← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ما هذا؟ قال: قسم قسمه أبو بكر. فقالت: أترشوني عن ديني؟ قال: لا. قالت: أتخافوني أن أدع ما أنا عليه؟ قال: لا. قالت: فو الله لا آخذ منه شيئا. فرجع زيد إلى أبي بكر، فأخبره بما قالت. فقال: ونحن والله لا نأخذ مما أعطيناها شيئا أبدا. - حدثني عمرو بن محمد الناقد، أنبأ الحسين الجعفي، عن زائدة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: لما قبض رسول الله ﷺ ، قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. قال: فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمّر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: بلى. قال: فأيكم يطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر بعد ذلك؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدّم أبا بكر. - حدثني بكر بن الهيثم، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: بلغني أن عمر بن الخطاب أراد الخطبة يوم الجمعة، فعجّلت الرواح حين صارت الشمس «صكة عميّ» (١). فلما سكت المؤذنون، خطب فقال: إني قائل مقالة لا أدري لعلها قدام أجلي. فمن وعاها، فليتحدث بها حيث انتهت به راحلته. ومن خشي أن لا يعقلها شيء، فإني لا أحلّ لأحد أن يكذب عليّ. ثم قال: بلغني أن الزبير قال: «لو قد مات عمر، بايعنا

стр. 737

عليا، وإنما كانت بيعة أبي بكر فلته» (١)، فكذب والله. لقد أقامه رسول الله ﷺ مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله؟ - وحدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عمر الواقدي، عن أبي معمر، عن المقبري، ويزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن ابن شهاب قال: بينا المهاجرون في حجرة رسول الله ﷺ وقد قبضه الله إليه، وعلي بن أبي طالب والعباس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدي، وعويم بن ساعدة فقالا لأبي بكر: «باب فتنة، إن لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبدا. هذا سعد بن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يبايعوه». فمضى أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح حتى جاؤوا السقيفة، وإذا سعد على طنفسة متكئا على وسادة وعليه الحمى. فقال له أبو بكر؛ ما ترى يا أبا ثابت؟ فقال: أنا رجل منكم. فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير؛ فإن عمل المهاجري شيئا في الأنصار، ردّ عليه الأنصاري، وإن عمل الأنصاري شيئا في المهاجرين، ردّ عليه المهاجري، أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب؛ إن شئتم فرزنا، فرددناها جذعة؛ من ينازعني؟ فأراد عمر أن يتكلم. فقال له أبو بكر: على رسلك؛ ثم قال أبو بكر: «نحن أول الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرمهم أنسابا، وأمسهم برسول الله ﷺ رحما. وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في

стр. 738

الدين. نصرتم، وآويتم، وآسيتم، فجزاكم الله خيرا. فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء. ولن تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش. فقد يعلم ملأ منكم أن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش». فأنتم أحقاء أن لا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم. فقال الحباب: ما نحسدك ولا أصحابك. ولكنا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم، فحقدوا علينا. فقال أبو بكر: إن تطيعوا أمري، تبايعوا أحد هذين الرجلين: أبا عبيدة - وكان عن يمينه - أو عمر بن الخطاب، وكان عن يساره. فقال عمر: «وأنت حيّ؟ ما كان لأحد أن يؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله ﷺ . فبسط يدك». فبسط يده، فبايعه عمر، وبايعه أسيد بن حضير، وبايع الناس وازدحموا على أبي بكر. فقالت الأنصار: قتلتم سعدا. وقد كادوا يطأونه. فقال عمر: اقتلوه، فإنه صاحب فتنة. فبايع الناس أبا بكر. قال: وقال ابن رومان: وقد يقال إنّ أول من بايع من الأنصار بشير بن سعد. وأتي بأبي بكر المسجد فبايعوه. وسمع العباس وعليّ التكبير في المسجد، ولم يفرغوا من غسل رسول الله ﷺ . فقال عليّ: ما هذا؟ فقال العباس: «ما ردّه مثل هذا قط. لهذا ما قلت لك الذي قلت». قال: فخرج عليّ، فقال: يا أبا بكر، ألم تر لنا حقا في هذا الأمر؟ قال: بلى، ولكني خشيت الفتنة، وقد قلدت أمرا عظيما. فقال علي: وقد علمت أن رسول الله ﷺ أمرك بالصلاة، وأنك ثاني اثنين في الغار، وكان لنا حق ولم نستشر، والله يغفر لك. وبايعه (١).

стр. 739

-وقال أحمد بن محمد بن أيوب، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري قال: لما قبض النبي الله ﷺ ، انحاز الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة (١)، واعتزل علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة، وانحاز المهاجرون إلى أبي بكر ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، ورسول الله ﷺ في بيته لم يفرغ من أمره. فأتى أبا بكر آت، فقال: أدرك الناس قبل أن يتفاقم الأمر. - حدثنا محمد بن مصفى الحمصي، ثنا بقية بن الوليد، عن الزبيري، عن الزهري قال: خطب عمر الناس يوما، فقال: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرها: اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتبايع سعد بن عبادة. فقال الحباب بن المنذر: نحن كتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين منا أمير ومنكم أمير، حتى يكون الأمر بيننا كشقّ الأبلمة. فتكلم أبو بكر، وكان رشيدا، فقال: نحن قريش، والأئمة منا، وأنتم إخواننا ووزراؤنا قد آويتم ونصرتم فجزاكم الله خيرا. فبايعوه إلا سعدا، فإنه راغ ثم أتى الشأم (٢).

стр. 740

-حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال: قال العباس لعليّ: «ما قدّمتك إلى شيء إلا تأخرت عنه». وكان قال له لما قبض رسول الله ﷺ : اخرج حتى أبايعك على أعين الناس، فلا يختلف عليك اثنان. فأبى وقال: أو منهم من ينكر حقنا ويستبدّ علينا؟ فقال العباس: سترى أن ذلك سيكون. فلما بويع أبو بكر، قال له العباس: ألم أقل لك يا علي؟ - علي بن محمد المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس. أن عمر بن الخطاب خطب خطبة، قال فيها: إنّ فلانا وفلانا قالا: «لو قد مات عمر، بايعنا عليا فتمت بيعته، فإنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها»، وكذبا. والله ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد أقامه رسول الله ﷺ مقامه واختاره لدينهم على غيره، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلا على غير مشورة، فإنهما أهل أن يقتلا. وإني أقسم بالله، ليكفنّ الرجال أو ليقطعنّ أيديهم وأرجلهم وليصلبن في جذوع النخل. وإني أخبركم أن الله لما قبض رسوله، اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، وتكلم خطيب الأنصار فقال: نحن الأنصار، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط هنا؛ وإذا هم يريدون أن يخرجونا من أصلنا ويغصبونا أمرنا. فأردت أن أتكلم، وكنت قد زوّرت مقالة أردت أن أقدّمها بين يدي أبي بكر. فقال أبو بكر: على

стр. 741

رسلك يا عمر. وتكلم أبو بكر فما ترك كلمة أعجبتني إلا قالها مع أمثالها حتى سكت. فقال: ما كان من خير فأنتم له أهل. ونحن، بعد، ممن نحن منه. ولن تعرف العرب الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وقد قال ﷺ : «هذا الشأن بعدي في قريش». فقال الحباب بن المنذر، أحد بني سلمة: قد نعرف لكم فضلكم، ولكن منا أمير ومنكم أمير، فذلك أحرى ألا يخالف أحد منا صاحبه، فإلا تفعلوا فأنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (١). ثم قال بشير بن سعد: الأمر بيننا وبينكم كشقّ الأبلمة. فقلت: وأنت أيضا يا أعور؟ نشدتك بالله، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الأئمة من قريش»؟ قال: اللهم نعم، فرغم أنفي. قلت ففيم الكلام؟ وقال أبو بكر: أدعوكم إلى أي المهاجرين شئتم: عمر، أو غيره. فهي التي كرهت من كلام أبي بكر؛ ولأن أقدم فيضرب عنقي أحبّ إليّ من أن أزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله ﷺ . ثم قال أبو بكر: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء وإخواننا في الدين، وأحبّ الناس إلينا. فأذهب الله عنهم نزغ (٢) الشيطان.

стр. 742

وقال الزهري: كان معن (١) يقول: إني أحبّ أن لا أموت حتى أصدّق رسول الله ﷺ ميتا كما صدّقته حيا. واستشهد يوم اليمامة. حدثني ابن عباس، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن محمد بن إسحاق بنحوه (٢). وحدثني محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا شعبة، أنبأ الجريري، عن أبي نضرة قال: لما أبطأ أناس عن بيعة أبي بكر قال: من أحق بهذا الأمر مني؟ ألست أول من صلى؟ ألست، ألست، وذكر خصالا فعلها مع النبي ﷺ . - حدثني هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ الجريري، عن أبي نضرة قال: لما بايع الناس أبا بكر، اعتزل علي والزبير، فبعث إليهما عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت. فأتيا منزل عليّ، فقرعا الباب، فنظر الزبير من قترة (٣) ثم رجع إلى عليّ فقال: هذان رجلان من أهل الجنة، وليس لنا أن نقاتلهما. قال: افتح لهما. ثم خرجا معهما حتى أتيا أبا بكر، فقال أبو بكر: يا علي أنت ابن عم رسول الله وصهره، فتقول إني أحق بهذا الأمر؛ لاها الله لأنا أحق به منك. قال: لا تثريب، يا خليفة رسول الله، ابسط

стр. 743

يدك أبايعك. فبسط يده فبايعه. ثم قال للزبير: تقول أنا ابن عمة رسول الله وحواريه وفارسه وأنا أحقّ بالأمر؛ لا ها الله لأنا أحق به منك. فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، ابسط يدك، فبسط يده فبايعه. - المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر، ومعه قبس فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب، أتراك محرّقا علي بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. وجاء علي، فبايع وقال: كنت عزمت أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن. - وقال أبو مخنف: لما استخلف عثمان، دخل العباس على عليّ، فقال: ما قدّمتك إلا تأخرت، قلت لك وقد احتضر النبي ﷺ : تعال، فاسأله عن هذا الأمر لمن هو بعده، فقلت: أكره أن لا يقول لكم. فلا نستخلف أبدا. ثم توفي، فقلت: أبايعك، فلا يختلف عليك اثنان. فأبيت. ثم توفي عمر، فقلت: قد أطلق الله يدك، وليس عليك تبعه. فلا تدخل في الشورى. فأبيت، فما الحيلة؟ - المدائني، عن أبي جزيّ، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: لم يبايع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة أشهر. فلما ماتت، ضرع إلى صلح أبي بكر، فأرسل إليه أن يأتيه. فقال له عمر: لا تأته وحدك. فقال: وماذا يصنعون بي؟ فأتاه أبو بكر. فقال علي: والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنا نرى أن لنا في الأمر

стр. 744

نصيبا استبدّ به علينا. فقال أبو بكر: والله لقرابة رسول الله أحبّ إليّ من قرابتي، فلم يزل عليّ يذكر حقه وقرابته، حتى بكى أبو بكر. فقال ميعادك العشية. فلما صلى أبو بكر الظهر، خطب فذكر عليا وبيعته. فقال علي: إني لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألا أكون عارفا بحقه، ولكنا كنا نرى أن لنا في الأمر نصيبا استبدّ به علينا. ثم بايع أبا بكر. فقال المسلمون: أصبت وأحسنت. المدائني، عن أبي جزيّ، عن الجريري، عن أبي نضرة: أن عليا قعد عن بيعة أبي بكر فقال أبو بكر: ما يمنعك من بيعتي وأنا كنت في هذا الأمر قبلك؟ - حدثنا سلمة بن الصقر، وروح بن عبد المؤمن قالا: ثنا عبد الوهاب الثقفي، أنبأ أيوب، عن ابن سيرين قال: قال أبو بكر لعليّ رضي الله تعالى عنهما: أكرهت إمارتي؟ قال: لا، ولكني حلفت أن لا أرتدي بعد وفاة النبي ﷺ برداء حتى أجمع القرآن كما أنزل. - وحدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي ﵃ حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه، جرى بينهما كلام. فقال علي: إحلب حلبا لك شطره. والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا وما ننفس على أبي بكر هذا الأمر ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إن لنا حقا لا يجهلونه. ثم أتاه فبايعه.

стр. 745

-وحدثت عن الحسن بن عرفة، عن علي بن هشام بن اليزيد، عن أبيه، عن أبي الجحاف قال: لما بويع أبو بكر وبايعه الناس، قام ينادي ثلاثا: أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم. فقال علي: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدّمك رسول الله ﷺ في الصلاة، فمن ذا يؤخرك؟ - المدائني، عن عبد الله بن جعفر، عن أبي عون قال: لما ارتدت العرب، مشى عثمان إلى عليّ. فقال: يا بن عم، إنه لا يخرج أحد إليّ. فقال: هذا العدو، وأنت لم تبايع. فلم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر. فقام أبو بكر إليه، فاعتنقا، وبكى كل واحد إلى صاحبه. فبايعه فسرّ المسلمون، وجدّ الناس في القتال، وقطعت البعوث. - المدائني، عن أبي زكريا العجلاني، عن صالح بن كيسان قال: قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن بعد وفاة النبي ﷺ ، فأتى عليا وعثمان فقال: أنتما الشعار دون الدثار؛ أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم عليكم غيركم؟ فقال علي: أو غلبة تراها؟ إنما هو أمر الله يضعه حيث يشاء. قال: فلم يحتملها عليه أبو بكر واضطغنها عمر. المدائني، عن عوانة وابن جعدبة قالا: لم يبايع خالد بن سعيد أبا بكر إلا بعد ستة أشهر، فمر به أبو بكر وهو قاعد في سقيفة، فقال له: يا خالد ما رأيك في البيعة؟ قال: أبايع يا أبا بكر. فأتاه أبو بكر. فأدخله خالد الدار وبايعه. وقال غير المدائني: بايع خالد أبا بكر بعد شهرين.

стр. 746

حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن يزيد بن عياض، عن ابن جعدبة، عن محمد بن المنكدر قال: جاء أبو سفيان إلى عليّ فقال: «أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة؟ أما والله، لئن شئتم لأملأنّها عليه خيلا ورجلا». فقال: «لست أشاء ذلك؛ ويحك يا أبا سفيان إنّ المسلمين نصر بعضهم لبعض وإن نأت دارهم وأرحامهم وإنّ المنافقين غششة بعضهم لبعض وإن قربت ديارهم وأرحامهم. ولولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلا، ما خليناه وإياها». المدائني، عن الربيع بن صبيح، عمن حدثه، عن الحسين، عن أبيه. أن أبا سفيان جاء إلى عليّ ﵇، فقال يا علي: بايعتم رجلا من أذلّ قبيلة من قريش، أما والله لئن شئت لأضرمنها عليه من أقطارها ولأملأنها عليه خيلا ورجالا، فقال له علي: إنك طال ما غششت الله ورسوله، والإسلام، فلم ينقصه ذلك شيئا؛ إنّ المؤمنين وإن نأت ديارهم وأبدانهم نصحة بعضهم لبعض وإنا قد بايعنا أبا بكر وكان والله لها أهلا. - المدائني، عن أبي زكريا العجلاني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن أبا سفيان كان حين قبض النبي ﷺ غائبا، بعث به مصدقا. فلما بلغته وفاة النبي ﷺ ، قال: من قام بالأمر بعده؟ قيل: أبو بكر. قال: «أبو الفصيل؟ أني لأرى فتقا لا يرتقه إلا الدم». وقال الواقدي: أجمع أصحابنا إن أبا سفيان كان حين قبض رسول الله ﷺ حاضرا.

стр. 747

-حدثني روح بن عبد المؤمن، حدثني علي بن المدائني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح أن سعد بن عبادة خرج إلى الشأم فقتل بها. المدائني، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان، وعن أبي مخنف، عن الكلبي وغيرهما. أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر، وخرج إلى الشأم. فبعث عمر رجلا وقال: ادعه إلى البيعة واختل له، وإن أبى فاستعن بالله عليه. فقدم الرجل الشأم، فوجد سعدا في حائط بحوارين (١)، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا. قال: فإني أقاتلك. قال: وإن قاتلتني. قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟ قال: أما من البيعة فإني خارج، فرماه بسهم فقتله. وروي أن سعدا رمي في حمام. وقيل: كان جالسا يبول، فرمته الجن فقتلته. وقال قائلهم: قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده … رميناه بسهمين فلم تخط فؤاده - حدثني محمد بن سعد، عن عبد الله الحميدي المكي، ثنا سفيان بن عيينة، عن الوليد بن كثير عن سعيد بن المسيب قال: لما قبض رسول الله ﷺ ، ارتجّت مكة. فقال أبو قحافة (٢): ما هذا؟ قالوا: قبض رسول الله ﷺ . قال: فمن ولي أمر الناس بعده؟ قالوا:

стр. 748

ابنك. فقال: أرضي بذلك بنو هاشم، وبنو عبد شمس، وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: فإنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع. ثم ارتجت مكة حين مات أبو بكر رجة دون الأولى، فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: مات أبو بكر. قال: رزء جليل. - حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما ولي أبو بكر رضي الله تعالى عنه، خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فقد وليتكم ولست بخيركم، ولكن القرآن نزل، وسنّ رسول الله ﷺ السنن، فعلمنا. اعلموا أن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور. وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له حقه. وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. أيها الناس إنما أنا متبع، ولست بمبتدع. فإذا أحسنت فأعينوني وأن زغت فقوموني. حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى قال: حدثت أن الحسن كان يقول: قد علم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يغضّ نفسه. - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله ويزيد بن عياض، عن الزهري قال: خطب أبو بكر حين بويع واستخلف. فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كله علانيته وسرّه، ونعوذ بالله من شرّ ما يأتي في الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا قدّام الساعة. فمن أطاعه رشد، ومن عصاه

стр. 749

هلك. ألا وإني قد وليتكم ولست بخيركم. ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك أني خشيت الفتنة. وايم الله ما حرصت عليها يوما قط ولا ليلة، ولا طلبتها، ولا سألت الله إياها سرّا ولا علانية، وما لي فيها راحة. ولقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا يدان. ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني. فعليكم بتقوى الله. وإنّ أكيس الكيس التقى، وإنّ أحمق الحمق الفجور. وإني متّبع ولست بمبتدع. وإنّ إضعف الناس عندي الشديد حتى آخذ منه الحق، وإنّ أشد الناس عندي الضعيف حتى آخذ له الحق. فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني، واعلموا أيها الناس أنه لم يدع قوم الجهاد قط إلا ضربهم الله بذلّ، ولم تشع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم البلاء، أيها الناس اتبعوا كتاب الله واقبلوا نصيحته فإنّ الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. واحذروا يوما ما للظالمين فيه من حميم ولا شفيع يطاع. فليعمل اليوم عامل ما استطاع من عمل يقرّبه إلى الله قبل ألا يقدر على ذلك. أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم. - المدائني، عن جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمرو الجوني قال، قال سلمان الفارسي حين بويع أبو بكر: «كرداذ وناكرداذ» (١)، أي عملتم وما عملتم؛ لو بايعوا عليا لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

стр. 750

-محمد بن سعد، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة قال: لما بلغ عمر في حجته التي رجع منها فطعن، أن رجالا يقولون إن بيعة أبي بكر كانت فلته، فقال: إن كانت فلتة فقد وقى الله شرّها؛ وإن حدث بي حدث فالأمر إلى الستة الذين قبض رسول الله ﷺ وهو عنهم راض. مرثية أبو بكر: - قال: ورثى أبو بكر الصديق رسول الله ﷺ بقصيدة، منها قوله: فجعنا بالنبي وكان فينا … إمام كرامة نعم الإمام وكان قوامنا والرأس منا … فنحن اليوم ليس لنا قوام نموج ونشتكي ما قد لقينا … ويشكو فقده البلد الحرام فلا تبعد فكل كريم قوم … سيدركه ولو كره الحمام فقدنا الوحي إذ وليت عنا … وودعنا من الله الكلام لقد أورثتنا ميراث صدق … عليك به التحية والسلام مرثية عمر رضي الله تعالى عنه: - قال عمر شعرا كتبنا منه أبياتا وهي: ما زلت مذ وضع الفراش لجثته … وثوى، مريضا خائف أتوقع شفقا عليه أن يزول مكانه … عنا فيبقى بعده المتفجّع فليبكه أهل المدينة كلهم … والمسلمون بكل أرض تجزع نفسي فداؤك من لنا في أمرنا … أم من نشاوره إذا نتوجع

стр. 751

مرثية علي بن أبي طالب: - وقال علي بن أبي طالب شعرا كتبنا منه أبياتا وهي: ألا طرق الناعي بليل فراعني … وأرّقني لما استقلّ مناديا فقلت له لما رأيت الذي أتى … لغير رسول الله إن كنت ناعيا فو الله لا أنساك أحمد ما مشت … بي العيس أو جاوزت في الأرض واديا وكنت متى أهبط من الأرض تلعة … أرى أثرا منه جديدا وعافيا جواد تشظى الخيل عنه كأنما … يرين به ليثا عليهن ضاريا ليبك رسول الله خيل كثيرة … تثير غبارا كالضبابة عاليا (١) مرثية حسان: - وقال حسان في قصيدة له: ما بال عينك لا تنام كأنما … كحلت مآقيها بكحل الأرمد جزعا على المهديّ أصبح ثاويا … يا خير من وطيء الحصى لا تبعد يا ويح أنصار النبي ورهطه … بعد المغيّب في سواء المسجد جنبي يقيك الترب لهفي ليتني … غيبت قبلك في بقيع الغرقد أأقيم بعدك في المدينة بينهم … يا ويح نفسي ليتني لم أولد بأبي وأمى من شهدت وفاته … في يوم الاثنين النبي المهتدي فظللت بعد وفاته متلدّدا … يا ليتني جرّعت سم الأسود والله أسمع ما بقيت بهالك … إلا بكيت على النبي محمد

стр. 752

ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا … سودا وجوههم كلون الإثمد ولقد ولدناه وفينا قبره … وفضول نعمته بنا لم نجحد والله أهداه لنا وهدى به … أنصاره في كل ساعة مشهد صلى الإله ومن يحفّ بعرشه … والطيبون على المبارك أحمد فرحت نصارى يثرب ويهودها … لما توارى في الضريح الملحد (١) وقال حسان أيضا: يا لهف نفسي عليه حين ضمنه … بطن الضريح عليّ وابن عباس مادت بي الأرض حتى كدت أدخلها … بعد النبي رسول الله والآسي (٢) مرثية صفية بنت عبد المطلب: - وقالت صفية بنت عبد المطلب: يا عين جودي بدمع منك منحدر … ولا تملّي وبكّي سيد البشر بكّي الرسول فقد هدّت مصيبته … جميع قومي وأهل البدو والحضر ولا تملي بكاك الدهر معولة … عليه ما غرد القمري بالسحر - وقالت أيضا: ألا يا رسول الله كنت رجائيا … وكنت بنا برّا ولم تك جافيا كأنّ على قلبي لذكر محمد … وما خفت من بعد النبي المكاويا أفاطم حيّ الله رب محمد … على جدث أمسى بيثرب ثاويا

стр. 753

فدى لرسول الله نفسي وخالتي … وأميّ وعمي قصرة (١) وعياليا فلو أن رب الناس أبقاك بيننا … سعدنا ولكن أمره كان ماضيا عليك من الله السلام تحية … وأدخلت جنات من العدن راضيا

стр. 754

وأما الزبير بن عبد المطلب ويكنى أبا الطاهر، وأبا ربيعة - وهو أخو عبد الله بن عبد المطلب لأبيه وأمه - فكان سيدا شريفا شاعرا، وهو أول من تكلم في حلف الفضول ودعا إليه. حلف الفضول وكان سبب الحلف أن الرجل من العرب أو العجم كان يقدم بالتجارة فربما ظلم بمكة، فقدم رجل من بني أبي زبيد - واسم أبي زبيد: منبه بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبه بن صعب بن سعد العشيرة - بسلعة فباعها من العاص بن وائل السهمي فظلمه فيها وجحده ثمنها، فناشده الله فلم ينفعه ذلك عنده، فنادى ذات يوم عند طلوع الشمس وقريش في أنديتها: يا آل فهر لمظلوم بضاعته … ببطن مكة نائي الحيّ والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته … يا آل فهر وبين الركن والحجر

стр. 755

وقال أيضا: يال قصيّ كيف هذا في الحرم … وحرمة البيت وأخلاق الكرم أظلم لا يمنع مني من ظلم فقال الزبير: ما لهذا مترك، فجمع إخوته واجتمعت بنو هاشم، وبنو المطلب بن عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم بن مرة بن كعب في دار أبي زهير عبد الله بن جدعان القرشي ثم التيمي فتحالفوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما إلا نصروه ورفدوه وأعانوه حتى يؤدى إليه حقه، وينصفه ظالمه من مظلمته وعادوا عليه بفضول أموالهم ما بل بحر صوفة، وأكدوا ذلك وتعاقدوا عليه وتماسحوا قياما. وشهد رسول الله ﷺ ذلك الحلف فكان يقول: «ما سرني بحلف شهدته في دار ابن جدعان حمر النعم». فسمي الحلف حلف الفضول لبذلهم فضول أموالهم. وقال قوم: سمي حلف الفضول لتكفلهم فضولا لا يجب عليهم. وقال بعضهم: إنما سمي حلف الفضول لأنه كان في جرهم رجال يردّون المظالم يقال لهم: فضيل وفضال ومفضل وفضل فتحالفوا على ذلك. فقيل: هذا الحلف مثل حلف هؤلاء النفر الذين أسماؤهم هذه الأسماء. والأول أثبت. وأقام الزبير ومن معه بأمر الزبيدي حتى أنصفه العاص بن وائل، وفي ذلك يقول الزبير بن عبد المطلب: حلفت لتعقدن حلفا عليهم … وإن كنا جميعا أهل دار نسميه الفضول إذا عقدنا … يعزّ به الغريب لذي الجوار

стр. 756

وقدم رجل من بارق بسلعة فابتاعها منه أبيّ بن خلف الجمحي فظلمه - وكان سيء المعاملة والمخالطة - فأتى البارقي أهل حلف الفضول فأخذوا له منه بحقه فقال: تهضّمني حقي بمكة ظالما … أبيّ ولا قومي إلي ولا صحبي فناديت قومي بارقا ليجيبني … وكم دون قومي من فياف ومن سهب سيأبي لكم حلف الفضول ظلامتي … بني جمح والحق يؤخذ بالغصب وقدم رجل تاجر من خثعم مكة ومعه ابنة له يقال لها القتول فعلقها نبيه بن الحجاج بن عامر بن جديعة بن سعد بن سهم فلم يبرح حتى نقلها إلى منزله بالغلبة والقهر، فدل أبوها على أهل حلف الفضول فأتاهم فأخذوها من نبيه ودفعوها إلى أبيها، فقال نبيه بن الحجاج: راح صحبي ولم أحيّ القتولا … وأودعهم وداعا جميلا لا تخالي إني عشية راح الرك … ب هنتم عليّ ألا أقولا وخشيت الفضول فيك وقدما … قد أراني ولا أخاف الفضولا وقال نبيه أيضا: حيّ المليحة إذ نأت … عنا على عدوائها لا بالفراق تنيلنا … شيئا ولا بلقائها لولا الفضول وأنه … لا أمن من غلوائها لدنوت من أبياتها … ولطفت حول خبائها ولجئتها أمشي بلا … هاد على ظلمائها فشربت فضلة دونها … وأبت علي غشاءها

стр. 757

وقال الواقدي وهشام بن الكلبي: ظلم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - وهو عامل عمه معاوية على المدينة - الحسين بن علي بن أبي طالب في أرض له فقال: لئن انصفتني ونزعت عن ظلمي وإلا دعوت حلف الفضول. فأنصفه. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: لما عقد حلف الفضول قالت العرب: لقد فعل هؤلاء القوم فعلا لهم به على الثابت فضول وطول وإحسان. فسميّ حلف الفضول. قال هشام: ويقال إنهم تعاقدوا على منع المظلوم وانهاض الغريب المبدع به ومواساة أهل الفاقة ممن ورد مكة بفضول أموالهم فسمي حلف الفضول. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «شهدت مع عمومتي حلف الفضول فما سرني بذلك حمر النعم». وحدثت عن إسماعيل بن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : «شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما سرني أن لي حمر النعم واني نكثته». وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أبي داود الطيالسي عن أبي عوانة: عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «شهدت حلف المطيبين فما سرني به حمر النعم».

стр. 758

وكان هاشم بن عبد مناف حاضرا حلف المطيبين فكيف يحضره رسول الله ﷺ إلا أن بطون المطيبين هم الذين تعاقدوا أيضا على حلف الفضول فأحسب هذا الحلف نسب إليهم أيضا. حدثني بكر بن الهيثم، عن محمد بن الحسن بن زبالة، عن محمد بن فضالة عن هشام بن عروة، عن أبيه: عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شهدت في دار عبد الله بن جدعان من حلف الفضول ما لو دعيت إليه اليوم لأجبت». ومن شعر الزبير بن عبد المطلب: لقد علمت قريش أن بيتي … بحيث يكون فضل في نظام وإنا نحن أكرمها جدودا … وأصبرها على القحم العظام وإنا نحن أول من تبنّى … بمكتنا البيوت مع الحمام وإنا نطعم الأضياف قدما … إذا لم يزج رسل في سوام وإنا نحن أسقينا رواء … حجيج البيت من ثبج الجمام وإنّ بمجدنا فخرت لؤيّ … جميعا بين زمزم والمقام وإن القرم من سلفي قصيّ … أبونا هاشم وبه نسامي وقال الزبير أيضا: يا أيها السائل عن مجدنا … أربع تنّبأ أيها السائل فينا مناخ الضيف والمجتدين … منا وفينا الحكم الفاضل ونحن مأوى كل ذي خلّة … كلّ حداه الزمن الماحل وملجأ الخائف إن القحت … حرب بأطراف القنا نازل

стр. 759

ونحن إن جاءت تهز القنا … يتبعها الجنّان والحائل (١) بكر رددنا جمعها خائبا … وقدحها من سهمه ناصل وقال الزبير أيضا: ولست كمن يميت الغيظ عجزا … ولكني أجيب إذا دعيت وينهى عني المحتال صدق … رقيق الحدّ ضربته صموت بكفي ماجد لم يقن ضيما … إذا يلقى الكتيبة يستميت لولا نحن لم يلبس رجال … ثياب أعزة حتى يموتوا وإنا نطعم الأضياف قدما … إذا ما هزّ من سنة مقيت (٢) وغيّر بطن مكة كل يوم … عباهلة كأنهم اللصوت (٣) وثيابهم سمال أو عباء … بها دنس كما دنس الحميت (٤) وكاس لو تبين لها كلاما … إذا قالت: ألا لهم استبيت تبين لك القذى إن كان فيها … بعيد النوم شاربها هبيت (٥) أهنت لشربها نفسي ومالي … فآبوا حامدين بما رزيت إذا ما أوقدت نار لحرب … تهزّ الناس جمحتها صليت نقيم لواءنا فيها كأنّا … أسود في العرين لها نبيت

стр. 760

فحدثت عن الواقدي عن ابن أبي الزناد، عن الفضل بن الفضل بن عياش بن ربيعة بن الحارث قال: سمعت سعيد بن المسيب ينشد بين القبر والمنبر: وكأس لو تبين لها كلاما … إذا قالت: ألا لهم استبيت تبين لك القذى إن كان فيها … بعيد النوم شاربها هبيت وقال الزبير أيضا: ترمي بنو عبد مناف إذا … أظلم من حولي بالجندل لا أسد تسلمني لا ولا … تيم ولا زهرة للنيطل (١) وقال الزبير أيضا: لعمرك إن البغض ينفع أهله … لأنفع ممن ودّه لا يقرب إذا ما جفوت المرء ذا الودّ فاعتذر … إليه وحدثه بأنك معتب وإني لماض في الكريهة مقدمي … إذا خام (٢) من ذاك اللئيم المؤّنب وأغفر عوراء الكريم وإن بدت … مغمسة منه إليّ ونيرب مغمسة: صعبة من الغماس، يقال: أتى بأمر مغمس مكبوس ملتو لا يعرف جهته. وقال أيضا: يا دار زينب بالعلياء من شرب … حيّيتها واقفا فيها فلم تجب إني امرؤ شيبة المحمود والده … بذّ الرجال بحل غير مؤتشب

стр. 761

إني إذا راع مالي لا أكلفه … إلا الغزاة وإلا الركض في السرب ولا أدبّ إذا ما الليل غيّبني … إلى الكنائن أو جاراتي اللزب ولن أقيم بأرض لا أشدّ بها … صوتي إذا ما اعترتني سورة الغضب وقال الزبير يرثي حجلا (١) وإخوته: تذكرت ما شفني إنما … يهيّج ما شفه الذاكر ويمنعه النوم حتى يقال: … به سقم باطن ظاهر فلو أن حجلا وأعمامه … شهود وقرة والطاهر ولكن غولا أهانت بهم … وفيهم لمضطهد ناصر فلا يبعد القوم إذ أودعوا … واسقي قبورهم الماطر نجاز ربيع له وابل … له خضر وله زاهر فولد الزبير عبد الله، استشهد بالشام يوم أجنادين. والطاهر، وقرة وحجل ماتوا فرثاهم، وأمهم جميعا عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ المخزومي. ومات الزبير ورسول الله ﷺ ابن بضع وثلاثين سنة. ويقال: إنه مات في أيام المبعث. وكانت للزبير بن عبد المطلب ابنة تسمى ضباعة، تزوجها أبو معبد المقداد بن عمرو البهراني، حليف بني زهرة بن كلاب، وهو الذي يقال له المقداد بن الأسود، نسب إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري، وكان الأسود زوج أمه.

стр. 762

وقال أبو طالب يرثي الزبير: يا زبر أفردتني للنائبات فقد … أحللت لحمي وأمسى الراس مشتهبا من كان سرّ بما نال الزبير فقد … نادى المنادي بزبر انه شجبا تغيرت لّمة سوداء وارده … وفارق المرء محمودا وما جدبا وقال ضرار بن الخطاب يرثيه: بكيّ ضباع على أبيك … بكاء محزون أليم قد كنت أشهده فلا … رث السلاح ولا ظلوم كالكوكب الدّري يعلو … ضوءه ضوء النجوم طالت به أعراقه … ونماه والده الكريم وقال بعضهم: كانت للزبير ابنة يقال لها: أم الحكم وكانت رضيعة رسول الله ﷺ والله أعلم. وقالت صفية تبكيه: بكيّ زبير الخير إذ فات وإن … كنت على ذي كرم باكيه قد كان في نفسي ان أترك ال … موتى فلا أبغيهم قافيه فلم أطق صبرا على رزئه … لأنه أقرب إخوانيه لو لم أقل من فيّ قولا له … لقطّت الأحزان أضلاعيه

стр. 763

وأما أبو طالب بن عبد المطلب - واسمه عبد مناف وأمه فاطمة أم عبد الله بن عبد المطلب أيضا - فكان منيعا عزيزا في قريش، قال لعامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمه أم حكيم بنت عبد المطلب: نافر من شئت وأنا خالك. وكانت قريش تطعم فإذا أطعم لم يطعم يومئذ أحد غيره. - وقال لرسول الله ﷺ حين بعث-: يا بن أخي قم بأمرك فلن يوصل إليك، وأنا حي، فلم يزل يذبّ عن رسول الله ﷺ ويناوئ قريشا إلى أن مات، فلما حضرته الوفاة، عرض النبي ﷺ عليه قول: لا إله إلا الله فأبى أن يقولها وقال: يا بن أخي: إني لأعلم أنك لا تقول إلا حقا، ولكني أكره مخالفة دين عبد المطلب، وأن تتحدث نساء قريش بأني جزعت عند الموت ففارقت ما كان عليه. فمات على تلك الحال. وأتى علي ﵇ رسول الله ﷺ فأخبره بموته فقال: واره، فقال علي: أنا أواريه وهو كافر قال؛ فمن يواريه إذا؟ فلما واراه أمره رسول الله ﷺ فاغتسل، وقال ﷺ حين رأى جنازته: «وصلتك رحم». - ويقال: إنه قيل له: يا رسول الله استغفر له. فنزلت فيه: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١) والآية التي بعدها. - وكانت لأبي طالب أشعار في رسول الله ﷺ وكان شاعرا.

стр. 764

-حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري: عن سعيد بن المسيب قال: دعا رسول الله ﷺ أبا طالب إلى كلمة الاخلاص في مرضه فقال: إني لأكره أن تقول قريش: إني قلتها جزعا عند الموت ورددتها في صحتي. ودعا بني هاشم فأمرهم باتباع رسول الله ﷺ ونصرته والمنع عن ضيمه فنزلت فيه: ﴿وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (١) وجعل النبي ﷺ يستغفر له حتى نزلت: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيتان. - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة: عن ابن عباس قال: نزلت في أبي طالب: ﴿وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾. - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن الثوري، عن يزيد بن أبي زياد. عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: نزلت في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (٢). - قالوا: ومات أبو طالب في السنة العاشرة، من المبعث، وهو ابن بضع وثمانين سنة ودفن بمكة في الحجون.

стр. 765

-حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا علي بن عاصم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قالوا: كان أبو طالب يعضد محمدا وينصره فماذا نفعه؟! فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لقد نفعه الله، كان في درك من جهنم فأخرج من أجلي فجعل في ضحضاح من نار؛ له نعلان من نار يغلي منهما دماغه». - حدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قال العباس: يا رسول الله ماذا أغنيت عن عمك؟ قال: «كان في درك من النار فأخرج من أجلي فجعل في ضحضاح من نار، له نعلان من نار يغلي منهما دماغه». - حدثني سعدويه، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أبي عثمان النهدي: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «أهون الناس عذابا يوم القيامة أبو طالب وانه لمنتعل نعلين من نار يغلي منهما دماغه». - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن الحارث. عن العباس بن عبد المطلب أنه قال لرسول الله ﷺ : عمك أبو طالب قد كان يحوطك ويمنعك ويفعل ويفعل. فقال: «إنه لفي ضحضاح من نار، ولولا أنا كان في الدرك الأسفل». - وقال الواقدي في إسناده: كلّم وجوه قريش - وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبي بن خلف، وأبو جهل، والعاص بن وائل، ومطعم وطعيمة

стр. 766

ابنا عدي، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، والأخنس بن شريق الثقفي - أبا طالب في أن يدفع إليهم رسول الله ﷺ ويدفعوا إليه عمارة بن الوليد المخزومي؛ فأبى ذلك، وقال اتقتلون ابن أخي وأغذوا لكم ابنكم، إن هذا لعجب، فقالوا: ما لنا خير من أن نغتال محمدا، فلما كان المساء فقد أبو طالب رسول الله ﷺ فخاف أن يكونوا قد اغتالوه فجمع فتيانا من بني عبد مناف، وبني زهرة، وغيرهم وأمر كل فتى منهم أن يأخذ معه حديدة ويتبعه، ومضى، فرأى رسول الله ﷺ فقال له: أين كنت يا بن أخي؟ أكنت في خير؟ قال: نعم والحمد لله - فلما أصبح أبو طالب دار على اندية قريش والفتيان معه وقال: بلغني كذا وكذا، والله لو خدشتموه خدشا ما أبقيت منكم أحدا إلا أن أقتل قبل ذلك فاعتذروا إليه وقالوا: انت سيدنا وأفضلنا في أنفسنا. - وقال أبو طالب: منعنا الرسول رسول المليك … ببيض تلألأ مثل البروق أذب واحمي رسول الإله … حماية عمّ عليه شفيق - وقال أبو طالب حين أكلت الصحيفة الأرضة: ألا هل أتى بحرّينا (١) … صنع ربنا على نأيهم والأمر بالناس أورد (٢) ألم يأتهم أنّ الصحيفة أفسدت … وكل الذي لم يرضه الله مفسد وكانت أحق رقعة بأثيمة … يقطّع فيها ساعد ومقلد فمن يك ذا عز بمكة مثله … فعزتنا في بطن مكة أتلد

стр. 767

نشأنا بها والناس فيها أقلة … فلم ننفكك نزداد خيرا ونمجد جزى الله رهطا بالحجون تتابعوا … لنصر امرئ يهدي لخير ويرشد - وقال أيضا: لزهرة كانوا أوليائي وناصري … وأنتم إذا تدعون في سمعكم وقر تداعى علينا موليانا فأصبحوا … إذا استنصروا قالوا إلى غيرنا النصر وأعني خصوصا عبد شمس ونوفلا … فقد نبذانا مثل ما ينبذ الجمر هما مكّنا للقوم في أخويهما … فقد أصبحت أيديهما منهما صفر فو الله لا تنفك منا عداوة … ومنهم لنا مادام من نسلنا شفر (١) - وقال في أمر الصحيفة: ألا أبلغ أبا وهب رسولا … فإنك قد ذأبت لما تريد لبئس الله ثم لعون قوم … بلا ذنب ولا دخل أصيدوا وآزره أبو العاصي بحزم … وذلك سيد بطل مجيد ومن يمسي أبو العاصي أخاه … فلا مبرى أخوه ولا وحيد شبيه أبي أمية غير خاف … إذا ما العود حدله (٢) الجليد - وقال أيضا: وما إن جنينا في قريش عظيمة … سوى أن منعنا خير من وطئ التربا فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا … فإياكم أن تسعروا بيننا حربا في أبيات.

стр. 768

-وقال: يحرض أبا لهب على نصرة رسول الله ﷺ : وان امرءا أمسى عتيبة عمه … لفي نجوة من أن يسام المظالما أقول له وأين منه نصيحتي … أبا معتب أثبت سوادك قائما ولا تقربن الدهر ما عشت لحظة … تسبّ بها أما هبطت المواسما وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى … أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسلما - حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا معاوية، عن الأعمش. عن أبي صالح قال: لما مرض أبو طالب قيل له: لو أرسلت إلى ابن أخيك فأتاك بعنقود من جنته لعله يشفيك؟ فأتاه الرسول بذلك وأبو بكر عنده فقال له أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - إن الله؛ حرمها على الكافرين. قال: فأحسبه قال: ليس هذا جواب ابن أخي. - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبو طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال رسول الله ﷺ : يا عم قل كلمة أشهد لك عند الله، قال: وما هي؟ قال: تقول: لا إله إلا الله، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: أترغب عن دين عبد المطلب؟ فلم يقل شيئا. - وكانت أم أولاد أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، فيقال: إنها؛ أسلمت بعد موت زوجها بمكة، ثم لم تلبث ان ماتت فدفع رسول الله ﷺ قميصه إلى علي فكفّنها فيه، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها.

стр. 769

-وحدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح بن حي عن أشياخه: أن النبي ﷺ كان يتعهد منزل عمه بعد موته فيدعو فاطمة بنت أسد إلى الاسلام فتأباه وتقول: إني لأعلم منك صدقا وخيرا، ولكني أكره أن أموت إلا على دين عمك، فيقول: يا أمه إني مشفق عليك من النار. فتلين له القول ولا تجيبه إلى الاسلام فينصرف وهو يقول: وكان أمر الله قدرا مقدورا، ثم إنها أسلمت في مرضها وكفنها رسول الله ﷺ في قميصه، - وحدثني أبو موسى الفروي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم: عن علي ﵇، قال: أهديت إلى النبي ﷺ حلة حرير فبعث بها إلي وقال: إني لم أبعثها إليك لتلبسها إني أكره لك ما أكره لنفسي ولكن اقطعها خمرا واكسها فاطمة أمك وفاطمة ابنتي. - وحدثنا عفان، انبأنا شعبة، انبأنا أبو عون، عن ماهان أبي صالح قال: سمعت عليا يقول: أهديت إلى رسول الله ﷺ حلة سيراء (١) فأرسل إليّ فلبستها، وعرفت الغضب في وجهه، وقال: إني لم أعطكها لتلبسها وأمرني، فطررتها (٢) بين النساء - أو قال: نسائي-. - حدثني مظفر بن مرجا، حدثنا إبراهيم الفروي، عن أبي معاوية الضرير، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري:

стр. 770

عن علي أنه قال لأمه فاطمة بنت أسد: اكفي فاطمة بنت رسول الله ﷺ ما كان خارجا من السقي وغيره، وتكفيك ما كان داخلا من العجن والطحن وغير ذلك. - وحدثني أبو بكر الأعين، قال: سألت أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، عن حديث هبيرة بن يريم فقالا: قد روى (١) مارووا وليست هجرة أم علي وإسلامها عندنا بمشهور والله أعلم. - وذكر أبو الحسن المدائني، عن علي بن مجاهد، عن أبي البختري، قال: وهب رسول الله ﷺ لفاطمة بنت أسد أسيرا من سبي بني العنبر، فوهبته لعقيل بن أبي طالب. قال المدائني: فذكر صالح مولى آل عقيل: إنه جدهم ذكوان. - وكان أبو طالب ينادم - مسافر بن أبي عمرو بن أمية فمات بالحيرة فرثاه أبو طالب بشعر أوله: ليت شعري مسافر بن أبي عم … رو وليت يقولها المحزون وهو شعر معروف (٢). ثم نادم عمرو بن عبد بن أبي قيس فلما كان يوم الخندق دعاه علي ﵇ إلى البراز فقال له: إن أباك كان لي صديقا ونديما. - فولد أبو طالب طالبا - وكان مضعوفا لا عقب له - وعقيلا وجعفرا وعليا، فبين كل واحد منهم والأخر - في قول هشام بن الكلبي عشر سنين. وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي.

стр. 771

-وقال الهيثم بن عدي؛ قال جعفر بن محمد: كان بين جعفر وعلي ﵉ تسع سنين، جعفر أكبرهما، وبين جعفر وعقيل أربع سنين، وعقيل أكبرهما، وطليق بن أبي طالب لا عقب له، درج، وأمه أمة لبني مخزوم غشيها فحملته فادعاه وادعاه أيضا رجل من حضر موت فأرادوا بيعه من الحضرمي فقال أبو طالب: أعوذ بخير الناس عمرو بن عائذ … أبي وأبيكم أن يباع طليق أخو حضر موت كاذب ليس فحله … ولكن كريم قد نماه عتيق هبوني كدباب وهبتم له ابنه … وإني بخير منكم لحقيق وكان دبّاب بن عبد الله بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن كعب وقع على أمة لبني مخزوم أيضا فأولدها ولدا فوهبوه له. وأم هانئ، تزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فولدت له جعدة بن هبيرة، فهرب هبيرة يوم الفتح إلى اليمن فمات كافرا بها. وقيل هرب حين أسلمت أم هانئ - واسمها فاختة - إلى نجران ولها يقول: وإن كنت قد بايعت دين محمد … وقطعت الأرحام منك حبالها فكوني على أعلى سحوق بهضة … ممنّعة لا يستطاع منالها وإن كلام المرء في غير كنهه … لكالنبل يهوي ليس فيها نصالها وجمانة ولدت لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: فأما طالب فأقام على دين أبيه ولم يسلم بعده، وحضر بدرا مع المشركين وقال بعد انصرافه معهم.

стр. 772

فجعتني المنون بالجنّة الحم … س ملوك لدى الحجون صباح إن كعبا وعامرا قد أبيحت … يوم بدر ويوم ذات الصفاح ويقال: إن هذه الأبيات لغيره. وقد اختلفوا في أمر طالب فقائل يقول: رجع من بدر إلى مكة؛ فمات بعد قليل. وقائل يقول: أتى اليمن فهلك في طريقه وقال بعضهم: أخرج طالب إلى بدر مكرها فقال: يا رب إما يخرجن طالب … من مقنب من تلكم المقانب فليكن المغلوب غير الغالب … وليكن المسلوب غير السالب فزعموا أنه لم يوجد في القتلى، ولا كان في الأسرى، ولا مع المسلمين، ولا أتى مكة، ولكنه أتى الشام فمات بها أو في طريقها. اسلام جعفر بن أبي طالب وأما جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه - وكان يكنى أبا عبد الله - فإنه أتى النبي ﷺ مع أخيه علي ﵇ وقد كان يسمع عليا يذم عبادة الاوثان فوقع في نفسه ذمها فلما دعاه رسول الله ﷺ قبل دعاءه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن المبعث حق. وهاجر إلى الحبشة ومعه امرأته أسماء ابنة عميس الخثعمية - وهي أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، لأمها هند بنت عوف الحميرية - فلم يزل مقيما بالحبشة في جماعة تخلفوا معه من المسلمين.

стр. 773

ثم قدم على رسول الله ﷺ في سنة سبع من الهجرة بعد فتح خيبر فاعتنقه رسول الله ﷺ وقال: «لست أدري أي الأمرين أسرّ إلي أفتح خيبر أم قدوم جعفر». وقدم معه المدينة، ثم وجهه في جيش إلى مؤتة من بلاد الشام فاستشهد وقطعت يداه في الحرب، فقال رسول الله ﷺ : «لقد أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنة». فسمي ذا الجناحين، وسمي الطيار في الجنة. ودخل رسول الله ﷺ حين أتاه نعي جعفر - على أسماء بنت عميس فعزاها به، ودخلت فاطمة ﵍ تبكي وهي تقول: وا عماه فقال رسول الله ﷺ : «على مثل جعفر فلتبك البواكي». ثم إنصرف إلى أهله وقال: «إتخذوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا عن أنفسهم». وضم عبد الله بن جعفر إليه ومسح رأسه وعيناه تدمعان وقال: «أللهم أخلف جعفرا في ذريته بأحسن ما خلفت به أحدا من عبادك الصالحين». واستشهد جعفر؛ وهو ابن نحو من أربعين سنة، وذلك في سنة ثمان من الهجرة. وقال رسول الله ﷺ : «أشبهني جعفر في خلقي وخلقي». حدثني محمد بن إسماعيل الواسطي الضرير، حدثنا علي بن عاصم عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر. وقال أبو طالب وجعفر بالحبشة:

стр. 774

لقد ضل عني جعفر متنائيا … وأعدى الأعادي معشري والاقارب فهل نال معروف النجاشي جعفرا … وأصحابه أم غاله عنه شاغب تعلّم بأن الله زادك بسطة … وأسباب خير كلها لك لازب وأنك عزّ والملوك أذلة … كريم فلا يشقى لديك المجانب ويروى: المصاقب. وقالوا: اختط رسول الله ﷺ لجعفر إلى جانب المسجد فلما استشهد وزيد بن حارثه بكى وقال: «أخواي ومؤنساي ومحدثاي». وكان لجعفر من الولد عبد الله الجواد، ويكنى أبا جعفر؛ ولد بالحبشة، وعون بن جعفر، ومحمد بن جعفر، وأمهم أسماء بنت عميس بن معد الخثعمية. وقال رسول الله ﷺ : «الاخوات الاربع مؤمنات أحبهن لإيمانهن: أسماء بنت عميس، وسلمى، وأم الفضل، وميمونة». وأمهن هند بنت عوف بن حماطة بن حرش. فأما عون، ومحمد فذكر أبو اليقظان البصري أنهما استشهدا جميعا بتستر في خلافة عمر بن الخطاب. وذلك غلط. وذكر غيره أنهما قتلا بصفين. وقيل: إنهما قتلا بالطف مع الحسين وحمل ابن زياد رؤوسهما مع رأس الحسين ﵈ إلى يزيد بن معاوية. والله أعلم. ولم يكن لعون عقب. وأتى عبد الله بن جعفر رجل يقال له المسور، فذكر أنه ابن عون بن جعفر، فوهب له عشرة آلاف درهم وزوجه ابنة له عمياء فماتت ولم يجتمعا، ثم إن ولد عبد الله بن جعفر نفوه وطردوه، وكان له ولد بالمدائن لا ينسبون إلى قريش ولا تنكحهم الأشراف، وكان ممن حمل عنه الحديث أبو جعفر

стр. 775

المدائني، وكان يقال له عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر وقد ذكره محمد بن سعد كاتب الواقدي في كتابه الذي ألفّه في الطبقات من المحدثين والفقهاء (١) إلا أنه قال: مسور بن محمد بن جعفر. ولم يلد محمد بن جعفر إلا القاسم بن محمد بن جعفر وأم محمد، وأمهما أمة الله بنت قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف. وأما عبد الله بن جعفر فكان جوادا، جعل معاوية بن أبي سفيان عطاءه في كل سنة ألف ألف درهم، فلما قام يزيد بن معاوية صيرها ألفي ألف درهم، فلم يكن الحول يحول حتى ينفقها ويستدين، لسعة بذله وعطاياه. - وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن ابن خرّبوذ، أن عبد الله بن جعفر كلم في تزويج يتيم من قريش فوهب له مائة ألف درهم، فذكر ذلك لمعاوية فقال: إذا لم يكن الهاشمي سخيا لم يشبه من هو منه. - وقال الكلبي: مدح نصيب أبو محجن عبد الله بن جعفر فأجزل له العطاء فقيل له: أتعطي مثل هذا العبد الأسود ما أعطيت؟ فقال: والله لئن كان جلده أسود؛ وإن شعره لأغرّ أبيض، ولقد استحق بما قال أفضل مما نال، وإنما أخذ رواحل تنضى، وثيابا تبلى ومالا يفنى، وأعطى مدائح تروى وثناء يبقى. - وحدثني علي بن محمد المدائني، عن يزيد بن عياض بن جعدبة قال: ابتاع عبد الله بن جعفر حائطا من رجل من الانصار بمائتي الف درهم
следующие страницы →