حدير الأسدي من الكناسة فقلت في كلام له: لا والأمانة، فجعل يبكي فظننت أني قد أتيت أمرا عظيما فقلت: كأنك تكره ما قلت؟ قال: نعم كان عمر ينهي عن الحلف بالأمانة أشد النهي.
حدثني أحمد بن الصبّاح، ثنا هشيم عن العوام عن ربيع بن عتاب قال: كنت أمشي مع زياد بن حدير فسمع رجلا يحلف بالأمانة فبكى فقلت: ما يبكيك؟ فقال: أما سمعت هذا الحلف بالأمانة لحكّ خشاشي (١) حتى تدمى أحبّ إليّ من أن أحلف بالأمانة.
حدثني أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن زياد بن حدير الأسدي قال: قدمت على عمر وعليّ طيلسان وشاربي عاف، فرفع رأسه، فنظر إلي ولم يردّ السلام، قال: فانصرفت عنه وأتيت ابنه عاصما فشكوت ذلك إليه وقلت له: لقد رميت من أمير المؤمنين في الرأس قال: سأكفيك ذاك. فلقي أباه فقال: يا أمير المؤمنين أخوك زياد بن حدير سلم عليك فلم ترد عليه¬ السلام فقال: إني رأيت عليه طيلسانا ورأيت شاربه عافيا، قال: فأخبرني فقصصت شاربي، وكان معي برد فحللته وجعلته إزارا، ثم أقبلت إلى عمر فسلمت عليه فقال: وعليك السلام، هذا خير مما كنت فيه يا زياد.
حدثني أحمد بن ابراهيم، ثنا زكريا بن عدي عن أبي خالد الأحمر عن الأعمش عن شمر بن عطية عن زياد بن حدير قال: أفقه قوم ما لم يبلغوا التقى.
стр. 4552
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان الثوري عن ابراهيم بن مهاجر قال: سمعت زياد بن حدير يقول: أنا أول من عشّر في الإسلام.
حدثني أبو عبيد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عبد الله بن خالد عن عبد الرحمن بن معقل قال: سألت زياد بن حدير: من كنتم تعشّرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا، كنا نعشر تجار أهل الحرب كما كانوا يعشرونا إذا أتيناهم.
حدثني أبو عبيد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن ابراهيم بن مهاجر عن زياد بن حدير قال: كنا نعشر نصارى بني تغلب (١).
المدائني ان عبد الله بن فضالة بن شريك الأسدي قال لعبد الله بن الزبير: نفدت نفقتي ونقبت راحلتي فقال: إما راحلتك فارقعها بسبت واخصفها بهلب وسر بها البرديّ يبرد خفّها (٢) ويقال إنه قال: سر بها السيرات، فقال لابن الزبير: لعن الله ناقة حملتني إليك. قال: إن وراكبها فانصرف وهو يقول:
أرى الحاجات عند أبي خبيب … نكدن ولا أمية بالبلاد
ومالي حين أقطع ذات عرق … إلى ابن الكاهلية من معاد
فقال: لو علم أن لي أما ألأم من عمته لسبّني بها.
стр. 4553
وقال محمد بن سعد: من بني أسد: اسماعيل بن عبد الله بن ذؤيب الأسدي، روي عن ابن عمر وروى عنه ابن أبي نجيح.
ومنهم سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش من حلفاء بني أمية (١).
стр. 4554
نسب هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر
وولد هذيل بن مدركة:
سعد بن هذيل
ولحيان بن هذيل، بطن.
وعميرة بن هذيل. وهرمة بن هذيل، وأمهم ليلى بنت مران بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة.
فولد سعد بن هذيل:
تميم بن سعد.
وخناعة، بطن. وحريب بن سعد. ومنعة بن سعد. ورهم بن سعد. وغنم بن سعد. ورهام بن سعد. وريث بن سعد وهو عوف، وأمهم الفرعة بنت شقر بن الحارث بن تميم بن مرو. وجوية بن سعد. يقال إنهم دخلوا في عبس فالحطيئة الشاعر منهم.
فولد تميم بن سعد:
الحارث بن تميم.
ومعاوية بن تميم. وعوف بن تميم، أمهم الكنود بنت لحيان بن هذيل فولد الحارث بن تميم: عمرو بن الحارث.
وكاهل بن الحارث،
وأمهما هند بنت مازن بن كاهل بن أسد بن خزيمة.
فولد كاهل بن الحارث:
صاهلة بن كاهل،
بطن. وصبح بن كاهل، بطن. وكعب بن كاهل. فولد صاهلة بن كاهل
مخزوم
بن
стр. 4555
صاهلة. وخزيمة بن صاهلة، بطن، وقريم بن صاهلة. وملاص بن صاهلة.
فولد مخزوم بن صاهلة.
فارّ بن مخزوم.
وزبيد بن مخزوم.
والحارث بن مخزوم. وحارثة بن مخزوم. فولد فارّ بن مخزوم:
شمخ بن
فارّ.
منهم: عبد الله بن مسعود (١) بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فارّ بن
مخزوم بن صاهله بن كاهل بن حارث بن تميم بن سعد بن هذيل،
وأمه أم عبد بنت عبد ودّ، من ولد قريم بن صاهلة. وأمها هند بنت عبد الحارث بن زهرة بن كلاب. وكان عبد الله بن مسعود يكنى أبا عبد الرحمن.
وقال الواقدي: كان إسلام عبد الله قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم.
وقال الواقدي وأبو معشر: هاجر ابن مسعود إلى أرض الحبشة مرتين.
وقال محمد بن إسحاق: هاجر في المرة الثانية (٢).
حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن ربيعة الكلابي عن أبي عميس عن القاسم بن عبد الرحمن أن عبد الله بن مسعود أخذ في أرض الحبشة في شيء فرشا دينارين.
حدثني محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن
стр. 4556
أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فجاء النبي ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقالا: «يا غلام هل عندك من لبن»؟ فقلت: إني مؤتمن. فقال النبي ﷺ : «هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل»؟ قلت: نعم. فأتيته بها فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها ودعا فحفل الضرع، ثم أتاه أبو بكر بصخرة منقعرة فاحتلب فيها ثم شرب وأبو بكر ثم قال رسول الله ﷺ للضرع: «اقلص»، فقلص، قال: ثم أتيته بعد ذلك فقلت: علمني هذا القول. فقال: إنك غلام معلّم. قال فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن سعد، قالا: ثنا أبو نعيم، ثنا المسعودي.
وحدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا محمد بن عبيد عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان أول من أفشى القرآن بمكة من في رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود (١).
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا الأعمش، أنبأ شقيق قال: خطبنا ابن مسعود فذكر كلاما ثم قال: على قراءة من تأمرونني أن أقرأ، على قراءة زيد؟ فوالله الذي لا إله غيره لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بعضا وسبعين سورة وزيد غلام له ذؤابتان يلعب مع الغلمان. ثم قال: والذي لا إله إلا هو، لو أعلم أحدا اعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته.
стр. 4557
قال شقيق: فقعدت في حلق فيها أصحاب رسول الله ﷺ فما سمعت أحدا منهم رد عليه ما قال.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :
«من أحبّ أن يقرأ القرآن رطبا - أو قال غضا - كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد - أو كما يقرأ ابن أم عبد-».
حدثنا عمرو الناقد وعبيد الله القواريري قالا: ثنا أبو معاوية محمد بن خازم، ثنا الأعمش عن ابراهيم عن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر وهو لا يعرفه فقال: يا أمير المؤمنين جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه، فغضب عمر، وقال: من هو ويحك؟. قال:
عبد الله بن مسعود. قال: فذهب الغصب عن عمر ثم قال: ويحك والله ما أعلمه بقي أحد من الناس أحق بذلك منه. قال رسول الله ﷺ : «من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد».
حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، ثنا جرير بن عبد الحميد الصبي عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ سمعه يقول: «استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد - فبدأبه - ومن أبيّ بن كعب، ومن سالم مولى أبي حذيفة، ومن معاذ بن جبل».
حدثني أبو بكر الأعين، ثنا أبو نعيم عن أبي الأحوص عن سعيد بن مسروق عن أبي الضحى عن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ علي، فقلت: كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا
стр. 4558
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ (١) قال: حسبك. ونظرت إليه وقد أغرورقت عيناه.
فقال: من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه قراءة ابن أم عبد».
حدثني محمد بن حاتم بن ميمون المروزي، ثنا عبد الله بن نمير الهمداني، أنبأ الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق قال: لقد جالست أصحاب محمد فوجدتهم كالأخّاذ فمنها: ما يروي الرجل، ومنها ما يروي الرجلين ومنها ما يروي العشرة، ومنها ما يروي المائة، ومنها ما يروي لو نزل به أهل الأرض لصدروا رواء فوجدت عبد الله بن مسعود أغزر تلك الأخاذ.
حدثنا سريج بن يونس، ثنا أبو معاوية الضرير، ثنا الأعمش عن ابراهيم قال: قال عبد الله: أخذت من فم رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة.
حدثنا عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا سليمان الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبي الأحوص قال: كان نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في دار أبي موسى يعرضون مصحفا فقام عبد الله فخرج فقال أبو مسعود الأنصاري: هذا أعلم من بقي بما أنزل على محمد ﷺ . فقال أبو موسى: إن يكن كذاك فلقد كان يؤذن له إذا حجبنا ويشهد إذا غبنا.
حدثني محمد بن سعد، ثنا يحيى بن عباد، ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: أخذت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد.
стр. 4559
حدثني محمد بن سعد (١)، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ الحسن بن صالح عن مطرف، حدثني عامر عن مسروق قال: كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ : علي، وعمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري (٢).
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا وهيب بن خالد، أنبأ داود بن أبي هند عن عامر قال: كان مهاجر عبد الله بن مسعود إلى حمص فحدره عمر إلى الكوفة، وكتب إليهم: والله الذي لا إله إلا هو لقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي فخذوا عنه.
قالوا وبعث عمر عبد الله بن مسعود على قضاء أهل الكوفة وبيت مالهم، وفرض له ولعمار ولعثمان بن حنيف شاة: شطرها وسواقطها لعمار ولابن مسعود، ولعثمان الشطر الآخر.
المدائني عن الوقاصي عن الزهري قال: كان ابن مسعود يوافي عمر في كل موسم فيعرض عليه ما كان فيه فما رضيه أقام عليه وما نهاه عنه تركه.
وجاء قوم فشكوه فلم يحفل بشكيتهم.
حدثني شجاع بن مخلد الفلاس، ثنا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: كانت دار ابن مسعود شبيهة بالمدينة فأحدث ولد له حدثا فأخربوها.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثني معاوية بن عمرو عن زائدة عن الأعمش عن شقيق عن عمرو بن ميسرة عن عبد الله بن مسعود قال: طول الصلاة وقصر الخطبة مئنة (٣) من فقه الرجل.
стр. 4560
حدثنا خلف البزار، ثنا سلام الخراساني الطويل عن زيد العميّ عن معاوية بن قرة عن ابن مسعود أنه كان يقرأ القرآن في كل جمعة مرة، وفي شهر رمضان في كل ثلاث ليال، وكان يكره النوم قبلها أو الحديث بعدها.
حدثني عمرو الناقد، ثنا أبو نعيم عن سفيان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان ابن مسعود يعلّمنا التشهّد كما يعلمنا السورة من القرآن لا يخطئ بألف ولا واو.
حدثنا عبد الله بن صالح المقرئ عن المسعودي عن سليمان بن ميناء عن نفيع مولى عبد الله: كان عبد الله بن مسعود من أجود الناس ثوبا أبيض وأطيب الناس ريحا.
وحدثني محمد بن سعد عن يزيد بن هارون عن المسعودي عن سليمان بن نفيع بمثله (١).
حدثنا ابن الشاذكوني عن أبي عامر العقدي، حدثني سفيان عن سليمان الأعمش عن ابراهيم، أخبرني من رأى في يد عبد الله خاتما من حديد.
حدثنا أبو نصر التمار، ثنا شريك عن جابر عن الشعبي قال: كان على خاتم ابن مسعود ذيبان (٢) بينهما الحمد لله.
حدثني أبو أيوب الرقي المعلم، ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن ابراهيم قال: قال عبد الله: إياكم والمعاذير فإنه يخالطها الكذب.
وحدثني الحسن بن عثمان الزيادي عن اسماعيل بن مجالد عن بيان عن قيس بن أبي حازم أن ابن مسعود قال لسعد: رد المال الذي استسلفته من
стр. 4561
بيت المال فغضب سعد وقال: هل أنت إلا عبد من هذيل. فقال: وأنت ابن حمنة، فقام سعد فاستقبل القبلة فسأله ابن مسعود ألاّ يلعنه ولا يدعو عليه فلم يفعل.
حدثنا بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق بن معمر قال: كان ابن مسعود يقول: لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى يدع المراء في الحق والكذب في المزاح والسفه عند الغضب، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وروي عنه أنه قال: إياكم والمزاح فإن فيه التذابح.
وقال الواقدي: لما هاجر ابن مسعود من مكة إلى المدينة نزل على معاذ بن جبل، ويقال على سعد بن خيثمة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين معاذ.
حدثني علي بن عبد الله المديني، ثنا سفيان بن عينية عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قال بنو عبد مناف بن زهرة: نكّب عنا ابن أم عبد، فقال رسول الله ﷺ : فلم بعثت إذا، إن الله لا يقدس قوما لا يعطون الضعيف منهم حقه.
وقال الواقدي: خطّ رسول الله ﷺ لابن مسعود عند المسجد.
قالوا: وشهد عبد الله بدرا وضرب عنق أبي جهل بعد أن أثبته ابنا عفراء، وشهد أيضا أحدا والخندق وجميع المشاهد مع رسول الله ﷺ .
وروي عن ابن مسعود في قول الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ
стр. 4562
وَالرَّسُولِ﴾ (١) قال: كنا ثمانية عشر رجلا (٢).
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن رجل عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان عبد الله بن مسعود صاحب سواد رسول الله ﷺ يعني سره، وصاحب وساده وسواكه ونعليه وطهوره، وهذا في السفر.
حدثني محمد بن سعد والحسين بن علي بن الأسود قالا: ثنا عبيد الله بن موسى عن المسعودي عن عبد الملك بن عمير عن أبي مليح قال: كان عبد الله يستر النبي ﷺ إذا اغتسل ويوقظه إذا نام ويمشي معه على الأرض وحشا (٣)، يعني وحده.
حدثني عمرو الناقد، ثنا أبو نعيم عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان عبد الله يلبس رسول الله نعليه، ويمشي أمامه بالعصا، فإذا جلس في مجلسه نزع نعليه فأدخلهما في ذراعه، وأعطاه العصا، فإذا أراد رسول الله ﷺ ان يقوم ألبسه نعليه، ثم مشى بالعصا أمامه حتى يدخل الحجرة قبل رسول الله ﷺ .
وحدثني محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم عن المسعودي عن عياش العامري عن عبد الله بن شداد بن الهاد أن عبد الله بن مسعود كان صاحب السواد والوسادة.
حدثني محمد بن سعد، ثنا عبد الله بن ادريس قال: سمعت الحسن بن
стр. 4563
عبيد الله النخعي يذكر عن ابراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : إذنك عليّ أن يرفع الحجاب وتسمع سوادي، حتى أنهاك.
وحدثني محمد بن سعد، ثنا عفان، أنبأ شعبة، ثنا أبو إسحاق قال:
قال أبو موسى الأشعري: لقد أتيت النبي ﷺ وما أرى ابن مسعود إلا من أهله (١).
حدثني عمرو بن محمد، ثنا أبو معاوية، أنبأ الأعمش عن ابراهيم عن علقمة قال: كان عبد الله يشبّه بالنبي ﷺ في هديه وسمته. قال: وكان علقمة يشبه بعبد الله.
حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبيد، ثنا الأعمش عن شقيق قال: سمعت حذيفة يقول إن أشبه الناس هديا ودلا وسمتا بمحمد ﷺ عبد الله بن مسعود من حين يخرج إلى أن يرجع ما يدري ما يصنع في بيته (٢).
حدثنا وهب بن بقية، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شعبة عن المغيرة عن ابراهيم عن علقمة عن أبي الدرداء سمعته يقول: ألم يكن فيكم صاحب السواد الوساد، يعني ابن مسعود.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا حفص بن غياث، أنبأ الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس ورفع كلامه حتى يسمعوا.
حدثني محمد بن سعد، أنبا مالك بن اسماعيل النهدي، أنبأ إسرائيل
стр. 4564
عن ثوير عن أبيه قال: سمعت ابن مسعود يقول: ما نمت نومه الضحى منذ أسلمت (١).
حدثني عمرو بن محمد، ثنا أبو نعيم، ثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال: ما رأيت فقيها أقل صوما من عبد الله فقيل له: لم لا تصوم؟ قال: إني أختار الصلاة على الصوم وإذا صمت ضعفت عن الصلاة.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهيب بن جرير عن مرة عن النزال بن عمار عن أبي عثمان النهدي قال: صليت مع ابن مسعود صلاة فقرأ فيها: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فوددت أنه قرأ بنا سورة البقرة من حسن صوته وترتيله.
حدثني محمد بن سعد، ثنا يحيى بن عيسى الرملي عن سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: ما نزلت سورة إلا وأنا أعلم فيما نزلت ولو أعلم أن أحدا أعلم بكتاب مني تبلغه الإبل - أو قال: المطيّ - لأتيته.
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا أبو نعيم عن قيس بن الربيع عن قاسم عن زر عن عبد الله أنه كان يصوم الإثنين والخميس.
حدثني الحسين بن الأسود، ثنا محمد بن الفضيل عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: قال ابن مسعود: إقتصاد في سنّة، خير من اجتهاد في بدعة.
حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام عن شعيب بن حرب عن عبد
стр. 4565
الرحمن بن عبد الله عن الحكم بن عتيبة قال: قال عبد الله: أنذركم فضول القول فبحسب الرجل من الكلام ما بلغ به حاجته.
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو داود، ثنا زهير عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود ومسروق أن عبد الله كان يكبر في الفطر والنحر سبع تكبيرات، يكبر تكبيرة يفتتح بها الصلاة، ثم يكبر ثلاثا، ثم يقرأ ثم يكبر، فيركع بالخامسة ثم يقوم فيكبر أربعا يركع بالرابعة.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد ومحمد بن سعد قالا: ثنا محمد بن الفضيل، ثنا المغيرة عن أم موسى قالت: سمعت علي بن أبي طالب يقول:
أمر النبي ﷺ ابن مسعود أن يصعد شجرة فيأتيه منها بشيء فنظر أصحابه إلى خموشة ساقيه فضحكوا فقال النبي ﷺ : «ما تضحكون لرجل هو عند الله يوم القيامة في الميزان أثقل من أحد» (١).
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: كنت أجتني لرسول الله ﷺ من الأراك فضحك القوم من دقة ساقيّ فقال النبي ﷺ : «مم تضحكون؟ قالوا: من دقة ساقيه. فقال: لهي أثقل في الميزان من أحد».
حدثني أبو نصر التمار، ثنا شريك عن أبي حصين عن أبي عطية الهمذاني قال: سأل رجل أبا موسى عن مسألة فأجابه فيها، ثم أتى عبد الله بن مسعود فسأله عنها فخالف أبا موسى، فأتى الرجل أبا موسى فأخبره بقول ابن مسعود فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم.
стр. 4566
حدثني عمرو بن محمد ومحمد بن سعد، قالا: ثنا وكيع عن اسماعيل بن أبي خالد عن أبي عمرو الشيباني قال: قال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم، يعني ابن مسعود.
حدثني محمد بن حاتم المروزي وابراهيم بن مسلم الوكيعي قالا: ثنا وكيع بن الجراح، أنبأ اسماعيل بن أبي خالد عن أبي عمرو الشيباني عن أبي موسى بمثله.
حدثني عمرو بن محمد الناقد ومحمد بن حاتم قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: أقبل عبد الله بن مسعود ذات يوم، وعمر جالس فلما رآه عمر، قال: كنيف مليء فقها، أو قال علما.
حدثني محمد بن سعد، ثنا ابن نمير، ثنا الأعمش عن حبّة بن جوين قال: كنا عند علي بن أبي طالب فذكرنا بعض قول عبد الله فأثنى القوم عليه وقالوا: ما رأينا يا أمير المؤمنين رجلا كان أحسن خلقا، ولا أرفق تعليما، ولا أحسن مجالسة ولا أشد ورعا من عبد الله بن مسعود فقال علي: نشدتكم الله، أهو الصدق من قلوبكم؟ قالوا: نعم. فقال: اللهم إني أشهدك أني أقول فيه مثل ما قالوا وأفضل (١).
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو خالد الأحمر عن المسعودي عن القاسم قال: كان عبد الله إذا حدث حديثا جاء بمصداقه من كتاب الله.
حدثني أبو بكر الأعين ومحمد بن سعد قالا: ثنا الفضل بن دكين عن المسعودي عن مسلم البطين عن عمرو بن ميمون قال: اختلفت إلى
стр. 4567
عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته يحدث فيها عن رسول الله ﷺ ولا يقول قال رسول الله ﷺ إلا أنه حدث ذات يوم فجرى على لسانه قال رسول الله، فعلاه كبت حتى رأيت العرق يتحدر عن جبهته، ثم قال: إن شاء الله إما فوق ذاك، وإما دون ذاك، وإما قريبا من ذاك (١).
حدثنا عفان، ثنا شعبة، أنبأ جامع بن شداد، ثنا عبد الله بن مرداس قال: كان عبد الله يخطبنا كل خميس فيتكلم بكلمات ونسكت نحن حين يسكت، ونحن نشتهي أن يزيدنا.
حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبد الله الأسدي عن مسعر بن كدام عن محمد بن جحادة عن طلحة بن مصرف قال: كان عبد الله يعرف بالليل بريح الطيب (٢).
حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا خالد بن عبد الله، ثنا اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال رأيت عبد الله بن مسعود رجلا خفيف اللحم.
المدائني قال: يروى عن ابن مسعود أنه قال: إذا اكره القلب عمي.
وروي عنه أنه قال: ليس الواعظ من جهل أقدار السامعين وإرادة المريدين. وروي ذلك عن بكر بن عبد الله المزني أيضا.
حدثني محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم عن المسعودي عن القاسم بن عبد
стр. 4568
الرحمن قال: كان عطاء ابن مسعود ستة آلاف درهم (١).
وروي عن أبي الأحوص عن عبد الله أنه رأى عبد الله بن مسعود يخطب فرأى حية فنزل عن المنبر فقتلها.
حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : لو كنت مؤثرا أحدا دون شورى المسلمين لأمّرت ابن أم عبد.
حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن سعيد القطان، أنبا سفيان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن حارث بن ظهير قال: لما نعي ابن مسعود إلى أبي الدرداء قال: ما خلف بعده مثله.
حدثنا عمرو الناقد، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي ﵇ قلنا له: حدثنا ابن مسعود قال:
علم القرآن والسنة، ثم انتهى وكفى بذلك علما.
حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا وكيع عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبي خالد رجل من أصحاب عمر رضي الله تعالى عنه قال:
وفدنا على عمر فأجازنا ففضل أهل الشام علينا فقلنا: يا أمير المؤمنين أتفضل أهل الشام علينا؟ فقال: يا أهل الكوفة، أجزعتم أن فضلت أهل الشام عليكم لبعد سفرهم وقد آثرتكم بابن أم عبد.
حدثني داود بن عبد الحميد، ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن ابراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: إياكم وما يعتذر منه فإنه قلما اعتذر رجل إلا كذب.
стр. 4569
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن عبد الرحمن بن محمد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان عبد الله بن مسعود رجلا نحيفا قصيرا شديد الأدمة وكان لا يغير شيبه.
حدثني محمد بن سعد، ثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال: كان لعبد الله شعر يرفعه على أذنيه كأنما جعل بعسل، قال وكيع: لا يغادر شعرة شعرة.
وحدثني محمد بن سعد، ثنا الفضل بن دكين، ثنا زهير عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال: كان شعر عبد الله يبلغ ترقوته فإذا صلى جعله وراء أذنه (١).
حدثني علي بن شور المقرئ، ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، ثنا سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن ابراهيم أنه كان خاتم ابن مسعود من حديد.
حدثنا شجاع بن مخلد، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ابراهيم عن علقمة أن عبد الله مرض مرضا شديدا فجزع فقلنا له: ما رأيناك جزعت من مرض جزعك من مرضك هذا فقال: إنه أخذني واقرب بي من الغفلة.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن سفيان الثوري قال: ذكر الموت عن عبد الله فقال: ما أنا له اليوم بمتيسر.
حدثني محمد بن سعد عن يعلى بن عبيد عن اسماعيل عن رجل من بجيلة أن عبد الله بن مسعود قال: وددت أني إذا نمت لا أبعث (٢).
стр. 4570
حدثنا القاسم بن سلام أبو عبيد، ثنا اسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود أخذت حليا لها فقال لها ابن مسعود إلي أين تذهبين بهذا؟ قالت: أتقرب به إلى الله ورسوله، فقال: هلمي فتصدقي به عليّ وعلى ولدي فأنا له موضع. قالت: لا والله أو استأذن رسول الله ﷺ ، فاستأذنته فقال ﷺ : «تصدقي به عليه وعلى بنيه فإنهم له موضع».
حدثنا ابراهيم بن مسلم الخوارزمي، ثنا وكيع عن أبي العميس عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن عبد الله بن مسعود أوصى إلى الزبير وكانت وصيته:
بسم الله الرحمن الرحيم:
ذكر ما أوصى به عبد الله بن مسعود إن حدث به حدث في مرضه.
هذا ما أوصى إن مرجع وصيته إلى الله وإلى الزبير بن العوام وابنه عبد الله بن الزبير وأنهما في حل وبلّ مما وليا وقضيا من ذلك، وأنه لا تزوج امرأة من بناته إلاّ بإذنهما - أو قال: بعلمهما - ولا تحجز عن ذلك زينب بنت عبد الله الثقفية.
حدثنا ابراهيم بن مسلم، ثنا وكيع عن أبي العميس عن حبيب بن أبي ثابت عن خثيم بن عمرو أن ابن مسعود أوصى أن يكفن في حلة بمائتي درهم.
حدثني محمد بن سعد، ثنا مالك بن اسماعيل، ثنا شريك عن محمد بن عبد الله المرادي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد الله أن ابن
стр. 4571
مسعود قال: ادفنوني عند قبر عثمان بن مظعون (١).
حدثني هدبة بن خالد، ثنا همام عن قتادة أن ابن مسعود دفن ليلا.
حدثني بكر بن الهيثم ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وقتادة والكلبي أنهم قالوا في قول الله : ﴿حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً﴾ (٢) كان منهم عبد الله بن مسعود.
وقال الواقدي، أنبأ عبد الله بن جعفر عن عبد الرحمن بن محمد القاريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: مات عبد الله بن مسعود بالمدينة ودفن بالبقيع في سنة اثنتين وثلاثين وله دار بالكوفة ابتناها إلى جانب المسجد.
وقال الواقدي: توفي ابن مسعود وهو ابن بضع وستين سنة وصلى عليه عمار بن ياسر، ويقال عثمان بن عفان، واستغفر كل واحد منهما لصاحبه قبل موت عبد الله، قال: وصلاة عثمان عليه أثبت عندنا. وقد روى قوم أنه أوصى ألا يصلي عليه عثمان.
حدثني روح بن عبد المؤمن، حدثني وهب بن جرير بن خازم، أنبأ شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال: شهدت أبا موسى وأبا مسعود فقال أحدهما لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله، قال: لئن قلت ذاك فقد كان يدخل إذا حجبنا ويشهد إذا غبنا.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن منصور بن أبي الأسود عن ادريس بن يزيد عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال: ترك ابن
стр. 4572
مسعود لتسعين ألف درهم (١).
حدثني عمرو بن محمد الناقد ووهب بن بقية قالا: ثنا يزيد بن هارون عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: دخل الزبير على عثمان بعد وفاة ابن مسعود فقال: أعطني عطاء عبد الله فأهل عبد الله أحق به من بيت المال، فأعطاه خمسة عشر ألف درهم.
حدثني عمرو الناقد، ثنا حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن مسعود أوصى إلى الزبير، وكان عثمان قد حرمه عطاءه سنتين، فأتاه الزبير فقال له: إن عيال عبد الله أحوج إلى عطائه من بيت المال فأعطاه عشرين ألف درهم أو خمسة وعشرين ألفا.
حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا يوما عند أبي موسى في المسجد فنظر إلى الشمس حين زالت فقال: أين عبد الله، هذا ميقات هذه الصلاة فما كان بأسرع أن جاء عبد الله مسرعا، قال: وكان عبد الله يصلي يومئذ بالناس.
حدثني بكر بن الهيثم ومحمد بن سعد، قالا: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان عن الأعمش، أنبأنا زيد بن وهب قال: كان عبد الله يؤمّنا في شهر رمضان وينصرف بليل.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه في إسناده قال: بعث عمر عبد الله بن مسعود إلى الكوفة يعلم الناس القرآن والسنة، وولاه بيت المال، وكان أول الناس جاء ببيعة عثمان إلى الكوفة وأخذها على الناس، ثم إنه بلغ
стр. 4573
عثمان عنه بعض الأمر، فأشخصه إلى ما قبله وأسمعه، ولم يأذن له في الخروج من المدينة فأقام بها ثلاث سنين حتى مات، وكان موته قبل مقتل عثمان. ولما مرض مرضه الذي مات فيه مرّضه أزواج النبي ﷺ وأصحابه، وأتاه عثمان يعوده فقال له: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: بخير.
قال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تتمنى؟ قال: رحمة ربي.
قال: ألا أدعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا آمر لك بعطائك، وكان قد قطعه عنه لموجدته عليه، فقال: منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغن عنه. قال: يكون لولدك. قال: يرزقهم الله. فدفن بالبقيع وصلى عليه عمار بن ياسر، وكلم الزبير عثمان في عطائه فدفعه إليه لولده وعياله.
قال: وكان ابن مسعود يخطب بالكوفة فيقول: الشقيّ من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره، وكان يعلم الرجال القرآن ثم يتحول فيعلم النساء وكان يطرد النساء يوم الجمعة من المسجد ويقول: عليكنّ ببيوتكنّ فإن هذا ليس لكنّ بمجلس.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: إياكم وفضول القول فبحسب المرء من الكلام ما بلغ من حاجته.
وقال أبو اليقظان: قتل ابن مسعود أبا جهل. وكان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن وكان صاحب سواده أي أسراره، وصاحب وساده، وصاحب نعليه ورحلته، وصلى عليه الزبير، وإليه أوصى، وكان النبي ﷺ آخى بينه وبينه.
ومن ولد عبد الله بن مسعود: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود.
стр. 4574
والقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ولي قضاء الكوفة، وكان عالما بأمور العرب وأشعارهم فقهيا، وذكروا أنه فلج، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري.
ومنهم: عتبة بن مسعود (١) أخو عبد الله بن مسعود لأبيه وأمه،
يكنى أبا عون، أسلم وهاجر مع أخيه إلى أرض الحبشة في المرة الثانية، ومات بالمدينة في أيام عمر بن الخطاب، وكان ممن أقام مع جعفر بن أبي طالب بأرض الحبشة، ثم قدم مع جعفر حين قدم.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا إسماعيل بن ابراهيم - يعني - ابن علية عن يونس عن الحسن قال: لما توفي عتبة بن مسعود وجد عليه عبد الله بن مسعود وجدا شديدا، فقيل له في ذلك، فقال: أما والله! إذ قضى الله فيه ما قضى فما أحبّ أني دعوته فأجابني.
حدثنا عبد الله بن صالح، أنبأ روح بن مسافر عن حماد عن ابراهيم عن ابن مسعود أنه لما نعي إليه أخوه عتبة قال: والله ما أحبّ أنه جالس فيكم الساعة وإن لم يكن أحد كان أحبّ إليّ منه، قالوا: ولم تقول هذا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: لأني كنت أحبّ أن أؤجر فيه ولا يؤجر فيّ.
وعبد الله بن عتبة بن مسعود،
وقد ولي لعمر بن الخطاب.
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود صاحب عبد الله بن عباس.
وعون بن عبد الله (٢) بن عتبة بن مسعود
وهو الذي يقول فيه:
وقالوا مؤمن من أهل جور … وليس المؤمنون بجائرينا
стр. 4575
وقالوا مؤمن دمه حلال … وقد حرمت دماء المؤمنينا
ثم إن عون بن عبد الله خرج مع ابن الأشعث فيما يقال، فلما هزم أصحابه هرب فأتى محمد بن مروان بن الحكم بنصيبين فأمّنه، ثم إنه لزم عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فكانت له منزلة منه حسنة، وإياه عنى جرير بن عطية في قوله:
يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … إني لدى الباب كالمقرون في قرن
(١) وقد ذكرنا هذا الخبر فيما تقدم من كتابنا.
ووعظ عون المفضل بن المهلب فقال: إياك والكبر فإنه أول ذنب عصي به الله ثم تلا: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٢).
وكان عبد الملك ألزمه ابنه الوليد، فسأله عنه فقال: ألزمتني رجلا إن قعدت عنه عتب، وإن أتيته حجب، وإن عاتبته غضب. وقال بعضهم إن محمد بن مروان ألزمه ابنه فقال فيه هذا القول، ويقال إن سليمان بن عبد الملك ألزمه ابنه.
المدائني قال: قال عون بن عتبة: المؤمن أشد الناس لله خوفا وعلى نفسه زريا ولعمله احتقارا وأكثرهم حزنا وأشدهم فيما عند الله رغبة، وأحسنهم بالله ظنا.
حدثنا أحمد بن ابراهيم الدوقي، ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج بن محمد عن المسعودي عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: الخير من الله كثير،
стр. 4576
ولن يبصره من الناس إلاّ اليسير، وهو للناس معروض، ولكن لا يعرفه من لا يراعيه، ولا يجده من لا يبتغيه، ولا يستوجبه من لا يعمل له، ألا ترون إلى كثرة نجوم السماء التي لا يهتدي بها إلا العلماء.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو القيسي عن قرة عن عون بن عبد الله قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «أربع من الإيمان: الحياء، والعفاف، وعيّ اللسان لا عيّ القلب، والفقه، وهن يزدن في الآخرة وينقصن من الدنيا، وما يزدن في الآخرة أكثر مما ينقصن من من الدنيا. وثلاث من النفاق: الفحش والبذاء والشح، وهن يزدن في الدنيا وينقصن من الآخرة وما ينقصن من الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا» قال: فحدثت بذلك عمر بن عبد العزيز فأعجبه.
المدائني عن يحيى بن اليمان عن سفيان قال: قال عون بن عبد الله:
الدنيا غير مأمونة، من أكرمها أهانته، ومن رفضها أكرمته تخرج من يد من أطمأن إليها ووثق بدوامها وينالها من لم يكن يرجوها.
المدائني عن جويرية بن أسماء قال: حدث عون بن عبد الله عمر بن عبد العزيز عن ملك بنى مدينة له فأحسن بناءها، وهيأ طعاما للناس فجعل الرجل يأكل ويخرج فيسأله قوم قد وكّلهم بمسألة الناس عن المدينة: هل تعرفون فيها عيبا؟ فجعلوا ينعتون ويصفون، حتى خرج من المدينة رجل قد طعم فقالوا له: هل رأيت في المدينة عيبا؟ فقال: نعم رأيت أنها تخرب بموت صاحبها، فأخبر الملك بذلك فقال: صدق، وترك ملكه وجعل يتعبد مع قوم كانوا يعرفونه وتركهم، وقال: إن هؤلاء قد رأوني ملكا فهم يجلّوني، فاعتزلهم وأتى قوما لا يعرفونه فساح معهم، فهمّ عمر بن عبد
стр. 4577
العزيز أن يسيح ويخرج من الخلافة حتى ردّه مسلمة عن ذلك، وقال له:
أتضيّع أمر أمّة محمد فسكن.
حدثنا محمد بن ابراهيم الدورقي عن حنظلة عن عون بن عبد الله قال: قلت لعمر بن عبد العزيز إن استطعت أن تكون عالما فكن عالما، فإن لم تستطيع فكن متعلما، فإن لم تكن متعلما فأحبّ العلماء فإن لم تحبهم فلا تبغضهم.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو نعيم الأحول، ثنا حنظلة قال:
سمعت عون بن عبد الله بن عتبة يقول: كان عبد الله بن مسعود يعلّم الناس أربعا: اللهم إني أعوذ بك من غنى يطغي، وفقر ينسي. وهوى يردي، وعمل يخزي. قال وزدت أنا عليها: ومن صاحب يغوي، وجار يؤذي.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا أبو أسامة عن مسعر عن معن بن عبد الرحمن عن عون قال: بينا رجل في بستان بمصر، وهو مهموم إذ وقف عليه رجل فقال له: مالي أراك مهموما أللدنيا، فإنّ الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، أم للآخرة، فإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل. فكانوا يرون أنه الخضر.
حدثنا الحسين بن علي، ثنا وكيع عن مسعر عن زيد العميّ عن عون بن عبد الله قال: كان أهل الخير يقولون ويكتبون: من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
حدثني عبد الله بن صالح عن ابن يمان عن سفيان قال: قال عون بن
стр. 4578
عبد الله بن عتبة: الخير الذي لا شر فيه: الشكر مع العافية، فربّ منعم عليه غير شاكر، ومتبلى غير صابر.
حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا يزيد بن هارون عن المسعودي عن عون أنه كتب إلى رجل: أما بعد فإني أوصيك بوصية الله التي حفظها سعادة لمن حفظها، وإضاعتها شقوة لمن ضيّعها، واعلم أن رأس تقوى الله البصر وحقيقتها العمل، وكمالها الورع، وأن يفي لله بشرطه الذي شرط، وعهده الذي عهد، وفرضه الذي افترض، وأن ينقض كل عهد للوفاء بعهده ولا ينقض عهده للوفاء بعهد غيره، هذا جماع من القول يبصره البصير ولا يعرفه إلا اليسير.
حدثنا أحمد بن ابراهيم ثنا أبو النضر عن عبد الرحمن المسعودي عن عون قال: كان يقال: من كان في صورة حسنة، وموضع لا يشينه، ووسع عليه في رزقه ثم تواضع لله واتقاه كان من خلصان (١) الله.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو النضر عن عبد الرحمن المسعودي عن عون قال: كان يقال أزهد الناس في عالم أهله ومثل ذلك مثل السراج بين أظهر القوم ليستصبح الناس به ويقول أهل البيت هو معنا وفينا، ويتكلون فلا يفجئهم إلا طفؤه.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا حجاج بن محمد عن المسعودي عن عون بن عبد الله قال: قال رجل من الفقهاء: روّأت في أمري فلم أجد خيرا لا شرّ معه إلا المعافاة والشكر.
стр. 4579
المدائني عن عون بن عبد الله قال: ما أحسن الحسنة في أثر الحسنة، وأقبح منها السيئة في اثر السيئة.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو داود الطيالسي عن قرة عن عون بن عبد الله قال: كان يقال ان من البيان سحرا، ومن ذلك أن يكون بين الرجلين خصومة فيقول أحدهما لصاحبه اختر أيّ الخصومتين شئت فإنك لا تختار واحدة إلا خصمتك بالأخرى.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا علي بن إسحاق المروزي عن ابن المبارك عن عبد الله بن الوليد عن عون بن عبد الله قال: أوصى رجل ابنه فقال يا بني عليك بتقوى الله وطاعته، وإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فافعل، وإذا صليت فصلّ صلاة مودّع.
وإياك وكثرة تطلب الحاجات فإنه فقر حاضر، ودع ما يعتذر منه.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا حجاج بن نصر عن قرة عن عون قال:
مثل الذي يطلب العلم في الأحاديث ويترك القرآن مثل رجل أخذ باب زربه على غنمه فمرت به ظباء فاتبعها يطلبها فلم يدركها، ورجع فوجد غنمه قد خرجت وتفرقت فلا هذه أدرك ولا تلك حفظ.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا يزيد بن هارون عن المسعودي قال: قال عون بن عبد الله: إن من قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم وانكم اليوم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم.
المدائني قال: قال عون بن عبد الله: إن الله ليبتلي الرجل بما يكرهه عليه ليأجره، كما يكره أهل المريض مريضهم على الدواء لينفعه.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو داود صاحب الطيالسة، ثنا مطرف
стр. 4580
عن عون بن عبد الله أنه سمعه يقول: الدنيا والآخرة في قلب ابن آدم ككفتي الميزان إذا رجحت إحداهما خفت الأخرى. قال: وسمعته يقول ما تحابّ رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو داود، ثنا مطرف قال: سمعت عون بن عبد الله يقول إذا سرك أن تنظر إلى الرجل أحسن ما يكون حالا فانظر إليه وهو قائم يصلي.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا يزيد بن هارون عن المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله عن عون قال: ما أحسب أحدا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه.
حدثنا أحمد بن ابراهيم عن يزيد بن هارون عن المسعودي عن عون أنه كان يقول: ما أنزل أحد الموت حق منزلته إلا وهو لا يعد عدة إلاّ من أجله. فكم من مستقبل يوما لا يستكمله وراج غدا لا يدركه، إنك لو أذكرت الأجل ومسيره أبغضت الأمل وغروره.
حدثنا أحمد، ثنا أبو النصر عن عبد الرحمن المسعودي عن عون بن عبد الله قال: الصيام من أربع: من المطعم، والمشرب، والمأثم، والمحرم.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا قتيبة أبو رجاء البلخي، ثنا ليث بن سعد عن ابن عجلان عن عون أنه كان يقول: اليوم المضمار، وغدا السباق، والسبقة الجنة، وبالعفو تنجون.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا قتيبة بن سعيد أبو رجاء عن ليث عن ابن عجلان عن عون أنه قال: من تمام التقوى أن تبتغي إلى ما علمت منها وما لم
стр. 4581
تعلم فإن لم تعلم فإن النقص مما علمت ترك ابتغاء الزيادة فيه، وإنما يحمل الرجل على ترك ابتغاء الزيادة منه قلة انتفاعه بما علم.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو السري سهل بن محمود عن الأشجعي عن موسى الجهني عن عون بن عبد الله أنه كان يقول: ويح نفسي كيف أغفل ولا يغفل عني أم كيف يهنئني عيشي واليوم الثقيل ورائي، أم كيف يشتد عجبي بدار في غيرها قراري وخلودي.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن قرة عن عون أنه قال في قول الله : ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ (١) قال:
نصيبه من الدنيا العمل الصالح فيها وليس كما تظنون.
حدثنا المدائني عن المسعودي عن عون بن عبد الله أنه قال: بحسبك من الكبر أن ترى لنفسك فضلا على غيرك.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا الحجاج بن نصر عن قرة عن عون قال:
إن الله ليأخذ بحجزة العبد أن يقع في النار.
حدثنا أحمد بن ابراهيم عن ميسرة بن اسماعيل الحلبي عن نوفل بن فرات عن عون أنه كان يقول: إن لكل إنسان سيدا من عمله، وأن سيد عملي الذكر.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو السري سهل بن محمود، ثنا سفيان عن أبي هارون قال: أتانا عون بن عبد الله في مجلس محمد بن كعب فجعل يبكي، وكان من موعظته أن قال: يا إخوتي لا تنسوا الفضل بينكم وإن أتى أحدكم سائل فلم يكن عنده ما يعطيه فليدع له بخير.
стр. 4582
حدثنا أحمد، ثنا سهل بن محمود عن سفيان قال كان عون يقول:
جالست الأغنياء فكنت كثير الهمّ أرى مركبا أفره من مركبي، وثوبا أحسن من ثوبي، ثم جالست الفقراء فاسترحت.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا سهيل بن محمود عن سفيان قال: كان عون يقول الحمد لله الذي إذا شئت وضعت سري عنده أية ساعة شئت من ليل أو نهار بلا شفيع، فيقضي حاجتي، والحمد لله الذي إذا دعوته أجابني، وان كنت بطيئا حين يدعوني.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا مبشر الحلبي عن تمام بن نجيح قال:
رأيت على عون مطرف خز وجبة خز، وهو جالس بين المساكين، قال:
وكنا نأتيه فيأمر جارية له فتقرأ القرآن بصوت حزين حتى تبكينا.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو النصر عن المسعودي عن عون بن عبد الله أنه مر برجل يسبّح فقال: نعم ما تغرس.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا عنبسة بن سعيد القرشي عن ابن المبارك عن المسعودي عن عون قال: الذاكر في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا أبو معاوية الضرير، ثنا عاصم الأحول عن عون بن عبد الله قال: اجعلوا مسألة ربكم مهمّ حوائجكم في الصلاة المكتوبة، فإن فضل الدعاء فيها كفضلها على النافلة.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا مبشر بن اسماعيل عن الأوزاعي عن عمر بن سعيد عن عون بن عبد الله قال: من قال هؤلاء الكلمات حين يصبح ويمسي لم يكتب يومئذ من الغافلين: اللهم أسلمت ديني إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، والجأت ظهري إليك، رهبة لك
стр. 4583
ورغبة إليك، لا ملجأ منك إلا إليك، آمنت بالرسول الذي أرسلت، والكتاب الذي أنزلت، وأنت مننت علي بذلك، وهديتني فلك الحمد كثيرا.
حدثني أحمد بن ابراهيم، حدثني يحيى بن معين، ثنا الحجاج بن محمد عن المسعودي عن عون أنه كان يقول في بكائه وذكر خطيئته: ويحي لأيّ شيء أعصى ربي إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها عني وبقيت تبعتها عليّ في كتاب كتبه كتّاب لم يغيبوا عني. وا سوءتي إذا لم استحيهم ولم أراقب ربي، ويحي نسيت ما لم ينس مني، ويحي طاوعت نفسا لا تطاوعني، طاوعتها فيما يضرها ويضرني ولم تطاوعني فيما ينفعها وينفعني. ربّ إني لم أرحم نفسي فارحمني، رب لا تكلني إليها فتهلكني، ويحي كيف أنسى ملك الموت الذي قد وكلّ بي، أنساه ولا ينساني، يقصّ أثري فإن فررت أدركني، وإن ثبت وجدني، ويحي كيف ينام على مثل هذا الأمر ليلي، وكيف يقر على مثله مثلي، ويحي كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي في عبادة ربي، ولا يبعثني لما يذهبها عني، ويحي إن لم يرحمني ربي، ويحي أما تنهاني أولى خطيئتي عن الأخرى التي عمي عنها قلبي، ويحي إن حجبت يوم القيامة عن ربي فلم يزكّني ولم ينظر إلي، ويحي كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عما يضرني ولا ينفعني. ويحك يا نفس تنسين ما لا ينسى، وقد أتيت ما لا يؤتي، وكل ذلك عليك محصى في كتاب لا يبيد ولا يبلى، أما تخافين أن تجزي به فيمن يجزى يوم تجزى نفس بما تسعى وقد آثرت ما يفنى على ما يبقى، يا نفس ويحك ألا تشفقين، وعلى ما أنت فيه تندمين، وبربك تأتمين، مالك إذا افتقرت تحزنين، وإذا استغنيت تبطرين، وإذا
стр. 4584
دعيت للخير تكسلين، ويحك لم تقولين في الدنيا قول الزاهدين، ولا تعملين للآخرة عمل الراغبين، يا نفس أترجين أن يرضى وأنت لا ترضين، مالك إن سألت تكثرين، وإن أنفقت تقترين، ترجين الآخرة بغير عمل وتؤخرين التوبة بطول الأمل، وإن ابن آدم إذا سقم ندم، وإذا صح أمن، وإذا افتقر حزن، وإذا استغنى فتن ايرغب ولا ينصب فيما يرغب، ويرجو السلامة، ولم يحذر البلاء، ويح لنا ما أغرّنا، ويح لنا ما أغفلنا، ويح لنا ما أجهلنا، ويح لنا ماذا يراد بنا، ويح لنا إن ختم على أفواهنا وتكلمت أيدينا وشهدت أرجلنا، ويح لنا حين تفشو أسرارنا وتستفتى جوارحنا، وتشهد علينا أجسادنا، فيومئذ لا براءة عندنا ولا عذر لنا، لنا الويل الطويل إن لم يرحمنا ربنا. ربّ ما أحكمك، وأمجدك، وأجودك، وأرأفك، وأرحمك، وأعلاك، وأقربك، وأقدرك، وأقهرك، وأوسعك، وأفضلك، وأبينك، وأنورك، وأناك وأحضرك، وألطفك وأخبرك، وأحكمك، وأشكرك، وأحلمك، وأكرمك. ربّ ما أبلغ حجتك وأكثر مدحتك، رب ما أبين كتابك، وأشد عقابك، وأحسن مآبك وأجزل ثوابك، ربّ ما أسنى عطاءك، وأجلّ ثناءك رب ما أحسن بلاءك، وأسبغ نعماءك، ربّ ما أعظم سلطانك وأوضح برهانك، رب ما أمتن كيدك، وأغلب أيدك، رب ما أعز ملكك وأنفذ أمرك، رب ما أعظم عرشك، وأشد بطشك، رب ما أسرع فرجك وأحكم فعلك، رب ما أوفى عهدك، وأصدق وعدك، رب ما أحضر نفعك، وأتقن صنعك، عجبا كيف تعظم في الدنيا رغبتي، وقليل ما فيها يكفيني، أم كيف يشتد فيها حرصي ولا ينفعني ما تركت منها بعدي، وكيف أؤثرها وقد ضرّت من آثرها قبلي، أم كيف لا أبادر بعملي
стр. 4585
قبل أن يغلق رهني، أم كيف تقرّ عيني مع ذكر ما سلف مني، فاغفر لي، واجعل طاعتك همي، وقوّ عليها عزمي، ولا تعرض عني يوم تعرضني بما سلف من ظلمي وجرمي، وآمنيّ يوم الفزع الأكبر حين لا يهمّني إلاّ نفسي.
وحدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا يحيى بن معين عن الحجاج بن محمد عن المسعودي عن عون بن عبد الله أنه قال: يا بني كن ممن نئي به عمّن نئي عنه بغنى ونزاهة ودنوّه ممن دنا منه بلين ورحمة، ليس نأيه بكبر وعظمة، ولا دنوّه بخدع وخلابة، يقتدي بمن قبله وهو إمام من بعده، ولا يعجل فيما رابه، ويعفو إذا تبيّن، يغمض في الذي له ويزيد في الحق الذي عليه، ولا يعزب حلمه ولا يحضر جهله، الخير منه مأمول والشر مأمون، إن زكّي خاف ما يقولون واستغفر لما لا يعلمون، يقول: ربي أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي من غيري، فهو لا يغرّه ثناء من جهل أمره ولا ينسى إحصاء شيء من عمله، يستبطئ نفسه في العمل ويأتي ما أتى من الصالحات على وجل، إن عصته نفسه فيما كرهت لم يتّبعها فيما أحبّت، يبيت حذرا ويصبح فرحا حذرا من الغفلة، وفرحا لما أصاب من الفضل، لا يحيف للأصدقاء ولا يجنف على الأعداء، ولا يعمل الخير رياء، ولا يدع شيئا منه حياء، يصمت ليسلم، ويخلو ليغنم وينظر ليفهم، ويخالط الناس ليعلم، مجالس الذكر مع الفقراء أحبّ إليه من مجالس اللّغو مع الأغنياء، ولا تكن يا بني كمن تغلبه نفسه على ما نظر ولا يغلبها على ما يستيقن، يتمنى المغفرة، ويعمل بالمعصية، طال به الأمل ففتر وطال عليه الأمد فاغترّ، وأعذر إليه فيما عمّر، وليس هو فيما عمّر بمعذر، إن أعطي لم يشكر ما أعطي ويبتغي الزيادة فيما بقي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم ويبغض المسيئين وهو
стр. 4586
أحدهم، يعوذ بالله ممن فوقه ولا يريد أن يعيذ الله منه من تحته، يبصر الغررة من غيره ويغفلها من نفسه، يتصنع لتحسب عنده أمانة وهو مرصد للخيانة، يخف عليه الشّعر، ويقل عليه الذكر، يعجل النوم ويؤخر الصوم يبيت نائما ولا يصبح صائما، يتصبح بالنوم ولم يسهر ويمسي وهمّه العشاء وهو مفطر، إن صلى اعترض، وإن ركع ربض، وإن سجد نقر، وإن جلس شغر، إن سأل ألحف، وإن سئل سوّف، وإن وعد أخلف وإن حلف حنث، وإن وعظ كلح، وإن مدح فرح، ليس له في نفسه عن عيب الناس شغل، أهل الخيانة له بطانة، وأهل الأمانة عليه علاوة، يعجب من أن يفشو سره، ولا يشعر من أين جاء ضره. يسرّ من الناس ما لا يخفى على الله، فيستحييهم ولا يستحي ربه، ينظر نظر الحسود، ويعرض إعراض الحقود، ويرضي الشاهد ويسخط الغائب، يضحك من غير عجب، ويسعى إلى غير أرب، لا ينجو منه من جانبه ولا يسلم منه من صاحبه، إن حدّثته ملّك، وإن حدثك غمّك، وإن فارقك أكلك، إن حاورته بهتك لا ينصت فيسلم، ولا يتكلم بما لا يتعلم، يغلب لسانه قلبه، ويضبط قلبه قوله، يتعلم المراء وينفقه للرياء ويكثر الكبرياء، يسعى للدنيا ويواكل في التّقى.
المدائني قال: كان عون بن عبد الله بن عتبة يقول: لم يعذب أحد في الدنيا بمثل الظن السيء، والحسد الدائم، والجار البذيء، والزوجة السليطة.
قال: وكان يقول: عجبت لرجل يطلب ما لعله لا يدركه، ويدع ما يتيقن أنه مدركه.
стр. 4587
كان يقول: عجبا لمن آثر ظنا على يقين، وغررا على ثقة.
وقال عمر لعون بن عبد الله بن عتبة: أما آن لك أن تترك الشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا بدّ للمصدور من أن ينفث.
وكان عون يقول: ليس كلام أوجز من كلام العرب، قال امرؤ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
(١) فوقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر حبيبه، ومنزله في نصف بيت.
تمّ خبر عون.
وقال أبو اليقظان: كان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
صاحب ابن عباس فقيها من خيار أهل المدينة، وهو القائل لعمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، ومرّا فلم يسلما عليه:
لا تعجبا أن تؤتيا وتكلما … فما حشي الأقوام شرا من الكبر
وهذا تراب الأرض منه خلقتما … وفيها المعاد والمصير إلى الحشر
وقال أيضا:
أبا عمرو كن مثلي أو ابتغ صاحبا … كمثلك إني مبتغ صاحبا مثلي
فما يلبث الأقوام أن يتفرقوا … إذا لم يؤلّف شكل قوم إلى شكل
ولا ترجون ودّ امرئ ذي ملالة … ولا يحبب الإخوان إلا ذوي عقل
قال: وقيل لعبيد الله بن عبد الله: كيف تقول الشعر مع فقهك وورعك؟ فقال: إن المصدور لا يملك نفسه أن ينفث.
стр. 4588
ومن ولد عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود القاريّ: عون بن عبد الله بن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ولي القضاء ببغداد والنظر في أمر الزنادقة.
ومن ولد عتبة:
عبد الله بن عبيد الله بن عتبة،
وكان شاعرا.
وقال غير الكلبي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ومن شعره قوله:
أيها الشاتمي ليوهن عظمي … أنت بي جاهل وفيك اغترار
ومتى أدع زهرة بن كلاب … يستجيبوا أو تأتني أنصار
فيهم غلظة لمن خاشنوه … ويسار إذا يراد يسار
وهو القائل:
تمكّن حب عثمة في فؤادي … فباديه مع الخافي كبير
صدعت القلب ثم ذرأت فيه … هواك فليم فالتام القطور
(١) تغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يدخل سرور
وقال أيضا:
أبادر بالمال سهمانه … وقول المعوّض والرائث
(٢) وأمنح نفسي الذي تشتهي … وأؤثر نفسي على الوارث
ومنهم: عمرو بن عميس بن مسعود قتله الضحاك بن قيس الفهري
بالقطقطانة،
وقد كتبنا خبره في الغارات بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما.
стр. 4589
وولد عمرو بن الحارث بن تميم:
جشم بن عمرو. ومازن بن عمرو. وضبة بن عمرو. وخثيم بن عمرو. وعنزة بن عمرو.
وولد معاوية بن تميم:
سهم بن معاوية، بطن. وقرد بن معاوية، بطن. ومازن بن معاوية، بطن. وعوف بن معاوية، بطن. وحيّ بن معاوية - ويقال: حيّ: بطن - وجعيل.
ومن هذيل ثم من خناعة: مالك بن خالد الشاعر.
ومن بني قريم: أبو أراكة الشاعر وأبو بثينة الشاعر أيضا.
ومن بني كعب بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل.
صخر الغيّ (١) الشاعر،
وكان صخر الغي عمد إلى جار لبني خناعة فقتله، وكان المقتول مزنيا، فحرض أبو المثلم الهذلي الشاعر قومه عليه، فقال صخر قصيدة ردّ عليه فيها وهي التي أولها:
إني بدهماء عزّ ما أجد … عاودني من حبابها الزّؤد
(٢) وصخر الغيّ: صخر بن حبيب بن سويد بن رياح بن كليب بن كعب بن كاهل.
وأبو كبير بن ثابت بن عبد شمس (٣) بن خالد بن عمر بن عبد بن
كعب بن مالك بن كاهل الشاعر،
وأبو كبير القائل:
стр. 4590
عجلت يداك لخيرهم بمرشّة … كالعطّ وسط مزادة المستخلف
(١) وهو القائل:
يهدي العمود (٢) … له الطريق إذا هم
نهضوا وتعمد للطريق الأسهل
ولقد سريت على الظلام بمغشم (٣) … جلد من الفتيان غير مهبّل
(٤) مما حملن به وهنّ عواقد … حبك (٥) النطاق فشبّ غير مثقّل
حملت به في ليلة مزؤودة … كرها وعقد نطاقها لم يحلل
فأتت به حوش (٦) … الجنان مسهّدا
سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
(٧) ومن بني كعب بن كاهل:
ساعدة بن جؤيّة (٨) بن عبد
ويقال إنه من بني كعب بن صبيح بن كاهل وهو القائل:
هجرت غضوب وحبّ من يتجنب … وعدت عواد دون وليك تشعب
(٩) يقول: ما أحبّ إلينا من يتجنّب يعني غضوب. وهو القائل: