← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

﴿صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ (١) ثم يقول: يا ربيع قد رجعت، قد رجعت، ثم يقوم فيمكث ما شاء الله وذلك يرى فيه. حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا أبو المليح عن يوسف بن الحجاج الأنماطي قال: سمعت الربيع بن خثيم يقول: لأن أقلّب بيديّ شحم خنزير أحبّ إليّ من أن أقلّب بهما كعبي النّردشير. حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا أبو معاوية محمد بن خازم الضرير عن الأعمش عن أبي رزين عن الربيع في قوله: ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (٢). قال: مات على المعصية. وقال محمد بن سعد: كان الربيع يدعى أبا يزيد، ومات في ولاية عبيد الله بن زياد (٣). ومن بني ثور: بكر بن ماعز وأبو يعلى منذر الثوري. ومنهم: سفيان بن سعيد (٤) بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبيّ بن عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ، وأخوه المبارك بن سعيد. وكان سفيان بن سعيد، وهو الثوري الفقيه يكنى أبا عبد الله، ومات أبوه سعيد في ولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز العراق ليزيد الناقص. حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي عن بشر بن الحارث العابد قال: قال سفيان بن عيينة، وكان شيخ الناس: الناس ثلاثة. ابن عباس في زمانه،

стр. 4657

والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه. وقال عبد الله بن المبارك ليحيى بن سعيد القطان: إذا لقيت سفيان فلا تسأله إلا عن رأيه. وحدثني أبو الحسن المدائني عن الفضيل بن عياض أنه قال لسفيان الثوري: دلني على رجل صدق أجلس إليه، فقال: تلك ضالة لا توجد. وقيل لسفيان: انك لتكثر ذكر شهوتك للموت وقد جاء في ذلك ما تعلم فقال: إن الله ليعلم لأي شيء أشتهيه، أخاف أن أحوّل عما أنا عليه وانتقل إلى غيره. وقال أحمد بن ابراهيم: ثنا وكيع قال: بعث سفيان إلى متطبب بمائه فزعموا أنه قال: إن لم يكن هذا محموما فهو محزون. قالوا: وكان سفيان يقول: إني لأحزن فأبول دما. حدثنا أحمد بن ابراهيم، عن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك عن سفيان قال: ذكر الموت غنى وقال: ما أطاق أحد العبادة إلا بخوف. حدثنا أحمد بن ابراهيم، حدثني خلف بن تميم قال: سمعت سفيان الثوري يقول: وجدت قلبي يصلح بمكة والمدينة مع قوم غرباء في بتوت (١) وعباء، وقال: كانوا يحبون الأسفار ويعجبهم أن يموتوا غرباء. وقال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان إذا كانت الفتنة فأين ترى أنزل؟ فقال: الكوفة أو البصرة. حدثني أحمد بن ابراهيم، حدثني حسن بن الربيع عن عبد الله بن المبارك، حدثني عمار بن سيف الضبّي قال: شرب سفيان الثوري عندي

стр. 4658

دواء فقلت له: أجيئك بعسل أو نبيذ؟ فقال: بعسل. حدثني أحمد بن ابراهيم، عن حسن عن محمد بن اسماعيل قال: قلت لسفيان في شيء من الأشياء إذا كان قابل فقال: أتراني يا محمد أعيش إلى قابل إنا لله إذا. المدائني عن ابن المبارك قال: قال سفيان الثوري: نظام العبادة النصيحة للناس، ونظام الصدقة الرحمة لذوي الخلّة، ونظام العلم صدق اللسان، فأيّ هذه الخلال فقد نظامه بطل فضله. قال: وقال سفيان: أنا للظالم أرحم مني للمظلوم. حدثني أبو عمران المقرئ الضرير قال: سمعت ابن عيينه يقول: لله در الثوري، بلغني أنه قال: عجبا لرجل يعرّفه صاحبه بمودته ونصيحته ولا يعلم منه إلا خيرا خمسين سنة ثم يأتيه رجل لا يعرفه فيخبره عنه بسوء فيقبله منه ويطرح معرفته. حدثني بكر بن الهيثم عن محمد بن يوسف الفاريابي قال: قال سفيان الثوري: لقد صدق جعفر بن عمرو بن حريث حيث قال: لا ينبغي للعاقل أن يسمع من ذي غيبة، فإن المغتاب عندك اليوم مغتاب لك غدا. حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي وأبو بكر الأعين قالا: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: سمعت إنسانا سأل سفيان بمكة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في النبيذ؟ فقال: عليك بماء زمزم. حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، حدثني محمد بن ابراهيم، ثنا وهب بن اسماعيل الأسدي قال: كنت عند سفيان الثوري فجاء شميط، وكان من أفاضل أهل الكوفة، فسكن السواحل فقال له سفيان: يا أبا

стр. 4659

عبد الله ذهب الناس وبقينا في حمر دبرة، فقال شميط يا أبا عبد الله إن تكن هذه الدبرة على الطريق فيوشك أن تبلغ يوما، ثم قام فمضى، فقال سفيان: هذا والله خير مني، هذا والله خير مني، قالها ثلاثا. ومات شميط في بعض السواحل. حدثني أحمد بن ابراهيم، عن عبيد بن جناد قال: سمعت عطاء بن مسلم يقول: كنت أنا وأبو إسحاق الفزاري عند سفيان الثوري ذات ليلة وهو مضطجع، فرفع رأسه إلى أبي إسحاق فقال: إياك والشهرة. وقال أحمد بن ابراهيم: قيل لسفيان متى يهلك الرجل؟ قال: إذا عرف وشهر. قال عبيد: وقال عطاء بن مسلم: خرج سفيان من ستر له ذات ليلة وهو مغضب وعليه بتّ فبسطه ثم اضطجع عليه، وقال: لا تسبّوا الأمراء فإني قسمت الساعة شيئا بين أهلي ففضلت بعضهم على بعض، فوالله ما رضي على الذي فضلته ولا سلمت ممن فضلت عليه. حدثني أحمد بن هشام بن بهرام عن شعيب بن حرب عن سفيان الثوري قال: رضي الناس غاية لا تدرك. قال: وسمعته يقول: شرار الناس قراؤنا هؤلاء الذين تقارضوا الثناء بينهم. وقال أبو إسحاق الفزاري: قال سفيان الثوري: إنما يتعلم العلم ليتقى الله به. وقال سفيان: زينوا الحديث بأنفسكم وورعكم. وقال سفيان: إن للكذب منازل فأسوأها أثرا وأعظمها ضررا إخلاف المواعيد، واتهام الأبرياء.

стр. 4660

حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا أبو نعيم حدثني أبو أحمد الزبيري قال: رأيت الحسن بن صالح بن حي يصلي عند الطشت فجاء سفيان فخلع نعليه، فلما رأى الحسن أخذ نعليه ومضى إلى موضع آخر. قال أحمد بن ابراهيم: وكان الحسن شيعيا. وقال أبو نعيم: مات مسعر بن كدام في رجب سنة خمس وخمسين ومائة فما شهد جنازته سفيان ولا شريك، وكان مرجئا. وقالوا: قال رجل لسفيان: إن بني عمي ربما كسوني ولكنهم يفعلون ويصنعون، فقال سفيان: ما أقبح بالرجل أن يأخذ خرق قومه ثم يذمهم. قالوا: وكان سفيان يمر بالأشياخ فيقول: ما ينتظرون بالزرع إذا استحصد؟. حدثني أحمد بن هشام عن شعيب بن حرب قال: قال لي سفيان: اذهب إلى ذاك - يعني أبا حنيفة - فسله عن عدة أم الولد إذا مات عنها سيدها، فأتيته فسألته فقال: ليس عليها عدة. فأخبرت سفيان بقوله فقال: هذه فتوى يهودي. وذكروا عن جرير الضبي عن ثعلبة عن سفيان أنه قال: ما ولد في الإسلام مولود أشأم على هذه الأمة من أبي حنيفة. وحدثني عبد الله بن صالح العجلي قال: دعي سفيان الثوري وشريك إلى ولاية القضاء فامتنعا فحبسا فأما سفيان فسأل الموكل بهما أن يأذن له في إتيان منزله لحاجة له وحلف له ليعود، فخلّف نعليه ومضى فلم يبعد حتى عاد فأخذ نعليه، ثم مضى فاستخفى، وأجاب شريك إلى القضاء فوليه. قال أبو اليقظان: كان سفيان الثوري ورعا فقيها، وأتى البصرة

стр. 4661

فتوارى بها، وبها مات متواريا، ودفن عشاء فقال الشاعر. تحرّز سفيان وفر بدينه … وأمسى شريك مرصدا للدراهم ويروى: وباع شريك دينه بالدراهم. حدثني أحمد بن ابراهيم، ثنا سعدويه عن أبي شهاب قال: قدمت مكة فأتيت سفيان وهو مستلق فسلمت عليه فلم يجبني فقلت: إنّ أهلك بعثوا إليك معي بمزود فيه طعام، فاستوى جالسا فقلت: يقدم عليك رجل من أهل مصرك فيسلم عليك فلا تكلمه حتى إذا ذكر الطعام جلست؟ فقال: لا تلمني يا أبا شهاب فما ذقت ذواقا مذ ثلاث. حدثني أحمد بن ابراهيم، ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت سفيان ما لا أحصي يقول: ما من شيء أخوف عندي منه، يعني الحديث. وروي أنه قال: ليتني لم أكتب من الحديث ما كتبت وأنّ يدي مقطوعة. حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا وكيع عن سفيان قال: ما أعلم عملا أفضل من طلب العلم وحفظه لمن أراد الله به. حدثني أحمد، ثنا قبيصة قال: سمعت سفيان يقول في قول الله: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾. قال: الآخرة وما خلفنا الدنيا ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ (١) النفختين. قال: وسمعته يقول: خير الدنيا لكم ما لم تبتلوا به. وخير ما ابتليتم به منها ما خرج من أيديكم. قال أحمد: وثنا وكيع قال: سمعت سفيان يقول: الزهد في الدنيا

стр. 4662

قصر الأمل ليس بأكل الغليظ، ولبس العباء. وقال ابن المبارك: قال سفيان: الحزن على قدر البصر، وكان سفيان يقيم أصحابه فيقول: قوموا فصلوا ما دمتم شبانا، وكان سفيان يقول: لا يعجبني قول الرجل: أمتع الله بك، ولا: وصلك الله. حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سجد سفيان على مرفقه، فقلت: إن ابن عمر قال: يومئ فقال: ابن عباس أفقه من ابن عمر. وقال ابن مهدي: كان سفيان يكره أن يحج الرجل عن الرجل بأجرة. وقال أبو عاصم النبيل: كنا إذا جلسنا إلى سفيان قال: إن النهار يعمل عمله. وقال أبو عاصم: أنبأ سفيان قال: كان الرجل لا يطلب الحديث حتى يتعبد قبل ذلك عشرين سنة. حدثنا أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان في قول الله: ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ (١) قال رخص الأسعار. حدثنا أحمد، ثنا قبيصة عن سفيان قال: من أفضل الأعمال إدخال السرور على المسلم. أحمد عن عبيد الله بن موسى عن سفيان قال: البس من الثياب ما لا تستشهره (٢) الفقهاء، ولا يزدريك به السفهاء، وكان يقول: خير الأمور أوساطها.

стр. 4663

وقال أبو نعيم: سمعت سفيان يقول: الإيمان يزيد وينقص. وكان سفيان يقول: لا يشهد على رجل باسمه أنه في الجنة بعد النبي ﷺ . وقال: قال ابن عباس: لا أذكر أحدا بعد النبي ﷺ . قالوا: وكتب سفيان إلى عبّاد الخواص: إنك إن اتقيت الله، كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئا، فعليك بتقوى الله، ولزوم العزلة، واشتغل بنفسك عن غيرك، واستأنس بكتاب الله، وتفقد دينك وورعك وأصلح قلبك ونيتك، وأحبّ المساكين، وأمر بالخير في رفق، فإن قبل منك حمدت الله وإن لا أقبلت على نفسك، ولم تمتهنها لغيرك. وقد كان ابن مسعود يقول: النجاة في اثنتين: في التقى والنهى، والهلاك في اثنتين: في العجب والقنوط، فسدّد واستعن بالله، والسلام. المدائني عن الثوري قال: كان يقال إذا أراد الله بقوم سوءا جعل هلكتهم في حيلتهم. وقال سفيان لرجل: أدن مني فلو كنت غنيا ما أدنيتك. وكان يقول: لأحبّ الرجل وما يعلم بحبي له. وقال له رجل: قم إلي. فقال: إن كنت عجليا قمت إليك، وكانت أمه عجليّة. وكان يقول: المال في هذا الزمان سلاح المسلم. وقال محمد بن عبيد الطنافسي رأيت سفيان يطوف حول البيت وعليه

стр. 4664

كساء كرا (١) وهطرا (٢) وعليه إزار قد تقطعّ وسطه ولفق طرفاه، فكأني أرى الدرر بين رجليه وهو يطوف. وروي عن سفيان قال: ما درهم ينفقه المؤمن هو فيه أعظم أجرا من درهم يعطيه صاحب حمّام ليخليه له. وكتب سفيان إلى أخيه مبارك بن سعيد: أما بعد فأحسن القيام على عيالك وليكن الموت من بالك، والسلام. حدثني أحمد بن ابراهيم عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن سفيان أنه صلى على جنازة فكبر الإمام أربعا، ثم توقف ليكبر الخامسة فاعتزل سفيان وجلس. وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: أكلت مع سفيان ناطفا معقدا بجوز ولوز وخشكنانج (٣) فقال: أما إنا لم نصنعه، ولكن أهدي لنا. حدثنا أحمد، ثنا وكيع عن سفيان قال: بلغنا أن الداذي خمر السّند، ولا يشربه إلا الفسّاق، وقال: إذا غلى النقيع فلا تشربه. حدثني أحمد بن ابراهيم عن أبي يعقوب الحلبي عن عطاء الحلبي قال: قال لي سفيان الثوري ونحن نطوف بالبيت: يا عطاء أحذر الناس، وأنا أيضا فاحذرني. وقال سفيان: لا تعلّم العلم لتباهي به العلماء، وتماري به السفهاء، وتشاكل به الأغنياء أو تستخدم به الفقراء. وقال عبد الله بن المبارك: سمعت سفيان يقول: ليس هذا بزمان

стр. 4665

طلب فضل ولكنه زمان تمسك. وحدثني عبد الحميد بن واسع عن يحيى بن آدم أن الثوري قال: ما رأيت كالكلام به شفاء النفوس ودواؤها ونفعها وضررها، ثم قرأ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (١). المدائني قال: قال سفيان: من علمت منه الخير فرأيت منه شرا فأحسن به الظن، ومن علمت منه الشر فرأيت منه خيرا فاتّهمه، وقد يقلب الله القلوب. وحدثني أحمد بن ابراهيم عن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: خرج سفيان إلى اليمن في مضاربة لرجل، فلقي معمرا، وخرج إلى اليمن في سنة خمسين ومائة أو إحدى وخمسين ومائة، فلقي معن بن زائدة في الطريق فتوارى عنه. وقال أبو نعيم: أمر المهدي أمير المؤمنين لشريك ولابني حيّ، ولمسعر، وسفيان الثوري بألفين ألفين فقبلوها إلاّ سفيان فإنه لم يقبلها، فكلّم وخوّف فجعلها لأخيه مبارك. وكان لا يقبل من أحد شيئا. وإن دفع إليه مال يقسمه لم يقبله. حدثنا أحمد، ثنا خلف بن تميم قال: قال سفيان: إني لأعرف حرص الرجل على الدنيا بتسليمه على أهلها. حدثني أحمد بن ابراهيم، حدثني محمد بن محمد عن عبد الغفار صاحب سفيان قال: جاء رجل إلى سفيان بمكة، فقال: يا أبا عبد الله، أردت الشام فاكتب لي كتابا إلى أبي عمرو الأوزاعي توصيه بي، فقال: نعم

стр. 4666

وما أراك تدركه إني رأيت ملكا من الملائكة نزل إلى الشام فاقتلع منها ريحانه فرفعها، وإني أظن أن الرجل قبض، قال: فخرج الرجل فلما شارف الشام بلغته وفاة الأوزاعي. حدثني أحمد حدثني محمد بن محمد عن محمد بن يوسف قال: اجتمع على سفيان سؤال من الأعراب في طريق مكة فأطعمهم ما في سفرته، وأكبوا عليه فقال: لا جزى الله أبا جعفر عنكم خيرا. أحمد بن إبراهيم عن خلف بن تميم قال: كان سفيان يتمثل: أطريف إن العيش كدّر صفوه … ذكر المنية والقبور الهوّل دنيا تداولها العباد ذميمة … شيبت بأكره من نقيع الحنظل وبنات دهر ما تزال ملمّة … فيها فجائع مثل وقع الجندل وحدثني بعض أصحابنا أن علي بن الجعد أخبره أن سفيان كان يتمثل بهذا الشعر، وهو فيما يقال لابن شبرمة أو لأبيه شبرمة: هذا الزمان الذي كنا نحذّره … في قول سعد وفي قول ابن مسعود إن دام ذا العيش لم نحزن على أحد … منا بموت ولم نفرح بمولود وقال الفضل بن دكين: دعا أمير المؤمنين المنصور أبو جعفر سفيان فدفع إليه خاتمه وقال: إنك تزعم أنا لا نعدل فاعمل بالعدل فيما وراء بابنا، فلم يقبل ذلك. وسأل سفيان وهو بالبصرة عن رجل من أصحابه، فقيل هو على مسائل شريك، وأتاه الرجل فلما رآه قال له: أبعد القرآن والعلم صرت على مسائل شريك؟ فقال: كبرت سني وكثر ديني، فقال: لأن تموت ودينك عليك أحبّ إلي من أن تقضيه مما تصيبه من مسائل شريك.

стр. 4667

وقال محمد بن سعد مات سفيان الثوري، ويكنى أبا عبد الله بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة (١). وقال الواقدي ولد سفيان سنة سبع وتسعين. وقال أبو اليقظان خرج بنو ثور من الرباب، وليس بالبصرة منهم اليوم أحد. وقال محمد بن سعد: ومن بني ثور نسير بن ذعلوق الذي روي عنه الحديث.

стр. 4668

نسب مزينة وهم ولد عمرو بن أدّ وولد عمرو بن أد بن طابخة: عثمان بن عمرو. وأوس بن عمرو، وأمهما مزينة بنت كلب بن وبرة بها يعرفون. فولد عثمان بن عمرو بن أد: لاطم بن عثمان. وعدّار، وحياوه. وأفرك، وأمهم ابنة قيس بن عيلان بن مضر. فولد لاطم بن عثمان بن مزينة: هذمة. وسعد. وجرس. فولد هذمة: ثور بن هذمة. وعمران بن هذمة. فولد ثور بن هذمة بن لاطم: ثعلبة بن ثور. وعبد بن ثور. وعامر بن ثور. فولد ثعلبة بن ثور: خلاوة. وعبد الله. وشيبان. فولد خلاوة بن ثعلبة: مازن بن خلاوة. وقرة بن خلاوة. وخالفة بن خلاوة. وولد مازن بن خلاوة: نضلة بن مازن. وصبح بن مازن. والحارث بن مازن. ونهيك بن مازن. وكلاب بن مازن. وقرة بن مازن،

стр. 4669

وهم رهط بلال بن الحارث المزني الذي أقطعه النبي ﷺ (١). حدثنا القاسم بن سلاّم، ثنا إسحاق بن عيسى عن مالك بن أنس عن ربيعة عن قوم من علمائهم أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن بناحية الفرع. وحدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا أبو نعيم بن حماد عن عبد العزيز بن محمد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه بلال بن الحارث أن النبي ﷺ أقطعه العقيق أجمع (٢). وحدثني عمرو بن محمد الناقد وابن سهم الأنطاكي قالا: ثنا الهيثم بن جميل الأنطاكي، ثنا حماد بن سلمة عن أبي مكين عن أبي عكرمة مولى بلال بن الحارث المزني: أقطع رسول الله ﷺ بلالا أرضا فيها جبل ومعدن، فباع بنو بلال عمر بن عبد العزيز أرضا منها فظهر فيها معدن أو قال معدنان، فقالوا: إنما بعناك أرض حرث ولم نبعك المعادن، وجاؤوا بكتاب النبي ﷺ لهم في جريدة فقبّلها عمر ومسح بها عينيه، وقال لقيّمه: انظر ما خرج منها وما أنفقت فقاصّهم بالنفقة، ورد عليهم الفضل. وحدثنا الحسين بن علي العجلي عن يحيى بن آدم عن يزيد بن عبد العزيز عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أقطع عمر بلالا العقيق ما بين أعلاه إلى أسفله (٣). وكان بلال بن الحارث يكنى أبا عبد الرحمن مات سنة ستين وهو ابن

стр. 4670

ثمانين، وكان يسكن جبليهم الأشعر والأجرد، ويأتي المدينة كثيرا، وكان ابنه حسان بن بلال بالبصرة. وولد صبح بن مازن بن خلاوة: الحارث بن صبح. والحويرث بن صبح. وناشرة بن صبح، وأمهم سبيعة بها يعرفون. فمن بني صبح: معقل بن سنان بن نبيشة بن سلمى بن سلامان بن النعمان بن صبح، أقطعه النبي ﷺ قطيعة. ومن بني الحارث بن مازن بن خلاوة: زهير بن أبي سلمى (١) الشاعر، واسم أبي سلمى ربيعة بن رباح بن قرط بن الحارث بن مازن بن خلاوة بن ثعلبة. وابناه كعب بن زهير. وبجير بن زهير الشاعران، وكان خال ربيعة أبي زهير من بني مرة بن غطفان، وهو أسعد بن غدير بن سهم بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وكان أسعد خرج في بني مرة ليغير على طيّ ومعهم أبو سلمى فأصابوا نعما وأموالا، فرجعوا إلى أرضهم فقال ربيعة أبو سلمى لأسعد خاله ولابنه كعب بن أسعد افردا لي سهمي وادفعاه إليّ فأبيا ذلك عليه ومنعاه حقه، فلما جنّ عليه الليل قال لأمه: واللات لتقومنّ إلى بعير من هذه الإبل فتقعدنّ عليه أو لأضربنّ بسيفي ما تحت قرطك، يريد عنقها. فالتزمت سنام بعير منها وركبته وخرج بها وبالإبل حتى انتهى إلى قومه وجعل يقول: ويل لأجمال العجوز مني … إذا دنوت ودنون مني كأنني سمعمع (٢) … من جنّ

стр. 4671

وقال أيضا: ولتخرجن إبل مجنّبة … من عند أسعد وابنه كعب الآكلين صريح قومهما … أكل الحباري برعم الرطب ثم إن أبا زهير مكث حينا، ثم أقبل بمزينة ليغير على بني ذبيان فلما نظرت مزينة إلى أرض غطفان هابوهم فتطايروا وتركوه فقال: من يشتري فرسا كخير غزوها … وأبت عشيرة ربها أن تسهلا يقول أبيع فرسي إذا أشرفت عشيرتي على القوم فلم ينزلوا إلى السهل وتطايروا، ثم أتى بني عبد الله بن غطفان فكان فيهم. وقال عبد الله بن عباس قال لي عمر بن الخطاب: أنشدني شعرا لأشعر شعرائكم. قلت: ومن هو؟ قال: زهير. قلت: وبم كان كذاك؟ قال: كان لا يعاظل بين الكلام ولا يطلب حوشيّه ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال. وحدثني شيخ من مزينة أن أبا سلمى قال لزهير ابنه: يا بني إن المزاح سباب الرضا ويوشك أن يصير غضبا فلا تمزح فيستخف بك أو تكتسب عداوة صديقك، وعليك بأوساط الأمور فإن أطرافها متفاوتة. وكان كعب بن زهير (١) ﵀ أتى النبي ﷺ فكساه بردا اشتراه معاوية ﵀ منه بعشرين ألف درهم، وهو برد الخلفاء، ويقال إن أبا العباس أمير المؤمنين اشترى البرد من قوم من النصارى كان كساهم إياه، وجعله أمنة لهم. وامتدح كعب رسول الله ﷺ وقد كان قبل ذلك بلغ كعبا أنه أبلغ

стр. 4672

رسول الله ﷺ عنه شيء فخافه فقال: نبّئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول (١) في قصيدته الطويلة. وكان عقبة بن كعب شاعرا، وكان يقال له المضرّب لأنه شبّب بامرأة من بني أسد فضربه أخوها عدة ضربات بالسيف فلم يمت منها، وأعطي الدية: وحيّ ودي قد يعلم الناس أنه … كريم وما ظني بحب الأباعر فولد عقبة بن كعب بن زهير: العوّام لأم ولد يقال لها عيناء، وشبيبا أمه عربية. فأما العّوام فكان شاعرا، وكان يتحدث إلى امرأة بني عبس، ثم من بني ملاص يقال لها سوداء فجاء أخ لها يقال له حيّان إليه فأوعده، فوثب العوّام على حيّان فضربه حتى سقط، وأخذه بنو ملاص فجاء أخوه شبيب فقال: أنا أكفل به لكم فقال: يا شبيب إنه الدم، فقال: أنا أذكى دما وأكرم نفسا، فكفلوه وخلّوا عن العوام، ولم يكن حيان مات بعد، فلما مات انطلقوا بشبيب إلى أكمة يقال لها نضاد، وكان حيان لأم ولد فأنشأ شبيب يقول لابنته: إني لأخشى يا عليّ عليكم … حوادث هذا الدهر من كل جانب أحلّك بالثغر المخوف مكانه … أبوك ولم يجمع أداة المحارب وقال أيضا: دعيني فقد أبليت صبرا وعفة … فأسمح للموت الغداة قريني

стр. 4673

وجدتّك لا تدرين ما حمّ في غد … ولا ما غد جاء به فذريني وما كنت أخشى أن تكون منيتي … اسارا ولا قتلي بقتل هجين وقال العوام: سأجزي الزّرق زرق بني ملاص … بيوم نضاد أياما طوالا ستعلم يا شبيب بلاء سيفي … وقلب لم أعوّده النّكالا كأنّ سيوف زرق بني ملاص … تبادر مشرفيا أو هلالا فليت الأرض فاءت بي إليهم … وقد غلّوا يمينك والشمالا وانطلق رجل من آل أبي سلمى يقال له العطاف إلى عبد الملك بن مروان فاستعداه، فجعل قتيلا بقتيل. وعداد زهير بن أبي سلمى وولده في بني عبد الله بن غطفان، فربما انتسب بعضهم إليهم. وولد عبد بن ثور بن هذمه: كعب بن عبد. وعديّة بن عبد، وهم رهط علي بن وهب الشاعر. وقال هشام ابن الكلبي: وسمعت أيضا من يقول أنه عديّة بن كعب بن عبد بن ثور. ووعيش بن عبد بن ثور. فولد كعب بن عبد بن ثور: حبشيّة بن كعب. وخلاوة بن كعب. وعديّة بن كعب. وكعيب بن كعب. وكلفة بن كعب. وفلفلة (١). منهم: النعمان بن عمرو بن مقرن (٢) بن عائذ بن ميجا بن هجير بن نصر بن حبشيّة بن كعب، كانت له صحبة وولاه عمر كسكر، وجوخى، ثم ولاه قتال الفرس بنهاوند، وكان على المسلمين ممن غزاها، وبها

стр. 4674

استشهد، فبكى عليه عمر رضى الله تعالى عنه، وإليه نسبت قناطر النعمان بالجبل، وكان يكنى أبا عمرو. وأخوه سويد قتل معه، ويكنى أبا عدي. ومن ولد سويد: معاوية بن سويد يحدث عنه. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة عن مجاهد قال: البكاؤون بنو مقرّن وهم سبعة (١). قال الواقدي: سمعت من يقول أنهم شهدوا الخندق. قال الواقدي: كان عمرو بن عامر (٢) المزني حليف بني عامر بن لؤي، يكنى أبا عبد الله، وقد شهد الخندق، وهو قديم الإسلام أحد البكائين، ومات في أيام معاوية. ومنهم معبد بن خليد (٣) بن إثبة بن سليم بن بردويخ بن كلفة بن كعب، صحب النبي ﷺ . وعبد العزى بن وديعة بن حرّاق بن لأي بن كعب بن عبد بن ثور بن هذمة الشاعر. ومعقل بن يسار (٤) بن عبد الله بن معبّر بن حرّاق بن لأي بن كعب بن عبد، ويكنى أبا عبد الله، صحب النبي ﷺ ، وكان زياد بن أبي سفيان حفر نهر معقل بالبصرة وأجراه على يد عبد الرحمن بن أبي بكرة أو غيره، فلما فرغ

стр. 4675

منه وأراد فتحه بعث معقل بن يسار ففتحه ببركاته لأنه من أصحاب رسول الله ﷺ . وذكر القحذمي أن زيادا أعطى رجلا ألف درهم وقال له: ابلغ دجلة وسل عن صاحب النهر من هو، فإن قال رجل إنه نهر زياد فأعطه الألف، فبلغ دجلة العوراء ثم رجع، فقال: ما ألفيت أحدا إلاّ يقول نهر معقل، فقال زياد: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ (١). وقوم يقولون أنه جرى حفره على يدي معقل، والأول أثبت، وإليه نسب هذا الرطب المعقلي لأنه ظهر أول ما ظهر في نخل على الأرضيين التي على ذلك النهر. ومات معقل بن يسار في أيام معاوية، وولاية عبيد الله بن زياد بعد أبيه، وكان قد انتقل إلى البصرة، وكان معقل عضل أخته أن ترجع إلى زوجها الأول وقد نكحت زوجا غيره ثم طلقها فنزلت فيه: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ (٢) الآية. وولد جرس بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أدّ: لحي بن جرس. منهم شريح (٣) بن ضمرة، أول من جاء بصدقة مزينة إلى رسول الله ﷺ . وولد عبد الله بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم: عدي بن عبد الله. وعمرو بن عبد الله. وبجالة بن عبد الله. وعيش بن عبد الله. ولأي بن عبد الله. منهم سنان بن مشنوء بن عمير بن عبيد بن زيد بن رواحة بن زبيبة بن عامر بن عدي بن عبد الله بن ثعلبة، الذي استخلفه

стр. 4676

النعمان بن مقرن على عمله، وسار إلى نهاوند، وكان يومئذ على كسكر وجوخى. وولد عامر بن ثور بن هذمة: عوف بن عامر. وعباية بن عامر. منهم عطية بن مكدّم بن عقيل بن وهب بن عمرو بن مرة بن عوف بن عامر بن ثور، كان شريفا بالحجاز. وولد عمران بن هذمة بن لاطم: عمرو بن عمران. وولد عمرو: حجر بن عمرو. ومرة بن عمرو ومازن بن عمرو. فولد حجر: قيس بن حجر. وولد مرة بن عمرو بن عمران: غياث بن مرة. فولد غياث: الكاهن بن غياث وولد بالجزيرة. وخفاف بن غياث. وعبد فهم بن غياث. وحنظلة بن غياث. ومالك بن غياث. وفجر بن غياث. منهم: بشر بن عصمة بن مصاد بن جابر بن عبدنهم بن غياث بن مرة بن عمرو بن عمران بن هذمة، شهد صفين مع علي ﵇ وكان فارسا. ومسافع بن عمرو بن زهرة بن واهب بن عبدنهم بن غياث الشاعر. وولد عدّاء بن عثمان بن مزينة: معاوية بن عداء. وسعد بن عداء. فولد معاوية بن عداء: صعصعة بن معاوية. فولد صعصعة: عمرو بن صعصعة. وعامر بن صعصعة. وناشرة بن صعصعة. فولد عمرو بن صعصعة: بغيض بن عمرو.

стр. 4677

وولد سعد بن عداء: عامر بن سعد. وذؤيب بن سعد. فولد عامر بن سعد بن عداء. سعد بن عامر. فولد سعد: كراثة بن سعد. وولد ذؤيب بن سعد بن عداء: ثعلبة بن ذؤيب. ورزاح بن ذؤيب. منهم: خزاعي بن عبدنهم (١) بن عفيف بن سحيم بن ربيعة بن عداء بن ثعلبة بن ذؤيب، وهو الذي كسر صنم مزينة، ثم لحق بالنبي ﷺ مسلما، فكان على قبض مغانم النبي ﷺ . وأخوه المغفل وابنه عبد الله بن المغفل (٢)، زوجه النبي ﷺ امرأة من الأزد، حين أسلم. وقال أبو اليقظان: ولى عمر عبد الله بن المغفل عملا، ومات بالبصرة، وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي. ومنهم: معن بن أوس (٣) بن نصر بن زياد بن أسعد بن أسحم بن ربيعة بن عداء بن ثعلبة بن ذؤيب، وهو الذي يقول في قصيدته اللامية التي أولها: لعمرك ما أدري وإني لأوجل … على أيّنا تعدو المنية أول ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني … يمينك فانظر أي كف تبدل إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد … إليه بودّ آخر الدهر تقبل

стр. 4678

وهو القائل أيضا: ترى حالب المعزى وإن سرّ قاعدا … وحالبهنّ القائم المتطاول يعني حالب الإبل وقد مدح معن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية. ودخل معن البصرة فتزوج ابنة عم له يقال لها ليلى، فاستأذنها في إتيان بلاده فأذنت له فأبطأ عليها، فركبت إليه فوجدته في بت وجبة صوف فقالت له: أهذا عيشك الرفيع الذي نزعت إليه؟ فقال لها: لو قد جاء الربيع فرأيت الخزامي والزهرة لرأيت عيشا طيبا، فأمرت فنظف وكسي، ثم إنها رجعت إلى البصرة وقد طلقها وندم. ومنهم بشر بن المحتفز (١) بن عثمان بن بشر بن أوس بن نصر بن زياد بن أسعد بن أسحم بن ربيعة بن عداء بن ثعلبة بن ذؤيب وهم بخراسان، وهو ممن رفع عليه أبو المختار يزيد بن قيس بن يزيد بن الصعو إلى عمر بن الخطاب في قصيدة له فقال: فأرسل إلى الحجاج فاعرف حسابه … وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر فقاسمه عمر ماله، وكان بشر بن المحتفز على جنديسابور من كور الأهواز، وكانت لبشر صحبة ورفع عليه عند عمر رضي الله تعالى عنه أنه اتخذ لجنديسابور مسجدا يصعد إليه بدرجة عالية، وأنه لبس البزيون (٢) واتخذ الأخلة كما تتخذها العجم، فقال: أما المسجد فاني بنيته فوق ظهر بيت، لأني في بلدة كثيرة الخنازير فكرهت أن تدخل المسجد. وأما البزيون

стр. 4679

فإنه ثوب جميل باق، وأما الأخلة فاتخذتها لأني رجل أفلج الأسنان فالطعام يبقى في أسناني فأخرجه بالخلال، فسكت عمر ولم يغيّر ذلك عليه. وكان له ابنان أحدهما: عثمان بن بشر بن المحتفز، والآخر عبد الرحمن، وكان ابن الزبير ولى عبد الله بن خازم خراسان، وبعث بعهده عليها إليه وهو بها، فقال سليمان بن مرثد أحد بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة: والله ما ابن الزبير بخليفة مجتمع عليه، وانما هو رجل عائذ بالبيت، فحاربه في جموعه فظفر ابن خازم، وقتل سليمان، قتله قيس بن عاصم السلمي، واحتز رأسه. واجتمع فلّ سليمان إلى عمرو بن مرثد أخيه بالطالقان، فسار إليه ابن خازم فقاتله فقتله، وولى ابن خازم ابنه محمد بن عبد الله بن خازم هراة، فهاج بنو تميم بهراة وقتلوا محمدا، فظفر أبوه بعثمان بن بشر بن المحتفز بالطالقان حين حارب عمرو بن مرثد فقتله صبرا، ويقال إنه ظفر به وبأخيه أيضا فقتلهما. وكتب عبد الملك إلى ابن خازم بولاية خراسان كتابا، فأمر رسوله بأكله وقال: ما كنت لألقى الله وقد نكثت بيعة ابن حواري رسول الله ﷺ وبايعت ابن طريده، فكتب عبد الملك إلى بكير بن وساج بولايته خراسان، وكان بكير قد باينه، وقاتله بقرب مرو فقتل ابن خازم، قتله وكيع بن الدورقية، وأتى بكير بن وساج برأس ابن خازم فبعث به إلى عبد الملك بن مروان، وقطعت يد ابن خازم، فبعث بها إلى عثمان بن بشر بن المحتفز. وولد أوس بن مزينة: سليم بن أوس. وعامر بن أوس. فولد سليم: محارب بن سليم. وثعلبة بن سليم. فولد محارب: حلمة.

стр. 4680

فولد حلمة: خالد بن حلمة. وشيبان بن حلمة. وولد ثعلبة بن سليم بن أوس: عبادة بن ثعلبة. وذبيان بن ثعلبة. وعبد الله بن ثعلبة. منهم إياس بن معاوية (١) بن قرة بن اياس بن هلال بن رئاب بن عبيد بن سوءة بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليم بن أوس بن مزينة، وكان لإياس بن هلال صحبة، وكانت أم إياس بن معاوية أم ولد، وكان إياس يكنى أبا وائلة. وكان أبوه معاوية بن قرة من خيار أهل البصرة، وكان يكنى أبا إياس. قال أبو الحسن المدائني: كان اياس بن معاوية قاضيا فقيها قائفا يزكن فلا يخطئ، استقضاه عمر بن عبد العزيز، وأرسل رجلا من أهل الشام وأمره أن يجمع بين إياس والقاسم بن ربيعة الحوشي من بني عبد الله بن غطفان فيولّي القضاء أنفذهما، فقدم البصرة فجمع بينهما فقال إياس للشامي: أيها الرجل سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن وابن سيرين، فمن أشار عليك بتوليته فولّه. وكان القاسم يأتي الحسن وابن سيرين، ولم يكن إياس يأتيهما، فقال القاسم. لا تسألهما عنا فوالله الذي لا إله إلا هو إن إياسا لأفضل مني وأفقه وأعلم بالقضاء، فإن كنت عندك ممن تصدّق فإنه ينبغي لك أن تقبل قولي، وإن كنت كذابا فما يحلّ لك أن توليني، فقال إياس للشامي: إنك جئت برجل فأقمته على شفير جهنم فافتدى نفسه من النار بيمين حلفها كذب فيها يستغفر الله منها وينجو مما

стр. 4681

يخاف. فقال الشامي: اما إذ فطنت لهذا فإني أوليك فاستقضاه فلم يزل على قضاء البصرة سنة ثم هرب. المدائني قال: قيل لإياس - وكان إذا تبين له وجه الحكم أمضاه ولم يؤخره-: إن فيك أربع خصال: دمامة، وكثرة كلام، وإعجاب بنفسك، وانك تعجل بالقضاء، فقال: أما الدمامة فالأمر فيها إلى غيري، وأما كثرة الكلام أفبصواب أتكلم أم بخطأ؟ قالوا: بصواب. قال: فالإكثار من الصواب أمثل من الإقلال. وأما إعجابي بنفسي أفيعجبكم ما ترون مني؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أحق بأن أعجب بنفسي. وأما قولكم إني أعجل بالقضاء فكم هذا؟ وعقد بيده خمسة، فقالوا: خمسة. قال عجلتم. قالوا: هذا أوضح من أن نبطئ فيه. قال: فإني أتبين القضاء فلا أبطئ بإنفاذه ولا أؤخره. وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن ابن كناسة قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق أيام يزيد بن عبد الملك دعا إياسا إلى ولاية القضاء فأباه عليه، فضربه أسواطا وأجبره على ولاية الحسبة بواسط. قالوا: والتقى رجلان على أحدهما مطرف خز، وعلى الآخر كساء أنبجاني، فادعى صاحب الأنبجاني أن المطرف له والانبجاني لصاحب المطرف. ودعا إياس بمشط وماء فبلّ رأس كل واحد منهما وقال لأحدهما سرح رأسك فسرح رأسه، فخرج في المشط غفر المطرف، وسرح الآخر فخرج في المشط غفر الأنبجاني فقال له: يا خبيث، الأنبجاني لك فأقر فدفع المطرف إلى صاحبه. وقال إياس: ما يسرني أني كذبت كذبة لا يطّلع عليها في الدنيا

стр. 4682

ولا أؤخذ بها في الآخرة وأن لي مفروحا به في الدنيا. وقال إياس: لو صحبني رجل فقال: اشترط علي خلة واحدة لا تزيد عليها لقلت: لا تكذبني. المدائني قال: شهد وكيع بن أبي سود عند إياس شهادة، فقال له: يا أبا مطرف إنما يشهد الموالي والتجار والسفلة وليس يشهد مثلك من الأشراف فقال: صدقت. فلما انصرف قيل له: إنه لم يجز شهادتك قد قعد عنها. فقال: لو علمت ان هذا هكذا لحبجته (١) بالعصا. قال: ودخل الحسن على إياس فبكى، فقال: ما يبكيك يا أبا واثلة؟ قال: الحديث الذي جاء «أن القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، قاض تعمّد الحق فأخطأ فهو في النار وقاض تعمّد الجور فهو في النار وقاض تعمّد الحق فأصاب فهو في الجنة». قالوا: وردّ اياس شهادة رجل من المسلمين فشكا ذلك إلى الحسن فقال الحسن: يا أبا واثلة لم رددت شهادة هذا وهو مسلم وقال رسول الله ﷺ : «من صلى قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا»؟ فقال إياس: يا أبا سعيد إن الله يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ (٢) وهذا ممن لا نرضاه فسكت الحسن. قال: ورأى إياس رجلا فقال له: قد حلقت نصف لحيتك قال: نعم، ثم قال: فمن أين عرفت ذلك؟ قال باختلاف الشعر. واختصمت إلى إياس امرأتان في غزل. وكل واحدة منهما تدعيه، فأخذ الغزل منهما وقال لإحداهما: كيف غزلك؟ قالت بالفارسية، وقال

стр. 4683

للأخرى: كيف غزلك؟ قالت: منكوس، فنظر إلى الغزل فقال: هو بالفارسية فقالت الأخرى: صدقت هو غزلها ولكنها رهنته عندي. واختصم إلى إياس امرأتان في كبة غزل فأخذها وقال لإحداهما: على أي شيء كببتها؟ فقالت: على جوزة. وسأل الأخرى فقالت: على خرقة، فأمر بنقض الكبة فوجد الجوزة، فدفعها إلى صاحبتها. وكان يقول: صاحب المرأة الواحدة إذا حاضت حاض، وإذا مرضت مرض وإذا زارت زار. قالوا: واستودع رجل رجلا مالا ثم طلبه منه فجحده، فخاصمه إلى إياس، فقال للطالب: أين دفعت إليه المال؟ قال: بموضع كذا ولم يحضرنا أحد. قال: فأي شيء كان في ذلك المكان؟ قال: شجرة. قال: فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر فلعل الله أن يوضح لك هناك ما يتبين لك به أمرك، فمضى الرجل. وقال للمطالب: ارجع حتى يجلس خصمك فجلس وإياس يقضي ولا ينظر إليه ساعة، ثم قال: أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكر؟ قال: لا. قال: يا عدو الله إنك لخائن حائن. قال: أقلني أقالك الله. فأمر أن يحتفظ به حتى جاء خصمه، فقال: قد أقر لك بحقك فخذه منه. قال: واستودع رجل رجلا من أمناء إياس مالا وحج، فلما قدم طلبه فجحده، فأتى إياسا فأخبره فقال له إياس: أعلم ان أتيتني؟ قال: لا. قال: أفنازعته عند أحد؟ قال: لا، قال: فانصرف وعد إلي بعد يوم أو يومين، ودعا إياس أمينه ذاك فقال له: قد اجتمع عندي مال كثير أريد أن أودعك إياه وأوليك أمر ايتام، أفحصين منزلك؟ قال: نعم، قال: فعد

стр. 4684

إلى يوم كذا واعدد موضعا للمال وقوما يحملونه، وعاد المودع إلى إياس فقال له: انطلق إلي صاحبك فاطلب منه مالك فإن أعطاك إياه وإلاّ فقل له إني أخبر القاضي خبرك، فأتاه فدفع المال إليه، فرجع إلى إياس فأخبره أنه قبض ماله، وجاء الأمين فزجره إياس وزبره وقال: لا تقربني يا خائن. واستودع رجل رجلا كيسا فيه دنانير، وغاب فطالت غيبته ففتق المستودع الكيس من أسفله وأخذ الدنانير وصيّر مكانها في الكيس دراهم وخاطه والخاتم بحاله، فقدم صاحب المال بعد خمس عشرة سنة فطلب ماله فدفع إليه الكيس بخاتمه ففتحه فلم يقبله، وقال: هذه دراهم ومالي دنانير، قال: هكذا كيسك بخاتمك فرافعه إلى عمر بن هبيرة، فقال لإياس: أنظر في أمر هذين. فقال للطالب: ما تقول؟ فقال: أعطيته كيسا فيه دنانير فأعطاني كيسا فيه دراهم فقال إياس، مذ كم سنة؟ قال: مذ خمس عشرة سنة. فقال للآخر: ما تقول؟ قال: قد دفعت إليه كيسه بخاتمه، قال: فضوا الخاتم، ففضوه ونظروا إلى الدراهم فوجدوا فيها دراهم ضربت بعد الوقت الذي أودع فيه كيسه بعشر سنين وخمس سنين وأقل وأكثر، فقال له: قد أقررت ان الكيس عندك مذ خمس عشرة سنة فاتق الله ولا تظلم الرجل، فأقرّ بالدنانير فألزمه إياها. قالوا: وشهد أبوه معاوية ورجل آخر عنده ونفر معهما على رجل بأربعة آلاف درهم لرجل، فقال المشهود عليه: تثّبت في أمري فوالله ما أشهدت الشهود إلا بألفين، فقال إياس لأبيه وللشاهد الآخر: هل كان يوم شهدتما في الصحيفة فضل؟ قالا: نعم كانت طينته في نصف الصحيفة ولم يمكنا أن نكتب شهادتنا فختمنا تلك الطينة، قال: أفكان هذا الرجل يمر

стр. 4685

بكم فيقول: احفظوا شهاداتكم على فلان بأربعة آلاف؟ قالا: نعم. قال: اغتركم ودعاه خاليا فقال: يا عدو الله، خدعت قوما مغفلين فكتبت صكا بألفين ووضعت طينا في وسط الصك ثم كتبت في الجانب الآخر من الصحيفة بأربعة آلاف، ثم جعلت تمر بهم فتقول: احفظوا شهاداتكم على فلان بأربعة آلاف، أما والله لأنكلنّ بك. فقال: اذكرك الله ألا أقلتني ولم تفضحني، وأقرّ بما صنع فحكم إياس له بألفين. قالوا: وأتى إياسا دهقان فنازع رجلا عنده فقال له: كأني بك تقدر في نفسك كذا وتريد أن تقول كذا وتحتج بكذا. فقال الدهقان: أقاض أنت أصلحك الله أم عرّاف؟. قالوا: ونظر إياس إلى نسوة قد فزعن من بعير، فأشار إليهن فقال: هذه حامل، وهذه مرضع، وهذه بكر. فسئلن فكان الأمر كما قال: فقيل له: كيف علمت هذا؟ فقال: رأيتهن يمشين فلما فزعن وضعت كل واحدة يدها على أهم المواضع إليها، فوضعت البكر يدها على أسفل بطنها، ووضعت الحامل يدها على بطنها ووضعت المرضع يدها على ثديها. وكان إياس يقول: شرقي كل بلد أكثر أهلا من غربيّه، ومن قرب منزله من النهر كان أقل آنية ممن بعد عن النهر. وسمع إياس كلام رجل في سفينة فقال: أنت ابن فلان؟ قال: نعم، قال: سمعته ينازع رجلا، فشبهت كلامك بكلامه. وقال لرجل: أنت ابن فلانة؟ قال: نعم. قال: شبهت عينيك بعينيها. ونازع رجل رجلا عنده، فسأله البينة فقال: يا أبا الرازقي. فقال

стр. 4686

إياس للشاهد: أرضيت بهذه الكنية؟ قال: نعم هي كنيتي. قال: لهذا لا نرضى بك. ونازع أيضا عنده رجل رجلا فسأله البينة فنادى شاهدا له: يا أبا الكفور، فقال إياس: مكانك يا أبا الكفور، انصرف عنا، هات غير هذا. وخاصم رجل إلى إياس رجلا في جارية وقال: هي حمقاء. فقال إياس: لا اعلمه يردّ من حمق. قال: ان حمقها كالجنون. فقال لها إياس: أتذكرين يوم ولدت؟ قالت: نعم. قال: فأيّ رجليك أطول؟ قالت لإحدى رجليها: هذه. قال: ردوها فإنها مجنونة. قال: ونظر خالد الحذاء يوما إلى امرأة فأعجبته، فقال لها: يا أمة الله، أفارغة أنت أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة فاتبعها ولقيه رجل فسلم عليه وكلمه وغابت المرأة فاغتم فلقيه إياس فأخبره خبر المرأة فقال: انطلق بنا إلى الموضع الذي رأيتها فيه وامش بين يدي فإذا انتهيت إلى الموضع الذي فقدتها فيه وخفيت عليك فقم بمقدار ما كلمك الرجل، ففعل إياس ذلك المقدار بآيات قرأها، ثم قال له: امض بنا وأعاد ما قرأ فلما انتهى إلى آخره قال له: دخلت هذا الزقاق لا محالة، ولم يكن للزقاق منفذ، فدخل إياس الزقاق على نسوة جلوس فيه فقال: امرأة دخلت قبيل هذا الوقت عليها قميص أحمر وملحفة بيضاء؟ قلن: نعم امرأة لا بأس بها. قال: فلها زوج؟ قلن: لا. قال: فمن وليها؟ فسموه فعرفه فأرسل إليه فدعاه فزوجها من خالد ودخل بها من يومه. قال: وذكروا ذات يوم تواصل الناس وتقاطعهم، فقال رجل: يا أبا

стр. 4687

واثلة أخبرني عن رجلين بالمصر صالحين لا يتزاوران ولا يتواصلان؟ فقال إياس: كأنك تسألني عن الحسن وابن سيرين؟ قال: ما أردت غيرهما. قال: وقال إياس لقوم كانوا يجالسونه من أهل مكة: قدمت بلدكم فعرفت قوما من خياركم وشراركم، قالوا: متى قدمت ومتى عرفتهم؟ فقال: هنا قوم خيار أكفأ منكم قوما، وقوم شرار أكفأ قوما، فعلمت أن خياركم من ألفه خيارنا، وشراركم من ألفه شرارنا. وقال سلم بن قتيبة: رآني إياس ولا أعرفه ولم يكن رآني قبل ذلك فقال: أأنت ابن قتيبة؟ قلت: نعم. قال: عرفتك بشبه عمك عمرو بن مسلم. قلت: رحمك الله عمي ضخم أمغر (١)، وأنا رجل آدم نحيف، فقال ليس يعسر هذا إنما يعرف بالقلب. وقدم إياس مكة فقال لأصحابه: هل لكم في سلم بن قتيبة، وهو إذ ذاك ببئر ميمون، هو الجالس في ظل راحلته فنظروا فإذا هو سلم، فقال سلم لإياس: كيف علمت أني سلم؟ قال: حج إخوانك وألاّ فك جميعا وعرفت مذهبك، فعرفت أنك ستتبعهم، ورأيت بعيرا من إبل الملوك عليه رجل من رجال القرى فأوقعت ظني فلم أخطئ. وكان إياس يقول عرفت الزّكن من قبل أمي، وكانت خراسانية فكانت تخبرني أن إخوتها وأهل بيتها يزكنون ويتفرسون، ولقيت قوما بمكة فعرفتهم بشبه أمي وعرفوني فإذا هم من أهل بيتها. قالوا: وسمع إياس نباح كلب فقال: كأنه مربوط إلى جانب بئر فوجدوا الأمر كما قال، فقال: سمعت لصوته دويا وصدى.

стр. 4688

المدائني عن شيخ من باهلة قال: أتيت منزل ثابت البناني فإذا أنا برجل طويل الثوب، طويل الذراع أحمر يلوث عمامته لوثا قد غلب على المجلس فقلت: من هذا فقال رجل: يا أبا واثلة، فعرفت أنه إياس. قال: فسمعته يقول: تكون غلة الرجل ألفا فينفق ألفا فيصلح أمره وتصلح غلته، وتكون غلته ألفين فينفق ألفين فيصلح أمره وتصلح غلته، وتكون غلته ألفين فينفق ثلاثة آلاف فيوشك أن يبيع العقار في فضل النفقة. المدائني عن جويرية بن أسماء، حدثني عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: كان إياس لي صديقا، فدخلنا على عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر وعنده جماعة من قريش فتذاكروا السلف، ففضل قوم أبا بكر، وآخرون عمر، وآخرون علي بن أبي طالب، فقال إياس، إن عليا ﵀ كان يرى أنه أحق الناس بالأمر، فلما بايع الناس أبا بكر ورأى اجتماعهم عليه وأن قد صلح العامة اشترى صلاح العامة بتقصية (١) الخاصة، يعني بني هاشم، قال: ثم ولي عمر ففعل مثل ذلك، فلما قتل عثمان اختلف الناس، وفسدت العامة والخاصة، ووجد أعوانا فقام بالحق ودعا إليه. قالوا: وتدارأ (٢) عنبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وخالد بن عرفطة اليشكري فقال عنبة: من قبلنا كان أفضل، وقال خالد: الناس اليوم أفضل، فتراضيا بإياس فقال اياس: أما أنا فقد أدركت أبي وجدي، وكان جدي أفضل من أبي، وأبي أفضل مني.

стр. 4689

المدائني عن أبي إسحاق بن حفص قال: رأى إياس في المنام أنه لا يدرك النحر فخرج إلى ضيعة له فمات بها سنة اثنتين وعشرين ومائة. وكان اياس يقول: الحرير لا يخدعني ولا يخدع ابن سيرين ويخدع الحسن وأبي. قالوا: وتبصر هلال شهر رمضان جماعة فيهم أنس بن مالك وقد قارب المائة فقال أنس: قد رأيته هو ذاك، وجعل يشير فلا يرونه. ونظر اياس إلى أنس وإذا شعرة من حاجبه قد انثنت، فمسحها اياس وسواها بحاجبه ثم قال: يا أبا حمزة: أرنا موضع الهلال فجعل ينظر ويقول: ما أراه. قالوا: ومات معاوية بن قرة أبو إياس وهو ابن ست وسبعين سنة، وقال إياس في العام الذي مات فيه: رأيت كأني وأبي على فرسين فجرينا جميعا فلم أسبقه ولم يسبقني، فعاش أبي ست وسبعين سنة، وأنا فيها، فلما كانت آخر لياليه قال: أتدرون أية ليلة هذه؟ هذه ليلة استكملت فيها عمر أبي. ونام فأصبح ميتا. المدائني عن عبد الله بن مسلم قال: قال إياس: رأيت حية اتّبعها ابن عرس في بستان فلما ألح عليها صعدت في نخلة، فاتبعها فسلكت على سعفه واتبعها فتعلقت بخوصة وتدلت، فقرض الخوصة فسقطت إلى الأرض ولم تقدر على الحركة، فنزل فقتلها. ودخل إياس منزل رجل فرأى موضعا من الحائط أو الأرض فقال: في هذا الموضع حيّة فوجد الأمر كما قال، فسئل عن ذلك فقال: رأيت الحائط أو قال الأرض يابسا كله ورأيت هذا الموضع أقل يبسا، فعلمت أن فيه شيئا يتنفس.

стр. 4690

وقال إياس لأبان بن الوليد: أنا أغني منك، فقال أبان: وكيف ولي كذا وكذا، فقال إياس: إن كسبك لا يفضل عن مؤونتك، وكسبي يفضل عن مؤونتي. ورأى اياس يوما نسوة مقبلات فقال: هذه حامل، وهذه مغيبة أوأيم، وهذه حائض، فنظر فوجد الأمر فيهن على ما ذكر، فقال: أما الحامل فرأيتها أثقلهنّ وطئا، ورأيت هيئة الأخرى رثة، ورأيت الحائض أقربهن إلى المسجد فتأخرت عنه فصارت أبعدهن منه. ورأى رجلا يمشي متأبطا شيئا، فقال: معه سكر، وقد ولد له غلام، فوجدوا ذلك كما قال، فسئل فقال: رأيت الذباب قد أطاف به، فقلت معه شيء حلو وهو يشبه أن يكون سكرا، ورأيته نشيطا فرحا، فظننت أنه قد ولد له غلام. وقد رأى جارية معها طبق مغطى بمنديل فقال: معها جراد، فكان كما قال، فقال: رأيته خفيفا على يدها. ورأى حمارا عليه حمل ظاهر خفيف، والحمار يطأ وطء مثقل فقال: قد حمل خمرا، فوجد كما قال. ونظر إلى جنازة فقال: صاحبها حي لم يمت، فوضعت الجنازة فعض إبهام الرجل فإذا هو حي، فردّوه فقيل له: كيف علمت؟ فقال: رأيت أصابع قدميه منتصبة والميت لا تنتصب أصابع قدميه، وكان ذلك الميت غريقا. وأتي يوما بماء فقال: هذا قاطر فوجد كما قال، فقال: رأيته صافيا جدا.

стр. 4691

وشهد الفرزدق عند إياس بشهادة فقال: قد أجزنا شهادة أبي فراس، ولكن زيدونا شاهدا، فقام الفرزدق مسرورا، فقيل له: إنه والله ما أجاز شهادتك ولو أجازها لم يستزد شاهدا، فقال: ولم لا يرد شهادتي وقد قذفت ألف محصنة وقال: أتيت إياسا شاهدا فأجازني … إجازة مقبول الشهادة صادق وما اعتاض مني شاهدا ليردني … إياس ولكن أخذه بالوثائق (١) وكان اياس يقول: الشيبوط (٢) من البني. والشيم (٣) كالبغل بين الفرس والحمار، وليس ثم نسل به. وقال رجل لإياس: أنا أعرف مثل ما تعرف، فنظر إياس إلى صدع في الأرض فقال: ما هذا الصدع؟ قال: لا أدري. فقال إياس: فيه دابة، فكان كما قال إياس فقال له إياس: يا بن أخي أن الارض لا تنصدع إلاّ عن دابة أو نبات. وسمع إياس عواء كلب فقال: كان هذا الكلب مربوطا ثم أطلق، أما سمعتموه يأتي صوته من جهة واحدة، ثم اختلف فقرب وبعد حين أطلق. ونظر إياس إلى رجل في المسجد فقال: هو: غريب، أعور، معلم، قد ذهب له غلام سندي، فوجد كما قال، فقال: إني رأيته كالمتحيّر فعلمت أنه غريب لا يألف المكان، ويلتفت بجمعه إذا التفت، فقلت

стр. 4692

أعور، ورأيته لا يكلم الصبيان فقلت معلم، ورأيته إذا رأى غلاما سنديا تأمله. وقال إياس: ليس يولد من الحيوان شيء إلا ظاهر الأذنين. وشرقت لإياس شاة فسمع ثغاء ولدها بعد حين حين فعرفه. ورأى إياس رجلا فقال: لص سرق الساعة فخذوه، فلم يلبث أن جاء من يطلبه فقال: رأيته دهشا مدلها يكثر الالتفات. واختصم أهل قريتين في دجاج في قفص فقال لهم: خلّوها، ثم قال: هذه دجاجكم وهذه دجاج أهل القرية البعيدة منكم، فقيل له: كيف علمت؟ قال: رأيت دجاج هذه القرية مطمئنة مستأنسة، ورأيت دجاج الأخرى قد رفعت رؤوسها ومدت أعناقها نافرة. ورأى ديكا ينفر الحب ولا يقرقر فقال: هذا هرم، لأن الهرم إذا ألقي له الحب لم يقرقر والشاب يقرقر ليجمع الدجاج إليه. وقال إياس: أرسل إلي بلال بن أبي بردة فأتيته فلم يكلمني، وقام وقمت فقال: ما رأيت عند اياس ما يذكرون، فبلغني قوله فقلت: ما سألني عن شيء. ثم بعث إلي فسألني عن شيء فقلت: لا أدري، فقال: ظنّ، قلت: لا يجوز الظن، فقال: أو يكون شيء لا يجوز فيه الظن؟ قلت: كم ولدي؟ قال: لا أدري. قلت، ظنّ. قال: لا يجوز الظن. وكان لإياس أخ له خزلة (١)، فعير أبو اياس إياسا به فقال له إياس: مثل أخي مثل الفرّوح يخرج من البيضة فيأكل ويكفي نفسه، ومثلي مثل

стр. 4693

الفرخ يخرج ضعيفا محتاجا إلى غيره، ثم يتحرك فيطير وينهض، والدجاجة لا نهوض لها فذلك أنا وأخي. قالوا: وتزوج المهلب بن القاسم بن عبد الرحمن الهلالي أم شعيب بنت محمد الطاحي، وأمها عكناء بنت أبي صفرة، وكان المهلب بن القاسم ماجنا فشرب يوما وامرأته بين يديه، فناولها القدح فأبت أن تشرب، فقال: أنت طالق إن لم تشربيه، وفي الدار ظبي داجن فعدا فكسر القدح فجحد المهلب طلاقها، ولم يكن لها شهود إلا نساء، فأرسلت إلى أهلها فحولوها فاستعدي ابن القاسم عدي بن أرطاة فردها عليه فخاصمته إلى إياس وهو قاض لعمر بن عبد العزيز، وشهد لها نساء، فقال إياس: لئن قربتها لأرجمنّك، فغضب عدي على إياس فقال له عمر بن يزيد الأسيدي، وكان عمر عدوا لإياس، وذلك أنه قضى على ابنه بأرحاء كانت في يده لقوم، فقال عدي لعمر: انظر قوما فيشهدون على إياس انه قذف المهلب بن القاسم ليحده ويفضحه ويعزله، فأتى بيزيد الرشك، وبابن أبي رباط مولى بني ضبيعة ليلا، فأجمعوا على أن يرسل عدي إلى إياس إذا أصبح فيشهدوا عليه، وكان ربيعة بن القاسم الحوشبي حاضرا فاستحلفه عدي ألا يخبر إياسا بما هم عليه فحلف، وأتى إياسا فقال: جئتك من عند عدي فاحذر الناس، ولم يذكر له شيئا فاستراب إياس الأمر فتوارى، ثم خرج إلى واسط واغتنم عدي فاستقضى الحسن، وكتب إلى عمر يعيب إياسا ويثني على الحسن، وشنّع على إياس وقال أنه يقول: إذا كثرت امطار السنة فهي وبيئة وما علمه بذلك، فكتب عمر إليه: ما رأيت أحدا من أهل زماننا

стр. 4694

الثناء عليه أحسن منه على إياس، وقد بلغني وصح عندي رضخ (١) من شأنكم، وأقرّ الحسن ومنهم: ذو البجادين (٢) رحمه الله تعالى، وهو عبد الله، وكان اسمه قبل إسلامه عبد العزى. وكان أتى عمه وابنته عنده وقد أراد الهجرة، فقال يا عم: إنه قذف في قلبي حب هذا الرجل، يعني النبي ﷺ ، وأنا آتيه. فقال: لئن فعلت لأسلبنك، فأبى إلا أن يفعل فسلبه، فأتى أمه فأعطته بجادها، وهو كساء، فقطعه نصفين فتدرّع إحداهما وارتدى الأخرى فسمي ذا البجادين، وأتى رسول الله ﷺ ، وهو القائل وهو يسوق ناقة النبي ﷺ : تعرضي مدارجا وسومي … تعرض الجوزاء للنجوم هذا أبو القاسم فاستقيمي ومن مزينة: بكر بن عبد الله المزني (٣) مات بالبصرة سنة ثماني ومائة. حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا اسماعيل بن محمد، ثنا معاوية بن عمر، وثنا نعيم العجلي عن أبي عقيل عن بكر بن عبد الله المزني قال: إن الدنيا دار فتن بعض أهلها ببعض، وكل امرئ مزين له ما هو فيه، وإن المؤمن من زيّنت له الآخرة فهو ينظر إليها ما يفيق من حبها، قد حالت شهوتها بينه وبين لذاذة عيشه، يمسي كئيبا ويصبح حزينا، فطوبى له وماذا يعاين لو قد كشف الغطاء من السرور، وما خير عمر وإن طال يذم آخره، وما يضرك

стр. 4695

ما ذوى عنك إذا حمدت مغبّته، وإن الناس وإن فازوا كلهم وهلكت لم ينفعك ذلك، وإن فزت وهلكوا لم يضرك هلاكهم، وقد هتف الكتاب إليك صارخا بما أنت إليه صائر، فكيف ترقد على هذا العيون، أم كيف يجد قوم لذاذة العيش بعد هذا لولا التمادي في الباطل، والتشايع في القسوة من دون هذا يجزع الصدّيقون. حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ حميد قال: كان بكر بن عبد الله المزني يقول: ما أرى التجارب تنفعنا، ولو أن عبدا أقيم في سوق، فقيل لا عيب فيه إلا أن التجارب غير نافعة له ما اشتراه أحد. أبو الحسن المدائني قال: قال بكر بن عبد الله المزني: التجسس من الخبّ، والخبّ من الدناءة والفجور. وقال: طول الصمت حبسة، وترك الحركة عقلة، وكلام الذي يدل على الخير أفضل من الصمت. حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا وكيع عن يزيد بن ابراهيم التستري عن بكر بن عبد الله المزني قال: كانت امرأة متعبدة باليمن، فكانت إذا أمست قالت: يا نفس، الليلة ليلتك لا ليلة لك غيرها فتجتهد، فإذا أصبحت قالت: يا نفس، اليوم يومك لا يوم لك غيره فتجتهد. وروى أبو هلال الراسبي عن بكر بن عبد الله قال: كان في بني رقاش رجل قال: لا أضحك حتى أعلم أفي الجنة أنا أم في النار. المدائني عن الضبعي أن بكر بن عبد الله المزني سمع رجلا يقول: دع المراء لقلة خيره، فقال: بل دعه لكثرة شره. حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا سهل بن محمود أبو السري عن
следующие страницы →