← Акыда

Акыда · id 9775

صب العذاب على من سب الأصحاب

محمود شكري الألوسي

Полный текст (311 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في الوجوب لا يستدعي اشتراك المحاربين -بصيغة اسم المفعول- في الكفر، وهو ظاهر، وإن كان الحرب فيه المصدر المبني للمفعول صح أن يكون وجه الشبه كونه حراما وضلالا مثلا، ولا يتعين كونه كفرا، ومن أصحابنا من منع كون حرب الرسول ﵊ كفرا. فقد قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فإنها نزلت في آكلي الربا، وهم ليسوا بكفار. وقال جل وعلا في قطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ولم تحكم الشيعة بكفرهم أيضا، وفيه تأمل لا يخفى وجهه. انتهى. فقد علمت بما تقرر أن قول الناظم: (وحمله.. إلخ) نشأ من مزيد ضلاله وغيه وغلوه في الدين؛ إذ الناصبي كيف يحمل الخبر -إن صح- على وجوب الحرب، بل لا بد أن يحمله كالروافض على ماتهواه أنفسهم من غير قرينة ولا دليل. وأما الوجوب فقرينته ظاهرة على ما قررناه سابقا.

стр. 177

* وقوله: (إذ العموم ... إلخ) مردود بما ورد للتخصيص من الدلائل، منها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلتين مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهما. وفي نهج البلاغة: (أن عليا -كرم الله تعالى وجهه- خطب يوما فقال: أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاع والشبهة) . وصلح الحسن رضي الله تعالى عنه أول دليل على ذلك عند من له قلب. وفي صحيح البخاري عنه ﷺ في سبطه الحسن ﵁: ( «إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» ) فسمى كلا الفئتين مسلمين. وفيه أيضا من حديث: ( «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول

стр. 178

في النار» ) فسمى كلا المتقاتلين مسلما. وهذا الحديث محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ. وبطل أيضا قوله: (والأظهر الكفر.... إلخ) بما قررنا، فما هذى به ناشئ من سوء الفهم وقلة الدراية، ومستلزم للضلالة والغواية. نسأله تعالى التوفيق والهداية. * [قال الناظم الرافضي] : ٥٤ - فما ادعوا في ابن البغي هند ... من أنه تاب فغير مجد أقول: اخسأ يا عدو الله ورسوله، أنت وإخوانك الشياطين، فقد بؤتم بغضب الله ومقته وخرجتم من طريقة المسلمين: ماذا تقول من الخنا وتردد ... والمرء يولع بالذي يتعود

стр. 179

أتظن يا لعين، ياحطب سجين، أن كل الناس كالروافض أولاد متعة وزنى ومنشؤهم من الفواحش والخنا، كلا ما شارككم في ذلك أحد ولا ضاهاكم فيما هنالك إلا من كفر وجحد. أعميت يابن الكلبة!! عن قرابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فغدوت تصف من طهره الله تعالى بقبيح صفاتك، وتتكلم بما تتكلم. ألم تعلم أن هندا -رضي الله تعالى عنها - على ما في " فتح الباري " شرح صحيح البخاري هي بنت عتبة بن ربيعة بن عبد

стр. 180

شمس، أحد أعمام النبي ﵊. وهي والدة معاوية، قتل أبوها ببدر، ثم أسلمت هند يوم الفتح وكانت من عقلاء النساء، وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، ثم طلقها فتزوجها أبو سفيان فأنتجت عنده، وهي القائلة للنبي ﷺ لما شرط على النساء المبابعة: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ : وهل تزني الحرة؟ .

стр. 181

وماتت في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. انتهى. وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض» «أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك. قال: (وأيضا والذي نفسي بيده) » . قال ابن التين: (فيه تصديق لها فيما ذكرته) . وقال غيره (المعنى بقوله: وأيضا، ستزيدين في المحبة كلما تمكن الإيمان من قلبك، وترجعين عن البغض المذكور حتى لا يبقى له أثر، فـ "أيضا"

стр. 182

خاص بما يتعلق بها، وكانت ابنتها من أمهات المؤمنين، رضي الله تعالى عنهم. فقد استحق هذا الناظم الخبيث أن ينشد فيه قول الإمام الأوحد الشيخ عثمان بن سند، وهو هذا: على الناظم الملعون لعن مجدد ... يدوم عليه دون من هو نائل فاقصر عليك اللعن إنك قاصر ... وهل وتد بالقاع للبدر طائل وهل لبغاث الطير نسر صقورها ... وهل يستوي زج فخارا وعامل

стр. 183

ومن نطق الذكر الجميل بفضله ... فكل هجاء في مزايا باطل وحقق لي فضل الصحابة أنهم ... رمتهم بأنواع الهجاء الأراذل فما زالت الأشراف يعنى بذمها ال ... خساس ويعنى في ثناها الأفاضل إلى أن قال: ألا بغلاة الرفض تمكن فرصة ... فأعلمهم والله كيف أقاتل بكل همام من أولي الحق ضيغم ... إذا انجر من حرب عوان كلاكل فناجينه هام الكماة وخمره ... نجيع المواضي واللباس القساطل

стр. 184

لأنصر صحب المصطفى بعد موتهم ... فنصرهم فرض به الله قائل إليكم ذوي الأقدار من صحب أحمد ... خريدة فكر بالثنا تترافل نضوت ظباها من مغامد فكرتي ... فجزت بها للباغضين المقاول فهذا فؤادي صاقل لحدودها ... وهذا لساني ينتضي ويقاتل عليكم من الرحمن ما ذر شارق ... سلام به وصف المودة كامل

стр. 185

وقوله: (من أنه تاب فغير مجد) مردود بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ( «كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا فسأله، فقال له: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة» «الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه [أن تقربي وأوحى الله إلى هذه] أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له» ) فمن حال بين الله وبين توبة من صاحب أشرف الخلق صلى الله تعالى عليه وسلم وكتب وحي ربه، وبذل نفسه في

стр. 186

سبيل الله على فرض صدور المعصية منه، وقد أسلفنا أن ما سبق من عناية الله تعالى في جميع صحابة حبيبه الأعظم -صلى الله تعالى عليه وسلم- يقتضي دخولهم بطريق الأولى في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . نعم ذكر بعض المحققين من أهل السنة: أن توبة المبتدع لا تقبل بناء على عدم تحقق رجوعه عما وسوس إليه الشيطان، وتمكن الضلال في قلبه، بخلاف الفاسق، فإنه يعترف بمعصيته، ويقر بخطيئته، ولا يعتقد أن ذلك من صالح الأعمال، وسبب للأمن من العذاب والنكال، فإذا ندم على ما فرط ورجع إلى الله، عفا الله عنه بمحض كرمه وجوده بلا اشتباه.

стр. 187

* [قال الناظم الرافضي] : ٥٥ - كيف وكان حربه دراية ... وتوبة تنمى له رواية أقول: سيجيء الكلام على أن حربه لم يكن معصية حيث لم يكن لعدواة دينيه. * وقوله: " وتوبة ... إلخ " لا يضر شيئا؛ لأن الرواية الصحيحة ولا سيما إذا عضدها الآيات والأحاديث وأقوال العترة -على ما سبق غير مرة- أفادت العلم بمدلولها. وقد ذكر الأصوليون أن خبر الواحد قد يفيد العلم بقرينة، ويجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعا، وكذا غيرهما قياسا. فما ذكره من السند لا يفيده شيئا.

стр. 188

* [قال الناظم] : ٥٦ - ومن يقل عن اجتهاد كان ... لم لا يقل في قاتلي عثمانا أقول: لا شبهة في كون حرب الصحابة ﵃ بعضهم مع بعض ناشئا عن محض اجتهاد؛ لا من زيغ وعناد. وقد ذكر العلامة ابن حجر المكي في كتابه " تطهير الجنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان " الدلائل التي تمسك بها معاوية في حربه مع الأمير كرم الله وجهه، ولو كان عن محض هوى لما تمسك بشيء من ذلك، على أن تخصيص معاوية بهذا الحكم غير مرضي؛ لأنه لم ينفرد به بل وافقه عليه جماعات من أجلاء الصحابة والتابعين كما يعلم من السير والتواريخ، وسبقه إلى مقاتلة علي من هو أجل من معاوية، كعائشة والزبير وطلحة ومن كان معهم من الصحابة الكثيرين جدا، فقاتلوا عليا يوم الجمل حتى قتل طلحة وولى الزبير ثم قتل.

стр. 189

وتأويلهم من كون علي منع ورثة عثمان من قتل قاتليه هو تأويل معاوية بعينه، فكما أن أولئك الصحابة الأجلاء استباحوا قتال علي بهذا التأويل فكذلك معاوية وأصحابه استباحوا قتاله بعين هذا التأويل. ومع استباحتهم لقتال علي اعتذر علي عنهم نظرا لتأويلهم الغير القطعي البطلان، فقال: " إخواننا بغوا علينا ". وأخرج ابن أبي شيبة بسنده أن عليا كرم الله تعالى وجهه سئل يوم الجمل عن المقاتلين له أمشركون هم؟ فقال: " من الشرك فروا " قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: هم إخواننا بغوا علينا. فسماهم إخوانه، فدل على بقاء إسلامهم، بل كمالهم، أنهم معذورون في قتالهم له. وروى عبد الرزاق عن الزهري أنه قال: (وقعت الفتنة فاجتمعت

стр. 190

الصحابة -وهم متوافرون وفيهم كثيرون ممن شهد بدرا- على أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو هدر، وكل ما أتلف بتأويل القرآن، فلا ضمان فيه. وكل فرج استحل بتأويل القرآن فلا حد فيه، وما كان موجودا بعينه يرد على صاحبه. وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي أن عليا رضي الله تعالى عنه قال لأصحابه يوم الجمل: (لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ومن ألقى سلاحه فهو آمن) .

стр. 191

وفي أخرى: (لا يقتل مقبل) أي إلا إن صال ولم يمكنه دفعه إلا بقتله (ولا مدبر، ولا يفتح باب، ولا يستحل فرج ولا مال) . قال ابن حجر في كتابه تطهير الجنان: (وأما تكفير طائفة من الرافضة لكل من قاتل عليا، فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا، فلا يتأهلون لخطاب، ولا يوجه إليهم جواب؛ لأنهم معاندون وعن الحق ناكبون، بل أشبهوا كفار قريش في العناد والبهتان حتى لم ينفع فيهم معجزة ولا قرآن، وإنما النافع فيهم القتل والجلاء عن الأوطان، كيف وهم لا يرجعون لدليل وشفاء العليل منهم كالمستحيل. * وقوله: (لم لا يقل في قاتلي عثمان) نشأ من جهله وغباوته وضلاله؛ لأن قاتليه رضي الله تعالى عنه لم يكونوا من الصحابة، بل من أوباش مصر كما حقق ذلك في الكتب المعتمدة عليها.

стр. 192

قال العلامة ابن حجر في تطهير الجنان: (إن عثمان رضي الله تعالى عنه رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلا قائلا له: ( «اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة» ) فلما أصبح أعتق عشرين عبدا وتسرول، ولم يلبس السراويل جاهلية ولا إسلاما إلا يومئذ؛ لأنه أبلغ في الستر من غيره. وفي رواية: (أنه لما رأى ذلك المنام فتح بابه، ووضع المصحف بين يديه، فدخل عليه محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما

стр. 193

فأخذ بلحيته، فقال: لقد أخذت مني مأخذا وقعدت مني مقعدا ما كان أبوك ليأخذه أو يقعده، فتركه وخرج، فدخل عليه رجل يقال له: الموت الأسود، فخنقه ثم خنقه، ثم خرج واعتذر بأنه لم ير شيئا قط ألين من حلقه، ثم دخل عليه آخر فقال له: بيني وبينك كتاب الله، فخرج، ثم دخل آخر فضربه بسيف فتلقاه بيده فقطعها والمصحف بين يديه) . وفي رواية: أن الدم وقع على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . قال راويه: فهي في المصحف كذلك ما حكت بعد. انتهى. وتمام القصة في ذلك الكتاب فعليك به. وقد ذكرت مبسوطة في كتب السير والتواريخ وفيها أشياء لم

стр. 194

تصح، فلا تغتر بها، ولو كان لأحد من الصحابة دخل في هذه الحادثة العظيمة حملنا ذلك أيضا على الاجتهاد، ولم يقل أهل السنة: إن قاتلي عثمان كفار بل هم عصاة مرتكبو كبيرة. * قال الناظم: ٥٧ - وفي البخاري قتال المسلم ... كفر ويحكى عن صحيح مسلم ٥٨ - ففي قتال المرتضى دلالة ... بكفر أهل البغي والضلالة أقول: قد تكلمنا سابقا على ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من قوله ﷺ : ( «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ) بلا مزيد عليه، وذكرنا أن القتال إنما يكون كفرا إذا لم يكن لتأويل سائغ؛ لأن الله تعالى قد سمى الطائفة الباغية مؤمنة. وفي كتاب الإيمان من صحيح البخاري ( «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» ... ) إلخ فسماهما مسلمين، وكون القاتل والمقتول في النار إذا لم يكن لتأويل سائغ أيضا كما ذكره الحافظ ابن

стр. 195

حجر العسقلاني في شرحه على البخاري. وقال الأمير كرم الله وجهه على ما في نهج البلاغة: (أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة) . فقد تبين لك أن الناظم وإخوانه من الرافضة قد خالفوا الله ورسوله والأئمة في حكمهم بكفر المقاتل من البغاة. وسيجيء في صلح الحسن رضي الله تعالى عنه ما يكب الروافض على وجوههم ومناخرهم. * [قال الناظم] : ٥٩ - وكيف لا نسب من يسب من ... واخى النبي المصطفى أبا الحسن ٦٠ - محللا لسبه بين الملا ... ويل لمن في كفره تأملا أقول -وإن كان القول لا يشفي العليل، ولا يروي الغليل -: كفرت بلا شك لدى كل مسلم ... بسبك أصحاب النبي محمد

стр. 196

كذبت عدو الله لست بصادق ... وأني يرجى الصدق من قول مارد كذبت فما كانوا سوى خير معشر ... وخير نجار من فخار وسؤدد ولنعم ما ذكر في الأصل، وما يذكره المؤرخون من أن معاوية رضي الله تعالى عنه كان يقع في الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه، ويتكلم بما يتكلم في شأنه مما لا ينبغي أن يعول عليه أو يلتفت إليه؛ لأن المؤرخين ينقلون ما خبث وطاب، ولا يميزون بين الصحيح والموضوع والضعيف، وأكثرهم حاطب ليل، لا يدري ما يجمع. فالاعتماد على مثل ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق الوعر والمهمه الذي تضل فيه القطا ويقصر دونه الخطا، مما لا يليق بشأن عاقل، فضلا عن فاضل.

стр. 197

وما جاء من ذلك في بعض روايات صحيحة وكتب معتبرة رجيحة، فينبغي أيضا التوقف عن قبوله والعمل بموجبه، لأن له معارضات مثله في الصحة والثبوت. على أن من سلم من داء التعصب وبرئ من وصمة الوقوع في أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حمل ذلك على أحسن المحامل وأوله بما يندفع به الطعن عن أولئك السادة الأماثل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. انتهى. ولعمري إن من لم يؤثر فيه مثل هذا الكلام، فلا شك أنه من جملة الأنعام. * وقوله: (ويل لمن في كفره تأملا) ناص على كفره وكفر من يقول بذلك من إخوانه، كيف وقد حكم بإسلامه الأمير كرم الله وجهه في خطبته السابقة ونهى عن سب أهل الشام ونزل الإمام الحسن ﵁ عن الخلافة له كما سيأتي!! . إلى غير ذلك من الدلائل والبراهين الدالة على إيمانه وإسلامه، وقد أسلفناها لك غير مرة. فتبا لهذه الفرقة الضالة والفئة الزائغة، المستحقة لما أنشده فيهم الشيخ عثمان بن سند:

стр. 198

لا ساعدتني على أعدائي الذبل ... ولا سما بي إلى مجد سما عمل ولا شربت كئوس الفضل مترعة ... علما ينادمني في شربها خول ولا هززت من الآداب فن ثنى ... يميس من لطفه طورا ويعتدل إن لم أجرد حسام الهجو في نفر ... تجردوا من لباس الدين وانعزلوا وقطعوا ربقة الإسلام وانقطعوا ... عن الجماعة أهل الحق وانخزلوا وأصبحوا مثل أتن لا رعاة لها ... بلى لها من هوى شيطانها طيل

стр. 199

إذ جردوا في لسان الصحب ألسنة ... قد شانها الإفك والبهتان والخطل حتى ادعوا أنهم عن عهد حيدرة ... وعهد أحمد خير الناس قد عدلوا وأنهم جحدوا يوم الغدير وما ... حكاه فيه رسول الله وانتقلوا والله ما جحدوا منه مناقبه ال ... لاتي كشمس الضحى كلا وما جهلوا وهل لهم جحد أوصاف له ظهرت ... ظهور نار ذكاها اليل والجبل أم كيف يجهلها قوم ضمائرهم ... مثل المصابيح بالأسرار تشتعل وأن يميلوا إليها مسرعين فما ... عليهم حرج فالفضل يعتجل وهذه القصيدة طويلة جدا قد اقتصرنا منها على ما يسر الودود ويسوء الحسود.

стр. 200

* [قال الناظم] : ٦١ - وما روي فيه فكذب مفترى ... وفعله الشنيع ينفي الخبرا ٦٢ - وهل يكون هاديا مهديا ... من سن سب المرتضى عليا ٦٣ - وليته أبدله بالوارد ... عن النبي في حديث القائد أقول: إنكار ما روي في معاوية رضي الله تعالى عنه مكابرة، ونعوذ بالله تعالى منها. وقد ألف العلامة ابن حجر المكي كتابا جليلا في مناقبه (تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان مع المدح الجلي وإثبات الحق العلي لمولانا أمير المؤمنين علي) . وهو ما يقارب مائتي صفحة، طالعته -ولله الحمد- من أوله وآخره فوجدته كتابا يصدح بالحق، وينطق بالصدق، وفي فتح الباري شرح

стр. 201

صحيح البخاري، في كتاب المناقب أن ابن أبي عاصم قد صنف جزءا في مناقبه، وكذلك أبو عمر غلام ثعلب، وأبو بكر النقاش. انتهى. ولو لم تكن له منقبة سوى الصحبة لكفت في فضله. كيف [لا] وأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يطاولون في فضلهم، ولا يساجلون في كمالهم، لو أنفق غيرهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، ولا يضرهم إنكار الروافض مناقبهم الجليلة، ومزاياهم الشريفة [قال تعالى] : ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ .

стр. 202

وقوله: (وهل يكون هاديا ... إلخ) ناشئ من تعصبه وضلاله، فإن لهذا الحديث شواهد كثيرة تؤكد صحته. منها: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ( «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ) . وقد خرج طرقه العلامة ابن حجر في تطهير الجنان، بحيث لا يشك في صحته إنسان. * وقوله: (وسن السب) قد تبين كذبه بما لا مزيد عليه. * وقوله: (وليته أبدله بالوارد ... إلخ) باطل؛ إذ حديث القائد مما لا وجود له في الكتب المعتمد عليها لدى أهل السنة. وقد أورده ابن أبي الحديد في ضمن كتاب كتبه المعتضد

стр. 203

بالله سنة (٢٨٤) ناقلا له على سبيل الاختصار من تاريخ أبي جعفر محمد ابن جرير الطبري، وابن أبي الحديد لا يعتد بنقله، فإنه من الغلاة كما يدل على ذلك قوله في الأمير: يجل عن الأعراض والأين والمتى ... ويكبر عن تشبيهه بالعناصر

стр. 204

على أن ابن الأثير الجزري ذكر في حوادث سنة أربع وثمانين ومائتين: وفيها: أمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس، وهو كتاب طويل، قد أحسن كتابته إلا أنه قد استدل فيه على وجوب اللعن بأحاديث كثيرة لا تصح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. ولو سلم صحته فمحمول على ما قبل الإسلام، لعموم نصوص المدح من غير مخصص على الأصحاب بعده. ولو سلم أن ذلك بعد الإسلام فاللعن الصادر عن النبي ﵊ في حق بعض أمته محمول على الرحمة كما ورد ذلك في عدة أحاديث صحيحة.

стр. 205

استوفاها العلامة السويدي في كتابه الصارم الحديد. فقد تبين بما قررناه أن قول الناظم وإخوانه مما لا ينبغي أن يصغى إليه فإنه محض هذيان لا يحتاج إلى التنبيه عليه. * قال الناظم: ٦٤ - فحب من على الفراش اضطجعا ... وحبه ضدان لن يجتمعا ٦٥ - فلا نحبه ورب الكعبة ... كلا ولا نحب من أحبه أقول: يريد بقوله: (من على الفراش اضطجعا) الأمير كرم الله تعالى وجهه، وذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما عزم على الهجرة

стр. 206

أمر فاستصحب أبا بكر رضي الله تعالى عنه. وأخبر عليا كرم الله وجهه بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس. وأمر أن ينام عوضه في مضجعه ليبهم الأمر على كفار قريش وقال: إنه لن يصل إليك أمر تكرهه. فبات على فراشه ﵊، وهم يرجمونه فلم يضطرب، ولم يكترث إلى أن كان نصف الليل، هجموا عليه شاهرين السيوف، فثار في وجوههم فعرفوه فولوا خاسئين، ورد الله كيدهم في نحورهم وسألوه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: لا أدري. ومما ينسب إليه في ذلك قوله كرم الله وجهه: وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا ... وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر وبت أراعي منهم ما يسوءني ... وقد صبرت نفسي على القتل والأسر

стр. 207

وبات رسول الله في الغار آمنا ... ولا زال في حفظ الإله وفي الستر والقصة شهيرة في كتب السير. وهذه شذرة من فضائله رضي الله تعالى عنه. وقوله: (وحبه ... إلخ) الضمير لابن هند وهو معاوية رضي الله تعالى عنه. والضدان الأمران الوجوديان المتواردان على محل واحد، بينهما غاية الخلاف، كالسواد والبياض. ولا يخفاك أن هذا حكم باطل، وكلام عاطل؛ بل هو ضرب من الهذيان أشبه شيء بكلام المجانين والصبيان، فإن من أحب معاوية رضي الله تعالى عنه إنما حبه لكونه صحب النبي ﷺ وصلى معه وكتب له وحي ربه وغزا معه وجاهد في سبيل الله، ولهذه المناقب الجليلة حملت محاربته على الاجتهاد، وإنها لم تكن لأمر دنيوي ولا فساد، والذي جرأ الناظم وإخوانه من الأرفاض على هذا القول الفاسد والزعم

стр. 208

الكاسد اعتقاد أن معاوية وأضرابه من الصحابة أعداء الأمير، وأن محاربتهم له نشأت عن محبة في متاع الحياة الدنيا ولمال كثير، وينشدون في ذلك قول من قال: إذا صافى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانقطع الكلام وقوله: صديق صديقي داخل في صداقتي ... عدو صديقي ليس لي بصديق وقد قدمنا لك ما يبطل ما اعتقدوه، ويهدم أساس ما شيدوه. ويشهد لذلك ما ذكر في الأصل من خبر ضرار وكذا غيره من الأخبار

стр. 209

التي ملئت منها بطون الأسفار. ثم إن كون حب شخص وحب آخر عدو له ضدان مما يشهد بفساده العيان من غير حاجة إلى دليل ولا برهان. والكلام على فساد هذه القضية مستوفى في كتابي التحفة الاثني عشرية. وقوله: (فلا نحبه ورب الكعبة ... إلخ) مما لا يحتاج إلى قسم فإن كل أحد يعلم بغض الروافض لأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم، معاوية وغيره؛ إلا ما استثني منهم من العدد القليل. فهذا القسم ليس للتأكيد ورد الإنكار؛ بل لإظهار كمال الرغبة في هذه العقيدة الفاسدة.

стр. 210

فهذا كقول إخوانهم الذي حكاه الله تعالى عنهم بقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ . فقد ذكر علماء البلاغة أن تأكيد كلامهم مع شياطينهم ليس لرد إنكار فإنه لا إنكار، بل لإظهار كمال الرغبة فيه. وبغضهم لمن أحب معاوية وسائر الصحابة من أهل الحق أيضا مما لا شبهة فيه، ولا ريب يعتريه. [قال تعالى:] ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ، وكفر إبليس اللعين أشهر من أن يذكر. فلم يقصد الناظم بذلك الإخبار، بل قصد لازما من لوازم الخبر وهو أنه من أهل النار. ورأس مال الروافض إنما هو البغض واللطم والسب واللعن والزور. [قال تعالى] : ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وما أحسن قول الزومي:

стр. 211

لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل وكل امرئ ألفى أباه مقصرا ... عدو لأهل المكرمات الأفاضل وإني شقي باللئام ولا أرى ... شقيا لهم إلا كريم الشمائل * [قال الناظم] : ٦٦ - وليس في صلح الإمام الحسن ... باس فإنه لسر مكمن ٦٧ - كصلح جده نبي الرحمة ... صلحا رأى فيه صلاح الأمة ٦٨ - وقد رأى بالأمس خير ناصح ... صلح بني الأصفر للمصالح ٦٩ - لما تراءى مرض القلوب ... من رؤساء الجند في الحروب أقول: إن قصة صلح الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه مذكورة في

стр. 212

كتب الحديث والسير بأتم وجه. وقد ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري مفصلة، وهي شهيرة لا حاجة لنا إلى ذكرها. وهي أول دليل على إسلام معاوية رضي الله تعالى عنه. وقد روى المرتضى وصاحب الفصول المهمة من الإمامية: أنه لما انبرم

стр. 213

الصلح بينه رضي الله تعالى عنه وبين معاوية خطب فقال: إن معاوية نازعني حقا لي دونه، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني، وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم. انتهى. وفي هذا دلالة واضحة على إسلام الفريق المصالح، وأن المصالحة لم تقع إلا اختيارا، ولو كان المصالح كافرا لما جاز ذلك، ولما صح أن يقال: فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة ... إلخ، فقد قال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ . * فقول الناظم: (وليس في صلح ... إلخ) كلمة حق أريد بها باطل. وقوله: (لسر ممكن ... إلخ) ليس له وجه، بل سر ذلك ظاهر لا يخفى إلا على من أعمى الله تعالى عين بصيرته؛ إذ قد صرح به الإمام في نفس خطبته، حيث قال: فنظرت الصلاح للأمة ... إلخ) ويدل على ذلك الحديث الصحيح، وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:

стр. 214

( «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» ) وفيه أيضا دلالة ظاهرة على إسلام الفريق المصالح. * وقوله: (كصلح جده ... إلخ) قياس مع الفارق؛ فإن جده صلى الله تعالى عليه وسلم لم يول الكافرين على أمور المسلمين، بل هادنهم وتاركهم مدة، ثم قاتلهم حتى جاء نصر الله. والإمام -بزعم الروافض- ولى ذلك من يعتقده الروافض كافرا والعياذ بالله تعالى. وفي فتح الباري شرح صحيح البخاري عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ : (ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة؛ أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا) . * وقوله: (وقد رأى ... إلخ) كذلك قياس مع الفارق؛ إذ لم يكن في هذا الصلح تولية الكفار على المسلمين، بل كان فيه إجراء بعض الشروط التي طلبوها. * وقوله: (لما تراءى ... إلخ) ليس كما زعم، فإن الجنود ورؤساءهم لم يألوا جهدا في جهادهم ولا قصروا في حروبهم؛ بل كان أمر الله قدرا

стр. 215

مقدورا. ولا يخفى ما في هذا الكلام من سوء الأدب في شأن رؤساء الجنود الإسلامية، والتجاسر على العساكر المحروسين بعين العناية الربانية. ولا بدع في ذلك؛ فإنهم كم أجروا من الروافض الدماء، وقتلوا منهم الألوف، ويتموا الأولاد وأيموا النساء وسقوهم سم الحتوف، والوقائع معهم كثيرة، وقصص رزاياهم شهيرة: ومن أشهرها: وقعة كربلاء في أيام نجيب باشا عليه الرحمة، وقد أرخها الشاعر الشهير السيد عبد الغفار الأخرس -رحمه الله تعالى- بقوله:
следующие страницы →