الزبير، وأما خراسان فولاه إياها ابن عامر. وكان يكنى أبا كثير.
وكان الهيثم بن الصّلت أتى النبي ﷺ ، ودعا قومه إلى الإسلام حتى أسلموا، فبنو سليم تقول هذا هو أعظم الناس علينا منّة، وكان يكنى أبا بشر.
حدثني علي الأثرم عن أبي عبيدة، وأبو الحسن المدائني عن أبي اليقظان، أن قيس بن الهيثم، ويكنى أبا كثير كان خليفة على البصرة في أيام ابن الزبير. وكان ممن قاتل مالك بن مسمع مع الزبيرية يوم الجفرة، وهو على فرس له محجّل وقد استأجر قوما يقاتلون معه، فكانوا يرتجزون:
لساء ما تحكم يا حلاحل … النقد دين والطّعان عاجل
وأنت بالمال ضنين باخل
وقال أبو اليقظان: كان قيس رأس أهل العالية، وكان له ابن يقال له كثير فهلك، وله ابن فأخذ قيس ميراثه، فاستعدى عليه الحجاج فأمره أن يدفع إليه ميراثه، فقال: ليس بمأمون عليه فأمر به فقنّع ثلاثين سوطا وهو قاعد، وهو يقول: أنا ابن أبي قيس، وقال:
ليس بتعزيز الأمير خزاية … عليّ إذا ما كنت غير مريب
فبلغ الخبر من بالشام من قيس فغضبوا، وكلموا عبد الملك بن مروان، فكتب إلى الحجاج: إما أن تحسن جواره وإما أن تأذن له، فأتى الشام.
ولقي الجحاف الحجاج بمكة فقال: أما والله إني لو كنت بلغت من قيس تلك لأملت الخيل على الطائف فلم أدع بها محتلما.
стр. 5427
وكان من ولد قيس بن الهيثم: عبد الله بن يزيد بن شبيب، قضى لأبي العاج على البصرة.
وقال أبو اليقظان: ولد أسماء بن الصلت: خازم بن أسماء.
ومعرض بن أسماء. ودجاجة تزوجها عامر بن كريز، فولدت عبد الله بن عامر، ثم تزوجها عمير بن عمرو الليثي، فولدت عبد الله بن عمير، ثم تزوجها عبد ربه بن قيس المخزومي فولدت له عبد الرحمن، وهي صاحبة نهر أم عبد الله، وحوض أم عبد الله بالبصرة وماتت بالبصرة، وقتل معرض بن أسماء يوم الجمل مع عائشة ولا عقب له.
قال: ولما قتل عبد الله بن خازم قال الشاعر:
أليلتنا بنيسابور كري … علينا الليل ويحك أو أبيري
فلو شهد الفوارس من سليم … غداة يطاف بالأسد العقير
وحمل رأسه إلى عبد الملك، وقال الفرزدق:
أتغضب إذ أذنا قتيبة حزّتا … جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم
وما منهما إلاّ بعثنا برأسه … إلى الشام فوق الشاحجات الرواسم (١)
ومدح ابن عرادة البصري موسى ومحمد ابني عبد الله بن خازم، وأمهما صفية، فلم ير عندهما ما أحبّ فقال:
كسوت ابني صفية من ثنائي … وإن كانا ذوي حلل ثيابا
مدحت محمدا ومدحت موسى … فما شكرا لذاك ولا أثابا
حسبتهما كطلحة أو كسلم (٢) … إذا ندبا لمكرمة أجابا
стр. 5428
ومنهم: قيس بن الصلت، وعاصم بن قيس بن الصلت. وكان عاصم بن قيس على مناذر في أيام عمر بن الخطاب ﵁، فقال فيه أبو المختار:
وما عاصم فيها بصفر عيابه … وذاك الذي في السوق مولى بني بدر
وهو قتل ابن مزيد بخراسان.
قال ابن الكلبي: ومنهم ربيع بن ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ضبيعة بن ربيعة بن يربوع بن سمال، الذي قتل دريد بن الصمة يوم حنين، وأمه لذغة كان يعرف بها.
وولد مالك بن عوف: رعل بن مالك. ومطرود بن مالك.
ومنقذ بن مالك.
فولد رعل: حيّ بن رعل. وسلمة بن رعل، ويقال ان سلمة ليس بابنه، وهو ينسب إليه. ونشبة بن رعل.
فمن بني رعل: أنس بن عباس بن عامر بن حيّ، وقد رأس وقتلته خثعم.
وقال أبو عبيدة أغار عباس بن عامر الرعلي على خثعم فقتل وأسر، فكلمته أمه فأطلق الأسرى وأصابت أنسا طعنة مات منها. ويقال ان عباسا المطعون، فقالت ابنته تبكّيه:
لعمري وما عمري علي بهيّن … لنعم الفتى أرديتم آل خثعما
أصيب بن حيّا سليم كلاهما … وعزّ علينا أن يصاب وعزّما
ومن بني نشبة: يزيد. وقريش ابنا شقيق الخراسانيّان، وقد رأى هشام ابن الكلبي يزيدا.
стр. 5429
وولد مطرود بن مالك: قيس بن مطرود. وقييس بن مطرود.
وجدّ بن مطرود. وضبيس بن مطرود.
منهم: زرعة بن السّليب بن قيس بن مطرود، وهو ابن قرقرة الشاعر وقرقرة موضع.
وولد قنفذ بن مالك: جابر بن قنفذ. وعبد الله بن قنفذ، وأمهما الجعيدة بنت الكيذبان المحاربي. وسلم بن قنفذ. استلحقه بنو قنفذ حديثا بالجزيرة، وكان عبدا لا أصل له.
فولد جابر بن قنفذ: هرمي بن جابر. وربيعة بن جابر. وأسيد بن جابر. وقنفذ بن جابر.
منهم: يزيد بن أسيد بن زافر بن أسماء بن أبي أسيد بن قنفذ بن جابر بن قنفذ، ولي أرمينية للمنصور أمير المؤمنين وللمهدي، ووجه إليه المهدي خادما له في بعض أموره، فلما قضى ما وجهه إليه له طلب الخادم صلته فأعطاه طائرا من الحمام وقال: هذا صلة مثلك فلما قدم على المهدي أخبره بذلك فأحفظه وعزله.
وفتح يزيد في خلافة أمير المؤمنين المنصور باب اللان، ودوخ الضبارية، وصاهر ملك الخزر، فولدت ابنته له ابنا فمات وماتت أمه في نفاسها، وبنى مدينة أردبيل.
وولي ابنه أحمد بن يزيد بن أسيد الموصل وأرمينية، ومات مع الرشيد حين توجه إلى طوس.
стр. 5430
وكان يزيد بن أسيد تمتاما (١).
وقد ولي أسيد أرمينية لبني مروان. وولد أبا المغراء، ولهم عدد بالرقة.
وولد عبد الله بن قنفذ: خزيمة بن عبد الله. والحارث بن عبد الله.
ووهب بن عبد الله. ووهيب بن عبد الله. وعبدنهم بن عبد الله.
منهم: المنهال بن قنان بن شريك بن ذريح بن الأخثم بن وهب بن عبد الله بن قنفذ، كان من قواد أبي جعفر أمير المؤمنين المنصور، وابنه الحسين بن عمران بن المنهال، وولي الجزيرة لأمير المؤمنين الرشيد.
وولد بهز بن إمرئ القيس: عمرو بن بهز. وعوذ بن بهز.
ووائلة بن بهز.
فولد عمرو: سعد بن عمرو.
فولد سعد: عامر بن سعد. ومالك بن سعد. وظفر بن سعد.
فولد عامر: إياس بن عامر. ودارم بن عامر. منهم سويد بن عزين الشاعر.
وولد مالك بن سعد: عوف بن مالك. وولد ظفر بن سعد:
عبد بن ظفر رهط
الحجاج بن علاط (٢) بن خالد بن نويرة بن حنثر بن
هلال بن ظفر،
شهد خيبر مع النبي ﷺ ، ولما فتح الله خيبر قدم الحجاج بن علاط من غارة له فأسلم، واستأذن رسول الله ﷺ في إتيان مكة ليأخذ مالا
стр. 5431
له هناك عند زوجته أم شيبة بنت عمير، أخت مصعب بن عمير العبدري فأذن له رسول الله ﷺ في ذلك، فقدم مكة فقال لأهلها: إن محمدا قد أسر، التماسا للتقرب إليهم، فلقي العباس بن عبد المطلب الحجاج في خلوة فسأله عن الخبر فقال: اكتم عليّ فداك أبي وأمي حتى آخذ مالي، إني قد أسلمت وقد ظفر رسول الله ﷺ وقد جئتك وهو عروس بابنة ملك خيبر، ثم لحق بالنبي ﷺ وسكن المدينة، وبنى مسجدا يعرف به، ويقال إنه شهد قتال خيبر مع النبي ﷺ ، وابنه نصر بن الحجاج بن علاط، كان من أجمل الناس وجها، فسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه امرأة في ليلة من الليالي تقول:
ألا سبيل إلى خمر فأشربها … أم لا سبيل إلى نصر بن حجاج
فدعاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: أصار النساء يتغنين بك؟ وسيّره إلى البصرة، وكان معرض بن الحجاج مع عائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل، فقتل فقال نصر أخوه يرثيه:
لقد فزعت نفسي لذكرى معرّض … وعينيّ جادت بالدموع سحومها
فنعم الفتى وابن العشيرة إنه … يوقّي الأذى أعراضها ويزينها
عليم بإسعاف الكرام وحقّها … وإكرامها إذا اللئيم يهينها
وولد الحارث بن بهثة بن سليم، حييّ بن الحارث. ورفاعة بن الحارث. وكعب بن الحارث. وهو دوفن. وظفر بن الحارث. ووائلة بن الحارث. وعباد بن الحارث وهم قليل. وعبد بن الحارث، وأمهم الرباب بنت زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب.
стр. 5432
فولد حييّ: عبد الله بن حيي وهو حنة. وقينان بن حيي. وعمرو بن حيي. والحارث بن حيي.
وولد رفاعة بن الحارث: عبس بن رفاعة. وربيعة بن رفاعة.
وعامر بن رفاعة. وجشم بن رفاعة. وذكوان بن رفاعة وبجير بن رفاعة، وهم في بني زريق بن معاوية بن بكر بن هوازن.
فولد عبس بن رفاعة: عبد بن عبس ومرة بن عبس.
فولد عبد: جارية بن عبد. وفتيّة.
ومنهم: عباس بن مرداس (١) بن أبي عامر بن حارثة الشاعر،
وكان شجاعا، وكانت العين لا تأخذه، فرآه عمرو بن معدي كرب، فقال:
هذا عباس بن مرداس؟ لقد كنا نفرق به صبياننا في الجاهلية، وأسلم عباس، وشهد مع رسول الله ﷺ يوم حنين على فرسه العبيد، فأعطاه رسول الله ﷺ من الغنيمة أربع فرائض فقال:
أتجعل نهبي ونهب العبيد … بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس … يفوقان شيخيّ في المجمع
وأعطيت مما أفاء العبيد … عديد قوائمه الأربع
فقال رسول الله ﷺ : «اقطعوا عني لسانه»، وأعطاه ثمانين أوقية.
وقد دخل عباس البصرة وكتب عنه البصريون، وكان ينزل بوادي البصرة، وبها ولده.
стр. 5433
وقال الكلبي: كانت القريّة، وهي في حرة بني سليم إلى جانب المدينة اختطها مرداس بن أبي عامر، وكليب بن عهمة - ويقال عهيمة - السلمي أحد بني ظفر، فلم يكن عندهما نفقة، فأتيا حرب بن أمية بن عبد شمس فجعلا له ثلثها على أن ينفق عليها، فأجابهما إلى ذلك فشخص حرب معهما فجعل ينفق ثم إنه حمّ فحمل إلى مكة فمات، ومات مرداس بعده فحوى كليب القرية، فلما كبر عباس بن مرداس طالب كليبا فقال يتوعده.
أكليب مالك كل يوم ظالما … والظلم أنكد وجهه ملعون
قد كان قومك يحسبونك سيدا … وإخال أنك سيد مفتون
إن القريّة قد تبين شأنها … لو كان ينفع عندك التبيين
فإذا رجعت إلى نسائك فادّهن … إن المسالم آمن مدهون
أظلمتني يوم انطلقت بحظها … وأبو يزيد بجوّها مدفون
فذكروا أنه أنصفه حين دخل الناس بينه وبينه.
وهبيرة بن مرداس. وجزء بن مرداس. ومعاوية بن مرداس.
وعمرو بن مرداس إخوة عباس بن مرداس لأبيه، وأمهم خنساء بنت عمرو.
وولد مرة بن عبس: سالم بن مرة. والحارث بن مرة. وعتّاب بن مرة.
منهم: سادن العزّى ببطن نخلة وهو دبيّة بن حرمي.
ومنهم: عباد بن شيبان بن جابر بن سالم بن مرّة، وهو حليف الحارث بن عبد المطلب بن هاشم.
وولد عامر بن رفاعة: حنش بن عامر، كان سيدهم في زمانه.
стр. 5434
وشوك بن عامر. وعقدة بن عامر. وذوّاق بن عامر. وناشب بن عامر. ووهيبة بن عامر. وعجيبة بن عامر. ويريمة بن عامر. وحرجة بن عامر.
فولد حنش: رئاب بن حنش، وكان ابن داب يزعم أن رئابا هذا أخو هاشم بن عبد مناف لأمه.
قال هشام ابن الكلبي: ولم أسمع هذا من غيره.
وقال بعضهم: ولد حنش أيضا: الحارث بن حنش وكان أخا هاشم لأمه، وأنكر ذلك ابن الكلبي.
وولد ربيعة بن رفاعة: رفاعة بن ربيعة. وجابر بن ربيعة. وعائذ بن ربيعة. وظالم بن ربيعة. وخالد بن ربيعة. ومالك بن ربيعة. وفياض بن ربيعة. ووهيبة بن ربيعة.
منهم عتبة بن فرقد (١)، وهو يربوع بن حبيب بن مالك بن أسعد بن
رفاعة بن ربيعة بن رفاعة،
كان شريفا بالكوفة ويقال لهم الفراقد.
قالوا: وعزل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حذيفة عن أذربيجان، وولاها عتبة بن فرقد السّلمي، فأتاها من الموصل، ويقال بل أتاها من شهر زور، فغزا بأذربيجان مغازي فظفر وغنم، وكان معه ابنه عمرو بن عتبة العابد.
وحدثني العباس بن الوليد النرسي، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: كنت مع عتبة بن فرقد حين
стр. 5435
افتتح أذربيجان، فصنع سفطين من خبيص ألبسهما الجلود واللبود، ثم بعث بهما إلى عمر رضي الله تعالى عنه مع سحيم مولى عتبة، فلما قدم عليه قال: ما الذي جئت به أذهب أم ورق وأمر به فكشف عنه فذاق الخبيص فقال: إن هذا لطيّب ليّن، أفكلّ المهاجرين أكل منه شبعه؟ قال: لا، انما هو شيء خصّك به، فكتب إليه: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عتبة بن فرقد، أما بعد فليس من كدّك، ولا كدّ أمك، ولا كدّ أبيك، لا تأكل إلا ما شبع به المسلمون في رحالهم».
وروى بعضهم هذا الحديث وزاد فيه: وردّ الخبيص على عتبة.
وحدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا شعيب بن حرب، ثنا حماد بن سلمة عن سعيد بن إياس عن أبي عثمان أن عتبة بن فرقد قدم على عمر، فدعا عمر بشفرة ليقطع بهاكمه، وكان عليه قميص سنبلاني في كمه طول، فقال: دعه يا أمير المؤمنين فأنا أقطعه فأني أستحيي من الناس فقطعه.
وروي عن عتبة انه قال: قدمت على عمر فإذا بين يديه عضلة جزور.
وولى عمر عتبة بن فرقد الموصل سنة عشرين، فقاتله أهل نينوى فأخذ حصنها الشرقي عنوة، وعبر دجلة فصالحه أهل الحصن الآخر الغربي على الجزية، وفتح كورها، ثم عزله، وولى الموصل هرثمة بن عرفجة البارقي.
стр. 5436
وحدثني يوسف بن موسى القطان عن مشايخ أهل شهرزور، أن عتبة فتح شهر زور والصامغان (١) ودزآباذ على صلح، فغدروا فعاد إليها ففتحها عنوة على الخراج.
قال أبو اليقظان: أم عتبة بن فرقد ابنة عباد بن علقمة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وله صحبة برسول الله ﷺ ، وكان به جرب حين بايعه، فتفل رسول الله ﷺ عليه فذهب جربه، وكان طيب الريح بعد ذلك، ونزل الكوفة، فكتب عمر إلى عامله أن ابعث إليّ أفضل من قبلك فبعثه.
وولد عتبة: عمرو بن عتبة (٢)،
كان عابدا ومات شهيدا في بعض المغازي.
وولد عمرو بن عتبة: عبد الله بن عمرو، الذي يقول فيه ابن نوف:
كنت ضيفا يبرّ بنا يا لعبد الل … هـ والضيف حقه معلوم
فانبرى إليّ يزيّن الصوم حتى … صمت شهرا ما كنت فيه أصوم
وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا هشيم بن بشير عن منصور عن ابن سيرين أن عتبة بن فرقد عرض على ابنه عمرو التزويج، فأبى، فانطلق إلى عثمان فشكا ذلك إليه، فكتب عثمان رضي الله تعالى عنه إلى عمرو بن عتبة ليقدم عليه، فقدم فقال له عثمان: ما يمنعك من التزويج؟ قد تزوج رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعندنا منهن من عندنا. فقال
стр. 5437
عمرو: يا أمير المؤمنين ومن لي بمثل عمل رسول الله، وعمل أبي بكر، وعمل عمر، ومثل أعمالك؟ قال: انطلق فإن شئت فتزوج، وإن شئت فلا.
وحدثني أحمد، حدثني مثنّى بن معاذ عن فهد بن عوف عن بشر بن سلمة عن علقمة قال: جاؤوه بابنة جرير، فقال لها: إنه لا حاجة لي في النساء، ولكنّ أبويّ قد أبيا إلاّ أن يزوجاني ولك عندهم من الطعام والكسوة ما تريدين، فقالت: قد رضيت. فلما أتوه بها قام يصلي من الليل وقامت تصلي خلفه حتى أصبحا، وأصبح صائما وأصبحت صائمة.
قال عمرو: فإن كنت لأفتر، فيمنعني مكانها، فقال له أبواه: إنما زوّجناك التماسا لولدك ولا نرى هذه تلد فطلّقها. فطلّقها ثم أتيا بامرأة أخرى، فكانت معه على مثل ما كانت عليه ابنة جرير، فقالت لها امرأة من أهلها: يا فلانة مالك لا تلدين أعجزت؟ فقالت: أو تلد المرأة من غير بعل؟ فلما سمعها طلقها فتركه أبواه.
حدثني أحمد بن إبراهيم، حدثني أبو الحسن مثنى، ثنا بشر، ثنا عبد الحميد بن لاحق عن رجل قال: كان لعمرو بن عتبة كل يوم رغيفان في إهالة يفطر على أحدهما ويتسحر بالآخر.
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس عن بعض أصحابه أن عتبة بن فرقد قال لبعض أهله: ما لي أرى عمرا مصفرّا ضعيفا، ففرش له حيث يراه، فلما جاء عمرو قام يصلي حتى بلغ هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ (١) فبكى حتى انقطع، فقعد ثم قام فعاد
стр. 5438
فقرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ الآية. فبكى حتى انقطع فقعد فلم يزل يفعل ذلك حتى أصبح فقال عتبة: هذا الذي عمل بابني العمل.
حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عنبسة بن سعيد القرشي، ثنا المبارك بن عبسي بن عمر قال: كان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلا فيقول: يا أهل القبور طويت الصحائف، ورفعت الأعمال، ثم يبكي ويصف قدميه حتى يصبح فيرجع فيشهد صلاة الصبح.
المدائني أن عمرو بن عتبة بن فرقد أو أبوه قال: إذا أطال المتكلم الكلام عرضت له أسباب التكلف، ولا خير في قول المتكلف.
وحدثني أحمد بن إبراهيم، ثنا مسدد عن عبد الله بن داود عن منخّل بن أبي عون قال: قدمت المدينة فما حدثوني عن عمرو بن عتبة بشيء إلاّ حدثتهم بمثله عن عامر بن عبد قيس، وما حدثتهم عن عامر بشيء إلا حدثوني عن عمرو بمثله.
حدثنا أحمد، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة، أخبرني سيار قال:
سمعت الشعبي يقول: خرج ناس إلى الثّويّة عن رأس فرسخ من الكوفة، أو فرسخين، فبنوا مسجدا وقالوا نتعبد ولا نخالط الناس، فأتاهم عبد الله بن مسعود فقالوا: مرحبا بأبي عبد الرحمن لقد كنا نحب أن تزورنا، فقال: أتيتكم زائرا ولا أنزل حتى يهدم مسجد الخبال، أأنتم أهدى من أصحاب محمد؟ إنكم لممسكون بذباب ضلالة، أرأيتم لو صنع الناس مثل الذي صنعتم، من كان يقيم الحدود؟ من كان يعمر المساجد؟ من كان يجاهد العدو؟ ارجعوا فخالطوا الناس، وتعلموا ممن هو أعلم منكم،
стр. 5439
وعلموا من أنتم أعلم منه. قال: قلت للشعبي: أهم عمرو بن عتبة ومعضد وأصحابهما؟ قال: نعم.
حدثنا أحمد، ثنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الله بن الربيّعة قال: قال عتبة بن فرقد: يا عبد الله بن الربيّعة ألا تعينني على ابن أخيك، حتى يعينني على ما أنا بسبيله من عملي؟ فقلت: يا عمرو أطع أباك، قال: فنظر عمرو إلى معضد وكان معهم فقال: لا تطعهم ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١) ثم قال عمرو: يا أبه أنا رجل أعمل في فكاك رقبتي، قال: فبكى عتبة ثم قال: يا بني إني لأحبك حبين: حبا لله، وحب الوالد لولده، فقال عمرو: يا أبه إنك كنت أثبتني بمال بلغ سبعين ألفا فإن أذنت لي أمضيته. قال: قد أذنت لك، فأمضاه حتى ما بقي منه درهم.
وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثني مسدّد بن مسرهد، ثنا عبد الله بن داود عن علي بن صالح قال: كان عمرو بن عتبة يصلي والسبع يحميه.
حدثني أحمد، حدثني علي بن إسحاق المروزي عن عبد الله بن المبارك عن الحسن بن عمرو الفزاري قال: حدثني مولى لعمرو بن عتبة بن فرقد قال: استيقظت ذات يوم في ساعة حارة فطلبنا عمرو بن عتبة فوجدناه في الجبل ساجدا، وغمامة تظله. وكنا نخرج للغزو فما نتحارس لكثرة صلاته، ورأيناه يصلي فسمعنا زئير أسد فهربنا وهو قائم يصلي فقلنا له: أما خفت الأسد؟ فقال: إني لأستحي من الله أن أخاف غيره.
стр. 5440
حدثنا أحمد، ثنا عبد الله بن المبارك، أنبأ فضيل عن الأعمش قال:
قال عمرو بن عتبة بن فرقد: سألت الله ثلاثا، فأعطاني اثنتين وأنا انتظر الثالثة. سألته أن يزهدني في الدنيا فما أبالي ما أقبل منها وما أدبر، وسألته أن يقويني على الصلاة فقواني، وسألته الشهادة فأنا أرجوها.
حدثنا أحمد، ثنا علي بن إسحاق عن ابن المبارك، أنبأ عيسى بن عمر، حدثني حوط بن رافع أن عمرو بن عتبة كان يشترط على أصحابه أن يكون خادمهم، فخرج في الرعي في يوم حار، فأتاه بعض أصحابه فإذا هو بغمامة تظله وهو نائم فقال: ابشر يا عمرو فأخذ عليه عمرو ألا يخبر أحدا.
حدثنا أحمد، ثنا عنبسة بن سعيد عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش أن عمرو بن عتبة اشترى فرسا بأربعة آلاف حين غزا ناحية بلنجر فقيل له:
أتشتري فرسا بأربعة آلاف؟ فقال: ما أحب أن لي بكل رفعة ووضعة، إذا رفع حافره ووضعه درهما.
حدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا علي بن إسحاق عن ابن المبارك عن عيسى بن عمر عن السّدي عن ابن عم لعمرو بن عتبة قال: نزلنا في مرج حسن فقال عمرو: ما أحسن هذا المرج، أي شيء أحسن الآن من أن ينادي مناد يا خيل الله اركبي، فيخرج رجل فيكون أول من لقي العدو فأصيب، ثم يجيء به أصحابه فيدفنونه في هذا المرج. قال: فما كان بأسرع من أن نادى مناد: يا خيل الله اركبي كفرت المدينة، يعني مدينة كانوا صالحوها، فخرج عمرو في سرعان الناس أول من خرج، فأخبر عتبة بذلك فبعث في طلبه فما أدرك حتى أصيب، قال: فما أراه دفن إلاّ في مركز رمحه، وكان يومئذ عتبة على الناس.
стр. 5441
وقال غير السدي: أصابه جرح، فقال: والله إنك لصغير، وإن الله ليبارك في الصغير، دعوني مكاني هذا حتى أمسي فإن عشت فارفعوني، قال:
فمات في مكانه ذلك.
قالوا: ولبس عمرو جبة بيضاء، ثم قال: والله إن تحدّر الدم عليها لحسن، فلقي العدو، فرمي فجعل الدم يتحدر على الجبة فمات.
وروي أن قاتله أخذ أسيرا، فقال عتبة لرجل يقال إنه مسروق: قم فاقتل قاتل أخيك فقتله.
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو معاوية الضرير، ثنا الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد قال: خرجنا في جيش فيه معضد بن يزيد وعلقمة وعمرو بن عتبة، ويزيد بن معاوية النخعي، وكان معنا صاحب لنا مريض فحفرنا له قبرا لندليه فيه إذا قضى، فرأى يزيد بن معاوية النخعي من الليل كأنه أتى بغزيل أبيض فدفن في ذلك القبر.
قال: وخرج عمرو بن عتبة وعليه جبة جديدة بيضاء، فقال:
ما أحسن الدم منحدرا على هذه الجبة، فخرج يتعرض للحصن فأصابه حجر فشجّه، فتحدر الدم على جبته، ومات من شجّته فدفناه في ذلك القبر، وخرج معضد يتعرض للقصر - أو قال الحصن أيضا - فأصابه حجر فشجّه فجعل يلمس شجّته بيده ويقول: إنها لصغيرة، وإن الله ليبارك في الصغيرة، فمات منها فدفناه.
وقال محمد بن سعد: قتل عمرو بن عتبة زمن معاوية وروى عن ابن مسعود (١).
стр. 5442
ومنهم: المنصور بن المعتمر بن غالب بن عبد الله بن ربيعة بن
حبيب بن مالك الفقيه، ويكنى أبا عتاب،
مات في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وولاه يزيد بن عمر بن هبيرة القضاء، فجلس للناس وتقدموا إليه فجعل يقول: لا أحسن، واعتزل القضاء.
وولد ظفر بن الحارث بن بهثة: عطية بن ظفر. وقادم بن ظفر.
ومطاعن بن ظفر، رهط: أشرس بن عبد الله، ولي خراسان من قبل هشام بن عبد الملك، وكانت الجزية تؤخذ ممن أسلم فطرحها عنهم.
وربيعة بن ظفر، وفهر بن ظفر. وكليب بن ظفر. وكعب بن ظفر، وهم في الأنصار يقولون: هو ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.
وولد كعب بن الحارث بن بهثة: عمل بن كعب. وغضب بن كعب بالكوفة، وليس في العرب غضب غيره وآخر في الأنصار، وهو غضب بن جشم بن الخزرج.
فولد عمل بن كعب: عمرو بن عمل. ومالك بن عمل. وملاّن بن عمل. ومليل بن عمل. وجندب بن عمل.
منهم: المنقع بن مالك بن أمية بن عبد العزى بن ملاّن الذي ذكره عباس بن مرداس السلمي في شعره.
وولد ثعلبة بن بهثة: ذكوان بن ثعلبة. ومالك بن ثعلبة وهو بجلة.
فولد ذكوان: فالج بن ذكوان.
فولد فالج: هلال بن فالج. وخزاعي بن فالج. وعون بن فالج.
وربيعة بن فالج. ونصر بن فالج.
стр. 5443
فولد هلال بن فالج: مرة بن هلال. ومحاربي بن هلال. وحيان بن هلال. وكعب بن هلال.
منهم: حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال، حليف بني أمية.
وقال غير الكلبي، حليف بني عبد مناف بن قصي، وكان حكيم محتسبا في الجاهلية يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويؤدب الفساق ويحبسهم وينفيهم، وفيه يقول الشاعر، ويقال انه عثمان:
أطوّف في الأباطح كل يوم … مخافة أن يشردني حكيم
وابنه أوفى بن حكيم، كان أخا زيد بن الخطاب لأمه، أمهما أسديّة وكانت خولة بنت حكيم عند عثمان بن مظعون.
ومنهم: أبو الأعور السّلمي، وهو عمرو بن سفيان بن سعيد بن قانف بن الأوقص بن مرة بن هلال، صاحب معاوية، وكان ممن بعث به إلى عمر، وكان على خيل معاوية.
ومنهم: عمير بن الحباب بن جعدة بن اياس بن حزابة بن محاربي بن
مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان،
قتله ابن هوبر في حرب قيس وتغلب، وقد ذكرنا خبره، وشعر الأخطل فيه.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه قال: عمير يكنى أبا المغلس وكان غلب على نصيبين وغيرها من الجزيرة، فأمنه عبد الملك، وأشار عليه عمرو بن سعيد أن يغدر به فحبسه فخرج من حبسه على سلم من حبال من كوة البيت الذي كان فيه، وذلك أنه أسكر حرسه وقال:
стр. 5444
عجبت لما تضمنت الموالي … بخرّاج من الغمرات ناج
ونوّم شرطة القرشي عني … كميت اللون صافية المزاج
ويروى: شرطة الريان، وهو مولى عبد الملك، وصاحب حرسه.
وقال تميم بن الحباب:
تطاول ليلي بالفرات وشفّني … نوائح أبكاها قتيل ابن هوبر
وكان تميم بن الحباب شاعرا، وقد ذكرناه في حرب قيس وتغلب.
وولد عمير بن الحباب: الحباب بن عمير، وكان من فرسان قيس، وكان مع مروان بن محمد بن مروان يقاتل الخوارج فقال شاعرهم:
والله لولا نزلة الحباب … لهرب الجعديّ في الهرّاب
ومنهم: صفوان بن المعطل (١) بن رحضة بن المؤمل بن خزاعي بن
محاربي بن هلال بن فالج بن ذكوان،
الذي رماه أهل الإفك بما رموه به في أمر عائشة رضي الله تعالى عنهما، حين انقطعت مرسلتها في غزاة المريسيع، فحملها على بعيره، وقد كتبنا قصته، وكان من أهل الإفك حسان بن ثابت، فضربه صفوان ضربة بالسيف فغضبت له الأنصار، فوهب له رسول الله ﷺ جارية وهي أخت مارية القبطية ومات صفوان بشمشاط، وقبره بها معروف، وقال الشاعر لحسان حين ضربه صفوان:
وإن ابن المعطل من سليم … أذل فباد رأسك بالخطام
ومنهم: الجّحاف بن حكيم بن عاصم بن قيس سباع بن خزاعي بن محاربي، الذي قال له الأخطل:
стр. 5445
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة … إلى الله منها المشتكى والمعوّل (١)
وهو الذي يقول للأخطل:
أبا مالك هل لمتني مذ حضضتني … على الفتك أم هل لامني لك لائم
وقد ذكرنا خبره في خبر قيس وتغلب.
وذكر أبو اليقظان أن أم الجحاف بنت أخي قيس بن الهيثم.
وولد مالك بن ثعلبة بن بهثة: فصيّة بن مالك. ومازن بن مالك.
وفتيان بن مالك وأمهم بجلة بن هناءة بن مالك بن فهم الأزدي، الذي يقال لهم بنو بجلة بالكوفة ويقال ان سهاسوخ بجلة وإنما هو سهارسوخ بجلة فحرّف.
منهم: الورد بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خالد بن مازن بن
مالك بن ثعلبة،
كان على ميمنة النبي ﷺ يوم فتح مكة.
ومنهم: عمرو بن عبسة (٢) بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خالد بن
مازن بن مالك بن ثعلبة بن بهثة،
يقال إنه أسلم رابع أربعة، ويكنى أبا نجيح.
قال الواقدي: يروى انه قال كنت ثالثا أو رابعا في الإسلام.
حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي عن الحجاج بن صفوان عن ابن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة قال: رغبت في الجاهلية عن آلهة قومي، فلقيت رجلا من أهل تيماء، فقلت له: إني امرؤ ممن يعبد
стр. 5446
الحجارة، ينزل القوم منهم منزلا فيعمد الرجل منهم إلى أربعة أحجار فينصب ثلاثة منها لقدره ويجعل أحسنها عنده إلها يعبده، ثم لعله أن يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه، ويأخذ غيره، فرأيت أن الحجر لا ينفع ولا يضر فدلّني على دين خير من هذا، فقال: إنه يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه، ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيت ذلك فاتبعه. فلم يكن لي همّة حين قال لي ذلك إلا إتيان مكة والمسألة عما حدث، فسألت مرة فقالوا: قد خرج بها رجل راغب عن آلهة قومه، فرجعت إلى أهلي فشددت راحلتي برحلها ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزله بمكة فسألت عن رسول الله ﷺ فوجدته مستخفيا، ووجدت قريشا عليه أشداء، فتلطفت حتى دخلت عليه فقلت: أي شيء أنت؟ قال: «نبي» قلت: ومن أرسلك؟ قال:
«الله». قلت: وبماذا أرسلك؟ قال: «بعبادة الله وحده لا شريك له، وبحقن الدماء، وكسر الأوثان، وصلة الرحم وإيمان السبل». فقلت:
نعم ما أرسلت به، قد آمنت بك وصدقتك أفتأمرني أن أمكث معك أو أنصرف؟ قال: «ألا ترى كراهة الناس لما جئت به، كن في أهلك، فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني». فمكثت في أهلي حتى إذا خرج الى المدينة سرت إليه فقلت: يا نبي الله أتعرفني؟ قال: «نعم أنت السلمي الذي أتيتني بمكة». فقلت يا نبي الله أي الساعات أسمع؟ قال: «الثلث الأخير، ثم الصلاة مشهودة مقبولة حتى تطلع الشمس، فإذا رأيتها قد طلعت حمراء كأنها الحجفة فاقصر عنها، فإنها تطلع بين قرني شيطان فيصلي لها الكفار، فإذا ارتفعت قدر رمح أو رمحين فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى يساوي الرجل ظله، فاقصر عنها فإنها حينئذ تسجر جهنم، فإذا فاء الفيء
стр. 5447
فصلّ فإن الصلاة مقبولة مشهودة حتى تغرب الشمس، فإذا رأيتها قد غربت حمراء كأنها الحجفة فاقصر»، ثم ذكر الوضوء فقال: «إذا توضأت فغسلت يديك ووجهك ورجليك، فإن جلست كان ذلك طهورا، وإن قمت فصليت وذكرت ربك بما هو أهله انصرفت من صلاتك كهيئتك يوم ولدتك أمك».
وروي أن عمرا رضي الله تعالى عنه أتى مكة، فقال له رسول الله ﷺ : «إذا بلغك أني قد خرجت مخرجا فأتني»، فأتى منزله بحاذة وصفينة (١) فأقام حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم قدم على رسول الله ﷺ فكان أول مشاهده معه الطائف، وغزا الروم في أيام أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وأقام بالشام حتى مات في وسط أيام معاوية، ويقال إنه بقي إلى زمن يزيد بن معاوية (٢).
وروي أن عمرو بن عبسة قال لرسول الله ﷺ حين أسلم: من اتبعك يا رسول الله؟ قال: «حر وعبد»، فقيل العبد بلال.
وولد ملكان بن عكرمة، وهو أبو مالك: ناج.
فولد ناج: الديل. فولد الديل: حمار.
فولد حمار: ماوية وهي أم جشم، وإخوته بني بكر بن حبيب. وهم الأراقم في بني تغلب، وقال الشاعر:
أعكرم لا من أسرة الحيّ أنتم … ولا نسب في قيس بن عيلان ثابت
стр. 5448
وقال أبو اليقظان: هم في بني تيم الله بن ثعلبة.
وقال أبو اليقظان: ومن بني سليم: منصور بن عمرو بن عاصية البهزي.
وقال أبو عبيدة وغيره: خرج عمرو، فأغار على هذيل، وهو في جماعة من قومه، فنذر بهم بنو سهم بن معاوية بن هذيل، فأبلغوا خبرهم هذيلا. فاستعدوا، وعطش ابن عاصية فقال لبعض من معه: هل منكم من يسقي؟ فقال بعض أصحابه: نخاف القوم، فخرج على فرس له وقال: ليتبعني من أحبّ. فقالوا: نرى جمعا لا نقوم له، فانطلق وحده على فرسه ومعه قربته، وكان لهذيل على الماء قوم أكمنوهم لأنهم علموا أنه لا بدّ لهم من الماء، ونظر ابن عاصية يمينا وشمالا فلم ير الكمين فدخل البئر وأقبل يملأ قربته وأشرف الكمين عليه فقالوا: قد أخزاك الله يا بن عاصية ورمى ابن عاصية شيخا منهم فأصاب أخمصه فصرعه، وتشاغل من معه باخراج السهم من رجل الشيخ ووثب ابن عاصية من البئر فنجا منها، واتبعه باقوا من كان على البئر من هذيل فأسروه فقال: أرووني من الماء واصنعوا ما أردتم فلم يفعلوا وقتلوه، فقالت أخته تبكيه بأبيات تقول فيها:
يا لهف نفسي على ما كان من حزن … على ابن عاصية المقتول بالوادي
هلا سقيتم بني سهم أسيركم … نفسي فداؤك من ذي غلة صاد
ويروى هذا الشعر لأخت مسعود بن شداد. وكانت جرم أسرته فقالت:
يا عين بكّي لمسعود بن شداد … بكاء ذي عبرات شجوه باد
وانصرف بنو سليم، وجمع عرعرة بن عاصية لهذيل. فالتقوا بالجرف
стр. 5449
فاقتتلوا فظفرت بنو سليم، وقتلوا من هذيل وأسروا، وأخذوا امرأة من هذيل فعرّوها واستاقوها مجرّدة، فقال عرعرة بن عاصية:
ألا أبلغ هذيلا حيث حلّت … مغلغلة تخب مع الشفيق
قتلناكم غداة الجرف لما … تواقفت الفوارس بالمضيق
ترامينا قليلا ثم ولّت … فوارسكم توقّل كل نيق
وقالت امرأة من هذيل:
ألامت سليم في المساق وأفحشت … وأفرط في السّوق العنيف أسارها
لعل فتاة منهم أن يسوقها … فوارس منا وهي باد شوارها
في أبيات.
وقال أبو اليقظان: من بني سليم: راشد بن عبد ربه، كان أتى النبي ﷺ واسمه غاوي، فسماه النبي ﷺ : راشد بن عبد ربه، وولاه بعض الجيوش وهو القائل:
صحا القلب بعد الإلف وارتد شأوه … وردّ عليه ما بغته تماضر
قال: ومن بني سليم: شقيق، كان مع مروان بن محمد، وكان من فرسان سليم، وهو الذي يقول له الشاري:
قد علمت خيلك يا شقيق … أنك من سكرك لا تفيق
ومنهم: الأبلق، كان من فرسان مروان، وهو القائل لمروان:
هلا بعين الجر خليتني … يوم أكبّ القوم في الخندق
وأحمل الأبلق في صفهم … ثم أناديك فلا تنطق
ومنهم: نبيشه بن حبيب، قاتل ربيعة بن مكدم، قال الشاعر:
نعم الفتى أدّى نبيشة بزّه … يوم الكديد نبيشة بن حبيب
стр. 5450
ومنهم: النضر بن شبيب، كان يلي أمر الفساق بالبصرة زمن الحجاج، وله عقب بالبصرة.
ومنهم: حبان بن الحكم، كان معه لواء سليم يوم حنين.
ومن بني سليم، ثم بني بهز: كرّاز بن مالك، كان على الأبلة زمن الحجاج حين خرج شير زنجي في زمن الحجاج على زياد بن عمرو العتكي، وهو على شرط البصرة، فقتلوا ابنه، وكانوا بالفرات، فهرب كراز.
ولكراز عقب بخراسان والبصرة.
ومن بني سليم: جعدة، وكان يكون بالمدينة فكتب بعض الرواة إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه شعرا، وبعث به من ألقاه بالمدينة:
ألا أبلغ أبا حفص رسولا … فدى لك من أخي ثقة إزاري
قلائصنا هداك الله إنا … شغلنا عنكم زمن الحصار
قلائص من بني سعد بن بكر … وأسلم أو جهينة أو غفار
لمن ذود يبتن معقلات … قفا سلع بمختلف التجار
يعقّلهنّ جعدة من سليم … جهارا يبتغي سقط الجواري
وكان يأخذ الجواري فيعقلهن ويقول: أريد أن أدري أيتكنّ أصبر.
فضربه مائة، وأخرجه من المدينة، وكان جميلا طوالا.
قال: ومن بني سليم: أبو عبد الرحمن السلمي (١) المقرئ، كان من أصحاب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وروى عنه الفقه، وهو عبد الله بن حبيب.
стр. 5451
وحدثني الحسين بن الأسود، ثنا عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي قال:
سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: أقرأ أبو عبد الرحمن السلمي القرآن في المسجد الأعظم بالكوفة أربعين سنة.
وحدثني الحسين عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: كان أبو عبد الرحمن إذا جلس يقرئ القرآن قال: لا يجالسنا حروري، ولا رجل يجالس شقيقا الضّبّي، وإياي والقصّاص إلا أبو الأحوص.
وكان شقيق صاحب خصومة لقيه الحروية فقالوا له: ما أنت؟ قال:
مؤمن مهاجر، وابن سبيل عابر، ومرتاد ناظر فخلوا سبيله.
وقال يحيى بن آدم عن أبي بكر أيضا: أقرأ أبو عبد الرحمن في مسجد الكوفة، فلما هلك جلس عاصم في مجلسه يقرئ الناس، وتوفي في ولاية بشر بن مروان الكوفة، فخلفه عاصم.
قال: ومنهم: حصين بن عبد الرحمن من فقهاء أهل الكوفة.
قال: ومن بني سليم: مالك وهند. فأما مالك فقتله أبو الفارعة، أخو ربيعة بن مكدم، وترك هندا، فقال:
تجاوزت هندا رغبة عن قتاله … إلى مالك أعشو إلى ضوء مالك
وأيقنت أني ثائر بابن مكدم … غداتئذ أو هالك في المهالك
وكان من سليم: عباس بن أنس الأصمّ، وكان من فرسانهم، وكان عتيبة بن الحارث غدر به، وهو جاره، فأوثقه حتى افتدي، فقال عباس بن مرداس:
كثر الملام وما سمعت بغادر … كعتيبة بن الحارث بن شهاب
стр. 5452
قال: وكان من موالي سليم: أبو أيوب سليمان بن أبي سليمان، الذي يقال له المورياني، وزير أبي جعفر المنصور، ويعقوب. وعلي.
وصالح بنو داود، ويعقوب وزير المهدي أمير المؤمنين.
وقال محمد بن سعد: صحب جاهمة بن العباس بن مرداس النبي ﷺ ، وروى عنه أيضا (١).
والعرباض بن سارية السلمي، مات بالشام في أيام عبد الملك في فتنة ابن الزبير.
وقال الواقدي: مات سنة خمس وسبعين.
стр. 5453
نسب ثقيف
وولد منبّه بن بكر بن هوازن:
قسيّ بن منبّه، وهو ثقيف،
وكان أول من جمع بين أختين من العرب، وأمه أميمة بنت سعد بن هذيل.
فولد ثقيف: عوف بن ثقيف. وجشم بن ثقيف ودارس بن ثقيف وهم في الأزد بالسراة.
وسلامة بن ثقيف، وأمهم زينب بنت عامر بن ظرب العدواني.
وناصرة بن ثقيف. والمسك امرأة، وأمهما أميمة بنت عامر بن ظرب.
فولد عوف بن ثقيف:
سعد بن عوف، وأمه خالدة بنت عوف بن نصر بن معاوية. وغبرة بن عوف وأمه قلابة بنت صبح بن صاهلة من هذيل.
فولد سعد بن عوف: عمرو بن سعد. وأسيد بن سعد، وأمهما مكرمة بنت كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة، من خزاعة.
فولد عمرو بن سعد: كعب بن عمرو. وربيعة بن عمرو.
وعبد الله بن عمرو، وأمهم فاطمة بنت بلال بن عمرو بن ثمالة من الأزد.
стр. 5454
فولد كعب بن عمرو: مالك بن كعب. وزبينة بن كعب وأمهما ودّة بنت قيس بن الحارث بن فهر بن مالك.
وقال الشماخ في بني ودّة:
إن بني ودّة بالمسيل … ليس إلى جارهم سبيل
عروة منهم وأبو عقيل (١) …
ويرويه آل المغيرة بن شعبة: شعبة منهم وأبو عقيل.
فولد زبينة: معشر بن زبينة، وأمه من بني هلال بن عامر فولد معشر: عمرو بن معشر.
فولد عمرو: المنتدب بن عمرو. وأصرم بن عمرو. وأفقم بن عمرو. وأبا سهل بن عمرو. وأبا عمرو بن عمرو، وأمهم بنت عوف بن ضبّة بن الحارث بن فهر.
وولد مالك بن كعب بن عمرو: معتّب بن مالك. وعتاب بن مالك، وعتبان بن مالك رهينة أبي يكسوم الحبشي. وأبا عتبة بن مالك، وأمهم كلبة بنت يربوع بن ناصرة بن غاضرة بن حطيط بن جشم بن ثقيف.
فولد معتّب: مسعود بن معتّب. وعامر بن معتّب. ووهب بن معتّب. وعمرو بن معتّب. ومرة بن معتّب وهو العاقر. ومعاوية بن معتّب، وأمهم خبيئة بنت الذيبة، وهو ربيعة بن عبد ياليل بن سالم بن مالك بن حطيط.
стр. 5455
وسلمة بن معتّب وأمه كنّة بنت كسيرة بن ثمالة من الأزد، وأخوه لأمه أوس بن ربيعة بن معتّب فهما ابنا كنة، إليها ينسبون وفيهم يقول الشاعر:
ألمّا بي على الأبي … ات بالسّفح أزرهنّه
غزالا ما رأيت الي … وم في دور بني كنّه
غزالا أحور العي … ن وفي منطقه غنّه
وربيعة بن معتّب، وأمه من عدوان.
فمن بني معتّب: عروة بن مسعود بن معتّب
كان سيدهم في زمانه وبعثه رسول الله ﷺ إلى ثقيف يدعوهم إلى الإسلام فقتلوه فقال ﷺ : مثله مثل صاحب ياسين، وفيه نزلت: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (١). وهو عظيم الطائف، والقريتان مكة والطائف.
وقارب بن الأسود بن معتّب، كان على الأحلاف يوم حنين، فانهزم بهم قبل القتال فنجوا فقال الشاعر:
ولولا قارب وبنو أبيه … لهدّمت المصانع والقصور
والمغيرة بن شعبة (٢) بن أبي عامر بن مسعود بن معتّب أحد دهاة
العرب،
وأم المغيرة من بني نصر بن معاوية، وكان المغيرة شخص في عدّة من قريش وثقيف في تجارة إلى مصر، فوجدهم ذات يوم نياما فجعل يذبحهم رجلا رجلا، ثم قدم على النبي ﷺ فأسلم وحدثه حديثه وجاءه بما أخذ منهم، فقال رسول الله ﷺ : «أما إسلامك فنقبله وأما خفرتك
стр. 5456
فنردها». وكان قدومه في سنة ست من الهجرة، قدم مسلما مهاجرا وكان أعور، وشهد الحديبية مع النبي ﷺ ، وبايع بيعة الرضوان تحت الشجرة.
وقال غير الواقدي: أسلم المغيرة بعد أحد بقليل، وهو قول ثقيف، وشهد المغيرة يوم القادسية قدمها في ستمائة من أهل البصرة، وولاه عمر البصرة، فافتتح بها فتوحا وذلك بعد عتبة بن غزوان، وعزله عمر رضي الله تعالى عنه، وولاه بعد ذلك الكوفة، وولاه معاوية الكوفة، فمات بها بالطاعون سنة خمسين، وكان يكنى أبا عبد الله، وصلى بالناس في العام الذي قتل فيه علي كرم الله وجهه في سنة أربعين، وجعل يوم الأضحى يوم عرفة وفيه يقول الراجز:
سيري رويدا وابتغي مغيرة … كلّفتها الإدلاج بالظهيرة
وقال بعضهم: أصيبت عين المغيرة بالقادسية، وخرج المغيرة ومعه جرير بن عبد الله، والأشعث بن قيس، وهو يومئذ والي الكوفة فلقوا أعرابيا فقالوا له: ما تقول في المغيرة بن شعبة؟ قال: أعيور زنّاء ترفعه إمرته وتضعه أسرته.
قالوا: فجرير بن عبد الله؟ قال: هو بجيلة إذا رأيتموه فقد رأيتموها. قالوا: فالأشعث؟ قال: لا يغزى قومه ما بقي لهم فقالوا له:
هذا المغيرة، وهذا جرير، وهذا الأشعث فانصرف وقال: ما كنت لآتي قوما أسمعتهم المكروه، وقال لامرأته: يا أم فلان إصرفي حمارك.
وحدثني المدائني قال: قال المغيرة بن شعبة: أحسن الناس عيشا، من حسن عيش غيره، في عيشه.
стр. 5457
المدائني أن المغيرة بن شعبة قال: ما اصطنعت معروفا قط إلاّ كنت أحرص الناس على صيانته وريّه حتى استتمه.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نهى أن يكنى أحد بأبي عيسى، فقال المغيرة بن شعبة: كناني رسول الله ﷺ بأبي عيسى، وكنى صهيبا بأبي يحيى، ثم قال عمر: دلوني على رجل أوليّه، فقال المغيرة: قد عرفته، عبد الله بن عمر. فقال عمر: والله ما الله أردت يا عدو نفسه (١).
وقال عمر يوما: من عذيري من أهل الكوفة، إن وليت عليهم الضعيف حقروه، وإن وليت عليهم القوي فجرّوه، فقال المغيرة: أما المؤمن الضعيف فله إيمانه، وعليك ضعفه، وأما الفاجر القوي فلك قوته وعليه فجوره، فقال: يا أعور لعلك إن وليتك تعود لشيء مما رميت به، قد وليتك الكوفة.
وكان المغيرة يقول: إن المودة لتنفع عند الجمل الصؤول: والكلب العقور، فكيف عند الرجل المميز الفهم الكريم.
وتزوج المغيرة ثلاث بنات لأبي سفيان بن حرب، وتزوج ابنة سعد بن أبي وقاص.
وقال أبو اليقظان: يذكرون أنه حصن ثمانين امرأة في الإسلام، منهنّ ابنة لجرير بن عبد الله البجلي.
وكان إذا اجتمع عنده أربع نسوة قال: إنكنّ لطويلات الأعناق،
стр. 5458
كريمات الأعراق، جميلات الأخلاق، ولكني رجل مطلاق فاعتددن.
ويروى شبيه ذلك عن خالد بن صفوان.
وكان المغيرة يقول: النساء أربع والرجال أربعة، رجل مذكر، وامرأة مؤنثة فهو قوام عليها. وامرأة مذكرة ورجل مؤنث فهي قوامة عليه.
ورجل مذكر وامرأة مذكرة فهما يكادان يصطكان، ورجل مؤنث وامرأة مؤنثة فهما لا يأتيان بخير ولا يفلحان.
وقيل لامرأة من نساء المغيرة: إنه لذميم أعور، فقالت: هو والله عسيلة يمانية في ظرف سوء.
وقال المغيرة حين حضرته الوفاة: اللهم هذه يدي بايعت بها نبيك وجاهدت بها في سبيلك فاغفر لي ما يعلمون من ذنوبي وما لا يعلمون.
وكتب إليه معاوية وهو على الكوفة أن اظهر أمر عليّ وتنقصه، فكتب إليه ان كنت كلما غضبت شتمت وكلما عتبت لعنت، وكلما أذنب إليك ضربت، ليس بينك وبين ذلك حاجز من حلمك، ولا تجاوز بعفوك فلست بأهل لما تنسب إليه من الحلم.
وكان قد اعتزل حرب علي ومعاوية وأقام بالطائف متمارضا.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: أراد المغيرة أن يبلو معاوية، فكتب إليه يشكو ويسأله الإذن في إتيان المدينة أو الطائف، فكتب إليه:
أنت وذاك، وإن شئت فصر إلينا وأنت كما قال الأول:
اختر لنفسك ما بدا لك راشدا … ودع الخداع فقد كفاك الأول
فكتب إليه المغيرة:
стр. 5459
إن الذي ترجو سقاطك والذي … سمك السماء مكانها لمضلل
أجعلت ما ألقي إليك خديعة … حاشى الإله وترك ظنك أجمل
وقال الكلبي: أخبر المغيرة حين دخل الكوفة بمكان هند بنت النعمان، فصار إلى ديرها فقال لها: جئتك خاطبا. قالت: لمن؟ قال:
لك يا هند. قالت: ومن الرجل؟ قال: المغيرة بن شعبة صاحب رسول الله ﷺ ، وصاحب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأطرقت مليا ثم رفعت رأسها فقالت: وجه عروس ترى؟ والله مالي مال ترغب له فيّ، ولا جمال تقصد فيه إلي، ومالك من حظ إلا أن تقول في مجالس العرب عندي هند بنت النعمان بن المنذر، والصليب لا يجمع رأسي ورأسك سقف أبدا، فأنشأ يقول:
ما نلت ما منيت نفسي خاليا … لله درك يا ابنة النعمان
إني لحلفك بالصليب مصدّق … والصّلب أفضل حلفة الرهبان
ولقد رددت على المغيرة ذهنه … إن الملوك ذكية الأذهان
يا هند إنك قد صدقت فأمسكي … والصدق خير مقالة الإنسان
وقال المغيرة: ما غلبني رجل إلا مرّة، أمرته أن يخطب عليّ امرأة فقال: لا تردها إني رأيت رجلا يقبّلها، ثم ذهب فتزوجها فقلت: ألم تخبرني أنك رأيت رجلا قبّلها؟ قال: نعم رأيت أباها يقبلها.
وكان المغيرة يختلف إلى أم جميل بنت محجن بن الأفقم بن شعيثة الهلالية، وكان لها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عتيك، فرصده أبو بكرة، وشبل بن معبد البجلي، ونافع بن الحارث بن كلدة الثقفي، وزياد بن أبي سفيان، وهجموا عليه وهو والمرأة عريانان وقد تبطنها،
стр. 5460
فخرجوا إلى عمر فشهدوا عليه عنده بما رأوا فوجه عمر أبا موسى واليا وأمره أن يشخص المغيرة فأشخصه إليه فزعموا أنه رأى امرأة في طريقه على ماء فخطبها وتزوجها ونقط جسمه بعسل وألزق عليه القطن، فدرأ عمر الحد عنه لأن زيادا قال رأيت منظرا قبيحا، وسمعت نفسا عاليا وما أدري أخالطها أم لا، فجلد عمر الشهود إلا زيادا، وقال حسان بن ثابت في المغيرة:
لو انّ اللؤم ينسب كان عبدا … قبيح الوجه أعور من ثقيف
تركت الدين والإسلام جهلا … غداة لقيت صاحبة النصيف
ومال بك الهوى وذكرت لهوا … من الحسناء بالغمر اللطيف (١)
وقد ذكرنا ولايته البصرة في كتابنا في أمر البلدان.
وقال الهيثم بن عدي: ابتاع المغيرة من مصقلة بن هبيرة الشيباني جارية، فلما صارت إليه ندم مصقلة على بيعها فقال للمغيرة: إني قد وطئت هذه الجارية حديثا فلا تطأها حتى تستبرئها، فأني أحسبها حبلى وانسلّ مصقلة هاربا حتى أتى الشام، فشكا المغيرة ورماه بالزنى، فأغضب ذلك معاوية وأمر بحبسه، ويقال إنه حدّه، وقال: أنت أعلم به من عمر، لقد حدّ من قذفه، ثم إنه رضي عنه وولاه طبرستان.
وقال الكلبي ابتاع المغيرة من مصقلة جارية بألفي درهم فغشيها ولم يستبرئها، فخرج مصقلة إلى معاوية فحكم معاوية بأن الولد للفراش، وأصلح بينه وبين المغيرة.
стр. 5461
ومات المغيرة بالكوفة فقدم مصقلة الكوفة وقد ولاه معاوية طبرستان، فوجد المغيرة متوفى، فقال متمثلا قول مهلهل:
إن تحت الأحجار حزما وجودا … وخضّما ألدّ ذا مغلاق
حيّة في الوجار أربد لا ين … فع منه السليم رقي الراقي
وكانت بكر بن وائل قالت لمصقلة: يا أبا الفضيل انبش قبر المغيرة فقال: لا والله لقد كنت يا أبا عبد الله شديد العداوة لمن عاديت، كريم الإخاء لمن آخيت، والله ما يمنعني فعلك بي أن أقول فيك الحق، ولقد صدقت باديتك.
وقال أبو اليقظان: هرب مصقلة من علي إلى معاوية، ثم قدم الكوفة بعد ذلك، والمغيرة عليها فغضب عليه المغيرة بسبب جارية طلبها منه فلم يبعه إياها، ولم يهبها له، وقال: هي جاريتي، وهرب إلى الشام فأخذها المغيرة بمال ادعاه عليه ووطئها فولدت مطرف بن المغيرة فكان الحجاج يقول: هو ابن مصقلة، ولو كان من ثقيف لم يخرج على السلطان، ولكنه من بكر بن وائل.
وقال أبو عبيدة: لما هلك مصقلة بطبرستان، وقدم بثقله أخذ المغيرة جارية أعجبته بثمن، فقالت: إني حامل فكذبها وقال هذا الحنجار (١) منك، ووطئها قبل الاستبراء، والخبر الأول أثبت.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، ثنا أبو سعد مولى كندة قال: شهدت جنازة المغيرة بن شعبة، ومات في يوم شديد الحر فدفن في
стр. 5462
موضع قريب من رصافة الكوفة، قال: بينا نحن في جنازته إذا رجل قد أقبل على بعير له وهو متلثم بعمامة فقال: من هذا المرموس؟ قلنا:
المغيرة بن شعبة أمير الكوفة فقال:
أرسم ديار للمغيرة يعرف … عليه زواني الجن والإنس تعزف
فإن تك قد لاقيت هامان بعدنا … وفرعون فاعلم أن ذا العرش ينصف
قال: ومضى، فأقبل الثقفيون يشتمونه، فلم يدر من هو.
وحدثني عباس عن أبيه هشام عن أبي محمد المرهبي عن عبد الملك بن عمير قال: شهدت جنازة المغيرة بن شعبة فرأيت امرأة جميلة نبيلة مشرفة على النساء وهي تقول:
الجلّ يحمله النّفر … قرم كريم المعتصر
أبكي وأنشد صاحبا … لا عين منه ولا أثر
قد كنت أخشى بعد يوم … ك أن أساء فلا أسرّ
لله درّك قد غني … ت وأنت باقعة البشر
حلما إذا طاش الحل … وم ونارة أفعى ذكر
قلت: من هذه؟ قالوا: أم كثير بنت قطر بن عبد الله بن الحسين الحارثي، وكانت قبله عند كثير بن شهار الحارثي.
قالوا: وكان قد أصاب أهل الكوفة وباء وطاعون. فقال المغيرة لأبي موسى: أخرج بنا فأبى فخرج إلى الاكيراح ولم يبرح أبو موسى، فلما خفّ الطاعون دخل المغيرة الكوفة فطعن فاستخلف ابنه عروة بن المغيرة.
وحدثت عن شعبة عن زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول يوم مات المغيرة واستخلف جريرا فقال جرير: أوصيكم بتقوى الله
стр. 5463
وحده لا شريك له، استغفروا للمغيرة عفا الله عنه، فقد كان يحب العافية واسمعوا وأطيعوا حتى يأتيكم أميركم، ثم قال: قد بايعت رسول الله ﷺ بيدي هذه فاشترط علي النصح لكل مسلم، وربّ هذا المسجد إني لكم ناصح.
وكان المغيرة ابتنى بالكوفة دارا في ثقيف.
وكان للمغيرة من الولد: عروة. وحمزة. وأمهما حفصة بنت سعد بن أبي وقاص. والمغيرة بن المغيرة، وأمه عائشة بنت جرير بن عبد الله، والعقار بن المغيرة، وأمه أم محمد بنت منبه. وهمام بن المغيرة. وجعفر.
ومطرّف. وسوّار لأمهات أولاد شتى.
وأما عروة بن المغيرة فكان على الكوفة حتى ضمها معاوية إلى زياد مع البصرة، وكتب عبد الملك، والحجاج على العراق: أن اكتب إليّ بخبر الحجاج، وكتب إلى محمد بن عمير بن عطارد بمثل ذلك. فأما عروة فكتب: إن في الحجاج عجلة إلى سفك الدماء، وأما ابن عمير فكتب كتابا أقرأه الحجاج فبعث عبد الملك بالكتابين إلى الحجاج فدعا بعروة فضربه بالسياط حتى مات وهو بالكوفة. ولعروة عقب.
وكان نوفل بن الحارث بن عروة بن المغيرة عاملا للمنصور على بعض فارس، ثم حبسه، فمات في الحبس.
وأما حمزة، فولاه الحجاج صدقة أرض الكوفة، فوضع على الخضرة الزكاة فقال له موسى بن طلحة: إنه ليس في الخضراوات صدقة فقال الحجاج: موسى أفقه من حمزة.
стр. 5464
وأما مطرّف، فخرج على الحجاج، فقتل وقد ذكرنا خبره فيما تقدم من كتابنا هذا، وليس لمطرف عقب.
وقال أبو اليقظان: ومن بني معتّب: جبير بن حيّة بن مسعود بن معتّب.
وقال أبو اليقظان تبنّت حيّة بنت مسعود جبيرا، وكان بالطائف معلما، ثم قدم العراق، وكان زياد في كتّابه فأكرمه وولاه أصبهان، وكان يكنى أبا فرتنا، وولده بالبصرة لهم أموال يعرفون بالجبيريين (١).
وسالف بن عثمان بن عامر بن معتّب. وهاشم بن أبي سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب، ولي الطائف ومدحه النجاشي الحارثي فقال:
وهاشم بن أبي سفيان خيرهم … لمن أتاه على يسر وإعسار
وكان أبو سفيان أول من دخل الطائف، منهزما يوم حنين.
ومنهم الحجاج بن يوسف (٢) بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن
عامر بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف.
وكان يوسف مع عبد الملك وأبيه قبله، وانهزم يوم الحنتف بن السجف بالربذة (٣)، وكان مع حبيش بن دلجة فقال الشاعر:
ونجّى يوسف الثقفي ركض … دراك بعد ما سقط اللواء
ولو أدركنه لقضين نحبا … به ولكل مخطأة وقاء
وكان الحجاج ردفه يومئذ، ومات يوسف والحجاج على المدينة، فنعاه
стр. 5465
على المنبر وقال: إني أحمد الله أنه لم يدع مالا ولا كلأ، وأم الحجاج ومحمد، وزينب أختهما: الفارعة بنت همّام بن عروة بن مسعود بن معتب.
وولّى عبد الملك محمد بن يوسف اليمن فمات بها فقال الشاعر:
ألا قل للوّامي على الخمر انني … سأشربها مما سباه (١) معتّب
وكان الحجاج يكنى أبا محمد، ولي أول مرة تبالة، فلما رآها أبى أن يليها فقيل في المثل: أهون من تبالة على الحجاج. ويقال بل أقام يسيرا فآذى أهلها واستخف بهم فقيل أهون من أهل تبالة على الحجاج، والأول أثبت.
وولي شرط أبان بن مروان في بعض أيامه، فلما خرج ابن الزبير وقوتل قال الحجاج: رأيت كأني سلخت ابن الزبير، فوجهه عبد الملك لقتاله، وقد كتبنا خبره.
وولى عبد الملك الحجاج الحجاز ثلاث سنين، فكان يصلي بالناس في الموسم كل سنة، ثم ولاه عبد الملك العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فوليه لعبد الملك أربع عشرة سنة ثم للوليد حتى هلك بواسط في رمضان سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، ودفن بواسط، واستخلف على الخراج يزيد بن أبي مسلم مولاه، وعلى الحرب يزيد بن أبي كبشة السكسكي. وكان ابنه عبد الملك يصلي بالناس، وقد كتبنا خبره في قدومه الكوفة، والبصرة، وأمر رستقاباذ، وأمر ابن الأشعث، وأمر من خرج عليه، فيما تقدم من كتابنا هذا.