رسول الله ﷺ . حتى إذا قبض، سألتها، فقالت: «أسرّ إليّ أن جبريل ﵇ كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني به العام مرتين، ولا أراه إلا قد حضر أجلي؛ وإنك أول أهلي لحاقا بي ونعم السلف أنا لك. فبكيت لذلك. ثم قال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو: نساء المؤمنين؟ فضحكت».
وحدثني عمر بن شبة، ثنا حماد بن واقد، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك
أن النبي ﷺ لما ثقل، ضمته فاطمة إلى صدرها وقالت: «واكرباه لكربك يا أبتاه»، فقال ﷺ : «لا كرب على أبيك بعد اليوم».
- حدثني محمد بن حاتم المروزي، ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ،﴾ (١)، قال رسول الله ﷺ : «نعيت إليّ نفسي». قال، يقول: إنه مقبوض في تلك السنة.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناده قال:
بكت فاطمة رضي الله تعالى عنها عند رسول الله ﷺ ، فقال:
«يا بنية، لا تبكي، وإذا مت فقولي: إنا لله وإنا إليه راجعون، فإن فيها من كل ميت معوضة. قالت: ومنك، يا رسول الله قال: نعم ومني».
قال: وبكت أم أيمن، فقيل لها: لا تبكي، فإنما خيّر فاختار ما عند ربه.
قالت: إنما أبكي انقطاع خبر السماء عنا.
стр. 702
وحدثت عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح
أن رسول الله ﷺ لما اشتد وجعه الذي توفي فيه، جعلت فاطمة ﵍ تبكي، وتقول: بأبي أنت وأمي، أنت والله كما قال القائل:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فأفاق ﷺ ، فقال: هذا قول عمي أبي طالب، وقرأ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (١).
- حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا هشام بن عبد الملك، ثنا محمد بن أبان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها
أن رسول الله ﷺ قال: «انقلوني إلى بيت عائشة». قالت: فلما سمعت ذلك، قمت، ولم تكن لي خادم، فكنست بيتي وفرشت له فراشا، ووسدته وسادة كان حشوها إذخر. فلما حضرت الصلاة، قال: أرسلي إلى أبي بكر فليؤمّ الناس. قالت: فأرسلت إليه. فأرسل إلي أني شيخ كبير، ضعيف عن أن أقوم في مقام رسول الله ﷺ ، ولكن أشيري على رسول الله ﷺ بعمر، واستعيني عليه بحفصة. ففعلت فقال: «إنكن صواحب يوسف؛ أرسلي إلى أبي بكر».
حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد قال:
стр. 703
كان رسول الله ﷺ في مرضه إذا وجد خفة خرج فصلى بالناس، وإذا ثقل وجاءه المؤذّن قال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس. فخرج الأمر من عنده يوما بأن يصلي أبو بكر، وكان غائبا، فصلى عمر بالناس. فلما كبر، وكان جهير الصوت، سمع تكبيره، فقال: لا، لا، لا، أين ابن أبي قحافة»؟ فانصرف عمر، وانتقضت الصفوف. فما برحنا حتى طلع ابن أبي قحافة، وكان بالسّنح (١)، فصلى بالناس.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن معمر ومحمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة قال:
دخلت على رسول الله ﷺ أعوده، فقال: «يا عبد الله مر الناس بالصلاة». فخرجت فلقيت رجالا لم أكلمهم حتى رأيت عمر، فقلت:
صل بالناس. فلما كبر، سمع النبي ﷺ تكبيره، فأخرج رأسه من حجرته، وهو يقول: «لا، لا، لا، ليصل بالناس ابن أبي قحافة». وقال ذلك وهو مغضب. فانصرف عمر، فقال: يا بن أخي، أمرك رسول الله ﷺ أن يأمرني؟ قلت: لا، ولكنه قال لي: «يا عبد الله، مر الناس بالصلاة». فلما رأيتك لم أبلغ من ورائك. فقال: ما ظننت إلا إن رسول الله ﷺ أمرك أن تأمرني، ولولا ذلك ما صليت.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن عاصم بن عبيد الله بن سالم، عن سالم، عن أبيه قال:
كبر عمر، فسمع النبي ﷺ تكبيره، فأقلع رأسه مغضبا يقول: «أين
стр. 704
ابن أبي قحافة، أين ابن أبي قحافة؟».
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن سعيد بن أبي زيد، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عكرمة قال:
صلى بهم أبو بكر ثلاثة أيام.
حدثنا محمد، عن الواقدي، ثنا يونس بن يعقوب، عن أبي الحارث بن عبد الله، عن سعيد بن يسار قال:
ثقل رسول الله ﷺ يوم الخميس، فصلى بهم أبو بكر يومئذ الظهر حتى كان اليوم الذي توفي فيه. فإنه كثر الناس. فصلى بهم صلاة الصبح.
فأقبل رسول الله ﷺ فجلس إلى جنب أبي بكر. فصلى بصلاة أبي بكر. فلما سلم أبو بكر. قضى رسول الله ﷺ الركعة (١).
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا شبابة بن سوار، ثنا شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت:
صلى النبي ﷺ خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا.
حدثنا الحسن بن عرفة، ثنا كثير بن مرور الفلسطيني، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سويد بن غفلة، عن علي رضي الله تعالى عنه قال:
أمر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة المؤمنين. فصلى بهم في حياة النبي ﷺ تسعة أيام، ثم قبض.
حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، عن أبيه، عن يونس، عن الحسن قال:
стр. 705
صلى رسول الله ﷺ خلف أبي بكر في برد قد خالف بين طرفيه، حين اشتكى.
حدثني روح بن عبد المؤمن، قال: سمعت حميدا يحدث، عن أنس بن مالك
أن رسول الله ﷺ صلى خلف أبا بكر في ثوب واحد.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي سبرة قال:
صلى أبو بكر بالناس سبع عشرة صلاة.
حدثنا محمد بن سعد، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، عن رجل، عن الفضيل بن عمرو، قال:
صلى أبو بكر بالناس ثلاثا.
حدثنا أبو عثمان عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس.
قالت عائشة: فقلت: إنّ أبا بكر رجل أسيف، إذا قرأ القرآن بكى، فقال: مروه فليصل بالناس. فقلت لحفصة: قولي إنّ أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصلّ. ففعلت. فقال:
إنكن صواحب يوسف؛ مروا أبا بكر فليصل». فقالت حفصة: ما كنت لأصيب منك خيرا.
حدثنا عمرو بن محمد، ثنا الحسين الجعفي، أنبأ زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال:
لما مرض رسول الله ﷺ فاشتد وجعه قال: «مروا أبا بكر فليصل
стр. 706
بالناس. فقالت عائشة: أن أبا بكر رجل رقيق، وإن قام مقامك لم يكن يسمع الناس. قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف».
حدثنا إسحاق أبو موسى الفروي ومحمد بن سعد، قالا ثنا محمد بن خازم أبو معاوية الضرير ثنا الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة قالت:
لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذّنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فقلت إنّ أبا بكر رجل أسيف، وإنه إن قام مقامك لم يسمع الناس؛ فلو أمرت عمر؟ قال: مروا أبا بكر فليصل للناس، فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف وإنه إن يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر؟ فقالت له حفصة ذلك. فقال:
أنتن صواحب يوسف؛ مروا أبا بكر فليصل. فصلى بهم. فلما دخل أبو بكر في الصلاة، وجد رسول الله ﷺ خفّة، فقام يهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه، ذهب يتأخر. فأومأ رسول الله ﷺ إليه أن كما أنت؛ وجاءه رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر. فكان رسول الله ﷺ يصلي جالسا، وأبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاته».
حدثني روح بن عبد المؤمن، ثنا يعقوب بن الحضرمي، عن زائدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة وابن عباس
стр. 707
أن رسول الله ﷺ خرج في مرضه وأبو بكر يصلي، فاستأخر أبو بكر، فردّه النبي ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ قاعدا، وصلى أبو بكر قائما، يقتدي أبو بكر والناس بصلاة رسول الله ﷺ .
أبو الحسن المدائني، عن النضر بن إسحاق، عن عبد الله بن خازم، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب
أن رسول الله ﷺ لم يمت فجأة: كان بلال يأتيه في مرضه فيؤذّنه بالصلاة. [فيقول]: «فهاتوا أبا بكر أن يصلي بالناس» وهو يرى مكاني.
فلما قبض، نظر المسلمون فرأوا أنّ رسول الله ﷺ قد ولاه أمر دينهم فولوه أمر دنياهم.
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي والحسين بن علي بن الأسود العجلي قالا: ثنا وكيع بن الجراح، أخبرني أبو بكر الهذلي، عن الحسن قال: قال علي:
لما قبض رسول الله ﷺ ، نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدّم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي به رسول الله ﷺ لديننا، فقدّمنا أبا بكر.
حدثنا محمد بن سعد، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أنبأ أبو معشر، عن محمد بن قيس قال:
اشتكى رسول الله ﷺ ثلاثة عشر يوما؛ فكان إذا وجد خفّة صلى، وإذا ثقل صلى أبو بكر.
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الله بن صالح المصري، أنبأ الليث بن سعد، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال:
стр. 708
لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ، خرج أبو بكر يصلي للناس صلاة الصبح. ثم خرج رسول الله ﷺ . فلما أحسه أبو بكر، ذهب يستأخر. فحبسه. فصلى هو بأبي بكر، وأبو بكر إمام الناس، ورسول الله ﷺ قاعد. فلما فرغ من الصلاة، قال أبو بكر: أراك يا رسول الله قد أصبحت صالحا، واليوم لابنة خارجة - يعني امرأته من الأنصار. وانطلق أبو بكر إليها، والنبي ﷺ يحذّر الناس الفتن. ثم نادى بأعلى صوته: «إني والله، ما أحلّ لكم إلاّ ما أحلّ الله، ولا أحرّم عليكم إلا ما حرّم الله في كتابه. يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، اعملا لما عند الله فاني لا أغني عنكما من الله شيئا». فما انتصف النهار حتى توفي رسول الله ﷺ .
حدثنا محمد بن الصباح، ثنا هشيم، أنبأ إسماعيل بن أبي خالد، ثنا البهي قال،
قال أبو بكر للنبي ﷺ في مرضه الذي قبض فيه: أراك اليوم مفيقا، وهو يوم ابنة خارجة. فانطلق أبو بكر إليها، ثم رجع وقد قبض رسول الله ﷺ . فكشف عن وجهه، وقبل جبهته فقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا.
حدثني عبد الله بن أبي أمية البصري، عن إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، أن عائشة قالت:
لما استعزّ برسول الله ﷺ مرضه، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقلت: إنّ أبا بكر رجل ضعيف الصوت، رقيق، كثير البكاء إذا
стр. 709
قرأ القرآن. قال: مروه فليصل. قالت: فعدت بمثل قولي. فقال: إنكن صواحب يوسف؛ مروه فليصل». قالت: فو الله ما قلت ذلك إلا أني خفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقام رسول الله ﷺ ، وأن يتشاءموا به، فأحببت أن أصرفه ذلك عنه. (١)
حدثنا هشام بن عمار الدمشقي ثنا المعقل بن زياد، عن معاوية بن يحيى الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال:
لما اشتكى رسول الله ﷺ شكاته التي توفي فيها، فقال: «ليصل للناس أبو بكر». فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رقيق، وأنك متى تقمه مقامك لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن، فمر عمر أن يصلي للناس. فقال رسول الله ﷺ : «ليصل أبو بكر». فراجعته عائشة، فقال: «ليصل أبو بكر؛ فإنكن صواحب يوسف». قالت عائشة: ما حملني على أن كلمته بذلك إلا كراهة أن يتشاءم الناس بأول رجل يقوم مقام رسول الله ﷺ .
حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي والحسين بن علي بن الأسود قالا: ثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس
أن النبي ﷺ جاء وأبو بكر يصلي بالناس في مرضه، فأخذ من حيث بلغ من القراءة.
حدثنا عبد الله بن صالح العجلي، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة
стр. 710
قاضي المدائن، حدثني أبي، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس
أن أبا بكر صلى بالناس حين أمره رسول الله ﷺ بالصلاة في مرضه.
ثم وجد رسول الله ﷺ خفة، فخرج. فأراد أبو بكر أن يتأخر. فأومأ إليه أن كما أنت فجلس إلى جنبه، وأبو بكر عن يمينه. فأخذ النبي ﷺ من الآية التي انتهى إليها أبو بكر، فقرأ.
حدثني أبو الحسن المدائني، عن أبي جري، عن يونس، عن الحسن قال:
أمر رسول الله ﷺ أبا بكر وهو مريض أن يصلي بالناس. ثم قال الحسن: ليعلمهم والله، من صاحبهم بعده؟
المدائني، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل أن النبي ﷺ مرض في بيت عائشة، فقال: «ليصل أبو بكر بالناس». قالت عائشة: فقلت يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل حصر.
قال: فبعثوا إلى عمر، فقال: ما كنت لأتقدّم وأبو بكر حيّ.
المدائني، عن أبي سلمة، عن إسماعيل بن مسلم، عن أنس قال:
قال علي:
مرض رسول الله ﷺ ، فأمر أبا بكر بالصلاة وهو يرى مكاني. فلما قبض، اختار المسلمون لدنياهم من رضيه رسول الله ﷺ لدينهم. فولوا أبا بكر. وكان والله لها أهلا. وماذا كان يؤخره عن مقام أقامه رسول الله ﷺ فيه؟
- وحدثني هدبة، ثنا المبارك بن فضالة
стр. 711
أن عمر بن عبد العزيز بعث ابن الزبير الحنظلي إلى الحسن فقال له:
هل كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال الحسن: «أو في شكّ صاحبك؟ والله الذي لا إله إلا هو، لا ستخلفه حين أمره بالصلاة دون الناس. ولهو كان أتقى لله من أن يتوثّب عليها».
المدائني، عن المبارك بن فضالة
بمثله.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن أبي بكر بن إسماعيل بن محمد، عن أبيه، عن أنس بن مالك قال:
خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر يصلي، فأراد أن ينكص. فقال:
«مكانك؛ إنما أردت أن أنظر إلى الصفوف».
حدثني علي بن إبراهيم السواق، حدثني إسماعيل بن زرارة السكري، عن سعيد بن مسلمة، عن إسماعيل بن أمية، عن الزهري، عن أنس قال:
آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ أنه اشتكى وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس. فبينا نحن في صلاة الظهر، كشف رسول الله ﷺ ستر عائشة، فنظرت إلى وجهه وكأنه ورقة من مصحف.
فقال: وقال إسماعيل بن أمية: وسمعت غير الزهري يذكر عن أنس أن أبا بكر نكص وهو يظنّ أن رسول الله ﷺ يريد أن يصلي بالناس.
فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم صفوفا لما رأى من هيئتهم وأشار أن اثبتوا على صلاتكم. ثم أرخى الستر بينهم وبينه، وتوفي ﷺ من يومه ذلك.
стр. 712
حدثني أحمد بن إبراهيم، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال:
يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ اشتدّ فيه وجع رسول الله ﷺ .
وبكى ابن عباس طويلا. ثم قال: «فلما اشتدّ وجعه، قال: «ائتوني بالدواة والكتف أكتب لكم كتابا لا تضلون معه بعدي أبدا». فقالوا: أتراه يهجر. وتكلموا، ولغطوا، فغمّ ذلك رسول الله ﷺ ، وأضجره. وقال:
«إليكم عني. ولم يكتب شيئا».
- حدثني روح، ثنا الحجاج بن نصير، عن قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر
أن النبي ﷺ دعا بصحيفة أراد أن يكتب فيها كتابا لأمته. فكان في البيت لغط. فرفضها.
- حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا شبابة بن سوار، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة تقول:
نعمة من الله عليّ ورحمة أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وليلتي بين سحري ونحري، لم يلمه غيري وغير الملك.
وحدثنا عبد الله بن أبي أمية، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن اسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال:
سمعت عائشة تقول:
مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم أحدا؛ فمن سفهي وحداثة سنّي أنه قبض وهو في حجري، فوضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي.
стр. 713
-حدثني الوليد بن صالح، ثنا مرحوم بن عبد العزيز، ثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن نانيوس قال سمعت عائشة تقول:
سمعني رسول الله ﷺ أقول «وا رأساه»، فقال: «أنا الذي أشتكي رأسي. وذاك حين أخبره جبريل أنه مقبوض. فلبثه أياما حتى جيء به من بيت ميمونة، فحمل بين أربعة. فقال: يا عائشة، أرسلي إلى النسوة، فلما جئن قال: لا أستطيع أن أختلف بينكن، فأذنن لي فأكون في بيت عائشة. قلن: نعم يا رسول الله. ورأيناه يوما يحمر وجهه ويعرق جبينه، ولم أكن رأيت قط ميتا قبله. ثم قال: أقعديني، فأسندته إليّ ووضعت يدي عليه، فقلب رأسه فوقعت يدي عنه. ووقعت من فيه نطفة باردة على صدري - أو قالت: على ترقوتي - فسقط على الفراش». فسجّيناه بثوب.
وجاء عمر، فاستأذن، ومعه المغيرة بن شعبة، فأذنت لهما ومددت الحجاب. فقال عمر: يا رسول الله. فقلت: غشي عليه منذ ساعة.
فكشف عن وجهه، وقال: واغشياه ما أشد غشي رسول الله، ثم غطاه ولم يتكلم المغيرة. فلما أن بلغ إلى عتبة الباب، قال: مات رسول الله ﷺ يا عمر. قال عمر: كذبت، ما مات رسول الله، ولا يموت حتى يؤمر بقتال المنافقين؛ بل أنت امرؤ تحوسك الفتنة.
وجاء أبو بكر، فقال: ما لرسول الله؟ قلت: غشي عليه منذ ساعة، فكشف عن وجهه ووضع فمه بين عينيه ووضع يده على صدغيه ثم قال: وآنبياه، وآخليلاه، وآصفياه، صدق الله ورسوله، قال الله : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ١،﴾ ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾
стр. 714
﴿أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ١،﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ٢،﴾ ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (٣). قال عمر: «أفي كتاب الله هذا، يا أبا بكر؟» قال: نعم. ثم قال عمر: هذا صاحب رسول الله في الغار وثاني اثنين، فبايعوه. فحينئذ بايعوه.
- حدثنا الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن ابن أبي ذئب، عن أبي حازم، عن ابن عمر قال:
لما قبض النبي ﷺ سجّى بثوب، وقعدنا حوله نبكي. وإنا لكذلك إذ سمعنا صوتا، ولا يتبين شخصا، قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فرددنا عليه مثل ذلك. فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ،﴾ إلى قوله ﴿مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (٤) أما تعلمون أنّ في الله خلفا من كل هالك، وعزاء عن كل مصيبة، وعوضا من كل فائت، فبالله فثقوا، والله فارجوا، وليحسن نظركم في أمركم ومصيبتكم، فإن المحروم من حرم الثواب؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال ابن عمر: فسمع هذا الكلام أهل البيت كلهم، وأهل المسجد، وأهل الطريق. وبكى الناس يومئذ حتى النساء في الخدور، وكادت البيوت تسقط
стр. 715
من الصراخ. قال ابن عمر: فظننا أن جبريل ﵇ جاء يعزّينا عزاء نبينا ويودّعنا.
المدائني، عن أبيه قال، قال الشعبي:
لما قبض رسول الله ﷺ ، سمعوا مناديا ينادي: في الله عوض كل فائت، وعزاء من كل مصيبة، المجبور من جبره الثواب، والمحروم من حرمه. فقال علي ﵇: هذا الخضر يعزّيكم عن نبيكم.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن أبي عون أن النبي ﷺ قال:
«إذا غسلتموني فضعوني على سريري هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة، وأنّ أول من يصلي عليّ خليلي جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ادخلوا عليّ فوجا فوجا، فصلوا وسلموا تسليما، ولا تؤذوني بتزكية، وليبدأ بالصلاة عليّ رجال أهل بيتي، ثم نساؤهم، ثم أنتم، واقرأوا السلام على من غاب من أصحابي» (١).
- حدثنا عبد الله بن أبي أمية والوليد بن صالح، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن ابن عباس قال:
خرج علي بن أبي طالب في شكاة رسول الله ﷺ على الناس، فقالوا:
كيف رسول الله، أبا الحسن؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ
стр. 716
العباس بيده، ثم قال: يا علي أنت والله عبد العصا بعد ثلاث (١)، قد والله عرفت الموت في وجه رسول الله ﷺ كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب؛ فانطلق بنا إلى رسول الله، فإن كان الأمر فينا أعلمنا، وإن كان في غيرنا سألناه أن يوصي الناس بنا. فقال علي: والله لا أفعل؛ والله لئن منعناه لا يوتيناه الناس بعده. وتوفي رسول الله ﷺ حين ارتفع الضحى من ذلك اليوم (٢).
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناده قال:
دخل ملك الموت على رسول الله ﷺ بعد أن أستأذن له جبريل. فقال:
يا رسول الله، إني أمرت أن أطيعك، فإن شئت قبضت روحك، وإن شئت تركتك. فقال: «ما عند الله خير وأبقى؛ فامض لقبض روحي».
قالوا: ورفع خاتم النبوة من بين كتفي رسول الله ﷺ ، فتيقن الناس بوفاته (٣).
- حدثني عبد الله بن أبي أمية، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال:
لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر فقال: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وأنّ رسول الله ﷺ ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما
стр. 717
ذهب موسى بن عمران وغاب عن قومه أربعين ليلة؛ والله ليرجعنّ رسول الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم.
ثم جاء أبو بكر فدخل بيت عائشة والنبي ﷺ مسجى ببرد حبرة.
فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم قبله وردّ البرد على وجهه ثم خرج وعمر يكلم. فقال: على رسلك يا عمر. ثم حمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، ومن كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات. ثم تلا قول الله : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ١،﴾ ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ (٢). قال: فو الله لكأنّ الناس لم يعلموا بنزول هاتين الآيتين حتى قرأهما أبو بكر، وأخذهما الناس فكانتا في أفواههم. وقال عمر: لما سمعتهما، سقطت رجلاي، فما يقلانّي، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات (٣).
حدثني محمد بن عرعرة، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة قال:
لما قبض رسول الله ﷺ دخل عمر أمر جليل، فأقبل والها مدلها يقول: ما مات رسول الله ﷺ ، ولا يموت، إنما هذه غشية. فقال أبو بكر: أشككت في دينك يا عمر؟ أما سمعت الله يقول لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾
стр. 718
﴿وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. قال فسري عن عمر، وقال: والله لكأني لم أسمعها قبل يومي هذا. وأكبّ على رسول الله ﷺ يقبل جبينه ويبكي (١).
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال:
جلس أبو بكر رضي الله تعالى عنه على المنبر الغد من متوفى رسول الله ﷺ . فشهد عمر، وأبو بكر صامت؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني قلت أمس مقالة لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت تلك المقالة في كتاب أنزله الله ولا عهد عهده رسول الله ﷺ ، ولكني رجوت أن يعيش رسول الله حتى يدّبرنا، وإنّ كان الله قد أبقى فينا كتابه الذي هدى به رسوله فإن اعتصمتم به هداكم الله، وقد جمع الله أمركم على خيركم: صاحب رسول الله وثاني اثنين وأحقّ الناس بأمركم، فقوموا فبايعوا. فبايع الناس أبا بكر، بعد السقيف، بيعة العامة (٢).
- وروي الواقدي في إسناد له
أن عثمان ﵁ قال: إنّ رسول الله ﷺ لم يمت، ولكنه رفع كما رفع عيسى بن مريم.
وحدثني عمر بن شبة، ثنا زيد بن يحيى، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
стр. 719
توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين، فترك بقية يومه، ومن الغد، ودفن ليلا. فتكلم عمر فقال: إنّ رسول الله ﷺ لم يمت، وإنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى بن عمران؛ والله لا يموت حتى يقطع أيدي رجال وألسنتهم. وتكلم حتى أزبد شدقاه. فقام العباس فقال: «يا قوم، إن النبي قد مات، فادفنوا صاحبكم، فإنه ليس يعزّ على الله، إن كان كما يقولون، أن ينحي عنه التراب؛ فو الله ما مات رسول الله حتى ترك السبيل نهجا واضحا: أحلّ الحلال وحرّم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم.
والله ما كان راعي غنم يخبط عليها العضاة بمخبطة ويمدر (١) حوضها بيده بأرأب من رسول الله فيكم ولا أتعب يا قوم ادفنوا صاحبكم». وجعلت أم أيمن تبكي، فقيل لها: أتبكين على رسول الله؟ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أنه خرج من الدنيا إلى ما هو خير له منها؛ ولكني أبكي لأنه انقطع عنا خبر السماء.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال:
قال لي عمر في خلافته: أتدري يا بن عباس ما حملني على ما قلت حين توفي رسول الله ﷺ ؟ كنت أقرأ هذه الآية: ﴿وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ٢،﴾ وكنت أظنّ أن رسول الله ﷺ سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها. فذلك حملني على ما قلت.
стр. 720
-وقال الواقدي: بدئ رسول الله ﷺ يوم الاربعاء لليلتين بقيتا من صفر. وتوفي يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن راشد، عن مكحول قال:
قبض النبي ﷺ يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء (١).
وحدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن البكائي، عن محمد بن اسحق، عن فاطمة بنت محمد بن عمارة امرأة عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة قالت:
ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا أصوات المساحي في جوف الليل ليلة الأربعاء (٢).
وروي عن أبي معشر أن رسول الله ﷺ بدئ يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وقبض لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، فكانت شكايته ثلاث عشرة ليلة.
وروى أبو مخنف (٣) مثل رواية أبي معشر، وقال:
دفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس؛ وتغير لونه.
стр. 721
وحدثني محمد بن سعد بن محمد بن عمر الواقدي، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن موسى بن عقبة، عن الزهري قال:
توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال شهر ربيع الأول (١).
غسل رسول الله ﷺ وتكفينه ودفنه:
- حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر وحسين بن عبد الله:
أن عليا، والعباس، والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله ﷺ هم الذي ولوا غسل رسول الله ﷺ ودفنه، وأنّ أوس بن خولي، أحد الخزرج قال لعلي ﵇:
اجعل لنا حظا في رسول الله ﷺ . وكان بدريا. فقال له: ادخل. فدخل فجلس وحضر غسل رسول الله، وأسنده عليّ إلى صدره، وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، وكان أسامة وشقران يصبان عليه الماء، وعليّ يغسله مسندا له إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه به، ومن ورائه لا يفضي بيده إلى رسول الله ﷺ ، وعليّ يقول: بأبي أنت وأمي، طبت حيّا وميتا.
- حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، أنبأ محمد بن اسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال:
стр. 722
لما توفي رسول الله ﷺ اختلفوا في غسله، وقالوا: كيف نصنع:
أنجرّد رسول الله كما نجرّد موتانا؟ فألقي الله عليهم النوم، فما أحد يرفع رأسه، فسمعوا مناديا ينادي من عرض (١) البيت أن اغسلوه وعليه ثيابه. فغسل في قميص له، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه به.
فقالت عائشة: لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسله إلا نساؤه (٢).
حدثنا خلف بن هشام البزار ومحمد بن الصباح، عن هشيم بن بشير، عن مغيرة، عن مولى لبني هاشم قال:
لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ ، هموا بنزع قميصه، فسمعوا صوتا من ناحية البيت: لا تنزعوا قميصه.
- حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل، ثنا اسماعيل بن إبراهيم - يعني ابن علية - ثنا ابن جريج، عن أبي جعفر قال:
غسل رسول الله ﷺ ثلاث غسلات بماء وسدر، في قميص، وغسل من بئر لسعد بن خيثمة يقال لها بئر غرس. وكان النبي ﷺ يشرب منها.
وولي غسله علي بن أبي طالب بيده، والعباس يصبّ الماء، والفضل بن العباس محتضنه. والفضل يقول أرحني أرحني، قطعت وتيني (٣).
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري قال:
стр. 723
خلى أبو بكر وأصحاب رسول الله ﷺ بين العباس، وعلي، والفضل بن العباس، وسائر أهله، فكانوا هم الذين أجنّوه (١).
حدثني هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال:
غسل رسول الله ﷺ عليّ والفضل، وصالح يعاونهما - يعني شقران.
حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال:
ولي غسل رسول الله ﷺ وإجنانه دون الناس أربعة: العباس، وعلي، والفضل بن العباس، وصالح مولى رسول الله ﷺ .
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال:
التمس عليّ من النبي ما يلتمس من الميت، فلم يجده فقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا.
حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا هشيم، أنبأ إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال:
غسل رسول الله ﷺ عليّ، والفضل، وكان أسامة يناولهما الماء.
- حدثنا سليمان بن داود الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:
أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحولية.
стр. 724
حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة.
أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحولية: رياط يمانية.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن موسى بن محمد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن عن عائشة قالت:
كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة (١).
حدثنا هدبة، عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال:
كفن رسول الله ﷺ في ثوبي حبرة، ثم رأوا أن يكفنوه في بياض أو يمانية. قال: فأخذهما عبد الله بن أبي بكر، فقال: كفن فيهما رسول الله، ومسا جلده، فلن يفارقاني حتى أكفن فيهما. فعجب الناس من رأيه.
قال: فامسكهما ما شاء الله، ثم قال: لو كان فيهما خير، ما آثرني الله بهما على نبيه. فعجب الناس من رأيه الآخر أشد من عجبهم من رأيه الأول.
حدثنا عفان، ثنا هشيم، أنبأنا يونس أنه سمع الحسن يقول:
كفن رسول الله ﷺ في حلة حبرة، وقميص.
وحدثت عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن جعفر بن محمد وعلي بن الحسين، وعن الزهري عن علي بن الحسين.
стр. 725
أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين، وثوب حبرة أدرج فيهما إدراجا (١).
حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، عن مغيرة، عن إبراهيم
مثله.
حدثنا القاسم بن سلام، ثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأبي سلمة بن عبد الرحمن، قال:
كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب: ثوبين أبيضين، وثوب حبرة.
حدثنا هدبة، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ محمد بن عبد الله بن عقيل، عن محمد بن علي: «ابن الحنفية»، عن أبيه.
أن النبي ﷺ كفن في سبعة أثواب.
- حدثنا أبو عبيد وبكر بن الهيثم قالا: ثنا عبد الله بن صالح، كاتب الليث، عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد بن المسيب، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجرتي، فقصصت رؤياي على أبي بكر، فقال: ليدفننّ في حجرتك ثلاثة هم خير أهل الأرض، فلما توفي رسول الله ﷺ دفن في بيتها، فقال أبو بكر: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها.
стр. 726
حدثني شريح بن يونس، ثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة.
أن عائشة رضي الله تعالى عنها رأت قمرا خرّ من السماء يهوي حتى وقع في حجرتها، ثم جاء آخر يهوي حتى وقع في حجرتها، ثم جاء آخر يهوي حتى وقع في حجرتها فقصت رؤياها على أبي بكر، فقال: إن صدّقت رؤياك، دفن في حجرتك ثلاثة هم خير أهل الأرض.
قال ابن علية، وأخبرني غير أيوب.
أن رسول الله ﷺ لما قبض، قال أبو بكر لعائشة رضي الله تعالى عنها: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها.
- حدثني عباس بن حاتم البزار، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأ عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن أبيه قال:
شكوا في قبر النبي ﷺ ، أين يدفنونه، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ النبي لا يحوّل من مكانه، يدفن حيث يموت». فنحوا فراشه، وحفروا له في موضع فراشه.
- حدثنا الوليد بن صالح وعبد الله بن أبي أمية قالا، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ ، كان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل يحفر لأهل المدينة فكان يلحد. فدعا العباس بن عبد المطلب رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة بن الجّراح، وقال للآخر: اذهب إلى أبي طلحة؛ اللهم، خر
стр. 727
لنبيك. فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله ﷺ .
قال: ولما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ ، يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته. وكان المسلمون قد اختلفوا في دفنه: فقال قائل: ندفنه في المسجد، وقال قائل: ندفنه فى مكان كذا، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض». فرفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفي عليه، وحفر له تحته، ثم دخل الناس أرسالا للصلاة عليه.
حتى إذا فرغوا دخل النساء. حتى إذا فرغ النساء دخل الصبيان. ولم يؤمّ الناس على رسول الله ﷺ أحد، ثم دفن رسول الله ﷺ ليلة الأربعاء.
- حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي في إسناده قال:
اختلفوا في دفن رسول الله ﷺ ، فقال قائل: يدفن بالبقيع، وقال قائل: يدفن عند منبره، وقال قائل: يدفن عند الجذع الذي كان يصلي إليه. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: عندي مما تختلفون فيه علم؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يدفن إلا حيث يقبض»، فخط حول فراشه، ثم حوّل رسول الله ﷺ بالفراش ناحية، ثم حفر له أبو طلحة، ولحد له (١).
- حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ أبو عمران الجوني، ثنا أبو عسيم
стр. 728
وشهد ذلك، قال: لما قبض النبي ﷺ قالوا: كيف نصلي عليه؟ قالوا: ادخلوا أرسالا. فكانوا يدخلون من الباب، ويخرجون من الباب الآخر، ولم يتقدمهم عليه إمام.
حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الحميد بن عمران، عن أبيه، عن أمه قالت:
كنت ممن دخل على النبي ﷺ وهو على سرير، فكنا صفوفا ندعو ونصلي، فرأيت أزواجه قد وضعن الجلاليب عن رؤسهن يلتدمن في صدروهن، ونساء الأنصار يضربن الوجوه فذبحت حلوقهن من الصياح.
وقال الواقدي، ثنا موسى بن محمد قال:
وجدت في صحيفة لأبي: دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه والمهاجرون يسلمون، يقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وكان أول من سلم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. ثم جعل المهاجرون يقولون كما قالا، وقالوا بعد السلام: إنا نشهد أنك قد بلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وجاهدت في سبيل الله حتى أعززت دينه؛ اللهم فاجعلنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه.
وحدثنا محمد بن سعد، عن محمد بن عبد الله وغيره، عن الزهري، عن عروة
أنه لما كفن رسول الله ﷺ وضع في البيت، فدخل الناس أفواجا:
(٢) - طبقات ابن سعد ج ٢ ص ٢٩٢ - ٢٩٣.
стр. 729
الرجال، والنساء، والصبيان يصلون عليه، ثم يخرجون، لا يؤمهم إمام (١).
- حدثنا خلف بن هشام، ثنا هشيم، ثنا يونس، عن الحسن ومغيرة، عن إبراهيم ومجالد، عن الشعبي، قالوا:
ألحد لرسول الله ﷺ .
وقال خلف بن هشام، قال هشيم:
بلغني أن اللبن نصب نصبا
وحدثني بعض الدمشقيين، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى قال:
ألحد لرسول الله ﷺ ، ولم يشقّ، وبنوا عليه اللبن كما يبنى على القباب.
حدثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى قال:
لما وضع النبي ﷺ في قبره، التمسوا بناء، فقال المغيرة بن شعبة: أنا أنزل فأبني. فنزل فبنى.
- حدثنا محمد بن الصباح، ثنا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحسن قال:
جعلت في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء كان أصابها يوم خيبر. وإنما فعلوا ذلك لأن أرض المدينة سبخة. قال: ففرشت تحته.
стр. 730
حدثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى
أنه فرشت تحت رسول الله ﷺ قطيفة تقيه سبخ المدينة.
وقال الواقدي في إسناد له:
قذف شقران قطيفة للنبي ﷺ في قبره، وقال: لا يلبسها أحد بعده.
حدثني روح بن عبد المؤمن، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
جعل - أو بسط، أو فرش - في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن مالك ومعمر، عن الزهري قال:
لما دفن رسول الله ﷺ ، رشّ على قبره الماء من قبل رأسه، من شقه الأيمن. رشه بلال. وجعل مسطوحا، وجعلت عليه، بعد، حصباء (١).
- وحدثني هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن أبي جريج قال:
كان حائط البيت الذي دفن فيه النبي ﷺ قد استهدم وسقط بعضه، فبناه عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد أيام الوليد بن عبد الملك.
- حدثنا عفان، ثنا هشيم، أنبأ إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت الشعبي قال:
دخل قبر النبي ﷺ : علي ﵇، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد. قال: فتكلم بعضهم، فدخل عبد الرحمن بن عوف.
стр. 731
حدثني بكر بن الهيثم، ثنا أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن أبي مرحب قال:
نزل في قبر النبي ﷺ أربعة، أحدهم عبد الرحمن بن عوف.
وقال الواقدي: الثبت أنه نزل في قبر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، والفضل، وأسامة وشقران.
وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
نزل في قبر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، والفضل، وأسامة، وشقران. وقالت الأنصار: اجعلوا لنا في رسول الله ﷺ نصيبا. فدخل أوس بن خولي أحد بني الحبلى، من الخزرج، وكان بدريا. وسقط خاتم المغيرة بن شعبة في القبر. فقال له علي ﵇: إنما أسقطته عمدا لتنزل فتأخذه وتقول: كنت آخر من نزل في قبر رسول الله ﷺ وأقربهم عهدا به. فنزل قثم بن العباس، فأخرج خاتم المغيرة. فكان قثم آخر الناس عهدا بقبر رسول الله ﷺ .
حدثنا عمر بن محمد، ثنا هشيم، أنبأ يونس، عن عكرمة قال:
دخل في قبر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، والفضل، وأسامة.
فقال رجل من الأنصار، يقال له ابن خولي: قد علمتم أني كنت أدخل قبور الشهداء ورسول الله ﷺ أفضل الشهداء، فأدخل معهم.
- حدثني بكر بن الهيثم، حدثني أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن أبيه إسحاق بن يسار، عن
стр. 732
مقسم أبي القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن الحارث، عن علي بن أبي طالب أنه قال:
إن المغيرة بن شعبة يخبركم أنه آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ ، وقد كان أحدث عهدا برسول الله قثم بن العباس.
حدثني محمد بن أبان الطحان، ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن إسحاق قال:
كان آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ تمام بن العباس بن عبد المطلب، أو قثم؛ نزل فأخرج خاتم المغيرة بن شعبة (١).
المدائني، عن ابن جعدبة عن الزهري، عن علي بن الحسين ﵉ قال:
أحدث الناس عهدا بقبر رسول الله ﷺ الحسن بن علي، أمره أبوه فنزل فأخرج خاتم المغيرة.
حدثنا محمد بن الصباح، ثنا هشيم، ثنا مجالد، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة
أنه كان يحدّثهم ها هنا، يعني بالكوفة، قال: أنا أقرب الناس عهدا برسول الله ﷺ . ودفن ﷺ ، فخرج عليّ، فألقيت خاتمي، فقلت: يا أبا الحسن، خاتمي. قال: انزل، فخذه فنزلت، فأخذت الخاتم، ووضعت يدي على اللبن، ثم خرجت.
حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، قال سمعت أبا عمران الجوني، عن أبي عسيم قال:
стр. 733
لما وضع رسول الله ﷺ في لحده قال المغيرة: إنه قد بقي من قبل قدميه شيء لم يصلح. قالوا: فأدخل فأصلحه. قال: فمسّ قدميه، ثم قال:
هيلوا عليّ التراب هيلا، حتى بلغ أنصاف ساقيه، ثم خرج، فقال: أنا أحدثكم عهدا برسول الله ﷺ .
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن موسى بن عبيدة، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن
أن النبي ﷺ قال في مرضه: «من أصيب من أمتي بمصيبة بعدي، فليتعزّ بمصيبته بي عن مصيبته، فإنّ أحدا من أمتي لا يصاب بأشد من مصيبته بي» (١).
- حدثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا غندر، انبأ شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن جرير بن عبد الله أنه سمع معاوية رضي الله تعالى عنه يقول:
توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين.
حدثنا محمد بن الصباح، ثنا هشيم، أنبأ داود بن أبي هند، عن الشعبي قال:
قبض رسول الله ﷺ وله ثلاث وستون سنة.
حدثنا أبو نصر التمار، ومحمد بن الصباح البزاز، عن شريك، عن أبي إسحاق.
بمثله.
стр. 734
أمر السقيفة (١)
- حدثنا وهب بن بقية، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قال:
لما قبض رسول الله ﷺ ، أتى عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح فقال له: ابسط يدك نبايعك فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله ﷺ . فقال: يا عمر، ما رأيت لك فهة (٢) منذ أسلمت قبلها؛ أتبايعني وفيكم الصدّيق وثاني اثنين؟
حدثنا عفان، ثنا معاذ بن معاذ، أنبأ ابن عون، أن محمد بن سيرين حدثهم قال:
لما توفي رسول الله ﷺ ، أتوا أبا عبيدة بن الجراح. فقال: أتأتوني وفيكم ثالث ثلاثة؟ قال ابن عون: فقلت لمحمد: وما ثالث ثلاثة؟ قال:
стр. 735
ألم تقرأ هذه الآية: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ١؟﴾
- حدثنا محمد بن سعد، ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال:
سمعت عمر بن الخطاب وذكر بيعة أبي بكر، فقال: وليس فيكم من تمد إليه الأعناق - أو قال: تقطع إليه الأعناق - مثل أبي بكر.
- حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ثنا حماد بن زيد، أنبأ يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال:
لما توفي رسول الله ﷺ ، اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح. فقام حباب بن المنذر، وكان بدريا، فقال: منا أمير ومنكم أمير؛ فإنا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط، ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم. قال: فقال عمر: إذا كان ذاك، قمت إن استطعت.
فتكلم أبو بكر فقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم نصفين كشقّ الأبلمة (٢) -قال حماد: يعني الخوصة - فبايع أول الناس بشير بن سعد، أبو «النعمان بن بشير».
قال: فلما اجتمع الناس على أبي بكر، قسّم بينهم قسما، فبعث إلى عجوز من بني عدي بن النجار بقسمها مع زيد بن ثابت. فقالت:
стр. 736
ما هذا؟ قال: قسم قسمه أبو بكر. فقالت: أترشوني عن ديني؟ قال:
لا. قالت: أتخافوني أن أدع ما أنا عليه؟ قال: لا. قالت: فو الله لا آخذ منه شيئا. فرجع زيد إلى أبي بكر، فأخبره بما قالت. فقال: ونحن والله لا نأخذ مما أعطيناها شيئا أبدا.
- حدثني عمرو بن محمد الناقد، أنبأ الحسين الجعفي، عن زائدة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال:
لما قبض رسول الله ﷺ ، قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير.
قال: فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمّر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: بلى. قال: فأيكم يطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر بعد ذلك؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدّم أبا بكر.
- حدثني بكر بن الهيثم، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
بلغني أن عمر بن الخطاب أراد الخطبة يوم الجمعة، فعجّلت الرواح حين صارت الشمس «صكة عميّ» (١). فلما سكت المؤذنون، خطب فقال:
إني قائل مقالة لا أدري لعلها قدام أجلي. فمن وعاها، فليتحدث بها حيث انتهت به راحلته. ومن خشي أن لا يعقلها شيء، فإني لا أحلّ لأحد أن يكذب عليّ. ثم قال: بلغني أن الزبير قال: «لو قد مات عمر، بايعنا
стр. 737
عليا، وإنما كانت بيعة أبي بكر فلته» (١)، فكذب والله. لقد أقامه رسول الله ﷺ مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله؟
- وحدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عمر الواقدي، عن أبي معمر، عن المقبري، ويزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن ابن شهاب قال:
بينا المهاجرون في حجرة رسول الله ﷺ وقد قبضه الله إليه، وعلي بن أبي طالب والعباس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدي، وعويم بن ساعدة فقالا لأبي بكر: «باب فتنة، إن لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبدا.
هذا سعد بن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يبايعوه».
فمضى أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح حتى جاؤوا السقيفة، وإذا سعد على طنفسة متكئا على وسادة وعليه الحمى. فقال له أبو بكر؛ ما ترى يا أبا ثابت؟ فقال: أنا رجل منكم. فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير؛ فإن عمل المهاجري شيئا في الأنصار، ردّ عليه الأنصاري، وإن عمل الأنصاري شيئا في المهاجرين، ردّ عليه المهاجري، أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب؛ إن شئتم فرزنا، فرددناها جذعة؛ من ينازعني؟ فأراد عمر أن يتكلم. فقال له أبو بكر: على رسلك؛ ثم قال أبو بكر: «نحن أول الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرمهم أنسابا، وأمسهم برسول الله ﷺ رحما. وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في
стр. 738
الدين. نصرتم، وآويتم، وآسيتم، فجزاكم الله خيرا. فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء. ولن تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش. فقد يعلم ملأ منكم أن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش». فأنتم أحقاء أن لا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم. فقال الحباب: ما نحسدك ولا أصحابك. ولكنا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم، فحقدوا علينا. فقال أبو بكر: إن تطيعوا أمري، تبايعوا أحد هذين الرجلين: أبا عبيدة - وكان عن يمينه - أو عمر بن الخطاب، وكان عن يساره. فقال عمر: «وأنت حيّ؟ ما كان لأحد أن يؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله ﷺ . فبسط يدك». فبسط يده، فبايعه عمر، وبايعه أسيد بن حضير، وبايع الناس وازدحموا على أبي بكر. فقالت الأنصار: قتلتم سعدا. وقد كادوا يطأونه. فقال عمر: اقتلوه، فإنه صاحب فتنة. فبايع الناس أبا بكر. قال: وقال ابن رومان: وقد يقال إنّ أول من بايع من الأنصار بشير بن سعد.
وأتي بأبي بكر المسجد فبايعوه. وسمع العباس وعليّ التكبير في المسجد، ولم يفرغوا من غسل رسول الله ﷺ . فقال عليّ: ما هذا؟ فقال العباس: «ما ردّه مثل هذا قط. لهذا ما قلت لك الذي قلت». قال:
فخرج عليّ، فقال: يا أبا بكر، ألم تر لنا حقا في هذا الأمر؟ قال: بلى، ولكني خشيت الفتنة، وقد قلدت أمرا عظيما. فقال علي: وقد علمت أن رسول الله ﷺ أمرك بالصلاة، وأنك ثاني اثنين في الغار، وكان لنا حق ولم نستشر، والله يغفر لك. وبايعه (١).
стр. 739
-وقال أحمد بن محمد بن أيوب، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري قال:
لما قبض النبي الله ﷺ ، انحاز الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة (١)، واعتزل علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة، وانحاز المهاجرون إلى أبي بكر ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، ورسول الله ﷺ في بيته لم يفرغ من أمره. فأتى أبا بكر آت، فقال: أدرك الناس قبل أن يتفاقم الأمر.
- حدثنا محمد بن مصفى الحمصي، ثنا بقية بن الوليد، عن الزبيري، عن الزهري قال:
خطب عمر الناس يوما، فقال: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرها: اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتبايع سعد بن عبادة. فقال الحباب بن المنذر: نحن كتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين منا أمير ومنكم أمير، حتى يكون الأمر بيننا كشقّ الأبلمة. فتكلم أبو بكر، وكان رشيدا، فقال: نحن قريش، والأئمة منا، وأنتم إخواننا ووزراؤنا قد آويتم ونصرتم فجزاكم الله خيرا. فبايعوه إلا سعدا، فإنه راغ ثم أتى الشأم (٢).
стр. 740
-حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال:
قال العباس لعليّ: «ما قدّمتك إلى شيء إلا تأخرت عنه». وكان قال له لما قبض رسول الله ﷺ : اخرج حتى أبايعك على أعين الناس، فلا يختلف عليك اثنان. فأبى وقال: أو منهم من ينكر حقنا ويستبدّ علينا؟ فقال العباس: سترى أن ذلك سيكون. فلما بويع أبو بكر، قال له العباس: ألم أقل لك يا علي؟
- علي بن محمد المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس.
أن عمر بن الخطاب خطب خطبة، قال فيها: إنّ فلانا وفلانا قالا:
«لو قد مات عمر، بايعنا عليا فتمت بيعته، فإنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها»، وكذبا. والله ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد أقامه رسول الله ﷺ مقامه واختاره لدينهم على غيره، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلا على غير مشورة، فإنهما أهل أن يقتلا. وإني أقسم بالله، ليكفنّ الرجال أو ليقطعنّ أيديهم وأرجلهم وليصلبن في جذوع النخل. وإني أخبركم أن الله لما قبض رسوله، اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، وتكلم خطيب الأنصار فقال: نحن الأنصار، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط هنا؛ وإذا هم يريدون أن يخرجونا من أصلنا ويغصبونا أمرنا. فأردت أن أتكلم، وكنت قد زوّرت مقالة أردت أن أقدّمها بين يدي أبي بكر. فقال أبو بكر: على