← Акыда

Акыда · id 9775

صب العذاب على من سب الأصحاب

محمود شكري الألوسي

Полный текст (311 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

«عرصة القيامة من ضوئها، على رأسه تاج مرصع من الزبرجد والياقوت، فتقول الملائكة: هذا ملك مقرب، ويقول النبيون: هذا نبي مرسل، فينادي المنادي من تحت بطنان العرش: هذا الصديق الأكبر، هذا وصي حبيب الله تعالى علي بن أبي طالب، فيقف على متن جهنم فيخرج منها من يحب، ويدخل فيها من يبغض، فيأتي أبواب الجنة فيدخل فيها من يشاء بغير حساب» . ولا يخفى أن هذه ناصة على أن بعض العصاة ممن يحب الأمير يدخلون النار ثم يخرجهم الأمير ويدخلهم الجنة، فإن كانوا محبيه فلم دخلوا، وإن لم يكونوا فلم خرجوا؟ . وأيضا: تدل على كذب الحصر السابق في قوله: لا يدخل الجنة إلا محبوه، ولا يدخل النار إلا باغضوه. فالرواية باطلة.

стр. 142

* [قال الناظم الرافضي] : ٣٣ - وكم تواترت من الأخبار ... في فضل أهل بيته الأطهار ٣٤ - وآية التطهير والمباهلة ... فيهم ولا مجال للمجادلة أقول: لم يزل يكرر هذا الرافضي معنى هذين البيتين ظنا منه أنه يروج ذلك على أحد العوام، فضلا عن العلماء الأعلام. فقد ثبت بما قررناه سابقا أن الروافض نسبوا لأهل البيت ما لا ينسبه العدو إلى عدوه، حاشاهم الله من ذلك. وقد نبهناك سابقا أن الإمامية من الروافض قد حكموا بكفر بعض أهل البيت الذين سبق ذكر أسماء بعضهم. وفضل أهل البيت أشهر من أن ينبه عليه، وأظهر من أن يشار إليه، وقد امتلأت كتب أهل السنة من ذلك، وفاح نشر عبيرها فيما هنالك. وأراد بآية التطهير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ . وبآية المباهلة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ .

стр. 143

وهما دالتان على الفضيلة لاغير، كسائر الآيات والأحاديث التي أشار إليها الناظم الزائغ عن منهج الحق في أبياته السابقة. والكلام مستوفى عليها في: " مختصر التحفة " و " السيوف المشرقة ". * [قال الناظم الرافضي] : ٣٥ - ولا يكون في تواتر الخبر ... عدالة الرواة قطعا تعتبر ٣٦ - فكفر من بعد النبي الناصح ... إلا القليل لم يكن بقادح ٣٧ - ألا وإنا لم نقل بالكفر ... وقولنا أمر وراء الستر أقول: كأن الناظم قصد بهذه الأبيات الرد على قول المؤلف العلامة المحقق -رحمه الله تعالى- في عدم إمكان إثبات الرافضة مطلبا ما من المطالب الدينية على القول بارتداد الصحابة -والعياذ بالله- إلا القليل، حيث قال: (وأما الخبر فحاله عندهم أشهر من نار على علم، وهو أيضا لا بد له من

стр. 144

ناقل، فهو إما من الشيعة أو من غيرهم، ولا اعتبار لغيرهم عندهم أصلا، لأن منتهى وسائطهم في رواياتهم المرتدون المحرفون لكتاب الله تعالى المعادون المعاندون للأمير كرم الله تعالى وجهه وسائر أهل بيته. وأما الشيعة: فيقال لهم: كون الخبر حجة؛ إما لأنه قول المعصوم أو وصل بواسطة المعصوم الآخر، وعصمة أحد بعينه لا تثبت إلا بخبر لأن الكتاب ساكت عن ذلك، ومع هذا لا يصح التمسك به والعقل عاجز. والمعجزة على تقدير الصدور أيضا موقوفة على الخبر؛ لأن مشاهدة التحدي ورؤية المعجزة لم تيتسر للكل.

стр. 145

والإجماع إنما يكون حجة بدخول المعصوم مع أن في نقل إجماع الغائبين لا بد من الخبر، وفي إثبات عصمة رجل بعينه بخبره أو بخبر المعصوم الآخر الذي وصل الخبر بواسطته دور صريح. وأيضا: كون الخبر حجة متوقف على نبوة نبي أو إمامة إمام، وإذا لم يثبت بعد أصله كيف يثبت هو؟ والتواتر ساقط عن حيز الاعتبار عندهم؛ لأن كتمان الحق والزور في الدين قد وقع من نحو مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، وخبر الآحاد غير معتبر في هذه المطالب بالإجماع) . انتهى. ولا يخفى على المنصف الخبير أن ما ذكره الناظم -الذي هو أحد الحمير- هو عين مدعاهم الباطل من غير استدلال عليه وتقرير، ولم يكن فيه إحدى الوظائف المقررة في علم المناظرة، بل وربما كان ما ذكره محض مكابرة.

стр. 146

على أنا قد أسلفنا لك أن جماعة من علمائهم [قالوا:] إنه لم يتحقق إلى الآن خبر بلغ التواتر إلا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ( «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» ) . نص عليه المقتول في البداية. وأن القدر المشترك بين أخبارهم لم يتواتر مدلولها أيضا؛ إذ ليس في كتبهم خبر رواه جمع بلفظ واحد أو ألفاظ متقاربة يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات، وذلك ظاهر لمن تصفح كتبهم. وقد بينا حال أخبارهم على وجه لا يرتاب عاقل في فسادها في " السيوف المشرقة " فراجعة لتعلم حال مذهب أهل الزنذقة. وقوله: (ألا وإنا لم نقل بالكفر.... إلخ) مردود بما نقل في الأصل عن سليم بن قيس الهلالي من الشيعة في كتاب " وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "، عن ابن عباس عن أمير المؤمنين، وعن غير واحد عن الصادق أن الصحابة ارتدوا بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 147

إلا أربعة. وفي رواية عن الصادق: إلا ستة. وسبب ارتدادهم بزعمهم تقديمهم أبا بكر رضي الله تعالى عنه على علي كرم الله وجهه في الخلافة، وعدم علمهم بحديث الغدير الذي هو نص عندهم في خلافة الأمير كرم الله وجهه بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلا فصل. وثبوته -بزعمهم- ضروري عند جميع الصحابة، من حضر الغدير منهم

стр. 148

ومن لم يحضر. والخلافة أخت النبوة. ولا فرق بين نافي النبوة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونافي الخلافة عن علي كرم الله وجهه في أن كلا منهما كافر. وكذا لا فرق بين الإخلال بشأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والإخلال بشأن الأمير كرم الله وجهه، في أن كلا منهما كفر. وقد جحد الجميع وأخلوا إلا الأربعة أو الستة بشأنه رضي الله تعالى عنه فكفروا والعياذ بالله تعالى) انتهى. وتبين أيضا قوله: (وقولنا أمر وراء الستر) بما لا محيص لهم عنه. وهذه كتبهم طافحة بما تبرأ منه هذا الناظم الخبيث، ككتب ابن المطهر الحلي،

стр. 149

ويوسف الأوالي والطوسي وغيرهم من رؤساء هذه الفرقة الضالة ودجاليهم. هذا كتاب إحقاق الحق بين الأيدي، ولم يدع مؤلفه الخنزير من المثالب والمطاعن إلا ونسبها إلى من شيدوا الدين ونصروا شريعة سيد المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، بل ما كفاه ذلك حتى جعلهم أسوأ حالا من اليهود والنصارى والضالين الحيارى، سود الله وجهه

стр. 150

في الدنيا والآخرة وحشره وإخوانه مع فرعون وهامان وسائر الملل الكافرة. نعم؛ إن أراد بقول: (وراء الستر) أنهم كتموه نفاقا وأخفوه خوفا من أهل الحق كسائر ما يتعبدون به، كان له وجه، فإنهم أظهروا غير ما أبطنوا وكتموا خلاف ما أعلنوا. كتموا نفاقا دينهم ومخافة ... فلو استطيع ظهوره لاستظهروا لا خير في دين يتاقون الورى ... عنه من الإسلام أو يتستروا ليس التقى هذي التقية إنما ... هذا النفاق وما سواه المنكر هم حرفوا كلم النبي وخالفوا ... هم بدلوا الأحكام منه وغيروا لو لم يكن سب الصحابة دينهم ... لتهودوا من دينهم وتنصروا

стр. 151

* [قال الناظم الرافضي] : ٣٨ - ولا يجوز سب غير من ظلم ... آل النبي الغر شافع الأمم ٣٩ - وظلم من شاع لدى العوام ... لم يك ثابتا بلا كلام أقول: قد عرف السب في أصل الكتاب بما لا يحتاج إلى بيان وتبين فيه حكم الساب واللاعن بأتم دليل وبرهان. وذكر فيه أن الشيعة جوزوا السب واللعن على أكثر الصحابة، ومنهم من كتم النص وهو بزعمهم حديث الغدير. وكذا من حارب الأمير كرم الله تعالى وجهه، كعائشة

стр. 152

وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو ابن العاص وأضرابهم، بل اعتقدوا أن لعن هؤلاء وسبهم من أعظم العبادات وأقراب القربات ... إلخ. وهذا مما لا يحتاج إلى دليل، ولا قال ولا قيل. وقد صرح هذا الناظم بكثير من أبيات أرجوزته هذه بذلك: * كقوله: (إذ العموم ظاهر.... إلخ) . * وقوله: (وسب عمرو.... إلخ) . * وقوله: (وكل باغ.... إلخ) وغير ذلك مما سلف ومما سيجيء. * وقوله هنا: (ولا يجوز.... إلخ) قاصر، بل كل ظالم له هذا الحكم

стр. 153

بيقين، قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ . ولم يكن أحد من الصحابة ظالما لأهل البيت، كما سيجيء بيان ذلك بأتم وجه، إن شاء الله تعالى. * [قال الناظم الرافضي] :. ٤٠ - ولا نسب عمر كلا ولا ... عثمان والذي تولى أولا ٤١ - ومن تولى سبهم ففاسق ... حكم به قضى الإمام الصادق أقول: هذا كذب صريح، وبهتان فضيح، كيف؟ وقد زعم الروافض أن جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا من استثني قد ظلموا -وحاشاهم- أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أجمعين. أيظن الناظم الضال أن دسائسهم تروج على أحد من أهل السنة، أو تخفى خبائثهم وقبائحهم على ذوي العقول، فيتخذ ذلك جنة. ولعمري إن كفرهم أشهر من كفر إبليس، وبغضهم للصحابة ﵃ لا يخفيه تدليس ولا تلبيس.

стр. 154

* وقوله: (ومن تولى سبهم ... إلخ) وكذا سب سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم مما لا ينتطح فيه كبشان ولا ينبغي أن ينازع فيه اثنان. وفي الأصل: وأطلق غير واحد القول بكفر مرتكب ذلك لما فيه من إنكار ما قام الإجماع عليه -قبل ظهور المخالف- من فضلهم وشرفهم ومصادمة المتواتر من الكتاب والسنة الدالين على أن لهم الزلفى من ربهم، ومن هنا كفر الرافضة من كفر. انتهى. والكلام مستوفى في الأصل فراجعه. * [قال الناظم الراقضي] : ٤٢ - وقد نفى الكفر أبو حنيفة ... عمن يرى مسبة الخليفة ٤٣ - وفي البخاري سباب المسلم ... فسق فوجه الكفر لما يعلم

стр. 155

٤٤ - وسب من صاحبه فلا تجز ... ما دام مؤمنا وإلا فأجز أقول: ما نسبه إلى الإمام أبي حنفية -رحمه الله تعالى- كذب لا أصل له، بل الثابت عنه وعن سائر أئمة أهل السنة عدم تكفير أهل القبلة ما لم يثبت عنهم إنكار ما علم ضرورة أنه من الدين، وإلا فيحكم عليهم بالكفر، كغلاة الشيعة والمجسمة القائلين: إن الله جسم كالأجسام، فإنهم كفار على ما صرح به الإمام الرافعي وهو الأصح.

стр. 156

وكذا القائلون: إنه سبحانه جسم لا كالأجسام في قول. وكالقرامطة الجاحدين فرضية الصلوات الخمس، إلى شنائع أخرى من هذا القبيل. وكالاثني عشرية، فقد كفرهم معظم علماء ما وراء النهر، وحكموا

стр. 157

بإباحة دمائهم وأموالهم وفروج نسائهم؛ حيث أنهم يسبون الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لا سيما الشيخين رضي الله تعالى عنهما، وهما السمع والبصر منه ﵊. وينكرون خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه. ويفضلوا بأسرهم عليا كرم الله تعالى وجهه على الملائكة ﵈ وعلى غير أولي العزم من المرسلين، ومنهم من يفضله عليهم أيضا ما عدا نبينا ﷺ .

стр. 158

ويحتجون على التفضيل بحجج أوهن من بيت العنكبوت قد ذكرناها في مختصر التحفة. ويجحدون سلامة القرآن العظيم من الزيادة والنقص، إلى غير ذلك من الفضائح. وفي الشفا للقاضي عياض وشروحه كشرح الخفاجي وغيره في هذا المقام كلام نفيس ينبغي الاعتناء به والاهتمام، فارجع إليه متأملا.

стр. 159

والله الموفق للصواب آخرا وأولا. * وقوله: (وفي البخاري سباب المسلم ... إلخ) إشارة إلى ما رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه. قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن منصور قال: سمعت أبا وائل يحدث عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ( «سباب المسلم فسوق وقتاله

стр. 160

كفر» ) . والسباب: بكسر المهملة وتخفيف الموحدة، وهو من السب، بالتشديد، وأصله القطع. وقيل: مأخوذ من السبة، وهي حلقة الدبر، سمي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد. فعلى الأول: المراد قطع المسبوب. وعلى الثاني: المراد كشف عورته؛ لأن من شأن الساب إبداء عورة المسبوب. وقد علمت أن سب الصحابي -لاستلزامه إنكار ما قام عليه الإجماع- كفر على ما سبق. فما رواه البخاري عليه الرحمة محمول على ما إذا لم يكن للمسلم صحبة لأكرم الرسل عليه أفضل الصلاة وإكمال السلام. وبه يندفع قوله: (فوجه الكفر لما يعلم) وفي هذا الحديث أن قتال المسلم كفر. وسيجيء من الناظم الاعتراف بذلك بقوله: (وفي البخاري قتال المسلم ... إلخ) .

стр. 161

وقد صرح البخاري في كتاب الأدب أيضا بعيد ذلك الحديث بما رواه مرفوعا: ( «لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله» ) . ولا يخفاك أن الروافض قد لهجوا بسب ولعن من ثبت بنصوص الكتاب والسنة والعترة الطاهرة إيمانه وإسلامه. فوجه كفرهم حينئذ قد علم بالضرورة، ولا محيص لهم عن ذلك بوجه من الوجوه. * [قال الناظم الرافضي] : ٤٥ - ويحك كيف تدعي العدالة ... في كل صحب خاتم الرسالة ٤٦ - وما من الآيات في مدحهم ... أتت فما زعمته لا يفهم ٤٧ - إذ مقتضى المدح هو الإيمان ... ما لم يكن يمنعه العصيان

стр. 162

٤٨ - ومقتضى إيمان من قد استقر ... إيمانه نفي الخلود في سقر أقول: لا يخفى أن من راجع أصل الكتاب، وفهم ما فيه من الخطاب، لا يبقى له في عدالة أصحاب رسول الله ﷺ ارتياب، فإن فيه من الدلائل ما لا يبقي قولا لقائل. غير أن البليد لا يفيده التطويل، ولو تليت عليه التوراة والإنجيل، ولا سيما الرافضة الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وأعمى أبصارهم حتى خفي عليهم الجلي، وأشكل عليهم البديهي الأولي، ولكن مع ذلك أذكر في هذا المقام ما عسى أن يصادف قلبا خاليا من وساوس الشيطان وخيالات الأوهام. علي نحت القوافي من معادنها ... وما علي إذا لم تفهم البقر

стр. 163

فأقول: يفهم من مجموع ما ذكر في الكتاب من الآيات والأحاديث الصحيحة والآثار وسائر المرويات مزيد علاهم عند مولاهم ووفور رغبتهم في تزكية سرهم وعلانيتهم، لم يألوا جهدا في وصل حبل الدين، وقطع دابر المشركين، ففتحوا أكثر البلاد بالسيوف، وسقوا أهل العناد سم الحتوف. فيبعد كل البعد أن يذهب من ابتلي منهم بذنب إلى ربه قبل أن يغسل بصافي التوبة وسخ ذنبه، لا سيما وقد فازوا ولو لحظة بصحبة الحبيب الأكرم، وهي لعمري الإكسير الأعظم. فلا يكاد يدعوهم ما أشرق عليهم من نور طلعته في ظلمة الذنب ودجنته. بل يكاد يقطع بدخول من ابتلي منهم بشيء من ذلك حسب

стр. 164

قضاء الله تعالى وقدره حيث لا عصمة لهم دخولا أوليا في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . ونحن لا ندعي اليوم عدالة أولئك القوم إلا بمعنى أنهم لم يذهبوا إلى رب العالمين إلا وهم ببركة صحبة الحبيب الأعظم طاهرين مطهرين. وإذا تتبعت الأخبار تجد فيها ما هو كالنص في أنهم كلهم أخيار فقد روى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون من حديث سعيد بن المسيب عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:

стр. 165

( «إن الله تعالى اختار أصحابي على الثقلين، سوى النبيين والمرسلين» ) . وقال عبد الله بن هاشم الطوسي حدثنا وكيع، قال: سمعت سفيان يقول في قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه

стр. 166

وسلم. ولا يظن بمثل سفيان أن يقول ذلك من غير تثبت. فالله الله في انتقاص أحد منهم بنسبته إلى الفسق ونفي العدالة عنه. فقد روى الخطيب في الكفاية بسنده إلى أبي زرعة الرازي أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص [أحدا] من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى

стр. 167

عليه وسلم فاعلم أنه زنديق) ، ولتكن ممن يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . واستدل الحافظ ابن حجر العسقلانى على ذلك بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ . ومنها: ما يدل على دخولهم كلهم الجنة قطعا، ونقل هذا عن ابن حزم، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ورأيت في كتاب مفتاح دار السعادة لشيخ الإسلام وعلم الأعلام

стр. 168

الحافظ الشهير بابن قيم الجوزية -قدست أسراره الزكية- عند الكلام على قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) ما حاصله:

стр. 169

(أن من اشتهر عند الأئمة جرحه والقدح فيه كأئمة البدع ومن جرى مجراهم من المتهمين في الدين، ليسوا من حملة الدين والعلم، فما حمل علم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا عدل، ولكن قد يغلط في مسمى العدالة، فيظن أن المراد بالعدل من لا ذنب له، وليس كذلك، بل هو المؤتمن على الدين وإن كان له ما يتوب إلى الله تعالى منه، فإن هذا لا ينافي العدالة، كما لا ينافي الإيمان والولاية) انتهى. وهو قول سديد وكلام مفيد يزول به الإشكال من غير قيل ولا قال ولنعم ما قال العلامة الثاني سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد

стр. 170

ما نصه: (ويجب تعظيم الصحابة والكف عن مطاعنهم، وحمل ما يوجب بظاهره الطعن فيهم على محامل وتأويلات، سيما المهاجرين والأنصار، وأهل بيعة الرضوان، ومن شهد بدرا وأحدا والحديبية، فقد انعقد على علو شأنهم الإجماع، وشهدت بذلك الآيات الصراح والأخبار الصحاح، وتفاصيلها في كتب الحديث والسير والمناقب. وكف اللسان عن الطعن فيهم، حيث قال ﵊: ( «أكرموا أصحابي فإنهم خياركم» ) وقال: ( «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل» «أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ) .

стр. 171

وقال: ( «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم» ) . وللروافض سيما الغلاة منهم مبالغات في بغض البعض من الصحابة رضي الله تعالى عنهم والطعن فيهم؛ بناء على حكايات وافتراآت لم تكن في القرن الثاني والثالث، فإياك والإصغاء إليها، فإنها تضل الأحداث وتحير الأوساط، وإن كانت لا تؤثر فيمن له استقامة على الصراط. وكفاك شاهدا على ما ذكرنا أنها لم تكن في القرون السالفة، ولا فيما بين العترة الطاهرة، بل ثناؤهم على عظماء الصحابة وعلماء السنة والجماعة والمهتدين من خلفاء الدين مشهور، وفي خطبهم ورسائلهم وأشعارهم ومدائحهم مذكور، والله تعالى الهادي. انتهى. وما ذكره عن الروافض قد تضاعف اليوم، فقد كان قدماؤهم يزعمون فسق الصحابة وحاشاهم إلا عليا كرم الله تعالى وجهه وشيعته كسلمان الفارسي، ثم فحش الأمر فادعوا ردتهم -وحاشاهم ألف ألف مرة-

стр. 172

واستثنوا عليا ومن معه ممن لم يبلغ عدة أصابع الكفين. ومنهم: من خص ذلك بمن وقف على النص الذي يزعمونه في الخلافة ووافق على إلغائه. ومنهم: من زعم -قاتله الله تعالى- النفاق في كبار الصحابة وشيخي المسلمين، وقد افتروا مطاعن للخلفاء الثلاثة وغيرهم، كعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين تقشعر من سماعها جلود المؤمنين. وقد ردها عليهم علماء أهل السنة وأذاقوهم ما هو أشد عليهم من وقع الأسنة. وقد أوردت شيئا من ذلك في كتابي " رجوم الشياطين " و " السيوف المشرقة "، فعليك بهما، فإنك ترى الحق الحقيق بالقبول مسطورا، وتجد جبال خيالاتهم هباء منثورا. والله ولي التوفيق.

стр. 173

* [قال الناظم الرافضي] : ٤٩ - وليس في اللعن على من قد خرج ... على ولي الأمر مطلقا حرج ٥٠ - لا سيما حرب علي المرتضى ... فالمصطفى بكفر حربه قضى ٥١ - لقوله حرب علي حربي ... فحربه كفر مبيح السب ٥٢ - وحمله على وجوب حربه ... لا كفره حمل قضى بنصبه ٥٣ - إذ العموم ظاهر والأظهر ... الكفر فالحمل عليه أجدر أقول: إن الخروج والبغي على ولي الأمر إذا كان لدليل واجتهاد كما كان من الصحابة ﵃، لا محذور فيه، بل يترتب عليه ثواب الاجتهاد على ما سيجيء إن شاء الله، ولا يلحقه ذم أصلا، فضلا عن اللعن الذي هو أدهى من السب وأمر، وإن لم يكن لدليل واجتهاد كان مرتكبه صاحب كبيرة، وهو ليس بخارج عن الإسلام بشهادة الآيات والأحاديث ونصوص الأئمة على ما سيجيء قربيا إن شاء الله تعالى،

стр. 174

وسباب المسلم ولعنه قد تبين لك حكمه قريبا. فعلى كلا الوجهين قول الناظم الزائغ الذي هو عين قول إخوانه ناشئ من الجهل وعمى البصيرة، والعياذ بالله تعالى. وإلا فلا يتصور ذلك من عاقل فضلا عن ذوي المعرفة من الأفاضل. * وكذلك قوله: (لا سيما حرب علي ... إلخ) فإنه أول دليل على جهلهم وضلالهم؛ إذ قد تبين في الأصل أن خبر " حربك حربي " ليس بمقبول لذى أهل السنة؛ كما نبه عليه الحفاظ. ومن شرط الدليل أن يكون مسلما عند الخصم، كما هو مقتضى قانون المناظرة. نعم ذكره الطوسي المنجم وغيره من

стр. 175

الشيعة، وهم بيت الكذب على ما مضى ويأتي، وأكثر رواتهم زنادقة بشهادة الأئمة رضي الله تعالى عنهم، كما يشهد بذلك الكافي وغيره. وعلى تقدير صحة الرواية، لا حجة فيه لأنه خارج مخرج التهديد والتغليظ، بدليل ما حكم به الأمير كرم الله تعالى وجهه من بقاء إيمان أهل الشام وأخوتهم في الإسلام. ومثل ذلك كثير في الكتاب والسنة. أو يخص الحرب بما كان -كحرب الخوارج- صادرا عن بغض وعداوة وإنكار لياقة الأمير كرم الله تعالى وجهه للخلافة، باعتبار الدين، وذلك كفر عند كل مؤمن وأدلة التخصيص أكثر من أن تحصر. وقال بعض: لا شك أن المقصود التشبيه بحذف الأداة كـ " زيد أسد " وكأنه قيل: حربك كحربي، فإن كان الحرب فيه المصدر المبني للفاعل صح أن يكون وجه الشبه الوجوب، أي أن حربك لمن حاربك وبغى عليك من المؤمنين واجب عليك كحربي لمن حاربني من الكافرين، واشتراك الحربين

стр. 176

في الوجوب لا يستدعي اشتراك المحاربين -بصيغة اسم المفعول- في الكفر، وهو ظاهر، وإن كان الحرب فيه المصدر المبني للمفعول صح أن يكون وجه الشبه كونه حراما وضلالا مثلا، ولا يتعين كونه كفرا، ومن أصحابنا من منع كون حرب الرسول ﵊ كفرا. فقد قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فإنها نزلت في آكلي الربا، وهم ليسوا بكفار. وقال جل وعلا في قطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ولم تحكم الشيعة بكفرهم أيضا، وفيه تأمل لا يخفى وجهه. انتهى. فقد علمت بما تقرر أن قول الناظم: (وحمله.. إلخ) نشأ من مزيد ضلاله وغيه وغلوه في الدين؛ إذ الناصبي كيف يحمل الخبر -إن صح- على وجوب الحرب، بل لا بد أن يحمله كالروافض على ماتهواه أنفسهم من غير قرينة ولا دليل. وأما الوجوب فقرينته ظاهرة على ما قررناه سابقا.

стр. 177

* وقوله: (إذ العموم ... إلخ) مردود بما ورد للتخصيص من الدلائل، منها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلتين مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهما. وفي نهج البلاغة: (أن عليا -كرم الله تعالى وجهه- خطب يوما فقال: أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاع والشبهة) . وصلح الحسن رضي الله تعالى عنه أول دليل على ذلك عند من له قلب. وفي صحيح البخاري عنه ﷺ في سبطه الحسن ﵁: ( «إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» ) فسمى كلا الفئتين مسلمين. وفيه أيضا من حديث: ( «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول

стр. 178

في النار» ) فسمى كلا المتقاتلين مسلما. وهذا الحديث محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ. وبطل أيضا قوله: (والأظهر الكفر.... إلخ) بما قررنا، فما هذى به ناشئ من سوء الفهم وقلة الدراية، ومستلزم للضلالة والغواية. نسأله تعالى التوفيق والهداية. * [قال الناظم الرافضي] : ٥٤ - فما ادعوا في ابن البغي هند ... من أنه تاب فغير مجد أقول: اخسأ يا عدو الله ورسوله، أنت وإخوانك الشياطين، فقد بؤتم بغضب الله ومقته وخرجتم من طريقة المسلمين: ماذا تقول من الخنا وتردد ... والمرء يولع بالذي يتعود

стр. 179

أتظن يا لعين، ياحطب سجين، أن كل الناس كالروافض أولاد متعة وزنى ومنشؤهم من الفواحش والخنا، كلا ما شارككم في ذلك أحد ولا ضاهاكم فيما هنالك إلا من كفر وجحد. أعميت يابن الكلبة!! عن قرابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فغدوت تصف من طهره الله تعالى بقبيح صفاتك، وتتكلم بما تتكلم. ألم تعلم أن هندا -رضي الله تعالى عنها - على ما في " فتح الباري " شرح صحيح البخاري هي بنت عتبة بن ربيعة بن عبد

стр. 180

شمس، أحد أعمام النبي ﵊. وهي والدة معاوية، قتل أبوها ببدر، ثم أسلمت هند يوم الفتح وكانت من عقلاء النساء، وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، ثم طلقها فتزوجها أبو سفيان فأنتجت عنده، وهي القائلة للنبي ﷺ لما شرط على النساء المبابعة: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ : وهل تزني الحرة؟ .
следующие страницы →