثني محمد بن سعد، ثنا الحجاج بن المنهال الأنماطي، ثنا حماد بن سلمة عن الكلبي عن أبي طلحة عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : «عشرة من قريش في الجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن مالك، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو عبيدة بن الجراح».
حدثني محمد بن سعد، ثنا عبد الله بن نمير عمّن سمع عائشة بنت سعد بن أبي وقاص تحدّث قالت: غسّل سعد سعيد بن زيد بن عمرو بالعقيق، ثم احتملوه يمشون به حتى إذا حاذى سعد داره دخل ومعه الناس، ثم دخل البيت فاغتسل وخرج فقال: إني لم أغتسل من غسل سعيد، إنما اغتسلت من الحر.
حدثني محمد بن سعد، ثنا أنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر حنّط سعيد بن عمرو، وحمله، ثم دخل المسجد فصلى عليه ولم يتوضأ.
حدثني محمد بن سعد، ثنا أنس بن عياض عن يحيى بن سعيد أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب بأنه استصرخ على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يوم الجمعة بعد ارتفاع الضحى، فأتاه ابن عمر بالعقيق، وترك الجمعة.
حدثني عمرو بن محمد الناقد وابراهيم بن مسلم الخوارزمي قالا: ثنا
стр. 4341
وكيع بن الجراح، أنبأنا العمري عن نافع عن ابن عمر أنه استصرخ على سعيد بن زيد بن عمرو يوم الجمعة وابن عمر يتجهز للجمعة فأتاه وترك الجمعة.
حدثني محمد بن حاتم بن ميمون ومحمد المروزي، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر بمثله.
حدثني محمد بن حاتم ومحمد بن سعد قالا: ثنا عبد الله بن نمير عن نافع عن ابن عمر أنه حنط سعيد بن زيد فقيل له: أنأتيك بمسك؟ فقال:
نعم وأي طيب أطيب من المسك.
حدثني عمرو بن محمد ومحمد بن سعد قالا: ثنا الفضل بن دكين، ثنا ابن عينية عن ابن أبي نجيح عن اسماعيل بن عبد الرحمن قال: دعي ابن عمر إلى سعيد بن زيد وهو يموت وابن عمر يريد الجمعة فأتاه وترك الجمعة.
حدثني محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع أن سعيد بن زيد بن عمرو مات بالعقيق فحمل الى المدينة ودفن بها.
وقال الواقدي: حدثني عبد الملك بن زيد من ولد سعيد بن زيد بن عمرو عن أبيه قال: توفي سعيد بن زيد بالعقيق فحمل على رقاب الرجال، فدفن بالمدينة ونزل في حفرته سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وذلك في سنة خمسين أو احدى وخمسين وهو يومئذ ابن بضع وسبعين سنة، وكان رجلا آدم طوالا أشعر.
وقال محمد بن سعد: قال الهيثم بن عدي مات سعيد بالكوفة في ولاية المغيرة بن شعبة لمعاوية، وهو صلى عليه.
حدثني محمد بن سعد، أنبأ حكيم بن محمد - من ولد المطلب بن عبد
стр. 4342
مناف - عن أبيه أنه رأى في خاتم سعيد بن زيد آية من كتاب الله (١).
قال الواقدي: وأهل الكوفة يرون أن سعيد بن زيد مات عندهم، وصلى عليه المغيرة بن شعبة. قال: وقال مالك بن أنس: سمعت جماعة من أهل العلم لا يشكون في أنه دفن بالمدينة.
وقال الهيثم بن عدي: مات سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بالكوفة في زمن معاوية، وصلى عليه المغيرة بن شعبة وهو يومئذ وال.
قالوا: وكان لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل من الولد:
عبد الرحمن الأكبر، لا بقية له، وأمه أم جميل بنت الخطاب، واسمها رملة. وعبد الله الأكبر لا بقية له. وعبد الرحمن الأصغر لا بقية له، وعمرو الأكبر لا بقية له، وعمرو الأصغر. والأسود هلك قبل أبيه لا بقية له. وابراهيم الأكبر. وخالد، وأم زيد، وكانت عند المختار بن أبي عبيد.
وابراهيم الأصغر. وبنات.
وقال أبو اليقظان: كان محمد بن عبد الله بن سعيد بن زيد شاعرا، وهو القائل ليزيد بن معاوية:
أنت منّا وليس خالك منّا … يا مضيع الصلاة للشهوات
وقال غيره: هذا البيت لموسى شهوات.
وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: ومن بني عدي:
عبدنهم بن نفيل:
قتل يوم الفجار في الجاهلية.
стр. 4343
قال: وولد تميم بن عبد الله بن قرط بن رزاح: حبيب بن تميم، وأمه من بني أسد.
فولد حبيب: المؤمل، وأمه ابنة عامر بن بياضة من خزاعة، ومن ولده:
أبو بكر - ويقال اسمه أيوب الأشلّ - بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن مؤمل - كان يرى رأي الخوارج وكان مع عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق، وقد ذكرنا خبر طالب الحق في كتابنا.
وولد صدّاد بن عبد الله بن قرط: خلف بن صدّاد. وعبد شمس، أمهما ليلى بنت سعد بن رباب بن سهم.
وولد أذاه بن رياح بن عبد الله بن قرط:
عبد الله بن أذاه. وأنس بن أذاه، منهم
سراقة بن المعتمر بن أنس بن أذاه،
مات كافرا. وقال النبي ﷺ : «أشد الناس عذابا كل جعّار نعّار صخّاب في الأسواق مثل سراقة بن المعتمر»، وكان ابنه
عمرو بن سراقة
(١) من خيار المسلمين، شهد بدرا مع رسول الله ﷺ ، في رواية موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق، وأبي معشر، والواقدي جميعا.
وذكر محمد بن إسحاق أن عبد الله بن سراقة شهد مع ابنيه بدرا، ولم يذكر ذلك غيره، وليس هو بثبت، وشهد عمرو بن سراقة مع رسول الله ﷺ : أحدا، والخندق والمشاهد، وتوفي في أيام عثمان.
وقال محمد بن إسحاق: توفي عبد الله بن سراقة بعد أخيه ولا عقب له.
стр. 4344
وكان لسراقة أيضا ابن يقال له: عبيد الله.
وقال الكلبي: من ولد سراقة:
زائدة بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله بن سراقة، ولي شرطة المدينة، وكان أخوه أيوب مع الخوارج وقال أبو اليقظان: كان عثمان بن عبد الله بن سراقة مع الحجاج، فقطع الأعراب الطريق فبعثه إليهم، فكان يأخذهم فيعذبهم بالنار.
وقال الكلبي والواقدي: أم عثمان بن عبد الله بن سراقة: زينب بنت عمر بن الخطاب، كانت أصغر ولد عمر، ومات سنة ثماني عشرة ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقد روى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
стр. 4345
وولد عويج بن عدي بن كعب
عبيد
- بفتح العين - وأمه مخشيّة بنت سلول بن عدي بن كعب من خزاعة.
فولد عبيد:
عوف بن عبيد.
وعبد الله، وأمهما ماوية بنت عدي بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي.
فولد عوف: عبد بن عوف. ونفيلة بن عوف. وحرثان بن عوف، وأمهم قلابة بنت الحارث هذلية.
فمن بني عويج:
نعيم (١) - وهو النحّام - بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن
عويج بن عدي بن كعب،
وسميّ النحّام لأن رسول الله ﷺ قال: «دخلت الجنة فرأيت أبا بكر وعمر، وسمعت نحمة من نعيم»، فسمي النحّام. وقالوا: أسلم نعيم بن عبد الله قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن يعقوب بن عمرو عن أبي بكر بن أبي عبيد الله العدوي، قال: أسلم نعيم بن عبد الله بعد عشرة، وكان